← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

• وقد قال أبو حامِدٍ الطُّوسِي في كتابِ الإحياءِ: مقصودُ الرياضةِ (١) تفريغُ القلب، وليس ذلك إلَّا بالخَلْوَةِ فِي مكانٍ مُظلِمٍ! وقال: فإن لم يكن في مكانٍ مظلِمٍ، فيلفُّ رأسَهُ في جَيبَه، أو يتَدثَّرُ بكِساءٍ أو إزارٍ ففي مِثلِ هذه الحالةِ يسمَعُ نِداءَ الحقِّ، ويُشاهِد جَلالَ الحضرَةِ الرُّبوبِيَّة! (٢) قال المصنِّفُ ﵀ قلت: انظر إلى هذه الترتيباتِ، وأعجب كيفَ تصدُرُ مِن فقيهٍ! ومن أين لهُ أن الذي يَسمَعُهُ نداءُ الحقِّ؟! وأنَّ الذي يشاهدهُ جلالُ الرُّبوبِيَّة؟! وما يؤمنه أن يكونَ ما يَجدُ مِن الوَساوِس والخَيالاتِ الفاسِدةِ، وهذا الظاهِر ممن يَستَعمِل التقلُّلَ في المطعم، فإنهُ يغلِبُ عليهِ المالَيْخُولْيَا (٣). وقد يسلمُ الإنسانُ في مثلِ هذه الحالة من الوساوسِ، إلَّا أنهُ إذا تَغشَّى بثوبِهِ وغمَّض عينهِ تخايلَ الأشياءَ؛ لأن في الدِّماغِ ثلاثَ قُوى: قوة يكونُ بها التخيُّلُ، وقوة يكونُ بها الفكرة، وقوة يكونُ بها الذِّكر، وموضعُ التخيُّل البطنان المقدَّمانِ من بطونِ الدِّماغِ، وموضعُ الفِكرِ البطنُ الأوسط من بطون الدماغ، وموضع الحفظ المؤخَّر، فإذا أطرَقَ الإنسان وغمض عينه جال الفكرُ والتَّخَيُّلُ فيرى خيالاتٍ،

стр. 667

فيظنُّها ما ذَكَر من حضرة جلالِ الربوبية إلى غير ذلك، نعوذ بالله من هذه الوساوِس والخيالاتِ الفاسدة! • أخبرنا محمدُ بن أبي القاسِمِ، قال: أنبأنا رزقُ اللهِ بن عبد الوهَّابِ، قال: أنبأنا أبو عبد الرَّحمن السُّلَمِي، قال: سمعتُ أبا بكرٍ البَجلي، يقولُ: سمعتُ أبا عثمان بن الأدمي، يقول: كان أبو عُبَيدٍ البسرِي إذا كانَ أولُ يومٍ من رَمضَان، يدخُل البيتَ ويقول لامرأتهِ: طَيِّنِي بابَ البيتِ، وألقِي إليَّ كلَّ ليلةٍ من الكوَّةِ رغيفًا. فإذا كان يومُ العيدِ دخلتُ فوجدتُ ثلاثين رغيفًا في الزَّاويةِ، ولا أكلَ ولا شرب، ولا يتهيَّأ للصَّلاةِ، ويبقى على طُهرٍ واحدٍ إلى آخِر الشَّهرِ (١)! قال المصنف ﵀: قلت: هذه الحكايةُ عندي بعيدةٌ عن الصحَّة مِن وجهين: أحدُهما: بناءُ الآدمِيِّ شهرًا لا يُحْدِث ولا يتوضَّأ. والثاني: تركُ المسلمِ لصلاةِ الجُمُعةِ، وهى واجبةٌ لا يحلُّ تركها، والجماعة. فإن صحَّت هذه الحكاية فما أبْقَى إبليسُ لهذا في التَّلبيس بقيَّة! • أنبأنا زاهِرُ بنُ طاهرٍ، قال: أنبأنا أحمدُ بنُ الحسينِ البيهَقِي، قال: نا الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ النَيسابُوري، قال: وسمعتُ أبَا الحسنِ البُوشَنْجِيّ الصُّوفي غيرَ مرَّةٍ، يُعَاتَبُ في تركِ الجماعَةِ والجُمُعاتِ والتَّخَلُّفِ عنها، فيقول: إن كانت الفضيلةُ في الجَماعةِ، فإنَّ السَّلامةَ في العُزلَةِ (٢)!

стр. 668

فصل: وقد جاءَ النَّهيُ عن الانفرادِ الموجِبِ للبُعدِ عن العلمِ والجِهادِ للعدوِّ: أخبرنا ابن الحصَين، قال: أخبرنا أبو علي بن المذهب، قال: أنا أبو بكرِ بنُ مالِك، قال: نا عبد الله بن أحمدَ، قال: حدَّثَنِي أبي، قال: نا أَبُو المغِيرة، قال: نا مُعان بنُ رِفاعَة، قال: حدَّثني عِليُّ بن يزيدَ، عن القاسمِ، عن أبي أمامةَ، قال: خَرجنَا معَ رسولِ الله ﷺ في سريَّةٍ مِن سراياه، قال: فمرَّ رجلٌ بِغارٍ فيهِ شَيءٌ مِن ماءٍ، قال: فحدَّثَ نفسَه بأن يُقيمَ في ذلِك الغارِ فيَقُوتُهُ ما كانَ فِيهِ مِن ماءٍ (١)، ويُصيبُ ما حَولَه من البَقلِ، ويتخلَّى من الدُّنيَا، ثمَّ قال: لو أني أتيتُ نَبِيَّ الله ﷺ فذكرتُ ذلكَ له، فإن أذِن لي فعلْتُ وإلَّا لم أفعل، فأتاه فقال: يا نبيَّ الله إني مررتُ بغارٍ فيهِ ما يقوتُنى من الماءِ والبقلِ، فحدَّثتني نفسِي بأن أقِيم فيهِ وأتخلَّى من الدُّنيا. قال: فقال ﷺ : "إني لم أُبعَث باليهودِيَّةِ ولا بالنَّصرانِيةِ، ولكني بُعِثتُ بالحنيفية السَّمحة (٢)، والذي نفسُ

стр. 669

محمدٍ بيدهِ لَغَدوةٌ أو رَوحَةٌ في سبيلِ اللهِ خير من الدُّنيا وما فِيها، ولمُقامُ أحدِكُم في الصَّفِّ خيرٌ من صلاِتهِ ستِّين سَنة" (١).

стр. 670

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في التخشع ومطاطَأة الرأس وإقامة الناموس (١). قال المصنِّفُ ﵀: إذا سكنَ الخوفُ القلبَ أوجبَ خشوعَ الظَّاهرِ، فلا يَملِكُ صاحبُهُ دَفعَه، فتراه مطرِقًا متأدِّبًا متذلِّلًا، وقد كانوا يَجتَهِدونَ في سَترِ ما يَظهَرُ من ذلك، وكان محمدُ بن سِيرينَ يضحكُ بالنَّهارِ ويَبْكِي باللَّيلِ (٢). ولَسْنَا نأمُرُ العالِم بالانبِساطِ بينَ العوامِّ، فإنَّ ذلك يؤذيهِم، فقد روينا عن عليٍّ ﵁ إنَّه قال: إذا ذكرتُم العِلمَ فاكظِمُوا عليهِ، ولا تخْلِطُوهُ بضَحِكٍ، فتمَجَّهُ القلوبٌ (٣). ومثلُ هذا لا يُسمَّى رياءً؛ لأنَّ قلوبَ العوامِّ تضيقُ عن التَّأويلِ للعالِمِ إذا تفَسَّح في المُباح، فينبَغِي أن يلقاهُم بالصَّمتِ والأدَبِ، وإنَّما المذمومُ تكلُّف التخاشُعِ والتَّباكِي، ومطأطأ الرأسِ؛ ليُرى الإنسانُ بعينِ الزُّهدِ، والتهيُّؤ للمُصافَحَةِ وتقبيلِ اليد، وربَّما قيل له: اُدع لنا! فيتهيَّأ للدُّعاءِ، كأنه يستنزلُ الإجابة! وقد ذكرنا عن إبراهِيمَ النَخَعِي أنهُ قيل له: ادع لنا، فكرِهَ ذلكَ واشتدَّ عليهِ (٤).

стр. 671

وقدْ كانَ في الخائِفينَ مَن حَملهُ الخوفُ علَى شدة الذُّلِّ والحياءِ، فلَم يرفَع رأسَهُ إلى السَّماء، وليس هذا بفضِيلةٍ (١)؛ لأنَّه لا خشوعَ فوقَ خشوعِ رسول الله ﷺ . وفي صحيح مسلمٍ من حديثِ أبي مُوسَى قال: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ كثيرًا ما يرفعُ رأسَهُ إلى السَّماء (٢). وفي هذا الحديثِ دليل على استِحبابِ النَّظَر إلى السَّماءِ لأجْلِ الاعتبارِ بآياتِها، وقد قالَ الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ [ق: ٦] وقال: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]. وفي هذا ردٌّ علَى المتصوِّفِين بأنَّ أحدَهُم يبقَى سِنينَ لا ينظُر إلى السَّماء وقد ضمَّ هؤلاءِ إلى ابتداعهِم الرمزَ إلى التَّشبِيه (٣)، ولو علِمُوا أن إطراقَهُم كَرَفعِهِم في بابِ

стр. 672

الحيَاءِ مِن اللهِ تعالى لم يفعَلُوا ذلك، غيرَ أن شُغلَ إبليس التلاعُبُ بالجهَلَةِ، فأمَّا العُلماء فهو بعيدٌ عنهم، شديدُ الخوفِ منهُم؛ لأنهم يعرِفون جميعَ أمرِهِ، ويحترِزونَ مِن فُنون مكرِه. أخبرنا محمدُ بن ناصرٍ وعمرُ بنُ ظفر، قالا: أنا محمدُ بن الحسنِ الباقلَّاني، قال: أنا القاضي أبو العَلاء الواسِطِي، قال: أنا أبو نَصرٍ أحمدُ بن محمد النيازِكي، قال: حدَّثنا أبو الخَير أحمدُ بنُ محمد البزَّار، قال: ثنا البُخَاريُّ، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا محمدُ بنُ الفضل، قال: ثنا الوليدُ بن جميع، عن أبي سَلَمَة بن عبدِ الرحمن، قال: لَم يكن أصحابُ رسول اللهِ ﷺ متخوِّفِين (١) ولا مُتماوتين (٢)، وكانوا يتناشَدُون الشِّعر في مجالسِهم، ويذكُرُون أمرَ جاهليَّتِهم، فإذا أُريدَ أحدٌ منهم على شَيءٍ مِن أمرِ دينِهِ دارت حماليقُ عينَيهِ كأنهُ مجنونٌ (٣). أخبرنا عبدُ الوهَّاب الحافِظ، قال: أنا جَعفرُ بنُ أحمد، قال: أنا عبدُ العزيز بن الحسَنِ بن إسماعِيل الضَّرَّاب، قال: أنا أبِي، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مروان، قال: ثنا إبراهيمُ الحربي، قال: ثنا محمدُ بن الحارِثِ، عن المدائني، عن محمد بن عبدِ اللهِ القرشي، عن أبِيهِ، قال: نَظَر عُمرُ بنُ الخطابِ ﵁ إلى شابٍّ قد نكَّسَ رأسَه، فقالَ له:

стр. 673

يا هذا، ارفَع رأسَك! فإنَّ الخُشوعَ لا يزيدُ على ما في القَلبِ، فمن أظهَر للنَّاسِ خُشوعًا فوقَ ما في قَلبِه فإنما أظهَر نِفاقًا عَلى نِفاقٍ (١). أخبرنا عبدُ الوهَّاب، قال: أنا المُبارَكِ بن عبدِ الجبَّار، قال: أنا عليُّ بنُ أحمد الملطِي، قال: أنا أحمدُ بن محمد بن يوسُفَ، قال: أنا ابنُ صفوان، قال: أنا أبو بكرٍ القُرَشِي، قال: حدَّثني يعقوبُ بن إسماعِيل، قال: قال عبدُ اللهِ، عن المعتَمِر، عن كَهمَس بن الحسن، أن رجلًا تنفَّسَ عندَ عُمر بن الخطابِ رضي الله تعالى عنه، كأنَّهُ يتَحازَن، فَلَكزَه عُمر. أو قالَ: لكَمَهُ (٢). أخبرنا محمدُ بن ناصر، قال: أنا جعفرُ بنُ أحمد، قال: أنا الحسنُ بن عِليٍّ التمِيمِي، قال: أنا أبو بكر بن مالك، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أحمد، قال: حدَّثني أبي، قال: ثنا أسودُ بن عامرٍ، قال: أنا أبو بَكرٍ، عَن عاصِمِ بن كُلَيبٍ الجَرمِي، قال: لقِيَ أبي عبدَ الرحمن بنَ الأسود وهو يمشِي، وكان إذا مَشَى مَشَى إلى جَنبِ الحائطِ مُتَخشِّعًا هكذا، وأمالَ أبو بكرٍ عنقَهُ شيئًا، فقال أبي: ما لَكَ إذا مشيتَ مشيتَ إلى جنبِ الحائطِ؟ أمَا واللهِ إنْ كان عُمر ﵁ إذا مَشى لشدِيدُ الوطءِ على الأرضِ، جهوري الصَوت (٣).

стр. 674

أخبرنا محمدُ بن أبي طاهِر، قال: أنا أبو محمدٍ الجوهَري، قال: أنا ابن حَيُّويَه، قال: أنبأنا أبو الحسنِ بنُ معروفٍ، قال: حدثنا الحسينُ بنُ الفهمِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سعد يرفعُهُ إلى سُلَيمان بن أبي حثَمةَ، عن أبيهِ، قال: قالتِ الزَّرقاء (١) الشِّفاءُ بنتُ عبدِ اللهِ، ورَأت فِتيانًا يقصرونَ في المَشي، ويَتكلَّمونَ رُويدًا. فقالت: ما هذا؟ قالوا: نُسَّاك. قالت: كانَ - واللهِ - عمر ﵁ إذَا تكلَّم أسمعَ، وإذا مَشَى أسْرَعَ، وإذا ضَرَب أوجَعَ، وهو النَّاسِكُ حقًّا (٢)! قال المصنف ﵀: قلت: وقد كانَ السَّلَفُ يَستُرونَ أحوالَهُم ويتصنَّعُون بِتركِ التَّصنُّع: • وقد ذكرْنا عن أيوبَ السَّختِيانِي أنَّهُ كانَ في ثَوبِهِ بعضُ الطولِ يترُكُ التصنُّعَ لِسترِ حالِهِ (٣). • وكان سُفيانُ الثوريَّ يقولُ: لا أعتدُّ بما ظَهَر مِن عَمِلي، وقالَ لِصاحِبٍ لهُ رآهُ يُصلِّي: ما أجرأكَ! تُصَلِّي والناسُ يَرَونكَ (٤). • وأخبرنا محمدُ بن ناصِرٍ، قال: أنا عبدُ القادر بن يوسف، قال: أنا ابنُ المذهب، قال: أنا القطِيعِيُّ، قال: أنبأنا عبدُ الله بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله - يعنِي: السُّلَمِي -، قال: حدَّثنا بَقِيَّة، عن محمَّدَ بن زيادٍ، قال: مرَّ أبو أمامة برجُلٍ ساجِدٍ، فقال: يا لَها مِن سَجدةٍ لو كانَت فِي بَيتِك (٥)!

стр. 675

• أخبرنا أبو منصور القزَّاز، قال: أنبأنا أبو بَكرِ بن ثابتٍ، قال: أنبأنا الجَوهَرِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن العبَّاسِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسِم الأنبِارِي، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا يَحيى بنُ أيوبَ، قال: حدَّثنا شُعَيبُ بن حَربٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عُمارة، قال: كُنَّا فِي مجلسِ بعضِ العُلَمَاءِ، فقال رجُلٌ في المجلِسِ: آه! قال: فجَعلَ يتبَصَّرُهُ ويقول: مَن هَذا؟ حتَّى ظننَّا أنَّهُ لو عَرَفهُ أمَر بِهِ (١). • أخبرنا إسماعيلُ بن أحمدَ المُقرِئ قال: أنا حمدُ بن أحمد الحدَّاد، قالَ: أنا أَبُو نُعَيمٍ الحافِظ، قال: أخبَرَنا عبدُ اللهِ بن محمد بن جعْفَر، قال: نا عبدُ اللهِ بنُ محمد بن يعقوب، قالَ: نا أبُو حاتِمٍ، قال: نا حَرمَلة، قال: سمعتُ الشَّافِعِيَّ يقول: وَدعَ الذينَ إذا آتَوكَ تَنَسَّكُوا … وَإذَا خَلَوا فَهُم ذِئاب حِقافِ (٢) • أخبَرنا عبدُ الرَّحمن بن محمد القزَّاز، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ عليِّ بن ثابتٍ، قالَ: أخبَرنا أبو عُمَر الحسَنُ بنُ عُثمَان الواعِظ، قال: أخبَرنا جَعفَر بن محمد الواسِطِي، قال: أنا الحسينُ بن عُبَيدِ اللهِ الأبزارِي، قال: سمِعتُ إبراهيمَ بنَ سعيدٍ، يقول: كنتُ واقِفًا علَى رأسِ المأمونِ، فقال لي: يا إبراهيم. قلتُ: لبَّيكَ! قال: عَشَرةٌ مِن أعمالِ البرِّ لا يَصعَدُ إلى اللهِ - واللهِ (٣) - مِنهَا شَيءٌ، قلتُ: ما هِي يا أمِير المؤمِنين؟ فقال: بُكاءُ إبراهِيم بريهة علَى المِنبَر، وخشوعُ عبدِ الرَّحمن بن إسحاق، وتقشُّفُ ابنُ سَمَاعة، وصلاةُ ابنُ خيعويه باللَّيل، وصلاةُ عبَّاسٍ الضُّحَى، وصيامُ ابن السِّندِي

стр. 676

الإثنينِ والخَميس، وحديثُ أبي رجَاء، وقصصُ مرجّى (١)، وصَدَقَةُ حفصويه، وكتابُ اليَتَامَى لِعِلي بن قُرَيش (٢) (٣).

стр. 677

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك النكاح النِّكاحُ معَ خوفِ العَنَتِ واجِبٌ، ومِن غِير خوفِ العَنَتِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ عند جُمهورِ الفُقَهاء، ومَذهب أبي حَنِيفةَ وأحمدَ بن حَنبل أنهُ حِينئِذٍ أفضلُ مِن جَميعِ النَّوافِل؛ لأنَّهُ سببٌ في وُجودِ الوَلَد (١)، وقد قالَ ﵊: "تناكحُوا تناسلُوا" (٢). وقال ﷺ : "النكّاحُ مِن سُنَّتي، فمَن رَغِبَ عَن سُنَّتي فَلَيس مِنِّي" (٣). أخبرنا محمدُ بنُ أبي طاهِر، قال: أخبرنا الجَوهَرِيُّ، قال: أخبَرنا أبو عُمر بن حيويه، قال: أنا أحمدُ بنُ معروف، قال: نا الحسينُ بنُ الفَهمِ، قال: نا محمدُ بن سعدٍ، قال: أنا سلَيمانُ أبو داود الطَّيالِسِي، قال: أخبَرنا إبراهِيمُ بنُ سعدٍ، عن الزُّهري، عن

стр. 678

سعيدِ بن المسيَّب، عن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ، قال: لقد ردَّ رسولُ اللهِ ﷺ على عُثمان بن مظعون التبتُّل، ولو أذِنَ لهُ في ذلكَ لاختَصَينا (١). قال ابنُ سعدٍ: وأخبَرنا عفَّان، قال: أنا حمَّاد بنُ سَلَمةَ، عن ثابِتٍ، عن أنسِ بن مالكٍ: أنَّ نفَرًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ سألُوا أزواجَ النبي ﵇ عن عمَلِهِ في السِّرِّ، فأخبروهُم، فقال بعضُهُم: لا أتزوَّجُ النِّساء، وقال بعضُهُم: لا آكُلُ اللَّحمَ، وقال بعضُهُم: لا أنامُ على فِراشٍ وقال بعضُهُم: أصومُ ولا أفطِر فَحَمِدَ الله النبِيُّ ﵊، وأثنَى عليهِ، ثمَّ قال: "ما بالُ أقوامٍ قالوا كَذا وكَذا؟! لكِنِّي أُصَلِّي وأنام، وأصومُ وأفطِر، وأتزوَّجُ النِّساء، فمَن رغِبَ عن سُنَّتي فليس مِني" (٢). قال ابنُ سعدٍ: وأخبَرنا سعيدُ بنُ منصورٍ، قال: أخبَرنا أبو عَوانَة، عن عَطَاءِ بن السَّائب، عن سعيدِ بن جُبَير، قال: قال ابنُ عباسٍ ﵁: إنَّ خَيرَ هذهِ الأمَّةَ كانَ أكثرها نساءً (٣). قال ابنُ سعدٍ: وأخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن قَيسٍ، قال: نا مَنْدَل، عن أبي رجاءٍ الجَزَرِي، عن عثمانَ بن خالد، عن محمد بن مسلمٍ، قال: قال شدَّاد بنُ أوس: زَوِّجُوني؛ فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أوصانِي أن لا ألقَى اللهَ عزبًا (٤).

стр. 679

وأخبَرنا ابنُ الحُصَين، قال: أخبَرنا ابنُ المذهب، قال: أنا أحمدُ بن جَعفَر، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بن أحمد، قال: حدَّثني أبي، قال: نا عبدُ الرازق، قال: أنا محمدُ بن راشدٍ، عن مكحول، عن رجلٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: دخل على رسولِ اللهِ ﷺ رجل يقالُ له: عكَّافُ بن بِشرٍ التميمي، فقالَ له النبي ﷺ : "يا عكَّاف، هل لكَ مِن زوجَة؟ " قال: لا. قال: "ولا جَارِية؟ " قال: ولا جاريِة. قال: "وأنتَ موسِرٌ بِخَيرٍ؟ " قال: وأنا مُوسَرٌ. قال: "أنتَ إذًا من إخوانِ الشياطين، لو كنتَ من النَّصارى كنتَ مِن رُهبانِهِم، إن سُنَّتنا النِّكاح، شِرارُكم عُزَّابكم، وأراذِل موتاكم عزابكم أبالشَّياطين تَمَرَّسُون، ما للشَّيطانِ من سلاحٍ أبلَغُ في الصَّالحِين من النِّساء" (١). أخبرنا ابنُ الحصَين، قال: أنا ابن المذهب، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ جعفر، قال: أنا عبدُ اللهِ بن أحمد بن حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال: نا أيوبُ بنُ النجَّار، عن طيِّبِ بن محمدٍ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، عن أبي هريرة، قال: لعن رسولُ اللهِ ﷺ مُخَنِّثِي الرجالِ الذين يتشبَّهُون بالنِّساءِ، والمُترَجِّلاتِ من النِّساء المتشبِّهات بالرِّجال، والمتَبتِّلِين من الرِّجال الذين يقولُونَ: لا نَتزوَّج، والمتبتِّلاتِ من النِّساءِ اللَّاتي يقُلنَ ذلك (٢). أخبَرنا محمدُ بن ناصرٍ، قال: أخبَرنا عبدُ القادِر بن محمد، قال: أخبَرنا أبو بَكرٍ الخيَّاط، قال: أخبَرنا أبو الفتح بن أبي الفَوارِس، قال: أنا أحمدُ بن جعفرٍ الختِلي، قال:

стр. 680

نا أحمدُ بن محمدِ بن عبد الخالِق، قال: نا أبو بكرٍ المروذي، قال: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ أحمدَ بن حنبل، يقول: ليسَ العزوبة مِن أمرِ الإسلامِ في شَيء، النَّبي ﵊ تزوَّجَ أربعَ عشرةَ، وماتَ عن تسعٍ (١) (٢). ثم قال: لو كان بِشرُ بن الحارثِ تزوَّج كان قد تمَّ أمرُه كلُّه (٣). لو تركَ الناسُ النِّكاحَ لَم يَغْزوا ولم يَحُجُّوا، ولم يكُن كَذا ولم يكُن كذا، وقد كان النَّبِي ﵊ يصبح ومَا عِندهُم شَيءٌ (٤)، وكان يَختارُ النِّكاحَ ويحثُّ عَلَيهِ، ونَهى عن التبتُّل، فمَن رغِب عن فِعلِ النَّبي ﵊ فهو على غيرِ الحقِّ. ويعقوبُ ﵇ في حُزْنِه قد تزوَّج ووُلِد له، والنبي ﵊ قال: "حُبِّبَ إليَّ النِّساء" (٥). قلت: فإنَّ إبراهِيم بنَ أدهم يُحكَى عنهُ أنهُ قال: لروعة صاحبِ عيال (٦) فما قدِرتُ أن أُتِمَّ الحديثَ حتَّى صاحَ بِي، وقال: وقعنا في بنياتِ الطَّريقِ.

стр. 681

انظُر عافاكَ اللهُ ما كانَ عليهِ محمَّدٌ ﷺ وأصحابُه. قال: لَبُكاءُ الصَّبِيِّ بينَ يدَي أبيهِ يطلُبُ منهُ خُبزًا أفضلُ مِن كَذا وَكَذا، أينَ يلحَقُ المتعبِّدُ العزب (١)! فصل: وقد لَبَّس إبليسُ على كثيرٍ من الصوفيَّةِ فَمَنعهُم من النِّكاحِ، فقُدَماؤهُم تركُوا ذلك تشاغُلًا بالتَّعبُّدِ، ورأَوا النِّكاحَ شاغِلًا عن طاعةِ اللهِ (٢). وهؤلاءِ إن كانت بِهم حاجةٌ إلى النِّكاح، أو ثَمَّ نوع تشوُّقٍ إليهِ، فقد خاطَرُوا بأبدانِهم وأديانِهم، وإن لم يكُن بِهِم حاجةٌ إليهِ فقد فاتَهمُ الفضِيلة. وفي الصحيحِ من حِديثِ أبي هريرةَ ﵁ عن رسولِ الله ﷺ أنه قال: وفي بُضعِ أحدِكُم صدقةٌ. قالوا: يأتِي أحدُنا شهوتَهُ ويُؤجَر؟! قال: أرأيْتُم لو وضَعَها في حرامٍ أكانَ يأثَم؟ قالوا نعم. قال: أفتَحتِسبُون بالشَّرِّ ولا تحسبونَ بالخير! (٣). ومنهم مَن قال: النِّكاحُ يوجِبُ النَّفَقة، والكسْبُ صَعبٌ. وهذ حُجَّةٌ للتَّرَفُّهِ عن تَعبِ الكَسبِ. وفي الصَّحيح من حديثِ أبي هُريرةَ ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: دينارٌ أنفقتَهُ في سبيلِ اللهِ، ودينارٌ أَنفقتهُ في رقبة ودينارٌ تصدَّقتَ بهِ، ودينارٌ أنفقتَهُ على أهلِكَ، أفضلُها الدِّينارُ الذي أنفقتَه علَى أهلِكَ (٤).

стр. 682

ومنهم مَن قال: النِّكاحُ يوجِبُ المَيلَ إلى الدُّنيا: فَرُوِّينا عن أبي سُلَيمانَ الدَّارَانِي، أنَّهُ قال: إذا طلَبَ الرجلُ الحديثَ، أو سافَر في طلَبِ المعاشِ، أو تزوَّجَ فقد رَكَن إلى الدُّنيا (١). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: وهذا كلُّه مخالفَةٌ للشَّرعِ، وكيفَ لا يُطلَبُ الحديثُ والملائِكةُ تضعُ أجنحَتَها لطالبِ العلم (٢)؟! وكيف لا يُطلَبُ المعاشُ وقد قال عُمر بنُ الخطَّابِ ﵁: لأَنْ أموتَ بينَ شعبتي رحِلي أطلُب كفافَ وجهِي أحبُّ إليَّ مِن أن أموتَ غازِيًا في سبيلِ اللهِ! (٣). وكيف لا يتزوَّجُ وصاحبُ الشَّرعِ يقول: "تناكحُوا" (٤)؟!

стр. 683

فما أرَى هذهِ الأوضاعَ إلَّا عَلى خِلافِ الشَّرع. فأمَّا جماعةٌ مِن مُتأخِّرِي الصُّوفيَّةِ فإنهم تركُوا النِّكاحَ؛ ليُقَال: زاهدٌ. والعوامُّ تُعظِّم الصوفيَّ إذا لم تكُن لهُ زوجةٌ، فيقولونَ: ما عَرَف امرأةً قطُّ، وهذهِ رهبانيَّةٌ تخالِفُ شَرعَنا. وقال أبو حامدٍ الطُّوسِي: ينبَغِي أن لا يَشغلَ المُريدُ نفسَهُ بالتَّزوِيج، فإنه يَشغَلُهُ عن السُّلوك، ويأنسُ بالزوجة، ومن أنِسَ بغيرِ اللهِ، شُغِلَ عن اللهِ تعالى (١). وإني لأتعجَّبُ مِن كلامهِ، أتراهُ ما علِم أن مَن قَصدَ إعفافَ نفسِهِ، أو وجود ولدٍ، أو إعفافَ زوجتِهِ فإنَّه لم يخرُج عن جادَّةِ السُّلوك؟! أو يرى الأنسَ الطبيعِي بالزَّوجةِ يُنافِي أنسَ القلوب بطاعةِ اللهِ تعالى؟! واللهُ تعالى قد منَّ على الخلقِ بقولهِ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، وفي الحديثِ الصَّحيحِ عن جابرٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال لهُ: هلَّا تزوَّجتَ بِكرًا تُلاعِبُها وتلاعِبك (٢)! وما كانَ بالذِي يدُلُّهُ علَى ما يقطعُ أُنسَهُ باللهِ تعَالى. أترى رسولَ اللهِ ﷺ لمَّا كانَ ينبسِطُ إلى نِسائِهِ ويُسابِق عائشةَ ﵂ (٣)، أكانَ خارِجًا

стр. 684

مِن الأُنسِ باللهِ؟! هذهِ كلُّها جَهَالاتٌ بالعِلم! فصل: وأعلم أنهُ إذا دامَ تركُ النِّكاحِ بشُبَّانِ الصوفيَّةِ أخرجَهُم إلى ثلاث أنواع: النَّوعُ الأوَّل: المرضُ بحبسِ الماءِ، فإنَّ الماءَ إذا طالَ احتقانُهُ تصاعَدَ إلى الدِّماغِ منهُ سُمِّيُّه. قالَ أبو بَكرٍ محمدُ بنُ زكريَّا الرَّازِي: أعرفُ قومًا كانوا كثيري المنِي، فلمَّا منعُوا أنفُسَهُم مِن الجِماعِ لِضربٍ من التَّفلسُفِ بردَت أبدانُهم، وعَسَرت حركاتُهم، ووقعت عليهم الكآبةُ بلا سببٍ، وعَرَضَت لهم أعراضُ الماليخوليا، وقلَّتْ شهواتُهم وهضمهُم. قال: ورأيتُ رجُلًا تركَ الجِماعَ ففَقَدَ شهوةَ الطعامِ، وصارَ إن أكَلَ القليلَ لم يسْتمرِه وتقيَّأه، فلمَّا عادَ إلى عادتِهِ من الجِماعِ سَكنتْ عنهُ هذهِ الأعراضُ سرِيعًا (١).

стр. 685

النَّوعُ الثاني: الفِرارُ إلى المتروكِ، فإنَّ منهُم خلقًا كثِيرًا صابَروا تَركَ النِّكاح، فاجتمَعَ الماءُ فأقلق فتزوَّجُوا، ولابَسُوا من الدُّنيا أضعافَ ما فرُّوا منه، فكانوا كَمَن أطالَ الجُوعَ ثمَّ أكلَ ما تركَ في زمنِ التَّصَبُّر. النَّوعُ الثالث: الانحرافُ إلى صُحبَةِ الصِّبيانِ، فإنَّ قومًا منهُم آيسوا أنفُسَهم من النِّكاحِ، فأقْلَقَهُم ما اجتمَع عِندَهُم، فصارُوا يرتاحُون إلى صُحبَة المُرد. فصل: وقد لبسَ علَى قومٍ منهُم تزوجوا، وقالُوا: إنَّا لا ننكِحُ شَهوةً، فإن أرادُوا أنَّ الأَغلبَ في طلبِنا النِّكاحَ إرادةُ السُّنة جازَ، وإنْ زَعمُوا أنَّهُ لا شَهوةَ لهُم في نفسِ النكاحِ فمُحالٌ ظاهِرٌ. فصل: وقد حمَلَ الجهلُ أقوامًا فجَبُّوا أنفسَهُم (١)، وزَعموا أنَّهم فعلُوا ذلكَ حياءً مِن اللهِ تعالى، وهذهِ غايةُ الحماقَةِ، لأنَّ اللهَ تعالَى شرَّفَ الذَّكر على الأُنثَى بهذهِ الآلةِ (٢)، وخلَقَها لتكونَ سببًا للتَّناسُل، والذي يَجُبُّ نفسَهُ يقولُ بلِسانِ الحال: الصَّوابُ ضدُّ هذا، ثم قَطْعُهُم الآلةَ لا يُزِيلُ شَهوةَ النِّكاحِ من النفسِ، فما حَصَل مقصودُهُم!

стр. 686

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك طلبِ الولد • أخبرنا المحمَّدان: ابن ناصرٍ وابنُ عبدِ الباقي قالا: أخبرَنا حمدُ بنُ أحمدَ، قال: أنا أبو نُعَيم أحمدُ بنُ عبدِ الله، قال: نا إسحاقُ بن أحمدَ، قال: نا إبراهيمُ بنُ يوسُف، قال: نا أحمدُ بن أبي الحَوارِي، قال: سمعتُ أبا سُلَيمان الدَّارَانِي يقول: الذِي يريدُ الولَدَ أحمق، لا لِلدُّنيا ولا لِلآخِرةِ، إن أرادَ أن يأكُلَ أو ينامَ أو يُجامِع نغَّصَ علَيهِ، وإِذا أرادَ أن يتعبَّدَ شَغَلَه (١). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: وهذا غلَطٌ، وبيانُهُ أنَّه لمَّا كانَ مرادُ اللهِ تعالى مِن إيجادِ الدُّنيا اتصالَ دوامِها إلى أن ينقَضيَ أجَلُها، وكانَ الآدمِيُّ غيرَ مُمتدِّ البَقَاءِ فيها إلَّا إلى أمَدٍ يسيرٍ، أخْلَفَ اللهُ تعالَى منهُ مِثلَهُ فحثَّه على تسبُّبِه في ذلك، تارةً مِن حيثُ الطَّبعِ باتقاد نارِ الشَّهوة، وتارة من بابِ الشَّرعِ بقولهِ تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وقولِ الرَّسولِ ﷺ : "تناكحُوا تناسلُوا؛ أباهي بِكُم الأممَ يومَ القيامةَ ولو بالسَّقطِ" (٢). وقد طلبَ الأنبياءُ عليهمُ الصَّلاةُ والسَّلام الأولادَ، وتسبَّبَ الصَّالحونَ إلى وجودِهم، ورُبَّ جماعٍ حدَثَ منهُ ولدٌ كالشَّافِعي وأحمد، كان خيرًا مِن عِبادَةِ ألفِ سنةٍ. وقد جاءَ الخَبَر بإثابةِ المباضِع والمنفِقِ على الأولادِ، ومن يموتُ لهُ ولدٌ، ومَن يُخَلِّفُ ولدًا بعدَهُ (٣)، فمَن أعرضَ عن طلَبِ الأولادِ فقد خالفَ المسْنُونَ والأفضَلَ،

стр. 687

وإنما يطلُبُ طريقَ الرَّاحَة. • أخبَرنا عُمَر بن ظَفر، قال: أخبَرنا جَعفَر بن أحمد بن السَّراج، قال: أنا أبُو القاسِم الأزجي، قال: ثنا ابنُ جهضَم، قال: نا الخلدِي، قال: سمعتُ الجُنَيدَ يقول: الأولادُ عقوبةُ شهوةِ الحلالِ، فما ظنكم بعقوبةِ شهوةِ الحَرام (١). قال المصنِّفُ ﵀ قلت: وهذا غلَط، فإنَّ تسميةَ المباحِ عُقوبةً لا يحسُن؛ لأنهُ لا يباحُ شيءٌ ثم يكونُ ما يتجدَّد منهُ عقوبةً، ولا يُندَبُ إلى شيءٍ إلَّا وحاصلُهُ مثوبةٌ.

стр. 688

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الأسفارِ السياحة قال المصنِّفُ: قد لبَّسَ على خلقٍ كثيرٍ منهم، فأخرجَهم إلى السِّياحةِ لا إلى مكانٍ معروفٍ ولا إلى طلبِ علمٍ، وأكثرُهم يخرُجُ علَى الوحدَةِ، ولا يستصحِبُ زادًا، ويدَّعِي بذلكَ الفعلِ التوكلَ! فكم تفوتُهُ من فريضةٍ وفضيلةٍ، وهو يرى أنهُ في ذلكَ على طاعةٍ، وأنهُ يقرُبُ بذلك مِن الولايةِ، وهو من العُصاةِ المخالِفِين! وأما السياحة والخروجُ لا إلى مكانٍ مقصودٍ فقَد نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن السَّعي في غيرِ أرَبٍ: • أخبَرنا محمدُ بنُ ناصر، قال: أخبرنا المبارَكِ بن عبدِ الجبار، قال: أنا إبراهيمُ بن عُمر البرمَكِي، قال: أنا بن حيويه، قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد الرَّحمن السُّكَّري، قال: سمِعت أبا محمدِ بن قُتَيبة، يقول: حدَّثني محمدُ بن عبيد، عن مُعاويةَ بن عمرو، عن أبي إسحاق، عن سفيانَ عن ابن جُرَيجٍ، عن الحسنِ بن مسلمٍ، عن طاووس، أن رسول الله ﷺ قال: "لا زِمامَ، ولا خِزامَ، ولا رَهبانِيَّة، ولا تبتُّلَ، ولا سِياحةَ في الإسلام" (١). قال ابنُ قتيبة: الزِّمامُ: في الأنفِ، والخِزامُ: حلقةٌ من شعرٍ يُجعَلُ في أَحَدِ جانِبَي المِنخَرَين. وأراد ﷺ ما كانَ عبَّادُ بني إسرائيلَ يفعلونَهُ مِن حَرْقِ التَّراقي، وزمِّ الأنوف. والتبتُّلُ: تركُ النِّكاح، والسِّياحةُ: مفارَقَةُ الأمصارِ والذَّهابُ في الأرض (٢).

стр. 689

• وروى أبو داوردَ في سُننِهِ من حديثِ أبي أُمامةَ أن رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، ائذن لي في السِّياحةِ! فقال النبي ﷺ : "إنَّ سياحَةَ أُمَّتي الجهادُ في سبيلِ اللهِ" (١). • قال المصنِّفُ ﵀: وقد ذكَرتا فيما تقدَّم من حديثِ عُثمانَ بن مظعون أنه قال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ نفسِي تُحدِّثُني أن أسِيحَ في الأرض. فقال: "مهلًا يا عُثمان، فإنَّ سياحةَ أمَّتي الغزوُ في سبيلِ الله والحجُّ والعُمرة" (٢). • وقد روَى إسحاقُ بنُ إبراهيم بن هانئ، عن أحمد بن حنبل أنهُ سُئلَ عن الرَّجلِ يسيحُ يتعبَّدُ أحبُّ إليك أو المقامُ في الأمصار؟ قال: ما السِّياحةُ من الإسلامِ

стр. 690

في شَيءٍ، ولا مِن فِعل النبيِّين ولا الصَّالحين (١). فصل: وأما الخروجُ على الوحدةِ، فقد نَهى رسولُ اللهِ ﷺ أن يسافِر الرجلُ وحدَه (٢): • فأخبَرنا عبدُ الرحمن بن محمد، قال: أنا أحمدُ بن علي بن ثابتٍ، قال: أنا محمدُ بن الطيِّب الصبَّاغ، قال: أخبَرنا أحمد بن سَلمَان النجَّاد، قال: نا يحيى بنُ جعفر بن أبي طالبٍ، قال: نا عليُّ بنُ عاصمٍ، قال: نا عبدُ الرحمن بنُ يزيد (٣)، قال: نا عَمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "الراكبُ شيطانٌ، والراكِبان شيطانانِ، والثلاثة رَكْبٌ" (٤). • أخبرنا هِبةُ اللهِ بن محمد، قال: أخبَرنا الحسَنُ بن عِلي، قال: أنا أحمدُ بنُ جعفر، قال: نا عبدُ اللهِ بن أحمد، قال: حدَّثني أبي، قال: نا أيوبُ بنُ النَّجار، عن

стр. 691

طيِّبِ بن محمدٍ، عن عطاء بن أبي رباحٍ، عن أبي هريرةَ قال: لعن رسولُ اللهِ ﷺ راكبَ الفَلاةِ وحدَهُ (١). فصل: وقد يمشُون بِاللَيلِ أيضًا على الوحدَةِ، وقد نُهِىَ عن ذلك: • وأخبَرنا ابنُ الحُصَين، قال: أنَا ابنُ المذهب، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ جعفر، قال: نا عبدُ اللهِ بنُ أحمد، قال: حدَّثني أبي، قال: نا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال: نا عاصِمٌ، عن أبيه، عن ابن عُمرَ ﵄ قال: قال النَّبي ﷺ : "لو يعلمُ الناسُ ما في الوحدَةِ ما سار أحدٌ وحدَه بِلَيلٍ أبدًا" (٢). • قال عبدُ اللهِ: وحدَّثني أبي، قال: نا محمدُ بن أبي عَديٍّ، قال: نا محمدُ بن إسحاقَ، عن محمد بن إبراهيم، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أقِلُّوا الخروجَ إذا هدَأتِ الرِّجْلُ؛ فإنَّ اللهَ يبُثُّ في لَيلهِ من خلقِه ما شَاء" (٣).

стр. 692

فصل: وفيهِم مَن جعلَ دأبَهُ السفَرَ، والسَّفرُ لا يُرادُ لنفسِهِ، قال النبي ﷺ : "السَّفرُ قطعةٌ من العذاب، فإذا قَضى أحدُكُم نَهمَتهُ من سَفَرهِ فليَعْجَل إلى أهلِهِ" (١). وقال المصنِّفُ: فمن جعلَ دأبَهُ السَّفرَ فقد جَمَع بينَ تضيِيعِ العُمُرِ وتعذِيبِ النَّفس، وكِلاهما مقصودٌ فاسِد: أنبأنا عبدُ المنعِم بن عبدِ الكريم، قال: نا أبي، قال: سمعتُ محمدَ بنَ الحسَينِ، يقول: سمعتُ أبا الطيِّبِ العكي، يقول: سمعتُ أبا الحسَنِ المصرِيَّ، يقول: سمعتُ أبا حمزةَ الخُرَسانِيَّ يقول: كنتُ قد بقيتُ محرِمًا في عباءٍ أسافِرُ كلَّ سنَةٍ ألفَ فرسَخٍ، تطلُعُ الشمسُ عليَّ وتغرُب، كلَّما أحلَلتُ أحرَمتُ (٢).

стр. 693

ذكر تلبيسِه عليهِم في دخولِ الفَلاة بغيرِ زاد قال المصنِّفُ ﵀: قد لَبَّسَ على خلقٍ كثيرٍ منهُم، فأوهَمَهُم أن التوكُّلَ تركُ الزَّادِ، وقد بيَّنَّا فسادَ هذا فيما تقدَّم، إلَّا أنهُ قد شاعَ هذا في جَهَلَةِ القوم، وجاءَ حمقَى القُصَّاصِ يحكُونَ ذلك عنهُم على سبِيلِ المدحِ لهُم، فيتضمَّنُ ذلكَ تحرِيضَ المبتَدِئينَ علَى مثلِ ذلكَ، وبأفعالِ أولئِكَ، ومدحِ هؤلاءِ لهَا فسَدَت الأحوال، وخفِيَت على القوم طريقُ الصَّوابِ! والأخبارُ عنهم بذلكَ كثيرةٌ، وأنا أذكُرُ منها نُبذةً: • أنبأنا محمدُ بنُ عبدِ الملك، قال: أنبأنا أبو بَكرٍ الخطيب، قال: أنا رِضوانُ بنُ محمد الدينَوَرِي، قال: نا طاهِرُ بن عبدِ الله، قال: نا الفضْلُ بن الفضلِ الكندِي، قال: حدَّثني أبو بكرٍ محمدُ بن عبدِ الواحِد بن جعفرٍ الواسِطِي، قال: نا محمدُ بن التيَّاح، عن عليِّ بن سهلٍ البصري، قال: أخبَرني فتحٌ الموصِلِيُّ، قال: خرجْتُ حاجًّا، فلمَّا توسطتُ البادِيةَ إذا أنا بغُلامٍ صغيرٍ، فقلتُ: يا عَجَبًا! بادِية بَيداء، وأرضٌ قِفَار، وغلامٌ صغيرٌ! فأسرعْتُ فلَحِقتُهُ فسلَّمتُ علَيهِ، ثمَّ قلتُ: يا بُنَي إنك غلامٌ صغيرٌ لم تَجرِ عَليكَ الأحكامُ. قال: يا عمّ، قد ماتَ من كانَ أصغرَ سِنًّا منِّي، فقلت: وسِّع خُطاكَ؛ فإنَّ الطريقَ بعيدٌ حتَّى تلحَقَ المنزِلَ. فقال: يا عمّ، علَيَّ المشيُ، وعلى اللهِ البلاغُ، أما قَرأتَ قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. قلتُ: ما لي لا أرى مَعكَ زادًا ولا راحِلَة؟! فقال: يا عمّ، زادي يقِيني وراحِلَتِي رَجائِي. قلت: سألتُكَ عن الخُبزِ والماءِ. قال: يا عمّ، أخبِرْني لو أن أخًا من إخوانِكَ أو صدِيقًا من أصدِقائِكَ دعاكَ إلى منزِله، كنت تَسْتَحْسِنُ أنْ تحمِلَ معكَ طعامًا فتأكُلَهُ في منزِلهِ؟ فقلت: أزوِّدُكَ. فقال: إليكَ عنِّي يا بطَّال، هُو يُطعِمُنا ويسقِينا.

стр. 694

قال فتح: فمَا رَأيتُ صغيرًا أشدَّ توكُّلًا منه (١) (٢)! قال المصنِّفُ ﵀: قلت: بِمثلِ هذهِ الحكايةِ تَفسُدُ الأمورُ، ويُظَنُّ أنَّ هَذا هُو الصَّواب، ويقولُ الكبيرُ: إذا كان الصغِيرُ قد فعلَ هَذا فأنَا أحقُّ بِفِعلهِ. وليسَ العَجَبُ من الصَّبِيِّ، بل من الذي لقِيهُ كيفَ لم يُعَرِّفْهُ أن هذا الذِي يفعلُهُ مُنكرٌ! وأن الذي استدعاكَ أمرَكَ بالتزوُّدِ، ومن مالِهِ تتزوَّد، ولكِن قد مَضَى على هذا كِبارُ القَومِ، فكيف الصِّغار؟! • أخبَرنا أبو مَنصورٍ القزَّاز، قال: أنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عليٍّ الحافِظ، قال: أخبَرنا أبو نُعَيمٍ الأصبَهانِي، قال: سمعتُ محمدَ بنَ الحسنِ بن عليٍّ اليَقْطِيني، يقولُ: حضرتُ أبا عبدِ الله بن الجلاءِ، وقيل له: هؤلاءِ الذين يدخُلُونَ البادِيةَ بلا زادٍ ولا عدّة، يزعُمُونَ أنَّهم متوكِّلة، فيمُوتونَ، فقال: هذا فِعلُ رجالِ الحقِّ، فإن مَاتُوا فالدِّيةُ على القاتِلِ (٣). • أخبَرنا ابنُ ناصر، قالَ: أنبأنا أحمدُ بن عليِّ بن خَلَفٍ، قال: أنا أبو عبدِ الرحمن السُّلَمِي، قال: سمعتُ أبا الحسَينِ الفارِسِيَّ يقول: سمعتُ أحمدَ بن عليٍّ يقول: قالَ رجلٌ لأبي عبدِ الله بن الجلاء: ما تقولُ في الرَّجلِ يدخُلُ البادِيةَ بلا زادٍ؟ قال: هذا مِن فِعل رجالِ اللهِ. قال: فإن ماتَ؟ قال: الدِّيةُ على القاتِل (٤).

стр. 695

قال المصنِّفُ ﵀: قلت: هذه فتوى جاهلِ بالشَّرعِ؛ إذ لا خِلافَ بينَ فُقَهاء الإسلام أنهُ لا يجوزُ دخولُ البادِيةِ بغيرِ زادٍ، وأنَّ فَي فَعَلَ ذلك فماتَ بالجوعِ فإنهُ عاصٍ للهِ تعالى، مستحقٌّ لدخولِ النار. وكذلكَ إذا تعرَّضَ بما غَالِبهُ العَطَب، فإنَّ اللهَ جعلَ النفوسَ وديعةً عندنا، قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقد تكلَّمْنا فيما تقدَّمَ في وجوبِ الاحترازِ مِن المؤذِي، ولَو لم يَكُن للمسافِر بِغَيرِ زادٍ إلَّا أنهُ خالَفَ أمرَ اللهِ في قولِهِ: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة: ١٩٧]. • أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: أخبرنا أبو سعدِ بن أبي صادقٍ، قال: أنا ابنُ باكويه، قال: سمعَ أبا أحمد الكبير، يقول: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ بن خفيفٍ يقول: خرجْتُ مِن شِيراز في السَّفْرةِ الثالِثة، فتُهْتُ في البادِيةِ وحدِي، وأصابَنِي من الجوعِ والعَطَشِ ما أسقَطَ مِن أسنانِي ثمانَيةً، وانْتَثَر شَعرِي كُلُّهُ (١). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: هذا قد حكى عن نفسِهِ ما ظاهِرُهُ المدح عَلى ما فَعلَ، والذَّمُّ حاق به. • أخبَرنا أبو منصورٍ القزَّاز، قال: أخبَرنا أحمدُ بن عِلي بنِ ثابتٍ، قال: أخبَرنا عبدُ الكرِيم بن هَوزان، قال: سمعتُ أبا عبدِ الرحمن السُّلَمِيَّ يقولُ: سمعتُ محمدَ بن عبد اللهِ الواعظَ، وأخبَرنا أبو بكرِ بن حبيب، قال: أنا أبو سعدِ بن أبي صادقٍ، قال: أنا أبو عبدِ اللهِ بن باكويه واللفظُ له، قال: نا أبو الفضلِ يوسفُ بنُ عليٍّ البَلخِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بنِ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنِي خيرًا النَّساج، قال: سمعتُ أبا حَمزةَ الصُّوفِي يقول: إني لأستحي من اللهِ تعالى أنْ أدخُلَ البادِيةَ وأنا شبعانٌ، وقد

стр. 696

اعتقَدتُ التوكُّلَ؛ لئلَّا يكونَ شبْعِي زادًا تزوَّدتُهُ (١). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: وقد سبقَ الكلامُ على مثلِ هذا، وأنَّ هؤلاءِ القومَ ظنُّوا أنَّ التوكُّلَ تركُ الأسباب، ولو كانَ هكذا كان رسولُ اللهِ ﷺ حينَ تزوَّدَ لمَّا خرجَ إلى الغارِ قد خرَجَ من التوكُّلِ (٢)، وكذلك مُوسَى لمَّا خَرجَ لِطلَبِ الخِضرِ، فتزوَّدَ حُوتًا (٣)، وأهلُ الكَهفِ حينَ خرجُوا فاستَصْحَبوا درَاهِم. وإنما خفِي معنَى التوكلِ على هؤلاءِ فجهلوهُ! وقد اعتذرَ لهُم أبو حامدٍ، فقال: يجوزُ دخولُ المَفَازَةِ بِغيرِ زادٍ، بِشَرطَين: أحدههما: أن يكونَ الإنسانُ قد راضَ نفسَهُ، بِحيثُ يُمكِنُهُ الصَّبرُ عن الطَّعامِ أسبُوعًا ونحوه. والثاني: أن يُمكِنَهُ التقوُّتُ بالحَشِيشِ، ولا تَخْلُوا البادِيةُ من أن يلقَاهُ آدمِيٌّ بعدَ أسبوعٍ أو ينتهِي إلى حُلَّةٍ أو حَشيشٍ يُزجِي بِهِ وقتَه (٤). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: أقبحُ ما في هذا القولِ أنهُ صدرَ مِن فَقِيهٍ! فإنهُ قد لا يَلقَى أحَدًا، وقد يَضِلُّ، وقد يَمرَضُ فلا يَصلُحُ لهُ الحشِيشُ، ويتعرَّض لمَن لا يُضَيِّفُهُ، وتفوتُهُ الجماعَةُ قَطعًا، وقد يموتُ فلا يليه أحدٌ. ثم قد ذكرنا مَا جاءَ في الوحدَةِ وما المُحْوِجُ إلى هِذ المِحَن أنْ يعتَمِدَ فِيها عَلى عادةٍ أو لقاءِ شخْصٍ، أو الاجتزاءِ بحشِيشٍ؟! وأيُّ فضيلةٍ في هذهِ الحالةِ حتى يُخَاطِر

стр. 697

فيها بالنَّفسِ؟! وأين أمرُ الإنسانِ أن يتقوَّتَ بحشيشٍ؟! ومَن فعلَ هذا مِن السَّلفِ؟! وكأنَّ هؤلاءِ القومِ يُجرِّبونَ على اللهِ سُبحانهُ هل يرزُقُهُم في البادِيةِ؟! ومَن طلبَ الطعامَ في البرَّيةِ فقد طلبَ ما لَم تَجرِ المعادةُ بهِ، ألَا تَرى أنَّ قومَ مُوسى ﵇ لمَّا سَألوا مِن بُقُولهِا وقِثَّائِها قيلَ لَهُم: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١]؛ وذلكَ لأنَّ الذي طلبُوهُ في الأمصار. وهؤلاءِ القومُ على غايةِ الخطأ في مخالفةِ الشَّرعِ والعقلِ والعمَلِ بواقعات (١) النفس: • أخبرنا محمدُ بن ناصر، قال: أخبَرنا المُبارَك بن عبدِ الجبَّار، قال: أخبَرنا عبدُ العزيز بن عليٍّ الأزجِي، قال: أخبرنا إبراهيمُ بن محمد بنِ جعفر السَّاجِي، قال: أخبَرنا أبو بَكرٍ عبدُ العزيز بن جعفر، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بن محمد الخلَّال، قال: أخبَرنا الحسَنُ بنُ أحمدَ الكَرمَاني، قال: نا أبو بَكرٍ، قال: نا شَبَابة، قال: نا ورقاءُ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن عِكرِمة، عن ابنِ عباسٍ ﵄ قال: كان أهلُ اليمَنِ يحجُّونَ ولا يتزوَّدون، ويقولون: نحنُ مُتوكِّلونَ. فيحُجُّون فيأتونَ إلى مَكَّة فيسألونَ النَّاس، فأنزلَ اللهُ : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] (٢). • أخبرنا أبو المعمرِ الأنصارِي، قال: أخبَرنا يَحيى بنُ عبدِ الوهَّاب بن منده، قال: أنا أبو طاهر محمدُ بن أحمد بن عبدِ الرحيم، قال: أنا أبو محمد بن حيَّان، قال: نا أبو بكرٍ أحمدُ بن هارون البَردِيجِي، قال: نا عبدُ الله بن الأزهَر، قال: نا أبو أسباط، قال: نا محمدُ بن موسَى الجُرجَاني، قال: سألتُ محمدَ بن كثيرٍ الصنعاني عن الزُّهَّادِ

стр. 698

الذين لا يتزوَّدون ولا يَنتَعِلون ولا يلبَسُونَ الخِفاف، فقال: سألتَني عن أولادِ الشَّياطين، ولم تسألني عنِ الزُّهاد! فقلت له: فأيُّ شيءٍ الزُّهد؟ قال: التمسُّكُ بالسُّنةِ، والتشبُّهُ بأصحابِ محمد ﷺ (١). • أخبَرنا محمدُ بن ناصر، قال: أنا أبو الحسَين بن عبدِ الجبَّار، قال: أخبَرنا عبدُ العزِيز بن عليٍّ الأزجِي، قال: أنا إبراهيمُ بن محمد السَّاجِي، قال: أنا أبو بَكرٍ عبدُ العزيز بن جعفر، قال: أنا أبو بَكرٍ أحمدُ بن محمد الخلَّال، قال: أنا أحمدُ بن الحسَين بن حسَّان، أنَّ أبا عبدِ الله أحمدَ بنَ حنبل سُئِل عن الرَّجلِ يدخُلُ المفازَةَ بِغيرِ زادٍ؟ فأنكرَهُ إنكارًا شديدًا، وقال: أُفٍّ أُفٍّ، لا لا -ومدَّ بِها صوتَهُ- إلَّا بِزادٍ ورُفَقَاءَ وقافِلةٍ (٢). • قال الخلَّال: وقال أبو بكرٍ المرُّوذِي: جاء رجلٌ إلى أبي عبدِ الله، فقال: رجلٌ يريدُ سفرًا، أيما أحبُّ إليكَ: يحمِلُ معهُ زادًا، أو يتوكَّل؟ فقال له أبو عبدِ الله: يحمِل معهُ زادًا ويتوكَّل (٣). • قال الخلَّال: وأخبَرني إبراهيمُ بن الخلِيل أنَّ أحمدَ بنَ نصرٍ حدَّثهم أنَّ رجُلًا سألَ أبا عبدِ الله، أيَخْرُجُ الرَّجلُ إلى مَكَّة مُتوكِّلًا لا يحمل معهُ شيئًا؟ قال: لا يعجبُني، فمِن أين يأكلُ؟! قال: يتوكَّل فيعطِيه الناسُ. قال: فإذا لم يُعطُوهُ! أليسَ يستشرِفُ لهُم حتَّى يُعطُوه؟! لا يُعجِبُني هذا. لم يبلُغنِي أنَّ أحدًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ والتابِعينَ رضوانُ اللهِ علَيهِم فَعلَ هذا (٤).

стр. 699

• قال الخلَّال: وأخبَرنا محمدُ بن عليٍّ السَّمسار، أنَّ محمدَ بنَ موسى بن مشيشٍ حدَّثهم أنَّ أبا عبدِ اللهِ سألهُ رجلٌ فقالَ: أحُجُّ بلا زاد؟ فقال: لا، اعمل واحترف واخرج؛ النبيُّ ﷺ قد زوَّد أصحابَه. فقال: فهؤلاءِ الذين يغزُونَ ويحُجُّون بلا زادٍ هُم على الخَطأ؟ قال: نعم، هُم على الخطأ (١). • قال الخلَّال: وأخبَرني محمدُ بنُ أحمد بن جامع الرَّازِيَّ، قال: سمعتُ الحسَين بن الحسن الرَّازِي قال: شهِدتُ أحمدَ بن حنبل جاءهُ رجلٌ من أهلِ خُراسان، فقال له: يا أبا عبدِ الله! معِي دِرهمٌ، أحجُّ بهذا الدرهم؟ فقال له أحمد: اذهب إلى بابِ الكرخِ، فاشتر بهذا الدِّرهم مَنًّا (٢)، واحمل على رأسِك حتَّى يصيرَ عِندكَ ثلاثمائة درهم، فإذا صار عندك ثلاثمائة دِرهمٍ فحُجَّ. قال: يا أبا عبدِ اللهِ، ما ترى مكاسِبَ الناس؟! قال أحمد: انظُر إلى هَذا الخبِيثِ (٣)! يُريدُ أن يُفسِدَ على النَّاس معايِشَهم. قال: يا أبا عبدِ الله، أنا متوكِّل. قال: فتدخُلُ البادِيةَ وحدَكَ، أو معَ الناس؟ قال: لا معَ النَّاس. قال: كذبتَ، ليس أنت متوكِّل، فادخل وحدكَ وإلَّا فأنتَ متوكِّلٌ على جُرُب النَّاس (٤).

стр. 700

سياق ما جرى للصوفية في أسفارِهم وسياحاتهِم من الأفعال المخالفَة للشرع • أخبَرنا أبو مَنصورٍ عبدُ الرحمن بنُ محمد القزاز، قال: أخبرنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ علي بن ثابت، وأخبرَنا محمد بن عبدِ الباقي، قال: أخبرنا حَمَد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: ثنا أحمدُ بن محمدِ بن مقسم، قال: حدَّثني أبو بدر الخيَّاط الصُّوفي، قال: سمعتُ أبا حمزةَ يقول: سافرتُ سَفرةً على التوكُّل، فبينما أنا أسير ذاتَ ليلةٍ والنومُ في عَيني، إذ وقعتُ في بِئرٍ، فَرَأيتُني قد حصلتُ فيها، فَلم أقدِر على الخروج لبُعدِ مُرْتَقَاها، فجلستُ فيها، فبينما أنا جالِسٌ إذ وقفَ على رأسها رجُلان، فقال أحدهما لصاحبه: نجوزُ ونترُكُ هذهِ البئر في طريقِ السابِلة والمارة فقال الآخر: فما نصنع؟ قال: فبدرت نفسي أن تقولَ: أنا فِيها، فنُوقِرْتُ (١): تتوكَّلُ علينا وتشكُو بَلاءَنا إلى سِوانَا. فسكتُّ، فمَضَيا ثمَّ رَجَعا ومعهما شيءٌ، فجَعَلاهُ على رأسِهَا، غطَّوها بِه فقالَت لِي نَفسِي: أمِنتَ طمَّها ولكِن حصلتَ مسجُونًا فيها. فمكَثْتُ يومِي ولَيلَتِي، فلمَّا كانَ الغدُ نادانِي شَيءٌ يهتِفُ بي ولا أراهُ: تمَسَّك بِي شدِيدًا. فمدَدتُ يدِي فوقَعَت عَلَى شَيءٍ خشِنٍ، فتمسَّكْتُ بهِ، فعَلاها وطَرَحنِي فتأمَّلتُ فوقَ الأرضِ، فإذا هُو سَبعٌ، فلمَّا رأيتُهُ لحِقَ نفسِي من ذلكَ ما يَلحَقُ من مثله، فهتَفَ بي هاتفٌ: يا أبا حمزة، استَنقَذناكَ منَ البلاءِ بالبلاءِ، وكفيناكَ ما تَخاف بِما تخافُ (٢).

стр. 701

أخبرَنا محمد بن ناصرٍ، قال: أنا محمدُ بنُ أبي نصر الحُمَيدِي، قال: أخبرَنا أبو بَكرٍ محمدُ بنُ أحمدَ الأردِستانِي، قال: نا أبو عبدِ الرَّحمن السُّلَمِي، قال: سمعتُ محمدَ بنَ الحسَن المخرمي سمعت ابنَ المالكيِّ يقول: قال أبو حمزة الخرساني: حجَجْت سنةً من السنينَ، فَبَينا أنا أمشِي في الطريقِ وقعتُ في بئرٍ، فنازَعَتنِي نفسِي أن استغيثَ، فقلتُ: لا واللهِ لا أستغِيثُ. فَما استَتْمَمْتُ هذا الخَاطِر حتى مرَّ برأسِ البئر رجُلان، فقال أحدُهُما للآخرِ: تعالَ حتى نَسُدَّ هذا البئر في هذا الطريق. فأتَوا بقَصَبٍ وبَارِيَّةٍ (١)، فَهَمْهمتُ، فقلت: إلى مَن هُو أقربُ إليكَ مِنهما. وسكتُّ حتى طمُّوا رأسَ البئرِ، فإذا بشيءٍ قد جَاءَ فكشَفَ عن رأسِ البئرِ ودلَّى رجلَيهِ، وكأنَّه يقولُ في هَمهَمةٍ لهُ: تعلَّق بِي. فتعلَّقتُ بهِ فأخرجَني، فنظَرتُ فإذا هُو سبعٌ، فهَتَفَ بي هاتِفٌ وهو يقولُ: يا أبا حَمزة، أليس ذا أحسن؟ نجَّيناكَ من التَّلفِ بالتَّلفِ (٢)! أخبرنا أبو منصور القزَّاز، قالَ: أنا أحمدُ بن عِليِّ بن ثابتٍ، قال: أنا أبو القاسمِ رضوانُ بن محمَّد بن الحسن الدَّينَورِي، قال: سمعتُ أحمدَ بن محمد بن عبدِ اللهِ النَّيسابورِي، يقول: سمعتُ أبا بكر بن محمد بن أحمد بنِ عبدِ الوهَّاب الحافظَ، يقول: سمعت أبا عبدِ الله محمدَ ابنَ نعيمٍ، يحكِي عن أبِي حَمزَة الصُّوفيَّ الدِّمشقِي أنهُ لمَّا خرجَ من البئرِ أنشَأ يقولُ: نَهانِي حيائِي مِنكَ أن أكشِفَ الهَوى … وأغْنَيتَنِي بالقُربِ منكَ عن الكَشفِ تَراءَيْتَ لِي بالغَيبِ حتَّى كَأنما … تُبشِّرُنِي بالغَيبِ أَنَّكَ في الكفِّ أرَاكَ وبِي مِن هَيْبَتِي لكَ وَحشةٌ … وتُؤنِسُنِي بالعَطْفِ منكَ وباللُّطفِ وتُحيِي مُحِبًا أنتَ في الحبِّ حَتفُهُ … وذا عَجَبٌ كونُ الحياةِ معَ الحتْفِ (٣)

стр. 702

قال المصنِّفُ ﵀ قلت: اختلَفُوا في أبِي حمزَةَ هذا الواقعِ في البئرِ، فقال أبو عبدِ الرَّحمنِ السُّلَمِي: هو أبُو حمزَةَ الخرساني، وكانَ مِن أقران الجُنَيد، وقد ذَكرنا فِي رِوايةٍ أنه دمشقِي. وقال أبو نُعيمٍ الحافظ: هو أبو حمزَةَ البغدادِي، واسمهُ محمد بن إبراهيم، وذكرهُ الخطيبُ في تاريخهِ، وذكرَ لهُ هذهِ الحكايَة. وأَيُّهُم كانَ فإنه مخُطِئ في فعلهِ، مخالفٌ للشرعِ بِسُكُوتِه، مُعينٌ بصَمتِهِ على نفسِهِ، وقد كان يجب عليهِ أن يصيحَ ويمنعَ مِن طمِّ البئرِ، كما يجب عليه أن يدفعَ عن نفسِهِ من يقصِدُ قتلَهُ. وقوله: "لا أستغيثُ" كقولِ القائل: لا آكلُ الطَّعام ولا أشرَبُ الماء، وهذا جَهْلٌ مِن فاعلِهِ، ومخالَفَةٌ للحِكمةِ في موضوع الدُّنيا، فإنَّ الله تعالى وضعَ الأشياءَ على الحِكمةِ، فجعلَ للآدمِيِّ يدًا يَدفعُ بها، ولسانًا ينطِق بهِ، وعقلًا يهدِيهِ إلى دفعِ المضار واجتلابِ المصالِح، وجعل الأغذِيةَ والأدوِيةَ لمصلَحة الآدميِّين، فمن أعرضَ عن استعمال ما خُلقَ له وأُرشدَ إليه فقد رفضَ أمرَ الشرعِ وعطَّل حِكمةَ الصانع. فإن قال جاهلٌ: فكيفَ أحترِزُ من القَدر؟ قلنا: وكيفَ لا يُحتَرَزُ مع الأمرِ المقدِّرِ وقَد قال الله تعالَى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]؟! وقد اختفَى رسولُ اللهِ ﷺ في الغار، وقالَ لِسُراقةَ: أخفِ عنا، واستأجَر دليلًا إلى المدينة، ولم يقُل أخرُجُ على التوكُّل، وما زال ببدنِهِ مع الأسبابِ وبِقَلْبِهِ مع المُسَبِّب، وقد أجْمَلنا هذا الأصلَ فيما تقدَّم (١).

стр. 703

وقولُ أبي حمزةَ: نوقرتُ (١) في باطِني. هذا مِن حديثِ النَّفسِ الجاهِلَةِ التي قد استقرَّ عندها بالجَهل أنَّ التوكلَ تركُ التمسُّكِ بالأسبابِ؛ لأنَّ الشرعَ لا يطلبُ من الإنسانِ ما نهاهُ عنهُ، وهلَّا نافَرَهُ باطنُه في مدِّ يدِهِ وتعلُّقِهِ بذلكَ وتمسُّكِهِ به، فإنَّ ذلك نقضٌ لما ادَّعاهُ مِن تركِ الأسباب، وأيُّ فرقٍ بين قولِهِ: أنا فِي البئرِ، وبين تمسُّكِهِ بما تدلَّى عليه؟! لا، بل هذا آكدُ؛ لأنَّ الفِعلَ آكدُ من القول، فهلَّا سكَنَ حتَّى يُحمَلَ بلا سببٍ. فإن قال: هذا بعَثَهُ اللهُ لي! قلنا: والذي جازَ على البِئرِ مَن بعثَهُ؟ واللسانُ المستَغِيث مَن خلقَهُ؟ فإنَّهُ لو استغاثَ كان مُستعمِلًا للأسبابِ التي خلَقَها اللهُ تعالى للدَّفعِ عنه، فلم يُلَم، وإنما بِسُكُوتِهِ عطَّل الأسبابَ، ودفَعَ الحكمَ فصَلُحَ (٢) لومهُ، وأمَّا تخلِيصُهُ بأسدٍ، فإنْ صحَّ هذا فقد يتفقُ مثلهُ، ثم لا نُنكِرُ أنَّ اللهَ تعالى يَلطُفُ بعبدِهِ، وإنما نُنكِرُ فعلَهُ المخالِفَ للشَّرع. • أخبرنا أبو منصورٍ القزَّاز، قال: أنا أبو بكرٍ أحمدُ بن عِليِّ بنِ ثابتٍ، قال: نا عبدُ العزِيزِ بنِ أبي الحسَنِ، قال: سمعتُ عليَّ بنَ عبدِ اللهِ بنِ جهضمٍ بمكَّةَ يقول: نا الخلدي، قال: قال جُنَيدٌ: قال لِي محمدُ السَّمِين: كُنتُ في طريقِ الكوفةِ بقُربِ الصحراء التي بِبَزِيقيا (٣) والطريقُ منقطِعٌ، فرأيتُ على الطريقِ جملًا قد سقطَ وماتَ، ورأيتُ عليهِ سبعةً أو ثمانيةً مِن السِّباعِ تَتَناهَشُ، ويحمِلُ بعضُها على بعضٍ، فلمَّا أن

стр. 704

رأيتُهُم كأنَّ نفسِي اضطربت، وكانُوا على قارِعَةِ الطريقِ، فقالت لي نفسي: تميلُ يمينًا أو شمالًا، فأبَيتُ عَلَيها إلَّا أن آخذَ على قارِعةِ الطريقِ، فحملتُها على أنْ مَشَيتُ حتى وقَفْتُ عليهِم بالقُربِ منهُم كأحَدِهِم. ثمَّ رجَعتُ إلى نفسِي لأنظُر كيفَ هِي؟ فإذا الرَّوعُ معي قائمٌ، فأبَيتُ أن أبرَحَ وهذِهِ صِفَتِي، فقعدتُ بينهم ثمَّ نظرتُ بعد قُعُودِي، فإذا الرَّوعُ معي، فأبيتُ أن أبرَحَ وهذ صفتي، فوضعتُ جَنبي ونِمتُ مُضطَجِعًا، فغشانِي النومُ فنمت وأنا على تلك الهَيئة، والسِّباعُ في المكانِ الذي كانوا عَليهِ، فمَضَى بِي وقتٌ وأنا نائم، فاستَيقَظتُ فإذا السِّباعُ قد تفرَّقت ولم يبَق منها شيءٌ، وإذا الذِي كنتُ أجِدهُ قد زالَ، فقُمتُ وأنا على تِلك الهيئةِ فمَشَيتُ (١). قال المصنِّفُ ﵀: هذا الرجلُ قد خالفَ الشَّريعةَ في تعرُّضِهِ بالسِّبَاع (٢)، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يتعرَّض لسَبعٍ أو حَيَّةٍ، بل يجبُ عليه أن يفرِّ منه: ° وفي الصحِيحَين أنَّ النبي ﷺ قال: إذا وقعَ الطاعونُ بأرضٍ وأنتم بها فلا تَقدَمُوا عَليه (٣). ° وقال ﷺ : فِرّ من المجذُومِ فرارَكَ مِن الأسدِ (٤).

стр. 705

° ومرَّ ﵊ بِحائِطٍ مائلٍ فأسرَع (١). قال المصنِّفُ: وهذا الرَّجلُ قد أراد مِن طبعِه أن لَّا ينزَعِجَ، وهذا شَيءٌ ما سلِمَ منهُ موسَى ﵇، فإنهُ لما رأى الحيَّةَ خافَ وولَّى مُدبرًا. وإنْ صحَّ ما ذكرهُ وهو بعيدُ الصِّحَّة؛ لأنَّ طِباعَ الآدمِيين تَتَساوى، فَمَن قال: لا أخافُ السَّبعَ بِطبعِي، كذَّبناهُ، كما لو قال: لا أشتَهِي النَّظر إلى المستَحسَن. فكأنَّه قَهَر نفسَهُ حتى نامَ بينها استسلامًا للهَلاكِ، لِظنِّهِ أنَّ هذا هو التَّوكُّل، وهذا الظَّنُّ خطأٌ؛ لأنَّه لو كانَ هذا التوكُّل ما نُهي عن مُقارَبَة ما يُخافُ شَرُّهُ، ولعلَّ السِّباعَ اشتغلَت عنهُ، فإنهُ قد كان أبو تُرابٍ النَّخْشَبِي مِن كِبارِ القوم، فلَقِيَتهُ السِّباعُ في البرِيَةِ فنَهَشَتهُ فمات (٢).
следующие страницы →