← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

صلاةٍ: "لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له" (١)، وكان يقولُ إذا قام لِصلاةِ اللَّيلِ: "لا إلهَ إلَّا أنتَ" (٢)، وذَكَر الثوابَ العظِيمِ لمِن يقول: "لا إلهَ إلَّا الله" (٣). فانظُرُوا إلى هذا التَّعاطِي على الشَّريعةِ واختيارِ ما لَم تَختَرْه! • أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الباقِي، قال: أنبأنا أبو عليٍّ الحسَنُ بن محمد بنِ الفضلِ، قال: أنا سهلُ بنُ عليٍّ الخشَّاب، قال: أنا عبدُ اللهِ بنُ عليٍّ السَّراج، قال: بلَغَنِي أنَّ أبا الحسَين النورِي شهِدُوا عليه أنه سمعَ أذانَ المؤذِّنَ فقال: طعنةُ وسُمُّ الموت. وسمعَ نِباحَ الكلبِ فقال: لبَّيكَ وسَعدَيكَ، فقيل له في ذلك فقال: إنَّ المؤذِّنَ أغارُ عَلَيه أن يَذكُرَ اللهَ وهُو غافلٌ، ويأخُذُ عليه الأُجرَةَ، ولولاها ما أذَّنَ؛ فلذلكَ قلتُ: طعنة! والكلبُ يذكُرُ اللهَ بِلا رياءٍ، فإنه قد قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] (٤) (٥).

стр. 772

قال المصنِّفُ ﵀: قلت: انظروا إخواني -عَصَمنا اللهُ وإيَّاكُم مِن الزَّللِ- إلى هذا الفِقهِ الدَّقيِق والاستنباطِ الطريف! • أخبَرنا أبو بكرِ بنُ حبيبٍ، قال: أنا أبو سعدِ بنُ أبي صادقٍ، قال: أنا ابنُ باكويه، قال: أنا أبو يعقوبٍ الخرَّاط، قال: أنا النورِي أنهُ رأى رجُلًا قابضًا على لحِيةِ نفسِه، قال: فقلتُ لهُ: نَحِّ يدَكَ عن لحِيةِ اللهِ. فرُفِعَ ذلك إلى الخلِيفةِ، فطُلِبتُ وأُخِذتُ، فلمَّا أُدخِلتُ عليه، قال: بلَغَنِي أنهُ نبحَ كلبٌ فقلتَ: لبَّيكَ، ونادَى المؤذِّنُ فقلتَ: اخسأ! قلتُ: نَعَم، قال الله : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]؛ فقلتُ: لبيكَ؛ لأنهُ ذكرَ الله، فأمَّا المؤذِّن فكان يذكُر اللهَ وهو متلوِّثٌ بالمعاصِي غافلٌ عنِ الله تعالى، قال: وقولُكَ للرَّجُل: نَحِّ يدَكَ عن لحِيةِ الله! قلت: نَعم، ألَيسَ العبدُ للهِ، ولحِيَتُهُ للهِ، وكلُّ ما فِي الدُّنيا والآخرةِ له (١)؟! قال المصنِّفُ قلت: عدمُ العلمِ أوقعَ هؤلاءِ في التخبِيطِ، وما الذِي أحوَجَهُ إلى أن يُوهِمَ أنَّ صفةَ المُلكِ صفةٌ للذَّات (٢). • أخبَرنا ابن حبيبٍ، قال: أنا ابنُ أبِي صادقٍ، قال: أنا ابنُ باكويهِ، قال: سمعتُ أحمدَ بن محمد بنِ عبدِ العزيز، قال: سمعتُ الشبِليَّ يقول وقد سُئلَ عن المعرِفةِ، فقال: ويحَكَ! ما عَرفَ اللهَ مَن قال: الله، واللهِ لو عَرفُوهُ ما قالوهُ.

стр. 773

قال ابنُ باكويه: وسمعتُ أبا القاسِم أحمدَ بنَ يوسف البردانِيَّ يقول: سمعتُ الشبِليَّ يقول يومًا لرَجُلٍ سألهُ: ما اسمك؟ قال: آدم، قال: ويلك! أتدرِي ما صَنَع آدمُ؟! باعَ ربَّهُ بلُقمةِ. ثمَّ كان يقولُ: سبحانَ مَن عَذَرنِي بالسَّوداءِ (١). قال ابنُ باكويه: وسمعتُ بكرانَ بنَ أحمد الحبلي يقول: كان للشلَبي جلِيسٌ، فأعلَمَهُ أنهُ يريدُ التوبةَ، فقال: بِع مالَكَ، واقضِ دَينَك، وطلِّق امرَأتَك. ففَعَل، فقال: أيتِم أولادَكَ بأَن تؤَيِّسْهُم مِن التَّعلُّقِ بكَ؛ ليعدُّوكَ في الموتى. فقال: قد فعلتُ. فجاءَ بكسرٍ قد جَمعها، فقال: اطرَحهَا بَينَ يديِ الفُقَراءِ، وكُل معَهُم (٢). • أنبأنا أبو المظفِّر عبدُ المنعِم بن عبدِ الكريم، قال: نا أبِي، قال: سمعتُ بعضَ الفقراءِ يقول: سمعتُ أبا الحسَن الخرقَانِي يقول: لا إلهَ إلَّا اللهُ مِن داخِلِ القلبِ، محمدٌ رسولُ اللهِ مِن القُرطِ (٣). • أخبَرنا أبو بكرِ بنُ حبيبٍ، قال: أنا أبو سَعَد بنُ أبي صادقٍ، قال: نا ابن باكويه، قال: نا أحمدُ بنُ محمد الخُلْقَاني، قال: رأَى الشبِليُّ في الحمَّامِ غلامًا شابًا بلا مِئزَرٍ، فقال له: يا غلام! ألا تُغَطِّي؟ فقال له: اسكت يا بطَّال! إن كنتَ على الحقِّ فلا تشهد إلا الحقَّ، وإن كنتَ على الباطلِ فلا ترى إلَّا الباطلَ؛ لأنَّ الحقَّ مشتغِلٌ بالحقِّ، والباطِلُ مشتغِلٌ بالباطِلِ (٤).

стр. 774

• أنبأنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ أبي طاهرٍ، قال: أنبأنا عليُّ بنُ الحسَن التنوخِي، عن أبيه، قال: حدثني أبو القاسمِ عبدُ الرَّحيم بنُ جعفرٍ السِّريافي الفقيه، قال: حضرتُ بِشيرازَ عند قاضِيها أبي سعيدٍ بشرِ بنِ الحسَنِ الدَّاودي -وقد ارتفعَ إليه صوفيٌّ وصوفيَّة- قال: وأمرُ الصوفيِّينَ هناك مفرطٌ جدًا، حتى يُقال إن عددَهم ألوفٌ، فاسْتَعْدَتِ المرأةُ على زوجِها إلى القاضِي، فلمَّا حضَرا قالت له: أيُّها القاضِي، إنَّ هذا زوجِي، ويريد أن يطلِّقَني، وليس له ذلك، فإن رأيتَ أن تمنعه. قال: فأخَذَ أبو سعيدٍ يعجبني مِن هذا الكلامِ وينبِّهني على مذاهِب الصوفيَّة، ثم قال لها: كيف ليس له ذلك؟ قالت: لأنه تزوَّج بِي ومعناهُ قائمٌ فيَّ، والآنَ هو يذكُر أنَّ معناهُ قد انقضَى منِّي، وأنا معنَايَ قائِمٌ فيهِ ما انقَضَى، فيجِبُ عليهِ أن يصبِرَ حتى ينقضِيَ معنَايَ منهُ كما انقَضَى معناهُ مني! فقال لي أبو سعيدٍ: كيف ترى هذا الفقه؟ ثمَّ أصلَحَ بينَهُما وخرجَا من غيرِ طلاقٍ (١). • وقد ذكرَ أبو حامدٍ الطُّوسيُّ في كتابِ الإحياء أنَّ بعضَهم قال: لِلرُّبوبيَّةِ سرٌّ لو أُظهِرَ لبطلَت النبوَّةُ، وللنُّبوَّةِ سرٌّ لو كُشِفَ لبطلَ العلم، ولِلعُلَماءِ باللهِ سرٌّ لو أظهرُوهُ لبطلَتِ الأحكامُ (٢). قال المصنِّفُ: قلت: فانظُروا إخواني إلى هذا التخلِيطِ القبيحِ والادِّعاءِ على الشريعةِ أنَّ ظاهرَها يُخالِفُ باطنَها. • وقال أبو حامدٍ: ضاعَ لبعضِ الصُّوفيَّةِ ولدٌ صغيرٌ، فقيل له: لَو سألتَ اللهَ أن يرُدَّهُ علَيك! فقال: اعتراضِي عليهِ فيما يقضِي أشدُّ علَيَّ مِن ذهابِ ولدِي (٣).

стр. 775

قال المصنِّفُ قلت: لقد طالَ تعجُّبي مِن أبي حامدٍ كيفَ يحكِي هذهِ الأشياءَ في معرضِ الاستحسانِ، والرِّضا عن قائِلِها، وهو يدرِي أنَّ الدُّعاءَ والسؤالَ ليس باعتراضٍ! • وقال أحمدُ الغزالي: دخلَ يهودِيٌّ إلى أبي سعيدِ بنِ أبي الخيرِ الصوفيِّ، فقال له: أريدُ أن أسلِمَ على يدِك، فقال: لا تُرِدْ! فاجتمعَ الناسُ، وقالوا: يا شيخ! تمنعهُ من الإسلامِ؟! قال له: تريد أن تسلم بلا بد. قال: نعم. قال له: برِئتَ مِن نفسِكَ ومالِك؟ قال: نعم، قال: هذا الإسلامُ عندي، احملُوهُ الآن إلى الشَّيخِ أبي حامدٍ، حتى يُعَلِّمهُ لا لا المنافقين. يعني: لا إلهَ إلَّا الله (١). قال المصنِّفُ: وهذا الكلامُ أظهرُ عَيبًا مِن أن يُعابَ، فإنهُ في غايةِ القبحِ! • وممَّا يُقارِبُ هذهِ الحكاية في دفعِ مَن أرادَ الإسلام: ما أخبَرنا أبو منصورٍ القزَّاز، قال: أخبَرنا أبو بكرِ بنُ ثابتٍ، أخبرني محمدُ ابنُ أحمدَ بنِ يعقوب، قال: أنا محمدُ بن نُعَيمٍ الضبِّيُّ، قال: سمعتُ أبا عليٍّ الحسَينَ بنَ محمد ابن أحمد الماسَرْجِسِي يحكِي عن جدِّهِ وغيرِه مِن أهلِ بيتهِ، قال: كان الحسَن والحسَينُ ابنا عِيسَى بنِ ماسَرْجِس أخوينِ تُركِيان (٢)، فتحيَّر الناسُ مِن حُسنِهما وبزَّتِهما، فاتفقا على أن يُسْلِمَا، فقَصَدا حفصَ بنَ عبدِ الرحمن لِيُسلِما على يدِهِ، فقال لهما حفص: أنتما مِن أجلِّ النَّصارَى، وعبدُ الله بنُ المبارَك خارِجٌ في هذهِ السَّنة إلى الحجِّ، وإذا أسلَمْتُما على يدِهِ كان ذلكَ أعظمَ عند المسلِمين، فإنه شيخُ أهلِ المشرقِ والمغربِ. فانصَرَفا، فمرِضَ الحسَينُ وماتَ على نَصرانِيَّتِه قبل قُدومِ ابنِ المبارك، فلمَّا قدِمَ أسلَم الحسَن (٣).

стр. 776

قال المصنِّفُ ﵀ قلت: وهذهِ المحنةُ إنما جَلَبَها الجهلُ، فليُعرف قدرُ العلمِ؛ لأنهُ لو كان عندَ حفصٍ علمٌ لقالَ: أسلِما الآن، ولا يجوزُ تأخيرُ ذلك، وأعجبُ مِن هذا أبو سعيدٍ، الذي قال لليهودِي: لا تُرِد الإسلام! • وذَكَر أبو نَصرٍ السَّراج في كتابِ اللُّمَع -لمع المتصوِّفة-، قال: كان سهلُ بن عبدِ الله إذا مرِض أحدٌ من أصحابهِ يقول له: إذا أردتَ أن تشتكِي فقل: أوَّهْ! فهو اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ تعالى، يستريحُ إليه المؤمنُ، ولا تقُل: أخخ! فإنه اسمٌ مِن أسماء الشيطان. (١) قال المصنِّفُ: فهذهِ نبذةٌ من كلامِ القومِ وفقهِهم، نبَّهت على قِلَّةِ علمهِم وسوءِ فَهمِهِم وكثرةِ خطئِهم. • وقد سمعتُ أبا عبدِ الله حسَينَ بنَ عليٍّ المقرئ، يقول: سمعت أبا محمدٍ عبدَ الله ابنَ عطاءٍ الهرَويَّ، يقول: سمعتُ عبدَ الرحمنِ بنَ محمد بن المظفَّر يقول: سمعتُ أبا عبدِ الرحمن محمدَ بن الحسين، يقول: سمعتُ عبدَ الله بنَ الحسَين السَّلامِي، يقول: سمعتُ عليَّ بن محمد المصريَّ، يقول: سمعتُ أيوبَ بن سُليمان، يقول: سمعتُ محمدَ بن محمد بنِ إدريسَ الشافعي، يقول: سمعتُ أبي يقول: صحِبتُ الصوفيَّة عَشْرَ (٢) سِنين، ما استفدتُ منهم إلَّا هذَين الحرفَين: الوقتُ سَيفٌ، وأفضل العِصمَةِ أن لا تقدِر (٣).

стр. 777

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الشطح (١) والدعاوى قال المصنِّفُ ﵀: اعلم أنَّ العِلمَ يورثُ الخوفَ واحتقارَ النَّفسِ وطولَ الصَّمتِ، وإذا اعتبَرتَ عُلماءَ السَّلفِ رأيتَ الخوفَ غالبًا عليهم والدعاوى بعيدةً عنهم، كما قال أبو بكرٍ: ليتَنِي كنتُ شعرةً في صدرِ مؤمِن (٢). وقال عُمر عند موتِهِ: الويلُ لِعُمر إن لَم يُغفَر له (٣). وقال ابنُ مسعودٍ: ليتَنِي إذا مُتُّ لا أُبعث (٤). وقالت عائشة ﵂: ليتنِي كنتُ نَسيًا مَنسِيًا (٥).

стр. 778

وقال سُفيانُ الثوريُّ لحمَّادِ بنِ سلَمة عند الموت: أتَرجُو أن يُغفَرَ لمِثِلي (١). وإنما صدَرَ مثلُ هذا عن هؤلاءِ السَّادةِ؛ لِقوَّةِ علمِهِم بالله ، وقوةُ العلمِ بهِ تورثُ الخوفَ والخشيةَ، قال : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وقال ﷺ : "أنَا أعرَفُكُم باللهِ وأشدُّكُم لهُ خَشيَةً" (٢). ولمَّا بعُد عن العلمِ أقوامٌ من المتصوِّفة لاحظوا أعمالهَم، واتَّفقَ لبعضِهم مِن اللُّطفِ ما يشبهُ الكرامات، فانبسطوا بالدَّعاوى: • أخبَرنا محمدُ بن ناصر الحافظ، قال: أنبأنا أبو الفضلِ محمدُ بن عليٍّ السهلكِي، قال: سمعتُ أبا عبدِ الله محمدَ بن عبدِ الله الشيرازِي يقول: نا أبو بكرٍ عُمرُ بن يمن، قال: نا أبو عَمرو الرَّهاوي، قال: نا أحمدُ بن محمد الجزَرِي، قال: سمعتُ أبا موسى الدَّيبليَّ يقول: سمعتُ أبا يزيدَ البسطامِيَّ يقول: ودِدتُ أن قَد قامتِ القِيامَةُ حتى أنصِبَ خَيمَتِي على جهنَّم. فسأله رجلٌ منَّا: ولِم ذاكَ يا أبا يزيد؟ فقال: إنِّي أعلَمُ أنَّ جهنَّم إذا رأتنِي تخمد؛ فأكونُ رحمةً للخَلقِ (٣). • أخبرنا أبو بكرِ بنُ حبيبٍ العامِرِيُّ، قال: أنا أبو سَعدِ بنُ أبي صادِقٍ، قال: نا ابنُ باكويه، قال: أخبر نا إبراهيمُ بنُ محمد، قال: أخبَرني الحسَنُ بن علويه، قال: أخبَرني طيفورُ بن عِيسى، قال: أخبَرني أبو موسى الدَّيبِلي، قال: سمعتُ أبا يزيدَ يقول: إذا

стр. 779

كان يومُ القيامةِ، وأُدخِلَ أهلُ الجنةِ الجنَّةَ وأهلُ النَّارِ النارَ، فأسألهُ أن يُدخِلَني إلى النَّار. فقيل له: لِم؟ قال: حتى تعلمَ الخلائِقُ أنَّ بِرَّهُ ولُطفَهُ فِي النارِ معَ أوليائِه (١). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: هذا الكلامُ مِن أقبحِ الأقوالِ؛ لأنهُ يتضمَّنُ تَحقيرَ ما عَظَّمَ اللهُ أمرَه مِن النار، فإنهُ بالَغَ في وصفِها فقال: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]، وقال: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢] إلى غيرِ ذلك من الآيات. وقد أخبَرنا عبدُ الأوَّل، قال: أنا ابن المظفَّر، قال: أخبرنا ابن أعين، قال: نا الفِرَبرِيُّ، قال: نا البُخارِيُّ، قال: نا إسماعيلُ، قال: نا مالِك، عن أبِي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرة قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "نارُكم هذهِ ما يوقِدُ بنو آدم جُزءٌ مِن سَبعينَ جُزءًا مِن حرِّ جهنم". قالوا: واللهِ إن كانت لَكَافِيةٌ يا رسولَ الله. قال: "فإنَّها فُضِّلَت علَيها بِتِسعةٍ وسِتين جُزءًا، كُلُّهُنَّ مثلُ حرِّها" (٢). أخرجَاهُ في الصَّحيحَين. وفي أفرادِ مُسلمٍ مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤتَى بِجهنَّم يومئذٍ ولها سبعون ألفَ زِمامٍ، مع كلِّ زِمامٍ سبعونَ ألفَ مَلَكٍ يَجُرُّونها" (٣). أخبَرنا محمدُ بن ناصرٍ، قال: أنا جعفرُ بن أحمد، قال: أنا أبو عليٍّ التمِيمِي، قال: أنا أبو بكرِ بنُ مالكٍ، قال: نا عبدُ الله بن أحمد، قال: حدثني أبِي، قال: نا بَهزُ بنُ أسَدٍ،

стр. 780

قال: نا جعفرُ بنُ سُلَيمانَ، قال: نا عِليُّ بنُ زيدٍ، عن مطرِّفٍ، عن كعبٍ، قال: قال عُمرُ بن الخطاب: يا كَعب خوِّفنا! قلت: يا أميرَ المؤمنين، اعمل عمَلَ رجُلٍ لو وافيتَ القيامةَ بِعملِ سبعين نَبيًا لازدَرَأتَ عملَكَ مِمَّا تَرى. فاطرقَ عمرُ ملِيًا، ثم أفاق، قال: زِدنا يا كعب! قلت: يا أميرَ المؤمنين، لو فُتِحَ مِن جهنَّمَ قدرُ مِنخَرِ ثَورٍ بالمشرِقِ ورجُلٌ بالمغرِبِ لَغلَى دِماغُهُ حتى يسِيلَ مِن حرِّها. فأطرق عُمرُ ملِيًا، ثم أفاق، فقال: زِدنا يا كَعب! قلت: يا أمير المؤمنين، إنَّ جهنَّم لتزفُرُ يومَ القِيامةِ زَفرةً لا يبقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُصطَفَى إلَّا خرَّ جَاثيًا على رُكبَتَيهِ ويقول: ربِّ نفسِي نفسِي، لا أسألُكَ اليومَ غيرَ نفسِي (١). أخبرنا محمدُ بن عبدِ الباقي بن أحمد، قال: أخبَرنا حمدُ بن أحمدَ الحدَّاد، قال: حدَّثنا أبو نُعَيمٍ الحافظُ، قال: نا أبِي، قال: نا أحمدُ بن محمدِ بن الحسَن البغداديّ، قال: نا إبراهيمُ بن عبدِ الله بنِ الجنَيدِ، قال: نا عُبَيدُ الله بن محمد بن عائشة، قال: نا سالِمٌ الخوَّاص، عن فُراتِ بن السائِبِ، عن زاذان، قال: سمعتُ كعبَ الأحبار يقول: إذا كان يومُ القيامةِ جَمَع اللهُ الأوَّلِين والآخِرين فِي صعيدٍ واحدٍ، ونزلَت الملائكةُ فصارت صفوفًا، ويقول: يا جبريل ائتني بجهنم. فيأتِي بِها جبريلُ، فتُقادُ بِسبعِين ألفَ زِمامٍ حتى إذا كانت مِن الخلائِقِ على قدرِ مائةِ عامٍ، زَفَرَت زفرةً طارت لَها أفئِدةُ الخلائِق، ثمَّ زفرت ثانيةً فلا يبقى ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرسلٌ إلَّا جثَى لِرُكبَتَيهِ، ثم تزفُر الثالثةُ فتبلُغ القلوبُ الحناجِر، وتذهَلُ العقولُ، فيفزعُ كلُّ امرئٍ إلى عملهِ حتى إنَّ إبراهيمَ الخليلَ يقول: بِخلَّتي لا أسألُكَ إلَّا نفسِي. ويقول موسى: بِمناجَاتِي لا

стр. 781

أسألُكَ إلَّا نفسِي. وإنَّ عِيسى ليقول: بِما أكرمتنِي لا أسألُك إلَّا نفسِي، لا أسألكَ اليوم مريمَ التي وَلَدتنِي (١). قال المصنِّف: وقد روينا أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "يا جبريلُ! مالي أرى ميكائيلَ لا يضحَكُ؟! فقال: ما ضَحِكَ ميكائيلُ منذُ خُلِقت النار! وما جَفَت لِى عينٌ مُنذُ خُلِقت جهنَّم؛ مَخَافة أن أعصِيَ اللهَ فيجعَلَني فيها" (٢). وبكَى عبدُ اللهِ بن رواحةَ يومًا فقالت امرأته: ما لَكَ تبكي؟! قال: أنبِئتُ أنِّي واردٌ ولَم أُنبَأ أنِّي صادر (٣)! قال المصنِّفُ ﵀ قلت: فإذا كانت هذِه حالةُ الملائِكةِ والأنبِياءِ والصحَّابة، وهُم المطهَّرُون مِن الأدناسِ، وهذا انزِعاجُهُم لأجلِ النارِ، فكيفَ هانَت عِند هذا المدَّعِي؟! ثمَّ إنهُ يقطعُ لِنفسِهِ بما لا يدرِي بِهِ من الوَلايةِ والنَّجاةِ، وهل قُطِعَ بالنَّجاةِ

стр. 782

إلَّا لقومٍ مخصُوصِينَ مِن الصحابةِ (١)، وقد قال النبي ﷺ : "مَن قال: إنِّي في الجنَّة. فهو فِي النار" (٢)، وهذا محمدُ بن واسعٍ يقول عند موتِهِ: يا إخوتاهُ! أتدرُون أين يُذهَبُ بِي؟! يُذهَبُ بِي -والله الذي لا إلهَ إلَّا هو- إلى النَّار أو يعفو عنِّي (٣). قال المصنِّفُ: وهذا إن صحَّ عن هذا المدَّعِي فهو غايةٌ مِن تلبيسِ إبليسَ. • وقد كان ابنُ عقيلٍ يقول: قد حُكِي عن أبِي يزيد أنه قال: وما النَّار؟! واللهِ لئِن رأيتُها لأطفئنَّها بِطَرفِ مرقَعَتِي، أو نحو هذا. قال: ومَن قال هذا كائِنٌ مِن كان فهو زِنديقٌ يجبُ قتلُه، فإنَّ الإهوانَ للشَّيءِ ثَمَرةُ الجحد؛ لأنَّ مَن يُؤمِن بالجنِّ يقشعِرُّ في الظُّلمَةِ، ومَن لا يؤمن لا يَنْزعِج، وربَّما قال: يا جنُّ خُذُوني، ومثلُ هذا القائل ينبغي أن يقرَّبَ إلى وجههِ شمعةٌ، فإذا انزعَجَ قيل له: هذهِ جَذوةُ مِن نار. • أنبأنا محمدُ بن ناصر، قال: أنبأنا أبو الفضلِ السهلكِي، قال: سمعت أبا عبدِ الله الشيرازيَّ يقول: نا أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ محمدٍ، قال: سمعتُ الحسَنَ بن علويه يقول: سمعتُ طيفورَ الصَّغير يقول: سمعتُ عمِّي خادمَ أبي يزيد يقول: سمعتُ أبا يزيدَ يقول: سُبحاني سُبحاني ما أعظمَ شأنِي! ثم قال: حسبِي مِن نفسِي حسبِي (٤).

стр. 783

قلت: هذا إن صحَّ عنه فربَّما يكونُ الرَّاوي لَم يفهم؛ لأنه يُحتَمَل أن يكونَ قد ذكرَ تمجيدَ الحقِّ نفسَهُ، فقال فيه: "سبحاني" حكايةً عن اللهِ تعالى، لا عَن نفسِه. وقد تأوَّلهُ الجنَيدُ بِشيءٍ إن لَم يرجِع إلى ما قُلتُه فليسَ بِشَيء: فأنبأنا ابنُ ناصر، قال: أنبأنا السهلكِي، قال: أنا محمدُ بنُ القاسِم الفارسِي، قال: سمعتُ الحسَنَ بن عليِّ بن يحيى المذكِّر يقول: سمعتُ جعفرَ الخلدِي يقول: قِيل للجُنَيدِ: إنَّ أبا يزيدَ يقول: سُبحاني سُبحاني أنا ربِّي الأعلى! فقال الجنَيد: إنَّ الرجُلَ مستهلِكٌ فِي شهودِ الجلالِ فَنَطَق بما استَهلَكَه، أذهَلَهُ الحقُّ عن رؤيتِهِ إيَّاهُ فلَم يشهَد إلا الحقَّ فَنَعَتَه (١). قال المصنِّفُ: قلت: وهذا مِن الخُرافاتِ! وقد أخبرنا محمدُ بن عبدِ الباقي بن أحمد، قال: أنبأنا الحسَن بن محمد بنِ الفضل الكرمانِي، قال: أنا سَهلُ بن عليٍّ الخشَّاب، وأنبأنا أبو الوقتِ عبدُ الأول، قال: أخبرَنا أحمد ابن أبي نصرٍ الكوفاني، قال: أنا الحسنُ بن محمد بن فورِي، قال: أنا عبدُ الله بن عليٍّ السَّراج، قال: سمعتُ أحمدَ بنَ سالِمٍ البصريَّ بالبصرةِ يقول في مجلسهِ يومًا: فرعونُ لَم يقُل ما قال أبو يزيد؛ لأنَّ فرعون قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، والربُّ يُسمَّى به المخلوقُ، يقال: ربُّ الدار، وقال أبو يزيد: سُبحانِي سُبحانِي! وسُبحانَ لا يجوز إلَّا لله. فقلتُ له: قد صحَّ عِندكَ هذا عن أبي يزيد؟ فقال: قد قال ذلك. فقلت: يُحتمل أن يكونَ لهِذا الكلامِ مقدِّماتٌ: يَحْكِي بأن الله يقول: سبحاني؛ لأنَّا لو سَمعنا رجُلًا يقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه: ١٤] علِمنا أنه يقرأ (٢).

стр. 784

وقَد سألتُ جماعةً مِن أهل بسطَامَ مِن بيتِ أبي يزيدَ عن هذا، فقالوا: لا نعرف هذا! • أنبأنا ابنُ ناصر، قال: أنبأنا أبو الفضلِ السهلكِي، قال: سمعتُ أبا عبدِ الله الشِّيرازِيَّ يقول: سمعتُ عامرَ بن أحمد، قال: سمعتُ الكتاني يقول: حدثني أبو موسى الديبِلي، قال: سمعتُ أبا يزيدَ يقول: كنتُ أطوفُ حولَ البيتِ أطلُبهُ، فلمَّا وصلتُ إليهِ رأيتُ البيتَ يطوفُ حولِي (١). • قال الشيرازِيُّ: وحَدَّثنا إبراهيمُ بن محمد، قال: سمعتُ الحسَن بن علويه، يقول: سمعتُ طيفورَ الصغير، يقول: سمعتُ أبا يزيد يقول: حَجَجْتُ أوَّل حَجَّةٍ فرَأيتُ البيتَ، وحَجَجتُ الثانيةَ فرأيتُ صاحِبَ البيتِ ولم أرَ البيت، وحججتُ الثالثةَ فلَم أرَ البيتَ ولا صاحِبَ البيتِ (٢). • قال الشِّيرازي: وسمعتُ محمدَ بن دادويه يقول: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ سهلٍ، يقول: سمعتُ أبا موسى الديبلي، يقول: سمعتُ أبا يزيدَ وسُئِلَ عن اللوحِ المحفوظِ، فقال: أنا اللَّوحُ المحفوظ (٣). قال الشِّيرازِي: وسمعتُ مظفرَ بنَ عيسى المراغِي، يقول: سمعتُ شنبذينَ (٤) يقول: سمعتُ أبَا موسى الديبِلي يقول: قلت لأبي يزيد: إنَّ ثلاثة قلوبُهم على قلبِ جبرِيل. قال: أنا أولئكَ الثلاثة، فقلت: كيفَ؟ قال: قلبِي واحِد، وهمِّي واحِدٌ،

стр. 785

ورُوحِي واحِد. قلت: وبلَغَني أنَّ واحِدًا قلبُه على قلبِ إسرافيل. قال: وأنا ذلك الواحد، ومثِلي مثلُ بحرٍ مصطلِمٍ لا أوَّل لهُ ولا آخر. قال السهلكِي: وقرأ رجلٌ عندَ أبي يزيد: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]. فقال أبو يزيد: وحياته! إنَّ بطشِي أشدُّ مِن بطشِهِ! وقيل لأبي يزيد: بلَغَنا أنَّك مِن السبعةِ. قال: أنا كلُّ السبعة! وقيل له: إنَّ الخلقَ كلَّهُم تحت لواءِ محمد ﷺ (١). فقال: واللهِ إنَّ لوائِي أعظمُ مِن لواءِ محمد، لوائِي مِن نورٍ تحتهُ الجنُّ والأنسُ كلُّهُم معَ النبيِّين. وقال أبو يزيد: سبحاني سبحاني، ما أعظم سلطانِي، ليس مِثلي في السَّماءِ يوجدُ، ولا لمِثلي صفةٌ في الأرضِ تُعرَفُ، أنا هُو وهو أنا وهُو هُو (٢). • أخبرنا المحمدان ابنُ ناصر وابنُ عبدِ الباقي، قالا: أخبَرنا حَمدُ بن أحمد، قال: أنا أبُو نُعَيمٍ الحافظ، قال: نا أحمدُ بن أبِي عمران، قال: نا منصورُ بنُ عبدِ الله، قال: سمعتُ أبا عِمران موسى بنَ عيسى، قال: سمعتُ أبي يقول: قيل لأبِي يزيد: إنَّك مِن الأبدال السَّبعةِ الذين هُم أوتادُ الأرض، فقال: أنا كلُّ السَّبعة (٣). • أنبأنا ابن ناصرٍ، قال: أنبأنا أبو الفضلِ السهلكِي، قال: سمعتُ أبا الحسَن محمدَ بنَ القاسِم الفارسيَّ، قال: سمعتُ أبا نصرٍ أحمدَ بن محمد بن إسماعيل البخاريّ، يقول:

стр. 786

سمعت أبا الحسنِ عليَّ بنَ محمد الحافِظ الجرجانِي، يقول: سمعتُ الحسَن بنَ علي بن سلَّامٍ يقول: دخَلَ أبو يزيدَ مدينةً فتبِعَهُ منها خلقٌ كثيرٌ، فالتَفَتَ إليهم، فقال: إنِّي أنا اللهُ لا إلهَ إلَّا أنا فاعبدوني. فقالوا: جُنَّ أبو يزيدَ، فتركوه (١). • قال الفارسيُّ: وسمعتُ أبا بكرٍ أحمدَ بنَ محمد النَّيسابوريَّ يقول: سمعت أبا بكرٍ أحمد بن إسرائيل، قال: سمعت خالِي عليَّ بن الحسَن، يقول: سمعتُ الحسَن بن علي بن حيويه، يقول: سمعتُ عمِّي وهُو أبو عِمران موسى بن عيسى بن أخي أبي يزيد، قال: سمعت أبي، يقول: قال أبو يزيد: رُفِعَ بِي مرةً حتى قُمتُ بين يديه، فقال: يا أبا يزيد! إنَّ خَلقِي يحبُّونَ أن يروك! قلت: يا عزِيزِي! فأنا لا أحبُّ أن يَرَوني، فقال: يا أبا يزيد! إنِّي أريدُ أن أريكَهُم. فقلت: يا عزِيزِي! إن كانُوا يُحِبُّون أن يَرَونِي وأنتَ تريدُ ذلك، فأنا لا أقدِر على مخالفتِكَ، زَيِّنِّي بوحدانِيَّتِكَ، وألبِسْنِي ربَّانِيّتَكَ، وارفَعنِي إلى أَحَدِيَّتك، حتى إذا رآني خلقُك قالوا: رأينَاكَ، فتكونَ أنت ذاك، ولا أكونُ أنا هُناك، فَفَعل بِي ذاك، وأقامَني وزيَّنَنِي ورَفَعَني، ثم قال: اخرُج إلى خَلقِي. فخَطَوتُ مِن عِندهِ خُطوةً إلى الخلقِ خارجًا، فلمَّا كان من الخطوةِ الثانيةِ غُشِيَ عليَّ، فنادى: ردُّوا حَبيبِي؛ فإنهُ لا يَصبِر عنِّي ساعةً (٢). • أنبأنا ابن ناصرٍ، قال: أنبأنا السهلكِي، قال: سمعتُ محمدَ بن إبراهيم الواعظ، يقول: سمعتُ محمدَ بن محمد الفقيه، يقول: سمعتُ أحمدَ بن محمد الصوفيَّ، يقول: سمعتُ أبا موسَى، يقول: حُكِي عن أبي يزيدَ أنه قال: أرادَ موسى ﵊ أن يرَى الله تعالى، وأنا ما أردتُ أن أرى اللهَ تعالى، هو أراد أن يراني (٣).

стр. 787

• أخبَرنا أبو بكرِ بنُ حبيبٍ البغداديُّ، قال: أخبرنا أبو سَعد بنُ أبي صادقٍ الحيري، قال: نا أبو عبدِ الله بن باكويه، قال: نا أبو الطيِّب بن الفرخان، قال: سمعتُ الجنَيدَ بنَ محمد يقول: دخلَ عليَّ أمس رجلٌ مِن أهل بَسطام، فَذَكر أنهُ سمِع أبا يزيدَ البسطامِيَّ يقول: اللهمَّ إن كان فِي سابِقِ علمِكَ أنَّك تعذِّبُ أحدًا مِن خلقِكَ بالنَّارِ فعظِّم خلقِي، حتى لا تَسَع معِي غيرِي (١). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: أمَّا ما تقدَّم مِن دعاوِيه فما يَخفى قُبحُها، وأمَّا هذا القولُ فخطأٌ مِن ثلاثةِ أوجه: أحدُها: أنهُ قال: إن كان فِي سابقِ علمِك. وقد علِمنا قطعًا أنه لابُدَّ مِن تعذِيبِ خلقٍ بالنَّار، وقد سمَّى الله منهم جماعةً، كفِرعونَ وأبِي لَهَبِ، فكيف يجوزُ أن يُقال بعد القطعِ واليقينِ: (إن كان)! والثاني: قولُه: فعظِّم خلقِي. فلو قال: لأدفَعَ عن المؤمِنين! ولكنه قال: حتى لا تَسَع غيرِي. فأشفَقَ على الكفَّارِ أيضًا، وهذا تعاطٍ على رحمةِ الله . والثالث: أنه لا يخلُو أن يكونَ جاهِلًا بِقدرِ هذه النار، أو واثِقًا مِن نفسِهِ بالصَّبر، وكِلا الأمرَينِ معدومٌ عندَه. • أنبأنا عبد الأول بن عيسى قال: أنا أبو بكر أحمد بن أبي نصر الكوفاني قال: أنا أبو محمد الحسين بن محمد بن فوري الحبوشاني قال: أنا أبو نصر عبد الله بن علي الطوسي السراج بكتابه المسمى بـ "اللمع" قال: حكي عن أبي يزيد قال: أول ما صِرْتُ إلى وحدانيته صرت طَيرًا جسمه من الأحدية وجناحاه من الدَّيمومية فلم أَزَلْ أطيرُ في هواء الكَيفية عشر سنين حتى صرتُ إلى هواء مثل ذلك مائةَ ألف ألف مرة فلم أزل

стр. 788

أطيرُ إلى أن صرتُ في مَيدان الأزلية فرأيت فيها شجرة الأحدية. ثم وَصَفَ أرضها وأصلها وفَرْعها وأغصانها وثمارها ثم قال: فطرت فعلمتُ أن ذلك خُدْعة. قال السراج: وذُكر عن أبي يزيد قال: أشرفتُ على ميدان الليْسية فما زلت أطير فيه، حتى صرت من ليس في ليس ثم أشرفت على التضيع وهو ميدان التوحيد فلم أزل أطير بلا ليس في التضيع حتى ضعت في الضياع ضياعًا وضعت فضعت بليس في ليس في ضياعة التضيع ثم أشرفت على التوحيد عن غيبوبة الخلق عن العارف وغيبوبة العارف عن الخلق. قال السراج: وقوله: (ليس بليس) هو ذلك كله عنه والتضيع هو أنه ضاع في فنائه (١). قال المصنف قلت: أجود ما يقال أن هذا ماليخوليا! • قال أبو نصر الطوسي في كتابه اللمع: قال الشبلي: لو كان أبو يزيد عندنا لأسلم على يد بعض صبياننا (٢). • أخبرنا أبو بكر بن حبيب قال: أنا أبو سعد بن أبي صادق قال: أنا ابن باكويه قال: أنا أبو الحسن الحنظلي قال: أخبرني أحمد بن سعدان قال: أخبرني أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الدارني يقول: إلهي! كل حكم تحكم به عليَّ قد رضيته. فأصابه وجع الضرس فنادى: إلهي لو لم تعافني منه فتهودت أو تنصرت (٣). • أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد قال: أنا أبو بكر أحمد بن علي بن

стр. 789

ثابت قال: أنا أبو علي عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فضالة النيسابوري قال: سمعت أبا الربيع محمد بن الفضل البلخي يقول: سمعت أبا الحسن علي بن محمد الصوفي يقول: كان سمنون يشطح وينشد: ضاعف عليَّ بجهدك البَلْوى … وابلغ بجهدي غايةَ الشَّكْوَى واجْهَد وبالغ في مُهَاجرتي … واجهر بها في السِّرِّ والنَّجْوَى فإذا بلغتَ الجَهد فيَّ فلم … تترك لنفسك غاية القُصْوَى فانظر فهل حالٌ بيَ انقلبت … عما تُحِبُّ بحالة أُخرى؟ قال: فعُوقِبتُ على ذلك بقطر البَول فرأى في منامه كأنه يشكو حالَهُ إلى بعض المتقَدِّمين من الصَّالحين وقال له: عليك بدُعاء الكَتاتيب! فكان بعد ذلك يطوف على الكَتاتيب وبيده قارورةٌ يقطر فيها بَوله ويقول للصِّبيان: ادعوا لعَمِّكم المُبتلَى بلسانه (١). • أخبَرنا عبدُ الرحمن، قال: نا أحمدُ بن عليٍّ، قال: سمعتُ أبا نُعَيمٍ الحافظ يقول: سَمَّى سمنون نفسَه الكذَّابَ بِسبَبِ أَبياتِهِ التي قال فيها: وَلَيسَ لِي فِي سِواكَ حَظٌّ … فَكَيفَ مَا شِئتَ فامتحنِّي فحُصِرَ بَولُه مِن ساعته (٢). قال المصنِّفُ ﵀ قلت: إنه ليقشعرُّ جِلدِي مِن هذهِ الأشعار، أتراهُ على مَن يتقاوَى؟! وإنَّما هذهِ ثَمَرةُ الجهلِ باللهِ ، ولَو عَرَفهُ لَم يَسأل إلَّا العافِية.

стр. 790

• أخبَرنا أبو بكرِ بنُ حبيبٍ، قال: أنا أبو سَعدِ بنُ أبي صادقٍ، قال: أنا ابنُ باكويه، قال: نا أبو يعقوب الخرَّاط، قال: قال أبو الحسَين النورِي: سألتُ سمنُونَ عن المحبَّة، فقال: عن محبةِ اللهِ إياكَ تسأل، أو عن مَحَبتِك الله؟ فقلت: عن محبةِ اللهِ إيَّاي. فقال: لا تطيقُ الملائِكةُ أن يسمعوا ذلك، فكيفَ أنت؟! ثمَّ قال: واللهِ لقد تكلَّمتُ أمس معَ الخضرِ في هذه المسألةِ، وكانتِ الملائكةُ يستَحسِنونَ قولي، واللهُ يسمعُ كلامِي فلم يَعِب عليَّ، ولو عابَ علَيَّ لأخرَسَنِي (١). قال المصنِّفُ: قلت: لولا أنَّ هذا الرجلَ قد نُسِبَ إلى التغيُّر؛ لَكانَ ينبغِي أن يُردَّ عليه: وأينَ الخضر (٢)؟! ومن أين له أنَّ الملائكةَ تَستَحسِنُ قوله؟! وكَم مِن كلامٍ معيبٍ لَم يُعاجَلْ صاحبُهُ بالعقوبة! • أخبَرنا أبو بكرِ بنُ حبيبٍ، قال: أنا أبو سَعد بنُ أبي صادقٍ، قال: أنا ابن باكويه، قال: سمعتُ محمدَ بنَ داود الجوزجَاني، يقول: سمعتُ أبا العبَّاسِ بنَ عطاءٍ يقول: كنتُ أردُّ هذه الكرامات حتى حدَّثني الثِّقة عن أبي الحسَين النورِي وسألتُه فقال: كذا كان، قال: كُنَّا في سُمَيرِيَّةٍ (٣) في دجلة، فقالوا لأبي الحسَين: أخرِج لنا مِن دجلةَ سَمكةً فيها ثلاثةُ أرطالٍ وثلاثُ أواقٍ، فحرَّكَ شَفَتيهِ، فإذا سَمكَةٌ فيها ثلاثةُ

стр. 791

أرطالٍ وثلاثُ أواقٍ قد ظَهَرت مِن الماء حتَّى وقَعت فِي السُّمَيرِية. فقيل لأبِي الحسَين: سألناكَ باللهِ إلَّا أخبَرتنا، بِم دعوت. فقال: قلتُ: وعِزَّتِك لئِن لَم تُخرِج لي مِن الماءِ حُوتًا فيها ثلاثةُ أرطالٍ وثلاثُ أواقٍ لأغرِقنَّ نفسي في دجلة (١). أخبَرنا أبو منصورٍ القزَّاز، قال: أنا أبو بكرِ بنُ ثابت، قال: أخبَرني عبدُ الصمد بنُ محمد الخطِيب، قال: نا الحسَنُ بن الحسَين الهمَذَاني، قال: سمعتُ جعفرًا الخُلدِيَّ يقول: سمعتُ الجنَيدَ يقولُ: سمعتُ النوريَّ يقول: كنتُ بالرَّقةِ، فجاءنِي المريدون الذين كانوا بِها وقالوا: نَخْرُج ونصطادُ السَّمك. فقالوا لي: يا أبا الحسَين! هات معَ عبادتِكَ واجتهادِكَ وما أنتَ عليهِ من الاجتهادِ سمكةً يكونُ فيها ثلاثةُ أرطالٍ لا تزيدُ ولا تنقُص. فقلت لمولاي: إن لم تُخرِج لي السَّاعةَ سمكةً فيها ما ذكرُوا لأرمِينَّ بنفسِي في الفُرات. فأخرجت سَمَكةً، فوزنتُها فإذا فيها ثلاثةُ أرطالٍ لا زيادةَ ولا نُقصان، قال الجنَيد: فقلت له: يا أبا الحسَين لو لَم تَخرُج كنتَ ترمِي بِنفسِكَ؟ قال: نعم (٢). أخبرنا أبو بكر بن حبيب قال: نا أبو سعد بن أبى صادق قال: نا ابن باكويه قال: نا أبو يعقوب الخَرَّاط قال: نا أبو الحسين النُّوري قال: كان في نفسي من هذه الآياتِ (٣) شيءٌ، فأخذتُ من الصبيان قصبةً وقمتُ بين زورَقَيْن وقلتُ: وعزَّتك لئْن لم تُخْرِجْ لي سمكةً فيها ثلاثةُ أرطالٍ لأغرقنَّ نفسي. قال: فخرجت سمكة فيها ثلاثة أرطال. قال: فبلغ ذلك الجُنيد فقال: كان حُكمُه أن تخرُج له أفعى تلدغه (٤).

стр. 792

• أخبرنا ابن حبيب قال: أنا ابن أبي صادق قال: أنا ابن باكويه قال: سمعت الحسين بن أحمد الفارسي، يقول: سمعت الرقي، يقول: سمعت علي بن محمد بن أبان، يقول: سمعت أبا سعيد الخَرَّاز يقول: أكبرُ ذَنْبي إليه معرفتي إياه (١)! قال المصنِّف ﵀: قلت: هذا إن حُمِلَ على معنى: أنِّي لما عرفتُهُ لم أعمل بمقتضى معرفَتِه فعظم ذَنْبي كما يعظُمُ جُرْمُ من علمَ وعصى وإلا فهو قبيحٌ. • أخبرنا بن حبيب قال: أنا بن أبى صادق قال: أنا بن باكويه قال: حدثني أحمد الخلقاني قال: سمعتُ الشِّبْلي، يقول: أحَبَّكَ الخلقُ لنعمائِك وأنا أُحِبُّكَ لبلائِك (٢). • أخبرنا محمد بن أبي القاسم قال: أنبأنا الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني قال: أخبرنا سهل بن علي الخشاب. وأخبرنا أبو الوقت قال: أخبرنا أحمد بن أبي نصر قال: أنا الحسن بن محمد بن فوري قال: أخبرنا عبد الله بن علي السراج قال: سمعت أبا عبد اللهِ أحمد بن محمد الهَمذاني يقول: دخلتُ على الشِّبْلي فلمَّا قمتُ لأخرُج كان يقولُ لي ولمنْ معي إلى أن خَرَجنا من الدَّار: مُرُّوا أنا معكم حيثُما كُنتُم أنتم في رعايتي وكلاءَتي (٣). • أخبرنا محمد بن ناصر قال: أنا أبو عبد الله الحميدي قال: أنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني قال: نا أبو عبد الرحمن السُلمي قال: سمعت منصور بن عبد الله يقول: دخل قوم على الشِّبْلي في مرضه الذي ماتَ فيه فقالوا: كيف تَجِدُكَ يا أبا بكرٍ؟ فأنْشأَ يقول:

стр. 793

إنَّ سُلْطانَ حُبِّهِ … قَالَ لا أقْبَلُ الرِّشَا فَسَلُوهُ فَدَيْتُهُ … لمَ بِقَتْلِي تحَرَّشَا (١) • قال ابن عقيل: وقد حُكِيَ عن الشبلي أنَّه قال: إنَّ الله قال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] والله لا رَضِيَ محمد ﷺ وفي النَّار من أُمَّتِه أحد. ثم قال: إنَّ محمدًا يشفعُ في أُمَّتِه (٢) وأنا أشفعُ بعدَهُ في النار حتى لا يبقى فيها أحد. قال ابن عقيل: والدَّعوى الأولى على النبي ﷺ كاذبة؛ فإن النبي ﷺ يرضى بعذاب الفجَّار كيفَ وقد لعن في الخمرِ عشرةً (٣)؟ فدَعْوى أنهُ لا يرضى بتعذيبِ الله الله للفُجَّارِ دَعوى باطلة وإقدامٌ على جهلٍ بحُكم الشرع. ودعواهُ بأنه من أهلِ الشَّفاعةِ في الكُلِّ وأنه يَزيدُ على محمد ﷺ ، كفرٌ؛ لأنَّ الإنسان متى قطعَ لنفسه بأنه من أهل الجنَّة كان من أهلِ النار فكيفَ وهو يشهَدُ بأنَّه على مقامٍ يزيدُ على المقامِ المحمود، وهو الشَّفاعَةُ!

стр. 794

قال ابن عقيلٍ: والذي يُمْكِنُني في حقِّ أهل البدع لساني وقَلْبي ولو اتَّسَعَتْ قُدرَتي للسيفِ لرَوَيْتُ الثَّرى من دِماءِ خلق! • أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت: أخبرنا جعفر بن أحمد قال: نا أبو طاهر محمد بن علي العلاف قال سمعت أبا الحسين بن سمعون يقول سمعت أبا عبد الله الغلفي صاحب أبي العباس بن عطاء يقول: قرأْتُ القرآنَ فما رأيتُ الله ذكرَ عبدًا فأَثْنى عليه حتى ابْتَلاه، فسألتُ الله تعالى أنْ يبتَلِيَني فما مضتِ الأيامُ والليالي حتى خَرَجَ من داري نيِّفٌ وعشرونَ ما رجعَ منهم أحد. قال: وذَهَبَ مالُه، وذَهَبَ عقلُهُ، وذَهبَ ولدُه وأهلُه، فمكَثَ بحُكْم الغلَبَةِ (١) سبعَ سنينَ أو نحوها، وكانَ أوَّلُ شيءٍ قال بعد صحوِه من غَلَبَتِه: حَقًّا أقُولُ لقَدْ كلَّفْتَني شَطَطًا … حَمْلي هَواكَ وصَبْري إنَّ ذا عَجَبُ (٢) (٣) قال المصنِّف: قلت: قلَّةُ علم هذا الرجل أثمرَ أن سألَ البلاء وفي سؤالِ البلاءِ معنى التَّقاوي وذاك من أقبحِ القبيح! والشَّطَطُ: الجوْرُ ولا يجوز أن يُنْسَبَ إلى الله تعالى، وأحسَنُ ما حُمِلَ عليه حالُه أن يكونَ قال هذا البيتَ في زمانِ التَّغيُّر. • أخبرنا محمد بن ناصر قال: أنبأنا أحمد بن علي بن خلف قال: أنا محمد بن الحسين السُّلَميّ قال: سمعت أبا الحسن علي بن إبراهيم الحُصْري يقولُ: دعوني وبَلائي! ألستُم أولادَ آدمَ الذي خلقه بيده، ونَفَخَ فيه من روحِه، وأسجَدَ له ملائِكَته،

стр. 795

أمره فخالف، إذا كان أوَّلُ الدَّنِّ دَرْدِيّ (١) كيفَ يكونُ آخرُهُ؟ قال: وقال الحُصْري: كنتُ زمانًا إذا قرأتُ القرآنَ لا أستعيذُ من الشيطان حتى يَحْضُرَ كلامَ الحَقِّ (٢). قال المصنِّف ﵀: أما القول الأول: فانبساط على الأنبياء وجرأة قبيحة وسوء أدب! وأما الثاني: فمخالفٌ لما أمرَ الله بهِ فإِنَّهُ قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]. أنبأنا أبو بكر بن أبي طاهر قال: نا هناد بن إبراهيم النسفي قال: نا محمد بن الحسين السُلمي قال: وجدت في كتاب أبي بخطه سمعت أبا العباس أحمد بن محمد الدِّيَنَوري يقول: قد نَقَضوا أركان التصوُّف وهدموا سبيلَها وغَيَّروا معانِيَها بأساميَ أحْدَثوها: سَمَّوا الطمع زيادة، وسوءَ الأدب إخلاصًا، والخروج عن الحقِّ شَطْحًا، والتلذُّذَ بالمذموم طيبةً، وسوء الخلق صَوْلةً، والبخْلَ جلادةً، واتَّباعَ الهوى ابتلاءً، والرجوع إلى الدُّنيا وصولًا، والسؤال عملًا، وبَذَاءَ اللسان ملامةً (٣) وما هذا طريق القوم (٤)!

стр. 796

وقال ابن عقيل: عبَّرَت الصوفيةُ عن الحرام بعباراتٍ غَيَّروا لها الأسماء مع حصول المعنى فقالوا في الاجتماع على الطيبةِ والغناءِ والخنكرةِ (١): أوقاتٌ، وقالوا في المُردان: شهود وفي المعشوقةِ: أخْتٌ، وفي المُحِبَّة: مريدة وفي الرقص والطَّرَب: وَجْدٌ، وفي مناخ اللعب والبطالةِ: رِباطٌ. وهذا التغيير للأسماء لا يباح.

стр. 797

سياق جملة مروية عن الصوفية من الأفعال المنكرة قال المصنِّفُ: قد سبقَ ذِكْرُ أفعالٍ كثير لهم كلُّها منكر، وإِنَّما نذكُرُها هنا من أُمَّهاتِ الأفعالِ وعجائِبِها: • أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الباقي بن أحمد، قالَ: أنبأَنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل الكراماني، قال: أخبرنا أبو الحسن سهلُ بن علي الخشاب، قال: أخبرنَا أبو نصرٍ عبد الله بن علي السراح، قال: ذُكر عن أبي الكرنبي -وكان أستاذ الجنيد- أنه أصابته جنابة وعليه مرقعةٌ ثخينة، فجاءَ إلى شاطئِ دجلةَ والبردُ شديدٌ فحَرَنَتْ (١) نفسُه عن الدخولِ في الماءِ؛ لشدةِ البردِ فطرحَ نفسَه في الماءِ مع المرقعةِ ولم يزل يغوصُ ثم خرج وقال: اعتقدتُ أن لا أنزعَها عن بدني حتى تجفَّ عليَّ فلم تجفَّ عليه شهرًا (٢). أخبرنَا عبد الرحمن بن محمدٍ القزاز، قال: نا أحمدُ بن علي بن ثابت، قال: ثنا عبد العزيز بن علي، قال: ثنا علي بن عبد الله الهمذاني، قال لنا الخلدي، قال: حدثني جنيد، قال: سمعتُ أبا جعفر بن الكرنبي، يقول: أصبت ليلةً جنابةً فاحتَجْتُ أن أغتسلَ وكانَت ليلةً باردةً فوجدتُ في نفسي تأخرًا وتقصيرًا وحدَّثتني نفسي لو تركتَ حتى تصبحَ ويُسَخَّنَ لك الماءُ، أو تدخُلَ حمامًا، وإلا أعنت على نفسكَ، فقلت: واعجبًا! أنا أُعامِلُ الله تعالى في طولِ عمري يجبُ لهُ عليَّ حقٌ لا أجدُ

стр. 798

المسارعةَ إليهِ، وأجدُ الوقوفَ والتباطؤ والتأَخُّرَ، آلَيْتُ لا اغتَسلتُ إلا في نهرٍ وآلَيْتُ لا اغتَسلتُ إلا في مُرقَعتي هذه وآلَيْتُ لا نزعتُها وآلَيْتُ لا عصرتُها، وآلَيْتُ لا جففتُها في شمسٍ، أو كما قال (١). قال المصنِّفُ قلتُ: قد سبقَ في ذكرِ المرقعاتِ وصفُ هذه المرقعةِ التي لابن الكرنبي وأنَّه وزَنَ أحد كمَّيها فكان فيه أحدَ عشرَ رطلًا (٢)، وإنما ذَكر هذا للناسِ ليُبَيِّنَ أنهُ فعَلَ الحسنَ الجميل، وحكوه عنه لتَبْيين فضله وذلك جهلٌ محْضٌ؛ لأن هذا الرجلَ عصى الله بما فعلَ، وإنما يُعْجِبُ هذا الفعلُ العوامَّ الحمقى لا العلماء. ولا يجوزُ لأحدٍ أن يُعاقبَ نفْسَه فقد جمعَ هذا المسكينُ لنفسِه فنونًا من التعذيبِ: إلقاؤها في الماءِ الباردِ، وكونُهُ في مرقَّعةٍ لا يُمْكنهُ الحركةُ فيها كما يريدُ ولعلَّهُ قد بقيَ من مَغَابِنِهِ ما لم يصِلْ إليهِ الماءُ لكثافةِ هذه المُرَقَّعةِ، وبقائِها عليه مبتَلَّةً شهرًا وذلك يمنعُهُ لذًّة النومِ وكُلُّ هذا الفعلِ خطأٌ وأثم. • أخبرنا المحمدان: ابن ناصر، وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنَا حمدُ بن أحمد، قالا: أنبأَنَا أحمدُ بن عبد الله الأصبهاني، قال: كانَت أمُّ عليٍ زوجةُ أحمد بن خضرويه قد أحلَّتْ زوجَهَا أحمد من صَدَاقِها على أن يزورَ بها أبا يزيد البسطامي فحمَلَها إليهِ فدخَلَتْ عليهِ وقَعَدَتْ بينَ يدَيْهِ مُسْفِرَةً عن وجهِهِا فلمَّا خَرَجَتْ قالَ لها أحمدُ: رأيتُ منكِ عجبًا، أسْفَرْتِ عن وجهِك بينَ يدي أبي يزيد. فقالتْ: لأني لمَّا نظرتُ إليه فقدتُ حظوظَ نفسي، وكُلَّمَا نظرتُ إليك رجعتْ إليَّ حظوظَ نفسي. فلمَّا أرادَ أحمدُ الخروجَ من عندِ أبي يزيد قال له: أوصني! قال: تعلم الفُتُوَّةَ من زوجتك (٣)!

стр. 799

• أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: أنبأنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أنبأنا ابن باكويه، قال: سمعت أبا بكر الفازي -و"فاز" قرية بطوس- قال: سمعت أبا بكر السباك، قال: سمعت يوسفَ بنِ الحسينِ يقول: كانَ بينَ أَحمدَ بنِ أَبي الحَوَاريّ وبينَ أَبي سُليمانَ عَقْدٌ أَنْ لا يخالِفَهُ في شيءٍ يأْمُرُهُ بهِ فجاءَهُ يومًا وهو في مجلسِه يتكلَّمُ، فقالَ: إِنَّ التنُّورَ قد سَجَّرْناهُ، فما تأْمُرُنا؟ فما أجابَهُ. فأعادَ مرَّةً أَو مرَّتينِ. فقالَ لهُ في الثالثةِ: اذْهَبْ واقْعُدْ فيهِ. ففعَلَ ذلك. فقالَ أبو سُليمان: الحقوهُ؛ فإِنَّ بيني وبينَه عقدًا أَنْ لا يُخالِفَني في شيءٍ آمُرُهُ بهِ. فقامَ وقاموا معهُ، فجاؤوا إلى التنُّورِ فوجدوهُ قاعدًا في وسطِه، ولم يُصبه شيء فأَخَذَ بيدِه، وأقامَه منه، فما أَصابَهُ خَدْشٌ (١). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: هذه الحكايةُ بعيدةُ الصحةِ ولو صَحَّتْ، كانَ دخولُهُ في النارَ معصيةً، وفي الصحيحين من حديث عليٍّ ﵁ قالَ: بَعَثَ رسولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً، واستعمَلَ عليهمْ رَجُلًا مِن الأنصارِ، فلمَّا خَرَجوا؛ وَجَدَ عليهِم في شيءٍ، فقالَ لهُم: أَليسَ قد أَمَرَكُم رسولُ اللهِ ﷺ أنْ تُطيعوني؟ قالوا: بلى. قالَ: اجْمَحوا حَطَبًا، فجَمَعوا، ثم دعا بنارٍ، فأَضْرَمَها فيه، ثم قالَ: عزمتُ عليكُم لَتَدْخُلُنَّها. قالَ: فهمَّ القومُ أَن يدخُلوها، فقالَ لهُم شابٌّ مِنهم: إِنَّما فرَرْتُم إِلى رسولِ اللهِ ﷺ مِن النارِ، فلا تَعْجَلوا حتى تَلْقَوُا النبيَّ ﷺ ، فإنْ أَمَركُم أن تدْخُلوا فادْخُلوها. فرَجَعوا إِلى النبيِّ ﷺ ، فأَخبروهُ، فقالَ لهُم رسولُ اللهِ ﷺ : "لو دَخَلْتُموها ما خَرَجْتُم منها أَبدًا، إِنَّما الطاعةُ في المعروفِ" (٢).

стр. 800

• أخبَرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قالَ: أنا أحمد بن عليِّ بنْ ثَابتْ، قالَ: نا أبو نعيم الحافِظ، قالَ: أخْبرني الحسَن بن جَعفر بن علي، قالَ: نا عبيد الله بنُ إبراهيمَ الجَزَريُّ، قالَ: قالَ: أَبو الخيرِ الدَّيْلَمِي: كنتُ جالسًا عندَ خيرٍ النَّسَّاجِ، فأَتتهُ امرأَةٌ، وقالتْ: أَعْطِني المنديلَ الذي دَفَعْتُهُ إِليكَ. قالَ: نَعم. فدَفَعَهُ إِليها. فقالتْ: كمِ الأُجرة؟ فقالَ: درهمانِ. قالتْ: مَا معيَ الساعةَ شيءٌ، وأَنا قد تردَّدْتُ إِليك مرارًا، فلم أَرَكَ، آتيكَ بهما غدًا إِنْ شاءَ الله. فقال لها: خيرٌ إِنْ أَتيْتِني بهما فلم تَريني فارْمي بهما في دِجْلَةَ؛ فإِنِّي إذا رجعتُ أخذتُهما. فقالتِ المرأَةُ: كيفَ تأْخُذُها مِن دجْلَةَ؟ فقالَ لها خيرٌ: هذا التفتيشُ فضولٌ منكِ، افْعَلي ما أَمرتُكِ. قالتْ: إِنْ شاءَ الله. فمرَّتِ المرأَةُ. قال أبو الخير: فجئتُ مِن الغدِ، وكانَ خيرٌ غائبًا، وإذا المرأَةُ قد جاءَتْ ومعها خِرْقَةٌ فيها درهَمانِ، فلم تَر خيرًا فقعدت ساعة ثم قامت ورَمَتِ الخرقة وغاصت في دِجْلَةَ وإذا بسرطانٍ قد تعلَّقتْ بالخرقةِ وغاصتْ، وبعدَ ساعةٍ جاءَ خيرٌ، وفتحَ بابَ حانوتِه، وجلسَ على الشَّطِّ فإذا بسَرطانٍ خرجَتْ من الماءِ تسعى نحوَهُ، والخِرْقَةُ على ظهرِها، فلمَّا قَرُبَتْ مِن الشيخِ؛ أخَذَها، فقلتُ له: رأيتُ كذا وكذا! فقال: أُحِبُّ أَن لا تبوحَ بهِ في حياتي. فأَجبْتُه إلى ذلك (١). قال المصنِّفُ ﵀: قلت: صحَّةُ مثلِ هذا تبعُدُ، ولو صحَّ لم يخرُجَ هذا الفعل مِن نحالفةِ الشرعِ؛ لأنَّ الشرعَ قد أَمَرَ بحِفْظِ المالِ، وهذا إضاعةٌ، وفي الصحيحِ أَنَّ النبيَّ ﷺ : نهى عن إضاعةِ المالِ (٢)، ولا التفات إلى قولِ من يقول هذا كرامةٌ؛ لأن الله لا يُكْرِمُ مُخالفًا لشرعِه.

стр. 801

• أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت، قال: أنا أبو نعيم الحافظ، قال: سمعت أبا الفرج الورثاني، يقول: سمعت عليَّ بن عبدِ الرحيمِ يقول: دخلتُ على النُّوريِّ ذات يوم فرأَيْتُ رجليهِ مُنْتَفِخَتَيْنِ، فسأَلتُه عن أمرِه، فقال: طالَبَتْني نفسي بأَكلِ التمر، فجعلتُ أَدافِعُها، فتأْبى عليَّ، فخرجتُ، فاشتريتُ، فلمَّا أن أَكلتُ؛ قلت لها: قومي، حتى تصلِّي. فأَبَتْ عليَّ، فقلتُ للهِ عليَّ إِنْ قعدتُ إِلى الأرضِ أربعينَ يومًا إلا في التشهُّدِ، فما قعدتُ (١)! قال المصنِّفُ: قلت: مَن يسمع هذا مِن الجهَّالِ يقولُ: ما أَحسنَ هذه المجاهَدَةَ! ولا يَدْري أَنَّ هذه الفعال لا تَحِلُّ؛ لأنَهُ حملٌ على النفسِ ما لا يجوزُ، ومنعُها حَقَّها مِن الراحةِ. • وقد حكى أَبو حامدٍ الغَزَاليُّ في كتاب الإحياء قال: كانَ بعضُ الشيوخِ في بدايةِ إِرادتِه يكسَلُ عن القيامِ، فألزَمَ نفسَهَ القيامَ على رأسِهِ طولَ الليلِ؛ لتَسْمَحَ بالقيامِ عن طوعٍ! قالَ: وعالَجَ بعضُهُم حُبَّ المالِ بأَنْ باعَ جميعَ ما لَهُ، ورماهُ في البحرِ؛ إذ خافَ مِن تفرِقتِهِ على الناسِ رعونَةَ الجودِ، ورياءَ البَذْلِ. قال: وكانَ بعضُهُم يستأْجِرُ مَن يشتُمُهُ على ملأِ مِن الناسِ لِيُعَوِّدَ نفسَهُ الحِلْمَ! قالَ: وكانَ آخَرُ يركبُ البحرَ في الشتاءِ عندَ اضْطِرابِ الموجِ؛ ليصيرَ شُجاعًا (٢). قالَ المصنِّف ﵀: أعجَبُ مِن جميعِ هؤلاءِ عندي أبو حامدٍ؛ كيفَ حكى هذهَ الأشياءَ ولمْ يُنْكِرْها؟! وكيفَ يُنْكِرُها وقد أتى بها في مَعْرِضِ التعليمِ للمُريدين؟!

стр. 802

فقالَ قبْلَ أنْ يورِدَ هذه الحكاياتِ: ينبغي للشيخِ أَنْ يَنْظُرَ حالةَ المبتدئِ: - فإِنْ رأَى معهُ مالًا فاضلًا عنْ قدرِ حاجتِه؛ أخَذَهُ، فصرفَهُ في الخيرِ، وفرَّغَ قلبَهُ منهُ حتى لا يلتَفِتَ إِليهِ. - وإِنْ رأَى الكبر قد غَلَبَ عليهِ؛ أَمَرَهُ أَنْ يخرُجَ إِلى السوقِ وللكَدِّية (١) والسؤال، ويكلِّفَهُ المواظبةَ على ذلك. - فإِن رأَى الغالبَ عليهِ البطالةَ استَخْدَمَه في تعَهد بيتِ الماءِ، وتنظيفِه، وكَنْسِ المواضعِ القذرةِ، ومُلازمةِ المطبخِ، ومواضعِ الدُّخانِ. - وإِنْ رأَى شَرَهَ الطعامِ غالبًا عليهِ؛ أَلزمَهُ الصومَ. - وإِنْ رآهُ عَزَبًا ولم يكْسِرْ شهوتَهُ الصوم؛ أَمَرَهُ أَنْ يُفْطِرَ ليلةً على الماءِ دونَ الخُبْزِ، وليلةً على الخُبْزِ دونَ الماءِ، ومنعَهُ اللحمَ رأْسًا (٢). قالَ المصنِّف قلتُ: وإِنِّي لأعجَّبُ مِن أبي حامدٍ كيف يأْمُرُ بهذه الأشياءِ التي تُخالِفُ الشريعةَ؟! وكيفَ يُحِلُّ لأحدٍ أن يقومَ على رأْسِه طولَ الليلِ، فيعكِسَ الدماء إِلى وجهِهِ، ويورثُهُ ذلك مَرضًا قبيحًا. وكيفَ يُحِلُّ رميَ المالِ في البحرِ، وقد نهى رسولُ الله ﷺ عن إِضاعةِ المالِ! وهل يَحِلُّ سَبُّ مسلمٍ بلا سببٍ؟ وهل يجوزُ للمسلمِ أَنْ يستأْجِرَ على ذلك؟!

стр. 803

وكيفَ يجوزُ ركوبُ البحرِ زمانَ اضطرابِهِ، وذلك زمانٌ قد سَقَطَ فيهِ الخطابُ بأداءِ الحجِّ (١). وكيفَ يحلُّ السؤالُ لمَن يقْدِرُ أَن يكْتَسِبَ؟! فما أرخَصَ ما باعَ أَبو حامدٍ الفِقْهَ بالتَّصَوُّف! • أنبأنا ابن ناصر، قال: أنبأنا أبو الفضل السهلكي، قال: أنا أبو علي عبد الله بن إبراهيم النيسابوري، قال: أنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن جهضم، قال: أنا أبو صالح الدَّامَغانيِّ عن الحَسَنِ بنِ عليٍّ الدَّامَغانيِّ، قالَ: كانَ رجلٌ مِن أَهلِ بِسْطام لا ينقطعُ عن مجلسِ أَبي يزيدَ ولا يفارِقُهُ، فقالَ لهُ ذاتَ يومٍ: يا أُستاذُ أَنا منذُ ثلاثينَ سنةً أَصومُ الدهرَ، وأَقومُ الليلَ، وقد تركتُ الشهواتِ، وليس أَجدُ في قلبي مِن هذا الذي تذكُرُهُ شيئًا أَلبَتَّة! فقالَ لهُ أبو يزيدَ: لو صُمْتَ ثلاثَمائة سنةٍ، وقُمْتَ ثلاثَمائة سنةٍ، وأَنْتَ على ما أَراكَ؛ لا تجدُ مِن هذا العلمِ ذَرَّةً. قال: ولِمَ يا أُستاذُ؟ قالَ: لأنَّكَ محجوبٌ بنفسِكَ. فقالَ لهُ: أَفلهذا دواءٌ حتى ينكشِفَ هذا الحجابُ؟ قالَ: نعم، ولكنَّكَ لا تَقْبَل ولا تعمل. قال: بلى، أقبلُ وأعملُ ما تقولُ. قالَ أبو يزيدَ: اذْهَبِ الساعةَ إلى الحَجَّام احلُق لحيَتَكَ ورأْسَكَ، وانْزَعْ عنكَ هذا اللباسَ، واتّزر بعباءةٍ، وعلِّقْ في عُنُقِكَ مِخلاةً (٢)، واملأها جَوْزًا، واجمَعْ حولَك صِبيانًا، وقُلْ بأَعلى صوتِك: يا صبيانُ، مَن صفَعَني صفعةً أعطيتُهُ

стр. 804

جوزةً، وادْخُلْ إلى سوقِكَ الذي تُعَظَّمُ فيهِ! وينظر إليك كل من عرفك على هذه الحال. فقالَ: يا أبا يزيدَ سُبحانَ اللهِ، تقولُ لي مثلَ هذا، ويَحْسُنُ أَنْ أَفعَلَ مثل هذا؟! فقال أبو يزيد: قولُكَ: سُبحانَ اللهِ شِرْكٌ! قالَ: وكيفَ؟ قالَ أبو يزيد: لأنَّكَ عَظَّمْتَ نفسكَ، فسَبَّحْتَها! فقالَ: يا أَبا يزيدَ، هذا ليس أَقْدِرُ عليهِ، ولا أَفعَلُهُ، ولكنْ دُلَّني على غيرِهِ حتى أَفعَلَهُ. فقالَ له أبو يزيدَ: ابتدئ بهذا قبل كُلِّ شيءٍ حتى يُسْقِطَ جاهَكَ، وتُذِلَّ نفسَكَ، ثم بعدَ ذلك أُعَرِّفُكَ ما يصلُحُ لك. قالَ: لا أُطيقُ هذا. قالَ: إِنَّكَ لا تقبلُ (١). قالَ المصنِّفُ ﵀ قلتُ: ليس في شرْعِنا -بحمدِ اللهِ- مِن هذا شيءٌ، بل فيهِ تحريمُ ذلك، والمنعُ منهُ، وقد قالَ نبيُّنا ﵊: "ليس للمؤمِنِ أن يُذِلَّ نفسَهُ" (٢)، وقدْ فاتَتِ الجمعةُ حذيفةَ، فلقي الناسَ راجعينَ، فاسْتَتَرَ؛ لئلَّا يُرَى بعينِ التقصير في قصد الصلاةِ (٣)! وهلْ طالَبَ الشرعُ أَحدًا بمحْوِ أَثرِ النفسِ؟! وقدْ قالَ

стр. 805

ﷺ : "مَنْ أتى شيئًا من هذه القاذوراتِ فَلْيَسْتَتِرْ بسترِ الله" (١). كُلُّ هذا للإِبقاءِ على جاهِ النفسِ، ولو أَمَرَ بهلولٌ الصبيانَ أَنْ يَصْفَعوهُ؛ كانَ قبيحًا! فنعوذُ باللهِ مِن هذه العقولِ الناقصةِ التي تُطالِبُ المبتدئَ بما لا يرضاهُ الشرعُ فيَنْفُرُ. • وقدْ حكى أبو حامدٍ في كتاب الإحياءِ عن يحيى بن مُعاذٍ أَنه قالَ: قلتُ لأبي يزيدَ: هلَّا سأَلتَ الله تعالى المعرفةَ؟! فقالَ: عَزَّتْ عليهِ أَنْ يُعَرِّفه سواهُ (٢). قالَ المصنِّف ﵀: قلتُ: هذا إِقرارٌ بالجهلِ، وإِنْ كانَ يُشيرُ إِلى معرفةِ الله تعالى في الجُملةِ، فإِنَّهُ موجودٌ وموصوفٌ بصفاتٍ، فهذا لا يسَعُ أَحدًا مِنَ المسلمينَ جَهْلُةُ، وإِنْ تخايَلَ لهُ أَنَّ معرفتَهُ هي اطِّلاعٌ على حقيقةِ ذاتِه وكُنْهِهَا؛ فهذا جهْلٌ بهِ. • وحكى أبو حامدٍ: أَنَّ أَبا تُرابٍ النَخْشَبِيَّ قالَ لمريدٍ لهُ: لو رأَيْتَ أَبا يزيدَ مرةً واحدةً كانَ أَنْفَعَ لكَ مِن رؤيَةِ اللهِ سبعينَ مرةً (٣)! قالَ المصنِّف ﵀: قلتُ: وهذا فوقَ الجُنونِ بدَرَجاتٍ! • وحكى أبو حامدٍ عن ابنِ الكُرَنبي أنَّه قالَ: نَزَلْتُ في محلَّةٍ، فعُرِفْتُ فيها بالصلاحِ، فتَشتت قلبي، فدخلْتُ الحمَّامَ، وعيَّنْتُ على ثيابٍ فاخرةٍ، فسرقتُها،

стр. 806

فلبستُها، ثم لبستُ مرقَّعتي فوقها، فخرجتُ فجعلتُ أَمشي قليلًا قليلًا، فلَحِقوني، فنزعوا مرقَّعَتي، فأخذوا الثيابَ، وصَفَعوني، وأوجعوني ضربًا فصِرْتُ بعدَ ذلك أُعْرَفُ بلصِّ الحمَّامِ! فسَكَنَتْ نَفْسي (١). قالَ أَبو حامدٍ: فهكذا كانوا يُرَوضُّونَ أنفسَهم حتى يُخَلِّصهُم الله مِن النظرِ إِلى النفس (٢)! قالَ: وأربابُ الأحوالِ ربَّما عالجَوا أَنفُسَهُم بما لا يُفْتي بهِ الفقيهُ؛ مهما رأَوْا صلاحَ قلوبِهم ثم يتدَارَكونَ ما فرَّطَ من صورة التقصيرِ، كما فَعَلَ هذا في الحَمَّامِ (٣). قالَ المصنِّف ﵀: قلتُ: سُبحانَ مَن أَخْرَجَ أَبا حامدٍ مِن دائرةِ الفقهِ بتصنيفهِ كتابَ الإحياءِ! فَلَيْتَهُ لم يَحْكِ فيهِ مثلَ هذا الذي لا يَحِلُّ والعَجيب أنَّه يَحْكيهِ ويستحْسِنُهُ، ويُسمِّى أَصحابَهُ أَربابَ أحوال، وأَيُّ حالٍ أَقبحُ منْ حالِ مَنْ خَالف الشرعَ ورأى المصلحَةَ في المنهي عنُه؟! وكيفَ يجوزُ أَنْ يُطْلَبَ صلاحُ القلوبِ بفعلِ المعاصي؟! أوَقد عُدِمَ في الشريعةِ ما يصلحُ بِه القلبُ حتى يستعملَ ما لا يَحِلُّ فيها؟! وهذا مِن جنسِ ما يفعلُهُ الجهلَةُ مِن قطعِ مَن لا يجبُ قطْعُهُ، وقتْلِ منْ لا يجوزُ قتْلُهُ، ويُسَمُّونَه سياسةً، ومضمونُ ذلكَ أَنَّ الشريعةَ ما تفي بالسياسةِ! وكيفَ يحِلُّ للمُسلمِ أَنْ يُعَرِّضَ نفسهُ لأنْ يُقالَ عنهُ: سارِقٌ؟! وهل يجوزُ أَنْ يَقْصِدَ وَهَنَ دينِه، أو مَحْوَ جاهه عندَ شُهداءِ الله في الأرض؟! ولو أَنَّ رجلًا وقفَ مع امرأَتِهِ في طريقٍ يُكَلِّمُها ويلمسُها؛ لِيقَالَ عنهُ: هذا فاسقٌ، كانَ عاصيًا بذلك.

стр. 807

ثم كيفَ يجوزُ التصرُّفُ في مالِ الغيرِ بغيرِ إِذْنِهِ؟! ثم في نصِّ مذهبِ أَحمدَ والشافعيِّ: أَنَّ مَن سرقَ مِن الحمَّامِ ثيابًا عليها حافِظٌ، وجَبَ عليه قطعُ يدهِ (١)، ثمَّ مَن أَربابُ الأحوالِ حتى يَعْمَلوا بواقعاتِهم؟! كَلَّا واللهِ، لنا شريعةٌ لو رامَ أَبو بكرٍ الصِّدِّيقُ أَنْ يَخْرُجَ عنها إِلى العملِ بِرأْيِهِ؛ لم يُقْبَلْ منهُ، فعَجَبي مِن هذا الفقيهِ المُستَلب عن الفقهِ بالتصوُّفِ أَكثرَ مِن تعجبي من هذا المُتسلبِ للثياب! • أَخبرنَا أَبو بكْر بن حَبيب، قالَ: نا أَبو سَعْد بن أَبي صَادِق، قالَ: نا بن باكويه، قالَ: سَمِعتُ محمد بن أَحمدَ النَّجَّارِ، يقولُ: كانَ عليُّ بنُ بابَويْهِ مِن صوفيةِ الري، فاشترى يوما قطعةً مِن لحمٍ، فأَحبَّ أَن يحْمِلَهُ إِلى البيتِ، فاسْتَحْيا مِن أَهلِ السُّوقِ، فعلَّقَ اللحمَ في عُنُقِهِ، وحَمَلهُ إِلى بيتِه (٢). قالَ المصنِّف: قلتُ: واعجَبًا مِن قومٍ طالَبوا أَنْفُسَهُم بمحوِ أَثرِ الطبعِ، وذلك أَمرٌ لا يُمكِنُ، ولا هُو مرادُ الشرعِ، وقدْ رُكِّزَ في الطِّباعِ أَنَّ الإِنسانَ لا يُحِبُّ أَنْ يُرى إِلا متجَمِّلًا في ثيابِه، وأَنه يَستَحْي مِن العُرْيِ وكشفِ الرأْسِ، والشرعُ لا يُنكِرُ عليهِ هذا. وما فعَلَهُ هذا الرجلُ مِن الإِهانةِ لنفسِه بينَ الناسِ أمرٌ قبيحٌ في الشرعِ والعقلِ، فهو إِسقاطُ مروءةٍ لا رياضةٌ، كما لو حَمَلَ نعليهِ على رأْسِهِ، وقد جاء في الحديث: "الأَكلُ في السُّوق دَنَاءةٌ" (٣)، وإِنَّ الله سبحانه قد أَكرمَ الآدَمِيَّ، وجَعَلَ لكثيرٍ مِن

стр. 808

الناسِ مَن يخْدِمُهُ، فليسَ مِن الدينِ إِذلالُ الرجلِ نفسَهُ بينَ الناس. وقد تسمَّى قومٌ مِن الصوفيةِ بالملامَتيَّةِ (١) فاقْتَحَموا الذنوبَ، وقالوا: مقصودُنا أَنْ نَسْقُطَ مِن أَعْيُنِ الناسِ، فنسلَمَ مِن آفاتِ الجاهِ. وهؤلاءِ مثَلُهُم كَمَثَلِ رجُلٍ زنى بامرأَةٍ، فأَحْبَلَها، فقيلَ لهُ: لِمَ لمْ تعْزِلْ؟ فقالَ: بلَغَني أَنَّ العزلَ مكروهٌ! فقيلَ لهُ: وما بَلَغَكَ أَنَّ الزنا حرامٌ؟! وهؤلاءِ الجهَلَةُ أَسقطوا جاهَهُم عندَ اللهِ سبحانَه، ونَسَوا أَنَّ المسلمينَ شُهداءُ اللهِ في الأرضِ (٢). • أخبرنا ابن حبيب، قالَ: نا ابن أبي صادق، قالَ: نا ابن باكويه، قالَ: سمعتُ أبا أحمد الصغير، يقول: سمعت أبا عبد الله بن خفيف، يقول: سمعت المدني يقول: خرجتُ مرةً مِن بغداد إلى نهر الياسرية، وكان في ذلك النهر رجلٌ يميلُ إلى أصحابنا، فَبَيْنَا أنا أمشي على شاطئ النهر رأيتُ مرقعة مطروحة ونعلًا وخريقة فجمعتها، وقلتُ: هذه لفقيرٍ، ومشيتُ قليلًا فسمعت همهمةً وتخبطًا في الماء، فنظرتُ فإذا بأبي

стр. 809

الحسين النوري قد طرح نفسه في الماء والطين وهو يتخبط ويعمل بنفسه كُلَّ بلاء، فلمَّا رأيته علمتُ أَنَّ الثيابَ له، فنزلت إليه فنظر إِليَّ، وقال: يا أبا الحسن، أما ترى ما يعمل بي؟ قد أماتني موتات ويقول لي: ما لكَ منَّا إِلا الذكر الذي لسائر الناس. وأخذ يبكي ويقول: ترى ما يفعل بي؟ فما زلتُ أرْفُقُ به حتى غسلته من الطين وألبسته المرقعة وحملته إلى دار ذلك الرجل. فأقمنا عنده إلى العصر، ثم خرجنا إلى المسجد، فلمَّا كان وقت المغرب رأيتُ الناسَ يهربون ويغلقون الأبواب ويصعدون السطوح فسألناهم فقالوا: السباعُ تدخل القريةَ بالليل. وكان حوالي القرية أجَمَةٌ عظيمة وقد قطع منها القصب وبقيت أصوله كالسكاكين، فلمَّا سمع النوري هذا الحديث قام فرمى بنفسه في الأجمة على أصول القصب المقطوع ويقول: أين أنت يا سبع؟ فما شَكَكْنَا أَنَّ الأسدَ قد افترسه أو قد هلك في أصول القصب، فلمَّا كان قريب الصبح، جاء فطرح نفسه وقد هلكت رجلاه، فأخذنا بالمنقاش ما قدرنا عليه فبقي أربعين يومًا لا يمشي على رجليه. فسألته: أي شيء كان ذلك الحال؟ قال: ذكروا السبع فوجدتُ في نفسي فزعًا، فقلتُ: لأطْرَحَنَّكِ إلى ما تَفْزَعينَ منه (١). قالَ المصنِّف: قلتُ: لا يخفى على عاقل تخبيط هذا الرجل قبل أن يقع في الماء والطين، وكيف يجوز للإِنسان أن يلقي نفسه في ماء وطين؟ وهل هذا إلا فعال المجانين؟!

стр. 810

وأين الهيبة والتعظيم من قوله: ترى ما يفعل بي؟ وما وجه هذا الانبساط؟ وينبغي أنْ تجفَّ الألسنُ في أفواهِهَا هَيْبَةً، ثمَّ الذي يُرِيدُ غير الذِّكْرِ؟ ولقد خرج عن الشريعة بخروجه إلى السبع ومشيه على القصب المقطوع. وهل يجوز في الشرع أن يلقي الإنسان نفسه إلى سَبُع؟ أترى أراد منها أن يغير ما طُبِعَتْ عليه من خوفِ السباع؟ ليس هذا في طَوْقِها ولا طَلَبَهُ الشرعُ منها. ولقد سمع هذا الرجل بعض أصحابه يقول مثل هذا القول، فأجابه بأجود جواب. • أخبرنا محمد بن عبد الله بن حبيب، قال: نا علي بن أبي صادق، قال: أخبرنا ابن باكويه، قال: أخبرنا أبو يعقوب الخراط، قال: أخبرنا أبو أحمد المغازلي، قال: رأيت النوري وقد جعل رأسه إلى أسفل ورجليه إلى فوق وهو يقول: من الخَلْقِ أوحَشْتَنِي، ومن النفس والمال والدنيا أفقرتني. ويقول: ما معك إلا علم وذكر. قال: فقلتُ له: إن رضيتَ وإلا فانطحْ برأسك الحائط (١). • أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أنبأنا الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني، قال: أخبرنا سهل بن علي الخشاب، قال: نا عبد الله بن علي السراج، قال: سمعت أبا عمرو بن علوان يقول: حمل أبو الحسين النُّوريُّ ثلاثمائةِ دينارٍ ثَمَنَ عقارٍ بيعَ لهُ، وجَلَسَ على قنطرةٍ وجَعَلَ يَرْمي واحدًا واحدًا منها إلى الماءِ، ويقولُ: حبيبي تريد أن تَخْدَعني منك بمثلِ هذا! قال السَّرَّاجُ: فقالَ بعضُ الناسِ: لو أَنْفَقَها في سبيلِ الله كانَ خيرًا لهُ! فقلتُ: إِنْ عَلِمَ أن تلكَ الدَّنانيرُ تشغلُهُ عن اللهِ طرفةَ عينٍ؛ كانَ الواجبُ أَنْ يرمِيَها في الماءِ دفعةً واحدةً، حتى يكونَ أَسرع لخِلاصهِ مِن فتْنَتِها؛ كما قالَ الله : ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ
следующие страницы →