← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فأرسلتُ إليه أو أردتُ أن أرسل إليه: إنَّك من أهل بيتِ صِدْقٍ وإن الله تعالى لم يبعث نبيّه ﷺ بالحمق وإن صَنِيعَك هذا صنيعُ أحَمْق (١). فالجواب: أنا لا نظن بعون أنه أمر الجارية أن تقص على الرجال بل أحَبَّ أن يسمعها مُنْفَردًا وهي مِلْكُه، فقال له مغيرةُ الفقيهُ هذا القولَ، وكره أن تطرب الجاريةُ له، فما ظَنُّكَ بمن يُسْمِعْهُنَّ الرجال. • وقد ذكر أبو طالب المكي: أن عبد الله بن جعفر كان يسمع الغناء، وإنما كان يسمع إنشاد جواريه (٢). • قال المصنف: وقد أردفَ ابن طاهر الحكايةَ التي ذكرها عن الشافعي ﵀ وقد ذكرناها آنفًا - بحكاية عن أحمد بن حنبل رواها من طريق أبي عبد الرحمن السلمي قال: نا الحسين بن أحمد قال: سمعت أبا العباس الفرغاني يقول: سمعت صالح بن أحمد بن حنبل يقول: كنت أحبُّ السَّماعَ وكان أبي يكرهُ ذلك فواعدتُ ليلةً ابن الخَبَّازة فمكث عندي إلى أن علمتُ أن أبي قد نام وأخذ يغنِّي فسمعتُ حِسَّه فوق السَّطْح فصعدت فرأيتُ أبي فوق السَّطح يسمع وذيله تحت إِبِطِه يتبختَر (٣) على السطح كأنه يرقص (٤).

стр. 562

قال المصنف ﵀: قلت: هذه الحكاية قد بلغتنا من غير طريق ففي بعض الطرق عن صالح قال: كنت أدعو ابنَ الخبازة القصائدي وكان يقولُ ويُلَحِّن وكان أبي في الزقاق يذهبُ ويجيء ويسمع إليه وكان بيننا وبينه باب وكان يقف من وراء الباب يستمع. وقد أخبرنا بها أبو منصور القزاز قال: نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أحمد بن علي بن الحسين التَّوَّزِي قال: نا يوسف بن عمر القواس قال: سمعت أبا بكر بن مالك القطيعي يحكي - أظنُّه - عن عبد الله بن أحمد قال: كنت أدعو ابن الخبازة وكان أبي ينهانا عن الغناء فكنتُ إذا كان عندي أكْتُمُه من أبي؛ لئلا يسمع فكان ذات ليلة عندي وكان يقول فَعَرَضَتْ لأبي عندنا حاجة وكانوا في زُقَاق فجاء فسمعه يقول، فتسمع فوقع في سمعه شيء من قوله فخرجتُ لأنظرَ فإذا بأبي ذاهبًا وجائيًا فرددتُ البابَ ودخلت فلما كان من الغد قال لي: يابني، إذا كان مثل هذا: نعم .. هذا الكلام أو معناه (١). قال المصنف ﵀: قلت: وهذا ابن الخبازة كان ينشد القصائد الزُّهديات التي فيها ذكر الآخرة؛ ولذلك استمع إليه أحمد، وقول من قال: ينزعج، فإن الإنسان قد يزعجه الطَّربُ فيميل يمينًا وشمالًا. وأما رواية ابن طاهر التي فيها: فرأيته وذيله تحت إبطه يتبختر على السطح كأنه يرقص. فإنما هو من تغيير الرواة وتغييرهم بما يظنونه المَعْنِيَّ تصحيحًا لمذهبهم في الرقص. وقد ذكرنا القدح في السُّلَمي وفي ابن طاهر الرَّاوِيين لهذه اللقطات (٢).

стр. 563

• وقد احتجَّ لهم أبو طالبٍ المكيُّ على جوازِ السماعِ بمناماتٍ وقسَّم السماع إلى أنواعٍ وهو تقسيمٌ صوفيٌ لا أصلَ له (١). وقد ذَكَرْنا أن من ادَّعى أنه يسمعُ الغناءَ ولا يُؤثِّرُ عندَه تحريكَ النفسِ إلى الهوى فهو كاذبٌ. وقد أخبرنا أبو القاسم الحريري عن أبي الطيب الطبري قال: قال بعضهم: إنَّا لا نسمعُ الغناءَ بالطبعِ الذي يشتَرِكُ فيه الخاصُّ والعامُّ. قال: وهذا تجاهل منه عظيم لأمرين: أحدهما: أنه يلزَم على هذا أن يَستبيحَ العود والطنبور وسائر الملاهي؛ لأنه يسمعُه بالطبع الذي لا يُشَارِكُه فيه أحدٌ من الناس فإن لم يستَبح ذلك فقد نَقَضَ قوله وإن استباحَه فقد فسق. والثاني: أن هذا المُدَّعي لا يَخْلو من أن يَدَّعي أنه فارق طَبْعَ البشر وصار بمنزلة الملائكة! فإن قال هذا فقد تحَرَّضَ (٢) على طبعه وعَلِمَ كلُّ عاقل كَذِبَه إذا رَجَعَ إلى نفسه ووجب أن لا يكون مجاهدًا لنفسه ولا مخالفًا لهواهُ ولا يكونَ له ثواب على ترك اللَّذات والشهوات وهذا لا يقوله عاقل. وإن قال: أنا على طَبْع البشر المَجْبُولِ على الهوى والشهوة. قلنا له: فكيف تسمع الغناء المُطْرِب بغير طبعِكَ، أو تَطْرَبُ لسماعه لغير ما غُرِسَ في نفسك؟! (٣)

стр. 564

أخبرنا ابن ناصر قال: أنبأنا أحمد بن علي بن خلف قال: حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول: سئل أبو علي الرُّوذَبَارِي عمَّن يسمع الملاهي ويقول: هي لي حلال؛ لأني قد وصلت إلى درجة لا تؤثَرُ فيَّ اختلاف الأحوال. فقال: نعم قد وصَلَ لعَمْري! ولكن إلى سَقَر (١). فإن قيل: قد بلغنا عن جماعة أنهم سمعوا من المُنشد شيئًا فأخذوه على مقصودهم فانتفعوا به قلنا: لا ننكر أن يسمع الإنسانُ بيتًا من الشعر أو حكمةً فيأْخُذَها إشارة فتزعِجُه لمعناها لا لأنَّ الصوتَ مُطرِبٌ كما سمعَ بعضُ المريدينَ صوت مغنِّيةٍ تقول: كُلُّ يَوْم تتلوَّن … غُيْرُ هذا بكَ أجْمَل فصاحَ ومات (٢). فهذا لم يَقْصِدْ سماع المرأة ولم يلتفتْ إلى التلحين وإنما قتَلَه المعنى. ثم ليس سماعُ كلمةٍ أو بيتٍ لم يُقْصَدْ سماعهما كالاستعداد لسماع الأبيات الكثيرة المطربة مع انضمامِ الضَّرب بالقضيب والتَّصفيق إلى غير ذلك. ثم إن ذلك السامعَ لم يقصدِ السماع، ولو سألَنا: هل يجوزُ لى أن أقصِد سماعَ ذلك؟ مَنَعْناه.

стр. 565

• وقد احتجَّ لهم أبو حامد الطُّوسي بأشياء نَزَلَ فيها عن رُتْبَتِه من الفهم، مجموعُها أنه قال: • ما يدلُّ على تحريم السماعِ نصٌّ ولا قياس. وجواب هذا قد أسْلفناه (١). • وقال: لا وجه لتحريم سماع صوت طيِّب فإذا كان موزونًا فلا يحرم أيضًا وإذا لم يحرم الآحادُ لم يحرم المجموع، فإن أفراد المباحات إذا اتجمعت كان المجموع مباحًا. قال: ولكن يُنْظَرُ فيما يُفهم من ذلك فإن كان فيه أمرٌ محظور حَرُمَ نثره ونظمه، وحرم التصويت به (٢). قال المصنف ﵀ قلت: وإني لأتعجَّبُ من هذا الكلام، فإن الوتَرَ بمفردِه أو العودَ وحده من غير وَتَر لو ضرب لم يحرم ولم يُطْرب فإذا اجتمعا وضرب بهما على وجه مخصوصٍ حَرُمَ وأزْعَج، وكذلك ماء العنب جائزٌ شُرْبُه فإذا حَدَثَتْ فيه شدَّةٌ مطربةٌ حَرُمَ فكذلك هذا المجموعُ يوجِبُ طربًا يُخرجُ عن الاعتدال فيُمنعُ منه لذلك. قال ابن عقيل: الأصواتُ على ثلاثةِ أضربٍ: محرمٌ ومكروهٌ ومُباحٌ: فالمحرم: الزَّمر والناي والسَّرناي والطنبور والمعزفةُ والرَّباب نصَّ أحمد بن حنبل على تحريم ذلك (٣)، ويُلحقُ به الجرَّافة والجُنْك؛ لأن هذه تُطرب فتُخْرِجُ عن حدِّ الاعتدال وتفعلُ في طباع الغالب من الناس ما يفعَلُه المُسكِر، وسواءٌ اسْتُعْمِلَتْ على حُزنٍ يُهَيِّجُهُ أو سُرور لأن النبي ﷺ نهى عن صوتين أحمقين: صوت

стр. 566

عند نغمةٍ وصوت عند مصيبة (١). والمكروه: القضيبُ لأنه ليس بمُطْرِبٍ في نفسه وإنما يطربُ بما يَتْبَعُهُ وهو تابعٌ للقولِ والقولُ مكروه. ومن أصحابِنا من يُحرِّمُ القضيب كما يُحرم آلاتِ اللَّهو فيكون فيه وجهان كالقولِ نفسه (٢). والمباح: الدُّف وقد ذكرنا عن أحمد أنه قال: أرجو أن لا يكونَ بالدُّفِّ بأسٌ في العرس ونحوه وأكره الطبل (٣). • وقال أبو حامد: من أحبَّ الله وعَشِقَهُ واشتاقَ إلى لقائِه فالسماعُ في حقِّه مؤكدٌ لعشقِهِ (٤). قال المصنف ﵀ قلت: وهذا قبيحٌ أن يُقال: إن الله تعالى يُعشَقُ وقد بيَّنَّا فيما تقدَّم خطأ هذا القول (٥) ثم أيُّ توكيدٍ لعشقِه في قول المغني: ذَهَبِيُّ اللونِ تَحْسَبُ من … وجْنَتَيْهِ النارُ تَقْدِحُ (٦) قال المصنف ﵀: قلت: وسمعَ ابنُ عقيل بعض الصوفية يقول: إن مشايخَ

стр. 567

هذه الطائفة كُلَّما وَقَفَتْ طباعُهم حَداها الحادي إلى الله بالأناشيد. فقال ابن عقيل: لا كرامةَ لهذا القائل إنما تُحدَى القلوبُ بوعد القرآن ووعيده وسُنَّة الرسول ﷺ فأما تحريكُ الطباع بالألحان فقاطعٌ عن الله والشعر يتضمن صفة المخلوق والمعشوق مما يتجَدَّد عنه فتنة ومن سَوَّلَتْ له نفسُه التقاطَ العِبَر من محاسنِ البَشَر وحُسن الصورِ فمفتون، بل ينبغي النظَرُ إلى المَحَالِّ التي أحالَنا عليها: الإبل والخيل والرياح ونحو ذلك، فإنها منظوراتٌ لا تهيِّجُ طبعًا بل تُورِثُ استعظامًا للفاعِل، وإنما خَدَعَكُم الشيطانُ فصِرْتُم عبيدَ شهواتِكُم ولم تَقِفوا حتى قلتم هذه الحقيقة. زنادقةٌ في زيِّ عُبَّاد شرِهين في زيِّ زُهَّاد مُشَبِّهةٌ يعتقِدون أن الله تعالى يُعشَقُ ويُهامُ فيه ويُؤْلَفُ ويُؤْنَسُ به (١). وبئس التوهُّم! لأن الله سبحانه خَلَق الذَّواتِ مشاكلةً؛ لأن أصولها متشاكلةٌ فهي تتوانَسُ وتتلاءَمُ بأصولها العُنصريَّة وتراكيبِها المِثْلِيَّةِ في الأشكالِ الحديثة فمن هاهُنا جاء التلاؤم والميلُ وعشقُ بعضِهم بعضًا، وعلى قدْرِ التقارُبِ في الصورةِ يتأكَّدُ الأنْسُ. فالواحدُ منَّا يأنَسُ بالماء؛ لأن فيه ماء وهو بالنبات آنسُ؛ لقُرْبِه من الحيوانية بالقوة النَّمائيَّة وهو بالحيوان آنسُ؛ لمشاركتِه في أخصِّ النوعِ به وأقرَبِه إليه فأينَ المشاركةُ للخالقِ والمخلوق حتى يَحْصلَ الميلُ إليه والشوقُ والعشق؟! وما الذي بين

стр. 568

الطين والماء وبين خالق السماءِ من المناسبة؟! وإنما هؤلاء يُصَوِّرونَ الباري صورةً تَثْبُتُ في القلوب ومما ذاك الله ذاك صنَمٌ شَكَّلَهُ الطَّبعُ والشيطان وليس لله وصفٌ تميلُ إليه الطِّباعُ ولا تشتاقُ إليه الأنفُسُ (١) وإنما مبايَنَة الإلهيَّةِ للمُحْدَثِ أوْجَبَتْ في النَّفُوس هيبة وحِشْمةً فما يدَّعية عُشَّاقُ الصوفية لله في مَحبَّةِ الله إنما هو وَهْمٌ اعترضَ، وصورةٌ تَشَكَّلتْ في نفوسِهم فحُجِبت عن عبادة القديم (٢) فتُجَدِّد لهم تلك الصورة أنسٌ فإذا غابت بحكم ما يقتضيه العقل أقلقهم الشوق إليها فنالهم من الوَجْد وتحرك الطبع والهيمان ما ينال الهائم في العشق. فنعوذُ بالله من الهواجس الرَّديئة والعوارضِ الطبعيَّةِ التي يجِبُ بحُكْم الشرع مَحْوُها عن القلوبِ كما يجبُ كسرُ الأصنام (٣). فصل: قال المصنف ﵀: وقد كان جماعةٌ من قدماء الصوفيَّةِ يُنكِرون على المُبتدئِ السماعَ لعلمهم بما يُثيرُ من قَلْبِه: • أخبرنا عمر بن ظفر المقرئ قال: أخبرنا جعفر بن أحمد قال: أخبرنا

стр. 569

عبد العزيز بن علي الأزجي قال: حدثنا ابن جهضم قال: حدثني أبو عبد الله المقرئ قال: حدثني عبد الله بن صالح قال: قال لي جُنيد: إذا رأيتَ المريدَ يسمعُ السماعَ فاعلَم أن فيه بَقايا من اللعب (١). • أخبرنا أبو بكر بن حبيب قال: أخبرنا أبو سعيد بن أبي صادق قال: أخبرنا أبو عبد الله بن باكويه قال: سمعت أحمد بن محمد البَرْذَعِيَّ يقول: سمعتُ المرتعش يقول: سمعتُ أبا الحسين النُّوري يقول لبعض أصحابه: إذا رأيتَ المريدَ يسمعُ القصائِد ويميلُ إلى الرَّفاهيةِ فلا تَرْجُ خيرَهُ (٢). قال المصنف ﵀: هذا قولُ مشايخ القوم وإنما تَرَخَّصَ المتأخِّرون حبًا للهو فتعدَّي شرُّهم من وجهين: أحدهما: سوءُ ظنِّ العوامِّ بقُدمائِهم؛ لأنهم يظنُّون أن الكُلَّ كانوا هكذا. والثاني: أنهم جَرَّؤوا العوامَّ على اللعب فليس للعاميِّ حُجَّةٌ في لعبهِ إلا أن يقول: فلانٌ يفعَلُ كذا وفلانٌ يفعَلُ كذا. فصل: قال المصنف ﵀: وقد تَشَبَّث حب السماع بقلوب خلقٍ منهم فآثَروه على قراءةَ القرآن، ورقَّتْ قلوبُهُم عنده ما لا تَرقُّ عند القرآن، وما ذاكَ إلا لتمكُّن هوًى باطن وغلبةِ طبعٍ وهم يظنُّون غير هذا:

стр. 570

• أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: أخبرنا عبد الكريم بن هوازن وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم قال: حدثنا أبي وقال: سمعت أبا حاتم محمد بن أحمد السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السَرَّاج يقول: حكى لي بعض إخواني عن أبي الحسين الدَّرَّاج قال: قصدتُ يوسف بن الحسين الرَّازي من بغداد فلما دخلتُ الرَّيَّ سألت عن منزله وكل من أسأله عنه يقول: إيش تفعل بذاك الزّنديق؟ فَضَيَّقُوا صدري حتى عزمتُ على الانصراف فَبِتُّ تلك الليلةَ في مسجد ثم قلتُ: جئتُ هذه البلد فلا أقَلَّ من زيارته. فلم أزلْ أسأل عنه حتى دفعت إلى مسجده وهو قاعد في المحراب وبين يديه رحل عليه مصحف وهو يقرأ فدنوتُ فسلمتُ فردَّ السلامَ وقال: من أين؟ قلت: من بغداد قصدتُ زيارةَ الشيخ. فقال: تُحْسِنُ أن تقول شيئًا؟ قلت: نعم. وقلت: رأيتُك تَبْنِي دَائمًا في قَطِيعَتي … ولو كنتَ ذا حَزْمِ لهَدَّمْتَ ما تَبْني فأطبق المصحفَ ولم يزل يبكي حتى ابتلَّتْ لحيته وثوبه حتى رَحِمْتُه من كثرة بكائه. ثم قال لي: يا بني، تلومُ أهل الرَّي على قولهم: يوسف بن الحسين زنديق، ومن وقت الصَّلاة هو ذا أقرأ القرآن لم تَقطُر من عيني قَطرةٌ وقد قامتْ عينَ القيامة بهذا البيت (١). • وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوزان قال: أخبرنا أبي قال سمعتُ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: خرجتُ إلى مَرْو في حياة الأستاذ أبي سهل الصُّعْلوكيِّ وكان له قبل خُروجي أيامَ الجُمَعِ بالغدوات مجلسُ دور القرآن والختمات فوجدتُهُ عند رجوعي قد رَفَع ذلك المجلسَ وعُقِدَ لابن الفغابي في ذلك الوقت مجلسُ القَول

стр. 571

فتَداخَلَني من ذلك شيءٌ وكنتُ أقولُ: قد اسْتَبْدَلَ مجلس الختمات بمجلس القَول، فقال لي يومًا: أيَّ شيءٍ تقولُ الناس؟ فقلتُ: يقولون: رَفَعَ مجلسَ القرآنِ ووضع مجلس القَول. فقال: من قال لأستاذِهِ "لِمَ" لا يُفلح (١). قال المصنف ﵀: قلت: هذه عادةُ الصوفية يقولون: الشيخ يَسْلَمُ لهُ حالُه وما لنا أحدٌ يَسْلَمُ إليه حالُه فإنَّ الآدميَّ يُردُّ عن مُراداتِه بالشَّرعِ والعقلِ والبهائمَ بالسَّوْطِ. فصل: وقد اعتقدَ قومٌ من الصوفيَّة أن هذا الغناءَ الذي قد ذكرنا عن قومٍ تحريمه وعن آخَرينَ كراهتَه مستَحَبٌّ في حقِّ قومٍ. وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هواز القُشيري، قال: أخبرنا أبي قال: سمعت أبا علي الدَّقَّاق يقول: السَّماعُ حرامٌ على العوامِّ؛ لبقاء نفوسهم مباحٌ للزُّهاد؛ لحصول مجاهداتِهم، مستحَبٌّ لأصحابِنا؛ لحياةِ قلوبهم (٢).

стр. 572

قال المصنف ﵀: قلت: هذا غلطٌ من خمسة أوجه: أحدها: أنَّا قد ذكرنا عن أبي حامد الغزالي أنه يُبَاحُ سماعُه لكل أحدٍ، وأبو حامد كان أعرف من هذا القائل. والثاني: أن طِباعَ النفوس لا تتغيَّرُ، وإنما المجاهدةُ تكفُّ عملَها، فمن ادَّعى تغيُّرَ الطباعِ ادَّعى المحال، فإذا جاء ما يحرِّكُ الطِّباعَ وانْدَفَعَ الذي كان يكفُّها عنه عادتِ العادةُ. والثالث: أن العلماءَ اختلفوا في تحريمِه وإباحتِه وليس فيهم مَنْ نظرَ في السامعِ؛ لعلمِهِمْ أن الطِّبَاعَ تتساوى فمن ادَّعى خروجَ طبعِه عن طباعِ الآدميِّينَ ادَّعى المحالَ. والرابع: أن الإجماعَ انعقدَ على أنَّهُ ليس بمستحبٍّ وإنما غايتُهُ الإباحة فادِّعاءُ الاستحبابِ خرق للإجماع (١). والخامس: أنه يلزمُ من هذا أن يكون سماعُ العود مباحًا أو مستحبًّا عند من قد تغيَّر طَبْعه؛ لأنه إنما حُرِّمَ لأنه يؤثِّر في الطِّباع ويدعوها إلى الهوى فإذا أُمِنَ ذلك فينبغي أن يباح وقد ذكرنا هذا عن أبي الطيب الطبري (٢). فصل: قال المصنف ﵀: وقد ادَّعى قومٌ منهُم أن هذا السماعَ قُرْبَةٌ إلى الله : • قال أبو طالب المكيُّ: حدثني بعض أشياخنا عن الجُنيدِ أنه قال: تنزلُ الرحمةُ على هذه الطائفة في ثلاثة مواطن: عند الأكل؛ لأنهم لا يأكُلونَ إلا عن فاقة، وعند المُذاكرة؛ لأنهم يتحاورونَ في مقامات الصدِّيقين وأحوال النبيِّينَ وعندَ السماع؛ لأنهم

стр. 573

يسمعونَ بوَجْدٍ ويشهدونَ حقًّا (١). قال المصنف ﵀: قلت: وهذا إنْ صحَّ عن الجُنيدِ (٢) وأحسنَّا به الظنَّ كان محمولًا على ما يسمعونَه من القصائِدِ الزُّهديَّةِ؛ فإنها تُوجِبُ الرِّقَّةَ والبكاء، فأما أن تنزِلَ الرحمةُ عند وصف سُعْدى وليلى ويُحمل ذلك على صفات الباري فلا يجوزُ اعتقادُ هذا ولو صحَّ أخذُ الإشارةِ من ذلك كانت الإشارةُ مستغرقةً في جَنْبِ غَلَبَةِ الطِّباع. ويدُلُّ على ما حَمَلْنا الأمرَ عليه أنه لم يكنْ يُنشَدُ في زمان الجُنيد مثلُ ما يُنشَدُ اليومَ إلا أن بعض المتأخِّرين قد حَمَلَ كلام الجنيد على كلِّ ما يُقالُ (٣). • فحدثني أبو جعفر أزهر بن عبد الوهاب السَّبَّاك عن شيخنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال: كانَ أبو الوفاءِ الفَيْروزَأبادي شيخُ رباط الزَّوْزَنيِّ صديقًا لي، فكان يقول: والله إني لأدعو لك وأذكركَ وقتَ وضع المخدَّةِ والقولِ. قال: فكانَ

стр. 574

عبد الوهاب يتعجَّبُ ويقولُ: أترونَ هذا يعتقِدُ أن ذاك وقتُ إجابةٍ؟! إن هذا لعظيم (١)! وقال ابن عقيلٍ: وقد سَمِعْنا منهم أن الدُّعاءَ عندَ حدْو الحادي وعند حضورِ المخدَّةِ مُجَابٌ؛ وذلك أنهم يعتقِدونَ أنه قُرْبَةٌ يُتَقرَّبُ بها إلى الله تعالى. قال: وهذا كفرٌ؛ لأنَّ من اعتقدَ الحرامَ أو المكروهَ قُرْبَةً كان بهذا الاعتقادِ كافرًا. قال: والناس بين تحريمِه وكراهتِه. • أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القَزَّاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا علي بن أيوب قال: أخبرنا محمد بن عمران بن موسى قال: نا محمد بن أحمد الكاتب قال: نا الحسين بن فهم قال: حدثني أبو هَمَّام قال: حدثني إبراهيم بن أعين قال: قال صالح المُرِّيُّ: أبطأُ الصَّرْعى نهضةً صريعُ هوىً يدَّعيهِ إلى الله قُربةً، وأَثبتُ الناسِ قدمًا يومَ القيامَةِ آخَذُهُمْ بكتاب الله وسنَّة نبيِّه ﷺ (٢). • أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري قال: نا أبي قال: سمعتُ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا بكر النَّهَاوَنْدي يقول: سمع عليًّا السَّائح يقول: سمعت أبا الحارث الأوْلاسي يقول: رأيتُ إبليسَ في المنام على بعض سطوح أولاس (٣) وأنا على سطح وعلى يمينه جماعة وعلى يساره جماعة وعليهم ثيابٌ لِطَاف، فقال لطائفة منهم: قولوا. فقالوا وغَنَّوا، فاستفرغني طِيبُهُ حتى هممتُ أنْ أطرحَ نفسي من السطح، ثم قال: ارقصوا. فرقصوا

стр. 575

أطيب ما يكون، ثم قال لي: يا أبا الحارث ما أصيبُ منكم شيئًا أدخلُ به عليكم إلا هذا (١).

стр. 576

ذكْر تلْبيس إبليس علَى الصوفية في الوجد قال المصنِّف ﵀: هذه الطائفةُ إذا سمِعتِ الغناءَ تواجَدَت، وصفَّقَت وصاحتْ، ومزَّقتِ الثِّياب، وقد لبَّسَ عليهم إبليسُ في ذلكَ وبالغَ: • وقد احتجُّوا بما أخبرنا به أبو الفتحِ محمدُ بنُ عبدِ الباقي، قال: أنبأنا أبو علي الحسنُ بنُ محمد بن الفضلِ الكرماني، قال: أَخبرنا أَبو الحسنِ سهلُ بن عليٍّ الخشاب، قال: أخبرنا أبو نصرٍ عبدُ الله بن علي السَّرَّاج الطُّوْسِيُّ، قال: قد قيلَ: إنه لمَّا نزلت: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] صاح سلمانُ الفارسيُّ صيحةً ووقعَ على رأسهِ ثمَّ خرجَ هاربًا ثلاثة أيامٍ (١). • واحتجُّوا بما أَخبرنا به عبد الوهَّاب بن المبارَكِ الحافظُ قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبدِ الجبار قال: أَخبرنا أبو بكرٍ محمدُ بن عليٍّ الخياط، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ محمد بن يوسف بن دَوْست، قال: أخبرنا الحسينُ بنُ صفوان، قال: نا أبو بكرٍ عبدُ الله بن محمَّد القرشي، قال: نا عليُّ بن الجعد، قال: نا أبو بكرِ بن عيَّاشٍ، عن عِيسى بن سليمٍ، عن أَبي وائلٍ، قال: خرجْنا معَ عبد الله ومعنا الرّبِيع بن خُثَيْمٍ، فمررنا على حدَّاد فقامَ عبدُ الله ينظرُ إلى حديدَةٍ في النَّار، فنظر الرَّبيع إليها فمالَ لِيَسْقُطَ. ثم إنَّ عبد الله مضى حتى أتَينا على أَتُّونٍ علَى شاطِئِ الفراتِ، فلما رآه عبدُ الله والنَّارُ تلتهِب في جوفهِ، قرأَ هذهِ الآية: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ إلى قوله: ﴿ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢ - ١٤] فصُعِقَ الرَّبِيْع، واحتملناه إلى أهلهِ، ورابطهُ عبدُ الله حتى

стр. 577

صلَّى الظهرَ فلم يُفِقْ، ثم رابطهُ إلى العصرِ فلم يُفِقْ، ثم رابطهُ إلى المغرب فأفاقَ، فرجع عبد اللهِ إلى أهلهِ (١). • قالوا: وقد اشْتُهِرَ عن خلق كثير من العُبَّادِ أنَّهم كانوا إذا سمعوا القرآنَ فمنهم من يموت، ومنهم من يُصْعَقُ وَيُغْشَى عليه، ومنهم من يصيح، وهذا كثيرٌ في كُتُب الزُّهد (٢). والجواب: • أمَّا ما ذَكرُوهُ عن سَلمانَ ﵁، فمُحَالٌ وكذبٌ، ثمَّ ليس لهُ إسنادٌ، والآيةُ نزلَت بمكَّةَ، وسلمانُ إنَّما أسلَم بالمدِينةِ (٣)، ولم يُنْقَلْ عن أحدٍ من الصَّحَابةِ مِثلُ هذا أصلًا! • وأمَّا حِكايةُ الرَّبيعِ بن خُثَيْمٍ فإنَّ راويها عِيسى بن سُلَيْمٍ وفيه مَغمَزٌ: أنْبَأنا عبد الوهَّاب بن المُبارَكِ الحافظ، قال: أخبَرنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ المظفَّر الشَّامِي، قال: قال أبو الحسَنِ أحمدُ بن محمدٍ العَتِيقيّ، قال: أخبرنا أبو يعقوب يوسفُ بن أحمد الصَّيْدلانيُّ، قال: أخبرنا أبو جعفرٍ محمدُ بن عَمرو بن موسى العُقَيْليُّ، قال: قال أحمد بن حنبل: عِيسى بنُ سُلَيمٍ عن أبي وائلٍ لا أعرفهُ (٤). قال العُقَيْليُّ: وحدثنا عبد الله بنُ أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا يحيى بنُ آدم،

стр. 578

قال: سمعتُ حمزةَ الزيَّات قال لِسفيانَ: إنَّهم يرْوُون عن الرَّبيع بن خُثَيْمٍ أنه صُعِقَ. فقال: ومَن يروِي هذا! إنَّما كان يرويهِ ذاكَ القاصُّ - يعني: عِيسى بنَ سُلَيْمٍ - فلقيتُهُ فقلت: عمَّن تَروِي أنتَ ذا (١)؟! منكرًا عليه. قالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: قُلْتُ: فهذا سُفيانُ الثوري يُنكرُ أَن يكونَ الرَّبيعُ بن خُثَيْمٍ جَرَى له هذا لأَنَّ الرجلَ كان على السَّمْتِ الأَوَّل، وما كان في الصَّحابة مَن يجرِي لهُ مثلُ هذا ولا التَّابعين (٢). ثمَّ نقولُ على تقديِر الصِّحَّةِ: إِنَّ الإنسانَ قد يُغْشَى عليهِ مِن الجوفِ، فَيُسْكِنُهُ الخوفُ ويُسْكِتُه، فَيَبْقَى كالميِّتِ، وعلامةُ الصَّادقِ أنَّهُ لو كَانَ علَى حائِطٍ وقعَ؛ لأنَّهُ

стр. 579

غائِبٌ. فأمَّا مَن يدّعِي الوَجدَ، ويتحفَّظُ مِن أن تزِلَّ قدمُه، ثم يتعدَّى إلى تخرِيقِ الثِّيابِ وفعلِ المنكراتِ في الشَّرعِ، فإنا نَعْلَمُ قطعًا أَنَّ الشَّيطانَ يلْعبُ بهِ: أخبرنا أبو منصورٍ القَزَّاز، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ عِلي بن ثابتٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ علي بن الفتحِ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ الحُسينِ النَّيسَابُوريّ، قال: سمِعتُ أحمدَ بن محمّد بن زكريا يقول: سمعت أحمدَ بنَ عطاءٍ يقول: كان للشلبيِّ يوم الجمعَة نظرةٌ، ومِنْ بَعْدِهَا صَيْحةٌ، فصاح يومًا صيحةً تَشَوَّشَ ما حولَه من الْخَلْق، وكان بِجَنْبِ حلقتهِ حلقةُ أبي عِمران الأشيَب فَحَرَدَ (١) أبو عمران وأهل حلقته (٢). قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: واعلم - وفَّقَك الله - أن قلوبَ الصحابةِ كانت أصفَى القلوبِ، وما كانوا يَزيدون عندَ الوَجْدِ على البُكاءِ والخشُوعِ، فَجَرى مِن بعضِ الصَّحابةِ غُرَبائِهِم نحو ما قد أنكَرنَاهُ فبالَغَ رسولُ اللهِ ﷺ فِي الإنْكارِ علَيهِ: • فأخبَرنا محمدُ بنُ ناصِرٍ الحافظ، قال: أنبأنا أَحمدُ بنُ عليّ بن خَلَفٍ، قال: أخبرنا أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ عبدِ الله الحاكِم وأنبأنا ابنُ الحُصَين، قال: أنبأنا أبو عِلي بنُ المذهب، قال: نا أبو حفصِ بنُ شاهِين، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ أحمدَ بن عبد الله، قال: حدثنا أحمدُ بنُ محمدِ بن عبد الحميد الجعْفِيُّ، قال: حدَّثنا عبد المُتَعالِ بن طالبٍ، قال: أنبأنا يوسفُ بن عَطِيَّةَ عن ثَابتٍ عن أَنسٍ، قال: وعظَ رسولُ الله ﷺ يومًا فإذا رجُلٌ قد صُعِقَ. فقال النَّبيُّ ﷺ : "من ذا المُلَبِّسُ علينا دِينَنَا؟ إن كان صَادِقًا

стр. 580

فقَد شهَّر نفسَه، وإن كان كاذِبًا فمحَقَهُ اللهُ" (١) • قال ابنُ شَاهِين: وثنا عبدُ اللهِ بنُ سُليمان بن الأَشْعَث، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ يوسف الْجُبَيرِيّ، قال: ثنا رَوْحُ بن عطاءِ بن أبي ميمونةَ، عن أبيه، عن جدِّه، عن أنسِ بن مالكٍ ﵁ قال: ذُكِرَ عندهُ هَؤلاءِ الذين يُصْعَقونَ عند القراءةِ، فقال أنسٌ: لقد رَأيْتنا وَوَعَظَنَا رسولُ الله ﷺ ذات يومٍ حتّى سَمِعْنا لِلقومِ خنينًا حِينَ أَخَذَتْهُمُ الموْعِظَة، وَما سقطَ منهم أحدٌ (٢). • قال المصنف ﵀: قُلْتُ: ومثل هذا حديثُ العِرْبَاضِ بن سارِيَةَ: وَعظَنا رسولُ اللهِ ﷺ مَوْعظةً ذرفَتْ منْهَا الْعُيُون، وَوَجِلَتْ منْهَا الْقُلوبُ (٣). قال أبو بكرٍ الآجُرِّي: ولم يقُل: صَرَخْنا، ولا ضَرَبْنا صدورَنا، كما يَفْعَل كثيرٌ منَ الجهَّالِ الذينَ يَتَلاعَبُ بَهَمُ الشَّيْطان. • أخبرنا عبدُ الله بن علي المُقرئ: قال أنبأنا أبو ياسِرٍ أحمد بن بُنْدَار بن إبراهيم، قال: أنبأنا محمد بن عُمَرَ بن بُكَير النَّجَّار، قال: أخْبرنا أحمد بن جَعْفَر بن حَمْدان، قال:

стр. 581

أنبأنا إبراهيمُ بن عبد اللهِ البَصريّ، قال: أنبأنا أبو عُمَر حَفْصُ بن عُمَر الضَّرِير، قال: أنبأنا خالدُ بنُ عبد الله الواسِطيّ، قال: أنبأنا حُصيْنُ بن عبد الرحمن، قال: قلت لأسماءَ بنتِ أبي بكرٍ ﵂: كيف كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ عندَ قراءة القُرْآنِ؟ قالت: كانوا كمَا ذَكرهم اللهُ - أو كما وَصَفَهُم : تدمَعُ عيونُهُم، وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ. فقلت لها: إن هاهُنا رجالًا إذا قُرِئَ على أحدِهِم القُرْآنُ غُشِيَ عليهِ. فقالت: أعوذُ بِاللهِ منِ الشَّيطانِ الرجيمِ (١)! أخبرنا محمدُ بنُ ناصر، قال: أنبأنا جَعفرُ بنُ محمد السَّرَّاج، وأنبأنا امحْسَنُ بن عليٍّ التميمِي، قال: أنبأنا أبو بكرِ بن مالكٍ، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، أنبأنا الوليدُ بنُ شُجَاعٍ، قال: أنبأنا أبو إسْحاقَ الحلَبِيُّ، قال: أنبأنا فُراتٌ، عن عبدِ الكريمِ، عن عِكْرِمَةَ، قال: سألتُ أسماءَ بنتَ أبي بَكرٍ ﵄: هل كان أحد من السَّلَف يُغْشَى عليهِ مِنَ الْخَوف؟ قالت: لا، ولكنَّهم كانوا يَبْكون (٢). • أخبرنا ابن ناصرٍ، قال: نا جَعْفَرُ بنُ أحمد، قال: نا الحسنُ بنُ علي بن التميمي، وأنا محمدُ بنُ عبد الباقي بن أحمد، قال: نا حمد بن أحمد الحدَّاد، قال: نا أبو نعيم الحافظ، قالا: أنا أبو بكر بن مالكٍ، قال: نا عبدُ اللهِ بن أحمد، قال: نا شُرَيْحُ بن يونس، قال: ثنا سعيدُ بن عبدِ الرحمن الجمَحِيُّ، عن أبي حازمٍ، قال: مرَّ ابنُ عمر ﵁ بِرَجُلٍ ساقِطٍ مِن أهل العراقِ، فقال: ما شَأْنه؟ فقالوا: إنه إذا قُرِئَ عليه القُرآن يُصِيبُهُ هذا! قال: إنَّا لَنَخْشَى الله وما نسقُطُ (٣)!

стр. 582

• أخبرنا سعيدُ بنُ أحمدَ بن البَنَاء، قال: نا أبو سعدٍ محمدُ بن علي الرُّسْتُمِي، قال: نا أبو الحسين بن بِشْرَان، قال: نا إسماعيل بن محمد الصَّفَّار، قال: ثنا سَعْدانُ بن نَصْرٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَينة، عن عبدِ اللهِ بن أبي بُرْدَةَ، عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنه ذَكَر الخوارجَ وما يَلْقَون عند تلاوةِ القرآن، فقال: ليسوا بِأَشَدَّ اجْتِهَادًا من اليهود والنصارى وهم يُصَلُّون (١). • أنبأنا ابن الحُصَين، قال: أنبأنا أبو علي بن المذهب، قال: أنبأنا أبو حفص بن شاهين، قال: ثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق، قال: نا إبراهيم بن فهد، قال: أنبأنا إبراهيم بن الحَجَّاج السامي، قال: ثنا شَبِيْبُ بنُ مهران، عن قتادة، قال: قيل لأنسِ بن مالكٍ: إنَّ ناسًا إذا قُرِئَ عليهم القُران يُصْعَقون! فقال: ذاك فِعْلُ الخوارج (٢). • أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا عبدُ الرحمن بنُ أبي الحسين بن يوسف، قال: أنبأنا محمدُ بنُ عليّ بن الفتح، قال: أنبأنا محمدُ بنُ محمدٍ الكاتب، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بن المُغِيرَةِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ الدِّمَشْقِي، قال: بلَغَ عبدَ الله بنَ الزُّبير ﵄ أن ابنَه عامرًا صَحِبَ قومًا يُصْعَقون عند قراءة القُرآن، فقال له: يا عامر، لأعْرِفَنَّ ما صحِبْت الذين يُصْعَقون عندَ القرآن، فأوسِعُكَ جلدًا (٣). أخبرنا محمدُ بن عبد الباقي، قال: أنبأنا حمد بن أحمد الحدَّاد، قال: أنبأنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: حدثنا سُليمان بنُ أحمد، قال: أنبأنا محمدُ بنُ العبَّاس، قال: حدثنا الزُّبَير بن بَكَّارٍ، قال: حدَّثني عبد الله بنُ مصعب بن ثابتِ بن عبد اللهِ بن الزُّبَير، قال:

стр. 583

حدَّثنِي أبي، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، قال: جئتُ إلى أبي، فقال: أين كنتَ؟ فقلتُ: وجدتُ أقوامًا ما وجَدْتُ خيرًا منهُم، يذكرون الله ، فَيَرْعَدُ أَحَدُهم حتى يُغْشَى علَيه من خَشْيَةِ اللهِ ، فقَعَدْتُ معهم. قال: لا تَقْعد معهم بعدَها. فرآني كأنِّي لم يَأخُذْ ذلك فِيَّ، فقال: رأيتُ الرسولَ ﷺ يتلو القرآنَ ورأيتُ أبا بَكْرٍ وعمرَ يتلوانِ القرآنَ فلا يُصيبُهم هذا أفَتراهُم أخْشَعَ من أبي بكرٍ وعمرَ؟ فرَأَيتُ أن ذلكَ كذلكَ فتركْتُهم (١). • أخبرنا محمدُ بن عبد الباقي، قال: أخبرنا حمدُ بنُ أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: أخبرنا محمدُ بن أحمدَ في كتابِهِ، قال: نا محمدُ بنُ أيوبَ، قال: حدثنا حفصُ بن عُمَرَ النُّمَيْرِي، قال: نا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، قال: نا عَمْرو بنُ مالكٍ، قال: بيْنَما نحنُ عند ابن الجوزاء يُحدِّثنا، إذ خرَّ رجل فاضطرب، فوثبَ ابن الجوزاء يَسعى قِبَلَه، فقيل له: يا أبا الجوزاء، إنه رجلٌ به المُوتَةُ. فقال: إنَّما كنتُ أراه من هؤلاء القَفَّازين، ولو كان منهم لأمَرتُ بهِ فأُخرِجَ من المسجِدِ، إنما ذَكَرهُم اللهُ تَعَالى، فَقَال: تفيض أعينهم من الدمع (٢)، أو قال: تقشعر جلودهم (٣) (٤).

стр. 584

أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن عليٍّ المقرِئ، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ بُنْدَار بن إبراهيم، قال: أخبرنا محمدُ بنُ عُمَر بكير النَّجَّار، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ جعفر بن حمدان، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ الله البصري، قال: نا أبو عُمر حفصُ بنُ عمر الضَّرير، قال: أخبرنا حمَّادُ بنُ زيد، قال أخبَرني عَمرو بنُ مالكٍ النكُري، قال: قرأ قارئٌ عندَ أبِي الجَوزاء، قال: فصاحَ رجُلٌ من أُخْرَيَاتِ القومِ - أو قال: من القومِ -، فقام إليهِ أبو الجوزاء، فقيل له: يا أبا الجوزاء، إنه رجل به شيءٌ. فقال: ظننتُ أنَّهُ مِن هؤلاءِ النَّعَّارِين، فَلَوْ كان منهم لَوَضَعْتُ رِجْلي على عُنُقِه (١). • وقال أبو عَمْر (٢): أخبرنا جرِيرُ بنُ حازِمٍ أنهُ شَهِدَ محمدَ بن سيرين، وقيل له: إنَّ هاهُنا رِجالًا إذا قُرِئَ على أحدِهِم القرآنُ غُشِيَ عَلَيه. فقال محمدُ بن سيرين: يقعُدُ أحدُهم على جدارٍ ثمَّ يُقْرَأُ عليه المصحَفُ مِن أوَّلهِ إلى آخِرهِ، فإن وَقَعَ فَهُوَ صادقٌ! (٣). قال أبو عمر: وكان محمدُ بنُ سيرين يذهبُ إلى أن هذا تصنُّع وليس بحقٍّ مِن قلوبهم. أخبرنا محمدُ بنُ عبد الباقي، قال: أخبرنا حمدُ بن أحمد، قال: نا أبو نُعَيم الحافظ، قال: نا أبو محمد بن حَيَّان، قال: نا محمدُ بن العبَّاسِ، قال: نا زيادُ بنُ يحيى، عن عمران بن عبد العزيز، قال: سمعتُ محمدَ بنَ سيرين وسُئِل عمن يستمِع القرآن

стр. 585

فيُصْعَق، فقال: ميعادُ ما بيننا وبينهم أن يجلسوا على حائِطٍ، فيُقْرَأ عليهم القرآن مِن أوَّلهِ إلى آخِرِهِ، فإن سَقَطُوا فهُمْ كما يقولون (١). • أخبرنا ابنُ ناصر، قال: أخبرنا أبو طاهرٍ عبد الرحمن بنُ أبي الحسينِ بن يوسفَ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ علي العِشاري، قال: أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الله الدَّقَّاق، قال: حدَّثنا الحسين بنُ صفوان، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ القُرَشِي، قال: نا محمدُ بن عليٍّ، عن إبراهيم بن الأشعث، قال: سمعتُ أبا عاصِمٍ الرَّمليَّ، عن رجُلٍ، عن الحسنِ أنه وَعَظَ يومًا فتنفَّسَ رجُلٌ في مَجْلسهِ، فقال الحسن: إن كان للهِ تعالى فقد شهَّرتَ نفسَكَ، وإن كان لغيرِ اللهِ فقَد هلكْتَ (٢). أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا جعفرُ بن أحمد، قال: أخبرنا الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: نا رَوْحٌ، قال: حدثنا السَّريُّ بن يَحْيى، قال: حدثنا عَبدُ الكريم بن رشيدٍ، قال: كنتُ في حلقةِ الحسنِ فَجعلَ رَجُلٌ يبكي وارتفعَ صوتُه، فقال الحسنُ: إنَّ الشيطان لَيُبكي هذا الآن (٣). • أنبأنا محمدُ بن ناصرٍ، قال: نا أبو غالبٍ محمدُ بن الحسن الباقلاني، قال: أنبأنا أبو العلاء الواسطي، قال. نا محمد بن الحسين الأزْدِي، قال: حدثني إبراهيم بن رحمون، قال: نا إسحاقُ بن إبراهيم البغْدادي، قال: سمعتُ أبا صفوان يقول: قال

стр. 586

الفضيلُ بنُ عياضٍ لابنهِ وقد سقَطَ: يا بُنَي إنْ كنتَ صادِقًا لقد فَضَحْتَ نَفْسكَ، وإنْ كُنْتَ كاذبًا فقد أهلكْتَ نفسكَ (١). • أخبرنا أبو بكر بنُ حبيبٍ، قال: أخبَر نا أبو سعيد بن أبي صادق، قال: أخبرنا ابن باكويه، قال: نا محمدُ بن أحمد النَّجار، قال: نا المُرْتَعِشْ، قال: رأيتُ أبا عثمانَ سعيدَ بن عثمان الواعظ وقد تواجدَ إنسانٌ بين يديهِ، فقال له: إنْ كنتَ صادِقًا فقدْ أظْهَرتَ كمالَكَ، وإن كنتَ كاذِبًا فقد أشْركتَ باللهَ (٢). فصل: قال المصنِّفُ ﵀: فإن قالَ قائِل: إنَّما يُفرضُ الكلامُ في الصَّادِقينَ لا في أهلِ الرِّياءِ، فما تقولُ فيمنْ أدْرَكَه الوَجْد، ولم يَقْدِر على دَفْعِهِ؟ فالجواب: إنَّ أوَّل الوَجْدِ انْزِعاجٌ في الباطن، فإنْ كفَّ الإنسانُ نفْسَهُ لئلَّا يُطَّلَعَ على حاله يَئِسَ الشيطان منه فبَعُدَ عنه، كما كان أيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، إذا تحدَّث فَرَقَّ قلبُه مسح أنفَه وقال: ما أشدَّ الزُّكامِ (٣)! وإن أهملَ الإنسانُ نفسَه ولم يبَالِ بظهورِ وَجْدِهِ أوْ أحَبَّ اطِّلاع الناسِ على حالهِ؛ نفخَ فيهِ الشَّيطانُ فانْزعجَ على قَدْر نَفْخِه (٤):

стр. 587

• كما أخبَرنا هِبة الله بن محمدٍ، قال: أنبأنا الحسنُ بن عليٍّ، قال: أنبأنا أحمدُ بن جعفر، قال: حدَّثنا عبد الله، قال: حدَّثني أبي، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، قال: ثنا الأعمش، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب، عن زينب امرأةِ عبدِ الله، قالت: جاءَ عبدُ الله ذاتَ يومٍ وعندي عَجُوزٌ ترقِينِي من الحُمرَة فأدْخَلْتُهَا تحتَ السَّريرِ قالت: فدخلَ فجلسَ إلى جنْبِي فرأى في عُنُقي خَيطًا، فقال: ما هذا الخيط؟ قلت: خيطٌ رُقِيَ لي فيهِ. فَأخَذَهُ فَقَطَعَهُ ثم قال: إنَّ آلَ عبد اللهِ لأغنِياءُ عن الشِّركِ، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: إنَّ الرُّقَى والتَّمائمَ والتِّوَلَةَ شِركٌ، قالت: فقلتُ له: لِمَ تقولُ هذا، وقد كانت عيني تَقْذِفُ وكنتُ أخْتَلفُ إلى فُلانٍ اليهوديِّ يَرقِيها فكان إذا رقاها سَكَنَتْ؟! قال: إنَّما ذاكَ من عَمَلِ الشَّيطانِ، كان يَنْخَسُهَا بيدهِ، فإذا رقَيْتِها كفَّ عنها، إنما كان يكْفِيكِ أن تقولي كما قال رسولُ الله ﷺ : أذْهِبِ البَاسَ ربَّ الناسِ، اشْفِ وَأنتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤكَ، شِفاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا (١). قال المصنِّفُ ﵀: التِّوَلَةُ: ضَرْبٌ من السِّحر يُحَبِّبُ المرأةَ إلى زوجِها (٢).

стр. 588

• أخبرنا محمدُ بن عبد الباقي، قال: أنبأنا الحسنُ بن عبد الملك بن يوسف، قال: أنبأنا أبو محمد الخَلَّال، قال: حدثنا أبو عُمَر بن حيويه، قال: ثنا أبُو بَكْرِ بن أبي داود، ثنا هارونُ بن زَيد بن أبي الزَّرْقاء، قال: ثنا أبِي، قال: حدَّثنا سُفيان، عَنْ عِكْرمةَ بن عمارٍ، عن شُعيبِ بن أبي المُثنَّى، عن أبي عيسى (١)، قال: ذهبتُ أنا وأبو السَّوار إلى عبدِ اللهِ بن عُمَر، فقال أبو السَّوار: يا أبا عبد الرحمن، إنَّ قومًا عِندنا إذا قُرِئَ عليهم القُرآن يَرْكُضُ أحدُهم من خَشْيَةِ اللهِ، قال: كذبتَ! قال: بلَى ورَبِّ هذ البِنية. قال: ويْحَكَ إن كنتَ صادِقًا، فإنَّ الشَّيْطَان لَيَدْخُلُ جَوفَ أحَدِهِم. والله ما هكذا كان أصحابُ محمدٍ ﷺ (٢). فصل: فإن قال قائِلٌ: فنفرض الكلامَ فيمن اجْتَهد في دفْعِ الوَجْدِ فَلَمْ يقدِرْ، وَغَلَبه الأمر فمن أين يدخُلُ الشيطانُ؟! فالجوابُ: إنَّا لا نُنْكِر ضَعْف بعضِ الطِّباعِ عن الدَّفْعِ، إلَّا أن علامَةَ الصَّادقِ أنهُ لا يَقْدِر أن يدْفَعَ، ولا يَدْري ما يَجْري عليه، فهو من جِنْس قولهِ : ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] (٣). وقد أخبرنا محمَّد بن عبد الباقي، قال: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أنبأنا أحمد بن عبد الله، قال: ثنا إبراهيمُ بن عبد الله، قال: ثَنَا محمَّدُ بن إسْحاقَ الثَّقَفِي، قال: حدَّثنى حاتِم بنُ اللَّيثِ الجوْهَريُّ، قال: حدثنا خالدُ بنُ خِداشٍ، قال: قُرِئَ على عبد الله بن وَهْبٍ

стр. 589

كتابُ أهوالِ القيامةِ، فَخَرَّ مَغْشِيًّا عليه فلم يتكلَّمْ بِكَلِمَةٍ حتَّى ماتَ بعْد ذلك بأيَّامٍ (١). قال المصنِّف ﵀: قلت: وقد ماتَ خلقٌ كثيرٌ من سَماعِ الموعظةِ، وَغُشِيَ عليهمْ، فأمَّا هذا التَّواجدُ الذي يَتَضَمَّنُ حركاتِ المُتواجدين وقوَّةَ صياحِهِم وتَخَبُّطِهِم، فظاهِرُهُ أنَّه مُتَعمَّدٌ والشيطانُ مُعِينٌ عليهِ (٢). قال المصنِّف ﵀: فَهَل فِي حقِّ المُخلِص نقصٌ بهذهِ الحالةِ الطَّارِئَةِ عليه؟ قيل: نَعم، من جِهَتين: إحداهما: أنَّه لو قَوِيَ العِلمُ أمْسَكَ. والثَّانية: أنَّه قد خُولِفَ به طريقُ الصحابة والتابعين، ويكفِي هذا نقصًا. أخبرنا عبد الله بنُ علي المقْرِئُ، قال: أنبأنا هِبَةُ الله بن عبد الرزَّاق السبتِي، وأخبرنا سعيد بن أحمد بن البنا، قال: نا أبو سَعْدٍ محُمَّد بن عليٍّ الرُّسْتُمي، قالا: أنبأنا أبو الحسين بن بِشْرَان، قال: أنبأنا أبو علي إسْمَاعيل بن محمد الصَّفَّار، قال: نا سعدان بن نصر، قال: نا سفيانُ بن عُيَيْنة، قال: سَمعتُ خلَفَ بنَ حَوْشَبٍ، قال: كان جَوَّابٌ يُرْعَدُ عند الذِّكر، فقال لهُ إبراهيم: إن كنتَ تَملِكهُ فما أُبالِي أن لا أعتَدَّ بِك، وإن كنتَ لا تمَلكهُ فقد خالَفْتَ من هُو خيرٌ مِنكَ. وقال الرُّستُمِي: فقد خالفْتَ من كان قَبْلَكَ (٣).

стр. 590

قال المصنِّفُ ﵀: قلتُ: إبراهيم هو النَّخَعِيُّ الفقيه، وكان مُتَمَسِّكًا بالكتاب والسُّنةِ شديدَ الاتِّباعِ للأثرِ، وقد كان جَوَّابٌ من الصَّالحين البُعَداءِ عن التَّصَنُّع، وهذا خِطابُ إبراهيم له، فكيفَ من لا يَخفى حالُهُ في التَّصَنُّعِ! فصل: فإذا طَرَبَ أهلُ التَّصوُّف لسماع الغناء صفَّقوا. أخبرنا محُمَّد بنُ عبد الباقي، قال: أنبأنا رزقُ اللهِ بن عبدِ الوهاب التَّميمي، قال: أنبأنا أبو عبد الرحمن السُّلَمِي، قال: سمعت أبا عُثمان المغربيَّ يقول: سمعتُ أبا عليِّ بن الكاتبِ يقول: كان ابنُ بُنان يَتَواجَد، وكان أبو سعيدٍ الخرَّاز يُصَفِّق (١). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: والتَّصفيقُ منكرٌ يُطربُ ويُخرِجُ عن الاعتدَال، وتَنَزَّهَ عن مِثْلِه العُقلاء، ويَتَشَبَّه فاعِلُه بالمُشرِكِينَ فِيما كانوا يفعلونهُ عندِ البيت من التَّصْدِيةِ، وهي الَّتي ذمَّهُمُ اللهُ بها، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] (٢) فالمُكاءُ: الصَّفِير والتَّصْدِيةُ: التصفيق. أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: أخبرنا أبو الفَضلِ بن خَيْرُون، قال: نا أبو عليِّ بن شاذان، قال: أخبرنا أحْمدُ بنُ كامِل، قال: حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدثني عمِّي، عن أبيهِ، عن جدِّه، عن ابن عباسٍ ﴿إِلَّا مُكَاءً﴾

стр. 591

يعني: الصَّفير، ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ يقول: التصفيق (١). قال المصنِّف ﵀: قلت: وفيهِ أيضًا تَشَبُّهٌ بالنِّساءِ (٢)، والعاقِلُ يَأنفُ مِن أن يَخْرُجَ عن الوَقارِ إلى أفْعال الكُفَّار والنِّسْوة (٣)! فصل: فإذا قوِي طرَبُهم رقصُوا: • وقد احتجَّ بعضُهُم بقوله تعالى لأيوبَ ﵇: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] (٤). قال المصنِّف ﵀: قلت: وهذا احتِجاجٌ بَارِدٌ؛ لأنَّهُ لو كان أمر بِضَرْبِ الرِّجْلِ فَرَحًا كان لَهُمْ فيهِ شُبْهَةٌ، وإنَّما أمر بِضَرْبِ الرِّجْلِ لِيَنبُع الماءُ (٥).

стр. 592

قال ابن عَقِيلٍ: أين الدلالةُ في مُبْتَلًى أُمِرَ عندَ كَشْفِ البلاءِ بأن يَضْرِبَ بِرِجلهِ الأرضَ لِيَنبُع الماءُ إعْجَازًا منَ الرَّقصِ؟! ولئِن جازَ أن يكون تحريكُ رِجْلٍ قد أنحَلَها تحَكُّمُ الْهَوامِّ دَلالةً على جَوازِ الرَّقْصِ في الإسْلامِ، جازَ أن يُجْعَلَ قولُهُ تعالى لموسى: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٦٠] دلالَةً على ضَرْبِ المَخَادِّ بالقُضْبَان. نعوذُ باللهِ من التَّلاعُب بالشَّرع. • واحتجَّ بعضُ ناصِرِيهم (١) بأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لعليٍّ: "أنت منِّي، وأنا منك". فَحَجَلَ، وقال لجعفر: "أشْبَهْتَ خَلْقِي وخُلُقِي". فحَجَلَ، وقال لِزيد: "أنتَ أخونا ومَولانا"، فحَجَلَ (٢). ومنهم من احتجَّ بأنَّ الحبشة رقصت والنَّبِي ﷺ ينْظُرُ إليهم (٣).

стр. 593

والجواب: أما الحجل، فهو نَوعٌ من المشْيِ يُفْعَلُ عند الفرحِ، فأينَ هو والرَّقص؟! وكذلك زَفْنُ الحبشةِ نوعٌ من المَشي بتثبتٍ (١)، يُفْعَلُ عند اللِّقاءِ لِلْحَرْبِ. • واحتجَّ لهم أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ على جَواز الرَّقص بما أخبرنا به أبو نَصْرٍ أحمد (٢) بن منصورٍ الهَمَذَاني، قال: أخبرنا إسماعيل بنُ أحْمد بن عبد الملك المؤَذِّن (٣)، قال: أخبرنا أبُو صالِحٍ أحمدُ بنُ عبدِ الملكِ، وأبو سعيدٍ محمدُ بن عبد العزيز، وأبو محمَّدٍ عبد الحميدِ بن عبد الرحمن، قالوا: أخبَرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمِي، ثنا أبو العبَّاس أحمَد بن سعيد المَعْداني، قال: نا محمد بن سعيد المَرْوَزِي، قال: نا عبَّاس التَّرْقُفي، قال: نا عبد اللهِ بنُ عمر الورَّاق، قال: حدثنا الحسنُ بن عليِّ بن مَنْصُورٍ، قال: نا أبو عَتَّابٍ البَصْرِي، عن إبراهيم بن محمد الشَّافِعِي، أن سعيدَ بن المسيِّبِ مرَّ في بعضِ أَزِقَّةِ مَكَّةَ، فَسمِعَ الأَخْضرَ الحدي (٤) يتَغَنَّى في دارِ العاصِ بن وائلٍ بهذا: تَضَوَّعَ مِسْكًا بطنُ نَعْمانَ أنْ مَشَت … بهِ زينبٌ في نِسْوَةٍ عَطِراتٍ فلمَّا رأتْ رَكْبَ النُّمَيرِ أعْرضَت … وهُنَّ منْ أنْ يَلْقَيْنَهُ حذِراتٍ قال: فضربَ بِرِجْلهِ الأرضَ زمانًا، وقال: هذا مِمَّا يلِذُّ سماعُهُ. وكانوا يرْوُونَ الشِّعْر لسعِيدِ بن المسيب (٥).

стр. 594

قال المصنِّف ﵀: قلت: هذا إسنادٌ مقْطوعٌ مظلمٌ لا يصحُّ عن ابن المسيِّبِ، ولا هذا شِعره، كان ابن المسيِّبِ أوْقرَ من هذا، وهذه الأبياتُ مشهورةٌ لمِحمدِ بن عبد الله بن نُمَيرٍ النُّمَيرِي الشَّاعِر، ولَم يكن نميريًا، وإنَّما نُسِبَ إلى اسم جدِّهِ، وهو ثَقَفيٌّ (١)، وزينبُ الَّتِي يُشَبِّبُ بِها هِي بنتُ يوسف أختُ الحجَّاج، وسألهُ عبد الملك بنُ مروانَ عن الرَّكْبِ ما كان؟ فقال: كانت أحْمِرَةً عِجَافًا حمَلت عليها قطرانًا من الطائف. فضحِكَ وأمرَ الحجَّاجَ أن لا يُؤذِيَهُ (٢). ثم لو قَدَّرْنَا أن ابنَ المسيَّبِ ضرب برجْلهِ الأرضَ؛ فليس في ذلك حجَّةٌ على جوازِ الرَّقصِ، فإنَّ الإنسانَ قد يضربُ الأرضَ بِرِجله، أو يدُقُّهَا بيَده لشيءٍ يسمعُهُ ولا يُسمَّى ذلك رقصًا. فما أقْبحَ هذا التَّعَلُّقَ! وأين ضرْبُ الأرضِ بالقَدَمِ مرَّةً أو مرَّتَينِ من رقْصِهِم الَّذِي يَخْرُجون بهِ عن سَمتِ العُقَلاءِ؟! ثم دعُونا من الاحتِجاجِ، تعالَوا نتقاضى إلى العُقولِ: أيُّ معنىً في الرَّقص إلا اللَّعبُ الَّذي يليقُ بالأطْفال؟! وما الَّذي فيه من تَحْريكِ القلوبِ إلى الآخرة؟! هذه واللهِ مُكابرةٌ باردَةٌ (٣).

стр. 595

قال المصنِّف ﵀: ولقد حدَّثني بعضُ المشايخ عن الغَزالي أنهُ قال: الرَّقصُ حماقة بين الكَتِفَين، لا تزولُ إلَّا بالتَّعَب (١). قال أبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ (٢): قد نصَّ القرآنُ على النَّهْيِ عن الرَّقصِ، فقال : ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] [لقمان: ١٨] وذمَّ المُخْتالَ والرقصُ أشدُّ المرحِ والبطْر. أوَ لَسْنا الذين قِسْنَا النَّبيذَ على الْخَمرِ لاتِّفاقِهما في الإطْرابِ والسُّكر؟! فما بَالُنَا لا نقِيسُ القضِيبَ وتَلْحينَ الشِّعر معه على الطّنبورِ والمزمار والطَّبلِ لاجتماعهما في الإطرابِ؟! وهل شيءٌ يُزْرِي بالعقلِ والوَقَارِ وَيُخْرجُ عن سَمْتِ الحِلْمِ والأدب بأقبحَ من ذي لحيَةٍ يرقص؟! وكيف إذا كانت شيبةٌ ترقصُ وتُصَفِّقُ على وِقَاعِ الألحانِ والقُضبانِ، خصوصًا إذا كانت أصواتُ نِسْوانٍ ومُرْدَانٍ؟! وهل يَحْسُنُ مَنْ بينَ يديه الموتُ والسؤالُ والحشرُ والصراط، ثم هو إلى إحدى الدَّارَينِ صائرٌ أن يمشيَ بالرَّقْصِ مشيَ البَهَائمِ (٣) ويُصَفِّقُ تصفيقَ النِّسْوة؟! والله لقد رأيتُ مشايخَ في عصري ما بانَ لَهُم سنٌّ من التَبسُّم فضلًا عن ضَحكٍ معَ إدْمانِ مخالطتي لهم، كالشيخ أبي القاسمِ بن زيدان (٤)، وعبد الملك بن بِشْران،

стр. 596

وأبي طاهرِ بن العلَّاف، والجُنَيد، والدِّينَوَرِي. فصل: فإذا تمكَّن الطَّرَبُ من الصُّوفِيَّةِ في حالِ رقصهم جَذَبَ أحدُهُم بعضَ الْجُلُوسِ لِيقُومَ معه، ولا يجوز عَلى مَذْهَبِهِمْ للمجذُوبِ أن يَقْعُد، فإذا قامَ قامَ الباقون تبعًا له (١). فإذا كشفَ أحدُهم رأسَه كشفَ الباقُونَ رؤُوسَهُم موافقةً له، ولا يَخْفى على عاقلٍ أن كشْفَ الرأسِ مُستَقْبَحٌ، وفيهِ إسقاطُ مروءةٍ وتركُ أدبٍ، وإنما يَقَع في المناسكِ تعبُّدًا للهِ وذلًّا له (٢). فصل: فإذا اشتَدَّ طَرَبُهُمْ رمَوا ثِيَابَهُم على المغنِّي، فمنهُم مَن يرمِي بها صِحاحًا، ومنهم مَن يَخْرِقُها ثم يَرمِي بِها: • وقد احْتَجَّ لَهم بعضُ الجهَّالِ فقال: هؤلاء في غَيْبَةٍ فلا يُلامونَ، فإنَّ موسى ﵇ لما غَلَبَ عليه الغمُّ بعبادةِ قومهِ العِجْلَ، رمَى الألْواحَ فكسَرها، ولم يَدْرِ ما صَنَع.

стр. 597

والجواب أن نقولَ: من يُصحِّحُ عن موسى ﵇ أنَّه رماها رمْيَ كاسِرٍ، والذي ذُكِر في القُرآن إلقاؤها فحَسْب، فمِن أيْن لنا أنَّها تَكَسَّرَت؟! ثم لو قيل تكسَّرَت، فمِن أينَ لنا أنَّه قَصَد كَسْرَها؟! ثم لو صَحَّحْنا ذلك عنه قلنا: كان في غَيْبَةٍ حتَّى لو كان بينَ يديهِ حِينَئِذٍ بحرٌ من نَارٍ خَاضَهُ ومن يُصَحِّحُ لهِؤلاءِ غَيْبَتَهُم وهم يعرِفونَ المغنيَ مِن غَير ويَحْذرون مِن بِئْرٍ لو كانت عِندهم. ثم كيفَ يُقَاسُ أحوالُ الأنْبِياءِ على أحْوالِ هؤلاءِ السُّفَهَاء؟! وقال المصنِّف ﵀: ولقد رأيتُ شابًّا من الصُّوفِيَّة يمشِي في الأسواقِ وَيصِيحُ، والعوامُّ يمشون خلفَهُ وهو يُبَرْبِر (١)، ويَخرُج إلى الجمُعةِ فيصيحُ صيحاتٍ وهو يُصلِّي الْجُمعةَ، فَسُئِلْتُ عن صلاته؟ فقلتُ: إن كان وقتَ صياحهِ غائِبًا فقد بَطلَ وُضوؤُهُ (٢)، وإن كان حاضِرًا فهو مُتَصنِّعٌ، وكان هذا الرَّجُلُ جَلدًا لا يعملُ شيئًا، بل يُدارُ لَهُ بزَنبيلٍ في كُلِّ يومٍ فيُجمَعُ لهُ ما يأكلُ هو وأصحابُه، هذه حالةُ المتأَكِّلِين لا المتوَكِّلِين. ثم لو قَدَّرنا أن القومَ يصِيحُونَ عن غَيْبةٍ، فإنَّ تَعَرُّضَهُم بما يُغَطِّي على العقولِ مِن سَماعِ ما يُطرِبُ منهيٌّ عنه، كالتَّعرُّضِ لكلِّ ما غالبهُ الأذى. وقد سُئِل ابن عقيلٍ عن تواجُدِهِم وتَخريقِ ثيابهم، فقال: خطأٌ وحرامٌ، قد نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن إضاعةِ المالِ وعن شقِّ الجُيوبِ (٣).

стр. 598

فقال له قائلٌ: فإنَّهم لا يَعْقِلون ما يفعلون! قال: إن حضرُوا هذه الأمكِنةَ مع علمِهِم أن الطَّربَ يغلبُ عليهم فيزيلُ عقولَهم، أثِموا بما يَدخلُ عليهم من التَّخريفِ وغيرِه مِمَّا يُفسد، ولا يسْقُطُ عنهم خطابُ الشَّرْعِ؛ لأنَّهُم مُخَاطَبونَ قبلَ الحضور بِتَجنُّبِ هذه المواضع التي تُفضي إلى ذلكَ، كما هم منهيُّونَ عن شُربِ المسكِر، فإذا سكِروا، وَجَرى منهم إفسادُ الأموالِ، لَم يسقُط الخطابُ لسُكْرِهم (١). كذلكَ هذا الطَّرَب الذي يُسمِّيهِ أهلُ التَّصوُّفِ وَجْدًا، إن صدقوا فيهِ فَسُكْرُ طَبْعٍ، وإن كذبوا فَسَدوا مع الصَّحو، فلا سلامةَ فيهِ مع الحالَينِ، وتجنّبُ مواضِعِ الرِّيبِ واجِبٌ (٢). • واحتجَّ لَهم ابنُ طاهر في تَخريقِهم الثيابَ بحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: نصبتُ حَجَلَةً لِي فيها رَقمٌ فمدَّها النبِي ﷺ فشقَّها (٣).

стр. 599

فانظُر إلى فقهِ هذا المسكين: كيفَ يقيسُ حالَ من يُمزِّقُ ثيابَهُ فيُفْسِدُها! وقد نَهى رسولُ الله ﷺ عن إضاعةِ المالِ على مدِّ سترٍ ليحطَّ فانشقَّ لا عَن قصدٍ، ثم لو قدَّرنا أنه قصدَ شقَّه جاز على وجْه العقوبةِ في المَنْهِيَّاتِ. كما أمر بكسْر الدِّنان في الخمر (١)، فإن ادَّعى مُمَزِّقُ ثيابِهِ أنهُ غائبٌ، قلنا: الشيطانُ غيَّبَكَ، لأنَّكَ لو كُنتَ مع الحقِّ لحفِظكَ، فإن الحقَّ لا يَفْسُد. وقد أخبرنا محمدُ بن أبي القاسم، قال: نا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيمٍ الحافظ، قال: نا محمد بن علي بن حُبيش، قال: نا عبد الله بن الصقر، قال: نا الصَّلْتُ بنُ مسعودٍ، قال: نا جعفرُ بن سليمانَ، قال: سمعتُ أبا عِمرانَ الجونِيَّ يقول: وعظَ موسى ابن عمرانَ ﵇ يومًا، فشقَّ رجلٌ منهم قَميصَه، فأوحى الله إلى موسى ﵇: قل لصاحبِ القميصِ لا يَشُقُّ قميصَهُ لِيشْرحَ لي عن قَلبهِ (٢). فصل: وتكلَّم مشايخُ الصُّوفيَّةِ في الخِرَق المرميَّةِ: • فقال محمدُ بن طاهرٍ: الدليلُ على أن الخرْقَةَ إذا طُرِحَتْ صارت ملكًا لمِن طُرِحَت بِسبِبِه حديثُ جريرٍ: جاءَ قومٌ مُجْتابِي النِّمارِ، فحرَّضَ رسولُ الله ﷺ على الصَّدَقةِ، فجاءَ رجُلٌ من الأنصارِ بِصُرَّةٍ، فتتابع الناسُ حتَّى رأيتُ كَومَينِ من ثياب وطعامٍ (٣). قال: والدليلُ على أن الجماعةَ إذا قدموا عند تفْريقِ الخِرْقةِ أُسْهِمَ لهم

стр. 600

حديثُ أبي مُوسَى: قدِمْنَا بعدَ خَيْبَر بِثَلاثٍ فأسْهَم لنَا (١). وقال المصنِّفُ ﵀: قلت: لقد تلاعَبَ هذا الرَّجلُ بالشَّريعةِ واستَخْرجَ بِسوءِ فهمهِ ما يظنُّهُ يوافِقُ مذهبَ المتأخِّرين عن الصُّوفيَّة فإنَّا ما عرفنَا هذا في أوائِلِهِم. وبيانُ فسادِ استخراجِهِ: أن هذا الذي خَرَقَ الثوبَ ورمى بهِ إن كان حاضرًا فما جاز لهُ تخريقه، وإن كان غائِبًا فليسَ لهُ تصرُّفٌ جائزٌ شرعًا، لا هِبةً ولا تملِيكًا. وكذلك يزعُمونَ إن كان ثوبُهُ كالشيءِ الذي يقعُ من الإنسانِ ولا يدْري بهِ، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يتَمَلَّكَه، وإنْ رماهُ فِي حالِ حضورر لا على أحدٍ فلا وجهَ لتملُّكِهِ. ولَو رماهُ على المغَنِّي لم يَمْلكْه، لأنَّ التمليكَ لا يكون إلا بعقدٍ شرعيٍّ، والرميُ ليسَ بعقد، ثم نقدِّر أنه ملْكٌ للمُغَنِّي، فما وجهُ تصرُّفِ الباقين فيهٍ؟! ثم إذا تصرَّفوا فيه خَرَقوهُ خِرَقًا، وذلك لا يجُوزُ لِوَجْهَين: أحدُهُما: أنهُ تصرفٌ فيما لا يملِكونه. والثاني: أنه إضاعةٌ للمالِ (٢). ثم ما وجهُ إسْهامِ من لم يَحْضُر؟! فأمَّا حديثُ أبِي مُوسى فقال العُلَماءُ منهم الخطَّابيُّ: يُحتملُ أن يكونَ رسولُ الله
следующие страницы →