← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قال: نَعم، ولكِن أرِيد أن يصِحَّ لي عِلمُك الذي تقول هو مِن عِندِ اللهِ. قال: نعم، أبَيِّنُهُ لكَ قدرَ ما تستقرُّ في قلبِك معرِفتُه. ثمَّ قال: يا شيخ! علِمتَ أنَّ اللهَ تعالى كلَّمَ موسَى تكلِيمًا، وكلَّم محمدًا ﷺ ورآهُ كِفاحًا، وأنَّ حلمَ (١) الأنبِياءِ وحيٌ؟ قال: نعم. قال: أمَا علِمتَ أنَّ كلامَ الصِّدِّيقينَ والأولياء بالإلهام منه، وفوائِدُهُ مِن قلوبِهم، حتَّى أنطَقَهم بالحِكمةِ ونَفعَ بِهم الأمَّة؟! وممَّا يؤكِّدُ ما قلتُ، ما أَلهَمَ اللهُ تعالى أمَّ موسَى أن تُلقِيَ موسَى في التابوتِ فألقَتهُ، وألهَمَ الخضرَ في السَّفِينةِ والغُلامِ والحائِطِ، وقوله لموسى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، وكما قال أبو بكرٍ لعائشةَ ﵂: أنَّ ابنةَ خارِجَة حامِلةٌ ببنتٍ (٢)، وألهَم عمرَ ﵁ فنادى: يا سارِية الجبل (٣) (٤). أنبأنا ابنُ ناصِر، قال: أنبأنا أبو الفضلِ السهلكِي، قال: سمعتُ أبا عبدِ الله الشِّيرازِي يقول: سمعتُ بكران بنَ أحمدَ القزوِينِي يقول: سمعتُ يوسفَ بنَ الحسَينِ يقول: سمعتُ إبراهيمَ ستنبه يقول: حضرتُ مجلسَ أبِي يزيدَ والناسُ يقولون: فلانٌ لقِي فُلانًا وأخَذَ مِن عِلمِه وكتَبَ منهُ الكثيرَ، وفلانٌ لقِي فُلانًا. فقال أبو يزيدَ: مسَاكِين! أخذُوا عِلمَهُم ميِّتًا عن ميِّتٍ، وأخَذنَا عِلمَنا مِن الحَيِّ الذِي لا يموت (٥).

стр. 737

قال المصنِّفُ ﵀: قلت: هذا الفقهُ في الحكايةِ الأُولى مِن قِلَّةِ العِلمِ؛ إذ لَو كانَ عالمًا لعلِمَ أنَّ الإلهامَ للشَّيءِ لا يُنافِي العلمَ، ولا يقتنَعُ بهِ عنه، ولا يُنْكَرُ أنَّ اللهَ يُلهِم الإنسانَ الشَّيءَ، كما قال النبيُّ ﷺ : "إنَّ في الأممِ مُحَدَّثِين، وإن يكُن في أمَّتِي فعُمَر" (١). والمرادُ بالتَّحدِيث: إِلهامُ الخير، إلَّا أنَّ هذا المُلْهَمَ لو أُلهِمَ ما يُخالِفُ العلمَ لَم يجُز لهُ أن يعمَل عليه (٢). وأمَّا الخضرُ فقد قِيل: إنه نبيٌّ (٣)، ولا نُنكِر للأنبياءِ الاطِّلاع بالوحيِ على

стр. 738

العواقِب، وليسَ الإلهامُ مِن العِلمِ في شَيءٍ، إنما هو ثَمرةُ العِلم والتَّقوى، فيوفَّقُ صاحِبُهُما للخَيرِ ويُلهَمُ الرُّشدَ. فأمَّا أن نتركَ العِلم ويُعتَمَدُ على الإلهامِ والخواطِر، فلَيسَ هذا بِشيءٍ! إذ لَولا العِلمُ النقلي ما عَرفنا ما يقَعُ في النَّفسِ من إلهام الخيرِ ووسوسةِ الشَّيطان. واعلم أنَّ العِلمَ الإلهامِيَّ الملقَى في القُلوبِ لا يكفِي عن العِلم المنقولِ، كما أنَّ العلومَ العقليَّة لا تكفِي عنِ العلومِ الشَّرعيَّة، فإنَّ العقلية كالأغذية، والنقليَّة كالأدوِية، ولا ينوبُ هذا عَن هذا. وأمَّا قولُه: "أخَذُوا عِلمَهُم ميِّتًا عن ميِّتٍ"، أصلَحُ ما يُنسَبُ إليه هذا القائل أنه ما يَدرِي ما فِي ضِمنِ هذا القولِ، وإلَّا فهذا طعنٌ على الشَّرِيعة! أنبأنا ابنُ الحصَين، قال: أنبأنا ابنُ المذهب، قال: أنا أبو حفصِ بنُ شاهِين، قال: مِن الصوفيَّةِ مَن رأَى الاشتِغالَ بالعِلمِ بطالةً، وقالوا: نحنُ علومُنا بلا واسِطَة. قال: ومَا كَان المتقدِّمونَ في التصوُّفِ إلا رُؤوسًا في القرآن والفِقه، ولكن هؤلاءِ أحبُّوا البَطَالة (١)! وقال أَبُو حامدٍ الطُّوسِيُّ: اِعلم أنَّ ميلَ أهلِ التصوُّفِ إلى العُلُومِ الإلهَامِيَّةِ دُونَ التَّعلِيمِيَّة؛ ولذلكَ لم يُحرِّضُوا على دِراسَةِ العِلمِ وتحصيلِ ما صنَّفَهُ المصنِّفُون، بل قالوا: الطريقُ تقديمُ المجاهداتِ بِمحوِ الصِّفات المذمومةِ، وقطعِ العلائِقِ كلِّها، والإقبالُ على اللهِ تعالى بِكنهِ الِهمَّة، وذلك بأن يقطَعَ الإنسانُ همَّهُ عنِ الأهلِ والمالِ والولدِ والعلمِ، ويخلُو بنَفسِهِ في زاوِيةٍ، ويقتصِرُ على الفرائِضِ والرَّواتِبِ، ولا يُفَرِّق

стр. 739

همَّهُ بقراءةِ قُرآنٍ ولا بالتَّامُّلِ في تفسيره ولا بكتبِ حديثٍ وغيره (١)، فلا يزالُ يقول: الله الله الله! إلى أن ينتهِي إلى حالةٍ يتركُ تحريكَ اللِّسانِ، ثمَّ تمَتَحِي عن القلب صورةُ اللَّفظ (٢). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: عزيز عليَّ أن يصدُرَ هذا الكلامُ مِن فقيهٍ! فإنهُ لا يَخفَى قبحُهُ، كأنَّه على الحقِيقةِ طيٌّ لِبساطِ الشرِيعةِ التي حثَّت على تِلاوَةِ القرآنِ وطلبِ العِلم. وعلى هذا المذهبِ فقد فاتتِ الفضائلُ عُلماءَ الأمصارِ، فإنَّهم ما سلكُوا هذهِ الطريقَ، وإنَّما تشاغلُوا بِالعِلم. وعلَى ما قد رتَّبَ أبو حامدٍ تخلو النفسُ بوساوِسِها وخيالاتِها، ولا يكونُ عندَها مِن العلمِ ما يطرُدُ ذلك، فيلعبُ بها إبليسُ أيَّ ملعبٍ، ويريها الوسوسةَ في محادثةٍ ومُناجَاة! ولا نُنكِرُ أنَّه إذا طهُرَ القلبُ أُفِيضَت عليهِ أنوارُ الهُدى، فينظُر بنورِ اللهِ تعالى (٣)، إلَّا أنهُ ينبغِي أن يكونَ تطهِيرهُ بمُقتضَى العِلمِ لا بما يُنافِيهِ؛ فإنَّ الجوعَ الشديدَ والسَّهرَ

стр. 740

وتضيِيعَ الزَّمانِ في التخيُّلاتِ أمور يَنهَى الشَّرع عنها، فلا يُستَفادُ مِن صاحِبِ الشَّرعِ شيءٌ بسببٍ قد نهى عنهُ، كما لا تُستَباحُ الرُّخَصُ في سَفَرٍ قد نهى عنه (١). ثمَّ لا تنافِي بينَ العِلم والرِّياضةِ، بل العلمُ يُعَلِّمُ كيفيَّةَ الرِّياضة، ويُعينُ على تصحِيحِها، وإنَّما تلاعَبَ الشيطانُ بأقوامٍ، فأبعَدوا العِلمَ وأقبلُوا على الرِّياضَة بما يَنْهَى عنه العلم، والعِلمُ بعيدٌ عنهُم، فتارةً يفعلُونَ الفِعل المنهيَّ عنه، وتارةً يؤثِرونَ ما غيرُهُ أولى، وإنَّما كانَ يُفتِي في هذهِ الحوادِث العلمُ، وقد عزلُوه نعوذ بالله مِن الخذلان! أنبأنا ابنُ ناصر، عن أبِي عليّ بنِ البنَّاء، قال: كانَ عِندنَا بِسوقِ السِّلاحِ رجلٌ كان يقول: القرآنُ حِجابٌ، والرّسولُ حِجابٌ، وليسَ إلَّا عبدٌ وربٌّ. فافتُتِن جماعةٌ وأهمَلوا العِباداتِ، واختفَى مخافَة القَتل (٢). أنبأنا محمدُ بن عبد الملك، قال: أنبأنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ ثابتٍ، قال: أخبَرنا أبو الحسَن محمدُ بن عبيد الله بنِ محمد الحنائي، قال: نا أحمدُ بن سلمان النجَّاد، قال: نا محمدُ بن عبدِ الله بنِ سُلَيمان، قال: نا هِشامُ بن يونُس، قال: نا المحارِبِيُّ، عن بكرِ بن خنيسٍ، عن ضِرارِ بن عمرٍو، قال: إنَّ قومًا تركُوا العِلمَ ومجالسةَ أهلِ العِلم، واتَّخذُوا محاريبَ فصامُوا، وصلُّوا حتى بلي جلدُ أحدِهِم على عظمه، وخالفوا السُّنة فهلَكُوا، لا -والذِي لا إلهَ غيرُه- مما عمِلَ عاملٌ قطُّ على جَهْلٍ إلَّا كان ما يُفسِد أكثرَ ممَّا يُصلِح (٣).

стр. 741

فصل: قال المصنِّفُ: وقد فرَّقَ كثير من الصُّوفيَّةِ بينَ الشَّريعةِ والحقيقة (١)، وهَذا جهلٌ مِن قائلِهِ؛ لأنَّ الشريعةَ كلَّها حقائِقٌ، فإن كانوا يريدون بذلك الرُّخصةَ والعزيمةَ فكِلاهُما شريعة. وقد أنكَرَ عَليهِم جماعةٌ مِن قُدَمائِهِم في إعراضِهِم عن ظواهِر الشَّرع: • أخبَرنا أبو بكرِ بن حبيبٍ، قال أنا أبو سَعيدِ بنُ أبي صادِقٍ، قال: أنا ابنُ باكويه، قال: سمعتُ أبا الحسَنِ غُلامَ شعوانةَ بالبصرةِ يقول: سمعتُ أبا الحسَن بن سالِمٍ يقول: جاءَ رجل إلى سهلِ بنِ عبدِ اللهِ وبيِدهِ مَحبَرَةٌ وكتاب، فقال لِسهل: إن أحبَبتَ أن أكتُبَ شيئًا ينفعُنِي اللهُ به، فقال: اكتب إن استطعتَ أن تَلقَى اللهَ وبيدِك

стр. 742

المحبرةُ والكِتابُ فافعل. فقال: يا أبا محمد، أفِدنِي فائدةً. فقال: الدُّنيا كلُّها جهلٌ؛ إلَّا ما كان عِلمًا، والعِلمُ كلُّهُ حُجَّةٌ؛ إلَّا ما كان عَمَلًا، والعملُ موقوفٌ إلَّا ما كان منهُ على السُّنَّة، وتقومُ السُّنةُ على التَّقوى (١). • أخبرنا ابنُ حبيبٍ، قال: أنا ابنُ أبي صادقٍ، قال: نا ابنُ باكويه، قال: نا أبو عبدِ اللهِ الرَّوحانِي، قال: نا أَبُو الحسَنِ بنُ سالمٍ، قال: سمعتُ سهلَ بنَ عبدِ الله يقول: احفظوا السَّواد على البَيَاض، فما أحدٌ ترَكَ الظَّاهِر إلا تزَندَق (٢). أخبرَنا عُمَر بنُ ظفرٍ، قال: أنا ابن السَّراج، قال: أنا الأزجِيُّ، قال: نا ابن جَهضَمٍ، قال: حدَّثني فرجُ بن عبدِ الله النَّصيبي، قال: سمعتُ أبا جَعفر المصِّيصِيَّ، يقول: سمعتُ سهلَ بنَ عبدِ الله يقول: احفظُوا السَّواد على البياضِ، فما أحدٌ تركَ الظَّاهرَ إلَّا خرجَ إلى الزَّندَقة (٣). • أنبأنا عليُّ بنُ عُبَيدَ الله، قال: أنا عبدُ الله بنُ عطاءٍ الإبراهِيمِي، قال: نا يوسفُ بن محمدٍ الخطيب، قال: نا جعفرُ بنُ محمدٍ الأبهري قال: سمعتُ أبا عِليٍّ القومساني يقول: سمعتُ سهلَ بنَ عبدِ الله يقول: سمعتُ الجرَّاحَ بن عبد الله يقول: ما طريقٌ إلى اللهِ أفضلُ من العلمِ، فإني عدَلت عن طريقِ العلمِ خطوةً فتُهْت في الظُّلُماتِ أربعينَ صباحًا (٤). • أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الباقي، قال: أخبَرنا حَمدُ بن أحمد، قال: نا أبو نُعَيمٍ

стр. 743

الحافِظ، قال: سمعتُ أبا الفَضلِ الطُّوسِي يقول: سمعتُ غلامَ الدَّقاقِ يقول: سمعتُ أبا سعيدٍ السُّكَّرِي يقول: سمعتُ أبا سعيدٍ الخرَّاز يقول: كلُّ باطنٍ يُخالِفُ ظاهِرًا فهو باطِلٌ (١). • أنبأنا عبدُ المنعِم بن عبدِ الكريم، قال: نا أبي، قال: سمعتُ محمدَ بن عبدِ الله الصوفيَّ يقول: سمعتُ محمدَ بن أحمد النَّجَّار يقول: سمعتُ الدَّقيَّ يقول: سمعتُ أبا بكرٍ الزَقَّاق يقول: كنتُ مارًّا في تيهِ بني إسرائيل فخَطَر ببالي أنَّ علمَ الحقِيقةِ مُباينٌ للشَّريعةِ، فهتَفَ بي هاتِفٌ مِن تحتِ شجرةٍ: كلُّ حقيقةٍ لا تتبعُها الشَّريعة فهِي كفرٌ (٢). كفرٌ (٢). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: وقد نبَّهَ الفقِيهُ أبو حامدٍ الغزالِي في بعضِ كتُبِ الإحياءِ فقال: مَن قال: إنَّ الحقيقةَ تخالفُ الشَّريعةَ، أو الباطِنَ يخالفُ الظَّاهِر؛ فهو إلى الكُفرِ أقربُ منه إلى الإيمان (٣). قال ابن عقِيل: جعلتِ الصَّوفيَّةُ الشَّريعة اسمًا وقالوا: المرادُ منها الحقيقة. قال: وهذا قبيحٌ؛ فإنَّ الشَّريعةَ ما وَضَعهُ الحقُّ لمِصالِح الخلقِ وتعبُّداتِهم، فما الحقيقةُ بعد هذا سِوى واقعٌ في النُّفوسِ من إلقاءِ الشَّياطِين، وكلُّ مَنْ رامَ الحقيقةَ في غيرِ الشَّريعةِ فمغرُورٌ مخدوعٌ!

стр. 744

ذكر تلبيس إبليس على جماعة من القوم في دفنِهِم كتب العلم وإلقائها في الماء قال المصنِّفُ ﵀: قد كانَ جماعةٌ منهم تشاغَلُوا بكتابةِ العلمِ، ثم لبَّسَ عليهم إبليسُ، وقال: المقصودُ العمَلُ! فدَفَنوا كُتُبَهم. • أخبرنا المحمدان: ابن ناصرٍ، وابن عبدِ الباقي، قالا: أنا حَمدُ بنُ أحمدَ الحدَّاد، قال: أنا أبو نُعيمٍ الأصبَهانِي، قال: نا محمدُ بن الحسَين بن موسى، قال: سمعتُ محمدَ بن جعفرِ بن مطَرٍ يقول: سمعتُ إبراهيمَ بنَ يوسف يقول: رمَى أحمدُ بن أبي الحوارِي بِكُتُبِه في البحر، وقال: نِعمَ الدَّليلُ كنتِ! والاشتغالُ بالدَّليلِ بعد الوصولِ محالٌ (١). • قال محمدُ بنُ الحسَين: وسمعتُ محمدَ بن عبدِ الله الطَّبَري، يقول: سمعتُ يوسفَ بن الحسَين يقول: طلبَ أحمدُ بن أبي الحواري العلمَ منذُ ثلاثِينَ سنةً، فلمَّا بَلَغَ منه الغايةَ حمَل كُتُبَه إلى البحرِ فَفَرَّقها، وقال: يا عِلمُ! لم أفعل بكَ هذا تَهاوُنًا ولا استِخفافًا بحقِّك، ولكنّي كنتُ أطلُبُكَ لأهتدِيَ بكَ إلى ربِّي فلمَّا اهتدَيتُ بك استغنَيتُ عنك (٢). • أخبَرنا أبو منصور القزَّاز، قال: أنا أبُو بكرٍ أحمدُ بن عليٍّ، قال: قرأتُ في كتابِ عُبَيدِ الله بنِ جعفر بن أحمد بن حمدان، قال: نا أبو يَعلَى عُثمان بن الحسَن الطُّوسِي، قال: نا محمدُ بن القاسِم الأزدِي، قال لنا مجاهدُ بنُ موسى، وكان إذا حدَّثَ بشَيءٍ رَمَى بأصلِهِ، إما بغسله، وإما في دجلة، فجاءَ يومًا ومعهُ طبقٌ، فقال: هذا بقي، وما أراكُم ترونِي بَعدَها. فحدَّثَنا بهِ، ورَمى به، ثمَّ مات بعدَ ذلك (٣).

стр. 745

• أخبَرنا القزَّاز، قال: أنا أحمدُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثني محمدُ بن عليٍّ المقرِي، عن أبي عبدِ الله محمدِ بن عبدِ اللهِ الحافظ، قال: أحمدُ بن محمد بن إسماعيل: أبو الحسَين ابن الخلَّال كان حَسَنَ الفهمِ لهُ صبرٌ علَى الحدِيث، وأنهُ كانَ يتصوَّف ويرمِي بالحديثِ مدَّةً ثمَّ يرجِعُ فيكتُبُ. ولقَد أخبَرنِي أنهُ رَمَى بجُملَةٍ مِن سَماعَاتِهِ القدِيمةِ في دجلة، فأوَّل ما سمع علَى أبِي العبَّاسِ الأصمِّ وطبقته، وكتبَ الكثير (١). • أنبأنا زاهِرُ بنُ طاهر، قال: أنبأنا أحمدُ بنُ الحسَين البَيهقِي، قال: سمعتُ أبا عَمرو ابن أبِي جعفر يقول: سمعتُ أبا طاهرٍ الجُنَابذيَّ يقول: كان موسَى بنُ هارُونَ يقرأُ علَينا، فإذا فَرِغ مِن الجُزءِ رمَى بأصله فِي دجلةَ يقول: قد أدَّيتهُ (٢). • أخبَرنا محمدُ بن ناصر، قال: أنبأنا أحمدُ بن عليِّ بن خَلَفٍ، قال: أخبَرنا أبُو عبدِ الرَّحمن السُّلمِي، قال: سمعتُ أبا نصرٍ الطُّوسِي يقول: سمعتُ جماعةَ مشايخِ الرَّيِّ يقولون: ورِث أبو عبدِ الله المقرِئ عن أبيهِ خمسِينَ ألفَ دينارٍ سِوى الضِّياعِ والعقارِ، فخَرَج عَن جميعِ ذلكَ وأنفَقَها علَى الفُقَراء. قال: فسألتُ أبا عبدِ الله عن ذلك؟ فقال: أحرَمتُ وأنا غُلامٌ حدَثٌ، وخرَجتُ إلى مكَّةَ على الوحدةِ حينَ لم يَبقَ لِي شَيءٌ أرجِعُ إليه، وكانَ اجتهادِي أن أزهَدَ فِي الكُتُبِ، وما جَمعْتُ مِن الحدِيثِ والعلمِ أشدُّ عَلَيَّ من الخروجِ إلى مكَّة والتقطُّعِ في الأسفارِ والخروجِ عن مُلكِي (٣).

стр. 746

• أخبَرنا أبو منصُورٍ القزَّاز، قال: أنا أحمدُ بنُ عليِّ بن ثابتٍ، قال: أنا إسماعيلُ الحيرِى، قال: نا محمدُ بن الحسَينِ السُّلَمِي، قال: سمعتُ أبا العبَّاسِ محمدَ بنَ الحسَن البغداديَّ، يقول: سمعتُ الشبلِي يقول: أعرِفُ مَن لمَ يدخُل في هذا الشَّأنِ حتَّى أنفَقَ جميعَ مُلكِهِ، وغَرَّقَ في هذهِ الدّجلةِ سبعينَ قِمَطْرًا (١) مكتُوبًا بِخَطِّهِ، وحفِظَ الموطَّأ وقرَأ بِكذا وكذا قراءةً. يعني: بهِ نفسَه (٢). قال المصنِّفُ ﵀ قلت: قد سبَقَ القولُ بأنَّ العِلمَ نورٌ، وأنَّ إبليسَ يُحَسِّنُ للإنسانِ إطفاءَ النُّور؛ لِيتمكَّنَ منهُ في الظُّلمَة، ولا ظُلمةَ كظُلمَةِ الجهلِ. ولمَّا خافَ أن يعاوِدَ هُؤلاءِ مُطالَعَةَ شَيءٍ من العلمِ، فربما استدلُّوا علَى مَكايِدِه بذلكَ، حَسَّنَ لهم دفنَ الكتُبِ وإتلافَها، وهذا فعلٌ قبيحٌ محظورٌ، وجَهْلٌ بالمقصودِ بالكُتُبِ. وبيانُ هذا أنَّ أصلَ العُلومِ القُرآنُ والسُّنَّة، فلمَّا علِمَ الشرعُ أنَّ حفظَهُما يصعُبُ أمَرَ بِكِتابةِ المصحَفِ وكِتابةِ الحديثِ: - فأمَّا القُرآن فإنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا نَزَلت عليهِ آيةٌ دعَا بالكاتبِ فأثبَتَها، وكانوا يكتبُونها في العُسُبِ والحِجارةِ، ثمَّ جَمعَ القرآنَ بعدَهُ في المصحَفِ أبو بكرٍ، ثم نَسخَ مِن ذلكَ عُثمانُ بن عفَّانٍ ﵁، كلُّ ذلك لحِفظ القُرآن؛ لئلَّا يشُذَّ منهُ شيءٌ (٣).

стр. 747

- وأمَّا السُّنة فإنَّ النبي ﷺ قَصَرَ الناسَ في بِدايةِ الإسلامِ على القُرآنِ، وقال: "لا تكتُبُوا عنَّي سِوى القرآنِ" (١)، فلمَّا كثُرَت الأحاديث ورأَى قِلَّةَ ضبطِهِم أذِنَ لهم في الكِتابة: ° وروَى أبو هُريرة أنَّ رجُلًا شَكَى إلى رسولِ الله ﷺ قِلَّةَ حفظِهِ قال: "اِستَعِن علَى حِفظِكَ بِيمِينِك". يعني: الكتاب. ° وروى عنه ﷺ عبدُ الله بنُ عَمرٍو أنهُ قال: "قيِّدُوا العلمَ"، فقلت: يا رسولَ الله! وما تقيِيدُه؟ قال: "الكِتابة" (٢). ° وروَى عنه أيضًا رافِعُ بنُ خديجٍ قال: قلنا: يا رسولَ الله، إنَّا نَسمعُ منكَ أشياءَ أفَنكتُبُها؟ قال: "اُكتُبوا ولا حَرَج" (٣).

стр. 748

وليُعلَم أنَّ الصَّحابةَ رِضوانُ الله عليهم ضَبطَت ألفاظَ رسولِ الله ﷺ وحركاتِهِ وأفعالَه، فاجتمَعتِ الشَّريعةُ مِن رِواَيةِ هذا ورِوايةِ هذا، وقد قال رسولُ الله ﷺ : "بلِّغُوا عنِّي" (١)، وقال: "نضَّرَ اللهُ امرًا سمِعَ مقالَتِي فوَعاهَا فأدَّاها كما سمِعها" (٢). وتأدِيةُ الحديثِ كما سُمعَ لا يَكادُ يحصُلُ إلَّا مِن الكتابِ؛ لأنَّ الحفظَ خوَّانٌ، وقِد كان أحمدُ بن حنبل يُحدِّثُ بالحديثِ، فيُقال له: أملِهِ علَينا. فيقول: لا، بَل مِن الكِتابِ (٣). قال عليُّ بنُ المدِيني: أمرَني سيِّدي أحمدُ بن حنبل أن لا أُحَدِّثَ إلَّا مِن كتاب (٤). قال المصنِّف: فإذا كانتِ الصحابةُ قد رَوت السُّنةَ وتلقَّفَها التابِعونَ، وسافَر المحدِّثُون وقطعُوا شرقَ الأرضِ وغربَها لتحصِيلِ كلِمةٍ مِن هاهُنا وكلمةٍ مِن هاهُنا، وصحَّحُوا ما صحَّ وزيَّفوا ما لَم يصحَّ، وجرَّحُوا الرُّواةَ وعدَّلُوا، وهذَّبوا السُّنَن وصنَّفوا (٥)، ثمَّ يغسِل ذلكَ فيُضَيِّعُ التعبَ، ولا يعرِفُ حكمَ اللهِ في حادِثَةٍ مثل هذا!

стр. 749

فما عُونِدَتِ الشَّريعةُ بمثلِ هذا! وهل لِشرِيعةٍ من الشَّرائِعِ قبلَنا إسنادٌ إلى نبِيِّهِم؟ وإنما هذِه خصِّيصةٌ لهِذهِ الأمَّة (١). وقد رُوِّينا عنِ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ معَ كونهِ طافَ الشرقَ والغربَ في طلبِ الحديثِ أنهُ قال لابنه: ما كتبتَ عن فلانٍ؟ فذَكَر له أنَّ النبي ﵊: كانَ يَخرُجُ يومَ العيدِ مِن طريقٍ ويرجِعُ في أخرَى (٢). فقال الإمامُ أحمدُ: إنَّا لله! سُنَّةٌ من سُنَن رسولِ الله ﷺ لم تبلُغْني. قال المصنِّفُ: وهذا قولُه معَ إكثارِهِ وجمعهِ، فكيفَ بِمن لَم يكتُب؟! وإذا كتَبَ غسَّل! أَفَتَرَى إذا غُسِّلَتِ الكُتبُ ودُفِنت، علَى مَن يُعتَمَد في الفتَاوَى والحوادِث؟ على فلانٍ الزَّاهد، وفلانٍ الصُّوفي، أو على الخواطِر فيما يقعُ لها! نعوذُ باللهِ من الضَّلال بعد الهدى. فصل: ولا تَخلُو هذهِ الكُتبُ التِي دفنُوها أن يكونَ فيهَا حقٌّ أو باطِلٌ، أو قدِ اختلَطَ الحقُّ بالباطِل:

стр. 750

- فإن كان فيها باطلٌ فلا ألُومُ مَن دفَنَها. - وإن كانَ قد اختلَطَ الحقُّ بالباطلِ ولَم يُمكِن تميِيزُهُ كان عُذرًا في إتلافِها، فإنَّ أقوامًا كتبُوا عن ثِقاتٍ وعن كذَّابِين، واختلَطَ الأمرُ عليهم فدفنوا كُتُبَهم، وعلى هذا يُحمَل ما يُروَى مِن دَفنِ الكُتُبِ عن سُفيانَ الثَّورِي (١). وإن كان فيها الحقُّ والشَّرعُ فلا يَحلُّ إتلافُها بوجهٍ؛ لكونِها ضابِطةً لِلعلمِ وأموالًا. ولْيُسْأَل مَن يقصِدُ إتلافَها عن مقصودِه، فإن قال: تشغلُنِي عن العِبادةِ، قيل له: جوابُكَ مِن ثلاثةِ أوجُهٍ: أحدُها: أنَّك لو فهِمتَ؛ لَعَلِمتَ أنَّ التشاغُلَ بالعِلمِ أوفَى العِبادات (٢). والثانِي: أنَّ هذهِ اليَقظَةَ التي وقَعت لكَ لا تدُومُ، فكأنِّي بكَ وقَد ندِمتَ على ما فعلتَ بعدَ الفَوات (٣). واعلم أنَّ القُلوبَ لا تَبقى على صفائِها، بل تَصدَأ فَتحتَاجُ إلى جَلاءٍ، ولَا جَلاءَ كالنَّظَر في كُتُب العِلم، وقد كان يوسفُ بنُ أسباطٍ دفَن كتبَه ثمَّ لم يَصبِر عن التَّحديثِ، فحدَّث مِن حفظِه فخلّط (٤).

стр. 751

والثَّالث: أنَّنا نُقَدِّر تمامَ يقظَتِكَ ودوامَهَا والغِنى عن هذِه الكُتبِ، فهلَّا وهَبتها لِمُبتدِئٍ مِن الطلاب لَم يصِل إلى مَقامِك، أو وقفتَها على المنتَفِعِين بِها، فأمَّا إتلافُها فلا يحلُّ بحالٍ: ° وقد روى المرُّوذِيُّ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ أنهُ سُئلَ عن رجُلٍ أوصَى أن تُدفَنَ كتبُه. فقال: ما يُعجِبُني أن يُدفَن العلمُ (١). ° وأنبأنا محمدُ بن عبدِ الملكِ ويحيى بنُ عليٍّ، قالا: أنبأنا أحمدُ بنُ عليِّ بن ثابتٍ، قال: أنا عُبيدُ اللهِ بنُ عبدِ العزيزِ البرذعيُّ، قال: أخبَرنا محمدُ بن عُبيدَ الله الشِّخير، قال: نا أبو بَكرٍ محمدُ بنُ أحمد بن النَّحّاس، قال: سمعتُ المروَذيَّ يقول: سمعتُ أحمدَ بن حنبلٍ يقول: لا أعرِف لدَفنِ الكُتبِ معنى (٢).

стр. 752

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في إنكارِهم على من تشاغَل بالعلم قال المصنِّفُ ﵀: لمَّا انقَسم هؤلاءِ بينَ مُتكاسِلٍ عن طلبِ العلمِ وبينَ ظانٍّ أنَّ العلمَ هو ما يقعُ في النُّفوسِ مِن ثمراتِ التَّعبُّدِ، وسمَّوا ذلكَ العلمَ الباطِنَ، نَهَوا عن التَّشَاغُلِ بالعلمِ الظَّاهر: • أخبَرنا عبدُ الرَّحمن بنُ محمدٍ القزَّاز، قال: أنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عليٍّ، قال: أنا عِليُّ بن أبِي عليٍّ البصري، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ أحمدَ بن محمدٍ الطَّبَريُّ، قال: سمعتُ جعفرًا الخُلْديَّ يقول: لو تَركَنِي الصوفيَّةُ لجِئتكُم بإسنادِ الدنيا، مضيتُ إلى عباسٍ الدُّوريِّ وأنا حَدَثٌ، فكتَبتُ عنهُ مَجلِسًا واحدًا وخرَجتُ مِن عندِهِ، فلقِينِي بعضُ مَن كُنتُ أصحَبُهُ مِن الصوفيَّة، فقال: إيش هذا معك؟ فأرَيتُهُ إيَّاهُ، فقال: ويحكَ! تَدَعُ عِلمَ الخِرَقِ وتأخُذُ عِلمَ الوَرق! ثمَّ خَرَق الأوراقَ، فدخلَ كلامُهُ في قلبِي، فلَم أعُد إلى عبَّاسٍ (١). • قال المصنِّفُ ﵀: وبلَغني عن أبي سعيدٍ الكِنديّ، قال: كُنتُ أَنزِلُ رِباطَ الصُّوفيَّةِ وأطلبُ الحديثَ في خِفيةٍ بحيثُ لا يعلمون، فسَقَطتِ الدَّواةُ يومًا مِن كُمِّي، فقال لي بعضُ الصوفيَّة: استُر عورتَك (٢). • أخبرنا محمدُ بن ناصر، قال: أخبَرنا أبُو القاسمِ هِبةُ اللهِ بنُ عبدِ الله الواسِطيّ، قال: أنا أبو بكرٍ الخطيبُ، قال: أنا أبو الفتحِ بنُ أبي الفَوارِس، قال: أخبَرنا الحسَينُ بنُ أحمدَ الصفَّار، قال: كان بِيدِي مَحبرَةٌ، فقال لي الشبلي: غيِّب سوادَكَ عنِّي، يكفِيني

стр. 753

سوادُ قلبي (١). • أخبَرنا أبو بكرِ بنُ حبيبٍ، قال: أنا أبُو سعيدِ بنُ أبي صادقٍ، قال: أخبَرنا ابن باكويه، قال: سمعتُ عبدَ اللهِ العزَّالَ المذَكِّر، قال: سمعتُ عليَّ بنَ مهدِيٍّ يقول: وقفتُ ببغدادَ على حَلقةِ الشبلي، فنَظَر إليَّ ومعِي محَبرةٌ، فأنشأ يقول: تَسَربلتُ للحُزنِ ثوبَ الفَرَقْ … وهمت البِلادَ لِوجدِ القَلقْ ففِيكَ هَتكتُ قِناعَ العزاءِ … وعنكَ نطقتُ لدَى مَن نَطَق إذا خَاطبونِي بعلمِ الوَرق … برَزتُ عليهِم بِعلمِ الخِرَق (٢) • أخبَرنا ابنُ حبيبٍ، قال: أنا ابنُ أبي صادقٍ، قال: نا ابنُ باكويه، قال: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ بنَ خفيفٍ يقول: اشتغِلُوا بتعلم شيءٍ، ولا يغُرَّنكُم كلامَ الصُّوفيَّة، فإنِّي كنتُ أُخَبِّئُ محِبَرَتِي في جيبِ مِرقَعَتي، والكاغدَ في حَزَّةِ سراويلي، وكنتُ أذهبُ خفيًا إلى أهلِ العلمِ، فإذا عَلِموا خاصَمُونِي، وقالوا: لا تفلح، ثمَّ احتاجُوا إليَّ بعدَ ذلك (٣). قال االمصنِّفُ ﵀: قلت: مِن أكبَر المُعانَدَةِ للهِ الصَّدُّ عن سبيلهِ، وأوضَحُ سُبلِ اللهِ العلمُ؛ لأنهُ دليلٌ على اللهِ، وبيانٌ لأحكامِ شرعهِ، وإيضاحٌ لمِا يُحبُّهُ ويكرهُهُ، فالمنعُ منهُ مُعاداةٌ للهِ ولَشرعِهِ، ولكِنَّ النَّاهِينَ عن ذلك ما يفطنون بما فعلوا. وقد كان الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل يرَى المَحَابِر بأيدِي طَلَبةِ العِلمِ فيقول: هذه سُرُجُ الإسلامِ (٤).

стр. 754

وكان يحمِلُ المَحبَرة على الكبر، فقال له رجلٌ: إلى مَتَى يا أبا عبدِ الله؟ فقال: المحبَرة إلى المقبَرَة (١). وقال في قولِهِ ﵊: "لا تزالُ طائِفةٌ مِن أمَّتي منصورِين لا يضرُّهُم مَن خَذَلهُم حتى تقومَ السَّاعة" (٢)، فقال: إن لَم يكُونوا أصحابَ الحديثِ فلا أدرِي مَن هُم (٣). وقال أيضًا: إن لم يكُن أصحابَ الحديثِ الأبدالُ فمَن يكونوا؟! (٤). وقيل له: إنَّ رجُلًا قال فِي أصحابِ الحديثِ: إنَّهُم قومُ سُوءٍ. فقال أحمد: زِندِيقٌ زِنديقٌ (٥).

стр. 755

وقال الإمامُ الشَّافِعيُّ: إذا رأيتُ رجُلًا مِن أصحابِ الحديثِ فكأنِّي رأيتُ رجلًا مِن أصحابِ رسولِ الله ﷺ (١). وقال يوسفُ بنُ أسباط: بِطَلَبةِ الحدِيثِ يدفعُ اللهُ البلاءَ عن أهلِ الأرض. • أخبَرنا أبو منصورٍ القزَّاز، قال: أنا أبو بكرٍ الخطيبُ، قال: نا عبدُ العزيزِ بنُ عليٍّ، قال: نا ابن جَهضَمٍ، قال: نا محمدُ بنُ جعفر، عن أحمدَ بنِ محمدِ بنِ مسروقٍ، قال: رأيتُ كأنَّ القيامةَ قد قامَت، والخلقُ مجتمِعون، إذ نَادى منادٍ: الصَّلاةُ جامِعةٌ، فاصطفَّ النَّاس صفوفًا، فأتى مَلكٌ فتأمَّلتُهُ فإذا بَينَ عَينَيهِ مكتوبٌ: جبريلُ أمينُ الله، فقلتُ: فأين النبي ﷺ ؟ فقال: مشغولٌ بنَصبِ الموائِد لإخوانهِ الصُّوفِيَّةِ. فقلتُ: فأنا مِن الصُّوفية؟ فقيل: نعم، ولكِن شغلَكَ كثرَةُ الحدِيث (٢). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: معاذَ الله أن يُنكِرَ جِبريلُ التشاغُلَ بالعلم، وفي إسنادِ هذهِ الحكايةِ ابنُ جهضَم، وكان كذَّابًا، ولعلَّها عملُه، وأمَّا ابنُ مسروق فأخبَرنا القزَّاز، قال: أنا أبو بكرٍ الخطيبُ، قال: حدَّثني عليُّ بنُ محمد ابنِ نصرٍ، قال: سمعتُ حمزةَ بنَ يوسف، قال: سمعتُ الدَّارَقطني يقول: أبو العبَّاسِ بنُ مسروق ليسَ بالقوِيِّ، يأتِي بالمعضِلات (٣).

стр. 756

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في كلامهِم في العلم قال المصنِّفُ ﵀: اعلم أنَّ هؤلاءِ القوم لمَّا تَركُوا العِلمَ وانفرَدُوا بالرِّياضَاتَ على مُقتَضَى آرائِهِم لَم يَصبِرُوا عن الكلامِ في العلومِ، فتكلَّمُوا بواقِعاتِهم، فَوقَعتِ الأغالِيطُ القبيحةُ منهم، فتارةً يتكلَّمُونَ في تفسيرِ القرآنِ، وتارةً في الحديثِ، وتارةً في الفقهِ وغير ذلك، ويسوقون العلومَ إلى مُقتضَى عِلمِهم الذي انفرَدُوا بهِ، واللهُ سبحانهُ لا يُخِلي الزَّمانَ مِن أقوامٍ قُوَّامٍ بشرعِهِ، يردُّونَ على المتخَرِّصينَ ويُبَيِّنون غَلطَ الغالِطِينَ. ذكرُ نبذٍ من كلامِهِم في القُرآن (١): • أخبَرنا أبو منصورٍ عبدُ الرَّحمن بنُ محمدٍ القزَّاز، قال: أنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عليِّ بن ثابتٍ، قال: أنا أبو القاسمِ عبدُ الواحِد بن محمد بنِ عثمانَ البَجلي، قال: سمعتُ جعفرَ بنَ محمد الخُلدِي، قال: حضرتُ شيخَنا جُنَيدًا وقد سَألهُ ابن كيسانَ عن قولهِ : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] فقال جُنَيدٌ: لا تنسَ العَمَل به (٢). قال: وسألهُ عن قولِه تعالى: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٦٩] فقال له جُنَيدٌ: تركُوا العملَ به، فقال: لا يَفضُضِ اللهُ فاكَ! قال المصنِّفُ: أمَّا قولُه: لا تَنسَ العملَ به: فتفسيرٌ لا وَجهَ لهُ، والغلطُ فيه ظاهرٌ؛ لأنهُ فسَّرهُ على أنَّه نَهْيٌ، وليسَ كذلكَ إنما هُو خَبَرٌ لا نَهيٌ، وتقديرُهُ: فمَا تَنسَى، إذ لَو كانَ نَهيًا كانَ مجزُومًا، فتفسِيرُه على خِلافِ إجماعِ العُلَماءِ (٣).

стр. 757

وكذلك قوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٦٩]: إنَّما هو من الدَّرسِ الذِي هو التلاوةُ، مِن قوله : ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، لا مِن درسِ الشيءِ الذي هو إهلاكُه (١). • أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الباقي، قال: أنا حَمَدُ بنُ أحمد، قال: نا أبو نُعَيمٍ الحافِظ، قال: سمعتُ أحمدَ بنَ محمد بنِ مقسَمٍ يقول: حضرتُ أبا بكرٍ الشَّلَبِي، وسُئِلَ عن قولهِ : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، فقال: لمِن كان اللهُ تعالى قلبَه (٢)! • أخبرنا عُمرُ بنُ ظفر، قال: أخبَرنا جعفرُ بنُ أحمد، قال: أخبَرنا عبدُ العزِيز بنُ عليٍّ، قال: أنا ابنُ جهضمٍ، قال: نا محمدُ بنُ جريرٍ، قال: سمعتُ أبا العبَّاسِ بنَ عطاءٍ وسُئلَ عن قولِه: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ [طه: ٤٠] قال: نجَّيناكَ مِن الغمِّ بقومِكَ، وفتنَّاكَ بِنا عن مَن سِوانا (٣). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: وهذِه جُرأةٌ عَظِيمةٌ على كلامِ اللهِ ! ونِسبةُ الكليمِ إلى الافتِتانِ بِمحبَّةِ اللهِ سبحانه، وجَعْلُ مَحبَّتِهِ تَفتُنُ غايةٌ في القَباحَة. • أخبرنا أبو منصورٍ القزَّاز، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ عليٍّ الحافِظ، قال: أنا أبو حازِمٍ عُمرُ بنُ إبراهيمَ العبدوي، قال: سمعتُ أبا بكرٍ محمدَ بنَ عبدِ الله الرَّازيَّ، يقول: سمعتُ أبا العبَّاس بنَ عطاءٍ يقول في قولهِ : ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨، ٨٩] فقال: الرَّوْح: النظرُ إلى وجهِ الله ، والرَّيحانُ: الاستماعُ

стр. 758

لِكلامِهِ، وجنَّةُ نعيمٍ: هو أن لا يُحجَبَ فيها عنِ الله (١). • وقال المصنِّف: هذا كلامٌ بالواقِعِ على خِلافِ أقوالِ المفسِّرين، وقد جمع أبو عبدِ الرَّحمن السُّلَمِي في تفسير القرآن مِن كلامِهِم الذي أكثرُهُ هَذَيانٌ لا يحلُّ مجلَّدَينِ، سمَّاهُمَا "حقائقَ التَّفسير" (٢): • فقالَ في فاتِحةِ الكتاب عنهُم: إنَّهم قالوا: إنما سُمِّيَت بذلكَ لأنَّها أوائِلُ ما فاتحنَاكَ به مِن خطابِنا، فإن تأدَّبتَ بِذلكَ وإلَّا حُرِمتَ لطائفَ ما بعدُ! (٣)

стр. 759

وقال المصنِّفُ ﵀: قلت: وهذا قبيحٌ؛ لأنهُ لا يختلِفُ المفسِّرونَ أنَّ الفاتحةَ ليست مِن أوَّلِ ما نزلَ. • وقالَ في قول الإنسان: (آمِين): أي: قاصِدُكَ نحوَكَ (١). قال المصنِّفُ ﵀: وهذا قبيحٌ؛ لأنهُ ليس مِن أَمَّ؛ إذ لو كان كذلكَ كانتِ الميمُ مشدَّدَةً. • وقال فِي قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ [البقرة: ٨٥]، قال: قال أبو عثمانَ: غرقَى في الذُّنوبِ. وقال الواسِطِيُّ: غرقَى في رُؤيةِ أفعالهِم. وقال الجُنَيد: أسارى في أسبابِ الدُّنيا، تنقذوهم إلى قطعِ العلائقِ (٢). قال المصنِّفُ قلت: وإنما الآيةُ على وجهِ الإنكارِ، ومعناها إذا أسَرتُمُوهم فَدَيتُمُوهُم وإذا حَارَبْتُمُوهم قَتَلتُمُوهم وهؤلاءِ قد فسُّروها على ما يوجِبُ المدح (٣)! • وقال محمدُ بنُ عليٍّ: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] مِن توبتِهِم (٤). وقال النوري: ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، أي: يقبِضُك بإيَّاهُ ويَبسطُك لإياه (٥). • وقال في قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، أي: مِن هواجِسِ نفسهِ ووساوِس الشيطان (٦).

стр. 760

قال المصنِّفُ: وهذا في غايةِ القُبحِ! لأنَّ لفظَ الآيةِ لفظُ الخَبَر، ومعناهُ الأمر، وتقدُيرها: مَن دَخَل الحرَم فأمِّنوه. وهؤلاءِ قد فسَّروها علَى الخَبر، ثمَّ لا يصِحُّ لهم؛ لأنهُ كَم مِن داخلٍ إلى الحرمِ ما أمِنَ الهواجِسَ ولا الوساوِسَ. • وذكرَ في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]: قال أبو ترابٍ: هِي الدَّعاوى الفاسِدة (١). • ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] قال سهلٌ: هو القلبُ، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: النفس، ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: الجوارح (٢). • وقال في قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] قال أبو بكرٍ الورَّاق: الهمَّان لهَا ويوسفُ ما همَّ بِها. قلت: وهذا خِلافٌ لِصريحِ القرآن! • وقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] قال محمدُ بنُ عليٍّ: ما هذا بأهلٍ أن يُدعَى إلى المباشُرَة! • وقال الزَّنجانِي: الرَّعدُ: صعقاتُ الملائِكة، والبرقُ: زَفَراتُ أفئِدتِهم، والمطرُ: بُكاؤهم (٣). • وقال في قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٤٢] قال الحسَين: لا مَكرَ أبينُ مِن مكرِ الحقِّ بعبادِهِ، حيثَ أوهَمَهُم أنَّ لهم سبيلًا إليهِ بحالٍ، أو للحَدَث اقترانٌ معَ القِدم (٤).

стр. 761

قال المصنِّفُ ﵀: قلت: ومَن تأمَّل معنى هذا علِم أنهُ كفرٌ محضٌ، لأنهُ يُشيرُ إلى أنهُ كالهزءِ واللعِب، ولكِن الحسَين هو الحَلَّاج، وهذا يلِيقُ بذاك. • وقال في قولهِ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] أي: بِعمَارَتِكَ سرّك بمشاهدتِنا (١). قال المصنِّفُ: قلت: وجميعُ الكِتابِ مِن هذا الجنسِ، ولقد هَممتُ أن أُثبِتَ منه هاهُنا كثيرًا، فرَأيتُ أنَّ الزَّمانَ يضِيع في كتابةِ شيءٍ بين الكفرِ والخطأِ والهَذَيان (٢)، وهو من جِنس ما حَكَينا عنِ الباطِنِيَّةِ، فمَن أراد أن يعرِف جنسَ ما في الكتابِ فهذا أنموذَجُهُ، ومَن أراد الزِّيادةَ فلينظُر في ذلكَ الكتابِ. • وذكَر أبو نصرٍ السَّرَّاج في كتابِ اللُّمَع، قال: لِلصُّوفية استنباطٌ، منها قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨]، قال الواسِطِي: معناهُ لا أرى نفسي (٣)! • وقال الشبلي: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ١٨]، فقال: لو اطَّلَعتَ على الكُلِّ مِمَّا سِوانا لولَّيتَ منهم فِرارًا إلينا (٤). قال المصنِّفُ قلت: هذا لا يحلُّ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى إنَّما أرادَ أهلَ الكهف، وهذا السَّراج يُسمِّي هذِه الأقوالَ في كتابِ اللهِ مُستَنْبَطَات (٥)! • وقد ذكرَ أبو حامدٍ الطُّوسِيُّ في ذمِّ المالِ في قوله : ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، قال: إنما عنى: الذَّهبَ والفضةَ؛ إذ رُتبَةُ النُّبوَّةِ أجلُّ مِن أن

стр. 762

يُخشَى عَلَيها أن تَعبُدَ الآلهِة، قال: وإنما عنى بِعبادتِهِ حبَّهُ والاغترارَ بهِ (١). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: وهذا شَيءٌ لَم يقُلهُ أحدٌ مِن المفسِّرِين، وقد قالَ شُعيبٌ: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]، ومعلومٌ أنَّ مَيلَ الأنبِياءِ إلى الشِّركِ أمرٌ مُمتَنَعٌ؛ لأجلِ العِصمِةِ، لا أنَّه مُستَحيلٌ، ثم قد ذَكَر معَ نفسِهِ مَن يُتَصَوَّرُ في حقِّهِ الإشراكُ، فَجازَ أن يُدخِلَ نفسَهُ مَعهم، فقال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، ومعلومٌ أنَّ العربَ أولادُهُ، وقد عَبَدَ أكثرُهُم الأصنامَ. • أخبَرنا عبدُ الحقِّ بنُ عبدِ الخالقِ، قال: أنبأنا المبارَك بنُ عبدِ الجبَّار، قال: أخبَرنا الحسَينُ بن عليٍّ الطَّناجِيرِي، قال: أنا أبو حَفصِ بنُ شاهين، قال: وقد تَكَلَّمَت طائِفةٌ مِن الصُّوفيَّة في تفسِير القرآن بِما لا يجوزُ، فقالت في قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، فقال: هُم لآياتٌ لي (٢). فأضافُوا إلى اللهِ تعالى ما جَعَلهُ لأولي الألباب، وهذا تبدِيلٌ للقرآن. • وقالوا: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ [الأنبياء: ٨١] [سبأ: ١٢]، قالُوا: ولِي سُلَيمَان! • وأخبَرنا ابن ناصرٍ، قال: أنبأنا أحمدُ بن عليِّ بن خَلَفٍ، قال: نا أبو عبدِ الرحمن السُّلَمِي، قال: قال أبُو حَمزةَ الخُراسَانِي، قد يُقطَعُ بأقوامٍ في الجنَّةِ فيقال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]، فَشَغَلهُم عنهُ بالأكلِ والشُّربِ، ولا مَكرَ فوقَ هذا، ولا حسرة أعظَمُ منه (٣).

стр. 763

قال المصنِّفُ ﵀ قلت: انظُرُوا وفَّقَكُم اللهُ إلى هذ الحماقَةِ، وتسمِيةِ المنعم بهِ مَكرًا، وإضافةَ المكرِ بِهذا إلى اللهِ ، وعَلى مُقتَضَى قولِ هَذا أنَّ الأنبياءَ لا يأكُلونَ ولا يَشربونَ، بل يكونونَ مَشغُولينَ باللهِ ، فما أجرَأَ هذا الرَّجلَ على مِثلِ هذهِ الألفاظِ القِباحِ! وهل يجوزُ أن يوصَفَ اللهُ بالمكرِ على ما نعقِلهُ مِن مَعنَى المكر! وإنما معنى مكرِهِ وخِداعِهِ أنَّه يُجازِي الماكِرِينَ والخادِعينَ (١). وإني لأتعَجَّبُ مِن هؤلاءِ، وقد كانُوا يتورَّعُونَ في اللُّقمةِ والكلِمةِ، كيفَ انبَسَطُوا في تفسيرِ القرآنِ إلى ما هذا حدُّهُ! وقد أخبَرنا عِليُّ بن عُبَيدِ اللهِ وأحمدُ بن الحسَن وعبدُ الرَّحمن بنُ محمدٍ، قالوا: نا عبدُ الصَّمدِ بنُ المأمون، قال: أخبرنا عليُّ بنُ عمر الحربِي، قال: أنا أحمدُ بن الحسن ابن عبدِ الجبار الصُّوفي، قال: نا بِشرُ بنُ الولِيد، قال: نا سُهَيل أخو حرملٍ، قال: نا أبو عِمرانَ الجوِينِي، عن جُندُب، قال: قال رسولُ

стр. 764

اللهِ ﷺ : "مَن قال في القرآن بِرأيِهِ فأصابَ فقَد أخطَأَ" (١). أخبرنا هِبةُ الله بنُ محمد، قال: أنبأنا الحسَن بن عليٍّ، قال: أنبأنا أبو بَكرِ بنُ حمدان، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمد، قال: حدَّثني أبِي، قال: نا وكِيعٌ، عن الثَّوري، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن قَال فِي القرآنِ بِرأيهِ فليتبوَّأ مقعَدَهُ من النار" (٢). وقد رُوِيَت لنا عَن بعضِهِم حكايةٌ فيما يتعلَّقُ بالمكرِ، إنِّي لأقشعرُّ مِن ذِكرِها، لكنِّي أنبِّهُ بِها على قُبحِ ما يتخَايَلُهُ هؤلاءِ الجهَلة: أنبأنا أبو بكرِ بنُ حبيبِ، قال: أنا أبو سَعدِ بنُ أبي صادقٍ، قال: نا أبو عبدِ الله بنُ باكويه، قال: أخبَرني أبو عَبدِ الله بن خفيفٍ، قال: سمعتُ رُوَيمًا يقول: استَجمَعَ ليلةً بالشَّام جماعةٌ مِن المشايِخِ، فقالوا: ما شَهِدنا مِثلَ هذه اللَّيلةِ وطِيبها، فتعالوا نتذاكرُ فِي مسألَةٍ لِئلَّا تذهبَ لَيلتُنَا. فقالوا: نتكلَّم في المحبةِ؛ فإنَّها عُمدةُ القوم. فتكلَّم كلُّ واحدٍ مِن حيث هُو، وكان في القومِ

стр. 765

عَمرو بنُ عثمانَ المكِّي، فوقَعَ عليهِ البولُ ولَم يكُن من عادتهِ، فقامَ وخرجَ إلى صَحنِ الدَّار، فإذا لَيلةٌ مُقمِرَةٌ، فوجَدَ قِطعةَ رقٍّ، فأخَذَه وحَملهُ إليهم، وقال: يا قَوم اسكُنوا، فإنَّ هذا جوابُكُم، انظُروا ما فِي هذه الرِّسَالة، فإذا فِيها مكتوبٌ: مكَّار، وكلُّكُم تدَّعون حُبَّه، فأحرَم البعضُ وافتَرقوا، فما جَمعهُم إلَّا الموسِم (١). قال المصنِّفُ ﵀ قلت: هذه الحكايةُ بعيدةُ الصِّحَّة، وابن خفيفٍ لا يوثَق به، وإن صحَّت فإنَّ شيطانًا ألقى ذلك الرق، وإن كانُوا قد ظنُّوا أنَّها رسالةٌ مِن الله بظُنونِهمِ الفاسِدة، وقد بيَّنا أنَّ معنى المكرِ منهُ المجازاةُ علَى المكرِ، فأمَّا أن يُقالَ عنه مكَّارٌ فَفوقَ الجهلِ وفوقَ الحماقةِ! وقد أخبَرنا ابن ظفرٍ، قال: أخبرنا ابنُ السَّراج، قال: أنا الأزجِيُّ، قال: حدَّثنا ابن جهضمٌ، قال: نا الخُلدِيُّ، قال: سمعتُ رُويمًا يقول: إنَّ اللهَ غيَّب أشياءَ في أشياءَ: غيَّب مكرَهُ في علمِه، وغيَّبَ خِداعَهُ في لُطفِه، وغيَّب عقوباتِه في بابِ كراماتِه (٢). قال المصنِّفُ: قلت: وهذا تخلِيطٌ مِن ذلك الجِنس وجُرأة! وقد أخبَرنا محمدُ بن ناصرٍ، قال: أنبأنا أبو الفضلِ السَّهلكِي، قال: سمعتُ محمدَ بن إبراهيم يقول: سمعتُ خالِي يقول: قال الحسنُ بنُ علُّويه: خرَجَ أبو يزيدَ لزيارةِ أخٍ له بِبَلخ، فلمَّا وصل إلى نَهرِ جِيحُون التقى لهُ حافَّتا النَّهر فقال: سيِّدِي! إيش هذا المكرِ الخفِي؟! وعِزَّتِك ما عبدتكَ لِهذا. ثم رجعَ ولَم يعبُر. قال السَّهلكِي: وسمعتُ محمدَ بن أحمد المذكِّر يذكر أنَّ أبا يزيدَ قال: من عرَفَ اللهَ صار للجنَّةِ ثوابًا، وصارت الجنَّة عليهِ وبالًا (٣).

стр. 766

قال المصنِّفُ ﵀: قلت: وهذِهِ جُرأةٌ عظيمةٌ في إضافةِ المكرِ إلى الله ، وجعلِ الجنة التي هي نِهايةُ المطالِب وبالًا! وإذا كانت وَبالًا للعارِفِين، فكيفَ تكون لغَيرِهم؟! وكلُّ هذا مَنبَعُه مِن قلَّةِ العلمِ وسوءِ الفهم. أخبَرنا ابن حبيبٍ، قال: أخبَرنا ابن أبي صادقٍ قال: أنا ابنُ باكويه، قال: نا أبو الفَرجِ الوَرثانِي، قال: نا أحمدُ بنُ الحسَنِ بنُ محمدٍّ، قال: حدَّثني محمدُ بن جعفرٍ الورَّاق، قال: نا أحمدُ بن العبَّاس المهلَّبِي، قال: سمعتُ طيفورَ وهو أبو يزيدَ يقول: العارفونَ في زيارةِ الله تعالى فِي الآخِرة على طَبَقتَين: طبقةٌ تَزورُهُ متى شاءت وأنَّى شاءت، وطبقةٌ تزورُهُ مرَّةً واحدةً ثمَّ لا تزورُهُ بعدَها أبَدًا. فقيل له: كيفَ ذلك؟ قال: إذا رآهُ العارِفونَ أوَّل مرَّةٍ جعلَ لهُم سُوقًا ما فيها شِراءٌ ولا بَيعٌ إلَّا الصُّور مِن الرِّجالِ والنِّسَاء، فمَن دخلَ منهم السُّوقَ لَم يرجِع إلى زيارةِ اللهِ أبدًا! قال: وقال أبو يزيدَ: في الدُّنيا يخدعُكَ بالسُّوقِ، وفي الآخِرةِ يخدعُكَ بالسُّوق، فأنتَ أبدًا عبدُ السُّوق (١)! قال المصنِّفُ ﵀ قلت: تسمِيةُ ثوابِ الجنة خدِيعةً وسبَبًا للانقِطاعِ عن الله جهلٌ قبيحٌ، وإنما يُجعَلُ لهُم السُّوقَ ثَوابًا لا خدِيعةً، فإذا أذِنَ لهم فِي أخذِ ما فِي السُّوق ثمَّ عوقِبوا بِمنعِ الزِّيارة صارَت المثوبةُ عُقُوبةً، ومن أينَ لهُ أنَّ مَن اختارَ شيئًا مِن تلكَ السُّوقِ لم يعُد إلى زيارةِ اللهِ ﵎ ولا يراهُ أبدًا؟! نعوذُ باللهِ مِن هذا التخلِيطِ والتحكُّمِ في العِلمِ، والإخبارِ عن هذهِ الغائباتِ التي لا يعلمُها إلَّا نبيٌّ، فمِن أينَ لهُ عِلمُها؟ وكيف يكون كما قال؟! وأبو هُريرةَ راوِي الحديثِ يقول لسعيدِ بنِ المسيِّب: جمَعنِي اللهُ وإياكَ في سُوقِ الجنَّة (٢). أفَتراه طلبَ العُقوبةَ بالبُعدِ عن الله ؟! لكِن بُعدُ هؤلاءِ عن العِلم

стр. 767

واقتناعِهم بواقِعاتِهم الفاسِدةِ أوجَبَ هذا التخليط. وليُعلمَ أنَّ الخواطِر والواقِعاتِ إنَّما هِي ثمراتٌ، فمَن كان عالمًا كانت خَواطِرُهُ صحيحةً؛ لأنَّها ثمراتٌ، ومَن كان جاهِلًا فثَمَراتُ الجهلِ كلُّها حَنظَلٌ! قال المصنِّف: ورأيتُ بِخطِّ ابن عقيلٍ: جازَ أبو يزيدَ على مَقابِر اليهودِ، فقال: ما هؤلاءِ حتَّى يُعذِّبَهم؟! كفُّ عظامٍ جرَت عليهم القَضَايا (١)، اعفُ عنهم! قلت: وهذا قِلَّةُ علمٍ، وهو أنَّ قولَه: كفُّ عظامٍ: احتِقارٌ للآدِميِّ، فإنَّ المؤمِن إذا ماتَ كان كف عظام. وقوله: جرَت عليهم القَضَايا: علَى فِرعونَ. وقوله: اعفُ عنهم: جهلٌ بالشَّريعةِ؛ لأنَّ اللهَ أخبَر أنهُ لا يغفِرُ لمِن ماتَ كافرًا (٢)، فلَو قُبِلَت شَفاعةٌ في كافرٍ؛ لَقُبِلَ سؤالُ إبراهِيم صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهِ في أبيهِ (٣)، ومحمدٍ ﷺ في أمِّهِ (٤)، ولو قُبل ذلك لكان في علم الله، فنعوذُ بالله مِن قِلَّةِ العلم! أنبأنا أبو الوقتِ عبدُ الأوَّلِ بنُ عِيسى، قال: أخبَرنا أبو بكرٍ أحمدُ بن أبى نصرٍ الكوفاني، قال: أنا أبو محمدٍ الحسَنُ بن محمد بن فورِي الحبوشانى، قال: نا أبو نصرٍ عبدُ الله بن عليٍّ الطُّوسِي المعروفُ بالسَّراج، قال: كان ابنُ سالمٍ يقول: جازَ أبو يزيدَ بمقبَرةِ اليهود، فقال: معذُورِين! ومرَّ بِمقبَرةِ المسلمين، فقال: مغرُورِين (٥)!

стр. 768

وفسَّرهُ السَّراجُ فقال: كأنَّهُ لمَّا نظَر إلى ما سَبق لَهُم مِن الشَّقاوةِ مِن غيرِ فعلٍ كان مَوجُودًا في الأزل، وإنَّ اللهَ جعلَ نصيبَهُم السخطَ فذلِك عُذرٌ. قال المصنِّفُ ﵀: قلت: وتفسيرُ السَّراجِ قبيحٌ؛ لأنَّهُ يوجِبُ أن لا يعاقَب فِرعونُ ولا غيرُه. ومِن كلامِهِم في الحديثِ وغيرِه: • أخبرنا أبو منصورٍ القزَّاز، قال: أنا أبو بكرٍ الخطيبُ، قال: أنا الأزهرِيُّ، قال: أنا أحمدُ بن إبراهيم بنِ الحسن، قال: نا أحمدُ بن مروان المالِكِيُّ، قال: نا عبدُ الله بنُ أحمد بن حنبل، قال: جاءَ أبو ترابٍ النَّخشَبِيُّ إلى أبِي، فجعلَ أبي يقول: فلانٌ ضعيفٌ، وفلانٌ ثقةٌ. فقال أبو ترابٍ: يا شيخ، لا تَغْتَبِ العُلماءَ! فالتفتَ أبي إليه وقال له: ويحَكَ! هذهِ نصيحةٌ، ليس هذا غِيبة (١). • أنبأنا يحيى بنُ عليٍّ المدير، قال: أنبأنا أحمدُ بن عليِّ بنِ ثابتٍ، قال: أنا رِضوانُ ابنُ محمد بنِ الحسنِ الدِّينَوَري، قال: سمعتُ أحمدَ بنَ محمد بن عبدِ الله النَّيسابورِيَّ يقول: سمعتُ أبا الحسنِ عليَّ بنَ محمدٍ البخاريَّ يقول: سمعتُ محمدَ بنَ الفضلِ العبَّاسيَّ يقول: كنَّا عند عبد الرحمن بن أبي حاتمٍ وهو يقرأُ عَلَينا كتابَ "الجرحِ والتَّعديلِ"، فدخلَ عليهِ يوسفُ ابن الحسَين الرَّازِي، فقال: يا أبا محمد! ما هذا الذي تقرأُه على الناس؟ فقال: كتابٌ صنَّفتُهُ في الجرحِ والتعديلِ. فقال: وما الجرحُ والتعديلُ؟ فقال: أظهِرُ أحوالَ أهلِ العلمِ، مَن كان منهُم ثقةً أو غيرَ ثقةٍ. فقال لهُ يوسف بنُ الحسين: استحيَيتُ لكَ يا أبا محمَّد، كم مِن هؤلاءِ القَومِ قد حطُّوا

стр. 769

رواحِلَهُم في الجنَّة منذُ مائةِ سنةٍ ومائتَي سنةٍ، وأنتَ تذكُرُهم وتغتابُهم على أديمِ الأرضِ! فبكَى عبدُ الرحمن، وقال: يا أبا يعقوب، لو سمِعتُ هذه الكلمةَ قبلَ تصنِيفِي هذا الكتاب لم أصنِّفْهُ (١). قلت: عفَا اللهُ عن ابنِ أبِي حاتمٍ، فإنَّهُ لو كان فقِيهًا لردَّ عليهِ كما ردَّ الإمامُ أحمد علَى أبِي ترابٍ. ولولا الجرحُ والتعديلُ مِن أين كان يُعرَفُ الصَّحيحُ من الباطلِ؟! ثم كونُ القومِ في الجنَّةِ لا يمنعُ أن نذكُرَهُم بما فيهم، وتسميةُ ذلكَ غِيبةً حديثُ سوءٍ (٢)، ثمَّ مَن لا يدرِي الجرحَ والتعديلَ ما هُوَ كيفَ يُذْكَر كلامُه؟! وينبغِي ليوسُفَ أن يشتَغِلَ بالعجائِب التي تُحكَى عنهُ عن مثلِ هذا. • أَخبَرنا أبو بكرِ بنُ حبيبٍ، قال: أنا أبو سعدِ بنُ أبي صادقٍ، قال: أنا ابن باكويه، قال: سمعت عبدَ الله بنَ يزيد (٣) الأردبيلي يقول: سمعتُ أبا العبَّاس بنَ عطاءٍ يقول: مَن عرفَ الله أمسَكَ عن رفعِ حوائِجِه إليهِ؛ لمِا علِم أنهُ العالِمُ بأحوالِهِ (٤).

стр. 770

قال المصنِّفُ: قلت: هذا سدٌّ لِبابِ السُّؤال والدُّعاء، وهو جهلٌ بالعلم (١). • أخبَرنا محمدُ بن عبدِ الملكِ بن خيرون، قال: أنا أحمدُ بنُ الحسَنِ الشَّاهِد، قال: قُرِيء على محمد بنِ الحسن الأهوازِي (٢) وأنا أسمعُ، سمعت أبا بكرٍ الدنف الصوفِي يقول: سمعتُ الشبليَّ وقد سَألهُ شابٌّ يا أبا بكرٍ! لِم تقول: اللهُ، ولا تقول: لا الهَ إلَّا اللهُ؟ فقال الشبِليُّ: أستحِي أن أوجِّهَ إثباتًا بعدَ نفيٍ. فقال الشابُّ: أريد حجةً أقوى مِن هذا. فقال: أخشَى أن أوخَذَ في كلِمةِ الجُحودِ ولا أصِلُ إلى كلمةِ الإقرارِ (٣)! قال المصنِّفُ ﵀: انظروا إلى هذا العِلمِ الدَّقيقِ! فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يأمُرُ بقولِ: "لا إلهَ إلَّا الله" ويحُثُّ عليها (٤)، وفي الصَّحيحَين عنهُ أنهُ كان يقولُ فِي دُبُرِ كلِّ

стр. 771

صلاةٍ: "لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له" (١)، وكان يقولُ إذا قام لِصلاةِ اللَّيلِ: "لا إلهَ إلَّا أنتَ" (٢)، وذَكَر الثوابَ العظِيمِ لمِن يقول: "لا إلهَ إلَّا الله" (٣). فانظُرُوا إلى هذا التَّعاطِي على الشَّريعةِ واختيارِ ما لَم تَختَرْه! • أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الباقِي، قال: أنبأنا أبو عليٍّ الحسَنُ بن محمد بنِ الفضلِ، قال: أنا سهلُ بنُ عليٍّ الخشَّاب، قال: أنا عبدُ اللهِ بنُ عليٍّ السَّراج، قال: بلَغَنِي أنَّ أبا الحسَين النورِي شهِدُوا عليه أنه سمعَ أذانَ المؤذِّنَ فقال: طعنةُ وسُمُّ الموت. وسمعَ نِباحَ الكلبِ فقال: لبَّيكَ وسَعدَيكَ، فقيل له في ذلك فقال: إنَّ المؤذِّنَ أغارُ عَلَيه أن يَذكُرَ اللهَ وهُو غافلٌ، ويأخُذُ عليه الأُجرَةَ، ولولاها ما أذَّنَ؛ فلذلكَ قلتُ: طعنة! والكلبُ يذكُرُ اللهَ بِلا رياءٍ، فإنه قد قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] (٤) (٥).

стр. 772

قال المصنِّفُ ﵀: قلت: انظروا إخواني -عَصَمنا اللهُ وإيَّاكُم مِن الزَّللِ- إلى هذا الفِقهِ الدَّقيِق والاستنباطِ الطريف! • أخبَرنا أبو بكرِ بنُ حبيبٍ، قال: أنا أبو سعدِ بنُ أبي صادقٍ، قال: أنا ابنُ باكويه، قال: أنا أبو يعقوبٍ الخرَّاط، قال: أنا النورِي أنهُ رأى رجُلًا قابضًا على لحِيةِ نفسِه، قال: فقلتُ لهُ: نَحِّ يدَكَ عن لحِيةِ اللهِ. فرُفِعَ ذلك إلى الخلِيفةِ، فطُلِبتُ وأُخِذتُ، فلمَّا أُدخِلتُ عليه، قال: بلَغَنِي أنهُ نبحَ كلبٌ فقلتَ: لبَّيكَ، ونادَى المؤذِّنُ فقلتَ: اخسأ! قلتُ: نَعَم، قال الله : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]؛ فقلتُ: لبيكَ؛ لأنهُ ذكرَ الله، فأمَّا المؤذِّن فكان يذكُر اللهَ وهو متلوِّثٌ بالمعاصِي غافلٌ عنِ الله تعالى، قال: وقولُكَ للرَّجُل: نَحِّ يدَكَ عن لحِيةِ الله! قلت: نَعم، ألَيسَ العبدُ للهِ، ولحِيَتُهُ للهِ، وكلُّ ما فِي الدُّنيا والآخرةِ له (١)؟! قال المصنِّفُ قلت: عدمُ العلمِ أوقعَ هؤلاءِ في التخبِيطِ، وما الذِي أحوَجَهُ إلى أن يُوهِمَ أنَّ صفةَ المُلكِ صفةٌ للذَّات (٢). • أخبَرنا ابن حبيبٍ، قال: أنا ابنُ أبِي صادقٍ، قال: أنا ابنُ باكويهِ، قال: سمعتُ أحمدَ بن محمد بنِ عبدِ العزيز، قال: سمعتُ الشبِليَّ يقول وقد سُئلَ عن المعرِفةِ، فقال: ويحَكَ! ما عَرفَ اللهَ مَن قال: الله، واللهِ لو عَرفُوهُ ما قالوهُ.

стр. 773

قال ابنُ باكويه: وسمعتُ أبا القاسِم أحمدَ بنَ يوسف البردانِيَّ يقول: سمعتُ الشبِليَّ يقول يومًا لرَجُلٍ سألهُ: ما اسمك؟ قال: آدم، قال: ويلك! أتدرِي ما صَنَع آدمُ؟! باعَ ربَّهُ بلُقمةِ. ثمَّ كان يقولُ: سبحانَ مَن عَذَرنِي بالسَّوداءِ (١). قال ابنُ باكويه: وسمعتُ بكرانَ بنَ أحمد الحبلي يقول: كان للشلَبي جلِيسٌ، فأعلَمَهُ أنهُ يريدُ التوبةَ، فقال: بِع مالَكَ، واقضِ دَينَك، وطلِّق امرَأتَك. ففَعَل، فقال: أيتِم أولادَكَ بأَن تؤَيِّسْهُم مِن التَّعلُّقِ بكَ؛ ليعدُّوكَ في الموتى. فقال: قد فعلتُ. فجاءَ بكسرٍ قد جَمعها، فقال: اطرَحهَا بَينَ يديِ الفُقَراءِ، وكُل معَهُم (٢). • أنبأنا أبو المظفِّر عبدُ المنعِم بن عبدِ الكريم، قال: نا أبِي، قال: سمعتُ بعضَ الفقراءِ يقول: سمعتُ أبا الحسَن الخرقَانِي يقول: لا إلهَ إلَّا اللهُ مِن داخِلِ القلبِ، محمدٌ رسولُ اللهِ مِن القُرطِ (٣). • أخبَرنا أبو بكرِ بنُ حبيبٍ، قال: أنا أبو سَعَد بنُ أبي صادقٍ، قال: نا ابن باكويه، قال: نا أحمدُ بنُ محمد الخُلْقَاني، قال: رأَى الشبِليُّ في الحمَّامِ غلامًا شابًا بلا مِئزَرٍ، فقال له: يا غلام! ألا تُغَطِّي؟ فقال له: اسكت يا بطَّال! إن كنتَ على الحقِّ فلا تشهد إلا الحقَّ، وإن كنتَ على الباطلِ فلا ترى إلَّا الباطلَ؛ لأنَّ الحقَّ مشتغِلٌ بالحقِّ، والباطِلُ مشتغِلٌ بالباطِلِ (٤).

стр. 774

• أنبأنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ أبي طاهرٍ، قال: أنبأنا عليُّ بنُ الحسَن التنوخِي، عن أبيه، قال: حدثني أبو القاسمِ عبدُ الرَّحيم بنُ جعفرٍ السِّريافي الفقيه، قال: حضرتُ بِشيرازَ عند قاضِيها أبي سعيدٍ بشرِ بنِ الحسَنِ الدَّاودي -وقد ارتفعَ إليه صوفيٌّ وصوفيَّة- قال: وأمرُ الصوفيِّينَ هناك مفرطٌ جدًا، حتى يُقال إن عددَهم ألوفٌ، فاسْتَعْدَتِ المرأةُ على زوجِها إلى القاضِي، فلمَّا حضَرا قالت له: أيُّها القاضِي، إنَّ هذا زوجِي، ويريد أن يطلِّقَني، وليس له ذلك، فإن رأيتَ أن تمنعه. قال: فأخَذَ أبو سعيدٍ يعجبني مِن هذا الكلامِ وينبِّهني على مذاهِب الصوفيَّة، ثم قال لها: كيف ليس له ذلك؟ قالت: لأنه تزوَّج بِي ومعناهُ قائمٌ فيَّ، والآنَ هو يذكُر أنَّ معناهُ قد انقضَى منِّي، وأنا معنَايَ قائِمٌ فيهِ ما انقَضَى، فيجِبُ عليهِ أن يصبِرَ حتى ينقضِيَ معنَايَ منهُ كما انقَضَى معناهُ مني! فقال لي أبو سعيدٍ: كيف ترى هذا الفقه؟ ثمَّ أصلَحَ بينَهُما وخرجَا من غيرِ طلاقٍ (١). • وقد ذكرَ أبو حامدٍ الطُّوسيُّ في كتابِ الإحياء أنَّ بعضَهم قال: لِلرُّبوبيَّةِ سرٌّ لو أُظهِرَ لبطلَت النبوَّةُ، وللنُّبوَّةِ سرٌّ لو كُشِفَ لبطلَ العلم، ولِلعُلَماءِ باللهِ سرٌّ لو أظهرُوهُ لبطلَتِ الأحكامُ (٢). قال المصنِّفُ: قلت: فانظُروا إخواني إلى هذا التخلِيطِ القبيحِ والادِّعاءِ على الشريعةِ أنَّ ظاهرَها يُخالِفُ باطنَها. • وقال أبو حامدٍ: ضاعَ لبعضِ الصُّوفيَّةِ ولدٌ صغيرٌ، فقيل له: لَو سألتَ اللهَ أن يرُدَّهُ علَيك! فقال: اعتراضِي عليهِ فيما يقضِي أشدُّ علَيَّ مِن ذهابِ ولدِي (٣).

стр. 775

قال المصنِّفُ قلت: لقد طالَ تعجُّبي مِن أبي حامدٍ كيفَ يحكِي هذهِ الأشياءَ في معرضِ الاستحسانِ، والرِّضا عن قائِلِها، وهو يدرِي أنَّ الدُّعاءَ والسؤالَ ليس باعتراضٍ! • وقال أحمدُ الغزالي: دخلَ يهودِيٌّ إلى أبي سعيدِ بنِ أبي الخيرِ الصوفيِّ، فقال له: أريدُ أن أسلِمَ على يدِك، فقال: لا تُرِدْ! فاجتمعَ الناسُ، وقالوا: يا شيخ! تمنعهُ من الإسلامِ؟! قال له: تريد أن تسلم بلا بد. قال: نعم. قال له: برِئتَ مِن نفسِكَ ومالِك؟ قال: نعم، قال: هذا الإسلامُ عندي، احملُوهُ الآن إلى الشَّيخِ أبي حامدٍ، حتى يُعَلِّمهُ لا لا المنافقين. يعني: لا إلهَ إلَّا الله (١). قال المصنِّفُ: وهذا الكلامُ أظهرُ عَيبًا مِن أن يُعابَ، فإنهُ في غايةِ القبحِ! • وممَّا يُقارِبُ هذهِ الحكاية في دفعِ مَن أرادَ الإسلام: ما أخبَرنا أبو منصورٍ القزَّاز، قال: أخبَرنا أبو بكرِ بنُ ثابتٍ، أخبرني محمدُ ابنُ أحمدَ بنِ يعقوب، قال: أنا محمدُ بن نُعَيمٍ الضبِّيُّ، قال: سمعتُ أبا عليٍّ الحسَينَ بنَ محمد ابن أحمد الماسَرْجِسِي يحكِي عن جدِّهِ وغيرِه مِن أهلِ بيتهِ، قال: كان الحسَن والحسَينُ ابنا عِيسَى بنِ ماسَرْجِس أخوينِ تُركِيان (٢)، فتحيَّر الناسُ مِن حُسنِهما وبزَّتِهما، فاتفقا على أن يُسْلِمَا، فقَصَدا حفصَ بنَ عبدِ الرحمن لِيُسلِما على يدِهِ، فقال لهما حفص: أنتما مِن أجلِّ النَّصارَى، وعبدُ الله بنُ المبارَك خارِجٌ في هذهِ السَّنة إلى الحجِّ، وإذا أسلَمْتُما على يدِهِ كان ذلكَ أعظمَ عند المسلِمين، فإنه شيخُ أهلِ المشرقِ والمغربِ. فانصَرَفا، فمرِضَ الحسَينُ وماتَ على نَصرانِيَّتِه قبل قُدومِ ابنِ المبارك، فلمَّا قدِمَ أسلَم الحسَن (٣).
следующие страницы →