← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وأبي طاهرِ بن العلَّاف، والجُنَيد، والدِّينَوَرِي. فصل: فإذا تمكَّن الطَّرَبُ من الصُّوفِيَّةِ في حالِ رقصهم جَذَبَ أحدُهُم بعضَ الْجُلُوسِ لِيقُومَ معه، ولا يجوز عَلى مَذْهَبِهِمْ للمجذُوبِ أن يَقْعُد، فإذا قامَ قامَ الباقون تبعًا له (١). فإذا كشفَ أحدُهم رأسَه كشفَ الباقُونَ رؤُوسَهُم موافقةً له، ولا يَخْفى على عاقلٍ أن كشْفَ الرأسِ مُستَقْبَحٌ، وفيهِ إسقاطُ مروءةٍ وتركُ أدبٍ، وإنما يَقَع في المناسكِ تعبُّدًا للهِ وذلًّا له (٢). فصل: فإذا اشتَدَّ طَرَبُهُمْ رمَوا ثِيَابَهُم على المغنِّي، فمنهُم مَن يرمِي بها صِحاحًا، ومنهم مَن يَخْرِقُها ثم يَرمِي بِها: • وقد احْتَجَّ لَهم بعضُ الجهَّالِ فقال: هؤلاء في غَيْبَةٍ فلا يُلامونَ، فإنَّ موسى ﵇ لما غَلَبَ عليه الغمُّ بعبادةِ قومهِ العِجْلَ، رمَى الألْواحَ فكسَرها، ولم يَدْرِ ما صَنَع.

стр. 597

والجواب أن نقولَ: من يُصحِّحُ عن موسى ﵇ أنَّه رماها رمْيَ كاسِرٍ، والذي ذُكِر في القُرآن إلقاؤها فحَسْب، فمِن أيْن لنا أنَّها تَكَسَّرَت؟! ثم لو قيل تكسَّرَت، فمِن أينَ لنا أنَّه قَصَد كَسْرَها؟! ثم لو صَحَّحْنا ذلك عنه قلنا: كان في غَيْبَةٍ حتَّى لو كان بينَ يديهِ حِينَئِذٍ بحرٌ من نَارٍ خَاضَهُ ومن يُصَحِّحُ لهِؤلاءِ غَيْبَتَهُم وهم يعرِفونَ المغنيَ مِن غَير ويَحْذرون مِن بِئْرٍ لو كانت عِندهم. ثم كيفَ يُقَاسُ أحوالُ الأنْبِياءِ على أحْوالِ هؤلاءِ السُّفَهَاء؟! وقال المصنِّف ﵀: ولقد رأيتُ شابًّا من الصُّوفِيَّة يمشِي في الأسواقِ وَيصِيحُ، والعوامُّ يمشون خلفَهُ وهو يُبَرْبِر (١)، ويَخرُج إلى الجمُعةِ فيصيحُ صيحاتٍ وهو يُصلِّي الْجُمعةَ، فَسُئِلْتُ عن صلاته؟ فقلتُ: إن كان وقتَ صياحهِ غائِبًا فقد بَطلَ وُضوؤُهُ (٢)، وإن كان حاضِرًا فهو مُتَصنِّعٌ، وكان هذا الرَّجُلُ جَلدًا لا يعملُ شيئًا، بل يُدارُ لَهُ بزَنبيلٍ في كُلِّ يومٍ فيُجمَعُ لهُ ما يأكلُ هو وأصحابُه، هذه حالةُ المتأَكِّلِين لا المتوَكِّلِين. ثم لو قَدَّرنا أن القومَ يصِيحُونَ عن غَيْبةٍ، فإنَّ تَعَرُّضَهُم بما يُغَطِّي على العقولِ مِن سَماعِ ما يُطرِبُ منهيٌّ عنه، كالتَّعرُّضِ لكلِّ ما غالبهُ الأذى. وقد سُئِل ابن عقيلٍ عن تواجُدِهِم وتَخريقِ ثيابهم، فقال: خطأٌ وحرامٌ، قد نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن إضاعةِ المالِ وعن شقِّ الجُيوبِ (٣).

стр. 598

فقال له قائلٌ: فإنَّهم لا يَعْقِلون ما يفعلون! قال: إن حضرُوا هذه الأمكِنةَ مع علمِهِم أن الطَّربَ يغلبُ عليهم فيزيلُ عقولَهم، أثِموا بما يَدخلُ عليهم من التَّخريفِ وغيرِه مِمَّا يُفسد، ولا يسْقُطُ عنهم خطابُ الشَّرْعِ؛ لأنَّهُم مُخَاطَبونَ قبلَ الحضور بِتَجنُّبِ هذه المواضع التي تُفضي إلى ذلكَ، كما هم منهيُّونَ عن شُربِ المسكِر، فإذا سكِروا، وَجَرى منهم إفسادُ الأموالِ، لَم يسقُط الخطابُ لسُكْرِهم (١). كذلكَ هذا الطَّرَب الذي يُسمِّيهِ أهلُ التَّصوُّفِ وَجْدًا، إن صدقوا فيهِ فَسُكْرُ طَبْعٍ، وإن كذبوا فَسَدوا مع الصَّحو، فلا سلامةَ فيهِ مع الحالَينِ، وتجنّبُ مواضِعِ الرِّيبِ واجِبٌ (٢). • واحتجَّ لَهم ابنُ طاهر في تَخريقِهم الثيابَ بحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: نصبتُ حَجَلَةً لِي فيها رَقمٌ فمدَّها النبِي ﷺ فشقَّها (٣).

стр. 599

فانظُر إلى فقهِ هذا المسكين: كيفَ يقيسُ حالَ من يُمزِّقُ ثيابَهُ فيُفْسِدُها! وقد نَهى رسولُ الله ﷺ عن إضاعةِ المالِ على مدِّ سترٍ ليحطَّ فانشقَّ لا عَن قصدٍ، ثم لو قدَّرنا أنه قصدَ شقَّه جاز على وجْه العقوبةِ في المَنْهِيَّاتِ. كما أمر بكسْر الدِّنان في الخمر (١)، فإن ادَّعى مُمَزِّقُ ثيابِهِ أنهُ غائبٌ، قلنا: الشيطانُ غيَّبَكَ، لأنَّكَ لو كُنتَ مع الحقِّ لحفِظكَ، فإن الحقَّ لا يَفْسُد. وقد أخبرنا محمدُ بن أبي القاسم، قال: نا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيمٍ الحافظ، قال: نا محمد بن علي بن حُبيش، قال: نا عبد الله بن الصقر، قال: نا الصَّلْتُ بنُ مسعودٍ، قال: نا جعفرُ بن سليمانَ، قال: سمعتُ أبا عِمرانَ الجونِيَّ يقول: وعظَ موسى ابن عمرانَ ﵇ يومًا، فشقَّ رجلٌ منهم قَميصَه، فأوحى الله إلى موسى ﵇: قل لصاحبِ القميصِ لا يَشُقُّ قميصَهُ لِيشْرحَ لي عن قَلبهِ (٢). فصل: وتكلَّم مشايخُ الصُّوفيَّةِ في الخِرَق المرميَّةِ: • فقال محمدُ بن طاهرٍ: الدليلُ على أن الخرْقَةَ إذا طُرِحَتْ صارت ملكًا لمِن طُرِحَت بِسبِبِه حديثُ جريرٍ: جاءَ قومٌ مُجْتابِي النِّمارِ، فحرَّضَ رسولُ الله ﷺ على الصَّدَقةِ، فجاءَ رجُلٌ من الأنصارِ بِصُرَّةٍ، فتتابع الناسُ حتَّى رأيتُ كَومَينِ من ثياب وطعامٍ (٣). قال: والدليلُ على أن الجماعةَ إذا قدموا عند تفْريقِ الخِرْقةِ أُسْهِمَ لهم

стр. 600

حديثُ أبي مُوسَى: قدِمْنَا بعدَ خَيْبَر بِثَلاثٍ فأسْهَم لنَا (١). وقال المصنِّفُ ﵀: قلت: لقد تلاعَبَ هذا الرَّجلُ بالشَّريعةِ واستَخْرجَ بِسوءِ فهمهِ ما يظنُّهُ يوافِقُ مذهبَ المتأخِّرين عن الصُّوفيَّة فإنَّا ما عرفنَا هذا في أوائِلِهِم. وبيانُ فسادِ استخراجِهِ: أن هذا الذي خَرَقَ الثوبَ ورمى بهِ إن كان حاضرًا فما جاز لهُ تخريقه، وإن كان غائِبًا فليسَ لهُ تصرُّفٌ جائزٌ شرعًا، لا هِبةً ولا تملِيكًا. وكذلك يزعُمونَ إن كان ثوبُهُ كالشيءِ الذي يقعُ من الإنسانِ ولا يدْري بهِ، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يتَمَلَّكَه، وإنْ رماهُ فِي حالِ حضورر لا على أحدٍ فلا وجهَ لتملُّكِهِ. ولَو رماهُ على المغَنِّي لم يَمْلكْه، لأنَّ التمليكَ لا يكون إلا بعقدٍ شرعيٍّ، والرميُ ليسَ بعقد، ثم نقدِّر أنه ملْكٌ للمُغَنِّي، فما وجهُ تصرُّفِ الباقين فيهٍ؟! ثم إذا تصرَّفوا فيه خَرَقوهُ خِرَقًا، وذلك لا يجُوزُ لِوَجْهَين: أحدُهُما: أنهُ تصرفٌ فيما لا يملِكونه. والثاني: أنه إضاعةٌ للمالِ (٢). ثم ما وجهُ إسْهامِ من لم يَحْضُر؟! فأمَّا حديثُ أبِي مُوسى فقال العُلَماءُ منهم الخطَّابيُّ: يُحتملُ أن يكونَ رسولُ الله

стр. 601

ﷺ أعطاهم عَن رِضىً مِمَّن شهِد الوقْعَةَ أو مِن الخمُس الذي هو حقُّه (١). وعلى مذهبِ الصوفِيَّةِ تُعطَى هذِه الخِرقُ لمِنْ جَاءَ، وهذا مذهبٌ خارجٌ عن إجْماعِ المسلمين. وما أشبهَ ما وضعَ هؤلاء بآرائهم الفاسدةِ إلَّا بِما وضعتِ الجَاهليَّةُ من أحكامِ البَحِيْرَةِ والسائِبَةِ والوصِيلةِ والحام (٢)! • قال ابن طاهر: أجمع مشايخُنَا على أن الخِرقةَ المُخَرَّقةَ وما انبعثَ من الخِرَقِ الصِّحاحِ الموافِقَةِ لَها، أن ذلك كلَّهُ يكونُ بِحُكمِ الجمعِ، يفعلون فيهِ ما يراه المشايخ، واحتجُّوا بقولِ عُمر ﵁: الغنيمةُ لمِن شهِد الوَقْعَةَ (٣). وخالفَهُم شيخُنا أبو إسماعيل

стр. 602

الأنصاريّ، فجعلَ الخِرقَةَ على ضربَينِ: ما كان مَجْروحًا قُسِّمَ على الجمْعِ. وما كان سلِيمًا دُفِعَ إلى القوَّال، واحتَجَّ بحديث سلَمة: مَن قَتَلَ الرجلَ؟ قالوا: سلَمةُ بنُ الأكوعِ. قال: له سلَبُهُ أجْمَع (١). فالقتلُ إنَّما وُجِد من جِهَةِ القوَّالِ، فالسَّلَبُ له (٢). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: انظروا إخْواني عصَمَنا اللهُ وإيَّاكُم من تَلْبيسِ إبْلِيسَ إلى تلاعُبِ هؤلاء الجهَلَةِ بالشَّرِيعةِ، وإجماعِ مشَايِخَهِم الذي لا يساوي بعرة، فإنَّ مشايخَ الفُقَهاءِ أجْمَعُوا على أن الموهوبَ لمِنْ وهبَ له، سواءً كان مخرقًا أو سليمًا، ولا يجوز لغيرِهِ التصرُّفُ فيهِ. ثم إنَّ سلَبَ القتيلِ كلُّ ما عليهِ، فما بالهم جعلوهُ ما رمَى بهِ؟! ثم ينبغي أن يكونَ الأمرُ على عكْسِ ما قالهُ الأنصاريُّ؛ لأنَّ المجروحَ من الثِّيابِ كان بسببِ الوَجْدِ، فينبغِي أنْ يكونَ المجروحُ للمغني دون الصحيحِ، وكلُّ أقوالهِم في هذا هذيانٌ! وقال المصنِّفُ ﵀: وقد حكى أبو عبد الله التَّكرِيتِي الصوفيُّ، عن أبي الفتوح الإسْفِراييني، وكنتُ أنا قدْ رأيتُهُ وأنا صغيرُ السِّنِّ، وقد حضرَ فِي جَمْعٍ كثيرٍ في رباطٍ، وهناكَ المخادُّ والقُضبانُ ودفٌّ بِجَلاجلَ، فقامَ يرقصُ حتَّى وقعت عمامتُهُ فبقِي مكشوفَ الرَّأسِ. قال ليَ التكريتي: إنه رقصَ يومًا في خُفٍّ له، ثم إنَّ أبا الفتوح ذكرَ أن الرَّقصَ في الخُفِّ خَطأ عند القومِ، فانفردَ وخلَعَهُ ثم نزَعَ مِمْطَرًا (٣) كان عليه فوضعهُ بينَ أيديهم

стр. 603

كفارةً لتلكَ الجنايةِ، فاقتَسَموهُ خِرَقًا. • قال ابنُ طاهر: والدليلُ على أن الذي يطرَحُ الخِرقةَ لا يجوزُ أن يشتريَها من الجَمْعِ حديثُ عمر ﵁: لا تعودنَّ في صَدَقَتِكَ (١). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: انظروا إلى بُعْدِ هذا الرَّجلِ عن فهمِ معاني الأحاديث، فإنَّ عمر وقَّف الفَرَسَ في سبيلِ الله، فأخْرجهُ الذي يقاتلُ عليه ليَبِيعَهُ فنَهَاهُ رسولُ الله ﷺ أنْ يَشْتَريه، لأنه لا يجوزُ أن يُباعَ ولا يُشْتَرى، بخلاف الموهوبِ لشخصٍ، فإنهُ يجوَزُ أن يبيعَه ويجوز شراؤهُ (٢). فإن الخِرقَةَ المطروحةَ باقيةٌ على ملْكِ صاحِبِها، فلا يحتاجُ إلى أن يشْتَريها. فصل: فأما تقطيعهم الثيابَ المطروحة خِرقًا وتفريقُها فقد بَيَّنَّا أنه إن كان صاحبُ الثوبِ رماه إلى المُغنِّي لم يملكْهُ بِنفْسِ الرَّمْي حتى يُمَلِّكَهُ إيَّاه، فإذا ملَّكَهُ إيَّاه فما وجهُ تصرُّفِ الغيرِ فيهِ؟! ولقد شهدتُ بعضَ فقهائهِم يُخَرِّقُ الثيابَ ويُقَسِّمُها ويقول: هذه الخِرَقُ يُنْتفَعُ

стр. 604

بِهَا، وليسَ هذا بِتَفْرِيطٍ. قلت: وهل التفريطُ إلَّا هذا؟! ورأيتُ شيخًا آخرَ منهم يقولُ: خرقْتُ خرْقةً في بلدِنا، فأصابَ رجلٌ منها خريقَةً فعمِلها كِنْفًا (١) فباعهُ بِخَمسةِ دنانيرٍ، فقلت له: إنَّ الشَّرعَ لا يجيزُ هذه الرُّعونات لمثلِ هذهِ النَّوادِر. وأعْجَبُ من هذينِ الرَّجُلَينِ أبو حامدٍ الطُّوسيِّ، فإنهُ قال: يُبَاحُ لهم تَمزيقُ الثِّيابِ إذا خُرِّقَتْ قِطَعًا مربَّعةً تصلحُ لترقيعِ الثيابِ والسجَّاداتِ، فإنَّ الثوبَ يُمزَّق حتَّى يُخاطَ منهُ القميص، ولا يكون ذلكَ تضْيِيعًا (٢). قال المصنِّف: ولقد عجِبْتُ من هذا الرَّجلِ كيفَ اسْتَلَبَهُ حبُّ مذهبِ التَّصوُّفِ عن أصولِ الفقهِ ومذهبِ الشافعيِّ، فنظرَ إلى انتفاعٍ خاصٍّ! ثم ما معنى مربَّعة؟! فإنَّ المطاوَلَةَ يُنْتَفَعُ بها أيْضًا! ثم لو مُزِّقَ الثوبُ قرامِلَ (٣) لانْتُفِعَ بِها، ولَو كُسِرَ السَّيفُ نصفَينِ لانتُفِعَ بالنصفِ، غير أن الشرعَ يتَلَمَّحُ الفوائدَ العامةَ ويسمِّي ما ينقُصُ عنها الانتفاعُ إِتلافًا، ولهذا يَنْهى عنْ كسرِ الدِّرهمِ الصحيحِ؛ لأنَّه يُذهِبُ منه قيمةً بالإضافةِ إلى المكْسُورِ، فليس العجبُ من تلبيسِ إبليسَ على الجهَلَةِ منهم، بل على الفقهاءِ الذين اختاروا بِدَع المتصوِّفة على حكم أبي حنيفةَ والشافعيِّ ﵁! فصل:

стр. 605

ولقد غرَّبوا فِيما ابْتَدَعوا، وأقامَ لهم الأعذارَ مَن مالَ إلى هواهُم: ولقد ذكر محمدُ بن طاهرٍ في كتابِهِ، فقال: بابُ السُّنَّةِ في أخذِ شيءٍ من المستغفر، واحتجَّ بحديثِ كعبِ بن مالكٍ في توبتِهِ: يُجْزِئُكَ الثلثُ (١). ثم قال: باب الدّليل على أن مَن وجبت عليهِ غرامةٌ فلم يؤدِّها ألزمُوهُ أكثرَ منها واستدلَّ بحديثِ معاويةَ بن حيدة عن النبي ﷺ أنه قال في الزكاةِ: مَن مَنَعَها فإنَّا آخِذُوها وشَطْرَ مالِهِ (٢). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: فانظر إلى تلاعُبِ هؤلاءِ، وجهلِ هذا المحتجِّ لهُم، وتسميةِ ما يلزمونهُ بعضَهُم بما لا يلزَمُهُ غرامةً، وتسمية ذلكَ واجبًا، وليسَ لنا غرامةٌ ولا وجوب إلَّا بالشَّرعِ.

стр. 606

ومتى اعتقدَ الإنسانُ ما ليسَ بواجبٍ واجبًا كفَرَ (١). ومن مذْهَبِهِم كشْفُ الرَّأسِ عندَ الاستغْفارِ، وهذه بِدْعةٌ تُسْقِطُ المروءَةَ وتُنافِي الوقارَ، ولولا وُرودَ الشَّرْعِ بِكَشْفِهِ في الإحرامِ ما كان له وجهٌ (٢). وأما حديثُ كعبِ بن مالكٍ فإنَّهُ قال: إنَّ مِن توبَتِي أنْ أنْخَلِع مِن مالي، فقال لهُ رسولُ اللهِ ﷺ : يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ، لا على سبيلِ الإلْزامِ له، وإنما تبرَّع بذلكَ فأَخذَ مِنهُ. وأين إِلزام الشَّرعِ تاركَ الزَّكاةِ ما يزيدُ عَلَيها عقوبة مِن إلزامِهِم المُريدَ غرامةً لا تَجِبُ عليهِ، فإذا امْتَنعَ ضاعَفُوها، وليسَ إليهم الإلزامُ! إنَّما يتَفَرَّدُ بالإلزامِ الشرعُ وحْده، وهذا كلُّهُ جهلٌ وتلاعبٌ بالشريعةِ، فهؤلاء الخوارجُ علَيها حقًّا!

стр. 607

ذكر تلبيس إبليس على كثير من الصوفية في صحبة الأحداث قال المصنِّفُ ﵀: اعلمْ أن أكثرَ المُتصَوِّفةِ قدْ سدُّوا علَى أنفُسهم بابَ النَّظَرِ إلى النِّساءِ الأجانب، لِبُعْدهم عنْ مصاحبتِهِنَّ وامتناعِهم عن مُخالطتهِنَّ، واشتغلوا بالتعبُّدِ عن النكاحِ، واتَّفقتْ صُحْبَةُ الأحْداثِ لهم على وجْهِ الإرادَةِ (١) وقصدِ الزَّهادَةِ، فَأَمَالهم إبليسُ إليهم. واعْلم أن المُتصَوِّفةَ في صُحْبَةِ الأحْداثِ علَى سبْعةِ أقسامٍ: القسمُ الأول: أخبثُ الناسِ، وهم ناسٌ يتَشَبَّهُونَ بالصُّوفِيَّة ويقولون بالحلولِ (٢): • أخبرنا محمدُ بن عبدُ الباقي بن أحمد بن سلمان، قال: أنبأنا أبو عليٍّ الحسنُ بنُ محمَّد بن الفضْلِ الكَرْمانِيّ، قال: أخبرنا سهلُ بن عليٍّ الخشاب، قال: نا أبو نَصْرٍ

стр. 608

عبدُ اللهِ بنُ عليٍّ السَّرَّاج، قال: بلَغَني أن جماعةً من الحلوليَّة زعموا أن الحقَّ تعالى اصْطَفى أجْسامًا حلَّ فيها بِمعاني الربوبيَّةِ، ومنهم من قال: هو حالٌّ فِي المُسْتَحْسَناتِ (١). • وذكرَ أبو عبدِ الله بن حامدٍ مِن أصْحابنا أن طائِفَةً من الصُّوفِيَّةِ قالوا: إنَّهم يرونَ الله في الدُّنيا، وأجازوا أنْ يكونَ فِي صِفَةِ الآدميِّ، ولم يأبَوا كونَهُ حالًا في الصُّوَرِ الحسنةِ، حتى رُبَّما استَشْهَدُوا فِي رُؤيَتِهم الغلامَ الأمردَ (٢). القسمُ الثاني: قومٌ يتشبَّهونَ بالصُّوفيَّةِ في مَلبَسهم، ويقصِدونَ الفِسْقَ. القسمُ الثالث: قومٌ يُبِيحونَ النَّظرَ إلى المُستحسَنِ. • وقد صنَّفَ أبو عبدِ الرَّحمن السُّلَمِيّ كتابًا سمَّاهُ سننَ الصُّوفِيَّةِ (٣)، فقال في آخِرِ

стр. 609

الكتابِ: بابٌ في جَوامِعِ رُخَصِهم، فذكرَ فيهِ الرقصَ والغناءَ والنظرَ إلى الوجْهِ الحسَن، وذكرَ فيه ما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "اطلبوا الخَيرَ عند حِسَانِ الوجوه". وأنَّهُ قال: "ثلاثةٌ تَجْلو البصَر: النظرُ إلى الخُضْرةِ، والنظرُ إلى الماءِ، والنظرُ إلى الوجهِ الحسنِ". وهذان الحديثانِ لا أصلَ لهُما عنْ رسولِ اللهِ ﷺ : أمَّا الحديثُ الأوَّلِ فأخبرنا به عبدُ الأوَّلِ بن عيسى، قال: أخبرَنا عبدُ الرحمن بن محمَّد بن المُظَفَّرِ، قال: نا عبدُ الله بنُ أحمد بن حمويه، قال: نا إبراهيمُ بنُ خُزَيمٍ، قال: نا عبدُ بن حُمَيدٍ، قال: نا يزيدُ بن هارونَ، قال: نا محمَّدُ بن عبدُ الرحمن بن المجبر، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أن النبيَّ ﷺ قال: "اطلُبُوا الخيرَ عندَ حِسَانِ الوُجُوه" (١). قال يحيى بنُ مَعين: محمدُ بنُ عبد الرَّحمن ليس بِشَيءٍ (٢). قال المصنِّف: قلت: وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مِن طُرُقٍ، قالَ العُقَيْليُّ: لا يَثْبُتُ عنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ في هذا شيءٌ (٣). وأمَّا الحديثُ الآخر: فأنبأنا أبُو مَنصور بن خَيرونَ، قال: أنبأنا أحْمَدُ بنُ عِليِّ بن ثابتٍ، قال: أخبَرَني محمدُ بن أحمد بن يعقوبَ، قال: أخبرَنا محمدُ بنُ نعيم الضبِّيّ، قال: أخبرنا أبُو بَكْرٍ محمدُ بنُ أحمدَ بن هارون، قال: نا أحمدُ بن عمرَ بن عُبَيد

стр. 610

الرَّيحانِي، قال: سمعتُ أبا البختري وهبَ بنَ وهبٍ يقول: كنتُ أدخلُ على الرَّشيدِ وابنُهُ القاسِمُ بينَ يديهِ، فكنتُ أُدْمِنُ النظرَ إليهِ، فقال: أراكَ تُدمِنُ النظرَ إلى القاسِمِ تريدُ أنْ تَجعل انقطاعَهُ إليكَ، قلتُ: أعيذكَ باللهِ يا أميرَ المؤمنينَ أن ترمِيَني بما ليس فيَّ، فأمَّا إدمانُ النظرِ إليهِ فإنَّ جعْفرًا الصادقَ حدثنا عن أبيهِ، عن جدِّهِ عليِّ بن الحُسينِ، عن أبيه، عن جدِّهِ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ثلاثٌ يزِدْنَ في قوَّةِ النظَرِ: النظرُ إلى الخُضْرَةِ وإلى الماءِ الجارِي وإلى الوجهِ الحَسنِ" (١). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: هذا حديثٌ موضوعٌ، ولا يَختَلِفُ العلماءُ في أبِي البَخْتَرِيّ أنهُ كذَّابٌ وضَّاعٌ، وأحمدُ بنُ عمر بن عُبَيدٍ أحدُ المجهولِين. ثم قدْ كان يَنبغِي لأبِي عبدِ الرَّحمن السُّلَمِي إذا ذكرَ النظرَ إلى المستَحسَنِ أن يُقَيِّدَه بالنظرِ إلى وجهِ الزَّوجَةِ أو المَمْلوكةِ، فأمَّا إطْلاقُهُ ففيهِ سوءٌ. • وقال شيخُنا محمدُ بن ناصر الحافظ: كان محمدُ بن طاهِرٍ المقدسي قد صنَّفَ كتابًا في جوازِ النَّظرِ إلى المُرد (٢). قال المصنِّفُ ﵀: والفُقَهاء يقولونَ: من ثَارَتْ شهوتُهُ عندَ النظرِ إلى الأمردِ حَرُمَ عليهِ أن ينظرَ إليهِ (٣)، ومتَى ادَّعى الإنسانُ أنهُ لا تثورُ شهوتُهُ عندَ النَّظرِ

стр. 611

إلى الأمردِ المُسْتَحسنِ فهو كاذِبٌ، وإنَّما أُبيحَ على الإطلاقِ؛ لئلَّا يقعَ الحرَجُ في كَثْرَةِ المُخَالطةِ بالمَنعِ، فإذا وقع الإلحاحُ في النَّظرِ دلَّ على العملِ بمقتضَى ثورانِ الهوى (١). قال سعيدُ بنُ المسيِّبْ: إذا رأيتُم الرَّجلَ يلِحُّ النَّظَرَ إلى غُلامٍ أمردَ فاتَّهِموه (٢). القسمُ الرابع: قومٌ يقولونَ: نحنُ لا ننْظرُ نظرَ شهوةٍ، وإنَّما نظرَ اعتِبارٍ، فلا يَضُرُّنا النظرَ. وهذا مُحالٌ منهم! فإن الطِّباعَ تَتَساوَى، فمنِ ادَّعى تميِيزَهُ عن أبناءِ جِنسهِ في الطَّبعِ ادَّعى المُحَال، وقد كشَفنا هذا في أوَّلِ كلامنا في السَّماع (٣). • أخبرتنا شَهْدةُ بنتُ أحمد الإبري، قالت: أخبرنا جعفرُ بن أحمد السَّرّاج، قال: نا أبو إسحَاق إبراهيم بنُ سعيدٍ بمصر، قال: أخبرنا أبو صالِحٍ السَّمَرقَنْدِيّ، قال: نا الحُسينُ بن القاسمِ بن اليسع، قال: نا أحمدُ بن محمدَ بن عمرٍو الدينَوَري، قال: حدثنا أبو محمدٍ جعفرُ بن عبدِ الله الصُّوفي، قال: قال أبو حمزةَ الصُّوفي: حدَّثني عبدُ الله بن الزُّبَير الحنفي، قال: كنتُ جالِسًا مع النَّضْر الغَنَوي (٤) وكان مِن المبرزينَ العَابِدين، فَنَظَر إلى غُلامٍ جميلٍ، فلم تَزلْ عيناهُ واقِعَتَينِ عليهِ حتَّى دنا منه، فقال له: سألتُكَ باللهَ السَّميعِ وعزِّهِ الرَّفيعِ وسلطانِهِ المنيعِ إلَّا وقفْتَ عليَّ أروَى من النظَرِ إليك. فوقفَ قليلًا ثم ذهبَ ليمضِي، فقال لهُ: سألتُكَ بالحكيمِ المجيدِ الكريمِ المُبدي المعيدِ إلَّا

стр. 612

وقفتَ. فوقفَ ساعةً فأقْبَلَ يُصَعِّدُ النظرَ فيهِ ويُصَوِّبُه، ثم ذهبَ ليمضِي، فقال: سألتُكَ بالواحدِ الأحدِ الجبارِ الصَّمدِ الذي لم يلِدْ ولم يولدْ إلا وقفْتَ. فوقفَ ساعةً فنظرَ إليهِ طويلًا، ثم ذهبَ ليمضِي، فقال: سألتُكَ باللطيفِ الخبيرِ السميعِ البصيرِ ومن ليس لهُ نظير إلَّا وقفتَ، فوقفَ. فأقْبلَ ينظُرُ إليهِ، ثم أطْرَقَ إلى الأرضِ، ومضى الغلام، فرفعَ رأسَه بعدَ طويلٍ وهو يبكِي، فقال: لقد ذكَّريب هذا بنَظَرِي إليهِ وجهًا جلَّ عن التَّشبيهِ، وتقدَّسَ عن التَّمثيلِ، وتعاظمَ عن التَّحديدِ! واللهِ لأجهدنَّ نفسي في بلوغِ رضاهُ بِمُجاهدتي جميعَ أعدائِه ومُوالاتِي لأوليائهِ حتَّى أصِير إلى ما أرَدْتُهَ من نَظَري إلى وجهِهِ الكريمِ وبَهائِهِ العظيمِ، ولَودِدْتُ أنه قد أَرَانِي وجهَهُ وحَبَسَنِي في النَّار ما دامتِ السماواتُ والأرضُ. ثم غشي عليهِ (١). • أخبرنا المحمدان: ابنُ ناصِر وابنُ عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمَد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيمٍ الحافظ، قال: نا أبو الحسنِ محمدُ بنُ محمد بن عبيدِ الله، قال: سَمِعتُ أَخي أبا عبدِ الله محُمدَ بن محمدٍ يقول: سمعتُ محمد بن عبدِ الله الرازي، قال: سمعتُ خَيرًا النَّسَّاج يقول: كنتُ مع مُحَارِب بن حسَّان الصُّوفي في مَسْجدِ الخيف ونحنُ مُحرمانِ، فجلسَ إلينا غُلامٌ جميلٌ مِن أهلِ المغربِ، فرأيتُ مُخارقًا ينظرُ إليهِ نظرًا أنكرته، فقلتُ لهُ بعدَ أن قامَ: إنَّكَ حرامٌ في شَهرٍ حرامٍ في بلدٍ حرامٍ في مَشْعرٍ حرامٍ، وقد رأيتُكَ تنظُر إلى هذا الغلامِ نظرًا لا ينظرُهُ إلَّا المفْتِنون. فقال لي: تقولُ هذا يا شَهْوانِيَّ القلبِ والطَّرْفِ، ألم تعلم أنهُ قد منَعَني مِن الوقوعِ في شركِ إبلِيسَ ثلاثٌ؟! فقلت: وما هي؟ قال: سرُّ الإيمانِ وعِفَّةُ الإسلامِ وأعظَمُهَا عندي الحياءُ من اللهِ تَعالى أنْ يَطَّلِع علَيَّ وأنا جاثِمٌ على مُنكرٍ نهاني عنهُ. ثم صُعِقَ حتى اجتمعَ الناسُ علينا (٢).

стр. 613

قال المصنِّفُ ﵀: انظروا إلى جَهلِ الأحْمقِ الأوَّلِ، ورمزُه بالتَّشبيهِ وإنْ تلَفَّظَ بالتَّنْزيهِ، وإلى حماقةِ هذا الثَّاني الذي ظنَّ أن المعصِيةَ هي الفاحِشةُ فقط، وما عَلِم أنَّ نَفْس النَّظَرِ بشَهْوةٍ محُرَّمٌ، ومحَا عن نفسهِ أثرَ الطَّبع بِدعواهُ الَّتي تُكَذِّبُها شهوةُ النظرِ. • وقد حكي عن بعضِ العُلماءِ أنَّ صَبِيًا أمْردَ حكى له، قال: قال لي فلانٌ الصُّوفيُّ وهو يُحِبُّني: يا بُني، للهِ إليك إقبالٌ والتفات، حيثُ جعلَ حاجَتي إليكَ. • وحكى لي أنَّ جماعةً منَ الصُّوفيَّةِ دخلوا على أحْمَد الغزالي وعنده أمردٌ، وهو خالٍ بهِ، وبَيْنَهُما وِرْدٌ، وهو ينُظُر إلى الوِردِ تارة، وإلى الأمردِ تارةً، فلمَّا جلسُوا قالَ بعضهُم: لعلَّنا كَدَّرْنَا، فقال: إي والله. فتصايحَ الجماعةُ على سبيلِ التَّواجُد! وحكى لي عنهُ أبو الحُسينِ بن يوسفَ أنَّه كتب إليهِ في رُقعةٍ: إنَّكَ تحب غلامَكَ التُّركِي. فقرأ الرُّقعةَ ثم استَدعى الغُلامَ، فصعد المنبر إليهِ فقبَّل عينَيهِ وقال: هذا جوابُ الرُّقعةِ (١). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: إني لا أعْجَبُ مِن فِعلِ هذا الرَّجلِ وإِلقائِهِ جِلبابَ الحياءِ عن وجهِه، وإنما أَعْجبُ مِن البهائمِ الحاضِرينَ، كيفَ سكتُوا عن الإنكارِ عليهِ؟! ولكنَّ الشريعةَ برَدتْ في قُلوبِ كثيرٍ من الناسِ! • وأخبرنا أبو القاسمِ الحريريُّ، قال: أنبأنا أبو الطَّيِّبِ الطَّبري، قال: بَلَغَني عن هذ الطائفةِ التي تسمَعُ السَّماعَ أنَّها تُضيفُ إليهِ النظرَ إلى وَجهِ الأمردِ، ورُبَّما زَيَّنَتْهُ بالْحُليِّ والمُصَبَّغَات مِن الثِّيابِ، وتزعمُ أنَّها تقصِدُ به الازدِيادَ في الإيمانِ بالنظرِ والاعتبارِ والاستدْلالِ بالصنعةِ على الصَّانِعِ، وهذهِ النِّهايةُ في مُتابعةِ الهوى ومُخَادعةِ العقلِ ومُخالفَةِ

стр. 614

العلمِ، قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، وقال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] فعدَلُوا عمَّا أمَرَهمُ اللهُ بهِ من الاعتبارِ إلى ما نهاهُم عنه (١)! وإنَّما تَفعلُ هذهِ الطائفةُ ما ذكرناهُ بعد تناوُل الألوانِ الطيِّبَةِ والمآكِلِ الشَّهِّية، فإذا اشتَفَت منها نفوسُهم طالَبَتْهُم بما يَتبعُها مِن السَّماعِ والرَّقصِ والاستِمتَاعِ بالنظرِ إلى وُجوهِ المردِ، ولَو تَقلَّلُوا منَ الطَّعامِ لم يَحِنُّوا إلى سَماعٍ ونظرٍ (٢). قال أبو الطَّيِّبِ: وقد أخبرَنا بعضُهم في شِعرِه عن أحوَال المستَمِعِينَ للغِناءِ وما يَجِدونَهُ في حالِ السَّماعِ فقال: أتَذْكُرُ وَقْتَنَا وقَد اجْتَمَعْنَا … على طِيبِ السَّماعِ إلى الصَّباح ودارت بَينَنَا كأسُ الأغَانِي … فَأُسْكِرَت النُّفوسُ بِغَيرِ راح فلَمْ تَرَ فِيهِم إلَّا نَشَاوَى … سرودًا والسّرورُ هُناكَ (٣) صَاحِي إذا لَبَّى أخو اللَّذَّاتِ فيهِ … مُنادِي اللَّهْوِ حَيَّ على السَّماح وَلم نَملِكْ سِوى المُهْجاتِ شَيئًا … أَرَقْنَاهَا لأَلحْاظٍ مِلاح قال: وإذا كانَ السَّماعُ تأثيرُهُ في قُلوبهم ما ذكَرَهُ هذا القائل، فكيفَ يُجْدِي السَّماعُ نَفْعًا ويفيد فائدةً؟! (٤)

стр. 615

وقال ابنُ عقيلٍ: قولُ من قالَ لا أخافُ من رُؤيَةِ الصُّوَرِ المُسْتَحْسَنة ليسَ بِشيءٍ؛ فإنَّ الشريعةَ جاءَت عامةَ الخطابِ، لا تُمَيِّزُ الأشخاصَ، وآي القُرآن تُنكِر هذه الدعاوى، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، وقال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ١٩]. فلم يُحِلَّ النظرَ إلَّا على صُورٍ لا ميلَ للنَّفسِ إليها، ولا حظَّ للهَوى فيها، بلْ عِبْرَةٌ لا يُمازِجُها شهوةٌ، ولا تَعتريها لذَّةٌ، وأمَّا صُورُ الشَّهواتِ فإنها تَعْثُرُ (١) عن العِبرة بالشَّهوةِ، وكلُّ صورةٍ مُعَثِّرة لا ينبغِي أن يُنظَرَ إليها؛ لأنَّها قد تكونُ سببًا لِلفِتْنة ولذلكَ ما بعثَ اللهُ تعالى امرأَةً بالرِّسالةِ، ولا جَعَلها قاضيًا ولا إمامًا ولا مُؤذِّنًا؛ كلُّ ذلك لأنَّها مَحَلُّ فتنةٍ وشهوةٍ، وربَّما قَطَعت عمَّا قَصَدتْهُ الشريعةُ بالنظرِ. وكل من قال: أنا أجِدُ مِن الصُّوَرِ المُسْتَحْسنة عِبَرًا، كذَّبناه، وكلُّ من ميز نفسَهُ بطبيعةٍ تُخرِجُهُ عن طِباعِنا بالدَّعوى كذَّبْنَاه، وإنَّما هذِه خدَعُ الشيطانِ للمُدَّعين (٢). القسم الخامس: قومٌ صَحِبوا المُرْدانَ ومنعوا أنفُسَهُم من الفواحشِ، يَعْتقدون ذلكَ مُجَاهدةً، وما علِموا أن نَفْسَ صُحْبَتِهِم والنظرَ إليهِم بشهوةٍ معصيةٌ، وهذهِ مِن خِلالِ الصوفيَّةِ المذمُوماتِ، وقد كان قُدَماؤهُم على هذا: • أخبرنا أبو منصورٍ القزاز، قال: أخبرَنا أحمدُ بن عِليِّ بن ثابتٍ، قال: أنشَدَني أحمدُ بن حُسينٍ الواعظ، قال: انشدنا أبو الفَرَجِ الوَرْثانيُّ، قال: أنشدنا محمدُ بن عبدِ العزيز الصُّوفيّ، قال: أنشَدَني أبو عليٍّ الرَّوذباري:

стр. 616

أُنزِّهُ فِي رَوْضِ المَحَاسِنِ مُقْلَتِي … وَأَمْنَعُ نَفْسِي أَنْ تَنَالَ مُحَرَّما وَأحمِلُ مِن ثِقْلِ الهَوَى مَا لَو أنَّه … عَلَى جامِدِ الصَّلْتِ الأصمِّ تَهَدَّما (١) (٢) قال المصنِّفُ ﵀: وسيأتي حديثُ يوسف بن الحُصَين (٣)، وقوله: عاهدتُ ربِّي أن لا أصْحَبَ حدَثًا مِائَةَ مَرَّةٍ، فَفَسَخَها عليَّ قوامُ القُدودِ وغُنج العيون. • أخبرتنا شَهْدَة بنتُ أحمد الكاتِبَة، قالت: أخبرنا جعفرُ بن أحمدَ، قال: أخبرنا أبُو إسحاق إبراهيمُ بن سعيدٍ، قال: أخبرنا أبو صالِحٍ السَّمَرقندِي، قال: نا أبو عبدِ الله الحُسَيْنِ بن القاسم بن اليسع، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بن محمدٍ أبو عمرٍو الدِّينَوَري، قال: نا أبو محُمدٍ جعفَرُ بن عبدِ اللهِ الصُّوفي، قال: حدثنا أبو المُخْتارِ الضَّبي، قال: حدَّثني أبي، قال: قلتُ لأبي الكميتِ الأندَلُسِي - وكان جوَّالًا في أرضِ اللهِ -: حَدِّثْنِي بأعجَبِ ما رأيتَ مِن الصوفيَّةِ. قال: صحبتُ رجُلًا منهُم يقال له: مهرجان، وكان مجوسِيًّا فأسلمَ وتصوَّفَ، فرأيتُ معهُ غلامًا جمِيلًا لا يفارقُه، وكان إذا جَاءَ اللَّيلُ قامَ فصلَّى، ثم ينامُ إلى جَانِبهِ، ثم يقومُ فَزَعًا فَيُصلِّي ما قُدِّرَ له، ثم يعودُ فينامُ إلى جانبهِ أيضًا، حتَّى فعلَ ذلكَ في اللَّيلةِ مِرارًا، فإذا أسْفَرَ الصُّبْحُ أو كادَ يُسفِرُ أوْترَ، ثم رفعَ يديهِ وقال: اللَّهُم إنَّك تعلمُ أن اللَّيلَ قد مضَى علَيَّ سلِيمًا لم أُقارِفْ فيهِ فاحِشةً، ولا كتبتِ الحفَظَةُ علَيَّ فيهِ معصيةً، وإنَّ الذي أُضمِرُهُ في قلبِي لو حمَّلتهُ الجبالَ لتصدَّعت، أو كانَ بالأرضِ لتدكْدَكَت، ثم يقولُ: يا ليل، اشْهد بما كانَ مِنِّي فيكَ، فقَد منَعَني خوفُ اللهِ عن طلبِ الحرامِ والتعرُّضِ للآثامِ، ثم يقول: سيِّدي

стр. 617

أنتَ جمعتَ بَيْنَنا على تُقىً، فلا تُفرِّق بيننا يومَ تجمعُ فيهِ الأحباب. فأقمتُ معهُ مدَّةً طويلَةً، أراهُ يفعلُ ذلك في كلِ ليلةٍ، وأسمع هذا القولَ، فلمَّا هَمَمتُ بالانصرافِ مِن عندهِ قلت له: سمعتُك تقولُ إذا انقضَى الليلُ عنكَ كذا وكذا، فقال: أوَسَمِعْتني؟ قلت: نعم. قال: فواللهِ يا أخِي إنِّي لأداري من قلبِي ما لَو دَاراهُ سُلْطانٌ من رَعيَّتهِ لكانَ من اللهِ حقِيقًا بِالمغْفِرة. فقلتُ: وما الذي يدْعوكَ إلى صحْبَة مَن تخافُ عَلى نفسِكَ العَنَتَ مِن قِبَلِه؟! (١) • وبالإسنادِ قال أبو محمد بن جعفر بن عبد الله الصُّوفي: قال أبو حَمْزةَ الصوفي: رأيتُ بِبَيْتِ المقدِسِ فتًى من الصوفيَّةِ يصحَبُ غُلامًا مُدَّة طوِيلَة، فماتَ الفتَى، وطالَ حُزْنُ الغُلامِ عليهِ، حتَّى صارَ جِلدًا وعظْمًا من الضَّنى والكَمَد، فقلتُ لهُ يومًا: لقد طالَ حزنُكَ على صديقِكَ حتى أظُنُّ أنكَ لا تسلُو بعدَهُ أبدًا. فقال: كيف أسلُو عن رَجُلٍ أجلَّ الله تعالى أنْ يعصِيهُ مَعَي طرفةَ عينٍ، وصانَنِي عن نجاسَةِ الفسوقِ في طولِ صُحْبَتي لهُ وخَلَواتي معهُ في اللَّيلِ والنَّهارِ (٢). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: وهؤلاءِ قومٌ رآهُم إبليسُ لا ينْجَذِبونَ معَهُ إلى الفواحِشِ فحسَّنَ لهُم بداياتِها، فتعجَّلُوا لَذَّة النظرِ والصُّحبَةِ والمُحَادثةِ، وعزَمُوا على مُقَاواةِ النَّفسِ في صدِّها عن الفاحشةِ، فإن صدَقوا وتمَّ لهم ذلِكَ، فقدِ اشتَغَل القلبُ الذي ينبغِي أن يكونَ شغلُهُ باللهِ تعالى بغيرِه، وصرف الزمانِ الذي ينبغِي أن يخلوَ فيهِ القلبُ بما ينفعُ في الآخرةِ بمُجَاهدَةِ الطَّبعِ في كفِّهِ عن الفاحشةِ. وهذا كلُّهُ جهلٌ وخروجٌ عن آدابِ الشريعةِ، فإنَّ الله تعالى أمرَ بِغَضِّ البَصَرِ؛ لأنَّهُ طريقُ القلبِ، ليَسْلَمَ القلبُ للهِ تعالى من شائِب تَخَافُ منه، ومَا مَثَلُ هؤلاءِ إلا

стр. 618

كَمَثَلِ مَنْ أقبل إلى سِباع في غَيضَةٍ مُتَشاغِلَةٍ عنهُ لا تراه، فَأَثارَهَا أوْ حَارَبَها وقاواها، فيا بعدَ سلامتِهِ من جِراحَةٍ إن لم يهلِكْ. فصل: وفي هؤلاءِ من قَوِيت مُجَاهدتُهُ مُدَّةً ثم ضعُفَت، فَدَعَتْهُ نفسُهُ إلى الفاحِشةِ، فامتنعَ حِينئذٍ مِن صُحبةِ المُردانِ: • أخبرتنا شَهدةُ بنتُ أحمد، قالت: أخبرنا جعفرُ بن أحمدَ بن السَّراجِ، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن عليٍّ، قال: نا عليُّ بن أيوب القمِّي، قال: نا المَرْزَبانِي، قال: حدثني عُمَر بن يوسف الباقِلَّانِي، قال: قال أبو حمزَة محمدُ بن إبراهيم: قلت لمحمَّد بن العلاء الدِّمشقِي، وكان سيِّدَ الصُّوفيَّةِ، وقد رأيتُهُ يُماشِي غُلامًا وَضِيئًا مُدَّة ثم فَارقَهُ: لِمَ هَجَرْتَ ذلك الفتى الذي كنتُ أراهُ معكَ بعدَ أنْ كُنتَ لهُ مواصِلًا وإليهِ مائِلًا؟ قال: والله لقد فارقتُهُ عن غيرِ قِلًى ولا مَلل. قلت: ولم فَعلتَ ذلكَ؟ قال: رأيتُ قلبي يدعُوَنِي إلى أمْير إذا خَلَوتُ بِهِ وقَرُبَ مِنِّي، لَو أتَيتُهُ لسَقَطتُ من عينِ الله تعالى، فهجرتُهُ لذلكَ تنْزيهًا للهِ تعالى ولنَفِسي من مَصَارعِ الفِتَنِ (١). فصل: ومنهم من تَابَ وأطالَ البُكاءَ على إطْلاقِ بَصَرِهِ: أخبرنا المحمدان: ابنُ ناصرٍ وابنُ عبدِ الباقي، قالا: أخبرنا حمد بنُ أحمدَ، قال: أخبرنا أبو نُعَيمٍ الأصبَهانِي، قال: نا أبو الحُسينِ محمدُ بن محمدِ بن عُبيدِ الله، قال:

стр. 619

سمِعتُ أخي أبا عَبدِ الله محمدَ بن محمدٍ يقول: سمعتُ محمدَ بنَ عبدِ الله الصوفيَّ يقول: سمعتُ خيرًا النَّسَاج يقول: كنتُ معَ أُميَّةَ بن الصَّامِتِ الصوفيِّ، فنظرَ إلى غلامٍ فقرأ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]. ثم قالَ: وأينَ الفِرارُ مِنْ سِجْنِ الله وقد حصَّنهُ بِملائِكةٍ غِلاظٍ شِدادٍ؟! تباركَ الله، فما أعظمَ ما امتَحَنَنِى بهِ من نَظَرِي إلىَ هذا الغلامِ! ما شبَّهْتُ نَظَرِي إليهِ إلَّا بِنارٍ وقعتْ علَى قَصَبٍ في يومِ ريحٍ فما أبْقَت ولا تَرَكت. ثم قال: أستغفِرُ الله مِن بلاءِ جَنَتْهُ عينَايَ على قلْبِي، لقد خِفتُ ألَّا أنْجُو مِن مَعَرَّتِهِ ولا أتَخَلَّصَ مِنْ إثْمِهِ، وَلَو وافيتُ القيامةَ بعمل سبعينَ صِدِّيقًا، ثم بَكَى حتَّى كادَ يَقْضِي، فسمِعتُهُ يقولُ فِي بُكائِهِ: يا طرفُ لأَشْغَلَنَّكَ بالبُكاءِ عن النَّظرِ إلى البَلاءِ (١). فصل: ومِنهُم من تلاعَبَ بهِ المرضُ لشدَّةِ المحبَّةِ (٢): • أخبرتنا شهدةُ بنتُ أحمد، نا جعفرُ بن أحمد بن السَّراج، قال: أخبرَنا أبو إسْحاقَ إبراهيمُ بنُ سعيدٍ، قال: نا أبو صالِحٍ محمدُ بنُ أبي عديٍّ الصُّوفي، قال: نا الحسينُ بنُ القاسمِ بن اليسعِ، قال: نا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بن عمرو الدينَوَري، قال: حدثنا أبو محمدٍ جعفرُ بنُ عبدِ اللهِ الصوفيّ، قال: قال أبو حمزة الصوفيّ: كان عبدُ الله بن موسى مِن رُؤساءِ الصوفيَّةِ ووُجُوهِهِم، فنظَرَ إلى غلامٍ في بعضِ الأسواقِ، فَبُلي بهِ فكادَ يذهبُ عقلُهُ عليهِ صَبَابةً وحُبًّا، وكانَ يقفُ في كلِّ يومٍ على طريقِهِ حتَّى يراهُ إذا أقْبَلَ وإذا انصرفَ، فطالَ بهِ البلاءُ وأقعَدَهُ عن الحرَكَةِ الضَّنى، وكان لا يَقْدِرُ أن يَمشِي خطوةً، فأتيتُهُ يومًا لأدْعُوَه، فقلتُ: يا أبا محمدٍ ما قصَّتُكَ؟! وما هذا الأمرُ

стр. 620

الذي بَلَغَ بِكَ ما أرى؟! فقال: أمورٌ امتحنني اللهُ بها فلم أصبِر عَلَى البلاءِ فيها، ولم يَكُن لي بها طاقةٌ، ورُبَّ ذنبٍ استصغرهُ الإنسانُ هو عندَ اللهِ أعظمُ مِنْ ثبيرٍ (١)، وحقيقٌ وحقيقٌ بِمن تعرَّض للنظرِ الحرامِ أن تطولَ بهِ الأَسْقامُ. ثمَّ بَكَى، قلتُ: ما يُبْكِيكَ؟! قال: أخافُ أن يطولَ في النَّارِ شَقائِي. فانصرفتُ عنهُ وأنا راحِمٌ لهُ لمِا رأيتُ بهِ من سوءِ الحالِ (٢). • قال أبو حمزَةَ: ونظرَ محمدُ بن عُبيدِ اللهِ بن الأشعثِ الدِّمَشقِي - وكانَ من خِيارِ عِبادِ الله - إلى غُلامٍ جميلٍ فغُشِي عليهِ، فحُمِلَ إلى مَنْزِلهِ واعتَادهُ السقمُ حتَّى أُقْعِدَ مِن رِجلَيهِ، وكانَ لا يقومُ عليهما زمانًا طوِيلًا، فكُنَّا نأتيهِ نعودُهُ ونسألهُ عن حالِه وأمْرهِ، وكان لا يُخبِرُنا بقِصَّتهِ ولا بسببِ مرضهِ، وكانَ الناسُ يتحدَّثونَ حديثَ نظرهِ، فبلغَ ذلكَ الغلامَ، فأتاهُ عائِدًا فهشَّ إليهِ وتحرَّكَ وضحِك في وجهِه واستبشر بِرُؤيتهِ، فما زالَ يعودُهُ حتى قامَ على رِجلَيهِ وعادَ إلى حالَتهِ، فسألهُ الغلامُ يومًا المصيرَ معَهُ إلى منْزلهِ فأبَى أن يفعل، وكلَّمَني أن أسألَهُ أنْ يَتَحوَّلَ إليهِ، فسألتهُ فأبَى، فقلتُ: وما الذي تَكرهُ من ذلكَ؟ فقال: لستُ بِمعصومٍ من البلاءِ، ولا آمَنُ منَ الفِتنَةِ، وأخافُ أن يَقعَ عليَّ من الشيطانِ محِنةٌ فَتَجرِي بيني وبينهُ معصيةٌ فأكونَ من الخاسرينَ (٣). فصل: وفيهم مَن دعَتهُ نفسُهُ إلى الفاحشةِ فقَتَل نفسَهُ:

стр. 621

• وحَكى أبو عبدِ الله الحسينُ بن محمدٍ الدامَغَاني، قال: كان بِبِلادِ فارسَ صوفيٌّ كبيرٌ فابتُلي بِحدَثٍ، فلم يملِكْ نفسَهُ أن دعتهُ إلى الفُجورِ، فراقبَ الله تعالى، ثم ندِمَ على هذهِ الِهمَّةِ، وكانَ منزلُهُ على مكانٍ عالٍ، ووراءَ منزلِهِ بحرٌ منَ الماءِ، فلمَّا أخَذَتْهُ النَّدامةُ صعِدَ السطحَ ورَمَى نفسَهُ إلى الماءِ، وتلا قولَه تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]. فغرِقَ في الماءِ (١). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: فانظروا إلى إبليسَ كيفَ درَّجَ هذا المسكينَ مِن رُؤَيَةِ الأمرَدِ إلى إدْمانِ النظرِ إلى أنْ مكَّنَ المحبةَ مِن قَلبهِ إلى أنْ حرَّضهُ على الفاحشَةِ، فلمَّا رأى استِعْصَامَهُ حسَّنَ لهُ بالجهلِ قتْلَ نفسِهِ، ولعلَّهُ همَّ بالفاحِشةِ ولم يَعزِم، والهمَّةُ معفوٌّ عنها؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ : "عُفِيَ لأمَّتي عمَّا حدَّثت بهِ أنْفُسَها" (٢). ثم قد يُذَمُّ على هِمَّتِهِ، والندمُ توبةٌ (٣)، فأراه إبليسُ أن من تمامِ النَّدَمِ قتلَ النَّفسِ، كما فعلَ بنو إسرائيل، أولئكَ أمِروا بذلك بقولِهِ تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، ونحن نُهِينا عنهُ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فأتى بِكَبيرةٍ عظيمةٍ! (٤).

стр. 622

وفي الصَّحيحَين عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من ترَدَّى مِن جَبَلٍ فقَتَلَ نفسَهُ فهُوَ يتردَّى فَي نارِ جهنَّم خالِدًا مُخلَّدًا فيها أبدًا" (١). فصل: وفيهم مَن فرِّق بينَهُ وبينَ حبيبِهِ؛ فقَتَل حبِيبَهُ: • بلَغَني عن بعضِ الصوفيَّةِ أنَّهُ كان فِي رِباطٍ عِندنا ببغداد، ومعهُ صبِيٌّ في البيتِ الذِي هو فيهِ، فشنَّعُوا عليهِ وفرَّقوا بينهُما، فدخَلَ الصوفيُّ إلى الصَّبيِّ ومعهُ سكِّينٌ فذَبَحه، وجلسَ عندهُ يَبكِي، فجاءَ أهلُ الرِّباطِ فرأوهُ فسألوهُ عن الحالِ، فأقرَّ بقتلِ الصبيِّ، فرفعوهُ إلى صاحبِ الشرطةِ فأقرَّ، فجاءَ والدُ الصبيِّ، فجعلَ الصوفيُّ يبْكِي ويقول لهُ: باللهِ عليكَ إلَّا ما أقَدْتَنِي بهِ (٢)، فقال: الآنَ قد عفَوتُ عنكَ. فقامَ الصوفيُّ فذهبَ إلى قبرِ الصبيِّ فجعلَ يبكِي عليهِ، ثم لم يَزَلْ يحجُّ عن الصبيِّ ويهدِي إليهِ الثوابَ. فصل: ومِن هؤلاءِ من قاربَ الفتنةَ فوقَعَ فيهَا، ولم تَنْفَعْهُ دعوى الصبْرِ والمُجَاهدةِ: • أنبأنا محمدُ بن أبي طاهرٍ، قال: أنبأنا عليُّ بن المحسِنِ التنوخِي، قال: أخبرنا أبو بكرِ بن شاذان، قال: حدثنا نِفْطَوَيهِ، قال: حدثني إدريسُ بنُ إدريسَ، قال: حضرتُ بمصرَ قومًا من الصُّوفيَّةِ ولهم غلام أمردُ يُغَنِّيِهِم، قال: فَغَلَبَ على رَجُلٍ

стр. 623

منهُم أمرُهُ فلم يَدْرِ ما يصنع، فقال: يا هَذا! قُل لا إله إلَّا اللهُ. فقال: لا إلهَ إلَّا اللهُ. فقال: أُقَبِّلُ الفمَ الذي قالَ: لا إلهَ إلَّا الله (١)! القسم السادس: قومٌ لم يقصِدُوا صُحبةَ المُردانِ، وإنما يتوبُ الصبيُّ ويتزهَّد ويصحبُهُم على طريقِ الإرادةِ، فيُلَبِّسُ عليهم إبْليس، ويقولُ: لا تمنعُوهُ من الخَيرِ، ثم يتكَرَّرُ نظرُهُم إليهِ لا عن قَصْدٍ، فتتربَّى في القلبٍ الفتنةُ وتنمى إلى أن ينالَ الشيطانُ منهُم قدرَ ما يُمْكِنُه، وَرُبما وَثِقوا بِدينِهم، فاستفزَّهم الشيطانُ فرماهُم إلى أقْصىَ المعاصِي، كما فَعلَ بِـ "بَرْصِيْصا" (٢)، وقد ذكَرْنا قِصَّتَهُ في أوَّلِ الكتابِ. وغَلَطُهُم مِن جِهَةِ تَعَرُّضِهِم بالفتنِ في صُحْبةِ مَن لا يُؤمنُ الفتنةُ في صُحْبَتِه. القسم السابع: قومٌ عَلِموا أن صُحبةَ المرادانِ والنظرَ إليهِم لا يجوز، غيرَ أنَّهُم لم يصبِرُوا عن ذلكَ: • أخبرنا محمد بن ناصرٍ، قال: نبأنا أحمدُ بنُ علي بن خَلَفٍ، قال: أخبَرَنا أبو عبدِ الرحمنِ محمدُ بنُ الحسينِ السُّلَمِي، قال: سمعتُ أبا بكرٍ الرَّازيَّ يقول: قال يوسفُ بنُ الحسينِ: كلُّ ما رأيتُمُوني أفعَلُهُ فافْعلُوه، إلَّا صُحبَةَ الأحداثِ، فإنها أفْتَنُ الفتنِ (٣)! ولقد عاهدتُ ربِّي أكثرَ مِن مائةِ مرَّةٍ أن لا أصْحبَ حَدَثًا، فَفَسخَها عليَّ

стр. 624

حُسْنُ الخُدودِ وقَوامُ القُدودِ وغَنْجُ العيونِ، وما سألَني الله معهُم عن معصيةٍ، وأنشد لِصريع الغَواني: إنَّ وَرْدَ الخُدُودِ والحَدَقَ النُّجْـ … ـلَ وما في الثُّغورِ من أُقْحوَانِ واعوِجاجَ الأصْداغِ في ظاهِر الخَدِّ … وما في الصُّدُورِ مِن رُمَّانِ ترَكتْني بَينَ الغَوانِي صَرِيعًا … فَلِهَذا أُدْعَى صرِيعَ الغَوَانِي قال المصنِّفُ ﵀: قلت: هذا الرجلُ قد فضحَ نفسَهُ في شَيءٍ ستَرَهُ اللهُ عليهِ، وأخبرَ أنَّه كلَّما رأى فِتنةً نقضَ التَّوبةَ، فأينَ عَزِائمُ التَّصوُّفِ في حملِ النَّفسِ على المشاقِّ؟! ثم ظنَّ بِجهْلهِ أن المعصيةَ هي الفاحِشةُ فقط، ولو كان لهُ عِلمٌ لَعِلَمَ أن صُحبتَهُم والنَّظرَ إليهِم معصيةٌ فانظُر إلى الجهلِ كيفَ يصنعُ بأربَابِه! • أنبأنا أبو مَنصُور بن خيرون، قال: أنبأنا أبو بَكرِ بن ثابتٍ، قال: أخبرنا عليُّ بن أيوبَ، قال: أنا محمدُ بن عِمران، قال: حكي عن أبي مُسلمٍ الخُشُوعِيِّ أنَّهُ نظرَ إلى غُلامٍ جميلٍ فأطالَ، ثم قالَ: سُبحانَ اللهِ، ما أهْجَمَ طَرْفي على مكرور نفسِهِ، وأَدْمَنَهُ علَى سَخَطِ سيِّدِهِ، وأغراهُ بما قد نُهي عنه، وألهجه بالأمرِ الذي قد حُذِّرَ منه! لقد نظرتُ إلى هذا نظرًا لا أحْسَبُ إلَّا أنهُ سَيفضحُني عندَ جَمِيع مَن قد عَرَفنِي في عَرصاتِ القِيامةِ وَلَقد تَرَكَني نَظِري هذا وَألا أستحِي منَ اللهِ سبحان وتعالى وإن غَفرَ لي، ثم صُعِق (١). • أخبرنا أبو منصورٍ القزَّاز، قال: أخبرَنا أحمدُ بن عليِّ بن ثابتٍ، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: سمعتُ محمدَ بنَ الحسينِ النَّيسابُوريَّ يقول: سمعتُ أبا بكرٍ

стр. 625

محمدُ بن عبد اللهِ العتاد (١) يقول: سمعتُ أبا الحُسينِ النُّوريَّ يقول: رأيتُ غُلامًا جميلًا بِبغداد، فنظَرْتُ إليه، ثمَّ أردْتُ أن أُرَدِّد النظرَ، فقلت له: تلبِسونَ النِّعالَ الصَّرَّارة (٢)، وتمشُونَ في الطُّرُقات؟ فقال: أحسنت أتجمش (٣) بالعلم (٤)؟! فصل: وكلُّ مَن فاتَهُ العلمُ تَخبَّطَ، فإنْ حصلَ لهُ وفاتَهُ العملُ بِهِ كانَ أشدَّ تَخَبُّطًا، ومنِ استعملَ أدبَ الشَّرعِ في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] سلِمَ في البِدايةِ بِما صَعُبَ أمرُهُ في النَّهايةِ، وقد وَردَ الشَّرعُ بالنَّهْيِ عنْ مجالسةِ المُرْدانِ وأوصَى العُلَماءُ بذلكَ: • فأخبرنا أبو منصورٍ القزاز، قال: أخبرَنا أبو بكرِ بن ثابتٍ، قال: أخبَرَني أبو طالبٍ عمرُ بنُ إبراهيم الفقيه، قال: أخبرنا محمدُ بن العبَّاسِ الخرَّاز، قال: أخبرنا محمدُ بن خَلَفِ بن المرزبان إجازةً، وحدَّثنا عنهُ محمدُ بن عبيدِ الله بن حريثٍ الكاتب، قال: حدَّثني أحمدُ بنُ هِشام الحرْبِي، قال: نا عليُّ بنُ داود المرْوَزِي، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ

стр. 626

واقدٍ، عن عمرِو بن أَذْمَرَ، عن أبان، عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تُجَالِسُوا أَبْناءَ المُلُوكِ؛ فإِنَّ الأنفُسَ تشتَاقُ إليهم ما لا تَشتاقُ إلى الجَوَارِي العَواتِق" (١). • أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بن خَيرُون، قال: أنبأنا أحمدُ بن عليِّ بن ثابتٍ، قال: نا محمدُ بن جعفر بن علان الشروطِي، قال: نا أبو عبدِ اللهِ الحُسينُ بنُ أحمد بن محمد الهَرَوِي الصَّفار، قال: نا أبو بَكرٍ عبدُ الرحمن بنُ محمد بن العبَّاس بن الدرفس، قال: حدّثنا محمد بن عبد الحَكَم القَطوي، قال: نا أبُو حَفْصٍ عُمَر بنُ عَمْرو الطَّحَّان، قال: نا سُفيانُ الثَّوري، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة ﵁ عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: "لا تَمْلؤوا أعْيُنكم مِن أبْنَاءِ الملوكِ فإنَّ لهم فتنةً أشدَّ مِن فِتنةِ العَذَارى" (٢). • أخبرنا أحمدُ بنُ مُنازِل، قال: أخبرنا المبَارَكُ بنُ عبدِ الجبَّار، قال: أنبأنا أبو محمدٍ الخلَّال، قال: نا عُمَر بنُ شاهين، وأخبرنا ابنُ الحُصَين، قال: أنبأنا ابنُ المذهبِ، عن ابن شاهِين، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي سعيدٍ المُقْرئ، أخبرنا أحمدُ بنُ حمَّاد المصِّيصِيُّ، قال: نا عباسُ بن محرز، قال: نا أبو أُسامةَ، عنْ مُجَالدٍ، عن الشَّعبيِّ قال: قدِمَ وفدُ عبدِ القَيسِ على رسولِ اللهِ ﷺ وفيهِم غُلامٌ أمردُ ظاهرُ الوَضاءَةِ، فأجْلَسَهُ النَّبيُّ ﵊ وراءَ ظَهْرِهِ - وقال: "كانت خَطِيئةُ داودَ ﵇ النظرَ" (٣).

стр. 627

• أنبأنا إسماعيلُ بن أحمدَ، قال: أخبرنا إسماعيلُ بنُ أبي الفَضْل الإسمَاعِيليُّ، قال: أخبَرنا حمزةُ بن يوسفَ السَّهمِي، قال: أخبَرنا أبو أحمد بن عديٍّ الحافظ، قال: نا يَحمىَ بنُ عبدِ الرَّحمن بن نَاجية، ومحمدُ بنُ حاتمٍ الطَّائي، قالا: حدَّثنا صالحُ بنُ زيادٍ السوسي، قال: نا خَطَّابُ بن سيَّارٍ الحرَّانِي، قال: نا بقِيَّة، عن الوازع، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هُرَيرَة قال: نهى رسولُ اللهِ ﷺ أن يُحِدَّ الرَّجلُ النظرَ إلى الغلامِ الأمردِ (١). • أخبرت عن أبي محمدٍ عبدِ اللهِ بن عَطاء، قال: أخبَرنا عبدُ اللهِ بن محمدٍ الصَّيرفي، قال: نا عبدُ الصَّمدِ بن محمدٍ الرَّازي، قال: أخبَرنا أحمدُ بن فارِس، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ طاهرٍ الحافظ، قال: حدَّثنا أبو حامدٍ أحمدُ بنُ عبدِ الله الأصبَهَانِي،

стр. 628

قال: نا عُبَيدُ بنُ شَريكٍ البزَّار، قال: نا محمدُ بنُ وَهبِ بن عَطِيَّة، قال: نا عبيدُ بن أبي السَّائبِ، قال: نا سَهلُ بنُ أسلَم الواسطيّ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: ما أنا (١) على عَالِمٍ مِن سَبُعٍ ضَارٍ أخوفُ عليهِ مِن غُلامٍ أمردٍ (٢). • أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ عِلي المقرِئ، ومحمدُ بنُ ناصرٍ الحافظ، قالا: أخبرنا طراد بنُ محمدٍ، قال: نا أبو الحُسين بن بِشْران، قال: أخبَرنا ابنُ صفوانَ، قال: حدثنا أبو بكرٍ القُرشِي، قال: حدَّثني أبي، قال: نا إبراهيمُ بنُ هراسةَ، عن عُثمانَ بن صالحٍ، عن الحسنِ بن ذكوانَ، قال: لا تُجالِسوا أولادَ الأغنياءِ فإنَّ لهُمْ صُورًا كَصُورِ النِّساءِ، وهُم أشدُّ فتنةً من العَذَارى (٣). • قال القُرشِي: ونا الهيثمُ بنُ خارِجةَ، قال: نا محمدُ بنُ حمير، عن النَّجيبِ بن السرِيِّ، قال: كان يُقَالُ: لا يَبِيتُ الرَّجلُ في بيتٍ مع المُردِ (٤).

стр. 629

• أخبرنا المحمدانِ: ابنُ ناصر وابنُ عبدِ الباقي، قالا: أخبَرنا حمدُ بنُ أحمد، قال: أخبَرنا أبو نُعَيمٍ الحافظ، قال: نا أبو بكرٍ محمدُ بنُ أحمدَ المفيد قال: نا عبدُ اللهِ بن الفرجِ، قال: نا القاسمُ بنُ عثمانَ، قال: نا عبد العزيزِ بنُ أبي السَّائب عن أبيهِ قال: لأنا أخْوَفُ على عابدٍ مِن غلامٍ، مِن سبعِينَ عَذراء (١). • أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ محمدٍ، قال: أخبرنا أحمدُ بن عليِّ بن ثابتٍ، وأخبرنا عُمر بن ظفرٍ، قال: أخبَرنا جعفرُ بنُ أحمدَ، قال: أخبرنا عبدُ العزيز بنُ عليٍّ الأزْجِي، قال: نا ابنُ جَهْضم، قال: نا محمدُ بنُ عليِّ بن المأمونِ، قال: نا أبُو عليٍّ الرَّوذباري، قال: سمعتُ جُنَيدًا يقولُ: جاء رجلٌ إلى أحمدَ بن حنبل ومعَهُ غُلام حسنُ الوجهِ، فقال له: من هذا؟ قال: ابني. فقال أحمد: لا تجِئ بهِ مَعكَ مرَّةً أُخْرى. فلمَّا قامَ قال لهُ محمدُ بنُ عبد الرحمن الحافظ - وفي رِوايةٍ الخطيبُ - قال له: الد اللهُ الشَّيخ، إنَّهُ رجلٌ مستورٌ، وابنُهُ أفضَلُ منهُ. فقال أحمد: الذي قصَدْنا إليهِ مِن هذا البابِ ليس يَمْنَعُ منهُ سترُهُما، على هذا رأَينَا أَشياخنا وبهِ خبَّرُ ونا عن أسْلافِهِم (٢). • أخبرنا محمدُ بنُ ناصرٍ، قال: أنبأنا أبو القاسمِ بن البسريِّ، عن أبي عبدِ اللهِ بن بَطَّة، قال: حدَّثني محمدُ بن الحُسينِ الآجُرِّي، قال: نا محمدُ بن كُردي، قال: نا أبُو بَكرٍ المَرُّوذِي، قال: جاءَ حسنُ بنُ البزَّارِ إلى أبي عبدِ اللهِ - يعني: أحمدَ بن حنبل - ومعهُ غلامٌ حسنُ الوجهِ، فتحدَّثَ معه، فلمًّا أرادَ أن ينصرفَ، قال له أبو عبدِ الله: يا أبا عَلي، لا تمشِ معَ هذا الغُلامِ في طريقٍ. فقال له: إنهُ ابنُ أختِي. قال: وإن كانَ، لا يأثمُ الناسُ فيكَ (٣).

стр. 630

• أخبرنا عليُّ بنُ عبد الواحدِ الدينَوَرِي، قال: أخبرنا عليُّ بنُ عُمر القَزْوِينِي، قال: قرأتُ على يوسفَ بن عُمر، قلت له: حدَّثكُم أحمدُ بن سلمانَ إملاءً، قال: أخبَرنا الحارثُ بن محمدٍ، قال: سمعتُ عمرَو بنَ محمدٍ، ذكره عن شُجاعِ بن مَخْلدٍ أنَّه سمع بشرَ بن الحارثِ يقول: احْذَروا هَؤلاءِ الأحداث (١)! • أخبرنا أبو بكرِ بن حبيبٍ العامريُّ، قال: أخبَرنا عليُّ بن عبدِ الله بن أبي صادقٍ وعبدُ الغفَّارِ بن محمد، قالا: أخبرنا أبو عبدِ الله بنُ باكويه، قال: سمعتُ محمد بن أحمدَ النَّجارَ، يقول: سمعتُ وليدًا السَّقاء بِنَصيبين، يقول: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ الحصريَّ، يقول: سمعتُ فَتْحًا الموصِليَّ يقول: صاحبتُ ثلاثين شَيخًا كانوا يُعَدُّونَ من الأبدالِ (٢)، كلُّهم أوصوني عند فراقي إيَّاهُم:

стр. 631

اتقوا معاشرةَ الأحداثِ (١)! • أخبرنا عُمرُ بن ظفر، قال: أخبرنا جعفرُ بنُ أحمد قال: أخبرنا عبدُ العزيزِ بن عليٍّ، قال: أخبرنا أبو الحسَنِ بن جَهضم، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الله، قال: سمعت الحَلَبِيَّ يقول: نظرَ سلَّام الأسود إلى رجُلٍ ينظرُ إلى حَدَثٍ، فقال له: يا هذا، أبْقِ على جَاهِكَ عندَ اللهِ ، فإنَّكَ لا تزالُ ذا جاهٍ ما دُمتَ لهُ معَظِّمًا (٢). • أخبرنا عبدُ الخالقِ بنُ أحمدَ، قال: أخبرنا أحمدُ بن أبي نَصرٍ، قال: نا محمدُ بن أحمد الطبسي، قال: سمعتُ أبا منصورٍ عبدَ القاهرِ بنَ طاهر، يقول: مَن صَحِبَ الأحداثَ وَقَعَ في الأحْداثِ (٣). • أخبرنا ابنُ ناصرٍ، قال: أنبأنا أحمدُ بن عليٍّ الشيرازِي، قال: أخبَرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمِي، قال: قال مُظَفَّر القرمِيسِيني: مَنْ صَحِبَ الأحْداثَ عَلى شَرْطِ السَّلامةِ والنَّصيحةِ أدَّاهُ ذلكَ إلى البَلاءِ، فكيفَ بِمنْ يَصحبُهُم على غيرِ وجهِ السَّلامةِ (٤)؟! فصل: وقد كان السَّلفُ يُبالِغونَ في الإعراضِ عن المُرْدِ: • وقَد روينا عن رسولِ اللهِ ﷺ أنهُ أجْلَسَ الشَّابَّ الحسنَ الوجهِ وراءَ ظَهرِهِ. • أخبرنا ابنُ ناصرٍ، قال: أنبأنا الحسنُ بن أحمدَ، قال: أخبرنَا أبو الفَتحِ بنُ أبي الفَوارِس، قال: أخبَرنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ المزكي، قال: أخبرنا محمدُ بنُ المسيِّبِ، قال:

стр. 632

حدَّثنا يوسفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثني يحيى بنُ زَكرِيَّا عن عطاءِ بن مُسْلمٍ، قال: كان سفيانُ الثَّوريُّ لا يدعُ أمرَدًا يُجالِسُه (١). • وقد روى إبراهيمُ بنُ هانيءٍ عن يحيى بن مَعينٍ، قال: ما طَمِعَ أمرَدُ بِصُحْبَتِي - ولا أحمد بن حنبل - في طريقٍ (٢). • أخبَرنا عبدُ الرحمنِ بن محمدٍ القزَّاز، قال: نا أحمدُ بنُ عليّ بن ثابتٍ، قال: أخبَرني الحسنُ بنُ أبي بكرٍ، قال: نا محمدُ بن عبدِ الواحدِ أبو عُمر الزَّاهدِ فيما أَذِنَ أن يَرْوِيَهُ عنه، قال: نا محمدُ بن أنسٍ الشّعوبي، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ سواكٍ، قال: كنَّا عند أبي نَصْرٍ بِشر بن الحارثِ، فَوقَفَتْ عليهِ امرأةٌ ما رأيْنا أحسنَ منها، فقالت: يا شيخ، أين مكانُ بابِ حربٍ؟ فقال لها: هذا البابُ الذي يُقالُ لهُ: باب حربٍ. ثمَّ جاءَ بعدَها غُلامٌ ما رَأينا أحسنَ منهُ فسأله فقالَ: يا شيخ، أين مكانُ بابِ حربٍ؟ فأطْرَقَ بِشرٌ، فردَّ عليهِ الغلامُ السؤالَ، فَغَمَّضَ عَينَيهِ، فقُلنا للغلامِ: تعالَ، أيَّ شيءٍ تريدُ؟ فقال: بابَ حربٍ. فقُلنا: بينَ يدَيكَ، فلمَّا غابَ قلنا للشَّيخ: يا أبا نَصرٍ، جاءتكَ جاريةٌ فأجَبْتَهَا وكلَّمْتَها، وجاءكَ غلامٌ فلم تُكَلِّمْهُ! فقال: نعمِ، يُروَى عن سفيانَ الثوريّ أنهُ قال: معَ الجارِيةِ شيطانٌ، ومعَ الغلامِ شيطانان، فخَشِيتُ على نَفسِي مِن شَيطَانَيهِ (٣). • أنبأنا زاهرُ بنُ طاهرٍ النيسابُوريُّ، قال: أنبأنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحسين البَيهقِي، قال: نا أبو عبدِ الله محمدُ بن عبد الله الحاكمِ، قال: حدَّثني محمدُ بن أحمدَ

стр. 633

الذُّهِلي، قال: نا محمدُ بن موسى، قال: سمعتُ محمدَ بنَ حاتمِ بن نعيمٍ يقول: سمعتُ حبانَ يقول: سمعتُ عبدَ اللهِ بن المبارَكِ يقول: دخلَ سفيانُ الثَّوريُّ الحمَّامَ، فدخلَ عليهِ غلامٌ صبيحُ الوجهِ، فقال: أخرِجوه؛ فإنِّي أرى معَ كلِّ امرأةٍ شيطانًا، ومع كلِّ غلامٍ بضعةَ عشرَ شيطَانًا (١). • أخبرنا ابنُ ظَفرٍ، قال: أخبَرنا جعفرُ بنُ أحمد، قال: نا عبدُ العزيزِ بن عليّ، قال: حدثنا ابنُ جهضم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ بن أبي القاسم، قال: دخلْنَا علَى محمد بن الحُسينِ صاحبِ يحيى بن مَعينٍ، وكان يقالُ: ما رفعَ رأسَهُ إلى السَّماءِ منذُ أربعينَ سنةً، ومَعَنا غلامٌ حَدَثٌ في المجلسِ بينَ يديهِ، فقال له: قُم مِن حِذائِي، وأجْلَسَهُ مِن خَلفِهِ (٢). • أنبأنا محمدُ بن عبد الملكِ، قال: أنبأنا أحمدُ بن عليٍّ الخطيب، قال: أخبرنا ابن أيوبَ القمِّي، قال: أخبرنا أبو عبدِ اللهِ المِرْزَباني، قال: حدَّثني أبو عبدِ الله الحكيمي، قال: نا أحمدُ بنُ إبراهيم، قال: نا أبو أسامَة، قال: كان عندنا شيخٌ يُقْرِئ، فَبَقِي عنده غلامٌ يقرَأ عليهِ، فَأردتُ القيامَ فأخذَ بثوبي وقال: اصبِر حتَّى يَفرُغَ هذا الغلامُ. وكرِهَ أن يخلوَ هو والغلامُ (٣). • أخبرنا عبدُ الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمدُ بن عليِّ بن ثابتٍ، وأخبرنا عُمر بن ظفرٍ، قال: أخبرنا جعفرُ بن أحمدَ قال: أخبرنا عبدُ العزيز بنُ عليٍّ الأزْجي، قال: أخبَرنا ابن جَهْضَم، قال: نا محمد بنُ علي بن المأمون، قال: نا أبو علي

стр. 634

الروذبَاري، قال: قال لي أبو العبَّاسِ أحمدُ المؤدِّب: يا أبا عِلي، مِن أينَ أخذَ صوفيةُ عصرِنا هذا الأنسَ بالأحداثِ؟ فقلتُ له: يا سيِّدي، أنتَ أعْرَفُ بهم، وقد تَصحَبُهم السَّلامةُ في كثيرٍ من الأمورِ. فقال: هيهاتَ، قد رأينا مَن كان أقوى إيمَانًا مِنهم إذا رأى الحدَثَ قد أقْبَل فرَّ كفِرارهِ من الزَّحفِ، وإنما ذلكَ على حسَبِ الأوقاتِ (١) التي تغلِبُ الأحوالُ (٢) على أهلِها، فتأخذُها عن تصرَّفِ الطِّباعِ ما أكثرَ الخَطَر! ما أكثرَ الغَلَط (٣)!

стр. 635

فصل: وصحبةُ الأحداثِ أقوى حبائلِ إبليسَ التي يصِيد بها الصوفيَّة: • وقد أخبَرنا ابنُ ناصر، قال: أنبأنا أحمدُ بن عليِّ بن خَلَفٍ، قال: نا أبو عبدِ الرحمن السُّلَمِي، قال: سمعتُ أبا بَكرٍ الرَّازيَّ يقولُ: قال يوسفُ بن الحُسين: نظرْتُ في آفاتِ الخلقِ، فعرَفتُ مِن أين أُتُوا، ورأيتُ آفةَ الصوفيةِ في: صُحبةِ الأحداثِ ومُعاشرةِ الأضداد، وإرفاقِ النِّسوان (١). • أخبَرنا عبدُ الرحمن بن محمدٍ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن علي بن ثابتٍ، قال: أخبَرنا عبدُ الصَّمدِ بن محمد الخطيب، قال: نا الحسنُ بن الحسينِ بن حمكان، قال: سمعتُ أبا الفرَج الرُّستُمي الصُّوفيَّ، يقول: سمعتُ المحترِق البصريَّ، يقول: رأيتُ إبليسَ في النومِ، فقلتُ له: كيفَ رأيتَنا عزَفنا عن الدُّنيا ولذَّاتِها وأموالهِا فليس لكَ إلينا طريقٌ؟! فقال: رأيتُ ما استملت بهِ قلوبكُم (٢) باستماعِ السَّماعِ ومعاشَرةِ الأحداثِ (٣). • أخبرنا محمدُ بن ناصرٍ، قال: أنبأنا أبو بَكرٍ أحمدُ بنُ علي الشِّيرازي، قال: أخبرنا أبو عبدِ الرَّحمنِ السُّلَمي، قال: سمعتُ أبا عبدِ الله الرَّازيَّ يقول: سمعتُ أبا العبَّاس الصيَّاد، يقول: سمعتُ أبا سعيدٍ الخرَّاز، يقول: رأيتُ إبليسَ في النَّومِ وهو يمرُّ عني ناحيةً، فقلت: تعالَ! فقال: أيش أعملُ بِكم؟ أنتم طرحْتُم عن
следующие страницы →