← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

اتقوا معاشرةَ الأحداثِ (١)! • أخبرنا عُمرُ بن ظفر، قال: أخبرنا جعفرُ بنُ أحمد قال: أخبرنا عبدُ العزيزِ بن عليٍّ، قال: أخبرنا أبو الحسَنِ بن جَهضم، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الله، قال: سمعت الحَلَبِيَّ يقول: نظرَ سلَّام الأسود إلى رجُلٍ ينظرُ إلى حَدَثٍ، فقال له: يا هذا، أبْقِ على جَاهِكَ عندَ اللهِ ، فإنَّكَ لا تزالُ ذا جاهٍ ما دُمتَ لهُ معَظِّمًا (٢). • أخبرنا عبدُ الخالقِ بنُ أحمدَ، قال: أخبرنا أحمدُ بن أبي نَصرٍ، قال: نا محمدُ بن أحمد الطبسي، قال: سمعتُ أبا منصورٍ عبدَ القاهرِ بنَ طاهر، يقول: مَن صَحِبَ الأحداثَ وَقَعَ في الأحْداثِ (٣). • أخبرنا ابنُ ناصرٍ، قال: أنبأنا أحمدُ بن عليٍّ الشيرازِي، قال: أخبَرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمِي، قال: قال مُظَفَّر القرمِيسِيني: مَنْ صَحِبَ الأحْداثَ عَلى شَرْطِ السَّلامةِ والنَّصيحةِ أدَّاهُ ذلكَ إلى البَلاءِ، فكيفَ بِمنْ يَصحبُهُم على غيرِ وجهِ السَّلامةِ (٤)؟! فصل: وقد كان السَّلفُ يُبالِغونَ في الإعراضِ عن المُرْدِ: • وقَد روينا عن رسولِ اللهِ ﷺ أنهُ أجْلَسَ الشَّابَّ الحسنَ الوجهِ وراءَ ظَهرِهِ. • أخبرنا ابنُ ناصرٍ، قال: أنبأنا الحسنُ بن أحمدَ، قال: أخبرنَا أبو الفَتحِ بنُ أبي الفَوارِس، قال: أخبَرنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ المزكي، قال: أخبرنا محمدُ بنُ المسيِّبِ، قال:

стр. 632

حدَّثنا يوسفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثني يحيى بنُ زَكرِيَّا عن عطاءِ بن مُسْلمٍ، قال: كان سفيانُ الثَّوريُّ لا يدعُ أمرَدًا يُجالِسُه (١). • وقد روى إبراهيمُ بنُ هانيءٍ عن يحيى بن مَعينٍ، قال: ما طَمِعَ أمرَدُ بِصُحْبَتِي - ولا أحمد بن حنبل - في طريقٍ (٢). • أخبَرنا عبدُ الرحمنِ بن محمدٍ القزَّاز، قال: نا أحمدُ بنُ عليّ بن ثابتٍ، قال: أخبَرني الحسنُ بنُ أبي بكرٍ، قال: نا محمدُ بن عبدِ الواحدِ أبو عُمر الزَّاهدِ فيما أَذِنَ أن يَرْوِيَهُ عنه، قال: نا محمدُ بن أنسٍ الشّعوبي، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ سواكٍ، قال: كنَّا عند أبي نَصْرٍ بِشر بن الحارثِ، فَوقَفَتْ عليهِ امرأةٌ ما رأيْنا أحسنَ منها، فقالت: يا شيخ، أين مكانُ بابِ حربٍ؟ فقال لها: هذا البابُ الذي يُقالُ لهُ: باب حربٍ. ثمَّ جاءَ بعدَها غُلامٌ ما رَأينا أحسنَ منهُ فسأله فقالَ: يا شيخ، أين مكانُ بابِ حربٍ؟ فأطْرَقَ بِشرٌ، فردَّ عليهِ الغلامُ السؤالَ، فَغَمَّضَ عَينَيهِ، فقُلنا للغلامِ: تعالَ، أيَّ شيءٍ تريدُ؟ فقال: بابَ حربٍ. فقُلنا: بينَ يدَيكَ، فلمَّا غابَ قلنا للشَّيخ: يا أبا نَصرٍ، جاءتكَ جاريةٌ فأجَبْتَهَا وكلَّمْتَها، وجاءكَ غلامٌ فلم تُكَلِّمْهُ! فقال: نعمِ، يُروَى عن سفيانَ الثوريّ أنهُ قال: معَ الجارِيةِ شيطانٌ، ومعَ الغلامِ شيطانان، فخَشِيتُ على نَفسِي مِن شَيطَانَيهِ (٣). • أنبأنا زاهرُ بنُ طاهرٍ النيسابُوريُّ، قال: أنبأنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحسين البَيهقِي، قال: نا أبو عبدِ الله محمدُ بن عبد الله الحاكمِ، قال: حدَّثني محمدُ بن أحمدَ

стр. 633

الذُّهِلي، قال: نا محمدُ بن موسى، قال: سمعتُ محمدَ بنَ حاتمِ بن نعيمٍ يقول: سمعتُ حبانَ يقول: سمعتُ عبدَ اللهِ بن المبارَكِ يقول: دخلَ سفيانُ الثَّوريُّ الحمَّامَ، فدخلَ عليهِ غلامٌ صبيحُ الوجهِ، فقال: أخرِجوه؛ فإنِّي أرى معَ كلِّ امرأةٍ شيطانًا، ومع كلِّ غلامٍ بضعةَ عشرَ شيطَانًا (١). • أخبرنا ابنُ ظَفرٍ، قال: أخبَرنا جعفرُ بنُ أحمد، قال: نا عبدُ العزيزِ بن عليّ، قال: حدثنا ابنُ جهضم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ بن أبي القاسم، قال: دخلْنَا علَى محمد بن الحُسينِ صاحبِ يحيى بن مَعينٍ، وكان يقالُ: ما رفعَ رأسَهُ إلى السَّماءِ منذُ أربعينَ سنةً، ومَعَنا غلامٌ حَدَثٌ في المجلسِ بينَ يديهِ، فقال له: قُم مِن حِذائِي، وأجْلَسَهُ مِن خَلفِهِ (٢). • أنبأنا محمدُ بن عبد الملكِ، قال: أنبأنا أحمدُ بن عليٍّ الخطيب، قال: أخبرنا ابن أيوبَ القمِّي، قال: أخبرنا أبو عبدِ اللهِ المِرْزَباني، قال: حدَّثني أبو عبدِ الله الحكيمي، قال: نا أحمدُ بنُ إبراهيم، قال: نا أبو أسامَة، قال: كان عندنا شيخٌ يُقْرِئ، فَبَقِي عنده غلامٌ يقرَأ عليهِ، فَأردتُ القيامَ فأخذَ بثوبي وقال: اصبِر حتَّى يَفرُغَ هذا الغلامُ. وكرِهَ أن يخلوَ هو والغلامُ (٣). • أخبرنا عبدُ الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمدُ بن عليِّ بن ثابتٍ، وأخبرنا عُمر بن ظفرٍ، قال: أخبرنا جعفرُ بن أحمدَ قال: أخبرنا عبدُ العزيز بنُ عليٍّ الأزْجي، قال: أخبَرنا ابن جَهْضَم، قال: نا محمد بنُ علي بن المأمون، قال: نا أبو علي

стр. 634

الروذبَاري، قال: قال لي أبو العبَّاسِ أحمدُ المؤدِّب: يا أبا عِلي، مِن أينَ أخذَ صوفيةُ عصرِنا هذا الأنسَ بالأحداثِ؟ فقلتُ له: يا سيِّدي، أنتَ أعْرَفُ بهم، وقد تَصحَبُهم السَّلامةُ في كثيرٍ من الأمورِ. فقال: هيهاتَ، قد رأينا مَن كان أقوى إيمَانًا مِنهم إذا رأى الحدَثَ قد أقْبَل فرَّ كفِرارهِ من الزَّحفِ، وإنما ذلكَ على حسَبِ الأوقاتِ (١) التي تغلِبُ الأحوالُ (٢) على أهلِها، فتأخذُها عن تصرَّفِ الطِّباعِ ما أكثرَ الخَطَر! ما أكثرَ الغَلَط (٣)!

стр. 635

فصل: وصحبةُ الأحداثِ أقوى حبائلِ إبليسَ التي يصِيد بها الصوفيَّة: • وقد أخبَرنا ابنُ ناصر، قال: أنبأنا أحمدُ بن عليِّ بن خَلَفٍ، قال: نا أبو عبدِ الرحمن السُّلَمِي، قال: سمعتُ أبا بَكرٍ الرَّازيَّ يقولُ: قال يوسفُ بن الحُسين: نظرْتُ في آفاتِ الخلقِ، فعرَفتُ مِن أين أُتُوا، ورأيتُ آفةَ الصوفيةِ في: صُحبةِ الأحداثِ ومُعاشرةِ الأضداد، وإرفاقِ النِّسوان (١). • أخبَرنا عبدُ الرحمن بن محمدٍ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن علي بن ثابتٍ، قال: أخبَرنا عبدُ الصَّمدِ بن محمد الخطيب، قال: نا الحسنُ بن الحسينِ بن حمكان، قال: سمعتُ أبا الفرَج الرُّستُمي الصُّوفيَّ، يقول: سمعتُ المحترِق البصريَّ، يقول: رأيتُ إبليسَ في النومِ، فقلتُ له: كيفَ رأيتَنا عزَفنا عن الدُّنيا ولذَّاتِها وأموالهِا فليس لكَ إلينا طريقٌ؟! فقال: رأيتُ ما استملت بهِ قلوبكُم (٢) باستماعِ السَّماعِ ومعاشَرةِ الأحداثِ (٣). • أخبرنا محمدُ بن ناصرٍ، قال: أنبأنا أبو بَكرٍ أحمدُ بنُ علي الشِّيرازي، قال: أخبرنا أبو عبدِ الرَّحمنِ السُّلَمي، قال: سمعتُ أبا عبدِ الله الرَّازيَّ يقول: سمعتُ أبا العبَّاس الصيَّاد، يقول: سمعتُ أبا سعيدٍ الخرَّاز، يقول: رأيتُ إبليسَ في النَّومِ وهو يمرُّ عني ناحيةً، فقلت: تعالَ! فقال: أيش أعملُ بِكم؟ أنتم طرحْتُم عن

стр. 636

نفوسِكم ما أُخادِعُ بهِ الناس. قلت: ما هو؟ قال: الدُّنيا فلما ولَّى التفتَ إليَّ فقال: غيرَ أنَّ فِيكم لطيفةً. قلت: ما هي؟ قال: صُحبةُ الأحداثِ (١). قال أبو سعيد: وقلَّ من يتخلَّصُ من هذا مِن الصوفيَّةِ! فصل: في ذِكرِ عقوبةِ النَّظرِ إلى المُردان: • أخبَرنا عُمر بن ظَفرٍ، قال: أخبَرنا جعفرُ بنُ أحمدَ، قال: أخبرنا عبدُ العزيز بن عليٍّ، قال: أخبرنا عليُّ بن عبدِ الله الصوفيُّ، قال: نا محمدُ بن الحسنِ بن الجلندِي المُقرئ، قال: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ بن الجَلاءِ، يقول: كنتُ واقِفًا أنظرُ إلى غُلامٍ نصرانيٍّ حسنِ الوجهِ، فمرَّ بي أبو عبدِ الله البَلخي، فقال: إيش وقوفك؟ فقلت: يا عمّ، ما ترى هذهِ الصورةَ تُعذَّب بالنَّار؟! فضربَ بيده بين كتِفَيَّ، وقال: لتجدنَّ غِبَّها ولو بعدَ حينٍ. قال ابنُ الجلاءِ: فوجدتُ غِبَّها بعد أربعينَ سنة: أُنسِيتُ القرآن (٢)! • أخبَرنا عبدُ الرحمن بنُ محمدٍ القزَّاز، قال: أخبَرنا أحمدُ بن علي بن ثابتٍ، قال: كتبَ إليَّ أبو حاتمٍ أحمدُ بن الحسنِ الرَّازيَّ يذكرُ أنه سمعَ محمدَ بن أحمدَ بن عبدِ الوهابِ الحافظ، يقول: قال أبو سعيدٍ أحمد بن محمد الصوفيّ: قال نا عبدُ الرحمن بن أحمدَ بن عِيسى، عن أبي الأديان، قال: كنتُ معَ أستاذِي أبي بكرٍ الزَّقاق، فمرَّ حدَثٌ فنظرتُ إليه، فرآني أستاذِي وأنا أنظرُ إليه، فقال: يا بُني! لتجدنَّ غِبَّهُ ولو بعد حينٍ. فبقيتُ عشرين سنةً، وأنا أُراعِي فما أجدُ ذلك الغِبّ، فنمتُ ليلةً وأنا متفكِّرٌ فيهِ فأصبحْتُ وقد أُنسيتُ القرآنَ (٣).

стр. 637

• أخبرنا أبو بكرِ بن حبيبٍ الصوفيُّ، قال: أخبرنا أبو سعيدِ بن أبي صادقٍ الحيري، قال: أخبرنا أبو عبدِ الله الشِّيرازيُّ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ أحمدَ النجَّار، قال: أخبَرَني أبو بكر الكتاني، قال: رأيتُ بعضَ أصحابِنا في المنامِ، فقلت: ما فعلَ اللهُ بكَ؟ قال: عَرَضَ عليَّ سَيِّئَاتي، وقال: فعلتَ كذا وكذا. فقلتُ: نعم. ثمَّ قال: كذا وكذا. فاستَحْيَيْتُ أن أقِرَّ، فقلتُ: إني أستحِي أنْ أقِرَّ. فقال: غفرْتُ لكَ بما أقررتَ فكيفَ بما استَحْيَيْتَ؟! فقلت له: ما كانَ ذلك الذنبُ؟ فقال: مرَّ بي غلامٌ حسنُ الوجهِ فنظرتُ إليهِ (١). • قال المصنِّفُ: وقد رُوِي نحو هذهِ الحكاية عن أبي عبدِ الله الزراد أنَّهُ رُؤِيَ في المنامِ، فقيل له: ما فعلَ اللهُ بكَ؟ فقال: غَفَرَ لي كلَّ ذنبٍ أقْرَرْتُ به في الدُّنيا إلَّا واحدا، فاستَحْيَيتُ أن أقِرَّ بهِ فوقفني في العرق حَتى سَقَطَ لحمُ وجْهِي، فقيل له: ما الذنبُ؟ فقال: نظرتُ إلى شخصٍ جميلٍ (٢). • قال المصنِّفُ: وقد بلَغَنا عن أبي يعقوبَ الطَّبرِي، قال: كان معي شابٌّ حسنُ الوجهِ يَخدِمُني، فجاءنِي إنسانٌ مِن بغداد صوفيٌّ، فكانَ كثيرَ الالتفاتِ إلى ذلك الشَّاب، فكنتُ أجدُ عليه لذلكَ، فنمتُ ليلةً من اللَّيالي، فرأيتُ ربَّ العِزَّة في المنامِ، فقال: يا أبا يعقوب، لِمَ لَمْ تَنْهَهُ - وأشارَ إلى البغداديِّ - عن النَّظرِ إلى الأحداثِ؟! فَوَعِزَّتي إنِّي لا أشغلُ بالأحداثِ إلَّا مَن باعَدْتهُ عَن قُربي. قال أبو يعقوب: فانتبهتُ وأنا أضطَرِب، فحَكَيتُ الرُّؤيا للبغدادي، فصاحَ صيحةً وماتَ فغسلناهُ ودفنَّاه.

стр. 638

واشتغلَ قلبي بهِ، فرأيتُه بعدَ شهرٍ في النومِ، فقلت له: ما فعلَ اللهُ بكَ؟ قال: وَبَّخَني حتى خِفتُ أن لا أنجُو، ثم عَفَا عَني (١). قال المصنِّفُ: قلت: إنما مدَدتُ النَّفسَ يسِيرًا في هذا البابِ لأنهُ مِمَّا تعمُّ بهِ البلوى عند الأكثرين، فَمَن أرادَ الزِّيادةَ فيهِ وفيما يتعلَّقُ بإطلاقِ البصرِ وجميعِ أسبابِ الهوى فليَنظر في كِتابنا المسمَّى بِـ "ذمِّ الهَوى"، ففيهِ غايةُ المُرادِ مِن جميعِ ذلك (٢).

стр. 639

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ادعاءِ التوكُّل (١) بقطع الأسباب وترك الاحترازِ في الأمورِ • أخبَرنا المحمدان: ابنُ ناصرٍ، وابنُ عبدِ الباقي، قالا: أخبَرنا حمدُ بن أحمد، قالَ: أخبَرنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: نا أحمدُ بن إسحاق، قال: نا عمرُ بن بَحرٍ الأسَديّ، قال: سمعتُ أحمدَ بن أبي الحَوَارِي يقول: قال أبو سُلَيمان الدَّارانِي: لو

стр. 640

توكَّلنَا على اللهِ تعالى ما بَنَيْنَا الحِيطانَ ولا جعلْنا لِبابِ الدَّار غلقًا مَخافةَ اللُّصوصِ (١). • أخبَرنا أبو بَكرِ بن حبيبٍ، قال: نا أبو سَعيدِ بن أبي صادقٍ، قال: أخبَرنا ابنُ باكويه، قال: أخبَرنِي أبو مَنْصورٍ العَبَاداني، قال: أخبَرني عليُّ بنُ سالم، قال: أخبَرني سَهلُ بن عبدِ الله، عن ذِي النُّونِ، قال: سافرتُ سِنينَ، وما صحَّ لي التوكُّلُ إلَّا وقتًا واحدًا، ركِبْتُ البحرَ فَكُسِر المَرْكَبُ فتعلَّقْتُ بِخَشَبةٍ مِن خَشبِ المَركَبِ، فقالت نفسِي: إنْ حَكَمَ اللهُ عليكَ بالغَرَقِ ما تنفعُكَ هذه الخشَبةُ؟! فخلَّيتُ الخشبةَ وطَفَيتُ على الماءِ، فوقعتُ على السَّاحلِ (٢). • أنبأنا أبو منصورٍ القزَّاز، قال: أخبَرنا أبو بَكرِ أحمد، قال: أخبَرنا أبو نُعيمٍ الحافظ، قال: أخبَرنا جعفَر الخلدِي في كتابهِ (٣)، قال: سمعتُ الجُنَيدَ بنَ محمَّدٍ، قال: سألتُ أبا يَعقوبَ الزَّياتَ عن مسألةٍ في التوكُّلِ، فأَخْرَجَ دِرهمًا كان عنده ثمَّ أجَابَنِي، فأعطى التوكُّلَ حقَّه، ثم قال: استَحْيَيتُ أن أجيبَكَ وعندِي شَيءٌ (٤). • وذكرَ أبو نصرٍ السَّراجُ في كتابِ اللُّمَع، قال: جاء رجُلٌ إلى عبدِ اللهِ بن الجلاءِ فسألهُ مسألةً في التَّوكُّلِ وعندهُ جماعتُهُ فلَم يُجِبه، ودخلَ البيتَ فأخْرَجَ إليهِم صرَّةً

стр. 641

فيها أربعةُ دوانِيق، فقال: اشتروا بِهذه شيئًا، ثم أجابَ عن سؤالهِ، فقيل له في ذلكَ، فقال: استحيَيْتُ من الله تعالى أنْ أتكلَّمَ في التَّوكُّل وعندِي أربعةُ دوانيق (١). • قال السَّراجُ: وقال سَهْلُ بنُ عبدِ الله: من طَعَنَ على الاكتِسابِ فقد طَعَنَ على السُّنَّةِ، ومَن طَعَنَ على التَّوكُّلِ فقد طَعَنَ علىَ الإِيمانِ (٢). قال المصنِّفُ قلت: قِلَّةُ العِلمِ أوْجَبَت هذا التَّخليط، ولو عرفوا ماهيَّةَ التَّوكُّلِ علِموا أنَّهُ ليس بينَهُ وبينَ الأسبابِ تضادٌّ؛ وذلكَ أن التوكُّلَ فعلُ القلبِ، والأسبابُ تختصُّ بالبَدَنِ، فمَعْنَى التوكُّلِ اعتمادُ القلبِ على الوكِيلِ وحدَه، وذلك لا يُناقضُ حركاتِ البدنِ في التعلُّق بالأسبابِ ولا ادِّخار المالِ، فقد قالَ الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] أي: قِوامًا لأَبدانِكم (٣). وقال ﷺ : "نِعمَ المالُ الصالحُ للرَّجُلِ الصالح" (٤)، وقال ﷺ : "إنكَ لأَنْ تخلفَ وَرَثَتَكَ أغنياءَ خيرٌ مِن أن تَترُكَهم عالَةً يتكَفَّفونَ النَّاس" (٥).

стр. 642

واعلَم أن الذي أمرَ بالتوكُّل أمرَ بأخذِ الحذَر، فقال: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]، وقالَ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقال: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾ [الدخان: ٢٣]. وقد ظَاهَرَ رسولُ الله ﷺ بين دِرعين (١) وشاوَرَ طَبِيْبَينِ (٢).

стр. 643

واختَفَى فِي الغَار (١)، وأمرَ بغَلقِ البابِ (٢)، وقال: "مَن يَحْرُسُنِي اللَّيلَةَ" (٣)، وفي الصَّحِيحَينِ مِن حديثِ جابرٍ أن النبيَّ ﷺ قال: "أغلِق بابَكَ" (٤)، وقد أخبَر أن التوكُّلَ لا يُنافِي الاحتِراز. وأخبَرنا إسماعيلُ بنُ أحمدَ السَّمَرقَندِي، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ يحيى الموْصِلي، ونصرُ بن أحمدَ، قالا: أخبَرنا أبو الحسين بن بِشران، قال: أخبَر نا الحسينُ بن صفوان، قال: نا أبو بكرٍ القُرَشي، قال: حدَّثني أبو جعفر الصَّيرِفي، قال: نا يحيى بنُ سعيد، قال: نا المغيرةُ بنُ أبي قُرَّة السَّدوسِي، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ ﵁ يقول: جاء رجلٌ إلى النَّبي ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، أَعْقِلهَا وأتوكَّل، أو أُطْلِقُهَا وأتوكَّلْ؟ فقالَ: "اعقِلْها وتوكَّل" (٥).

стр. 644

أخبرنا ابنُ ناصر، قال: أخبَرنا أبو الحسين بن عبد الجبَّار، قال: أخبَرنا عبدُ العزيز بنُ عليٍّ الأزجي، قال: أخبَرنا إبراهيمُ بن محمدَ بن جعفرٍ، قال: نا أبو بَكرٍ عبدُ العزِيز بنُ جعفر، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الخلَّال، قال: أخبَرني حربُ بنُ إسماعيل الكَرماني، قال: حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ محمد بن سلّام، قال: ثنا الحسينُ بن زِيادٍ المرْوَزِي، قال: سمعتُ سفيانَ بنَ عُيَينَة يقول: تفسيرُ التوكُّل أن يَرضَى بما يُفْعَلُ به (١). قال ابنُ عقيلٍ: يظنُّ القومُ أنَّ الاحتياطَ والاحترازَ يُنافي التوكُّلَ، وأنَّ التوكلَ هو إهمالُ العواقبِ وإطراحُ التحفُّظ، وذلكَ عند العُلماءِ هو العجزُ والتفريطُ الذي يقتضِي مِن العُقَلاءِ التوبيخ والتهجينَ، ولَم يأمرِ اللهُ بالتوكلِ إلَّا بعدَ التحرُّزِ واستفراغِ الوسعِ في التَّحَفُّظ، فقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. فلو كان التعلقُ بالاحتياطِ قادِحًا في التوكلِ لما خَصَّ الله بهِ نبيَّه ﷺ حينَ قال له: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، وهلِ المشاورةُ إلَّا استفادةُ الرَّأيِ الذي منهُ يؤخذُ التحفُّظُ والتحرُّزُ من العدوّ؟! ولم يَقْنَع في الاحتياطِ بِأَن يكِلَهُ إلى رأيِهِم واجتِهادِهِم حتَّى نصَّ علَيهِ وجَعلهُ عَملًا في نفسِ الصَّلاةِ، وهِي أخصُّ العباداتِ، فقال: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ

стр. 645

وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وبيَّنَ عِلَّةَ ذلكَ بقوله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: ١٠٢]. ومَن عَلِمَ الاحتياطَ هكَذا؛ لا يُقالُ: إنَّ التوكلَ عليهِ تركُ ما عَلِم، لكنَّ التوكلَ يقتضِي التفويض فيما لا وُسْعَ فيهِ ولا طاقة، قال ﵊: "اعقِلْها وتوكَّل"، وَلَو كَان التوكُّل تركَ التحرُّزِ لخصَّ بهِ خير الخلقِ ﷺ في خيرِ الأحوالِ وهِي حالةُ الصَّلاةِ. وقد ذَهبَ الشافعيُّ ﵀ إلى وجوبِ حملِ الِسِّلاحِ حينئذٍ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] (١). فالتوكلُ لا يَمنعُ من الاحترازِ والاحتياطِ، فإنَّ مُوسى ﵇ لما قيل له: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠] خرجَ، ونبيُّنا ﷺ خَرجَ من مكةَ لخوفهِ مِن المتآمِرينَ عَلَيهِ، ووقاهُ أبو بكرٍ ﵁ بسدِّ أثقابِ الغارِ (٢). فأعطَى القومُ التحرُّزَ حقَّهُ ثم توكَّلوا.

стр. 646

وقد قال في بابِ الاحتياط: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥]، وقال: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ [يوسف: ٦٧] (١)، وقال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥] (٢). وهذا لأنَّ الحرَكةَ للذَّبِّ عن النفسِ استعمالٌ لإظهار نعمةِ اللهِ تعالى، وكما أن اللهَ تعالى يريدُ إظهارَ نِعَمِهِ المُبْتَدَاة يريدُ إظهارَ وَدائِعهِ، فلا وجهَ لتعطيلِ ما أوْدَعَ اعتمادًا على ما جادَ بهِ، لكن يجبُ استعمالُ ما عِندكَ ثم اطلُب ما عِنده. وقد جعل اللهُ تعالى لِلطَّيرِ والبَهائِمِ أسلِحةً تدفَعُ بها عنها الشُّرورَ، كالمخلبِ والمِنْقَر والنَّابِ، والحُمَة وخلقَ للآدمِيِّ عقلًا يقودُهُ إلى حَملِ الأسلِحةِ ويهديهِ إلى

стр. 647

التحصُّنِ بالأبنيةِ والدُّروعِ، ومَن عطَّل نِعمةَ اللهِ تعالى بِترْكِ الاحترازِ فقد عطَّل حِكمته، كَمَن تركَ الأغذِيةَ والأدوِيةَ فماتَ جُوعًا أو مرَضًا. فلا أبلَهَ مِمَّن يدَّعِي العقلَ والعلمَ ويستَسْلم للبلاءِ! إنَّما يَنْبَغي أن تكونَ أعضاءُ المتوكِّلِ في الكسبِ وقلبُهُ ساكنٌ مفوِّضٌ للحقِّ منَعَ أو أعطَى؛ لأنهُ يرَى أن الحقَّ لا يتصرَّفُ إلا بحكمَةٍ ومصلَحَةٍ، فَمَنْعُهُ عطاءٌ في المَعنى. وكم زيَّنَ للعجَزةِ عَجْزَهُم وسوَّلَتْ لهُم أنفُسُهم أن التفرِيطَ توكُّلٌ! فصاروا في غُرورِهِم بِمثابَةِ مَن اعتَقَد التَّهوُّرَ شجاعةً والخَورَ حَزْمًا! ومتى وُضعت الأسبابُ وأُهمِلَت كانَ ذلكَ جهلًا بحِكمةِ الواضعِ، مثل ما وَضَعَ الطعامَ سببًا للشِّبع، والماءَ للرِّيّ، والدَّواءَ للمَرَضِ، فإذا تركَ الإنسانُ ذلكَ إهوانًا بالسَّببِ، ثم دَعا وسأَل فرُبَّما قيلَ لهُ: قد جعلنا لعافيتكَ سَببًا، فإذا لَم تَتَناولْهُ كان إهمالًا لِعَطائنا، فرُبما لَم نُعافِكَ بِغيرِ سبب لإهْوانِك بالسَّببِ، وما هذا إلَّا بِمثابةِ مَن بَينَ قَراحِهِ وماءِ السَّاقِيةِ رفْسَةُ زنبيل (١)، فأخذَ يُصلِّي صلاةَ الاستِسقاءِ طلَبًا للمطَر، فإِنهُ لا يُسْتَحْسَن منهُ ذلكَ شَرعًا ولا عَقلًا. قال المصنف ﵀ قلت: فإن قالَ قائلٌ: كيف أحترِزُ مع القَدَرِ؟! قيل له: وكيفَ لا تَحْترِزُ مع الأوامِرِ مِن المُقَدِّرِ؟! فالذي قدَّرَ هو الذِي أمرَ، وقد قال تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]. أنبأنا إسماعيلُ بن أحمد، قال: نا عاصمُ بنُ الحسنِ، قال: نا ابن بِشْران، قال: ثنا ابنُ صفوان، قال: نا أبو بكرٍ القُرَشي، قال: حدثني سُريجُ بنُ يونُس، قال: حدثنا عليُّ

стр. 648

بن ثابت، عن خطَّابِ بن القاسمِ، عن أبي عُثمان، قال: كان عيسى ﵇ يصلِّي على رأسِ جبلٍ، فأتاهُ إبلَيس فقال: أنتَ الذي تزعُمُ أن كلَّ شَيءٍ بقضاءٍ وقَدَرٍ؟ قال: نعم. قال: فألقِ نفسَك من الجبلِ، وقُل: قدِّر عليَّ. فقال: يا لَعين، اللهُ يَختبِر العبادَ، وليس العبادُ يختبرونَ الله (١). فصل: وفي مَعنى ما ذكَرنا مِن تلبيسهِ علَيهِم في تركِ الأسبابِ أنَّه قد لبَّسَ على خلقٍ كثيرٍ منهم بأنَّ التوكُّلَ يُنافِي الكسبَ: • فأخبرنا محمدُ بن أبي القاسمِ، قال: نا حمدُ بنُ أحمد، قال: نا أبو نُعيمٍ أحمد بن عبدِ الله، قال: سمعتُ أبا الحسنِ بن مقسمٍ، يقول: سمعتُ محمدَ بنَ المنذرِ، يقول: سمعتُ سهلَ بن عبدِ الله التُّسْتَرِي، يقول: من طعنَ في التوكُّل فقد طعنَ في الإيمانِ، ومن طَعنَ على الكَسبِ فقد طعنَ على السُّنَّة (٢). • أخبرنا محمدُ بن ناصر، قال: نا أحمدُ بن عليِّ بن خَلَفٍ، قال: نا أبو عبدِ الرحمن السُّلَمِي، قال: سمعتُ محمدَ بن عبدِ الله الرَّازِي يقول: سألَ رجلٌ أبا عبدِ الله بن سالمٍ وأنا أسمع: أنحنُ مُتَعَبِّدونَ بالكَسبِ أم بالتوكُّل؟ فقال: التوكُّل حالُ رسولِ اللهِ ﷺ ، والكسبُ سنَّهُ رسولِ الله ﷺ ، وإنما سنَّ الكسبَ لمن ضَعُف عن التوكُّلِ وسقطَ

стр. 649

عن دَرَجةِ الكَمَال التي هِي حالُه، فمَن أطاقَ التوكُّلَ فالكسبُ غيرُ مباحٍ لهُ بحالٍ، إلَّا كسْبَ مُعاوَنَةٍ لا كسبَ اعتمادٍ علَيهِ، ومَن ضعُفَ عن حالِ التوكلِ الَّتي هي حالُ رسولِ اللهِ ﷺ ، أُبِيحَ لهُ طَلَبُ المعاشِ في الكسبِ؛ لئلَّا يَسقُطَ عن دَرَجةِ سُنَّتِهِ حينَ سقَطَ عن درجةِ حالَتِه (١). • أنبأنا عبدُ المنعِم بن عبد الكريم، قال: حدَّثنا أبِي، قال: سمعتُ محمدَ بنَ الحسينِ، قال: سمعتُ أبا القاسِمِ الرَّازِيَّ، يقولُ: سمعْتُ يوسفَ بنَ الحسينِ يقول: إذا رأيتَ المرِيدَ يشتغِلُ بالرُّخَصِ والكَسبِ، فليسَ يِجِيءُ منهُ شَيءٌ (٢). قال المصنِّفُ ﵀ قلت: هذا كلامُ قومٍ ما فَهِموا مَعنى التوكلِ، فظنُّوا أنَّهُ تَرْكُ الكسبِ وتعطيلُ الجوارِحِ عن العمَلِ، وقد بينَّا أن التوكلَ فعلُ القلبِ، فلا يُنافي حركةَ الجوارحِ، ولو كانَ كلُّ كاسبٍ ليسَ بِمتوكِّلٍ كان الأنبياءُ غيرَ متوكِّلين، فقد كان آدمُ ﵇ حرَّاثًا، ونوحٌ وزكريا نَجَّارَينِ، وإدريسُ خيَّاطًا، وإبراهيمُ ولوطٌ زارِعَين، وصالحٌ تاجرًا، وكان داودُ يعملُ الخُوصَ بيدِه ويأكلُ من ثَمنِهِ، وكان موسى وشعيبٌ ومحمدٌ - صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِم - رعاةَ الغنمِ. (٣)

стр. 650

وقال نبِيُّنا ﷺ كنتُ أرعَى غنمًا لأهلِ مكةَ بالقَرارِيطِ (١)، فلمَّا أغناهُ اللهُ بما فرَضَ له مِن الفَيءِ لم يَحتَجْ إلى الكَسبِ. وقد كان أبو بكرٍ الصديقُ ﵁ وعثمانُ وعبدُ الرحمن وطلحةُ ومحمدُ بن سيرينَ وميمونُ بنُ مِهران بزَّازينِ (٢)، وكان الزُّبيرُ بن العوَّام وعمرُو بنُ العاصِ وعامرُ بن كريز خرَّازِين (٣)، وكان سعدُ بنُ أبي وقَّاص يُبْرِي النَّبْلَ، وكان عُثمانُ بنُ طَلْحةَ خيَّاطًا، وما زالَ التَّابِعون ومَن بعدَهُم يكتسِبونَ ويأمرون بالكَسبِ (٤). أخبرنا محمدُ بن أبي طاهر، قال: أنبأنا أبو محمدٍ الجوهَريُّ، قال: أنبأنا ابنُ حيوَةَ، قال: أنبأنا أبُو الحسنِ بن معروفٍ، قال: أنبأنا الحسينُ بنُ الفَهمِ، قال: ثنا محمدُ بن

стр. 651

سَعدٍ، قال: ثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هِشام الدَّسْتَوائي، قال: حدَّثنا عطاء بن السائبِ، قال: لمَّا استُخلِفَ أبو بكرٍ ﵁ أصبَحَ غادِيًا إلى السُّوقِ ومعَهُ أثوابٌ يتَّجِرُ بِها، فَلَقِيهُ عُمرُ وأبو عُبَيدةَ قالا: أينَ تُرِيد؟ قال: السوقَ. قالا: تَصْنَعُ ماذا وقد وُلِّيتَ أمورَ المُسْلِمِين؟ قال: فَمِن أينَ أُطعِمُ عِيالِي (١)؟ قال ابنُ سعد: وأخبَرنا أحمدُ بن عبدِ اللهِ بن يونُس، قالَ: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، عن عَمرِو بن ميمون، عن أبيه قال: لمَّا استُخْلِفَ أبو بكرٍ جَعَلوا لهُ ألفَينِ، فقال: زِيدونِي؛ فإنَّ لي عِيالًا، وقد شَغَلْتُمونِي عن التِّجارةِ. فزادُوه خمسَمائةٍ (٢). قال المصنِّفُ ﵀ قلت: لو قال رجُلٌ للصُّوفِيَّة: مِن أين أطعِمُ عِيالِي؟ لقالوا: قَد أشْرَكتَ! ولو سُئِلُوا عمَّن يَخرُج إلى التِّجَارةِ لقالوا: ليسَ بمتوكِّلٍ ولا مُوقِنٍ! وكلُّ هذا لجِهلِهِم بمعنى التوكُّل واليَقين ولو كان أحدُهُم يُغلِقُ البابَ ويتوكَّلُ قَرُبَ أمرُ دعواهُم، ولكنَّهُم بينَ أمرَينِ: • إمَّا الطَّلَبُ من الناسِ، فمنهُم مَن يَسعَى إلى الدُّنْيا مُسْتَجدِيًا، ومنهُم مَن يَبْعثُ غُلامَهم، فيدورُ بالزَّنبِيلِ فيجمَع له. • وإمَّا الجلوسُ في الرِّباطِ في هَيئةِ المسَاكين، وقد عَلِم أن الرِّباطَ لا يَخْلو من

стр. 652

فُتُوحٍ (١) كما لا يخلو الدكانُ مِن أن يُقصدَ للبَيعِ والشِّراءِ. أخبرنا عبدُ الوهابِ الحافظ، قال: أنبأنا أبو الحسين بن عبدِ الجبَّار، قال: أنبأنا أبو طالبٍ العَشَاري، قال: أنبأنا محمدُ بن عبدِ الرحمن المُخلِّص، قال: أنبأنا عُبَيد الله بن عبدِ الرحمن السُّكَّرِي، قال: ثنا أبو بكرِ بن عُبَيد، قال: حُدِّثتُ عن الهَيثمِ بن خارجَة، قال: ثنا سهلُ بن هِشام (٢)، عن إبراهيم بن أدهم، قال: كان سعيدُ بنُ المسيِّبِ يقول: مَن لَزِمَ المسجدَ وتركَ الحِرْفةَ وقَبِلَ ما يأتِيهِ فقد ألْحْفَ في السُّؤالِ (٣). أخبرنا المحمَّدان: ابنُ ناصرٍ وابنُ عبدِ الباقِي، قالا: أنبأنا حمدُ بنُ أحمد، قال: ثنا أبو نُعيمٍ الحافظ، قال: سمعتُ محمدَ بنَ الحسينِ يقول: سمعتُ جدِّي إسماعيلَ بنَ محمد يقول: كان أبو ترابٍ يقول لأصحابهِ: مَن لَبِسَ منكُم مرقعةً (٤) فقدَ سألَ، ومَن قَعَدَ في خانكاه (٥) أو مسجدٍ فقد سألَ (٦). قال المصنف ﵀ قلت: وقد كان السَّلفُ ينهَونَ عن التَّعرُّضِ لهذِه الأشياءِ،

стр. 653

ويأمُرونَ بالكسبِ: • فأخبرنا عبدُ الوهَّاب بن المبارك، قال: أنبأنا أبو الحسينِ بن عبدِ الجبَّار، قال: نا محمدُ بنُ عليّ بن الفتح، قال: نا محمَّد بن عبدِ الرحمن المخلِص، قال: نا عُبَيد اللهِ بنُ عبدِ الرحمن السُّكَّري، قال: ثنا أبو بكرِ بن عُبَيدٍ القرشي، قال: ثنا عليُّ بن الجعدِ، قال: نا المسعوديّ، عن جواب التَّيمِي، قال: قال عُمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: يا مَعشرَ القرَّاءِ، ارفَعُوا رؤُوسَكُم، فَقَد وضَحَ الطريقُ فاستَبِقُوا الخَيراتِ، ولا تكونوا عِيالًا عَلى المُسْلِمين (١). أخبرنا ابنُ ناصرٍ، قال: نا أبو الحسينِ بن عبدِ الجبَّار، قال: نا محمدٌ أبو القاسمِ التَّنوخِي وأبو محمدٍ الجوهَرِي وأبو الخَير القَزْوِيني، قالوا: أخبَرنا أبو عُمر بن حَيُّويَه، قال: نا محمدُ بن خَلَفٍ، قال: ثنا أبو جعفَر اليماني، قال: ثنا أبو الحَسَنِ المدائني عن محمَّد بن عاصمٍ، قال: بَلَغَنِي أن عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ كان إذا رأى فتىً فأعْجَبهُ حالُهُ سألَ عنهُ: هل لهُ حِرفةٌ؟ فإن قِيل له: لا. قال: سقطَ مِن عَينِي (٢). • أخبرنا إسماعيلُ بنُ أحمد، قال: نا عُمرُ بن عُبيدِ اللهِ البقَّال، قال: نا

стр. 654

أبو الحسينِ بن بِشْران، قال: نا عُثمانُ بنُ أحمدَ الدَّقاق، قال: نا حَنْبل، قال: حدَّثني أبو عبدِ الله، قال: ثنا معاذُ بن هشام، قال: ثَني أبي، عن قَتادةَ، عن سعيدِ بن المسيِّب، قال: كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ يتَّجِرونَ في تجر الشام، منهم طلحَة بنُ عُبيدِ الله وسعيدُ بنُ زبدٍ (١). • أخبرنا عبدُ الوهَّابِ بن المُبَارك، قال: نا جعفرُ بن أحمد السَّرَّاج، قال: نا عبدُ العزيزِ بنُ الحسَن بن إسماعيل الضرَّاب، قال: نا أبي، قال: نا أحمدُ بنُ مروانَ المالِكِي، قال: نا أبو القاسمِ بن الجبلي: سألتُ أحمدَ بن حنبل فقلت: ما تقولُ في رَجُلٍ جَلَسَ في بيتهِ أو في مسجِدِهِ وقال: لا أعمَلُ شيئًا حتَّى يأتيَني رِزْقي؟ فقال أحمد: هذا رجلٌ جهِلَ العلمَ، أمَا سمعْتَ قولَ رسولِ الله ﷺ : "جعلَ اللهُ رِزقِي تحتَ ظلِّ رُمْحِي" (٢). وحديثَه الآخَر ذكر الطيرِ فقال: "تغدُو خِمَاصًا" (٣) فَذَكر أنَّها تغدُو في طَلَبِ الرِّزقِ وقال اللهُ تعالى:

стр. 655

﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وكانَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ يتَّجِرونَ في البَرِّ والبحرِ ويعملون في نخيلهِم، والقدوةُ بِهِم (١). وقد ذكرنا فيما مَضَى عن أحمدَ أن رجُلًا قال لهُ: أريدُ الحجَّ على التوكُّلِ، فقال له: فاخرُج في غيرِ القافِلةِ. قال: لا. قال: فعلى جُرُب الناسِ توكلتَ! (٢). أخبرنا ابنُ ناصر، قال: نا أبو الحُسينِ بن عبدِ الجبَّار، قال: نا عبدُ العزيز بن عليٍّ الأزجِي، قال: نا إبراهيمُ بن محمد بن جَعفرٍ السَّاجِي، قال: نا أبو بكرِ بن عبدِ العزيز بن جعفَر (٣)، قال: نا أبو بكرُ أحمد بن محمدٍ الخلَّال، قال: نا أبو بكرٍ المرُّوذي، قال: قلتُ لأبي عبدِ الله: هؤلاءِ المتوكِّلَةُ يقولون: نَقْعُدُ وأَرزاقُنا علَى اللهِ ! فقال: هذا قولٌ رديٌّ حدث، يقول اللهُ تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] (٤).

стр. 656

وقال: إذا قال: لا أعملُ وجِيءَ إليهِ بِشَيءٍ قد عُمِلَ واكتُسِبَ! لأيِّ شَيءٍ يقبلُهُ (١)؟! قال الخلَّالُ: وأخبَرنا عبدُ الله بنُ أحمدَ، قال: سألتُ أبي عن قومٍ يقولون: نتوكَّلُ على اللهِ ولا نكتسِب، فقال: ينبغِي للناسِ كلِّهِم يتوكَّلونَ على اللهِ، ولكن يعودون على أنفُسِهِم بالكسبِ، هذا قولُ إنسانٍ أحمقٍ (٢). قال الخلَّال: وأخبَرني محمدُ بن عليٍّ، قال: نا صالحٌ أنهُ سألَ أباهُ - يعني: أحمدَ بنَ حنبلٍ - عن التوكُّلِ، فقال: التوكُّلُ حَسَن، ولكن لا ينبَغِي للرَّجُلِ أن يكونَ عِيالًا على النَّاسِ، ولكِن ينبغِي أن يعمَلَ حتَّى يُغْنِيَ نفسَهُ وعيالَهُ ولا يترك العمل. قال: وسُئِل أبي - وأنا شاهدٌ - عن قومٍ لا يعملونَ ويقولون: نحن المتوكِّلُون، فقال: هؤلاءِ مُبْتَدِعة (٣). قال الخلَّالُ: وأخبرنا المرُّوذِيُّ أنهُ قال لأبي عبدِ اللهِ: أن ابنَ عُيَيْنَة كان يقولُ: هُم مبتدعةٌ، فقال أبو عبدِ الله: هؤلاءِ قومُ سوءٍ، يريدُونَ تعطيلَ الدُّنيا (٤).

стр. 657

وقال الخلَّالُ: وأخبَرنا المرُّوذِي، قال: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عن رجُلٍ جلسَ في بيتهِ، وقالَ: أجلسُ وأصبِرُ في البيتِ، ولا أُطْلِعُ على ذلكَ أحدًا، فقال: لو خَرجَ فاحْترفَ كان أحبَّ إليّ، فإذا جلسَ خفتُ أن يُخرِجَهُ جلوسُهُ إلى غيرِ هذا. قلت: إلى أيِّ شيءٍ يُخرِجُه؟ قال: يُخرِجُهُ إلى أن يكونَ يتوقَّعُ أن يُرْسَلَ إليهِ (١). قال الخلَّال: حدَّثنا أبو بكرٍ المرُّوذِي، قال: سمعتُ رجُلًا يقولُ لأبِي عبدِ اللهِ أحمدَ بن حنبلٍ: إنِّي في كِفايةٍ، قال: الزَم السُّوقَ تَصِلُ بهِ الرَّحِم، وتعود به على عِيالِك (٢). وقال لِرَجلٍ آخر: اعمَل وتصدَّق بالفَضلِ على قَرَابَتِك (٣). وقال: قد أمرتهم - يعنِي: أولادَهُ - أن يَخْتَلِفوا إلى السُّوقِ وأن يتعرَّضُوا للتِّجَارةِ (٤). قال الخلَّالُ: وأخبَرني محمدُ بنُ الحسينِ، أن الفضلَ بنَ زيادٍ حدَّثهُم، قال: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يأمرُ بالسوق، ويقول: ما أحسنَ الاستِغناءَ عن النَّاسِ (٥)! وقال الخلَّال: وأخبَرني يعقوبُ بنُ يوسف المُطَّوِّعي، قال: سمعتُ أبا بكرِ بن جنادٍ، يقول: سمعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقولُ: أحبُّ الدَّراهِمِ إليَّ: دِرهمٌ من تِجارَةٍ، وأكرَهُها عندِي: الذي مِن صِلَةِ الإِخوانِ.

стр. 658

وقال المصنِّفُ ﵀: قلت: وكان إبراهيمُ بن أدهمَ يحصُدُ (١)، وسلمان (٢) الخوَّاص يلقُطُ (٣)، وحذيفةُ المَرعشِي يضربُ اللَّبن (٤). قال ابنُ عقيلٍ: التسبُّب لا يقدَحُ في التوكُّلِ؛ لأنَّ تعاطِي رُتبةٍ ترقى على رُتَبِ الأنبِياءِ نقصٌ في الدِّينِ. ولمَّا قيل لموسى ﵇: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠]، خرجَ، ولمَّا جاعَ واحتاجَ إلى عِفَّةِ نفسِهِ أجَّر نفسَهُ ثمان سِنين. وقال الله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥] وهذا لأنَّ الحرَكَة استعمالٌ لِنِعمةِ اللهِ، وهِي القوى فاستعمِل ما عِندَكَ ثمَّ اطلُب ما عِندهُ. وقد يطلبُ الإنسانُ من ربِّهِ وَينْسِى ما لَهُ عندَهُ من الذَّخائِر، فإذا تأخَّر ما يَطْلُبُهُ تسخَّطَ.

стр. 659

فَتَرى بعضَهُم يملِكُ عقارًا وأثاثًا، فإذا ضَاقَ به القوتُ واجتمَعَ عَلَيهِ دَينٌ، فقيل له: لو بِعتَ عَقَارَكَ، قال: كيف أحلُّ عَقارِي وأُسقِطُ جَاهِي؟! وإنَّما يفعلُ هذهِ الحماقات للعاداتِ. وإنما قعدَ أقوام عن الكسبِ استِثْقالًا له، فكانوا بينَ أمرَينِ قبِيحَينِ: - إمَّا تَضْيِيعُ العِيالِ، فترَكوا فريضةً. - أو التَّزَيُّنُ باسمِ متوكلٍ، فيحِنُّ عليهِم المكتَسِبونَ، فَيُضَيِّقوا على عِيالهِم لأجلِهِم. وهذه الرَّذيلةُ لم تدخلْ قطُّ إلَّا على دنيءِ النفسِ، وإلَّا فالرجلُ كلُّ الرجلِ مَن لم يضيع جوهرَهُ (١) الذي أودعهُ اللهُ إيثارًا للكسلِ، أو لاسمٍ يتزيَّنُ بهِ بينَ الجهَّالِ، فإنَّ الله تعالى قد يَحرِمُ الإنسانَ المالَ ويرزُقُه جَوهرًا يتسبَّبُ بهِ إلى تَحصيلِهِ. فصل: قال المصنِّفُ: وقد تشبَّثَ القاعدونَ عن الكسبِ بتَعلُّلاتٍ قبِيحةٍ: • منها: أنَّهم قالوا: لابدَّ أن يصلَ إلينا رزقُنا! وهذا في غايةِ القُبحِ، فإنَّ الإنسانَ لو تَركَ الطَّاعةَ وقال: لا أقدِر بطاعتِي أن أُغَيِّر ما قَضَى اللهُ علَيّ، فإن كنتُ من أهلِ الجنَّةِ فأنا إلى الجنَّةِ أو من أهلِ النَّارِ فأنا من أهل النَّار! قلنا له: هذا يردُّ الأوامرَ كلَّها، ولو صحَّ لأحدٍ لَم يخرُج آدمُ من الجنَّةِ؛ لأنَّهُ كان يقولُ: ما فعلتُ إلا ما قضى. ومعلومٌ أنَّنا مطالبون بالأمرِ لا بالقَدَرِ.

стр. 660

• ومنها: أنَّهم يقولون: أينَ الحلالُ حتى يُطْلَب؟! وهذا قولُ جاهل، فإنَّ الحلالَ لا ينقَطِعُ أبدًا، قالَ ﷺ : "الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بيِّنٌ" (١). ومعلومٌ أن الحلالَ: ما أذنَ الشَّرْعُ في تناوُلهِ، وإنما قولهم هذا احتجاجٌ للكَسَلِ. • ومنها: أنَّهُم قالوا: إذا كَسَبنَا أعنَّا الظَّلَمَة والعُصاة، مثل: ° ما أخبرنا به عُمرُ بن ظَفر، قال: نا جَعفرُ بنُ أحمد، قال: نا عبدُ العزيزِ بن عليٍّ، قال: نا ابن جَهْضَم، قال: نا عليُّ بن محمدٍ السيرَوَاني، قال: سمعتُ إبراهيمَ الخوَّاص يقول: طلبتُ الحلالَ في كلِّ شَيءٍ حتى طَلَبتُهُ في صَيدِ السَّمكِ، فأخذتُ قصبةً وجعلتُ فيها شَعرًا، وجلَستُ على الماءِ، فألقَيتُ الشّبص (٢) فخَرجَت سمكَةٌ فَطَرحْتُها على الأرضِ، وألقَيتُها الثَّانيةَ فخرجَت لي سَمكةٌ، فأنا أطْرَحُها ثالِثةً، إذا مِن ورائِي لَطْمةٌ لا أدْرِي مِن يَدِ مَن هِي، ولا رأيتُ أحدًا، وسمعتُ قائِلًا يقولُ: أنتَ لم تُصِبْ رِزقًا في شَيءٍ إلَّا أن تَعْمَدَ إلى مَن يذكُرُنا فَتَقْتُلَهُ. قال: فقطَعْتُ الشّعرَ وكسرتُ القَصْبَةَ وانْصرَفتُ" (٣)!

стр. 661

° أنبأنا أبُو المظفَّرِ عبد المنعِمِ بن عبدِ الكريم القُشَيري، قال: ثنا أبي، قال: سمعتُ محمدَ بنَ الحسينِ، يقول: سمعتُ أبا بكرٍ الرَّازيَّ، يقول: سمعتُ أبا عُثمانَ بنَ الأدمِيِّ، يقول: سمعت إبراهيمَ الخوَّاص، يقول: طلبتُ المعاشَ لآكُلَ الحلالَ فصِدْتُ السَّمَكَةَ، فوقعتْ في الشَّبكةِ سمَكة فأخرَجْتُها، وطرحتُ الشَّبكةَ فوقعَتْ أخرَى فيها، فَرمَيتُ بِها، ثمَّ عُدتُ فهتَفَ بي هاتِفُ: لَمْ تِجدْ معاشًا إلَّا أن تأتِيَ مَن يَذكُرُنا فتَقتُلَه؟ فكَسَرتُ القَصْبَةَ وتركتُ الاصْطِيادَ (١). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: هذه القصَّةَ إنْ صحَّت فإنَّ في الرِّوايَتَينِ بعضَ مَن يُتَّهم، فإنَّ اللَّاطِمَ إبلِيس، وهُو الذِي هتَفَ به؛ لأنَّ اللهَ تعَالى أباحَ الصَّيدَ، فلا يُعاتَبُ علَى ما أباحَه، وكيفَ يُقالُ له: تعمَدُ إلى مَن يذكُرُنا فتَقتُلَه، وهو الذي أباحَ قَتلَهُ! وكسبُ الحلالِ ممدوحٌ ولو تركْنَا الصيدَ وذبْحَ الأنعام لأنَّها تَذْكُرُ اللهَ تعالى لم يكُنْ لنا ما يُقيمُ قُوى الأبدانِ؛ لأنَّه لا يُقِيمُهَا إلَّا اللَّحم، فالتَّحرِّي مِن أخْذِ السَّمكِ وذبْح الحيوانِ مَذهبُ البَراهِمَة. فانظُر إلى الجهلِ ما يَصنع، وإلى إبليسَ كيفَ يَفعَلُ! • أخبَرنا أبو منصورٍ القزَّاز، قال: أنبأنا أحمدُ بن عليِّ بن ثابتٍ، قال: أنبأنا عبدُ العزيز بن عليٍّ الأزْجِي، قال: حدثنا عليُّ بن عبدِ اللهِ الهمَذاني، قال: حدَّثنَا محمدُ بن جعفر، قال: حدثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن عبد الملك، قال: سمعتُ شيخًا يكنى أبا أيوب، يقول: قيل لِفتحٍ الموصِلي: أنتَ صيَّادٌ بالشَّبكةِ، ألا تصطادُ لِعيالِكَ؟ فقال: أخافُ أن أصطادَ مُطِيعًا للهِ تعالى في جوفِ الماءِ فأُطعِمُهُ عاصِيًا للهِ على وجهِ الأرضِ (٢)!

стр. 662

قال المصنف ﵀: قلت: وهذه الحكايةُ إن صحَّت عن فَتحٍ فهو مِن التعلُّلِ البَاردِ المُخَاِلفِ للشَّرعِ والعقلِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أباحَ الكسبَ وندَبَ إليهِ، فإذا قال قائِلٌ: ربَّما خبَزْتُ خُبزًا فأكَلَهُ عاصٍ، كان حديثًا فارغًا؛ لأنه يَجوزُ لنا أن نبيعَ الخُبزَ لليَهودِ (١).

стр. 663

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك التداوي قال المصنف ﵀: لا يختلفُ العلماءُ أن التداويَ مباحٌ، وإنَّما رأى بعضُهُم أن العزيمةَ تركُه وقد ذكرنا كلامَ الناسِ في هذا، وبيَّنا ما اخْترنا فِي "كتاب لقطِ المنافِع" (١) في الطِّبِّ. والمقصودُ هاهُنا أنا نقول: إذا ثبتَ أن التداويَ مباحٌ بالإجماعِ، مندوبٌ إليهِ عند بعضِ العلماءِ، فلا يُلتَفَتُ إلى قولِ قومٍ قد رَأَوْا أن التداويَّ خارجٌ عن التَّوكُّل؛ لأنَّ الإجماعَ أنهُ لا يُخرِجُ من التوكُّل (٢). وقد صحَّ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه تداوَى، وأمرَ بِالتَّداوِي (٣)، ولم يَخرُج بذلِكَ من

стр. 664

التَّوكل، ولا أخرجَ مَن أمَرَهُ أن يَتَداوى مِن التوكُّل. وفي الصحيح من حديثِ عُثمانَ بن عفانَ ﵁: أن النبِيَّ ﷺ رخَّصَ إذا اشتكَى المُحرِم عينَه أن يُضَمِّدَها بالصَّبر (١). قال ابنُ جريرٍ الطبَري: وفي هذا الحديثِ دليلٌ على فسادِ ما يقولُهُ ذَوُو الغباوةِ مِن أهلِ التَّصوُّفِ، مِن أن التوكلَ لا يصحُّ لأحدٍ عالج عِلَّةً بهِ فِي جسده بِدواءٍ؛ إذ ذاكَ عِندهم طلبُ العافيةِ مِن غَير مَن بِيدِه العافِيةُ والضُّر والنَّفع. وفي إطلاقِ النبي ﷺ للمُحرِمِ علاجَ عَينَيهِ بالصبرِ لِدفعِ المكرور أدلُّ دليلٍ على أن مَعنى التوكُّلِ غيرُ ما قالهُ الذينَ ذكرنا قولَهُم، وأنَّ ذلكَ غيرُ مُخرِجٍ فاعلَهُ مِن الرِّضا بقضاء الله ، كما أن مَن عرض له كَلِبُ الجوع لا يُخرِجه فزَعهُ إلى الغِذاءِ من التَّوكلِ والرضا بالقضاءِ، لأنَّ اللهَ تعالى لم يُنزِل داءً إلَّا أنزلَ له دواءً، إلَّا الموت (٢)، وجَعل أسبابًا لِدفعِ الأَدواءِ، كما جعل الأكلَ سببًا لدفع الجوعِ، وقد كان قادرًا أن يُحيِيَ خلقهُ بِغيرِ هذا، ولكنَّه خلقهم ذَوِي حاجةٍ، فلا يَندفع عنهم أذَى الجوعِ إلَّا بما جعلهُ سببًا لدَفْعهِ عنهم، فكذا الدَّاء العارض.

стр. 665

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الوحدة والعزلة قال المصنِّفُ ﵀: كان خيارُ السلفِ يؤثرون الوحدَةَ والعُزلَةَ عن الناسِ؛ اشتغالًا بالعلمِ والتَّعبُّدِ، إلَّا أن عُزلةَ القومِ لم تقطعهُم عن جُمُعةٍ ولا جمَاعَةٍ، ولا عِيادةِ مريضٍ، ولا شهودِ جنازةٍ، ولا قيامٍ بِحقٍّ، وإنما هيَ عُزلةٌ عن الشرِّ وأهلِهِ، ومخالطةِ البطَّالين. وقد لبَّس إبليسُ على جماعةٍ من المتصوِّفةِ، فمنهم من اعتزلَ في جَبلٍ، كالرُّهبانِ (١)، يَبِيتُ وحدَهُ ويُصبِحُ وحدَه، ففاتتهُ الجُمُعةُ والجماعةُ ومخالطةُ أهلِ العِلمِ، وعمومُهُم اعتزلَ في الأربِطةِ، ففاتَهمَ السَّعيُ إلى المساجِدِ، وتوطؤوا فُرُشَ الرَّاحةِ، فتركوا الكَسْبَ (٢).

стр. 666

• وقد قال أبو حامِدٍ الطُّوسِي في كتابِ الإحياءِ: مقصودُ الرياضةِ (١) تفريغُ القلب، وليس ذلك إلَّا بالخَلْوَةِ فِي مكانٍ مُظلِمٍ! وقال: فإن لم يكن في مكانٍ مظلِمٍ، فيلفُّ رأسَهُ في جَيبَه، أو يتَدثَّرُ بكِساءٍ أو إزارٍ ففي مِثلِ هذه الحالةِ يسمَعُ نِداءَ الحقِّ، ويُشاهِد جَلالَ الحضرَةِ الرُّبوبِيَّة! (٢) قال المصنِّفُ ﵀ قلت: انظر إلى هذه الترتيباتِ، وأعجب كيفَ تصدُرُ مِن فقيهٍ! ومن أين لهُ أن الذي يَسمَعُهُ نداءُ الحقِّ؟! وأنَّ الذي يشاهدهُ جلالُ الرُّبوبِيَّة؟! وما يؤمنه أن يكونَ ما يَجدُ مِن الوَساوِس والخَيالاتِ الفاسِدةِ، وهذا الظاهِر ممن يَستَعمِل التقلُّلَ في المطعم، فإنهُ يغلِبُ عليهِ المالَيْخُولْيَا (٣). وقد يسلمُ الإنسانُ في مثلِ هذه الحالة من الوساوسِ، إلَّا أنهُ إذا تَغشَّى بثوبِهِ وغمَّض عينهِ تخايلَ الأشياءَ؛ لأن في الدِّماغِ ثلاثَ قُوى: قوة يكونُ بها التخيُّلُ، وقوة يكونُ بها الفكرة، وقوة يكونُ بها الذِّكر، وموضعُ التخيُّل البطنان المقدَّمانِ من بطونِ الدِّماغِ، وموضعُ الفِكرِ البطنُ الأوسط من بطون الدماغ، وموضع الحفظ المؤخَّر، فإذا أطرَقَ الإنسان وغمض عينه جال الفكرُ والتَّخَيُّلُ فيرى خيالاتٍ،

стр. 667

فيظنُّها ما ذَكَر من حضرة جلالِ الربوبية إلى غير ذلك، نعوذ بالله من هذه الوساوِس والخيالاتِ الفاسدة! • أخبرنا محمدُ بن أبي القاسِمِ، قال: أنبأنا رزقُ اللهِ بن عبد الوهَّابِ، قال: أنبأنا أبو عبد الرَّحمن السُّلَمِي، قال: سمعتُ أبا بكرٍ البَجلي، يقولُ: سمعتُ أبا عثمان بن الأدمي، يقول: كان أبو عُبَيدٍ البسرِي إذا كانَ أولُ يومٍ من رَمضَان، يدخُل البيتَ ويقول لامرأتهِ: طَيِّنِي بابَ البيتِ، وألقِي إليَّ كلَّ ليلةٍ من الكوَّةِ رغيفًا. فإذا كان يومُ العيدِ دخلتُ فوجدتُ ثلاثين رغيفًا في الزَّاويةِ، ولا أكلَ ولا شرب، ولا يتهيَّأ للصَّلاةِ، ويبقى على طُهرٍ واحدٍ إلى آخِر الشَّهرِ (١)! قال المصنف ﵀: قلت: هذه الحكايةُ عندي بعيدةٌ عن الصحَّة مِن وجهين: أحدُهما: بناءُ الآدمِيِّ شهرًا لا يُحْدِث ولا يتوضَّأ. والثاني: تركُ المسلمِ لصلاةِ الجُمُعةِ، وهى واجبةٌ لا يحلُّ تركها، والجماعة. فإن صحَّت هذه الحكاية فما أبْقَى إبليسُ لهذا في التَّلبيس بقيَّة! • أنبأنا زاهِرُ بنُ طاهرٍ، قال: أنبأنا أحمدُ بنُ الحسينِ البيهَقِي، قال: نا الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ النَيسابُوري، قال: وسمعتُ أبَا الحسنِ البُوشَنْجِيّ الصُّوفي غيرَ مرَّةٍ، يُعَاتَبُ في تركِ الجماعَةِ والجُمُعاتِ والتَّخَلُّفِ عنها، فيقول: إن كانت الفضيلةُ في الجَماعةِ، فإنَّ السَّلامةَ في العُزلَةِ (٢)!

стр. 668

فصل: وقد جاءَ النَّهيُ عن الانفرادِ الموجِبِ للبُعدِ عن العلمِ والجِهادِ للعدوِّ: أخبرنا ابن الحصَين، قال: أخبرنا أبو علي بن المذهب، قال: أنا أبو بكرِ بنُ مالِك، قال: نا عبد الله بن أحمدَ، قال: حدَّثَنِي أبي، قال: نا أَبُو المغِيرة، قال: نا مُعان بنُ رِفاعَة، قال: حدَّثني عِليُّ بن يزيدَ، عن القاسمِ، عن أبي أمامةَ، قال: خَرجنَا معَ رسولِ الله ﷺ في سريَّةٍ مِن سراياه، قال: فمرَّ رجلٌ بِغارٍ فيهِ شَيءٌ مِن ماءٍ، قال: فحدَّثَ نفسَه بأن يُقيمَ في ذلِك الغارِ فيَقُوتُهُ ما كانَ فِيهِ مِن ماءٍ (١)، ويُصيبُ ما حَولَه من البَقلِ، ويتخلَّى من الدُّنيَا، ثمَّ قال: لو أني أتيتُ نَبِيَّ الله ﷺ فذكرتُ ذلكَ له، فإن أذِن لي فعلْتُ وإلَّا لم أفعل، فأتاه فقال: يا نبيَّ الله إني مررتُ بغارٍ فيهِ ما يقوتُنى من الماءِ والبقلِ، فحدَّثتني نفسِي بأن أقِيم فيهِ وأتخلَّى من الدُّنيا. قال: فقال ﷺ : "إني لم أُبعَث باليهودِيَّةِ ولا بالنَّصرانِيةِ، ولكني بُعِثتُ بالحنيفية السَّمحة (٢)، والذي نفسُ

стр. 669

محمدٍ بيدهِ لَغَدوةٌ أو رَوحَةٌ في سبيلِ اللهِ خير من الدُّنيا وما فِيها، ولمُقامُ أحدِكُم في الصَّفِّ خيرٌ من صلاِتهِ ستِّين سَنة" (١).

стр. 670

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في التخشع ومطاطَأة الرأس وإقامة الناموس (١). قال المصنِّفُ ﵀: إذا سكنَ الخوفُ القلبَ أوجبَ خشوعَ الظَّاهرِ، فلا يَملِكُ صاحبُهُ دَفعَه، فتراه مطرِقًا متأدِّبًا متذلِّلًا، وقد كانوا يَجتَهِدونَ في سَترِ ما يَظهَرُ من ذلك، وكان محمدُ بن سِيرينَ يضحكُ بالنَّهارِ ويَبْكِي باللَّيلِ (٢). ولَسْنَا نأمُرُ العالِم بالانبِساطِ بينَ العوامِّ، فإنَّ ذلك يؤذيهِم، فقد روينا عن عليٍّ ﵁ إنَّه قال: إذا ذكرتُم العِلمَ فاكظِمُوا عليهِ، ولا تخْلِطُوهُ بضَحِكٍ، فتمَجَّهُ القلوبٌ (٣). ومثلُ هذا لا يُسمَّى رياءً؛ لأنَّ قلوبَ العوامِّ تضيقُ عن التَّأويلِ للعالِمِ إذا تفَسَّح في المُباح، فينبَغِي أن يلقاهُم بالصَّمتِ والأدَبِ، وإنَّما المذمومُ تكلُّف التخاشُعِ والتَّباكِي، ومطأطأ الرأسِ؛ ليُرى الإنسانُ بعينِ الزُّهدِ، والتهيُّؤ للمُصافَحَةِ وتقبيلِ اليد، وربَّما قيل له: اُدع لنا! فيتهيَّأ للدُّعاءِ، كأنه يستنزلُ الإجابة! وقد ذكرنا عن إبراهِيمَ النَخَعِي أنهُ قيل له: ادع لنا، فكرِهَ ذلكَ واشتدَّ عليهِ (٤).
следующие страницы →