← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11302

تلبيس إبليس - ت المزيد والسحيباني

ابن الجوزي

Полный текст (915 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فلبستُها، ثم لبستُ مرقَّعتي فوقها، فخرجتُ فجعلتُ أَمشي قليلًا قليلًا، فلَحِقوني، فنزعوا مرقَّعَتي، فأخذوا الثيابَ، وصَفَعوني، وأوجعوني ضربًا فصِرْتُ بعدَ ذلك أُعْرَفُ بلصِّ الحمَّامِ! فسَكَنَتْ نَفْسي (١). قالَ أَبو حامدٍ: فهكذا كانوا يُرَوضُّونَ أنفسَهم حتى يُخَلِّصهُم الله مِن النظرِ إِلى النفس (٢)! قالَ: وأربابُ الأحوالِ ربَّما عالجَوا أَنفُسَهُم بما لا يُفْتي بهِ الفقيهُ؛ مهما رأَوْا صلاحَ قلوبِهم ثم يتدَارَكونَ ما فرَّطَ من صورة التقصيرِ، كما فَعَلَ هذا في الحَمَّامِ (٣). قالَ المصنِّف ﵀: قلتُ: سُبحانَ مَن أَخْرَجَ أَبا حامدٍ مِن دائرةِ الفقهِ بتصنيفهِ كتابَ الإحياءِ! فَلَيْتَهُ لم يَحْكِ فيهِ مثلَ هذا الذي لا يَحِلُّ والعَجيب أنَّه يَحْكيهِ ويستحْسِنُهُ، ويُسمِّى أَصحابَهُ أَربابَ أحوال، وأَيُّ حالٍ أَقبحُ منْ حالِ مَنْ خَالف الشرعَ ورأى المصلحَةَ في المنهي عنُه؟! وكيفَ يجوزُ أَنْ يُطْلَبَ صلاحُ القلوبِ بفعلِ المعاصي؟! أوَقد عُدِمَ في الشريعةِ ما يصلحُ بِه القلبُ حتى يستعملَ ما لا يَحِلُّ فيها؟! وهذا مِن جنسِ ما يفعلُهُ الجهلَةُ مِن قطعِ مَن لا يجبُ قطْعُهُ، وقتْلِ منْ لا يجوزُ قتْلُهُ، ويُسَمُّونَه سياسةً، ومضمونُ ذلكَ أَنَّ الشريعةَ ما تفي بالسياسةِ! وكيفَ يحِلُّ للمُسلمِ أَنْ يُعَرِّضَ نفسهُ لأنْ يُقالَ عنهُ: سارِقٌ؟! وهل يجوزُ أَنْ يَقْصِدَ وَهَنَ دينِه، أو مَحْوَ جاهه عندَ شُهداءِ الله في الأرض؟! ولو أَنَّ رجلًا وقفَ مع امرأَتِهِ في طريقٍ يُكَلِّمُها ويلمسُها؛ لِيقَالَ عنهُ: هذا فاسقٌ، كانَ عاصيًا بذلك.

стр. 807

ثم كيفَ يجوزُ التصرُّفُ في مالِ الغيرِ بغيرِ إِذْنِهِ؟! ثم في نصِّ مذهبِ أَحمدَ والشافعيِّ: أَنَّ مَن سرقَ مِن الحمَّامِ ثيابًا عليها حافِظٌ، وجَبَ عليه قطعُ يدهِ (١)، ثمَّ مَن أَربابُ الأحوالِ حتى يَعْمَلوا بواقعاتِهم؟! كَلَّا واللهِ، لنا شريعةٌ لو رامَ أَبو بكرٍ الصِّدِّيقُ أَنْ يَخْرُجَ عنها إِلى العملِ بِرأْيِهِ؛ لم يُقْبَلْ منهُ، فعَجَبي مِن هذا الفقيهِ المُستَلب عن الفقهِ بالتصوُّفِ أَكثرَ مِن تعجبي من هذا المُتسلبِ للثياب! • أَخبرنَا أَبو بكْر بن حَبيب، قالَ: نا أَبو سَعْد بن أَبي صَادِق، قالَ: نا بن باكويه، قالَ: سَمِعتُ محمد بن أَحمدَ النَّجَّارِ، يقولُ: كانَ عليُّ بنُ بابَويْهِ مِن صوفيةِ الري، فاشترى يوما قطعةً مِن لحمٍ، فأَحبَّ أَن يحْمِلَهُ إِلى البيتِ، فاسْتَحْيا مِن أَهلِ السُّوقِ، فعلَّقَ اللحمَ في عُنُقِهِ، وحَمَلهُ إِلى بيتِه (٢). قالَ المصنِّف: قلتُ: واعجَبًا مِن قومٍ طالَبوا أَنْفُسَهُم بمحوِ أَثرِ الطبعِ، وذلك أَمرٌ لا يُمكِنُ، ولا هُو مرادُ الشرعِ، وقدْ رُكِّزَ في الطِّباعِ أَنَّ الإِنسانَ لا يُحِبُّ أَنْ يُرى إِلا متجَمِّلًا في ثيابِه، وأَنه يَستَحْي مِن العُرْيِ وكشفِ الرأْسِ، والشرعُ لا يُنكِرُ عليهِ هذا. وما فعَلَهُ هذا الرجلُ مِن الإِهانةِ لنفسِه بينَ الناسِ أمرٌ قبيحٌ في الشرعِ والعقلِ، فهو إِسقاطُ مروءةٍ لا رياضةٌ، كما لو حَمَلَ نعليهِ على رأْسِهِ، وقد جاء في الحديث: "الأَكلُ في السُّوق دَنَاءةٌ" (٣)، وإِنَّ الله سبحانه قد أَكرمَ الآدَمِيَّ، وجَعَلَ لكثيرٍ مِن

стр. 808

الناسِ مَن يخْدِمُهُ، فليسَ مِن الدينِ إِذلالُ الرجلِ نفسَهُ بينَ الناس. وقد تسمَّى قومٌ مِن الصوفيةِ بالملامَتيَّةِ (١) فاقْتَحَموا الذنوبَ، وقالوا: مقصودُنا أَنْ نَسْقُطَ مِن أَعْيُنِ الناسِ، فنسلَمَ مِن آفاتِ الجاهِ. وهؤلاءِ مثَلُهُم كَمَثَلِ رجُلٍ زنى بامرأَةٍ، فأَحْبَلَها، فقيلَ لهُ: لِمَ لمْ تعْزِلْ؟ فقالَ: بلَغَني أَنَّ العزلَ مكروهٌ! فقيلَ لهُ: وما بَلَغَكَ أَنَّ الزنا حرامٌ؟! وهؤلاءِ الجهَلَةُ أَسقطوا جاهَهُم عندَ اللهِ سبحانَه، ونَسَوا أَنَّ المسلمينَ شُهداءُ اللهِ في الأرضِ (٢). • أخبرنا ابن حبيب، قالَ: نا ابن أبي صادق، قالَ: نا ابن باكويه، قالَ: سمعتُ أبا أحمد الصغير، يقول: سمعت أبا عبد الله بن خفيف، يقول: سمعت المدني يقول: خرجتُ مرةً مِن بغداد إلى نهر الياسرية، وكان في ذلك النهر رجلٌ يميلُ إلى أصحابنا، فَبَيْنَا أنا أمشي على شاطئ النهر رأيتُ مرقعة مطروحة ونعلًا وخريقة فجمعتها، وقلتُ: هذه لفقيرٍ، ومشيتُ قليلًا فسمعت همهمةً وتخبطًا في الماء، فنظرتُ فإذا بأبي

стр. 809

الحسين النوري قد طرح نفسه في الماء والطين وهو يتخبط ويعمل بنفسه كُلَّ بلاء، فلمَّا رأيته علمتُ أَنَّ الثيابَ له، فنزلت إليه فنظر إِليَّ، وقال: يا أبا الحسن، أما ترى ما يعمل بي؟ قد أماتني موتات ويقول لي: ما لكَ منَّا إِلا الذكر الذي لسائر الناس. وأخذ يبكي ويقول: ترى ما يفعل بي؟ فما زلتُ أرْفُقُ به حتى غسلته من الطين وألبسته المرقعة وحملته إلى دار ذلك الرجل. فأقمنا عنده إلى العصر، ثم خرجنا إلى المسجد، فلمَّا كان وقت المغرب رأيتُ الناسَ يهربون ويغلقون الأبواب ويصعدون السطوح فسألناهم فقالوا: السباعُ تدخل القريةَ بالليل. وكان حوالي القرية أجَمَةٌ عظيمة وقد قطع منها القصب وبقيت أصوله كالسكاكين، فلمَّا سمع النوري هذا الحديث قام فرمى بنفسه في الأجمة على أصول القصب المقطوع ويقول: أين أنت يا سبع؟ فما شَكَكْنَا أَنَّ الأسدَ قد افترسه أو قد هلك في أصول القصب، فلمَّا كان قريب الصبح، جاء فطرح نفسه وقد هلكت رجلاه، فأخذنا بالمنقاش ما قدرنا عليه فبقي أربعين يومًا لا يمشي على رجليه. فسألته: أي شيء كان ذلك الحال؟ قال: ذكروا السبع فوجدتُ في نفسي فزعًا، فقلتُ: لأطْرَحَنَّكِ إلى ما تَفْزَعينَ منه (١). قالَ المصنِّف: قلتُ: لا يخفى على عاقل تخبيط هذا الرجل قبل أن يقع في الماء والطين، وكيف يجوز للإِنسان أن يلقي نفسه في ماء وطين؟ وهل هذا إلا فعال المجانين؟!

стр. 810

وأين الهيبة والتعظيم من قوله: ترى ما يفعل بي؟ وما وجه هذا الانبساط؟ وينبغي أنْ تجفَّ الألسنُ في أفواهِهَا هَيْبَةً، ثمَّ الذي يُرِيدُ غير الذِّكْرِ؟ ولقد خرج عن الشريعة بخروجه إلى السبع ومشيه على القصب المقطوع. وهل يجوز في الشرع أن يلقي الإنسان نفسه إلى سَبُع؟ أترى أراد منها أن يغير ما طُبِعَتْ عليه من خوفِ السباع؟ ليس هذا في طَوْقِها ولا طَلَبَهُ الشرعُ منها. ولقد سمع هذا الرجل بعض أصحابه يقول مثل هذا القول، فأجابه بأجود جواب. • أخبرنا محمد بن عبد الله بن حبيب، قال: نا علي بن أبي صادق، قال: أخبرنا ابن باكويه، قال: أخبرنا أبو يعقوب الخراط، قال: أخبرنا أبو أحمد المغازلي، قال: رأيت النوري وقد جعل رأسه إلى أسفل ورجليه إلى فوق وهو يقول: من الخَلْقِ أوحَشْتَنِي، ومن النفس والمال والدنيا أفقرتني. ويقول: ما معك إلا علم وذكر. قال: فقلتُ له: إن رضيتَ وإلا فانطحْ برأسك الحائط (١). • أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أنبأنا الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني، قال: أخبرنا سهل بن علي الخشاب، قال: نا عبد الله بن علي السراج، قال: سمعت أبا عمرو بن علوان يقول: حمل أبو الحسين النُّوريُّ ثلاثمائةِ دينارٍ ثَمَنَ عقارٍ بيعَ لهُ، وجَلَسَ على قنطرةٍ وجَعَلَ يَرْمي واحدًا واحدًا منها إلى الماءِ، ويقولُ: حبيبي تريد أن تَخْدَعني منك بمثلِ هذا! قال السَّرَّاجُ: فقالَ بعضُ الناسِ: لو أَنْفَقَها في سبيلِ الله كانَ خيرًا لهُ! فقلتُ: إِنْ عَلِمَ أن تلكَ الدَّنانيرُ تشغلُهُ عن اللهِ طرفةَ عينٍ؛ كانَ الواجبُ أَنْ يرمِيَها في الماءِ دفعةً واحدةً، حتى يكونَ أَسرع لخِلاصهِ مِن فتْنَتِها؛ كما قالَ الله : ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ

стр. 811

وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣] (١) قال المصنِّفُ قلتُ: لقد أَبانَ هؤلاءِ القومُ عن جهلٍ بالشرعِ، وعدَمِ عقلٍ، وقد بيَّنَّا فيما تقدَّمَ أَنَّ الشرعَ أَمَرَ بحفْظِ المالِ، وأَنْ لا يُسَلَّمَ إِلا إِلى رشيدٍ، وجَعَلهُ قِوامًا للآدميِّ، والعقلُ يشهدُ بأَنَّهُ إِنَّما خُلِقَ للمصالحِ فإذا رمى بهِ الإنسانُ؛ فقد أَفسدَ ما هُو سببُ صلاحِه، وجَهِلَ حِكْمَةَ الواضعِ، واعتذارُ السرَّاجِ لهُ أَقبَحُ مِن فعُلِهِ؛ لأنَّه إِنْ كانَ خافَ فتنة؛ فينبغي أَنْ يرمِيَهُ إلى فقيرٍ ويتخلَّصَ. ومِن جهلِ هؤلاءِ حملُهُم تفسيرَ القرآنِ على آرائهم الفاسدة؛ لأنَّه يحتجُّ بمسحِ السوقِ والأعناقِ، ويظنُّ بذلك جوازَ الفسادِ، والفسادُ لا يجوزُ في شريعةٍ وإنَّما مَسَحَ بيدِهِ عليها، وقالَ: أَنْت في سبيلِ اللهِ. وقد سبق بيان هذا (٢). • قالَ: أبو نصرٍ السَّرَّاجُ في كتاب اللُّمع (٣): قالَ أبو جعفرٍ الدَّرَّاجُ: خرج أُستاذي يومًا يتطهَّرُ، فأَخذتُ كِنْفَهُ، ففتَّشْتُهُ، فوجدتُ فيهِ شيئًا، مِن الفضَّةِ مِقدارَ

стр. 812

أَربعةِ دراهمَ، وكانَ ليلًا، وباتَ لم يأْكُلْ شيئًا، فلمَّا رجَعَ قلتُ لهُ: في كِنْفِكَ كذا ونحنُ جِياعٌ. فقال: أَخذتَهُ؟ رُدَّهُ. ثم قالَ لي بعدَ ذلك: خُذْهُ واشْتَرِي بهِ شيئًا. فقلتُ: بحقِّ معبودِكَ ما أَمْرُ هذه القطع؟ فقالَ: لم يَرْزُقْني الله مِن الدُّنيا شيئًا غيرَها، فأَردتُ أَنْ أُوصِيَ أَنْ تُدْفَنَ معي، فإِذا كانَ يومُ القيامَةِ؛ ردَدْتُها إلى اللهِ، وأقول هذا الذي أَعطيْتَني مِن الدنيا! • أخبرنا ابن حبيب، قال: نا ابن أبي صادق، قال: نا ابن باكويه، قال: نا عبد الواحد بن بكر، قال: سمعت أبا بكر الجوال، سمعت أبا عبد الله الحُصْري، يقول: مكثَ أَبو جعفرٍ الحدَّادُ عشرينَ سنةً يعملُ كُلَّ يومٍ بدينارٍ، وينفقُهُ على الفُقراءِ، ويصومُ، ويخرُجُ بينَ العشاءَيْنِ، فيتصدَّقُ مِن الأبوابِ ما يُفطِرُ عليهِ (١). قال المصنِّف ﵀: قلت: لو علمَ هذا الرجلُ أَنَّ المسأَلةَ والصدقة لا تجوزُ لمَن يقْدِرُ على الاكتسابِ لم يَفْعَلْ، ولو قدَّرْنا جوازَها، فأَيْنَ أَنَفَةُ النفوسِ مِن ذُلِّ الطلبِ؟! أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي التميمي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: أنا إسماعيل، قال: أنا معمر، عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزالُ المسأَلةُ بأَحدِكُم حتى يَلْقى الله وليسَ على وجهه مُزْعَةُ لحمٍ" (٢).

стр. 813

قال أحمد: وحدثني حفص بن غِياث، عن هشام، عن أبيه، عن الزُّبيرِ بنِ العَوَّامِ، قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لأنْ يحمل الرجلُ حبلًا فيحْتَطِبَ، ثم يَجيءَ فيضعَهُ في السوقِ، فيبيعَهُ ثم يَسْتَغْنِيَ بهِ، فيُنْفِقَهُ على نفسِه، خيرٌ لهُ مِن أَنْ يسأَلَ الناسَ: أَعطَوْهُ أَو منعوهُ" (١). انفرد بإخراج هذا الحديث البخاري واتفقا على الذي قبله. وفي حديث عبد الله بنِ عَمْرو عن النبيِّ ﷺ أَنَّه قالَ: "لا تَحِلُّ الصدقةُ لغنيٍّ، ولا لذي مِرَّةٍ سوي" (٢). والمِرَّةُ: القُوَّةُ، وأَصلُها مِن شدِّةِ فتْلِ الحبلِ، يقالُ: أَمرَرْتُ الحبلَ إِذا أَحْكَمْتُ فتْلَهُ، فمعنى المِرَّة في الحديثِ: شدِّةُ أَسْرِ الخَلْقِ (٣)، وصحَّةُ البدَنِ التي يكونُ معها

стр. 814

احتمالُ الكَدِّ والتعبِ (١). قالَ الشافعيُّ ﵀: لا تَحِلُّ الصدقةُ لمَن يجدُ قوَّةً يقدرُ بها على الكَسْبِ (٢). • أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت، قال: أنبأنا أبو سعد الماليني، قال: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الواحد الهاشمي، قال: سمعت أبا الحسَنِ يونُس بنِ أَبي بكرٍ الشبْليَّ، يقول: قامَ أَبي ليلةً، فتركَ فَرْدَ رِجْلٍ على السَّطْحِ، والآخر على النادر (٣) فسمعته يقول: لئنْ أَطْرَفْتِ لأرمينَّ بكِ إِلى الدَّارِ، فما زالَ على تلكَ الحالِ، فلمَّا أَصبَح؛ قالَ لي: يا بُنيَّ! ما سمعتُ الليلةَ ذاكِرًا للهِ إِلا ديكًا يُساوي دانَقَيْنِ (٤). قال المصنِّف ﵀: قلت: هذا الرجلُ قد جمع بينَ شيئينِ لا يجوزانِ: أحداهما: مخاطرتُه بنفسِه، فلو غَلبَه النومُ، فوقعَ؛ كانَ مُعينًا على نفسِه، ولاشكَّ لو رمى نفسهِ كانَ قد أَتى معصيةً عظيمةً، فتعرُّضُهُ للوقوعِ معصيةٌ. والثَّاني: أَنَّهُ منعَ نفسَه حَظَّها مِن النومِ، وقد قالَ ﷺ : "إِنَّ لجَسَدِكَ عليكَ حقًا" (٥)،

стр. 815

وقالَ: "إِذا نعِسَ أَحدُكُم فليَرْقُدْ" (١)، ومرَّ بحبلٍ قد مَدَّتْهُ زينبُ، فإِذا فَتَرَتْ أَمسكَتْ أَمسكَتْ بهِ، فأَمَرَ بحلِّهِ، وقالَ: "لِيُصَلِّ أَحدكم نشاطَهُ، فإِذا كسِلَ أَو فَتَرَ فلْيَقْعُدْ" (٢)، فلْيَقْعُدْ" (٢)، وقد سبقت هذه الأحاديث في كتابنا هذا (٣). • أخبرنَا محمد بن ناصر، قالَ: أخبرنا أبو عبد الله الحميدي، قالَ: أخبرنا أبو بكر أردستاني، قالَ: أنا أبو عبد الرحمن السلمي، قالَ: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: كنَّا نصحب أبا الحسن بن أبي بكر الشبلي ونحنُ أحداث، فأضافنا ليلةً فقلنا: بشرطِ لا تُدْخِل علينا أبوكَ، فقال: لا يدخل. فدخلنا داره، فلمَّا أكلنا إذا نحن بالشبلي وبين كل أصبعين من أصابعه شمعة - ثمان شموع -، فجاء وقعد وسطنا فاحتشمنا منه، فقال: يا سادتي عُدُّوني فيما بينكم طَسْتَ شمع، ثم قالَ: أين غلامي أبو العباس؟ فتقدمت إليه فقال غَنِّنِي الصوتَ الذي كنت تغني به: وَلمَّا بَلَغَ الحِيرَة … حادي جَمَلي حَارا فقلتُ احططْ بها رحلي … ولا تحفِلْ بمن سَارا فغنيته فتغير وألقى الشموع من يده وخرج (٤).

стр. 816

• أخبرنا ابن ناصر، قالَ: نا هبة الله بن عبد الله الواسطي، قال: أنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ، قالَ: أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي الفوارس، قال: أخبرنا الحُسين بن أَحمد بن عبد الرحمن الصَّفَّار قال: خَرَجَ الشِّبليُّ يومَ عيدٍ وقد حَلَقَ أشفارَ عينيهِ وحاجبيهِ، وتعصَّبَ بعصابةٍ، وهو يقولُ: للنَّاسِ فِطْرٌ وعِيدُ … إِنِّي فَريدٌ وَحيدُ (١) • أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: نا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أنا التنوخي، قال: أنا أبو الحَسَنِ عليُّ بنُ مُحمد بن أَبي صابرٍ الدَّلَّال قالَ، وقفتُ على الشِّبْليِّ في قُبَّةِ الشُّعَراءِ في جامعِ المنصورِ، والناسُ مجتَمعونَ عليهِ، فوقفَ عليهِ في الحَلقةِ غُلامٌ لم يكنْ ببغدادَ في ذلك الوقتِ أَحسنُ وجهًا منهُ، يُعْرَفُ بابنِ مُسلمٍ، فقالَ لهُ: تَنَحَّ. فلم يَبْرَحْ، فقالَ لهُ الثانيةَ: تَنَحَّ يا شيطانُ عنَّا. فلم يَبْرَحْ. فقالَ لهُ: في الثالثةِ: تَنَحَّ وإِلا والله خَرَقْتُ كُلَّ ما عليكَ، وكانتْ عليهِ ثيابٌ في غايةِ الحُسْنِ تساوي جملةً كثيرةً، فانصرَفَ الفتى، فقالَ الشِّبْليُّ: طَرَحُوا اللَّحْمَ لِلْبُزاةِ … عَلى ذِرْوَتَيْ عَدَنْ ثُمَّ لاموا البُزَاةَ إِذْ … خَلَعُوا فيهُمُ الرَّسَنْ لَوْ أَرادُوا صَلَاحنا … سَتَروا وَجْهَكَ الحَسَنْ (٢) قالَ ابنُ عقيلٍ: مَن قالَ هذا فقد أَخطأَ طريقَ الشرعِ؛ لأنَّه يقولُ: ما خَلَقَ الله هذه الأَشياء إِلا للافتتان، وليس كذلك، إِنَّما خَلَقهَا للاعتبارِ والامتحانِ، فإِنَّ الشمسَ خُلِقَتْ لتُضيءَ لا لِتُعْبَدَ.

стр. 817

• أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد، قال: أنا أبو نعيم الحافظ، قال: سمعت أبا نصر النيسابوري، يقول: سمعت أَحمدَ بنِ محمدٍ النَّهاوَنْدِيِّ يقول: ماتَ للشِّبْلِيِّ ابنٌ كانَ اسمُه عليًا فجزَّتْ أُمُّهُ شعْرَها عليهِ، وكانَ للشِّبْلِيِّ لحيةٌ كبيرةٌ، فأَمَرَ بحَلْقِ الجميع، فقيلَ لهُ: يا أُستاذُ! ما حَمَلَكَ على هذا؟ فقالَ: جَزَّتْ هذه شَعْرَها على مفقودٍ، أَلا أَحْلِقُ أَنا لِحْيَتي على موجودٍ (١)! • أنبأنا علي بن عبيد الله والمبارك بن أحمد الأنصاري، قالا: أنا أبو غالب أحمد بن عبيد الله المعير، قال: أنا الحسن بن علي بن غالب الحربي، قال: سمعت أبا طالب محمد بن أحمد بن المهلوس العلوي الزاهد، يقول: كنت ليلة عند الشبلي فلمَّا كان السحر قال: أريد المزيّن. وكان من النهار فحلق رأسه وأصلح وجهه والفقراء قد غسلوا مرقعاتهم فجاء المزين، فقال: احلق لحيتي. فحلقها فبكى الفقراء فأخذ سوادًا وطلى وجهه وأخذ كساءً ما اتزر به وطرحه على كتفيه ميزرًا ومشى إلى الجامع والفقراء معه فلمَّا رآه الناس اجتمعوا إليه وسألوه الدعاء فدعا لهم وأنشد: شربت بكأس الحب في المهد شربة … حلاوتها حتى القيامة في حلقي فلمَّا عاد إلى البيت قلنا: يا سيدي، إيش هذا؟ قال: كنت جالسًا فقالت نفسي: البس المرقعة وتعمم بالفوطة والفقراء حولك يراك الناس ويقولون: الشبلي وأصحابه فقلت: ذا تقولين؟! وعزة سيدي لا خرجت إلا بزي المجانين (٢). قال المصنِّف: قلت: قد كان يكفيه في صرف ذلك الخاطر أن يخرج وحده بثياب

стр. 818

لا ينظر إليها فالذي فعله من منكرات الشرع فليت عمر بن الخطاب رأى مثل هذا! • أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: أنبأنا الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني، قال: أنا سهل بن علي الخشاب، قال: أنا عبدِ اللهِ بنِ عليٍّ السَّرَّاجِ قالَ: ربَّما كانَ الشِّبْلِيُّ يلبَسُ ثيابًا مُثَمَّنَةً، ثم ينزِعُها، ويضعُها فوقَ النارِ! قالَ: وذُكِرَ عنه أَنَّه أَخَذَ قطعةَ عنبرٍ، فوَضعَها على النارِ وكان يُبَخِّرُ بها ذَنَبَ الحمار (١)! قالَ: وقالَ بعضهم: دخلتُ عليه فرأيت بين يديه اللوز والسكر وهو يحرقه بالنار. قالَ السَّرَّاجُ: إِنما أحْرَقَ بالنار لأنه كان يَشْغَلُ قلبه عن ذِكْرِ الله تعالى. قالَ المصنِّف ﵀ قلتُ: اعتذارُ السَّرَّاجُ عنه أعجب من فعله! قالَ السَّرَّاج: وحُكِيَ عنهُ أَنَّه باعَ عِقارًا، ففرَّقَ ثمَنَهُ، وكانَ لهُ عِيالٌ، فلم يَدْفَعْ إِليهِم شيئًا. وسَمعَ قارئًا يقرأُ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فقالَ: ليْتَني كنتُ واحدًا منهُم! قالَ المصنِّف ﵀ قلتُ: هذا الرجلُ ظنَّ أَنَّ الذي يُكَلِّمَهُمْ، هو الله تعالى، والله لا يكلِّمَهُم ثم لوكلَّمَهُم كلامَ إِهانةٍ؛ فأَيُّ شيءٍ في هذا حتى يُطْلَبَ؟ • قالَ السَّرَّاجُ: وقالَ الشِّبْلِيُّ يومًا في مجلسِهِ: إِنَّ لله عِبادًا، لو بَزَقوا على جَهَنَّمَ لأطفؤوها (٢). قالَ المصنِّف ﵀ قلتُ: وهذا مِن جنسِ ما ذكرنا عن أبي يزيدَ، وكلاهُما مِن

стр. 819

إِناءٍ واحدٍ. • أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم، قال: أنا أبي قال: سمعت أبا علي الدَّقَّاقِ يقول: بَلَغَني أَنَّ الشِّبْلِيَّ اكْتَحَلَ بكذا وكذا مِن الملحِ؛ ليعتادَ السَّهَرَ ولا يأْخُذهُ النومُ (١). • وذكر أبو نصر السراج في كتاب لمع الصوفية قال: قال الشبلي: كنت في بدايتي إذ غلبني النوم أكتحل بالملح، فإذا زاد عليَّ الأمر أحميت الميل فأكتحل به. قالَ المصنِّف ﵀: قلت: وهذا فِعْلٌ قبيحٌ، لا يَحِلُّ مثله، وهو سَبَبٌ العمى ولا يَحِلُّ لمسلمٍ أَنْ يُؤذِيَ نفسَهُ ولا يجوزُ إدامَةُ السَّهَرِ؛ لأَنَّ فيه إِسقاطَ حَقِّ النفسِ، والظَّاهرُ أَنَّ دوامَ السهرِ والتقلُّلَ أَخرَجَهم إِلى هذه الأقوالِ والأفعالِ. • أنبأنا عبد المنعم، قالَ: أنا أبي قال: حُكي عن أبي عبد الله الرازي قال: كساني رجل صوفًا ورأيت على رأس الشِّبْلِيِّ قلَنْسُوة تليق بذلك الصوف فتمنيتها في نفسي، فلمَّا قام الشِّبْلِيُّ من مجلسه التفتَ إليَّ فتبعته، وكان عادته إذا أراد أن أتبعه يلتفتُ إِليَّ فلمَّا دخل داره دخلت فقال: انزع الصوف. فنزعته فَلَفَّهُ وطرح القلنسوة عليه ودعا بنار فأحرقهما (٢). قال المصنِّف ﵀: قلتُ: وقد حكى أَبو حامدٍ الغَزَاليُّ أن الشِّبْليَّ أخذَ خمسينَ دينارًا فرَماها في دِجْلَةَ، وقالَ: ما أَعَزَّكِ أَحدٌ إِلا أَذَلَّهُ الله (٣)! وأَنا أَتعَجَّبُ مِن أَبي حامدٍ أَكَثَر مِن تَعَجُّبي مِن الشِّبْليّ؛ لأَنَّهُ ذكرَ ذلك على وجْهِ

стр. 820

المدْحِ لا على وجْهِ الإِنكارِ، فأَينَ أثَرُ الفقهِ؟! • أخبرنا عمر بن ظفر، قال: أنا ابن السراج، قال: أنا الأزجي، قال: أنا ابن جهضم، قال: حدثني أحمد بن حسينُ (١) بن عبدِ الله القَزْوينيُّ، قالَ: حَدَّثَني مَن كانَ مجُالسًا لِبَنانَ أَنَّهُ قالَ: تَعَذَّرَ عليَّ ما أقتاته ولحِقَني ضرورةٌ، فرأَيْتُ قطعةَ ذهبٍ مطروحة في الطريقِ، فأَردْتُ أَخْذَها، فقلتُ: لُقَطَة فتركتُها، ثم ذكرتُ الحديثَ الذي يُروى: "لو أَنَّ الدُّنيا كانتْ دَمًا لكانَ قوتُ المسلمِ منها حَلالًا" (٢). فأَخذتُها، وتركتُها في فَمي، ومشيتُ غيرَ بعيدٍ، فإِذا بحَلَقةٍ فيها صبيان، وأَحدُهُم يتكلَّمُ عليهِم، فقالَ لهُ واحدٌ: متى يَجِدُ العبدُ حقيقةَ الصِّدْقِ؟ فقالَ: إِذا رمى القِطْعَةَ مِن الشِّدْقِ. فأَخرَجْتُها مِن فمي، ورميْتُها (٣). قال المصنف ﵀: لا تختَلِفُ الفقهاءُ أَنَّ رميَهُ إِياها لا يحلُّ، والعَجَبُ أَنَّهُ رماها بقولِ صبيٍّ لا يَدْري ما قالَ! • وقد حكى أَبو حامدٍ، أَنَّ شقيقًا البَلْخِيَّ جاءَ إِلى أَبي هاشم الزاهدِ وفى طَرفِ كسائِهِ شيءٌ مصرورٌ، فقالَ لهُ: أَيُّ شيءٍ معكَ؟ قالَ: لَوزاتٌ دَفَعَها إليَّ أَخٌ لي. وقالَ: أُحِبُّ أَنْ تُفْطِرَ عليها. فقالَ: يا شقيقُ! وأَنتَ تُحَدِّثُ نفسَكَ أَن تبقى إلى الليلِ،

стр. 821

لا كَلَّمْتُكَ أَبدًا. فأَغْلَقَ البابَ في وجهي، ودَخَلَ (١). قال المصنِّف ﵀: قلتُ: انْظُروا إِلى هذا الفقهِ الدقيقِ، كيفَ هَجَرَ مسلمًا على فعلِ جائزٍ، بل مندوبٍ؛ لأَنَّ الإنسانَ مأْمورٌ أَنْ يعدَّ لنفسهِ ما يُفْطِرُ عليه، واستعدادُ الشيءِ قبلَ مجيءِ وقتِه حَزْمٌ؛ ولذلك قالَ الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقد ادَّخَر رسولُ الله ﷺ لأزواجهِ قوتَ سنةٍ (٢)، وجاءَ عُمَرُ ﵁ بنصفِ مالِه وادَّخَرَ الباقي، ولم يُنْكَرْ عليهِ (٣)، فالجهلُ بالعلمِ أَفسدَ هؤلاءِ الزُّهَّادِ! • أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: أنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أخبرنا أبو عبد الله بن باكويه، قال: أنا أبو العباس أحمد بنِ إِسحاقَ العُمانيِّ، قالَ: رأيْتُ بالهندِ شيخًا، قد أَتى عليه مائة سنةٍ وقد غمض إحدى عينَيْه وكانَ يُلَقبُ بالصابرِ، فقلتُ لهُ: يا صابِرُ! ما بَلَغَ مِن صبرِكَ؟ قالَ: إِنِّي هويتُ النَّظَرَ إِلى زينةِ الدُّنيا، فلم أُحِبَّ أَنْ أَشْتَفِيَ منها، فغمضتُ عَيْني منذُ ثمانينَ سنةً، فلم أَفْتَحْها! وقد حكى لنا عن آخر، أنه قيَّر أحد عينيه وقال: النظر إلى الدنيا بعينين إسراف. ونحن نسأل الله سلامة العقول. • وقد حكى يوسُفُ بنُ أَيُّوبَ الهَمْذانيُّ عن شيخِهِ عبدِ اللهِ الجَوْنيّ أَنه كانَ يقولُ: هذه الدولةُ ما أَخرجْتُها مِن المِحْرابِ، بل مِن موضعِ الخلاءِ! وقالَ: إني كنتُ أَخدِمُ في الخلاءِ، فبينا أَنا يومًا أَكْنِسُهُ وأُنَظِّفُهُ، قالتْ لي نفْسي: أَذْهَبْتَ عُمُرَكَ في هذا!

стр. 822

فقلتُ: أَنتِ تأْنفينَ مِن خدمةِ عبادِ الله! فوَسَّعْتُ رأْسَ البئرِ، ورميتُ نفسي فيها، وجعلتُ أُدْخِلُ النجاسةَ في فَمي، فجاؤوا، وأَخْرَجوني، وغَسَّلوني (١) (٢). قال المصنف: قلتُ: انْظُروا إِلى هذا المسكينِ كيفَ اعْتَقَدَ جمعَ الأصحابِ حوله دولةً، واعْتَقَدَ أَنَّ تلكَ الدولةَ إِنَّما حَصَلَتْ بإِلقاءِ نفسهِ في النجاسةِ، وإِدخالهِا في فيهِ، وأنه قد نالَ بذلك فضيلةً أُثيبَ عليها بكثرةِ الأصحابِ! وهذا الذي فعلَهُ معصيةٌ توجِبُ العقوبَةَ وفي الجُملةِ لمَّا فقَدَ هؤلاءِ العلمَ كَثُرَ تخبطُهُم. • أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أنا محمد بن علي بن الفتح، قال: أنا محمد بن الحسين بن موسى، قال: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان، يقول: سمعت محمد بن عليٍّ الكَتَّانيَّ، يقول: دَخَلَ الحُسينُ بنُ منصورٍ مكَّةَ في ابتداءِ أَمرهِ، فجَهِدْنا حتى أَخَذْنا مرَّقَعَتَهُ، قال السوسي: أَخَذْنا منها قملةً، فوزنَّاها فإِذا فيها نصفُ دانقٍ من كثرةِ رياضتِه! وشدَّةِ مجاهدَتِه (٣)! قال المصنف ﵀: قلتُ: انْظُروا إلى هذا الجاهلِ بالنظافةِ التي حَثَّ عليها الشرعُ، وأَباحَ حَلْقَ الشعرِ المحظورِ على المُحْرِمِ؛ لأجلِ تأَذِّيهِ بالقَمْلِ، وجبر الحلق بالفديةِ (٤)، وأَجْهَلُ مِن هذا مَن اعْتَقَدَ مثل هذا رياضةً!

стр. 823

• أنبأنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: أنبأنا جعفر بن أحمد السراج، قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر بن شاهين، قال: حدثني أبي قال: أنا أحمد بن كامل، قال: أنا محمد بن جرير الطبري، قال: حدثني محمد بن سعد الأدمي عن أبيه عن أبي سليمان الداراني، قال: حدثني من رأى جماعة من الصوفية قد حلقوا لحاهم فقيل لهم: ما هذا؟! قالوا: إنها نبتت على ضلالة (١). • وذكر أبو نصر السراج في كتاب اللمع، قال: بلغني عن بعضهم أنه صام سنين كثيرة وكان يفطر كل يوم قبل غروب الشمس (٢). • وقال السراج: وقال المزين الكبير: كنت مع إبراهيم الخواص في بعض أسفاره فإذا عقرب تسعى على فخذه فقصت لأقتلها فمنعني ذلك وقال لي: دعها كل شيء مفتقر إلينا ولسنا نفتقر إلى شيء (٣). • أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: أنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أنا ابن باكويه، قال: سمعت أبا عبد الله بن مفلح يقول: كان عندنا فقير صوفي في الجامع فجاع مرة جوعًا شديدًا فقال: يا رب إما أَنْ تطعمني وإما أن ترميني بشرف المسجد. فجاء غراب فجلس على الشرف فوقعت عليه من تحتِ رجله آجُرَّة فجرى دمه وكان يمسح الدم ويقول: إيش تبالي بقتل العالم (٤). قلت: قتل الله هذا ولا أحياه في مقابلة هذا الاستنباط، هَلَّا قام إلى الكسب أو إلى الكدية. • أخبرنا علي بن أحمد بن الحسن الموحد، قال: أنا أبو سعد عبد الرحمن بن

стр. 824

ميمون المتولي، قال: أنا عبد الكريم بن هوازن، قال: سمعت أبا علي الدقاق، يقول: من لم يكن له لسان إلا انبساط فهو في محبته متهم، قال: صلى بعضهم في مسجد دمشق فسرق نعله، فقال: إن رددت نعلي وإلا كسرت هذه القناديل أجمع. فدخل رجل، فقال: هذه النعل فلا تكسر القناديل (١). قال: أخبرنا ابن حبيب، قال: أنا ابن صادق، قال: أنبأنا ابن باكويه، قال: أنا أبو الفضل العطار، قال: أنا يحيى بن سليمان السجزي قال: أخبرني غلام خليل قال: رأيت فقيرًا يعدو ويلتفت ويقول: أُشْهِدُكُمْ على الله هو ذا يقتلني، وسقط ميتًا (٢). فصل: وفي الصوفيةِ قوْمٌ يسمون الملامتية اقْتَحَموا الذنوبَ، وقالوا: مقصودُنا أَنْ نَسْقُطَ مِن أَعينِ الناسِ، فنسْلَمَ مِن آفات الحياة، وهؤلاءِ قد أَسقَطوا جاهَهُم عندَ اللهِ لمخالفةِ شرعهِ: • أنبأنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا أبو الفضل محمد بن علي السهلكي، قال: في القوم طبقة تسمى الملامتية يُظْهِرونَ للخلق من أَنْفُسِهِم أَقبحَ ما هُم فيهِ، ويكْتُمونَ أَحسنَ ما هُم عليهِ! فهم عند الله من أهل الولاية وعند الناس من أهل الآفات (٣). قال المصنف: قلت: هذا من أَقبحِ الأشياءِ! قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ أتى شيئًا

стр. 825

من هذه القاذورات فليستتر بستر الله" (١)، وقال في حَقِّ ماعزٍ: "هلَّا سَتَرْتَهُ بثوبِكَ يا هذا" (٢)، وجازَ عليه بعضُ الصحابةِ وهو يكلم صفيَّةَ زوجته فقالَ: "إِنَّها صفِيَّةُ" (٣)، فعلمَ الناسُ التجافِيَ عن ما يوجِبُ سوءَ الظَّنِّ، فإِنَّ المؤمنينَ شُهَداءُ اللهِ في الأرْضِ. وخَرَجَ حُذَيْفَةُ إِلى الجمُعَةِ، ففاتَتْهُ، فرأَى الناسَ يرجعون، فاسْتَتَرَ؛ لئلَّا يسوءَ ظَنُّ الناسِ بهِ (٤)، وقال أبو بكر الصديق لرجلٍ قال له: إِنِّي لمستُ امرأةً وقَبَّلتها. فقال: فقال: تُبْ إلى الله ولا تُحَدِّثْ أحدًا (٥). وقال بعض الصحابة لرجلٍ قال: إِنِّي فعلْتُ كذا مِن الذنوبِ، فقالَ: لقد سَتَرَك اللهُ لو سَتَرْتَ نفسك (٦). قال المصنف ﵀: هؤلاءِ القوم تزحزحوا عن الشريعةِ وجعلوا لنفوسهم

стр. 826

طريقة تخالفها وأَرادوا قَطْعَ ما جُبِلَتْ النفوسُ عليهِ والشرعُ لم يطالب بذلك. فصل: وقد انْدَسَّ في الصوفيةِ أَهلُ الإِباحةِ، فتشبَّهوا بهِم؛ حِفْظًا لدمائِهِم، وهُم ينقَسِمونَ قسمين: القسمُ الأوَّلُ: كفَّارٌ، فمنهُم قومٌ لا يُقِرُّونَ باللهِ ، ومنهُم مَن يُقِرُّ بهِ ويجْحَدُ النبوَّاتَ، ويرى أَنَّ ما جاءَ بهِ الأنبياءُ محُالٌ. وهؤلاءِ لمَّا أَرادوا إمراح أَنْفُسِهِم في شَهَوتِها لم يَجِدوا شيئًا يَحْقِنونَ بهِ دماءَهُم ويستتِرونَ بهِ، وينالونَ فيهِ أَغراضَ النُّفوسِ كمذهبِ التصوُّفِ، فدَخلوا فيهِ ظاهرًا، وهُم في الباطنِ كَفَرَةٌ، وليس لهؤلاءِ إِلا السيفُ. والقسم الثاني: يُقِرُّونَ بالإِسلامِ؛ إِلا أَنَّهُم ينقسمون قسمين: القسم الأول: مُقَلِّدونَ في أَفعالهِم لأشياخهم مِن غيرِ اتِّباعِ دليلٍ ولا شبهة، فهُم يفعَلُونَ ما يأْمُرونَهم بِه وما رأَوْهُم عليهِ. والقسم الثاني: قومٌ عَرَضَتْ لهُم شبهاتٌ، فعَمِلوا بمقتضاها. والأصلُ الذي نَشَأَتْ منهُ شبهاتُهُم أَنَّهُم لما همُّوا بالنَّظَرِ في مذاهِبِ الناسِ؛ لَبَّسَ عليهِم إبليسُ، فأَراهُم أَنَّ الشُّبهَةَ تعارض الحُجَجَ وأَنَّ التمييزَ يَعْسُرُ، وأَنَّ المقصودَ أَجَلُّ مِن أن يُنَالَ بالعلمِ، وإِنَّما الظَّفَرُ بهِ رزْقٌ يُساقُ إلى العبدِ، لا بالطَّلَبِ، فسَدَّ عليهِم بابَ النجاةِ الذي هُو طَلَبُ العلمِ، فصاروا يُبْغِضونَ اسمَ العلمِ؛ كما يُبْغِضُ الرافضيُّ اسمَ أَبي بكرٍ وعُمَر. ويقولونَ: العلمُ حِجابٌ، والعُلماءُ محجوبونَ عن المقصودِ بالعلمِ! فإِنْ أَنْكَرَ عليهِم عالمٌ؛ قالوا لأتباعِهِم: هذا مُوافِقٌ لنا في الباطِنِ، وإِنَّما يُظْهِرُ ضِدَّ ما نحنُ فيهِ

стр. 827

للعوامِّ الضِّعافِ العقولِ. فإِنْ جَدَّ في خِلافِهِم؛ قالوا: هذا أَبْلَهُ مُقيَّدٌ بقيودِ الشريعةِ، محجوبٌ عن المقصودِ. ثم عَمِلوا على شُبُهاتٍ وقَعَتْ لهُم، ولو فَطِنوا لَعَلِموا أَنَّ عمَلَهُم بمقتضى شُبُهاتهم عِلْمٌ، فقدْ بطَلَ إنكارُهُم العلمَ. قال المصنف ﵀: وأَنا أَذْكُرُ شبهاتِهِم، وأَكشِفُها إِن شاءَ اللهُ تعالى: الشبهة الأولى: أَنَّهُم قالوا: إِذا كانتِ الأمورُ مُقَدَّرةً في القِدَم، وأنَّ أَقوامًا خُصُّوا بالسعادةِ، وأَقوامًا بالشَّقاوةِ، والسعيدُ لا يشقى، والشقِيُّ لا يَسْعَدُ، والأعمالُ لا تُرادُ لِذاتِها، بل لاجْتِلابِ السعادةِ ودَفْعِ الشقاوةِ، وقد سَبَقَنا وجودُ الأعمالِ، فلا وجْهَ لإِجهادِ النفسِ في عَمَلٍ، ولا لكفِّها عن ملذوذٍ؛ لأنَّ المكتوبَ في القَدَرِ واقعٌ لا محالةَ (١). وجواب هذه الشبهة أَنْ يُقالَ لهَم: هذا ردٌّ لجميعِ الشرائعِ، وإِبطالٌ لأحكامِ جميعِ الكُتُبِ، وتَبْكيتٌ للأنبياءِ كُلِّهِم فيما جاؤوا بهِ؛ لأنَّهُ إِذا قالَ في القُرآنِ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] قالَ القائلُ: لماذا؟ إِنْ كُنْتُ سعيدًا؛ فسأصير إلى السعادةِ! وإِنْ كنتُ شقيًّا؛ فما ينفعني إِقامةُ الصلاةِ؟ وكذلك إذا قالَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]؛ قال: لماذا أَمْنَعُ نفسي مَلْذُوذَها، والسعادةُ والشقاوةُ مَقْضِيَّتانِ؟ وكذا لفرعَوْنَ أَنْ يقولَ لموسى ﵇ حينَ قالَ لهُ: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨] مثلَ هذا الكلامِ. ثم يترقَّى إلى الخالِق، فيقولُ: ما فائِدةُ إِرسالِكَ الرُّسُلَ وسَيَجْري ما قدَّرْتَهُ؟ وما يُفْضي إِلى ردِّ الكُتُبِ وتجهيلِ الرُّسُلِ محالٌ باطلٌ، وهذا هو الذي رده الرسول ﷺ على أَصحابِهِ حينَ قالوا: ألا نَتَّكِلُ؟ فقالَ: "اعْمَلوا؛ فكُلٌّ مُيَسَّرٌ".

стр. 828

واعْلَمْ أَنَّ للآدميِّ كسبًا هو اختيارُهُ، فعليهِ يقعُ الثوابُ والعقابُ، فإِذا خالَفَ بَان لنا أَنَّ اللهَ قضى في السابقِ بأَنه يخالِف، وإِنَّما يعاقِبُهُ على خلافِهِ لا على قضائِهِ، ولهذا يُقْتَلُ القاتلُ، ولا يُعْتَذَرُ لهُ بالقدَرِ. وإِنَّما ردَّهُم الرسولُ عن مُلاحظةِ القَدَرِ إِلى العَمَلِ؛ لأنَّ الأمرَ والنهيَ حالٌ ظاهرٌ، والمقدَّرُ مِن ذلك أَمرٌ باطنٌ، وليسَ لنا أَنْ نَتْرُكَ ما عَرَفْناهُ من التكليفِ لما لا نعلَمُهُ مِن المَقْضِىِّ. وقولُهُ ﵇: "فكُلٌّ مُيَسَّرٌ": إِشارةٌ إِلى أَسبابِ القَدَرِ، فإِنَّهُ مَن قُضِيَ لهُ بالعلمِ يُسِّرَ لهُ طَلَبُهُ وحُبُّهُ وفَهْمُهُ، ومَن حُكِمَ لهُ بالجهْلِ نُزِعَ حُبُّ العلمِ مِن قلبِهِ، وكذلك مَنْ قضي له بولدٍ يُسِّرَ له النكاح، ومَن لم يُقْضَ لهُ لم يُيَسَّرْ لهُ. الشُّبهَةُ الثانيةُ: أَنَّهُم قالوا: إِنَّ الله مُسْتَغْنٍ عن أَعمالِنا، غيرُ متأَثِّرٍ بها معصيةً كانت أَو طاعة، فلا ينْبَغي أَن نُتْعِبَ أَنفسَنا في غيرِ فائدةٍ. وجواب هذه الشبهة أَنْ نُجيبَ أَولًا بالجوابِ الأوَّلِ، ونقولَ: هذا ردٌّ على الشرعِ فيما أَمرَ بهِ، فكأَنَّا قُلنا للرسلِ أو للمُرْسِلِ: لا فائدةَ فيما أَمَرْتَنا بهِ! ثم نتكلَّم على الشبهةِ، فنقول: مَن يتوهَّمُ أَنَّ الله جلَّ وعلا ينتَفعُ بطاعةٍ أو يستضرُّ بمعصيةٍ أَو يَنالُ بذلك غَرضًا فما عَرَفَ الله ﷻ ؛ (١) لأنَّه مقَدَّسٌ عن الأغراضِ والأعراضِ (٢)، من انتفاعٍ أَو ضرَرٍ، وإِنَّما نَفْعُ الأعمالِ يَعودُ إلى أَنفُسِنا؛ كما

стр. 829

قالَ : ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦]، ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ١٨]. وإِنَّما يأْمُرُ الطبيبُ المريضَ بالحِمْيَةِ لمصلحةِ المريضِ، لا لمصلحةِ الطبيب، وكما أَنَّ للبدنِ مصالحَ مِن الأغذيةِ ومضارَّ، فللنفسِ مصالح ومضارّ من العلمِ والجهلِ، والاعتقادِ والعَمَلِ، فالشرعُ كالطبيب، فهو أَعرَفُ بما يأْمُرُ بهِ مِن المصالحِ. هذا مذهب مَنْ عَلَّلَ، وأكثرُ العلماء قالوا: أَفعاله لا تعلل (١).

стр. 830

وجواب آخر: إذا كان غنيًا عن أعمالنا فهو غني عن معرفتنا له وقد أوجب علينا معرفته، فكذلك وجوب طاعته، فينبغي أن ننظر إلى أمره لا إلى الغرض بأمره. الشُّبْهَةُ الثالثةُ: قالوا: قد ثَبَتَ سَعَةُ رحمةِ اللهِ ، وهيَ لا تعْجَزُ عنَّا، فلا وجْهَ لحِرمانِ نفوسِنا من مُرادِها. والجواب كالجوابِ الأولِ؛ لأنَّ هذا القولَ يتضمَّنُ اطِّراحَ ما جاءَت بهِ الرُّسُلُ مِن الوعيدِ، وتهوينَ ما شدَّدَتْ في التحذيرِ منهُ وبالَغَتْ في ذكْرِ عقابِهِ. وممَّا يكشفُ التلبيسَ في هذا أَنَّ الله كما وصَفَ نفسَهُ بالرحمةِ وصَفَها بشدةِ العقابِ، ونحنُ نرى الأنبياءَ والأولياءَ يُبْتَلَوْنَ بالأمراضِ والجوعِ ويُؤاخَذونَ بالزَّلَلِ. كيفَ وقد خافَهُ مَن قد قُطِعَ لهُ بالنجاةِ! فالخليلُ يقولُ يومَ القيامةِ: نفسي نفسي. والكليمُ يقولُ: نفسي نفسي (١). وهذا عُمَرُ ﵁ يقولُ: الويلُ لعُمَرَ إِنْ لم يُغْفَرْ لهُ (٢).

стр. 831

واعْلَمْ أَن مَن رَجَا الرحمةَ تعرَّضَ لأسبابِها، ومن أسبابِها التوبةُ مِن الزَّلَلِ؛ كما أَنَّ مَن رَجَا أَنْ يَحْصِدَ زَرَعَ، وقد قالَ اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨]، يعني: أَن الرجاءَ بهؤلاءِ يليقُ، وأَمَّا المُصِرُّون على الذُّنوبِ وهم يَرْجونَ الرحمةَ؛ فرجاؤهُم بعيدٌ (١)! وقد قالَ ﵊: "الكَيِّسُ مَنْ دانَ نَفْسَهُ وعمل لما بعد الموت، والعاجزُ مَنْ أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" (٢). قالَ معروفٌ الكَرْخِيُّ: رجاؤكَ لرحمةِ مَن لا تُطِيعُهُ خذلانٌ وحُمْقٌ (٣). واعلم أنه ليس في أفعال الحق سبحانه ما يوجب أن يؤمن عقابه إنما في أفعاله ما يمنع اليأس من رحمته، وكما لا يَحسن اليأس لما يظهرُ من لُطْفِهِ في خلقه لا يَحسن الطمع لما يبدو من أخَذَاتِه وانتقامه فإنَّ مَنْ قطع أشرفَ عضوٍ بربعِ دينار لا يؤمن أن

стр. 832

يكون عقابه غدًا هكذا. الشبهة الرابع: أَنَّ قومًا منهُم وقعَ لهُم أَنَّ المرادَ رياضةُ النفوسِ؛ ليتَخَلَّصَ مِن أَكدارِها الرَدِيَّة، فلمَّا راضُوها مدَّة، ثم رأَوا تعذُّرَ الصفاءِ؛ قالوا: ما لَنا نُتْعِبُ أَنْفُسَنا في أَمرٍ لا يَحْصُلُ لبشرٍ؟! فتَرَكوا العمَلَ. وكَشف هذا التلبيس: أَنَّهُم ظنُّوا أَنَّ المرادَ قَلْعُ ما في البواطنِ مِن الصفاتِ البشريةِ؛ مثلُ قمْع الشهوةِ، والغَضَبِ، وغيرِ ذلك. وليسَ هذا مرادَ الشرعِ، ولا يُتَصَوَّرُ إزالةُ ما في الطبعِ بالرياضةِ؛ وإِنَّما خُلِقَتِ الشهواتُ لفائدةٍ، إِذ لولا شهوةُ الطعامِ هَلَكَ الإِنسانُ، ولولا شهوةُ النكاحِ انقَطَعَ النَّسْلُ، ولولا الغَضَبُ لمْ يَدْفَعِ الإِنسانُ عن نفسِهِ ما يؤذيهِ، وكذلك حُبُّ المالِ مَركوزٌ في الطِّباعِ؛ لأَته يوصِلُ إِلى الشَّهواتِ (١). وإِنَّما المرادُ مِن الرياضةِ: كَفُّ النفسِ عمَّا يؤذي مِن جميعِ ذلك، ورَدُّها إِلى الاعتدالِ فيهِ. وقد مَدَحَ الله مَن نهى النَّفْسَ عنِ الهوى، وإِنَّما ينهى عمَّا يطلُبُهُ، ولو كانَ طلَبُهُ قد زالَ عن طَبْعِها ما احْتاجَ الإِنسانُ إِلى نَهْيِها. وقد قالَ الله : ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، وما قالَ: والفاقِدينَ الغَيْظَ، والكَظْمُ: رَدُّ الغيظِ. يُقالُ: كَظَمَ البعيرُ على جِرَّتِهِ، إِذا ردَّها في حَلْقِه. فمَدَحَ مَن ردَّ النفسَ عن العملِ بمقتضى هَيَجانِ الغيظِ. فمَنِ ادَّعى أَنَّ الرياضةَ تُغَيِّرُ الطِّباعَ ادَّعى المُحالَ، وإِنَّما المقصودُ بالرياضةِ كَسْرُ

стр. 833

شِدَّةِ الشهوةِ والغَضَبِ، لا إِزالَةُ أَصْلِها. والمُرْتَاضُ كالطبيبِ العاقلِ عندَ حُضورِ الطعامِ؛ يتناولُ ما يُصْلِحُهُ، ويكفُّ عمَّا يؤذيهِ، وعادمُ الرياضةِ كالصبيِّ الجاهلِ؛ يأْكُلُ ما يشتهي، ولا يُبالي بما جنى. الشبهةُ الخامسةُ: أَنَّ قومًا منهم داموا على الرياضة مدة، فرأَوْا أَنَّهُم قد تجوهروا، فقالوا: لا نبالي الآن ما عملنا، وإِنَّما الأوامر والنواهي رسومٌ للعوام، ولو تجوهروا سقطت عنهم. قالوا: وحاصل النبوة ترجع إلى الحكمة والمصلحة، والمراد منها ضبط العوام، ولسنا نحن من العوام فندخل في حَجْرِ التكليف لأنا قد تجوهرنا وعرفنا الحكمة (١). وهؤلاءِ رأَوْا أَنَّ مِن أثر تجوهرهم ارتفاع الحَمِيَّة عنهم، حتى قالوا: إِنَّ رتبة الكمال لا تحصل إلا لمن رأى أهله مع أجنبي فلم يقشعر جلده، فإن اقشعر فهو ملتفت إلى حظ نفسه لم يكْمُلْ بعد إذ لو كمل لماتت نفسه فسموا الغيرة نفسًا، وسموا ذهابَ الحمية الذي هو وصفُ المخانيثِ كمال الإيمان. وقد ذكر ابن جرير في تاريخه أن الرَّاونديَّة كانوا يَسْتَحِلُّونَ الحُرمات، فيدعو

стр. 834

الرجل منهم الجماعة إلى بيته فيطعمهم ويسقيهم ويحملهم على امرأته (١). وكشف هذه الشبهة: أنه ما دامت الأشباح قائمة فلا سبيل إلى ترك الرسوم الظاهرة من التعبد، فإن هذه الرسوم وضعت لمصالح الناس، وقد يغلب صفاء القلب على كدر الطبع إلا أن الكدر يرسب مع الدوام على الخير ويركد، فأقل شيء يحركه كالمدرة تقع في الماء الذي تحته حمأة. وما مثل الطبع إلا كالماء يجري بسفينة النفس، والعقل مَرْدٌ (٢)، ولو أن المَرَّادَ مد عشرين فرسخًا ثم أهمل، عادت السفينة تنحدر. ومن ادعى تغيير طبعه كذب، ومن قال: إني لا أنظر إلى المتحسنة بشهوة. لم يصدق؛ كيف وهؤلاء لو فاتتهم لقمة أو شتمهم شاتم تَغَيَّرُوا! فأين تأثير العقل والهوى يقودهم؟! وقد رأينا أقوامًا منهم يصافحون امرأة وقد كان رسول الله ﷺ وهو المعصوم لا يصافح امرأة (٣)، وبلغنا عن جماعةٍ منهم أنهم يُؤَاخُون النساء ويخلون بهنَّ ثم يَدَّعُون السلامة وقد رأوا أنهم سلموا من الفاحشة وهيهات! فأين السلامة من إثمِ

стр. 835

الخلوة المحرمة والنظر الممنوع منه؟ وأين الخلاص من جولان الفكر الرديء؟! وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: لو خلا عَظْمان نَخِران لَهَمَّ أحدهما بالآخرِ (١). يشير إلى الشيخ والعجوز. أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق، قال: أنبأنا المبارك بن عبد الحبار، قال: أنا الحسين بن علي الطناجيري، قال: أنا أبو حفص بن شاهين، قال: ومن الصوفية قوم أباحوا الفروج بادعاء الأخوة، فيقول أحدهما للمرأة: تؤاخيني على ترك الاعتراض فيما بيننا (٢). قال المصنف ﵀: قلت: وقد روى أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي في كتاب "رياضة النفوس" (٣) قال: رُوي لنا أن سهل بن علي المروذي كان يقول لامرأة أخيه وهي معه في الدار: استتري مني زمنًا، ثم قال لها: كوني كيف شئت. قال الترمذي: وكان ذلك منه حين وجد شهوته ميتة. قال المصنف ﵀: قلت: أما موت الشهوة فلا يتصور مع حياة الآدمي وإنما تَضْعُفُ، والإنسانُ قد لا يقدر على الجماع، ولكنه يشتهي اللمسَ والنظر ثم نُقَدِّر أَنَّ جميع ذلك ارتفع عنه، أليس نهي الشرع عن النظر باق وهو عام! وقد أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا أحمد بن علي بن خلف، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: قيل لأبي القاسم النصراباذي: إن بعض الناس يجالس

стр. 836

النسوان ويقول: أنا معصوم في رؤيتهن. فقال: ما دامتِ الأشباحُ قائمة فإِنَّ الأمرَ والنهي باقٍ، والتحليل والتحريم مُخَاطَبٌ به ولن يجترئ على الشبهات إلا مَنْ هو يعرض للمحرمات (١). قال المصنف: وقد ذكرنا عن أبي عليٍّ الرُّوذْباريُّ أَنَّه سُئِلَ عمَّن يقولُ: قد وَصَلْتُ (٢)، فقالَ: قد وَصَلَ، ولكنْ إِلى سَقَر (٣)! أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أنا أبو نعيم الحافظ، وأخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا أحمد بن علي بن خلف، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، قال: سمعت أبا بكر الرازي، يقول: سمعت أبا محمد الجريري، يقول: سمعت أبا القاسم الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة، فقال الرجل: أهلُ المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله ، فقال الجنيد: هذا قولُ قومٍ تكلموا بإسقاط الأعمال، وهذه عندي عظيمة، والذي يسرقُ ويزني أحسنُ حالًا من الذي يقول هذا، وإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإليه رجعوا فيها، ولو بقيت ألف عام لم أُنْقِصْ من أعمال البر ذرة إلا أَنْ يُحَالَ بي دونها، لأنه أوكد في معرفتي وأقوى في حالي (٤). أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد، قال: أنا حمد بن أحمد، قال: أنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، قال: سمعت علي بن عبد الله الحمصي، يقول: سمعت محمد بن عبد الله الخياط، يقول: سمعت أبا محمد المرتعش، يقول: سمعت أبا الحسين النوري

стр. 837

يقول: مَنْ رأيته يَدَّعِي مع الله حالةً تُخْرِجُهُ عن حَدِّ عِلْمٍ شرعي فلا تَقْرَبَنَّهُ، ومن رأيته يدعي حالة باطنة لا يَدُلُّ عليها ويَشْهَدُ لها حِفْظٌ ظاهر فاتَّهِمْهُ على دينه (١). الشبهةُ السادسةُ: أَنّ أَقوامًا بالَغوا في الرياضةِ، فرأَوْا ما يُشْبِهُ نوعَ كرامةٍ، أو مناماتٍ صحت، أَو فُتحَت عليهِم كلماتٌ لطيفةٌ أَثْمَرَها الفكرُ والخلوةُ، فاعْتَقَدوا أَنَّهُم قد وَصَلوا إِلى المقصودِ فرفضوا الأوامر والنواهي وقالوا: إنما هي أدوات للوصول إلى المقصود وقد وَصَلْنا، فما يضرُّنا شيءٌ، ومَن وَصَلَ إِلى الكعبةِ انقطَعَ عنه السَّيْرِ! فتركوا الأعمالَ، إِلا أَنَّهُم يُزَيِّنونَ ظواهِرَهُم بالمُرَقَّعَةِ والسجَّادةِ (٢) والرَّقصِ والوَجْدِ، ويتكلَّمونَ بعباراتِ الصوفيةِ في المعرفةِ والوَجْدِ والشوقِ. وجوابهم هو جواب الذين قبلهم. قال ابنُ عقيلٍ: اعْلَمْ أَنَّ الناسَ شَرَدوا على اللهِ وبَعُدوا عن وضعِ الشرعِ إِلى أَوضاعِهِم المُخْتَرَعَةِ. فمنهُم: مَن عَبَدَ سواهُ؛ تعظيمًا لهُ عن العبادةِ، وجَعَلوا تلكَ وسائلَ على زعمِهِمْ.

стр. 838

ومنهُم: مَن وحَّد؛ إِلا أَنه أَسقطَ العباداتِ، وقالَ: هذه أَشياءُ نُصِبَتْ للعوامِّ لعَدَمِ المعارفِ! وهذا نوعُ شركِ؛ فإنَّ الله لما علمَ أَنَّ معرِفتهُ ذاتُ قَفْرٍ بعيدٍ وجَوٍّ عالٍ، وبعيدٌ أَنْ يَتَّقي مَن لم يَعْرِفْ خوفَ النارِ؛ لأنَّ الخَلْقَ قد عَرَفوا قَدْرَ لذعِها، وقال لأهل المعارف: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨، ٣٠]. وعلم أن المتَعَبُّدَات أَكْثَرُها تقتضي الأُنس بالأمثالِ وَوَضْعَ الجهاتِ والأمكنة والأبنية والحجارة للأنساك والاستقبال، وأبان عن حقائق الإيمان به فقال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا﴾ [الحج: ٣٧]؛ فَعُلِمَ أَنَّ المعوَّلَ على المقاصِدِ، ولا يكفي مجرَّدُ المعارفِ مِن غيرِ امتِثالٍ، كما عَوَّلَ عليهِ الملحدةُ الباطنيةُ، وشُطَّاحُ الصوفيةِ (١). أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي البزار، قال: أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه، قال: أخبرني جماعة من أهل العلم أن بشيرازَ رجلًا يعرف بابن خفيف البغدادي شيخِ الصوفية هناك يجتمعون إليه فيتكلمُ على الخطرات والوساوس ويحضر حلقته ألوف من الناس وأنه فَارِهٌ (٢) فَهِمٌ حاذق، فاستغوى الضعفاء من الناس إلى هذا المذهب.

стр. 839

قال: فمات رجل منهم من أصحابه وخلف زوجة صوفية فاجتمع النساء الصوفيات -وهنَّ خَلْقٌ كثير- ولم يختلط بمأتمهن غَيْرُهُنَّ، فلمَّا فرغوا من دفنه دخل ابن خفيف وخواصُّ أصحابه -وهم عدد كثير- إلى الدار، وأخذ يعزي المرأة بكلام الصوفية إلى أَنْ قالت: قد تعزيتُ. فقال لها: هاهنا غير. فقالت: لا غير. قال: فما معنى إلزام النفوس آفات الهموم، وتعذيبها بعذاب الغموم، ولأي معنى نترك الامتزاج لتلتقي الأنوار، وتصفوَ الأرواح ويقع الإخلافات وتنزل البركات؟ قال: فقلن النساء: إذا شئت. قال: فاختلطت جماعة الرجال بجماعة النساء طول ليلتهم، فلمَّا كان سحر خرجوا. قال المحسن: قوله: هاهنا غير، أي: هاهنا غير موافق في المذهبِ، فقالت: لا غير، أي: ليس مخالف. وقوله: نترك الامتزاج، كناية عن الممازجة في الوطء. وقوله: لتلتقي الأنوار، عندهم أَنَّ في كل جسم نورًا إلهيًا. وقوله: الإخلافات: أي يكونُ لَكُنَّ خَلفٌ ممن مات أو غاب من أزواجكن. قال المحسن: وهذا عندي عظيم، ولولا أَنَّ جماعةً أخبروني يبعدون عندي من الكذب ما حكيته؛ لِعِظَمِهِ عندي، واستبعادِ مِثْلِهِ أَنْ يجريَ في دار الإِسلام (١). قال: وبلغني أن هذا ومثله شاع حتى بلغ عَضُدَ الدولةِ، فقبض على جماعةٍ منهم

стр. 840

وضربهم بالسياط وشَرَّدَ جموعهم فكفوا (١). فصل: قال المصنف: ولمَّا قلَّ علمُ الصوفيةِ بالشرعِ، فصدَرَ منهُم مِن الأفعالِ والأقوالِ ما لا يَحِلُّ، مثل ما ذكرنا ثمَّ تشبَّهَ بهِم مَن ليسَ منهُم، وتسمَّى باسمِهِم، وصَدَرَ عنهُ مثلُ ما قدْ حَكَيْنا، وكانَ العاقلُ الصالحُ منهُم نادرًا؛ ذَمَّهُم خَلْقٌ مِن العُلماءِ، وعابوهُم، حتى عابَهُم مشائِخُهُمْ: • أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: أنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي الأزجي، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن جعفر الساجي، قال: أخبرنا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر، قال: أنا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال، قال: أخبرنا إسحاق ابن سيار النصيبي، قال لنا عبد الملك بن زياد النصيبي، قال: كنا عند مالك فذكرت له صوفيين في بلادنا، فقلتُ لهُ: يلبسونَ فواخِرَ ثيابِ اليَمَنِ، ويفعلونَ كذا! فقالَ لي: ويْحَكَ! ومُسْلِمين هُم؟! قالَ: فضَحِكَ حتى اسْتَلْقى. قالَ: فقالَ لي بعضُ جُلسائِهِ: يا هذا! ما رَأَيْنا أَعظمَ فتنةً على هذا الشيخِ منكَ، ما رأَيْناهُ ضاحكًا قطُّ (٢). • أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي، قال: أنا حمد بن أحمد الحداد، قال: أنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: أنا محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبو الحسين بن القباب، قال: أنا محمد بن أبي يحيى، قال: أنا يُونسُ بن عبد الأعلى،

стр. 841

قالَ: سمعتُ الشافعيَّ، يقولُ: لو أَنَّ رجُلًا تصوَّفَ لم يأتي الظُّهْرُ حتى يصيرَ أَحمَقَ (١). أَحمَقَ (١). أخبرنا أحمد بن منصور الهمذاني، قال: أنا أحمد بن سعد العجلي، قال: أخبرنا ينجير بن منصور إجازة، قال: أخبرنا جعفر بن محمد الأبهري، قال: أنا ابن روزبة، قال: أنا مرسل بن علي بن عبد الغفار، قال: أنا محمد بن الضحاك، قال: أنا يونس، قال: سمعت الشافعي رحمة الله عليه يقول: لو أن رجلًا عاقلًا تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق (٢). قال المصنف: وقد رواه أبو الحسين محمد بن عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن الجنيد الحافظ في كتاب فضائل الشافعي (٣) قال: أخبرني أبو الحسين بن محمد بن أبي حسان الزيادي، قال: أنا الحسين ابن محمد بن الضحاك، قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى، يقول: سمعت الشافعي يقول: لو أن عاقلًا تصوف من بكرة ما أتى عليه الظهر حتى يصير أحمق (٤). قال أبو الحسين: وسمعت علي بن الحسين الضبعي يقول: سمعت موسى بن محمد الديلمي، يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى، يقول: سمعت الشافعي يقول: ما أَحدٌ لَزِمَ الصوفيةَ أَربعينَ يومًا فعادَ إليهِ عَقْلُهُ أبدًا (٥)!

стр. 842

• قال ابن الجنيد: وأخبرني أسامة بن علي الغازي، قال: أخبرنا محمد بن الربيع بن بلال، قال: سمعت حرملة بن يحيى، قال: كان الشافعي إذا رأى الصوفية يقول: ودَعُوا الذينَ إِذا أَتَوْكَ تَنَسَّكُوا … وإِذا خَلَوْا كَانوا ذِئَابَ حِقَافِ (١) • أخبرنا المحمدان: ابن ناصر وابن عبد الباقي، قالا: أنا حمد بن أحمد، قال: أنا أبو نعيم الحافظ، قال: أنا محمد بن جعفر، قال: أنا عبد الله بن محمد بن يعقوب، قال: أنا أبو حاتم، قال: أنا أحمد بن أبي الحواري، قال: قال أبو سليمان: ما رأيت صوفيًا فيه خير إلا واحدًا عبد الله بن مرزوق. قال: وأنا أرق لهم (٢). • قال أبو نعيم: حدثنا محمد بن علي، قال: أنا أحمد بن علي بن أبي الصغير، قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: ما رأيت في الصوفية عاقلًا إلا إدريس الخولاني (٣). • أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، قال: أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أحمد بن محمد، يقول: سمعت أبا جعفر أحمد بن إسماعيل بن عاصم، يقول: سمعت سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، يقول: سمعت أبي، يقول: سمعت ابن وهب، يقول: ما رأيت صوفيًا قط إلا أحمق، إلا إدريس بن يحيى الخولاني. قال السلمي: هو مصري من قدماء مشايخهم قبل ذي النون (٤). • قال السلمي: وسمعت أبا عبد الله الرازي، يقول: سمعت أبا سهل حفيد يونس بن عبد الأعلى، يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: صحبت الصوفية

стр. 843

ثلاثين سنة، ما رأيت فيهم عاقلًا إلا سَلْم الخواص (١). • أخبرنا حمد بن منصور الهمذاني، قال: أنا أبو علي أحمد بن سعد بن علي الصوفي إجازة، قال: أخبرنا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين بن إسماعيل الأبهري، قال: أنا ابن روزبة، قال: أنا أبو الحسن صالح بن وصيف العتكي، قال: أنا أبو نغيا عبد العزيز بن محمد، قال: قال: أنا أحمد بن أبي الحواري، قال: أنا وكيع، قالَ: سمعتُ سفيانَ، يقولُ: سمعتُ عاصمًا يقولُ: ما زِلْنا نعرفُ الصوفيَّةَ بالحُمْقِ، إِلا أَنَّهُم يتسترونَ بالحديثِ (٢). • قال ابن روزبة: وحدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الفتح البغدادي، قال: أنا أحمد بن زكريا، قال: سمعت علي بن خشرم، يقول: قال لي وكيع: لمَ تركتَ حديثَ هشيم؟ قلت: صحبت قومًا من الصوفية وكنت بهم معجبًا. فقالوا: إِنْ لم تَمْحُ حديثَ هشيم قاطعناك. فأطعتهم، قال: إن فيهم حمقًا. • قال ابن روزبة: وحدثنا أبو عبد الرحمن طالب بن واصل السمرقندي، قال: أنا محمد بن نصير، قال: أنا يحيى بن يحيى قال: مخالفة الصوفية عندي من طاعة الله. • قال ابن رزوبة: وحدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن نصر القنطري، قال: نا أبي، قال: نا عبد الخالق بن منصور، قال: حدثوني عن يحيى بن يحيى، قالَ: الخوارجُ أَحبُّ إِليَّ مِن الصوفيةِ. • أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: أنا أبو سعد بن أبي صادق، قال: أنا أبو عبد الله ابن باكويه، قال: أنا محمد بن داود السماني، قال: حدثني عبد الله بن سهل الرازي،

стр. 844

قال: سمعت يحيى بن معاذ، يقول: اجْتَنِبْ صحْبَةَ ثلاثةِ أَصنافٍ مِن الناسِ: العُلماءِ الغافِلينَ، والفقراءِ المُداهِنينَ، والمُتصَوِّفةِ الجاهِلينَ منهم (١). قال المصنف: وقد ذَكَرْنا في أَوَّلِ رَدِّنا على الصوفيَّةِ مِن هذا الكتابِ (٢) أَنَّ الفُقهاءَ أَنكروا بمصرَ على ذي النُّونِ ما كانَ يتكَلَّمُ بهِ، وبِبِسْطام على أَبي يزيدَ، وأَخرجوا أَبا سُلَيمانَ الدَّارانيَّ، وهَرَب مِن أَيديهِم أَحمدُ بنُ أَبي الحَوَاريّ وسَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ؛ وذلك لأنَّ السَّلَفَ كانوا يُنَفِّرونَ مِن أَدْنى بدعةٍ، ويَهْجُرونَ عليها؛ تمسُّكًا بالسنةِ. ولقد حدَّثَني أَبو الفتحِ بنُ السَّامَرِيِّ قال: جَلَسَ الفُقهاءُ في بعضِ الأربطةِ للعزاءِ بفقيهٍ ماتَ، فأَقْبَلَ الشيخُ أَبو الخطَّابِ الكلوذاني الفقيهُ متكئًا على يدي، حتى وقَفَ ببابِ الرِّباطِ، وقال: يَعِزُّ عليَّ لو رآني أَصحابنا القُدَماء وأَنا أَدخُلُ هذا الرباطَ. قال المصنف ﵀: قلتُ: على هذا كانَ أَشياخُنا، فأَمَّا في زمانِنا فقد اصْطَلَحَ الذئبُ والغنمُ! قالَ ابنُ عقيلٍ: ونقلت من خطبه (٣)، قال: أَنا أَذُمُّ الصوفيةَ لوجوِهٍ يُوجِبُ الشرعُ ذم من فعلها، منها: ° أَنَّهُم اتَّخَذوا مَناخَ البطالةِ وهي الأربطةُ، فانْقَطَعوا إِليها عن الجماعاتِ في المساجدِ، فلا هيَ مساجِدُ، ولا بيوتٌ، ولا خاناتٌ، وصمدوا فيها للبطالةِ عن أَعمالِ المعاشِ. ° وندبوا أَنفُسَهُم ندب البهائِم: للأكلِ، والشربِ، والرقصِ، والغناءِ، وعَوَّلوا

стр. 845

على الترقيع المعتمدِ بهِ التحسينُ؛ تلميعًا والمشاوذ (١) بأَلوانٍ مخصوصةٍ، أَوقعَ في نفوسِ العوامِّ والنًّسوَةِ من تلميح السقلاطون (٢) بألوان الحرير. ° واستمالوا النِّسوةَ والمُرْدانَ بتَصَنُّع الصُّوَرِ واللباسِ، فما دَخَلوا بيتًا فيهِ نِسوةٌ فخَرَجوا؛ إِلا عن إِفسادِ قلوبِ نسوةٍ على أَزواجِهِنَّ. ° ثم يقبَلونَ الطعامَ والنَّفقاتِ مِن الظَّلَمَةِ، والفُجَّارِ، وغاصبي الأموالِ؛ كالعمداء والأجناد وأَربابِ المُكوسِ. ° ويستصْحِبونَ المُردانَ بخلوتهم في الجُموعِ وضوءِ الشموعِ. ° ويُخالِطونَ النِّسوةَ الأجانِبَ، يَنْصِبونَ لذلك حُجَّةَ إِلباسِهِنَّ الخِرْقَةَ ويستحلون -بل يوجبون- اقْتِسامَ ثيابِ من طرب فسقط ثوبه، ويُسَمُّونَ الطَّرَبَ وجْدًا، والدعوةَ وقتًا، والغناء قولًا، واقْتِسامَ الثيابِ حُكمًا. ° ولا يَخْرُجونَ عن بيتٍ دُعوا إِليهِ إِلا عن إِلزامِ دعق أُخرى يقولونَ: أنَّها وَجَبَتَ. واعْتِقادُ ذلك كفرٌ، وفعْلُهُ فسوقٌ. ° ويعتَقِدونَ أَنَّ الغناءَ بالقُضْبانِ قُربةٌ. وقدْ سَمِعْنا منهُم أَنَّ الدُّعاءَ عندَ حَدْوِ الحادي وعندَ حُضورِ المخدَّةِ مجُابٌ؛ اعتقادًا منهم أنَّهُ قُربةٌ. وهذا كفرٌ أَيضًا؛ لأنَّ مَن اعتقدَ الحرامَ أو المكروهَ قُربةً؛ كانَ بهذا الاعتقادِ كافرًا، والناسُ بينَ تحريمِه وكراهتِهِ (٣).
следующие страницы →