← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

أخبرَنا محمد بن ناصرٍ، قال: أنا محمدُ بنُ أبي نصر الحُمَيدِي، قال: أخبرَنا أبو بَكرٍ محمدُ بنُ أحمدَ الأردِستانِي، قال: نا أبو عبدِ الرَّحمن السُّلَمِي، قال: سمعتُ محمدَ بنَ الحسَن المخرمي سمعت ابنَ المالكيِّ يقول: قال أبو حمزة الخرساني: حجَجْت سنةً من السنينَ، فَبَينا أنا أمشِي في الطريقِ وقعتُ في بئرٍ، فنازَعَتنِي نفسِي أن استغيثَ، فقلتُ: لا واللهِ لا أستغِيثُ. فَما استَتْمَمْتُ هذا الخَاطِر حتى مرَّ برأسِ البئر رجُلان، فقال أحدُهُما للآخرِ: تعالَ حتى نَسُدَّ هذا البئر في هذا الطريق. فأتَوا بقَصَبٍ وبَارِيَّةٍ (١)، فَهَمْهمتُ، فقلت: إلى مَن هُو أقربُ إليكَ مِنهما. وسكتُّ حتى طمُّوا رأسَ البئرِ، فإذا بشيءٍ قد جَاءَ فكشَفَ عن رأسِ البئرِ ودلَّى رجلَيهِ، وكأنَّه يقولُ في هَمهَمةٍ لهُ: تعلَّق بِي. فتعلَّقتُ بهِ فأخرجَني، فنظَرتُ فإذا هُو سبعٌ، فهَتَفَ بي هاتِفٌ وهو يقولُ: يا أبا حَمزة، أليس ذا أحسن؟ نجَّيناكَ من التَّلفِ بالتَّلفِ (٢)! أخبرنا أبو منصور القزَّاز، قالَ: أنا أحمدُ بن عِليِّ بن ثابتٍ، قال: أنا أبو القاسمِ رضوانُ بن محمَّد بن الحسن الدَّينَورِي، قال: سمعتُ أحمدَ بن محمد بن عبدِ اللهِ النَّيسابورِي، يقول: سمعتُ أبا بكر بن محمد بن أحمد بنِ عبدِ الوهَّاب الحافظَ، يقول: سمعت أبا عبدِ الله محمدَ ابنَ نعيمٍ، يحكِي عن أبِي حَمزَة الصُّوفيَّ الدِّمشقِي أنهُ لمَّا خرجَ من البئرِ أنشَأ يقولُ: نَهانِي حيائِي مِنكَ أن أكشِفَ الهَوى … وأغْنَيتَنِي بالقُربِ منكَ عن الكَشفِ تَراءَيْتَ لِي بالغَيبِ حتَّى كَأنما … تُبشِّرُنِي بالغَيبِ أَنَّكَ في الكفِّ أرَاكَ وبِي مِن هَيْبَتِي لكَ وَحشةٌ … وتُؤنِسُنِي بالعَطْفِ منكَ وباللُّطفِ وتُحيِي مُحِبًا أنتَ في الحبِّ حَتفُهُ … وذا عَجَبٌ كونُ الحياةِ معَ الحتْفِ (٣)

стр. 702

قال المصنِّفُ ﵀ قلت: اختلَفُوا في أبِي حمزَةَ هذا الواقعِ في البئرِ، فقال أبو عبدِ الرَّحمنِ السُّلَمِي: هو أبُو حمزَةَ الخرساني، وكانَ مِن أقران الجُنَيد، وقد ذَكرنا فِي رِوايةٍ أنه دمشقِي. وقال أبو نُعيمٍ الحافظ: هو أبو حمزَةَ البغدادِي، واسمهُ محمد بن إبراهيم، وذكرهُ الخطيبُ في تاريخهِ، وذكرَ لهُ هذهِ الحكايَة. وأَيُّهُم كانَ فإنه مخُطِئ في فعلهِ، مخالفٌ للشرعِ بِسُكُوتِه، مُعينٌ بصَمتِهِ على نفسِهِ، وقد كان يجب عليهِ أن يصيحَ ويمنعَ مِن طمِّ البئرِ، كما يجب عليه أن يدفعَ عن نفسِهِ من يقصِدُ قتلَهُ. وقوله: "لا أستغيثُ" كقولِ القائل: لا آكلُ الطَّعام ولا أشرَبُ الماء، وهذا جَهْلٌ مِن فاعلِهِ، ومخالَفَةٌ للحِكمةِ في موضوع الدُّنيا، فإنَّ الله تعالى وضعَ الأشياءَ على الحِكمةِ، فجعلَ للآدمِيِّ يدًا يَدفعُ بها، ولسانًا ينطِق بهِ، وعقلًا يهدِيهِ إلى دفعِ المضار واجتلابِ المصالِح، وجعل الأغذِيةَ والأدوِيةَ لمصلَحة الآدميِّين، فمن أعرضَ عن استعمال ما خُلقَ له وأُرشدَ إليه فقد رفضَ أمرَ الشرعِ وعطَّل حِكمةَ الصانع. فإن قال جاهلٌ: فكيفَ أحترِزُ من القَدر؟ قلنا: وكيفَ لا يُحتَرَزُ مع الأمرِ المقدِّرِ وقَد قال الله تعالَى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]؟! وقد اختفَى رسولُ اللهِ ﷺ في الغار، وقالَ لِسُراقةَ: أخفِ عنا، واستأجَر دليلًا إلى المدينة، ولم يقُل أخرُجُ على التوكُّل، وما زال ببدنِهِ مع الأسبابِ وبِقَلْبِهِ مع المُسَبِّب، وقد أجْمَلنا هذا الأصلَ فيما تقدَّم (١).

стр. 703

وقولُ أبي حمزةَ: نوقرتُ (١) في باطِني. هذا مِن حديثِ النَّفسِ الجاهِلَةِ التي قد استقرَّ عندها بالجَهل أنَّ التوكلَ تركُ التمسُّكِ بالأسبابِ؛ لأنَّ الشرعَ لا يطلبُ من الإنسانِ ما نهاهُ عنهُ، وهلَّا نافَرَهُ باطنُه في مدِّ يدِهِ وتعلُّقِهِ بذلكَ وتمسُّكِهِ به، فإنَّ ذلك نقضٌ لما ادَّعاهُ مِن تركِ الأسباب، وأيُّ فرقٍ بين قولِهِ: أنا فِي البئرِ، وبين تمسُّكِهِ بما تدلَّى عليه؟! لا، بل هذا آكدُ؛ لأنَّ الفِعلَ آكدُ من القول، فهلَّا سكَنَ حتَّى يُحمَلَ بلا سببٍ. فإن قال: هذا بعَثَهُ اللهُ لي! قلنا: والذي جازَ على البِئرِ مَن بعثَهُ؟ واللسانُ المستَغِيث مَن خلقَهُ؟ فإنَّهُ لو استغاثَ كان مُستعمِلًا للأسبابِ التي خلَقَها اللهُ تعالى للدَّفعِ عنه، فلم يُلَم، وإنما بِسُكُوتِهِ عطَّل الأسبابَ، ودفَعَ الحكمَ فصَلُحَ (٢) لومهُ، وأمَّا تخلِيصُهُ بأسدٍ، فإنْ صحَّ هذا فقد يتفقُ مثلهُ، ثم لا نُنكِرُ أنَّ اللهَ تعالى يَلطُفُ بعبدِهِ، وإنما نُنكِرُ فعلَهُ المخالِفَ للشَّرع. • أخبرنا أبو منصورٍ القزَّاز، قال: أنا أبو بكرٍ أحمدُ بن عِليِّ بنِ ثابتٍ، قال: نا عبدُ العزِيزِ بنِ أبي الحسَنِ، قال: سمعتُ عليَّ بنَ عبدِ اللهِ بنِ جهضمٍ بمكَّةَ يقول: نا الخلدي، قال: قال جُنَيدٌ: قال لِي محمدُ السَّمِين: كُنتُ في طريقِ الكوفةِ بقُربِ الصحراء التي بِبَزِيقيا (٣) والطريقُ منقطِعٌ، فرأيتُ على الطريقِ جملًا قد سقطَ وماتَ، ورأيتُ عليهِ سبعةً أو ثمانيةً مِن السِّباعِ تَتَناهَشُ، ويحمِلُ بعضُها على بعضٍ، فلمَّا أن

стр. 704

رأيتُهُم كأنَّ نفسِي اضطربت، وكانُوا على قارِعَةِ الطريقِ، فقالت لي نفسي: تميلُ يمينًا أو شمالًا، فأبَيتُ عَلَيها إلَّا أن آخذَ على قارِعةِ الطريقِ، فحملتُها على أنْ مَشَيتُ حتى وقَفْتُ عليهِم بالقُربِ منهُم كأحَدِهِم. ثمَّ رجَعتُ إلى نفسِي لأنظُر كيفَ هِي؟ فإذا الرَّوعُ معي قائمٌ، فأبَيتُ أن أبرَحَ وهذِهِ صِفَتِي، فقعدتُ بينهم ثمَّ نظرتُ بعد قُعُودِي، فإذا الرَّوعُ معي، فأبيتُ أن أبرَحَ وهذ صفتي، فوضعتُ جَنبي ونِمتُ مُضطَجِعًا، فغشانِي النومُ فنمت وأنا على تلك الهَيئة، والسِّباعُ في المكانِ الذي كانوا عَليهِ، فمَضَى بِي وقتٌ وأنا نائم، فاستَيقَظتُ فإذا السِّباعُ قد تفرَّقت ولم يبَق منها شيءٌ، وإذا الذِي كنتُ أجِدهُ قد زالَ، فقُمتُ وأنا على تِلك الهيئةِ فمَشَيتُ (١). قال المصنِّفُ ﵀: هذا الرجلُ قد خالفَ الشَّريعةَ في تعرُّضِهِ بالسِّبَاع (٢)، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يتعرَّض لسَبعٍ أو حَيَّةٍ، بل يجبُ عليه أن يفرِّ منه: ° وفي الصحِيحَين أنَّ النبي ﷺ قال: إذا وقعَ الطاعونُ بأرضٍ وأنتم بها فلا تَقدَمُوا عَليه (٣). ° وقال ﷺ : فِرّ من المجذُومِ فرارَكَ مِن الأسدِ (٤).

стр. 705

° ومرَّ ﵊ بِحائِطٍ مائلٍ فأسرَع (١). قال المصنِّفُ: وهذا الرَّجلُ قد أراد مِن طبعِه أن لَّا ينزَعِجَ، وهذا شَيءٌ ما سلِمَ منهُ موسَى ﵇، فإنهُ لما رأى الحيَّةَ خافَ وولَّى مُدبرًا. وإنْ صحَّ ما ذكرهُ وهو بعيدُ الصِّحَّة؛ لأنَّ طِباعَ الآدمِيين تَتَساوى، فَمَن قال: لا أخافُ السَّبعَ بِطبعِي، كذَّبناهُ، كما لو قال: لا أشتَهِي النَّظر إلى المستَحسَن. فكأنَّه قَهَر نفسَهُ حتى نامَ بينها استسلامًا للهَلاكِ، لِظنِّهِ أنَّ هذا هو التَّوكُّل، وهذا الظَّنُّ خطأٌ؛ لأنَّه لو كانَ هذا التوكُّل ما نُهي عن مُقارَبَة ما يُخافُ شَرُّهُ، ولعلَّ السِّباعَ اشتغلَت عنهُ، فإنهُ قد كان أبو تُرابٍ النَّخْشَبِي مِن كِبارِ القوم، فلَقِيَتهُ السِّباعُ في البرِيَةِ فنَهَشَتهُ فمات (٢).

стр. 706

ثم لا نُنكِرُ أنَّ اللهَ تعالى لَطَفَ بهِ ونجَّاهُ بحُسنِ ظنِّهِ فيهِ، غيرَ أَنَّا ونبيِّنُ خطأَ فِعلهِ للعامِّي الذي إذا سمِع هذا قال: هذه عزِيمةٌ عظِيمةٌ ويقينٌ قويٌّ، ورُبَّما فضَّلَ حالَتَهُ علَى حالةِ موسى ﵇ إذ هرَبَ منَ الحيَّةِ، وعلى حالةِ نبِيِّنا ﷺ إذ مرَّ بِجِدارٍ مائل فهرْوَلَ (١)، وعلى حالةِ أبي بكرٍ الصدِّيق ﵁ إذ سدَّ خروقَ الغارِ اتِّقَاءً للأذَى (٢). وهيهَاتَ أن تعلُوَ مَرتَبةُ هذا المُخَالِفِ للشَّرعِ على مَرتَبةِ الأنبِياءِ والصدِّيقِين بما يُخايِلُ لهُ ظنُّهُ الفاسِد من أنَّ ما فَعَلهُ هو التوكُّل! • وقد أخبرنا عنهُ أبو منصورٍ القزاز، قال: أنا أبو بكرٍ الخطِيبُ، قال: أخبرَنا إسماعيلُ بن أحمدَ الجبرِي، قال: نا محمدُ بنُ الحُسَين السُّلَمِي (٣)، قال: سمعتُ محمدَ بن عبدِ الله الفرغَانِي، قال: سمعتُ مؤمِّلًا المغازِلِي يقولُ: كنتُ أصحبُ محمَّدًا السَّمين، فسافرتُ معهُ ما بين تكرِيت والموصِل، فبينَا نحنُ في بَرِّية نسيرُ إذ زأرَ السَّبُعُ مِن قريب، فَجَزِعتُ وتغيَّرتُ، وظَهَر ذلكَ علَى صِفَتِي، وهَممتُ أن أُبادِرَ، فَضَبَطني وقال: يا مؤمِّل التوكُّلُ ها هنا لا فِي المسجِد الجامِع (٤). قال المصنف ﵀ قلت: لا يشكُّ فِي أنَّ التوكُّلَ يظهَرُ أثرُهُ عِند الشَّدائِد ولكِن ليسَ مِن ضَرُورَةِ صحتِهِ الاستِسْلَام للسَّبع فإنه لا يجوز. • أخبَرنا عُمَر بنُ ظفرٍ، قال: أنا ابنُ السَّرَّاج، قال: أنا ابنُ عبدِ العزيز بن علي الأزجِي، قال: أنا ابنُ جهضمٍ، قال: نا إبراهِيمُ بنُ أحمد بن عليٍّ العطَّار، قال: قال الخوَّاص: حدَّثني بعضُ المشايخ أنه قيل لِعليٍّ الرَّازِي: ما لنا لا نراكَ مع أبي طالِبٍ

стр. 707

الجَرْجَانِي؟! فقال: كُنا في موضِعٍ فيهِ سِباعٌ، فلمَّا نَظَر إلَيَّ ولَيسَ أنامُ طَرَدَني وقال: ليس تَصحَبُنِي بعد هذا (١). قال المصنِّفُ ﵀ قلت: لقد تعدَّى هذا الرَّجل، إذ أرادَ مِن صاحبهِ تغيِيرَ ما طُبعَ عليهِ، ولَيسَ ذلِكَ إليهِ، ولا يُطالِبُهُ بمثلِهِ الشَّرعُ، وما قدرَ على هذ الحالةِ موسى ﵇ حينَ هرَب من الحية، فهذا كله مُتَنَاهٍ عن الشَّرع ومبناهُ على الجهل. • أخبرنا ابنُ ظفر، قال: أخبرنا ابنُ السَّرَّاج، قال: أنا الأزْجِيُّ، قال: نا ابنُ جهضمٍ، قال: سمعتُ الخلديَّ يقول: سمعتُ إبراهيم الخوَّاص يقول: سمعتُ حَسَنًا أخَا سِنانَ يقول: كنتُ أسلُكُ طريقَ مكَّةَ فَتدْخُلُ في رِجِلي الشَّوكَةُ فيَمنَعُنِي ما أعتقِدُهُ من التوكُّل أنْ أُخرِجَهَا مِن رِجِلي، فأدلك رِجلي على الأرضِ وأمشِي (٢). • أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الباقِي بن أحمد، قال: أنبأنا أبو عِليٍّ الحسَنُ بنُ محمدِ بنِ الفضلِ الكرْمَانِي، قال: أخبَرنا سَهلُ بنُ عليٍّ الخشَّاب، قال: أخبَرنا عبدُ الله بنُ عليٍّ السرَّاج، قال: سمعتُ أحمدَ بن عليٍّ الوجيهيَّ يقول: حجَّ الدِّينَوَري (٣) اثنَتَي عَشَرةَ حَجَّةً حافِيًا مكشُوفَ الرَّأس، وكانَ إذا دَخَل في رِجلهِ شوكٌ يَمسحُ رجلَهُ في الأرضِ ويمشي ولا يتطاطا إلى الأرضِ من صحَّةِ توكُّلِهِ (٤). قال المصنِّفُ ﵀ قلت: انظرُوا إلى ما يَصنعُ الجهلُ بأهلِهِ، وليسَ مِن طاعةِ اللهِ تعالَى أن يقطَعَ الإنسانُ تلكَ البادِيةَ حافِيًا؛ لأَنهُ يؤذِي نفسَهُ غايةَ الأذَى، ولا مكشوفَ الرأس، وأيُّ قُربٍ تحصُلُ بهذا؟! ولولَا وجوبُ كَشفِ الرَّأسِ في مُدَّة

стр. 708

الإحرام لم يكن لكَشْفِهِ معنى (١). ومَن الذي أمَرَهُ ألَّا يُخرِجَ الشَّوكَ مِن رِجلِهِ؟! وأيُّ طاعَةٍ تَقعُ بهذا؟! ولو أنَّ رِجلَهُ انتفَخَتْ بما يَبقَى فِيها مِن الشَّوكِ وتلَفَت كانَ قَد أعانَ على نفسهِ، وهل دلْكُ الرِّجلِ بالأرضِ إلَّا دفعُ بعضِ الشَّوكِ! فهلَّا دفعَ الباقيَ بالإِخراج؟! وأين التوكُّلُ مِن هِذهِ الأفعالِ الخالِفةِ للعقلِ والشَّرعِ؛ لأنَّهمَا يقتضِيان جلبَ المنافِعِ للنَّفسِ ودفعِ المضارِّ عنهَ! وقد أجازَ الشرعُ لمِن أدرَكَهُ ضَررٌ فِي إحرامهِ أنْ يَخْرِقَ حُرمَةَ الإحرامِ ويَفدِيَ (٢). • أخبرَنا أبو مَنصورٍ القزَّاز، قال: أخبرنا أبو بكرٍ الخطيبُ، قال: أخبرنا القَاضِي أبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحسَنِ الحرشِي وأبو سعيدٍ محمدُ بنُ موسَى الصَّيرَفي، قالا: أخبَرنا أبو العبَّاسِ محمدُ بنُ يعقوبَ الأصمّ، قال: سمعتُ العباسَ بنَ محمد الدُّورِيَّ يقول: سمعتُ أبا عُبَيدٍ يقول: إنِّي لأتبَيَّنُ عقلَ الرَّجُلِ بأن يَدَعَ الشمس ويمشِي في الظِّل (٣). • أخبرنا القزَّازُ، قال: أنا أبو بكرٍ الخطيبُ، قال: نا عبدُ العزيز بنُ أبي الحسن القرمِيسِينِي، قال: سمعتُ عِليَّ بنَ عبدِ الله بنِ جهضمٍ، قال: سمعتُ أبا بكرٍ الدَّقِّيَّ يقول: حدَّثني أبو بكرٍ الزَّقاق، قال: خرجْتُ في وَسَط السَّنةِ إلى مكَّةَ وأنا حَدَث السِّن، فِي وَسطِي نِصفُ جُلِّ (٤) وعلى كتِفِي نصفُ جُلٍّ، فرمَدَت عَينِي فِي الطَّريقِ،

стр. 709

فكُنتُ أمسَحُ دمُوعِي بالجُلِّ، فأقرَحَ الجُلُّ الموضِعَ، وكانَ يخرجُ الدَّمُ مَع الدُّموعِ، فمِن شِدَّةِ الإرادةِ وقوَّةِ سُرورِي بِحالِي لم أفرِّق بين الدُّموعِ والدَّم، وذهبَت عينِي في تلكَ الحجَّةِ، وكانت الشمسُ إذا أثَّرت فِي يَدي قبَّلتُ يدي ووضعتُهَا علَى عَينِي سُرورًا مِنِّي بالبَلاء (١). أخبَرنا محمدُ بن أبي القاسِم، قال: أنا حَمَد بنُ أحمد، قال: أنا أبو نُعَيمٍ الحافظ، قال: سمعتُ أبا الفضلِ أحمدَ بنَ أبي عِمرانَ يقولُ: سمعتُ محمدَ بنَ أبِي داودَ الدَّقِّي يقول: سمعتُ أبا بكرِ الزَّقاقَ يقول: كان سببُ ذهابِ بَصَري أنِّي خَرجتُ في وسطِ السَّنةِ أريدُ مكَّةَ، وفي وسَطِي نصفُ جُلٍّ وعلَى كتفي نصفُ جُلٍّ، فَرَمدَت إحْدَى عَينَيَّ، فمَسَحتُ الدُّموعَ بالجُلِّ، فقَرَحَ المكانَ، فكانتِ الدُّموعُ والدَّمُ يسيلانِ مِن عَينِي (٢). أخبرنا محمدُ بنُ أبي القَاسِم، قال: أنبأنا أبو محمَّد التَّمِيمِي، قال: أنبأنا أَبُو عبدِ الرَّحمن السُّلَمِي، قال: سمعتُ أبا بكرٍ الرَّازِيَّ يقول: قلتُ لأبي بكرٍ الزَقَّاق، وكان بفردِ عينٍ: ما سببُ ذهاب عينِك؟ قال: كنتُ أدخلُ الباديةَ على التوكُّل، فجعلْتُ على نفسِي أن لا آكُلَ لأَهلِ المنازِلِ شيئًا تورُّعًا، فسالَت إحدَى عَينَيَّ على خَدَي مِن الجُوعِ (٣). قال المصنِّفُ ﵀ قلت: إذا سمعَ مُبتَدِئٌ بحالةِ هذا الرَّجلِ ظنَّ أنَّ هذِهِ مجاهَدَاتٌ، وقد جَمَعت فنونًا مِن المعاصِي والمخالفات، مِنها: ° خروجُهُ فِي نصفِ السَّنةِ على الوِحدةِ.

стр. 710

° ومشيُهُ بلا زادٍ. ° ولباسُهُ الجُلَّ، ومَسحُهُ عينَيهِ بهِ. ° وظنُّهُ أنَّ ذلكَ يُقَرِّبُهُ إلى اللهِ تعالى، وإنما يُتَقَرَّبُ إلى اللهِ تعالَى بِما شَرعهُ، لا بِما نهى عنهُ، ولو أنَّ أنسانًا قال: أريدُ أن أضرِبَ نفسِي بِعصَا؛ لأنَّها عصَت أتقرَّبُ بذلكَ إلى اللهِ ، كانَ عاصِيًا. ° وسرورُ هذا الرجلِ بهذَا البلاءِ خَطأٌ قبيحٌ؛ لأنَّه إنما يفرحُ بالبلاءِ إذا كانَ بغَيرِ تسبُّبِ الإنسانِ، فلو أنَّ إنسانًا كَسَرَ رِجلَ نفسِهِ ثمَّ فرِحَ بهذِهِ المصِيبةِ كانَ نهايةً في الحماقةِ! ثمَّ تركُهُ السؤالَ وقتَ الاضطِرارِ وحملُهُ علَى النَّفسِ شِدةَ المجاعَةِ حتَّى سالت عينُه، ثم يُسمِّي هذا تورُّعًا حماقاتٌ أثمرَهَا الجهلُ والبُعْدُ عن العِلم! وقد أخبَرنا محمدُ بنُ أبِي القاسِم، قال: ثنا حَمَد بنُ أحمَد، قال: أخبَرنا أبُو نُعَيمٍ الحافظ، قال: ثَنا سُليمانُ بن أحمد، قال: نا محمدُ بنُ العبَّاسِ بن أيوبَ الأصفهانِي، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بن يونُس الرَّقي، قال: نا مُطرِّف بنُ مازِن، عن سُفيانَ الثوريِّ، قال: مَن جاعَ فلم يسأل حتَّى ماتَ دخل النارَ (١). قال المصنِّفُ ﵀: فانظر إلى كلام الفقهاءِ ما أحسنهُ ووجهُهُ أنَّ اللهَ تعالى قد جعلَ للجَائِعِ مُكنَةَ التسبُّبِ، فإذا عدِمَ الأسبابَ الظاهرةَ فلهُ قُدْرةُ السؤالِ التي هِي كسبُ مثلِهِ في تلكَ الحالِ، فإذا تَركَهُ فقد فرَّطَ في حفظِ نفسِهِ التي هِي وديعةٌ عندهُ؛ فاستحقَّ العقابَ.

стр. 711

وقال المصنِّفُ: وقد رُوِيَ لنا فِي ذهابِ عينِ هذا الرجلِ ما هُو أظرفُ ممَّا ذَكرنَا: فأخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الباقِي بن أحمد، قال: أنا حَمدُ بنُ أحمد الحدَّاد، قال: أخبَرنا أبو نُعيمٍ، قال: سمعتُ أبا أحمد القَلانِسيَّ يقول: قالَ أبو عليٍّ الروذبارِي يحكِي عن أبي بكرٍ الزَقَّاق، قال: استضفتُ حيًّا من العَربِ، فرَأَيتُ جاريةً حسناءَ، فنظَرتُ إليها، فقلَعتُ عينِي التي نظرْتُ بها إليها، فقالت: فمثلك من نَظر لله (١). قال المصنِّفُ ﵀ قلت: فانظرُوا إلى جَهلِ هذا المسكِينِ بالشرِيعةِ والتعبُّد؛ لأنّهُ إن كانَ نظرَ إليهَا عن غَيرِ تعمُّدٍ فلا إثمَ عليهِ، وإن كانَ تعمَّد فقد أتَى صغِيرةً قد كانَ يكفيهِ منها الندمُ فضمَّ إليها كبِيرةً وهي قلعُ عينِهِ، ولم يتُب مِنها؛ لأنَّه اعتقدَ قلعَهَا قربةً إلى اللهِ سبحانه، ومن اعتقدَ المحظورَ قُربة فقد انتهى خَطؤهُ إلى الغَايةِ! ولعلَّهُ سمعَ تلكَ الحكايةَ عن بعضِ بني إسرائيل أنَّهُ نظرَ إلى امرأةٍ فقلَعَ عينهُ، وتلكَ مع بُعدِ صِحَّتِها رُبَّما جازت فِي شَريعتِهِم (٢) فأمَّا شريعتُنا فإنها حرَّمت هَذا. وكأنَّ هؤلاءِ القومِ ابتكرُوا شَريعَةً سمَّوهَا بالتصوُّفِ وتركُوا شَريعةَ محمدٍ ﷺ ، نعوذُ باللهِ من تلبيسِ إبليسَ! وقَد رُوِيَ عن بعضِ عابِداتِ الصُّوفِيَّة مثلُ هذا: أخبرنا أبو بكرِ بن حبيبٍ العامري، قال: أخبرنا أبو سَعيدِ بنُ أبي صادقٍ، قال: أخبَرنا ابنُ باكويه، قال: أخبَرني أبو الحسَنِ عليُّ بنُ أحمدَ البصرِي، غلامُ شَعْوانةَ، قال: أخبرتني شَعْوانةُ أنَّهُ كانَ في جِيرانِها امرأةٌ صالحة، فخَرجَت ذاتَ يومٍ إلى السُّوقِ، فرآهَا بعضُ النَّاس فافتُتِن بها، وتبِعهَا إلى بابِ دارِها، فقالت له المرأة: أيُّ

стр. 712

شَيءٍ تريدُ منِّي؟ قال: فُتِنتُ بِكِ. فقالت: ما الذي استَحسنتَ منِّي؟ قال: عينيكِ. فدخَلت: إلى دارِها فقلَعَت عينَها وخرجَت إلى خلفِ البابِ ورَمَت بها إليهِ، وقالت: خُذها، لا باركَ اللهُ فيك (١). قال المصنف ﵀: فانظرُوا إخوانِي كيف يتلاعَبُ إبليسُ بالجهَلةِ، فإنَّ ذلك الرجلَ أتى صغيرةً بالنظر، فأتت هذهِ بكبيرةٍ، ثمَّ ظنَّت أنَّ ما فَعَلتهُ طاعةٌ، ثمَّ قد كانَ ينبغِي أن لا تُكَلِّم رجُلًا. وقد وُجِدَ من القومِ ضدُّ هذا، كما روي عن ذي النون وغير أنهُ قال: لقيتُ امرأةً في البرِّيَّة، فقلت لها! وقالت لي! وقد أنكرت عليهِ امرأةٌ متيقِّظةٌ: فأخبرنا عبدُ الملك بنُ عبدِ الله الكَرُوخِي، قال: أنبأنا محمَّدُ بن عليِّ بن عمر، قال: أنا أبو الفضلِ محمدُ بن محمدٍ، قال: أخبرَنا أبو سعيدٍ محمدُ بنُ أحمد بن يوسف، قال: حدثني شكرٌ، قال: حدَّثني محمدُ بن يعقوب الفرجي، قال: سمعتُ ذا النون يقول: رأيتُ امرأةً بِنَحو أرضِ البَجَّةِ، فنادَيتُها، فقالَت: وما لِلرِّجالِ أن يكلِّمُوا النِّساءَ! لولا ضعفُ عقلِك رمَيتُك بِشيءٍ (٢). • أخبرَنا عبدُ الرَّحمن بن محمد، قال: أنا أحْمد بنُ عليِّ بن ثابتٍ، قال: نا عبدُ العزِيز الأزجِي، قال: نا عِليُّ بنُ عبدِ اللهِ الهمداني حدثني عليُّ بنُ إسماعيلَ الطَّلَّاء، قال: حدَّثني محمدُ بن الهيثمِ، قال: قال لي أبو جَعفرٍ الحدَّاد: دخلتُ البادِيةَ بعضَ السِّنينَ على التَّوكُّل، فبقيتُ سبعةَ عشَرَ يومًا لم آكُل فِيها شيئًا، وضعُفتُ عنِ المشيِ، فبقيتُ

стр. 713

أيَّامًا أُخَر لم أذُقْ فيها شيئًا، فسقطتُ علَى وجهِي وغُشِيَ عليَّ وغلبَ عليَّ من القَملِ شيءٌ ما رأيتُ مثلَهُ ولا سمِعتُ به، فبينَا أنا كذلِكَ إذ مرَّ بِي ركبٌ فرَأَونِي علَى تلكَ الحالِ، فنزلَ أحدُهُم عن رَاحِلَتِهِ فحلَقَ رأسِي ولحِيَتي، وشقَّ ثوبِي وترَكَنِي في الرَّمضَاء وسارَ، فمرَّ بِي ركبٌ آخَر، فحملُونِي إلى حيِّهِم وأنا مغلُوبٌ، فطرحُرنِي ناحيةً، فجاءتنِي امرأة فَحَلبَت على رأسِي، وصبَّت اللَّبنَ فِي حلقِي، ففتَحتُ عينِي قليلًا وقلت لهُم: أقربُ المواضِعِ منكم أين؟ قالُوا: جبل الشراة، فحملُونِي إلى الشراة (١). قال المصنف ﵀ قلت: يُحكَى أنَّ رجُلًا من المجَانِين أنحلَّ مِن السِّلسِلة، فأخذَ سكِّينًا وجعلَ يشرحُ لحمَ نفسهِ ويقول: أنا ما رأيتُ مثلَ هذا الجنونِ (٢)، وإلَّا فانظُروا إلى حالِ هذا المسكِينِ وما فعلَ بنفسِهِ، ثمَّ يعتقدُ هذا قُربةً! نسألُ اللهَ العافِية. • أخبرنا محمدُ بن ناصر، قال: أنبأنا أحمدُ بن عليِّ بن خَلَفٍ، قال: أنا أبو عبدِ الرَّحمن السُّلَمِي، قال: سمعتُ أبا بَكرٍ الرَّازِيَّ يقول: سمعتُ أبا الحسَينِ الزّنجاني يقول: سمعتُ إبراهيمَ الخوَّاص يقول: رأيتُ شيخًا مِن أهل المعرِفةِ عرَّج بعدَ سبعةَ عشرَ يومًا على سببٍ في البريةِ، فنهاهُ شيخٌ كان مَعَهُ، فأبَى أن يَقبَلَ، فسقَطَ ولم يرتفِع عن حُدُودِ الأسبِابِ (٣). قال المصنِّفُ قلت: هذا قد أرادَ منه أن يصبِر عن القوتِ أكثرَ مِن هَذا، وليسَ الصَّبر إلى هذا الحدِّ -وإنْ أُطيقَ- بِفضِيلةٍ.

стр. 714

• أخبرنا محمدُ بن أبِي القاسِم، قال: أنبأنا رِزقُ اللهِ بن عبدِ الوهاب، قال: أنا أبو عبدِ الرَّحمن محمدُ بنُ الحسَين، قال: سمعتُ جدِّي إسماعيلَ بنَ نجيدٍ يقول: دخلَ إبراهيمُ الهَرَوِيُّ معَ إبراهيم ستنبه (١) الباديةَ، فقال له ستنبه: اطرَحْ ما مَعَكَ مِن العَلائِق، قال: فطرحْتُها كلَّها وأبقيتُ دينارًا، فخطَا خُطُواتٍ ثم قال: اِطرَحْ كلَّ ما مَعَك، لا تَشْغَل سِرِّي. قال: فأخرجْتُ الدِّينارَ ودفَعتُهُ إليهِ، فَطَرحَهُ، ثمَّ خَطا خُطُواتٍ، وقال: اطرَح ما معكَ، قلتُ: ليسَ معي شيء، قال: بَعْدُ سِرِّي مشتغلٌ، فذكرتُ أنَّ معِي دَسْتَجَة (٢) شسوعٍ، فقلت: ليسَ معِي إِلَّا هذه. فأخذَهَا فطرَحَها، ثمَّ قال: امشِي. فمَشَينا، فما احتجْتُ إلى شِبعٍ في البادِيةِ إلَّا وجدتُهُ مَطرُوحًا بينَ يدَي، فقال لي: كذا مَن عَامَلَ اللهَ بالصِّدقِ (٣). قال المصنِّفُ ﵀ قلت: هذهِ الأفعالُ خطأٌ، ورميُ المالِ حرامٌ، والعَجَبُ ممَّن يرمِي ما يملِك، ويأخُذُ ما لا يَدرِي مِن أين هو؟! • أخبرَنا أبو بكر بنُ حبيبٍ، قال: أنا أبو سَعيدِ بن أبِي صادقٍ، قال: أنا ابنُ باكويه، قال: سمعتُ نصرَ بنَ أبِي نصرٍ العطَّارَ، يقول: سمعتُ عليَّ بنَ محمَّدٍ المصرِيَّ يقول: سمعت أبا سعيدٍ الخرَّازَ يقول: دخلتُ البادِيةَ مرَّةً بغيرِ زادٍ، فأصابَتنِي فاقةٌ فرَأيتُ المرحَلَة مِن بعيدٍ، فسُرِرتُ بأنِّي وصَلتُ، ثمَّ فكَّرتُ في نفسِي أنِّي سكنتُ واتكلتُ على غيره، فآليتُ أنْ لا أدخُلَ المرحَلَةَ إلَّا أن أُحمَلَ إليهَا فحفَرتُ لِنفسِي في الرَّملِ حُفرَةً،

стр. 715

ووارَيتُ جَسَدِي فِيها إلى صَدرِي، فسمعتُ صوتًا في نصفِ الليل عاليًا: يا أهلَ المرحلةِ إنَّ للهِ وليًا حبسَ نفسَهُ في هذا الرَّملِ فالحقوهُ، فجاءَ جماعةٌ فأخرجُونِي وحملُونِي إلى القَريةِ (١). قال المصنِّفُ ﵀ قلت: لقد تنطَّعَ هذا الرَّجلُ على طبعِهِ، فأرادَ منهُ ما لم يوضَع عليهِ؛ لأنَّ فِي طبعِ الآدمِيِّ الهشَاشةَ إلى ما يُحبُّ، ولا لَومَ على العَطشَانِ إذا هشَّ إلى الماءِ، ولا على الجائعِ إذا هشَّ إلى الطَّعام، وكذلك كل مَن هشَّ إلى محبوبٍ له. وقد كان النبيُّ ﷺ إذا قدِم مِن سَفَرٍ فلاحَت له المدينةُ، أسرَعَ السَّيرَ حُبًا للوطَن (٢)، ولمَّا خرَجَ مِن مَكَّة تلفَّتَ شَوقًا إلَيها (٣)، وكان بلالٌ يقول: لعنَ اللهُ عتبةَ عتبةَ وشيبةَ! إذْ أخرجُونا مِن مكَّة، ويقول: ألا لَيتَ شِعرِي هل أبيتنَّ ليلةً … بوادٍ وحَولِي إذخرٌ وجَلِيلُ (٤) فنعوذُ باللهِ من الإعراضِ عن العمَلِ بمقتضَى العِلمِ والعقل، ثمَّ حَبْسُهُ لنفسِهِ عن صلاةِ الجماعةِ قَبِيحُ، وأيُّ شَيء في هذا مِن التَّقرُّبِ إلى الله سبحانهُ، إنما هُو محضُ جَهلٍ!

стр. 716

• أنبأنا ابن ناصر، قال: أنبأنا جعفرُ بن أحمدَ بن السَّراج، قال: أنا عبدُ العزيز بنُ عِلي بن أحمد، قال: نا أبو الحسَن علي بن جهضَمٍ، قال: نا أبو بَكرِ بن محمدٍ، قال: كنتُ عند أبِي الخَير التينَاتِي، فبسطَنِي بمحادَثَتِهِ لِي بِذكر بدايتهِ، إلى أن سألتُهُ عن سبَبِ قطعِ يدِهِ، فقال: يدٌ جَنَت فقُطِعَت. ثم اجتمَعْتُ بهِ معَ جماعَةٍ فَسَألُوهُ عن ذلكَ، فقالَ: سافرتُ حتى بلغتُ إسكندرَّية فأقمتُ بها اثنتي عشرَةَ سنةً، وكنتُ قد بنَيتُ بها كُوخًا، فكُنتُ أجِيءُ إليهِ من ليلٍ إلى ليلٍ وأفطِر على ما ينفُضُهُ المرابِطُونَ، وأُزَاحِمُ الكِلابَ على قُمامَةِ السُّفَر، وآكُلُ مِن البَردِيِّ في الشِّتاءِ، فتوقرت فِي سرِّي: يا أبَا الخَيرِ، تزعُمُ أنكَ لا تُشَارك الخلقَ في أقواتِهم، وتشيرُ إلى التوكُّل وأنتَ في وسط المعلوم جالس؟! فقلت: إلِهي وسيِّدِي ومولايَ، وعزَّتكَ لا مدَدتُ يدي إلى شَيءٍ مما تُنبِتُهُ الأرضُ حتى تكونَ الموصِلَ إليَّ رزقي مِن حيثُ لا أكونُ أنا فِيهِ، فأقمتُ اثني عشَرَ يومًا أُصلِّي الفرضَ وأتنفَّلُ، ثمَّ عَجَزْتُ عن النَّافِلةِ، فأقمتُ اثني عشر يومًا أصلِّي الفرضَ والسُّنةَ، ثمَّ عَجَزْتُ عن السُّنة، فأقمتُ اثني عشرَ يومًا أصلِّي الفرضَ لا غَير، ثمَّ عَجَزْتُ عن القِيامِ، فأقمتُ اثنَى عشَر يومًا أصلِّي جالسًا، ثمَّ عَجَزْتُ عن الجلوسِ فرأيتُ إن طرحتُ نفسِي ذهبَ فَرَضِي، فلَجأتُ إلى اللهِ بسِرِّي وقلتُ: إلهِي وسيِّدي، افترضتَ علَيَّ فرضًا تسألُنِي عنهُ، وقسمتَ لي رِزقًا، وضمنتَهُ لي، فتفضَّل عليَّ برزقِي، ولا تؤاخِذنِي بما أعتقِدُهُ معك، فوعِزَّتكَ لأجتهدنَّ أني لا حللتُ عقدًا عقدتُهُ معك! فإذا بينَ يدَيَّ قرصانِ بينهُما شَيءٌ، فكنتُ أجدُهُ على دايِمِ وقتي مِن ليلِ إلى ليلِ، ثم طُولِبتُ بالمسيرِ إلى الثّغرِ، فسِرتُ حتى دخلتُ "فرما"، فوجدتُ في الجاَمِعِ قاصًّا يذكُرُ قِصةَ زكريَّا والمنشارَ، وأن اللهَ تعالى أوحَى إليهِ حينَ نُشرَ: لئِن صَعِدَتْ إليَّ منكَ أنَّةٌ لأمحُونَّكَ من دِيوانِ النبُّوَّة، فصَبَر حتى قُطِعَ شَطرَين (١).

стр. 717

فقلتُ: لقد كان زكرِيَّا صبَّارًا، إلهي وسيدِي، لئِن ابتَلَيتَنِي لأصبرنَّ. وسرتُ حتى دخلتُ أَنْطاكيَة، فرآنِي بعضُ إخوانِي، وعلمَ أنِّي أريدُ الثَّغر، فدفَع إليَّ سَيفًا وتُرسًا وحربةً فدخلتُ الثِّغرَ، وكنتُ حينئذٍ أحتشِمُ من اللهِ تعالى أن أُرى وَراءَ سُورٍ خِيفَةً من العدوِّ، فجعلتُ مقامِي في غابةٍ أكونُ فيها بالنَّهارِ وأخرُجُ باللَّيلِ إلى شط البحرِ، فأغرِزُ الحربَةَ علَى السَّاحِل، وأسندُ التُّرسَ إليها محِرابًا، وأتقلَّدُ سيفِي وأصلِّي إلى الغدَاةِ، فإذا صلَّيتُ الصُّبحَ غدوتُ إلى الغابةِ فكنتُ فيها نهارِي أجمع. فبدوتُ في بعضِ الأيامِ فعثرتُ بشجَرَةٍ، فاستَحسنتُ ثمرَها ونسيتُ عَقدِي مع اللهِ، وقسمِي به أنِّي لا أمدُّ يدِي إلى شَيءٍ مما تُنبت الأرض، فمددتُ يدي فأخذتُ بعضَ الثَّمرةِ، فبينا أنا أمضغُهَا ذكرتُ العقد، فَرميتُ بها مِن فمِي وجعلتُ يدَيَّ على رأسِي فَدارَ بِي فُرسان، وقالوا: قُم، فأخرَجونِي إلى السَّاحل، فإذا أميرٌ وحولهُ خيلٌ ورَجَّالة، وبينَ يدَيهِ جماعةٌ سودان كانُوا يقطعونَ الطريقَ، وقد أخَذَهم، وافترقَت الخَيلُ فِي طَلَبِ مَن هربَ منهم، فوجدُونِي أسْودَ، معِي سيفٌ وتُرْسٌ وحربةٌ، فلمَّا قدمتُ إلى الأمِير، فقال: أيش أنت؟ قلتُ: عبدٌ مِن عِبادِ الله! فقال للسّودان: تعرفونه؟ قالوا: لا. قال: بلَى هُو رئيسُكُم، وإنَّما تفدُونهُ بأنفُسِكم لأقطعنَّ أيدِيَكُم وأرجُلَكُم، قدِّمُوهُم، فلَم يزَل يُقدِّمُ رَجلًا رَجلًا ويقطَعُ يدَهُ ورِجلَهُ حتى انتهى إليَّ.

стр. 718

فقال: تقدّم، مدَّ يدكَ، فمددُتها فقُطِعت، ثمَّ قال: مدَّ رِجلَكَ، فمددُتَها ورَفعتُ رأسِي إلى السَّماء، فقلت: إلهي وسيِّدِي يدي جَنَتْ ورِجِلي إيش عمِلت؟! فإذا بفَارِسٍ قد وَقَف على الحلقَةِ ورَمَى بنفسِهِ إلى الأرضِ وصاح: إيش تعملون؟! تريدُون أن تنطبِقَ الخضرَاءُ على الغبراء! هذا رجلٌ صالحٌ يُعرَفُ بأبي الخَير، فرمَى الأمير بِنفسِهِ وأخذَ يدِي المقطُوعَة من الأرضِ، فقبَّلَها وتعلَّق بِي يُقبِّلُ صدرِي ويبكِي ويقول: سألتُك باللهِ اجعلني في حلٍّ. فقلتُ: قد جعلتُكَ في (١) أوَّلِ ما قطعتَها، هذِه يدٌ جَنَتْ فقُطِعَتْ (٢). قال المصنِّفُ ﵀: فانظُروا إخوانِي رحمكُم اللهُ إلى عدمِ العلمِ كيفَ صنعَ بِهذا الرَّجُل! وقد كانَ مِن أهلِ الخَيرِ، فلو كان عِندَهُ عِلمٌ عَلِمَ أنَّ ما فَعَلهُ حرامٌ علَيهِ، وليسَ لإبليسَ عَونٌ على العُبَّادِ والزُّهَّاد أكثرُ من الجهل. • أخبرنا أبو بكرِ بن حبيب، قال: أنا أبو سَعيدِ بنُ أبي صادقٍ، قال: أنا ابنُ باكويه، قال: سمعتُ الحسَينَ بنَ أحمدَ الفارِسِيَّ يقول: سمعتُ محمدَ بن داودٍ الدّينَوَري يقول: سمعتُ ابنَ حديقٍ يقول: دخَلنَا المصِّيصَة معَ حاتِمٍ الأصمِّ، فاعتقَدَ أنهُ لا يأكُلُ فيها شيئًا إلَّا ويفتحُ فمَه ويوضَعُ فيهِ ما يأكل، فقال لأصحابِهِ: افترِقوا. وجلَسَ فأقامَ تِسعَةَ أيَّامٍ لا يأكُلُ فيها شيئًا، فلمَّا كان يومُ العاشِر جاء إليه إنسانٌ فوَضَعَ بينَ يديهِ شيئًا يؤكلُ، فقال: كُل. فلَم يُجِبْهُ. فقال له: ثلاثًا فلم يُجبه. فقال: هذا مجنونٌ، فأصلَحَ لُقمَةً وأشارَ بِها إلى فمِه، فلم يفتح فمَه ولَم يُكلِّمهُ، فأخرَجَ مفتاحًا كان في كُمِّهِ وقال: هذا مجنونٌ. ففَتَح فيهِ بالفتاحِ ودسَّ اللُّقمةَ فِي فمهِ، فأكل، ثمَّ قال له: إن أحببتَ أن ينفَعَك الله بهِ فأطعِم أولئك، وأشارَ بيدِهِ إلى أصحابه (٣).

стр. 719

• أنبأنا محمدُ بنُ أبي طاهر البزاز، قال: أنبأنا عِليُّ بنُ المحسِن التنوخِي (١) أنه قال: حدَّثني محمدُ بن هلالِ بنِ عبد الله، قال: حدَّثني القاضِي أحمدُ بنُ سيَّارٍ، قال: حدَّثني رجلٌ من الصُّوفية، قال: صحِبتُ شيخًا مِن الصوفيَّة أنا وجماعةٌ في سفرٍ، فجَرَى حديثُ التوكُّل والأرزاقِ وضَعفِ اليقين فيها وقُوَّته، فقال ذلِك الشيخ: عليَّ وعليَّ، -وحلَف بأيمانٍ غليظة- لا ذقتُ مأكولًا أو تَبعث لي بِجامِ فالوذَجٍ حارٍّ، ولا أكلتُهُ إلَّا بعدَ أن تحلف علَيَّ. قال: وكنَّا نمشِي في الصَّحراء، فقال له الجماعة: الآخر جاهل. ومَشى ومَشَينا، فانتَهَينا إلى قريةٍ وقَد مَضَى يومٌ ولَيلتان لَم يَطعَم فيها شيئًا، ففَارَقَتهُ الجَماعة غَيرِي، فَطرَح نفسَهُ في مسجدِ القريةِ مُستَسلِمًا للموتِ ضعفًا. فأقمتُ عَلَيه، فلمَّا كان في ليلةِ اليومِ الرَّابعِ وقدِ انتصَفَ اللَّيلُ، وكادَ الشيَّخُ يتلَف إذا بِبابِ المسجِدِ قد فُتِح، وإذا جَاريةٌ سودَاء معَهَا طبقٌ مُغطَّى، فلمَّا رأتنا قالَت: أنتُم غُرَباء أو مِن أهلِ القَرية؟ فقُلنا: غُرباء. فكشفتِ الطّبق، وإذا بجامِ فالوذَجٍ يفورُ لِحرارَته، فقالت: كُلُوا. فقلتُ: أتأكل؟ فقال: لا أفعَل. فرَفعَت الجارِيةُ يدَها فَصَفعَتهُ صَفعَةً عظيمةً، وقالت: واللهِ إن لم تأكُل لأصفَعَنَّكَ هكَذا إلى أن تأكُل! فقالَ: كُل مَعِي. فأكَلنا حتى نطفنا الجام، فهمَّتِ الجارِيةُ بالانصِرافِ، فقُلتُ لها: مكَانَكِ، خبِّرِينا خَبَركِ وخبَرَ هذا الجام. فقالت: نعم، أنا جارِية لرئِيسِ هذ القريةِ، وهو رجلٌ حادٌّ، طلب مِنَّا منذُ ساعةٍ فالُوذَجًا، فقُمنا نُصلِحُه لهُ، فطالَ الأمرُ عليهِ فاستَعجَلَهُ، فقُلنا: نَعَم. فَعَاد فاستعجَل، فقلنا: نعم. فحلَفَ بالطَّلاقِ لا أكَلَهُ هُو ولا أحدٌ مِمن هُو فِي دارِهِ، ولا أحدٌ من أهلِ

стр. 720

القريةِ، ولا أكَلَه إلَّا رجلٌ غريبٌ، فخَرَجنا نطلُبُ في المساجِدِ رجُلًا غَرِيبًا، فلم نجِد إلى أن انتهَينا إليكُم، ولَو لم يأكُل هذَا الشَّيخ لقتَلْتُه ضَربًا إلى أن يأكُل؛ لئلَّا تُطَلَّقَ سِيَّدَتِي من زوجِها قال: فقال لي الشَّيخ: كيفَ تراهُ إذا أرادَ أن يرزُق (١)؟! قال المصنف ﵀: قلت: ربَّما سمع هذا جاهلٌ فاعتقَدَهُ كرامةً، وما فعلَهُ الرجلُ مِن أقبحِ القبيحِ، فإنهُ يجرِّبُ على اللهِ ويتألَّى علَيهِ، ويحمِلُ علَى نفسِهِ من الجُوعِ ما لا يجوزُ له، ولا ينكر بأنه لَطَفَ بهِ، إلَّا أنهُ فعل ضدّ الصَّوابِ، وربما كانَ انفاذ ذلكَ ردِيئًا لهُ؛ لأنَّهُ يعتقِدُ أنهُ قد أُكرِمَ، وأنَّ لهُ منزِلة. وكذلِكَ حِكاية حاتمٍ التي قبلها، فإنَّها إن صحَّت دلَّت علَى جهل بالعلمِ، وفعلٍ لما لا يجوزُ؛ لأنه ظنَّ أنَّ التوكُّل إنما هُو تركُ التسبُّب، فلَو عمِل بمقتضَى واقِعتهِ لم يمضُغِ الطَّعامَ ولم يبلَعْهُ، ثمَّ أيُّ قُربةٍ في هذا الفِعلِ الباردِ، وما أظنُّ غالبهُ إلَّا مِن المالِيخُولِيا، فإنَّه سببٌ، وهل هذا إلَّا مِن تلاعُبِ إبليسَ بالجهَلَةِ لقلَّةِ عِلمِهِم بالشَّرع؟! • أخبرنا عبدُ الرَّحمن بنُ محمدٍ القزَّاز، قال: أنا أحمدُ بنُ عليِّ بن ثابتٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المحسِن القاضِي، قال: حدَّثني أبو إسحاق إبراهِيم بن أحمد الطَّبَري، قال: قال لي جعفر الخلدي: وقفتُ بعرفةَ ستًا وخَمسينَ وقفةً، منها إحدى وعشرونَ على المذهب، فقلتُ لأبي إسحاق: أيَ شيءٍ أراد بقوله: على المذهب؟ فقال: يصعَدُ إلى قنطرةِ الياسِريَّة فينفضُ كُمَّيه حتى يُعلَمَ أنه ليسَ معهُ زادٌ ولا ماءٌ، ويلُبِّي ويسير (٢).

стр. 721

قال المصنِّفُ ﵀ قلت: وهذا مخُالفةٌ للشرع، فإنَّ اللهَ تعالى يقول: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة: ١٩٧] ورسولُ اللهِ ﷺ قد تزوَّد، ولا يُمكن أن يُقالَ: إنَّ هذا الآدميَّ لا يحتاجُ إلى شيءٍ في مُدَّةِ أشهرٍ، فإنِ احتاجَ فعطِبَ أثِمَ، وإن سَألَ النَّاسَ أو تعرَّضَ لهُم؛ لم يفِ ذلك بدعوَى التوكُّل، وإنِ ادَّعَى أنهُ يُكرَمُ فيُرزَقُ بلا سَببٍ، فَنَظَرُهُ إلى أنَّهُ مُستَحِقٌ لذلِكَ محِنةٌ! ولو تبعَ أمرَ الشَّرعِ فحمَل الزَّادَ كان أصلَحَ لهُ على كلِّ حالٍ. وأنبأنا أبو زُرعَةَ طاهِرُ بن محمد بنِ طاهرٍ، قال: أخبَرني أبِي عن بعضِ المتصوِّفةِ، أنهُ قدِمَ عليهِ مكَّةَ جماعة من المتصوِّفَة، فقال لهم: من صحِبتُم؟ فقالوا: حاجَّ اليمن. فقال: أوَّه أوَّه! التصوُّفُ قد صارَ إلى هذا، والتوكُّل قد ذهب! أنتم ما جِئتُم على الطَّريقةِ والتصوُّف، وإنَّما جِئتُم في مائِدةِ اليمنِ إلى مائِدةِ الحرم. ثم قال: وحقِّ الأخيار والفتيانِ (١)، لقد كنَّا أربعةَ نفرٍ مصطَحِبِينَ في هذهِ الطَّريقِ، نخرُجُ إلى النَّبيِّ ﷺ على التجريدِ (٢) ونتعاهدُ بيننا أن لا نلتَفِت إلى مخلوقٍ ولا نستندَ إلى

стр. 722

معلُومٍ، فجِئنا إلى النبي ﷺ ومكَثنا ثلاثةَ أيَّامٍ لم يُفتَح لنا بِشيءٍ، فخَرجَنا حتَّى بلَغنا الجُحفَة، ونزَلنا على تِلك البِئرِ، ونزل بحذائنا نفرُّ من الأعرابِ، فبعثُوا إلينا بِسَويقٍ، فأخذَ بعضُنا ينظُرُ إلى بعضٍ ويقول: لو كُنَّا من أهل هذا الشأنِ لم يُفتَح لنا بِشيءٍ حتى ندخُل الحرَمَ، فشرِبناهُ على الماءِ، وكان طعامَنا حتى دخَلنا مكَّة (١). قال المصنِّفُ قلت: اسمعوا إخوانِي إلى توكُّل هؤلاءِ، كيفَ منَعَهُم من التزوُّدِ المأمورِ بهِ! وأخرَجَهُم إلى أخذِ صدقاتِ الناس، ثم ظَنُّهُم أنَّ ما فعلوه مرتبةً، جهلٌ بمعرِفةِ المراتِبِ! • قال: ومن أعجَب ما بَلَغنِي عنهم في أسفارِهِم: ما أخبَرنا به محمدُ بن أبي القاسم البغداديُّ، قال: أَنا أبو محمَّد التميمِي عن أبي عبدِ الرَّحمن السُّلَمِي، قال: بلَغَني أنَّ أبا شُعيبٍ المقفَّع، وكان حجَّ سبعيَن حَجَّةً راجِلًا، أحرمَ في كلِّ حجَّةٍ من عندِ صخرةِ بيتِ المقدِس، ودخَل بادِيةَ تبوكٍ على التوكُّلِ، فلمَّا كان في حَجَّتِهِ الأخِيرةِ رأى كلبًا في البادِيةِ يلهَثُ عطَشًا، فقال: من يَشتَرِي سبعين حَجَّةً بشَربَةِ ماءٍ؟ قال: فدفع إليهِ إنسانٌ شَربةَ ماءٍ، فسقى الكلبَ، ثمَّ قال: هذا خيرٌ لِي من حَجِّي؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "في كلِّ ذاتِ كبِدٍ أجرٌ" (٢) (٣). • أخبرنا عبدُ الأوَّلِ بن عيسى، قال: أنا أحمدُ بن أبي نصرٍ الكوفانِي، قال: نا أبو محمَّد الحسَنُ بنُ محمد بن فوري الخبوشاني، قال: أنا أبو نصر عبدُ اللهِ بن عليٍّ الطُّوسِي

стр. 723

المعروفُ بابن السَّرَّاج، قال: سمعتُ الوجيهي يقول: سمعتُ أبا عليّ الروذباريَّ يقول: كنَّا في البادية جماعةً، ومعَنا أبو الحسَن العطوفي (١)، فربَّما كانت تلحقنا القافِلة وتظلِمُ علينا الطَّريقُ، وكان أبو الحسَنِ يصعَد تلًا فيصِيحُ صِياحَ الذِّئابِ حتى تسمعَ كلابُ الحيِّ فينبَحُونَ فنمرُّ على بيويهم ويحمل إلينا مِن عِندِهم معونة (٢). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: وإنما ذكرتُ مثلَ هذهِ الأشياءَ لِيتَنَزَّهَ العاقِلُ في مبلغِ علمِ هؤلاءِ، وفهمِهِم للتوكُّلِ وغيرهِ، ويرى مخالفَتَهُم لأوامرِ الشرعِ (٣). ولَيتَ شِعرِي! كيف يصنعُ مَن يَخرُجُ منهم ولا شَيءَ معهُ بالوضوءِ والصَّلاة؟! وإن تَخَرَّقَ ثوبُهُ ولا إبرةَ معهُ فكيف يفعلُ؟! وقد كان بعضُ مشايخهِم يأمرُ المسافِرَ بأخذِ العدَّةِ قبلَ السَّفَر: أخبرنا أبو منصورٍ القزَّاز، قال: أنا أبو بكرٍ الخطيبُ، قال: أنا أبو القاسِم عبدُ الكريم بن هوازِن القُشَيرِي، قال: سمعتُ أبا عبدُ الرَّحمن السُّلَمِي، يقول: سمعتُ أبا العبَّاسِ البغدادِيَّ، يقول: سمعت الفرغَانيَّ يقول: كانَ إبراهيمُ الخوَّاصَ مُجَردًا فِي التوكُّلِ يُدقِّقُ فيه، وكانَ لا تفارِقُهُ إبرَةٌ وخيوطٌ ورَكوةٌ ومقراضٌ (٤)، فقيل له: يا أبا إسحاق، لم تجمَع هذا وأنتَ تمنعُ من كلِّ شيءٍ؟! فقال: مثلُ هذا لا ينقضُ التوكُّل؛ لأنَّ لله تعالى علَينا فرائِض، والفقيرُ لا يكونُ عليهِ إلَّا ثوبٌ واحدٌ، فربما

стр. 724

يتخرَّقُ ثوبُهُ، وإن لم يكُن مَعَهُ إبرَةٌ وخيوطٌ تبدُو عورَتُهُ فتفسدُ علَيهِ صلاته، فإذا لم تكُن معهُ رَكْوةٌ تفسُدُ عليه طهارَتُهُ، وإذا رأيتَ الفقيرَ بلا رَكوةٍ ولا إبرةٍ ولا خُيوطٍ؛ فاتَّهِمهُ في صلاتِه (١).

стр. 725

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية إذا قدموا من سفر (١) • قال المصنِّفُ ﵀: مِن مذهَبِ القومِ أنَّ المسَافِر إذا قدِم مِن سَفَرٍ فدخَل إلى الرِّباطِ وفيه جماعةٌ لم يُسلِّم عليهِم حتَّى يدخُلَ الميضأة، فإذا توضَّاَ جاءَ فصلَّى ركعَتَين، ثمَّ سلَّم على الشَّيخ، ثمَّ سلَّم على الباقِين. وهذا ممَّا ابتدَعهُ متأخِّروهُم على خِلافِ الشَّريعة؛ لأنَّ فقهاءَ الأمصارِ أجمَعوا علَى أنَّ مَن دخَل على قومٍ سُنَّ له أن يسلِّم عليهم (٢)، سواءً كان على طهارةٍ أو لم يكُن، إلَّا أن يكُونوا أخذوا هذا مِن مذهَب الأطفالِ، فإنَّه إذا قِيل للطِّفل: ما سلَّمت علينا، يقول: فما غسلتُ وجهِي بعد، أو لعلَّ الأطفالَ علِمُوه من هؤلاء المبتدِعِين. أخبَرنا ابن الحصَين، قال: أنا أبو علي بن المذهب، قال: أنا أبو بكرِ ابن مالك، قال: نا عبدُ اللهِ بنُ أحمد، قال: حدَّثني أبِي، قال: نا عبدُ الرَّزَّاق، قال: نا معمَرٌ، عن همامِ بن منبِّه، قال: نا أبو هُريرةَ ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ليسلِّمَ الصغيرُ على الكبِير، والمارُّ على القاعِد، والقليلُ على الكثِير (٣). أخرجَاه في الصَّحيحَين. • ومِن مذهَب القومِ تغمِيزُ القَادِم مِن السَّفر: أنبأنا أبو زُرعةُ طاهِر بنُ محمد بن طاهِرٍ، عن أبيه، قال: بابُ السُّنة في تغميزِهم

стр. 726

القادمَ أوَّلَ ليلَةٍ لتَعَبِه. واحتجَّ بحديثِ عمرَ ﵁ قال: دخلتُ على النَّبي ﷺ وغلامٌ له حَبَشيٌّ يغمِزُ ظهرَهُ، فقلت: ما شَأنُكَ يا رسول الله؟ قال: "إنَّ الناقة اقتحَمَت بي" (١). قبل المصنِّفُ: قلت: تنزَّهوا إخواني في فقهِ هذا المحتج! فإنهُ قد كانَ ينبَغِي أن يقول: باب السُّنةِ في تغميزِ مَن رَمَتْ بهِ ناقَتُهُ، وتكونُ السُّنَّة تغميزَ الظَّهرِ لا القَدَم، ومن أين له أنهُ كانَ في سَفَر؟ وأنَّه غمزَ أوَّلَ ليلةٍ؟ ثمَّ يجعلُ تغميزَ النبي ﷺ كما اتفَقَ لأجل أَلَم ظَهرهِ سُنَّةً، لقد كان تَركُ استخرَاجِ هذا الفِقهِ الدَّقيقِ أحسنَ مِن ذِكرهِ. • ومن مذهبِهِم عملُ دعوةٍ للقادِم: قال ابنُ طاهر: بابُ اتخاذِهم العتِيرة (٢) للقادِم، واحتجَّ بحديثِ عائِشةَ ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ سافر سفرًا فنذَرت جاريةٌ مِن قُريشٍ إنِ اللهُ تعالى ردَّهُ أن تضرِب في بيتِ عائشةَ ﵂ بدُفٍّ، فلمَّا رجَع قال النبي ﷺ : "لتضرِب" (٣).

стр. 727

قال المصنِّفُ ﵀: قلت: قد بيَّنا أنَّ الدُّفَّ مباحٌ (١)، ولما نذَرَت هذهِ المرأةُ مباحًا أمرَها أن تفِيَ، فكيف يُحتجُّ بهذا على الغِناءِ والرَّقصِ عندَ قدومِ المسافِر؟!

стр. 728

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية إذا مات لهم ميت قال المصنِّفُ: له في ذلك تلبيسانِ: الأول: أنهُم يقولون: لا نبكِي على هالِكٍ، ومَن بَكَى على هالِكٍ خَرجَ عن طَرِيقةِ أهلِ المعارف. قال ابنُ عقيلٍ: وهذ دعوَى تزِيدُ على الشَّرعِ، فهِي حديثُ خُرافةٍ، وتخرُج عن العاداتِ والطِّباعِ، فهِي انحرافٌ عن المزاجِ المعتدِل، فينبغي أن يُطلَبَ لها العلاجُ بالأدوِيةِ المُعدِّلةِ للمزاجِ، فإنَّ اللهَ تعالى أخبَر عن نبيٍّ كريمٍ، فقال: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤] وقال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]، وبكَى رسولُ الله ﷺ عندَ موتِ ولدِه، وقال: "إنَّ العينَ لتدمعُ" (١)، وقال: "واكرباه" (٢)، وقالت فاطمةُ ﵂: واكربَ أبتاهُ. فلم يُنكِر (٣). وسمع عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ مُتَمِّمًا يندُبُ أخاه ويقول: وكنَّا كَنَدمَانَي جَذِيمة حِقبةً … مِن الدَّهرِ حتَّى قيلَ لن يَتَصدَّعا (٤)

стр. 729

فقال ﵁: ليتَني كنتُ أقول الشِّعرَ فأندبُ أخي زيدًا! فقال متمِّمٌ: لَو ماتَ أخي كما مات أخوك ما رَثَيتُهُ. -وكان مالك ماتَ على الكفرِ، وزيدٌ قُتلَ شهِيدًا- فقال عمر: ما عزَّاني أحدٌ بأخِي كمثلِ تَعزِيتكَ (١). ثم ما تزال الإبِلُ الغلِيظةُ الأكبادِ تحنُّ إلى مآلِفِها من الأعطانِ والأشخاصِ، وتَرغُو للفصلانِ، وحمام الطَّير ترجِّع (٢). وكلُّ مأخوذٍ بالبلاءِ، فلابدَّ أن يتضرَّعَ، ومَن لم تُحرِّكهُ المسارُّ والمطرِباتُ، وتُزعِجُهُ المحزِناتُ فهو إلى الجَمادِيَّةِ أقرَبُ منهُ إلى الحيوانية. وقد أبانَ النَّبيُّ ﵊ عن العيبِ في الخرُوجِ عن سَمتِ الطبعِ، فقال للذِي قال: لم أقبِّل أحدًا مِن وَلدِي. فقال: "أَأملِك أنْ نَزَع اللهُ الرَّحمةَ مِن قَلبِكَ" (٣). وجعلَ يلتفِتُ إلى مكَّةَ لمَّا خرَج.

стр. 730

فالمطالِبُ بِما يخرُجُ عن الشَّرائِعِ وينبُو عنِ الطِّباعِ جاهلٌ يطالب بجهل، وقد قنعَ الشّرع منا أن لا نلطِم خدًا ولا نخرِق جيِبًا (١)، فأمّا دمعةٌ سائِلةٌ وقلبٌ حزِينٌ فلا عَيبَ في ذلك. التلبيس الثَّاني: أنّهم يعملون عندَ موتِ الميّت دعوةً ويُسمُّونها عُرسًا، يُغنوُّن فيها ويرقصون ويلعبون، ويقولون: نفرحُ للميِّت إذ وصَلَ إلى ربِّهِ. والتَّلبِيسُ في هَذا عليهم مِن ثلاثةِ أوجه: • أحدُها: أنَّ المسنُونَ أن يُتَّخَذَ لأهلِ الميِّت طعامٌ، لاشتغالهِم بالمصِيبةِ عن إِعداد الطَّعام لأنفُسِهِم، وليس من السُّنَّة أن يَتَّخِذَهُ أهلُ الميِّتِ ويبعثُونَه إلى غيرِهم. والأصلُ في اتِّخَاذِ الطَّعامِ لأهلِ الميِّتِ: ما أخبرنا به أبو الفتحِ الكرُوخِي، قال: أخبَرنا أبو عامرٍ الأزدِيُّ وأبو بَكرٍ الغُورَجِيُّ، قالا: أخبَرنا الجرَّاحِي، قال: نا المَحبُوبِي، قال: نا التِّرمذيُّ، قال: نا أحمَدُ بنُ مَنيعٍ وعليُّ بن حُجرٍ، قالا: حدثنا سُفيانُ بن عيينةَ، عن جَعفَر بنِ خالدٍ، عن أبيه، عن عبدِ الله بن جعفر، قال: لمَّا جاء نعيُ جعفرٍ قال النبي ﷺ : "اصنَعُوا لأَهلِ جعفرٍ طَعامًا، فإنَّه قد جَاءَهُم ما يُشغِلُهُم". قال الترمذي: هذا حديثٌ صحيحٌ (٢).

стр. 731

• والثَّانِي: أنَّهم يفرَحون للميِّت ويقولون: وصلَ إلى ربِّه، ولا وجهَ للفَرَحِ؛ لأنَّا لا نَتَيقَّنُ أنهُ غُفِرَ له، وما يؤمنُنا أن نفرَحَ لهُ وهو في المعذَّبِين! وقد قال عُمرُ بن ذرٍّ لما مات ابنُه: لقَد شَغلَنِي الحزنُ لكَ عنِ الحزنِ عليك (١). أخبرنا عبدُ الأول، قال: أنا ابنُ المظَفَّر، قال: أخبرنا ابن أعين، قال: نا الفِرَبرِي، قال: نا البخاريُّ، قال: نا أبُو اليَمَان، قال: أنا شُعيبٌ، عن الزُّهرِي، قال: حدَّثني خارِجةُ بنُ زيدٍ الأنصاريُّ، عن أمِّ العلاءِ، قالت: لمَا ماتَ عثمانُ بن مظعونٍ دخل علينا رسولُ الله ﷺ ، فقلت: رحمةُ اللهِ عليكَ أبا السَّائب! فشَهادتِي علَيك لقد أكرمَك الله. فقال لي النبي ﷺ "وما يُدرِيكِ أنَّ اللهَ أكرَمَهُ؟! " (٢). • والثالِث: أنَّهم يرقُصون ويلعبُونَ في تِلك الدَّعوةِ، فيخرُجون بِهذا عن الطِّباعِ السَّلِيمَة التي يؤثِّر عِندَها الفِراق. ثمَّ إن كان ميتُهُم قد غُفِر لهُ فمَا الرَّقصُ واللَّعِبُ بِشُكرٍ، وإن كان معذَّبًا فأينَ أثَرُ الحُزن؟!

стр. 732

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك التشاغُل بالعلم قال المصنِّفُ ﵀ قلت: اعلم أنَّ أوَّل تلبيسِ إبليسَ على النَّاسِ صدُّهُم عن العِلم؛ لأنَّ العلمَ نورٌ، فإذا أطفأَ مصابِيحَهُم خَبَّطَهُم في الظُّلم كيفَ شاء. وقد دخَلَ على الصُّوفِيَّة في هذا الفنِّ من أبواب: أحدُها: أنَّه منعَ جُمهورَهُم من العِلم أصلًا، وأراهُم أنه يحتاجُ إلى تَعَبٍ وكَلَفٍ، فحسَّنَ عِندَهم الرَّاحة، فلبِسُوا المُرَقَّع وجَلَسوا علَى بِساطِ البَطَالة. أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أحمدَ السَّمَرقَندِيُّ، قال: أنا حَمَدُ بنُ أحمد الحدَّاد، قال: أنا أبو نُعيمٍ الأصبَهَانِي، قال: أنا أبو حامِدِ بنُ حيَّان، قال: نا أبو الحسَن البغداديُّ، قال: نا ابنُ صاعدٍ، قال: سمعتُ الشَّافِعِي يقول: أُسِّسَ التصوُّفُ على الكَسَل (١). وبيانُ ما قالَهُ الشَّافِعِي رحمةُ اللهِ عليهِ: أنَّ مقصودَ النَّفسِ: إمَّا الرِّئاسَة، وإمَّا استجلابُ الدُّنيا. والرِّئاسَةُ واستِجلابُ الدُّنيا بالعُلومِ يطولُ ويُتعِبُ البَدَن، وهل يحصل المقصودُ أو لا يحصُل؟! والصُّوفيَّةُ قد تعجَّلوا الرئاسة -فإنهم يَرَوْنَ بِعينِ الزُّهدِ- واستجلابَ الدُّنيا، فإنَّها إليهِم سرِيعةٌ. أخبَرنا عبدُ الحقِّ بنُ عبدِ الخالِق، قال: أنبأنا المبارَكُ بن عبد الجبَّار، قال: أنا أبو الفرَج الطناجيري، قال: نا أبو حفصِ بن شاهِين، قال: ومِن الصُّوفيَّةِ من ذمَّ العُلَماءَ، ورأَى أنَّ الاشتِغالَ بالعِلمِ بَطَالةٌ، وقالوا: نحن علومُنا بلا واسطَة. وإنما رأَوا بُعدَ الطَّرِيق

стр. 733

في طلَبِ العِلم، فقصَّرُوا الثِّيابَ ورَقَّعوا الجِبَاب، وحمَلوا الرِّكاءَ وأظهروا الزُّهدَ (١). والثاني: أنهُ قَنَّعَ قومًا باليَسِيرِ منهُ، فأفاتَهُم الفضلَ الكَثيرَ في كثرتِه، فاقتَنَعوا بأطرافِ الأحاديث، وأوهَمهُم أنَّ علوَّ الإسنادِ والجلوسَ للتَّحدِيثِ كلَّه رياسة ودُنيا، وأنَّ للنَّفس في ذلك لذَّةً! وكشفُ هذا التَّلبيسِ: أنه ما مِن مقامٍ عالٍ إلَّا ولهُ فضِيلةٌ، وفيهِ مخُاطَرةٌ، فإنَّ الإمارةَ والقَضاءَ والفَتوى كلَّه مخُاطرةٌ، وللنَّفسِ فيهِ لذَّةٌ! ولكِن فضِيلةٌ عظِيمة، والشَّوك في جِوارِ الورد، فينبغِي أن تُطلَبَ الفضائِلُ، ويُتَّقى ما فِي ضِمنِها مِن الآفات. فأمَّا ما فِي الطَّبعِ من حُبِّ الرِّياسة، فإنه إنَّما وُضِع لِتُجْتَلَبَ هذهِ الفضيلةُ، كما وُضِعَ حبُّ النكاحِ ليحصُلَ الولدُ، وبالعلم يَتَقوَّمُ قصدُ العالِم، كما قال يزيدُ بن هارون: طلَبنا العلمَ لغيرِ اللهُ، فأبَى اللهُ أن يكون إلَّا له (٢). ومعناهُ: أنَّه دلَّنا على الإخلاصِ، ومَن طَالَبَ نفسَه بقطعِ ما في طبعِه لم يمكِّنه. والثالث: أنَّه أوهَم قومًا منهُم أنَّ المقصودَ العملُ، وما فهموا أنَّ التَّشاغُلَ بالعلم أو فَى الأعمال، ثمَّ إنَّ العالِم وإن قَصُر سيرُ عمَلِه فإنَّه علَى الجادَّةِ، والعابِدُ بغيرِ علمٍ علَى غَير الطريق.

стр. 734

والرابع: أنه أرى خلقًا كثيرًا منهم أنَّ العِلم ما اكتسَبَ من البواطِن، حتى إن أحدَهُم تخايل لهُ وسوَسة، فيقول: حدَّثني قلبِي عن ربِّي! وكان الشبلي يقول: إذا طالبُونِي بِعلمِ الوَرَق … برزتُ عليهِم بعلمِ الخِرَق (١) وقد سمَّوا علومَ الشريعةِ العلمَ الظَّاهِر، وسمَّوا هواجِسَ النفوسِ العلمَ الباطِن، واحتجُّوا بما أخبَرنا به عبدُ الحقِّ بن عبدِ الخالق، قال: أنبأنا المباركُ بنُ عبدِ الجبار، قال: أنا الحسينُ بن عليٍّ الطناجِيري، قال: أخبرنا أبو حفصِ بن شاهين، قال: نا عليُّ بن محمد بن جعفر بن أحمد بن عنبسَة العسكرِي، قال: حدَّثني دارِم بنُ قبِيصة بن بهشل الصنعاني، قال: سمعت يحيىَ بن الحسَين بن زيدِ بن عليٍّ، قال: سمعتُ يحيىَ بنَ عبد الله بنِ الحسين، عن يحيى بنِ زيدِ بنِ عليٍّ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، عنِ الحسنِ بن عليٍّ، عن عليٍّ، عن النبي ﷺ أنه قال: "علم الباطِنِ سرٌّ من سرِّ اللهِ ، وحُكمٌ من حكم الله تعالى، يقذِفه الله في قلوب مَن يشاءُ مِن أولِيائِه" (٢). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: وهذا حديثٌ لا أَصلَ له عن النَّبي ﷺ ، وفي إِسنادهِ مجاهِيلُ لا يُعرَفون.

стр. 735

أنبأنا محمدُ بن ناصرٍ، قال: أنبأنا أبو الفضلِ محمدُ بن علي السهلكِي، قال: أخبَرنا أبو عليٍّ عبدُ الله بن إبراهيم النَّيسَابوري، قال: نا أَبُو الحسَن عليّ بن عبدِ الله بن جَهضم، قال: نا أبو الفتح أحمدُ بن الحسن، قال: نا عليُّ بن جعفرٍ، عن أبي موسى، قال: كانَ في ناحِيةِ أبي يزيدَ رجلٌ فقيهٌ عالِمُ تلك الناحية، فَقَصَدَ أبا يزيدَ، وقال له: قد حُكِي لي عنكَ عجائِبُ، فقال له أبو يزيد: وما لَم تَسمَع مِن عَجائبي أكثر. فقال: عِلْمُكَ هذا يا أبا يزيدَ عَن مَنْ؟ ومِنْ مَن؟ ومِن أين؟ فقال أبو يزيدَ: عِلمِي مِن عطاءِ اللهِ تعالى، ومن حيثُ قال رسولُ الله ﷺ : "مَن عَمِل بما يَعلَم ورَّثهُ اللهُ تعالى عِلمَ ما لَم يَعلَم" (١)، ومِن حيثُ قال: "العِلمُ عِلمَان: علمٌ ظاهِر، وهو حُجَّةُ اللهِ علَى خلقِهِ، وعِلمٌ باطِنٌ، وهو العِلمُ النَّافِع" (٢). وعِلمُك يا شَيخُ، نقلٌ مِن لِسانِ التَّعلِيم، وعِلمِي مِن اللهِ إلهامٌ مِن عندِه. فقال لهُ الشَّيخ: عِلمِي عنِ الثِّقات عن رسولِ الله ﷺ عن جَبريلَ عن ربِّهِ . فقال له أبو يزيدَ: يا شَيخ! كان للنبيِّ ﷺ عِلمٌ عنِ اللهِ لم يطَّلِع علَيهِ جبريلُ ولا مِيكَائيل.

стр. 736

قال: نَعم، ولكِن أرِيد أن يصِحَّ لي عِلمُك الذي تقول هو مِن عِندِ اللهِ. قال: نعم، أبَيِّنُهُ لكَ قدرَ ما تستقرُّ في قلبِك معرِفتُه. ثمَّ قال: يا شيخ! علِمتَ أنَّ اللهَ تعالى كلَّمَ موسَى تكلِيمًا، وكلَّم محمدًا ﷺ ورآهُ كِفاحًا، وأنَّ حلمَ (١) الأنبِياءِ وحيٌ؟ قال: نعم. قال: أمَا علِمتَ أنَّ كلامَ الصِّدِّيقينَ والأولياء بالإلهام منه، وفوائِدُهُ مِن قلوبِهم، حتَّى أنطَقَهم بالحِكمةِ ونَفعَ بِهم الأمَّة؟! وممَّا يؤكِّدُ ما قلتُ، ما أَلهَمَ اللهُ تعالى أمَّ موسَى أن تُلقِيَ موسَى في التابوتِ فألقَتهُ، وألهَمَ الخضرَ في السَّفِينةِ والغُلامِ والحائِطِ، وقوله لموسى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، وكما قال أبو بكرٍ لعائشةَ ﵂: أنَّ ابنةَ خارِجَة حامِلةٌ ببنتٍ (٢)، وألهَم عمرَ ﵁ فنادى: يا سارِية الجبل (٣) (٤). أنبأنا ابنُ ناصِر، قال: أنبأنا أبو الفضلِ السهلكِي، قال: سمعتُ أبا عبدِ الله الشِّيرازِي يقول: سمعتُ بكران بنَ أحمدَ القزوِينِي يقول: سمعتُ يوسفَ بنَ الحسَينِ يقول: سمعتُ إبراهيمَ ستنبه يقول: حضرتُ مجلسَ أبِي يزيدَ والناسُ يقولون: فلانٌ لقِي فُلانًا وأخَذَ مِن عِلمِه وكتَبَ منهُ الكثيرَ، وفلانٌ لقِي فُلانًا. فقال أبو يزيدَ: مسَاكِين! أخذُوا عِلمَهُم ميِّتًا عن ميِّتٍ، وأخَذنَا عِلمَنا مِن الحَيِّ الذِي لا يموت (٥).

стр. 737

قال المصنِّفُ ﵀: قلت: هذا الفقهُ في الحكايةِ الأُولى مِن قِلَّةِ العِلمِ؛ إذ لَو كانَ عالمًا لعلِمَ أنَّ الإلهامَ للشَّيءِ لا يُنافِي العلمَ، ولا يقتنَعُ بهِ عنه، ولا يُنْكَرُ أنَّ اللهَ يُلهِم الإنسانَ الشَّيءَ، كما قال النبيُّ ﷺ : "إنَّ في الأممِ مُحَدَّثِين، وإن يكُن في أمَّتِي فعُمَر" (١). والمرادُ بالتَّحدِيث: إِلهامُ الخير، إلَّا أنَّ هذا المُلْهَمَ لو أُلهِمَ ما يُخالِفُ العلمَ لَم يجُز لهُ أن يعمَل عليه (٢). وأمَّا الخضرُ فقد قِيل: إنه نبيٌّ (٣)، ولا نُنكِر للأنبياءِ الاطِّلاع بالوحيِ على

стр. 738

العواقِب، وليسَ الإلهامُ مِن العِلمِ في شَيءٍ، إنما هو ثَمرةُ العِلم والتَّقوى، فيوفَّقُ صاحِبُهُما للخَيرِ ويُلهَمُ الرُّشدَ. فأمَّا أن نتركَ العِلم ويُعتَمَدُ على الإلهامِ والخواطِر، فلَيسَ هذا بِشيءٍ! إذ لَولا العِلمُ النقلي ما عَرفنا ما يقَعُ في النَّفسِ من إلهام الخيرِ ووسوسةِ الشَّيطان. واعلم أنَّ العِلمَ الإلهامِيَّ الملقَى في القُلوبِ لا يكفِي عن العِلم المنقولِ، كما أنَّ العلومَ العقليَّة لا تكفِي عنِ العلومِ الشَّرعيَّة، فإنَّ العقلية كالأغذية، والنقليَّة كالأدوِية، ولا ينوبُ هذا عَن هذا. وأمَّا قولُه: "أخَذُوا عِلمَهُم ميِّتًا عن ميِّتٍ"، أصلَحُ ما يُنسَبُ إليه هذا القائل أنه ما يَدرِي ما فِي ضِمنِ هذا القولِ، وإلَّا فهذا طعنٌ على الشَّرِيعة! أنبأنا ابنُ الحصَين، قال: أنبأنا ابنُ المذهب، قال: أنا أبو حفصِ بنُ شاهِين، قال: مِن الصوفيَّةِ مَن رأَى الاشتِغالَ بالعِلمِ بطالةً، وقالوا: نحنُ علومُنا بلا واسِطَة. قال: ومَا كَان المتقدِّمونَ في التصوُّفِ إلا رُؤوسًا في القرآن والفِقه، ولكن هؤلاءِ أحبُّوا البَطَالة (١)! وقال أَبُو حامدٍ الطُّوسِيُّ: اِعلم أنَّ ميلَ أهلِ التصوُّفِ إلى العُلُومِ الإلهَامِيَّةِ دُونَ التَّعلِيمِيَّة؛ ولذلكَ لم يُحرِّضُوا على دِراسَةِ العِلمِ وتحصيلِ ما صنَّفَهُ المصنِّفُون، بل قالوا: الطريقُ تقديمُ المجاهداتِ بِمحوِ الصِّفات المذمومةِ، وقطعِ العلائِقِ كلِّها، والإقبالُ على اللهِ تعالى بِكنهِ الِهمَّة، وذلك بأن يقطَعَ الإنسانُ همَّهُ عنِ الأهلِ والمالِ والولدِ والعلمِ، ويخلُو بنَفسِهِ في زاوِيةٍ، ويقتصِرُ على الفرائِضِ والرَّواتِبِ، ولا يُفَرِّق

стр. 739

همَّهُ بقراءةِ قُرآنٍ ولا بالتَّامُّلِ في تفسيره ولا بكتبِ حديثٍ وغيره (١)، فلا يزالُ يقول: الله الله الله! إلى أن ينتهِي إلى حالةٍ يتركُ تحريكَ اللِّسانِ، ثمَّ تمَتَحِي عن القلب صورةُ اللَّفظ (٢). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: عزيز عليَّ أن يصدُرَ هذا الكلامُ مِن فقيهٍ! فإنهُ لا يَخفَى قبحُهُ، كأنَّه على الحقِيقةِ طيٌّ لِبساطِ الشرِيعةِ التي حثَّت على تِلاوَةِ القرآنِ وطلبِ العِلم. وعلى هذا المذهبِ فقد فاتتِ الفضائلُ عُلماءَ الأمصارِ، فإنَّهم ما سلكُوا هذهِ الطريقَ، وإنَّما تشاغلُوا بِالعِلم. وعلَى ما قد رتَّبَ أبو حامدٍ تخلو النفسُ بوساوِسِها وخيالاتِها، ولا يكونُ عندَها مِن العلمِ ما يطرُدُ ذلك، فيلعبُ بها إبليسُ أيَّ ملعبٍ، ويريها الوسوسةَ في محادثةٍ ومُناجَاة! ولا نُنكِرُ أنَّه إذا طهُرَ القلبُ أُفِيضَت عليهِ أنوارُ الهُدى، فينظُر بنورِ اللهِ تعالى (٣)، إلَّا أنهُ ينبغِي أن يكونَ تطهِيرهُ بمُقتضَى العِلمِ لا بما يُنافِيهِ؛ فإنَّ الجوعَ الشديدَ والسَّهرَ

стр. 740

وتضيِيعَ الزَّمانِ في التخيُّلاتِ أمور يَنهَى الشَّرع عنها، فلا يُستَفادُ مِن صاحِبِ الشَّرعِ شيءٌ بسببٍ قد نهى عنهُ، كما لا تُستَباحُ الرُّخَصُ في سَفَرٍ قد نهى عنه (١). ثمَّ لا تنافِي بينَ العِلم والرِّياضةِ، بل العلمُ يُعَلِّمُ كيفيَّةَ الرِّياضة، ويُعينُ على تصحِيحِها، وإنَّما تلاعَبَ الشيطانُ بأقوامٍ، فأبعَدوا العِلمَ وأقبلُوا على الرِّياضَة بما يَنْهَى عنه العلم، والعِلمُ بعيدٌ عنهُم، فتارةً يفعلُونَ الفِعل المنهيَّ عنه، وتارةً يؤثِرونَ ما غيرُهُ أولى، وإنَّما كانَ يُفتِي في هذهِ الحوادِث العلمُ، وقد عزلُوه نعوذ بالله مِن الخذلان! أنبأنا ابنُ ناصر، عن أبِي عليّ بنِ البنَّاء، قال: كانَ عِندنَا بِسوقِ السِّلاحِ رجلٌ كان يقول: القرآنُ حِجابٌ، والرّسولُ حِجابٌ، وليسَ إلَّا عبدٌ وربٌّ. فافتُتِن جماعةٌ وأهمَلوا العِباداتِ، واختفَى مخافَة القَتل (٢). أنبأنا محمدُ بن عبد الملك، قال: أنبأنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ ثابتٍ، قال: أخبَرنا أبو الحسَن محمدُ بن عبيد الله بنِ محمد الحنائي، قال: نا أحمدُ بن سلمان النجَّاد، قال: نا محمدُ بن عبدِ الله بنِ سُلَيمان، قال: نا هِشامُ بن يونُس، قال: نا المحارِبِيُّ، عن بكرِ بن خنيسٍ، عن ضِرارِ بن عمرٍو، قال: إنَّ قومًا تركُوا العِلمَ ومجالسةَ أهلِ العِلم، واتَّخذُوا محاريبَ فصامُوا، وصلُّوا حتى بلي جلدُ أحدِهِم على عظمه، وخالفوا السُّنة فهلَكُوا، لا -والذِي لا إلهَ غيرُه- مما عمِلَ عاملٌ قطُّ على جَهْلٍ إلَّا كان ما يُفسِد أكثرَ ممَّا يُصلِح (٣).
следующие страницы →