← Тараджим

Тараджим · id 1130

طبقات القاري الأثمار الجنية في أسماء الحنفية - ط ديوان الوقف السني

الملا على القاري

Полный текст (861 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

علم الكلام، فتحولت إلى حلقة حماد، وكان إذا ذكر المسألة أحفظ قوله، فإذا كرر كنت أحفظ أنا الجواب ويخطئ أصحابه، فقال: لا يجلس في الحلقة قبالي غيره، فلزمته عشر سنين، ثم أردت أن أنفرد في حلقته فلما دخلت المسجد على ذلك العزم لم أملك الخلاف فجلست عنده، فأخبر بموت حميم له بالبصرة فخرج إليه، وأجلسني مكانه، فوردت علي ستون مسألة لم أحفظ جوابها فأجبت وكتبت جوابي فلما جاء بعد شهرين عرضت عليه جوابي، فخالفني في عشرين فحلفت أن لا أفارقه إلى الموت، فلازمته ثماني عشرة سنة أخرى. وذكر تاج الإسلام السمعاني عنه قال (١): خدعتني امرأة، وفقهتني امرأة، وزهدتني امرأة، أما الأولى: كنت مجتازا فأشارت إلى امرأة إلى شيء مطروح في الطريق، فتوهمت أنها (خرساء) (٢)، وأن الشيء لها فلما رفعته إليها قالت: احفظه حتى تسلم صاحبه، والثانية سألتني امرأة عن مسألة في الحيض فلم أعرفها، فقالت قولا تعلمت الفقه من [أجله] (٣)، والثالثة: مررت ببعض الطريق فقالت امرأة: هذا الذي يصلي الفجر بوضوء العشاء، فتعمدت ذلك حتى صار عادة. وذكر عنه أنه قال (٤): كنت أنازع الناس في علم الدين فسئلت عن فريضة فلم أعرفها، فقيل لي تتكلم في الدين وهو أدق من الشعر ولا تحسن فريضة، فخجلت، فأتيت الشعبي، فإذا هو مخضوب الرأس واللحية يلعب بالشطرنج مع أصحابه، فسألته عن مسألة، فقال: ما يقول فيه الحكم (٥) بن عتبة وحماد؟ وسمعته

стр. 142

يقول: لا نذر في معصية الله، ولا كفارة فيه، فقلت: الله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ (١) ومع ذلك أوجب فيه الكفارة، فقال: أقياس أنت؟ قم فأخرج عني. فدخلت على قتادة (٢)، فإذا هو يتكلم في القدر، فدخلت على أبي الزبير (٣) صاحب جابر (٤) بن عبد الله فرأيته رجلا لا يحفظ لسانه، فأتيت نافعا مولى ابن عمر، فإذا هو يروي عن مولاه: أنه كان يرخص من إتيان النساء غير مأتهن، ويتلو قوله تعالى: ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ .. ﴾. (٥) الآية، فقلت: هذا أحمق الناس أو أكذب الناس، فإذا كان سمع منه كان عليه أن يكتمه، فلزمت حمادا. فإذا قلت قد أنكر الإمام علي الشعبي لعبه بالشطرنج، وهو مختلف بين العلماء المتأخرين، فإن مالكا والشافعي جوزاه، والنكير في المجتهدات ساقط. قال التمرتاشي (٦): ليس لك أن تنكر

стр. 143

على من قلد/٤ ب/مجتهدا أو أجتهد دليلا، فإنا نقول: لا نكير إلا أن الأفضل أخذ العلم ممن هو الأتقى والأكمل، ولذا أنكر على فعله لا على قوله، فإن التقوى، فوق الفتوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ (١)، وورد: «استفت قلبك، وإن أفتاك المفتون» (٢) ومن المعلوم أن الخروج من موضع الخلاف مستحب بالإجماع، وفسر بعضهم الأنصاب بالنرد، والشطرنج كما ذكره القرطبي (٣). وأغرب بعض الشافعية حيث بالغ في لعبه حتى بلغه إلى حد الندب، وإذا عيي عن القراءة لعب به في المسجد، وأسنده إلى قوم من الصحابة والتابعين أنهم لعبوه، قال ابن العربي (٤): ما مسها يد تقي قط، والأصح أن مالكا معنا في المنع. وقد ثبت قوله ﵇: «ملعون من لعب بالشطرنج، والناظر إليه كآكل لحم الخنزير» (٥). فلهذا المنقول الظاهر أنكر الإمام الباهر على المخالف المجاهر والله أعلم بحقائق السرائر. قال

стр. 144

الكردري (١): فإن قلت: فما وجه الإنكار على نافع فيما يرويه عن مولاه مع أن ظاهر القرآن يوافقه، وهو قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (٢) ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ .. ﴾. (٣)، وقد ثبت القول به عن نافع عن ابن عمر ﵄، فإن فرقة فسروا: «أنى» في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ (٤) بمعنى أين. وقالوا: قال به سعيد بن المسيب (٥) ونافع وابن عمر، ومحمد (٦) بن كعب القزطي، وعبد الملك (٧) بن الماجشون من المالكية. وذكر ابن العربي (٨) أن ابن سفيان ذكر في كتاب: «جماع النسوان وأحكام القرآن»، جوازه عن كثير من الصحابة والتابعين. وقال أيضا بوجود اللواطة في الجنة كثير من المحققين من علماء الحنفية، فدل أنه لا إنكار على نافع. قلت: كان العلامة يقول: لا يهولنكم أسماء الرجال عند قوة الدلائل، وكشف المقال، فإن كتاب الله جاءكم ببطلان هذا

стр. 145

القول، فإن قوله تعالى: ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ (٢) كله دليل قاطع على حرمة محل اللوث اللازم، وكذا الأحاديث الحسان الكثيرة الصحاح الشهيرة ناطقة صريحة في التحريم، رواها الإمام أحمد (٣) بن حنبل في «مسنده» وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي. وقد جمعها أبو الفرج [عبد الرحمن] (٦) بن الجوزي في جزء [وسماه "تحريم المحل المكروه" (٧)] ثم حرمة اللواطة عقلية ولذا سماه الله تعالى فاحشة فلا وجود لها في الجنة. وقيل: سمعية، فلها وجود فيها وقيل: يخلق الله تعالى طائفة يكون نصفه الأعلى على صفة ذكور، والأسفل على صفة الإناث، والصحيح الأول، انتهى، ولا يخفى بعد الاستدلال بأمثال هذه الأقاويل المجهولة المجعولة في تجويز اللواطة التي هي فاحشة في جميع الأمم المتقدمة والمتأخرة، والقبيحة في العقول السليمة وأما نقلهم عن المحققين من علماء الحنفية وجودها (٨) في الدار النعيم

стр. 146

العظيمة، حاشا المحققين من هذه المقالة السقيمة، على أن الطائفة المنصفة لا يلزم في جماعها اللواطة، وأيضا لا يفرق بين الذكر والأنثى ألا بالنصف الثاني فعليك بالكلام الثاني، إذ من المعلوم أن أهل الجنة جرد (١) مرد (٢)، وعلى التنزل أن لتلك الطائفة لحية، فإن الطباع الخبيثة لا تميل إليها باللواطة في الدار الكثيفة، وأيضا كيف يحكم المحققون بوجود اللواطة في الجنة، مع أنه من العلوم الغيبية التي لا يثبت إلا بالأدلة القطعية، وأقلها الظنية، لا بالأمور الوهمية الصادرة عن العقول الردية، فنسأل الله العافية عن الخطأ من الأمور الدينية والأخروية. وأما نقلهم عن نافع فإن النسائي روى عن ابي النضر قيل لنافع: قد أكثر بك القول أنك تقول به عن مولاك، قال: كذبوا علي الحديث. وذكر الدارمي (٣) في مسنده عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري أحمض بهن؟، قال: وما التحميض؟ فذكرت له الدبر، فقال: هل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟ وقد ذكر بعض اصحابنا فيما أجاب به المعدل الذي هجا الإمام وزفر أن سالما [روى] (٤) عن ابن عمر خلافه فقال: شعر (٥) إن كنت ذا كذب على أشياخنا … متنقصا لأبي حنيفة أو زفر فعليك إثم الشيخ أعني مالكا … في قوله وطئ الحلائل في الدبر هذا مقال قد ورد عن سالم … تكذيب ناقله وتزوير الخبر

стр. 147

وقال مالك لابن وهب، وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون ذلك عنه، فنفر عن ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل، وقال: كذبوا علي ألستم قوما عربا أو يكون الحرث إلا موضع النبت. أقول: ولا يبعد الجمع بين نفي القول المذكور وإثباته، أن محل الثاني إذا كانت المرأة حائضا كما نقل شيخ مشايخنا السيوطي في «الدر المنثور» (١) روايات كثيرة عن بعض السلف، والله أعلم. وذكر (٢) الديلمي (٣) بإسناده إلى القاسم بن عدن العجلي: قيل للإمام: كيف اخترت حمادا؟ قال بتوفيق الله تعالى، تأملت في العلوم، فقلت: «الكلام» عاقبته سوء ونفعه قليل إن تبحر فيه لا يقدر على الكلام جهارا ويرمي بالهوى، وعاقبة الأدب مجالسه/٥ أ/الصبيان، وعاقبة الشعر التكدي بالمدح، وقول الجفاء والخناء وتمزيق الدين، وعلم القراءة بعد جمع الكثير منه في العمر الطويل مجالسة الأحداث، وربما يرمي بسوء الحفظ فيلزمه ذلك، وعلم الفقه أولى به لمجالسة المشايخ والتخلق بأخلاقهم. ولا يستقيم أداء التكاليف إلا به، وحصول نجاح الدارين متعلق بكسبه، ولو نزلت نازلة في الحي احتاجوك بسببه، وإن تخليت للعبادة لم يقدر أحد أن يقول: تعبد بلا علم. وبه إلى يحيى بن شيبان قال (٤): قال الإمام: كنت أعطيت جدلا في الكلام. وأصحاب الأهواء في البصرة كثيرة، فدخلتها نيفا وعشرين مرة، وربما أقمت بها سنة ظنا أن علم الكلام أجل العلوم، فلما مضى مدة من عمري تفكرت وقلت:

стр. 148

السلف كانوا أعلم بالحقائق ولم ينتصبوا مجادلين بل أمسكوا عنه، وخاضوا في علم الشرائع، ورغبوا فيه، وتعلموا وعلموا وتناظروا عليه، فتركت الكلام، واشتغلت بالفقه، ورأيت المشتغلين بالكلام ليس سيماهم سيماء الصالحين، قاسية قلوبهم، غليظة افئدتهم، لا يبالون بمخالفة الكتاب والسنة، ولو كان خيرا لاشتغل به السلف الصالحون. وهذا وحكاية (١) رؤياه مشهورة: أنه نبش قبر النبي ﷺ ، ويؤلف العظام الكرام بوضع بعضها في موضع مناسب للمقام، وتعبير ابن سيرين لها: إن صاحبها رجل يحي به الله سننا أميتت. فصل في اعتقاده: ذكر الغزنوي (٢) عن يحيى بن نصر، والديلمي عن نوح بن أبي مريم الجامع قالا: سألناه عن السنة والجماعة، قال: تفضيل الشيخين، ومحبة الختنين، والإيمان بالقدر خيره وشره، والمسح على الخفين، وتحليل النبيذ للتقوى على طاعة الله لا للسكر، وعدم التكفير لأحد بذنب-وعدم التكلم في الله بشيء. قال سعد بن معاذ (٣): جمع الإمام في هذه الأحرف السبعة مذهب أهل السنة والجماعة. فاعلم أنه روى (٤) عبد الرحمن بن المثنى: إن الإمام كان يفضل الشيخين ثم يقول: علي وعثمان، ثم من كان له سابقة وهو أتقى فهو أفضل، وكان لا يقول في الصحابة إلا خيرا، وكان يقول: مقام أحدهم مع النبي ﷺ ساعة أفضل من عبادتنا طول عمرنا.

стр. 149

ثم اعلم إن بعض المتكلمين قالوا: نمسك عن تفضيل الصحابة بعضهم على بعض، والجمهور على خلافه، ولكن اختلفوا فقال أكثرهم: الصديق أفضلهم، وقال الخطابية (١): الفاروق أفضلهم، وقال الراوندية (٢): العباس أفضلهم، وقال الرافضية: علي أفضلهم، واتفق أهل السنة، على تقديم الشيخين ووافقهم فيه أيضا المعتزلة، ثم اختلفوا، فقال أقلهم وهو الرواية عن الإمام ثم علي ثم عثمان، وبه قال الصحابة، وقال أكثرهم: ثم عثمان ثم علي وهو الأصح من مذهب الإمام كما يعرف من كتاب «الفقه الأكبر» ونصائحه، ثم تمام العشرة (٣) المبشرة بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أصحاب بيعة الرضوان … ،

стр. 150

وزعم طائفة منهم ابن عبد البر أن من توفي من الصحابة الكرام حال حياته أفضل ممن بقي بعد مماته ﷺ . وهذا الإطلاق غير مرضي عند العلماء. ثم اختلف العلماء في التفضيل المذكور: أقطعي أو ظني؟ فذكر الأشعري (١) أنه قطعي، وذكر الباقلاني (٢): أنه ظني. ثم اختلفوا أن التفضيل بحسب الظاهر فقط أم بحسب الظاهر والباطن؟ كذا ذكره الكردري (٣). والقول بكونه قطعي بعيد جدا، اللهم إلا أن يقال في حق الصديق، فإنه إلى التحقيق حقيق، وأما القول بأنه بحسب الظاهر والباطن فأبعد والله ولي التوفيق، ثم من قوله، ومحبة الختنين إشارة إلى محبتهما كافية في كون صاحبهما من أهل السنة لما سبق من الكلام في اختلاف تفضيلهما، وإلا فبإجماع أهل السنة هما أفضل الأمة بعد الشيخين وإنما أراد الإمام التنبيه على أن باغضهما خارجي خارج من أهل السنة والجماعة. وكذا باغض عثمان وهم الشيعة سواء يقولون لا نحب الثلاثة ولا نسبهم ولا نلعنهم، وفي تكفير لاعنهم خلاف مشهور، وتفضيله في محله مسطور، وقد بسطت هذه المسألة في رسالة مستقلة (٤). ثم في قوله: نؤمن بالقدر خيره وشره: إخراج المعتزلة. وسائر المشرعة من القدرية. والمراد بالإيمان بالقدر اعتقاد أن جميع الأمور بقضاء الله وقدره وفق ما

стр. 151

أراد أن يظهر بكسب العباد، فيخرج الجبرية على أنهم أقرب إلى الحق من سائر المبتدعة. ثم في قوله: والمسح على الخفين رد على طائفة من الشيعة، وقد نقل (١) ابن المبارك عن الإمام: ما قلت بالمسح عليهما حتى جائني مثل ضوء النهار. يعني الأدلة الساطعة من الكتاب والسنة، فإن/٥ ب/آية الوضوء مبهمة مجملة باعتبار القراءتين، وقد بينها النبي ﷺ بغسل الرجلين حال كشفهما، وبمسحهما وقت لبسهما. وكادت الآثار في المسح أن يتواتر بل قد تواتر معنى لكثرة طرقه ورواته. ثم في قوله: وتحليل النبيذ. الخ. اشعار بأن من قال به لا يخرج عن كونه من أهل السنة، لا أنهم اتفقوا على تحليله، فإن المسألة خلافية، وهي من الفروع الفقهية التي فيها خلاف الشافعية والمالكية والحنبلية فمذهبهم أن ما يسكر كثيره فقليله حرام. وقد بينت الأدلة من الجانبين من «شرح مسند الإمام». وفي قوله: لا للسكر، إيماء إلى أن شربه إذا أنجر إلى السكر فهو حرام وكذا إذا قصد السكر به في أول قعوده. وقد ذكر علماؤنا في بحث المثلث (٢) أنه إذا قعد للسكر فالقدح الأول حرام. وكذا القعود عليه حرام، وصرحوا بأن السكر من البنج (٣) ولبن الرماك (٤) حرام إلا أنه لا يحد. وذكر في (يتيمة الدهر) أن حادثة أكل

стр. 152

البنج وقعت في زمان الطحاوي (١) من أئمتنا وخاله المزني (٢) من الشافعية فأفتيا بالحرمة، ووافقهما في ذلك أئمة عصرهما، والمكتوب في حاشية (القنية) عن العلامة مولانا سيف الدين الفقيه: أن من يعتاد أكل البنج يعاقب بالقتل. وهذا محمول على أنه يأكله لتحصيل السكر ويزعمه حلالا. وأما ما ذكره الأئمة الثلاثة من الآثار الحسان والأحاديث الصحاح من تعليق الحكم وهو الحرمة بالمسكر قل المشروب أو كثر فقد تكلم فيه رئيس المحدثين يحيى بن معين (٣)، وعلى التنزل فمأول بأن المراد من المسكر هو المسكر بالفعل والمنع من شرب قليله إنما هو في حق من يشرب لقصد السكر والتلهي، لا للنشاط على الطاعة والتقوى، أو لئلا ينجر قليله إلى كثيره كالراعي حول الحمى. وقد ذكر الطحاوي وغيره: إن عند محمد كل ما يسكر كثيره وقليله حرام. وأما فتوى المشايخ فعلى رأي بي حنيفة وأبي يوسف ومع هذا ففي فتاوى قاضي خان (٤) أنه سئل الإمام أبو حفص الكبير (٥) عن هذا فقال: لا يحل

стр. 153

شربه، فقيل له: خالفت الشيخين، فقال لا لأنهما كانا يحلان للاستمراء والتّقوىّ، والناس في زماننا يشربونه للفجور والتلهي وشربه للهو لا يحل إجماعا. ثم في قوله: وعدم التكفير بذنب أي بكبيرة رد على الخوارج وقوله: عدم التكلم في الله بشيء يعني في صفات الله، كذا ذكره الكردري (١)، وفيه بحث إذ تكلم الإمام على الصفات في"الفقه الأكبر" (٢)، وغيره، والمسألة تنازع فيها أهل السنة والمعتزلة حيث أثبتها الأولون قائلين بأنها قديمة لا عين الذات ولا غيرها. والآخرون نفوها تحرزا من تعدد القدماء فينبغي حمل كلام الإمام على نفي الكلام في كنه ذاته وصفاته، أو على نفيه فيهما مطلقا بمجرد دلالة العقلية، ففيه رد على الحكماء … وبعض الجهلة من المتصوفين القائلين بوحدة الوجود. والاتحاد والحلول وسائر مقالات أهل الفساد والله رؤوف بالعباد. وروى الإمام أبو حامد محمد بن أبي الربيع المازني والشيخ الإمام النسفي بإسنادهما إلى أبي مقاتل السمرقندي: أن الإمام قال في كتاب (٣) «العالم والمتعلم». العمل تبع للعلم، والعمل القليل بالعلم خير من العمل الكثير بالجهل؛ كما أن الزاد القليل الذي لا بد منه في المفازة مع الهداية أفضل من الزاد الكثير مع الجهالة، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤). وقد صرح الإمام في ذلك الكتاب بأكثر قواعد أهل السنة فهو بريء من كونه معتزليا أو مرجئيا أو جبريا، كما توهم بعضهم إذ أسندوا مذهبهم إليه ترويجا بما شاهدوا من الفضل لديه، واعتماد أكثر المسلمين في باب الاعتقاد والأعمال عليه، فله ولأصحابه الحنفية مشاركة في حقيقة الملة الحنيفية حيث ادعى كل أرباب ملة بأن الخليل منهم، وقد

стр. 154

نفى الله عنهم بقوله: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١). والحمد لله رب العالمين. هذا وكان الإمام إذا وردت مسألة فيها حديث صحيح تبعه ولو عن الصحابة والتابعين، وإلا قاس فأحسن القياس (٢). وروي (٣) أنه وضع ستين ألف مسألة، وقيل وضع خمس مئة ألف مسألة، وذكر الخطيب الخوارزمي في أنه وضع ثلاثة آلاف وثمانين ألف مسألة. منها ثمانية وثلاثين ألفا في العبادة والباقي في المعاملة، ولولا هذا لبقي الناس في تيه الضلالة وبيداء الجهالة. وذكر (٤) أبو المعالي الحلبي: عن الحسن بن زياد عنه أنه قال: قولنا هذا رأي حسن وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن جاء بأحسن مما قلنا فهو أولى بالصواب منا. وذكر (٥) الديلمي عن زهير (٦) بن معاوية قال: كنت عنده،

стр. 155

و [الأبيض] (١) بن الأغر يقايسه إذ صاح رجل وقال: أول من قاس إبليس: فقال: يا هذا وضعت الكلام في غير موضعه: قاس اللعين لرد أمر الله تعالى/٦ أ/حيث قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ (٢) ونحن نقيس المسألة على أخرى لنردها إلى أصل من الأصول: الكتاب والسنة، أو اتفاق الأمة فنجتهد وندور حول الإتباع. فأين هذا من ذاك؟ فصاح الرجل وقال: تبت من مقالتي إلى ربي، نور الله قلبك كما نورت قلبي. وعن علي (٣) بن عثام قال: إن [أبا حنيفة] (٤) قال (٥): حدثنا الشعبي أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري وهو عامله بالبصرة: أن قس الشيء بالشيء، واضرب الأمثال يتبين لك الحق. وعن الحسن بن زياد: أنه كان يقول (٦): ليس لأحد أن يقول برأيه مع نص من كتاب الله أو سنة عن رسول الله أو إجماع عن الأمة، فإذا اختلف الصحابة على أقوال نختار ما هو أقرب من الكتب والسنة ونجتهد ما جاوز ذلك، فالاجتهاد موسع على الفقهاء لمن عرف الاختلاف، وقاس فأحسن القياس، وعلى هذا كانوا.

стр. 156

وروي عنه (١): ما جاءنا عن الله ورسوله لا نتجاوز عنه، وما اختلف فيه الصحابة اخترناه، وما جاءنا عن غيرهم أخذنا وتركنا. وروى (٢) أنه كان كثيرا يقرأهذه الآية في خلال كلامه: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٤) وفيه دليل على أنه لم يبدع اللفظ الاستحسان (٥) فإنه موجود في الكتاب وكذا في السنة فقد ورد: (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن) (٦). وعن أبي يوسف (٧): أنه إذا وردت حادثة قال الإمام هل عندكم أثر؟ فإن كان عنده أو عندنا أثر أخذ به، وإن اختلفت الآثار أخذ بالأكثر وإلا أخذ بالقياس إلا أن يتعسر القياس فتركه إلى الاستحسان. وعن محمد بن سماعة (٨): أن الإمام ذكر في تصانيفه نيفا وسبعين ألف حديث وانتخب الآثار من أربعين ألف حديث، والمسائل التي رجع عنها من القياس إلى الأثر كثيرة لشدة إتباعه، (منها): كان يقسم الدية على منافع الأصابع ويوجب الأرش (٩) في الإبهام أكثر مما يوجبه في سائر الأصابع، فلما بلغه قوله (عليه

стр. 157

السلام): «الأصابع كلها سواء» (١) رجع عن ذلك، كالصديق كان يقول: الدين في الأنف أكثر من الأذنين؛ لأنه تسترهما العمامة، والأنف مكشوف ففوات الزينة فيه أكثر، فلما بلغه أنه ﵇ أوجب في الأذنين الدية رجع عن ذلك. (ومنها): أن الإمام كان يقول: أكثر الحيض خمسة عشر يوما، فلما بلغه عن أنس أنه ﵇ قال: «الحيض ثلاثة أيام إلى العشرة والزائد استحاضة» (٢) رجع عن ذلك. (ومنها) ما ذكره خلف الأحمر (٣): أن الإمام كان لا يصلي قبل العيد ولا بعده ثم رأيته يصلي بعد العيد، فسألته عن ذلك، فقال: بلغني عن علي ﵁ أنه كان يصلي بعده أربعا فاقتديت به. انتهى. ولعله كان يصلي في بيته، كما رواه ابن ماجة أنه ﵊: (كان يصلي بعده في بيته ركعتين» (٤) والله أعلم.

стр. 158

فيما ذكره من المخارج على البداهة ما يجوز من الحيل وما لا يجوز فإن قلت (١): تعليم الحيل مذموم حتى قالوا: إن المفتي الذي يعلم الناس الحيل هو الماجن الذي يستحق الحجر (عليه) (٢) في جميع المذاهب [قلت] (٣): الحق فيه التفصيل، قال تعالى: ﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ (٤) الآية، وقال لأيوب: ﴿﴾ ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ (٥) وكان [أيوب ﵇] (٦) حلف أن يجلد زوجته رحمة مئة جلدة. فعلمه الله تعالى المخرج، وقد صح أنه ﵇ قال: (خذوا عثكالا (٧) فيه مئة شمراخ فاضربوه به» (٨) حين أتى بناقص الخلق وقد زنى، وقد صح أنه ﵇ قال لعامل خيبر: «أوكل تمر خيبر هكذا؟» (٩) قال: لا بعت منه صاعين بصاع قال ﷺ : «إنه عين الربا هلا بعت

стр. 159

صاعيك بدرهم ثم ابتعت به تمرا» (١) فدل أن الحيلة للتوصل إلى الحق أو للتخلص عن المضرة جائزة، وإنما الحرام ما يتوصل به إلى الباطل، أو إبطال الحق بعد الثبوت، والمفتي الماجن في القول المعتمد هو الذي يفتي بأمر باطل يؤدي إلى الخروج من الدين، كمن يعلم المرأة الارتداد لتتخلص من الزوج وليس لها ذلك فإنها إن فعلت ذلك يسترقها زوجها، وهذا على قولهما بلا شبهة، والمسألة معروفة. وقد ذكر عبد المجيد الخوارزمي عن محمد (٢) بن مقاتل: أن رجلا جاء وقال للإمام: ما تقول فيمن لا يرجو الجنة ولا يخاف النار ولا يخاف الله، ويأكل الميتة، ويصلي بلا ركوع وسجود، ويشهد بما لم يره، ويبغض الحق ويحب الفتنة؟. فقال: هذا رجل يرجو الله لا الجنة ويخاف الله لا النار ولا يخاف عليه الظلم من الله في عدله ويأكل السمك والجراد ويصلي على الجنائز ويشهد بالتوحيد ويبغض الموت وهو الحق، ويحب المال والولد وهما الفتنة، فقام السائل وقبل رأسه وقال: أشهد أنك وعاء للعلم. وذكر العلامة حسام الملة السغناقي (٣): أن رجلا جاء إليه وقال: بواو أم بواوين؟ /٦ ب/ [فقال بواوين] (٤) فقال: بارك الله فيك كما بورك في: لا و: لا فلم يعلم الحاضرون ما قالا [فقال الحاضرون ما هذا الكلام] (٥)، فقال: سألني عن

стр. 160

التشهد أبواو أم بواوين قلت: بهما، فقال: بارك الله فيك كما بورك في [شجرة] (١) لا شرقية ولا غربية. وذكر الديلمي عن علي بن عثام [قال] (٢): لما فر الإمام إلى المدينة وكان فيها حسين بن زيد العلوي واليا عن عهد بني العباس فقال لغلامه: خذ بلجام دابة الشيخ وقل له: من خير الناس بعد النبي ﵇؟ فقال: العباس فسكت، وكان غرض العلوي أنه إذا قال الصديق: آذاه، وإذا قال المرتضى لامه في ترك مذهبه فلما اختار الثالث لم يتمالك أن يقول شيئا خوفا من بني العباس انتهى. وكان الإمام قصد به الخيرية من الحيثية النسبية. وقد ورد «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» (٣)، وثبت: «أن الحرب خدعة» (٤). وذكر (٥) الإمام الحلبي عن علي (٦) بن عاصم: قال: كان الإمام يأخذ من لحيته الحجام فقال له: اتبع مواضع البياض، فقال: لا، لأنه

стр. 161

يزيد. فقال: اتبع السواد لعله يزيد، فبلغ الحكاية إلى شريك (١) فقال: لو ترك القياس في شيء لتركه مع الحجام. وذكر الكرماني (٢) عن محمد (٣) بن سلمة قال: مرض أبو يوسف؛ فعاده الإمام مرارا فرآه في بعض الأيام ثقيلا فقال: لقد كنت أؤملك بعدي للمسلمين ولئن مت ليموتن علم كثير، فلما برأ أعجب بنفسه وعقد مجلس الأمالي (٤) في مسجده، فلما بلغ ذلك الإمام دس إليه رجلا، وقال: قل له: ما تقول في قصار (٥) أنكر أن يكون الثوب لصاحبه، ثم جاء إليه مقصورا وطلب الأجر؟ وإن قال: يجب الأجر، قل: أخطأت، وإن قال: لا، قل: أخطأت، ففعل الرجل ذلك، فقام أبو يوسف من ساعته وجاء إلى خدمته، فقال: ما جاء بك إلا مسألة القصار سبحان الله من رجل يتكلم في دين الله، ويعقد مجلسا، ولا يحسن مسألة من مسائل الإجارة، فقال

стр. 162

علمني، قال: إن قصره قبل الجحود يجب الأجر؛ لأنه صنعه للمالك وإن قصره بعده لا يجب؛ لأنه صنعه لنفسه، ثم قال: من ظن أنه يستغني عن التعلم فليبك على نفسه. وذكر المرغيناني (١): أن شيطان الطاق (٢) وهو شيخ الرافضة كان يتعرض للإمام كثيرا، فدخل الشيطان يوما في الحمام، وكان فيه الإمام، وكان قريب العهد بموت أستاذه حماد فقال الشيطان: مات أستاذكم فاسترحنا منه، فقال الإمام: استأذنا مات وأستاذكم ﴿مِنَ الْمُنْظَرِينَ .. ﴾. ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (٣)؛ فتحير الرافضي فكشف عورته، فغمض الإمام عينه، فقال الشيطان: يا نعمان منذ كم أعمى الله بصرك؟ فقال: منذ هتك الله سترك؛ فبادر الإمام إلى الخروج من الحمام وانشأ شعر (٤): أقول قولي وفي قولي بلاغ وحكمة … وما قلت قولا جئت فيه بمنكر ألا يا عباد الله خافوا إلهكم … ولا تدخلوا الحمام إلا بمئزر (وروى عنه) (٥) أنه قال: كنا لا نصرف من عند حماد إلا بفائدة، فقال لنا يوما إذا وردت عليكم مسألة معضلة فاجعلها سؤالا على صاحبها فوعيته، فبعد مدة ذهبت إلى دار المنصور، فخرج إلي ربيع الحاجب (٦)، وكان يعاديني، فقال إن أمير

стр. 163

المؤمنين يأمرنا بقتل رجل ولا ندري ما هو أنقتله؟ فقلت: يا أبا العباس أن أمير المؤمنين يأمر بالحق أو بالباطل؟ قال: بالحق، قلت: انفذ الحق حيث كان قال: وكان الربيع أراد ان يوثقني فربطته. (وروي) أن امرأة كانت مجنونة لها لقب إذا دعيت بذلك شتمت، فدعاها رجل به فقذفت أبويه وهما حيان، فرفعت إلى ابن أبي ليلى (١) فأقام عليها حدين قائمة في المسجد في مجلسه، فقال الإمام: المجنونة لا تحد، والخصم أبواه، ولا تحد إلا بطلبهما، ولا يوالي بين حدين حتى يجف الآخر. ولا يكرر الحدان إن قذف جماعة بكلمة، ولا تقام الحدود في المساجد، ولا تحد قائمة، ولا تمد في الحدود. وعن خارجة (٢). قال: دعاه المنصور وعنده ابن أبي ليلى قاضي الكوفة، وابن شبرمة قاضي بغداد فقال: ما قولك في الخوارج إذا أصابوا من مال المسلمين ودمائهم؟ قال: سل هذين فسألهما، فقال أحدهما: يؤاخذون، وقال الآخر [لا] (٣) قال أخطئا جميعا، قال: لهذا دعوتك، ما صوابه؟ قال: ما أصابوا [بعد] (٤) التجمع لا يضمنون وما أصابوا قبله ضمنوا، ادعى الزهري (٥) في هذه المسألة إجماع الصحابة.

стр. 164

(وروي) أن عاصما (١) كان من شيوخه وإذا أتاه يستفتيه قال: اتيتنا صغيرا، وأتيناك كبيرا. وعن بشر (٢) بن المفضل عنه أنه قال: كانت لنا جارة ولها غلام أصاب منها دون الفرج فحبلت فجائني أهلها، وقالوا: نخاف أن تلد وهي بكر، فقلت: هل لها أحد تثق به؟ قالوا: عمتها قلت تهب الغلام منها ثم تزوّجها منه فإذا أزال عذرتها ردت الغلام إليها فيبطل النكاح، وهذه حيلة أيضا ذكرها لمن يخاف أن لا يطلق المحللة بعد النكاح منه وإن أرادت قطع التحدث باعت الغلام من تاجر يروح به إلى أقصى المقام. (وعن) يوسف (٣) بن خالد السمتي/٧ أ/قال: (٤) خرجنا معه إلى بستان فلما رجعنا إذا نحن بابن أبي ليلى، فسلم، فتسايرا فمرا على نسوة يغنين فلما سكتن قال الإمام: أحسنتن. فنظر ابن أبي ليلى في قماطره (٥) فوجد قضية فيها شهادته [فدعاه ليشهد في تلك القضية فلما شهد أسقط شهادته] وقال: قلت لمن كن يغنين أحسنتن قال: متى قلت ذلك حين سكتن أم حين كن يغنين؟ قال: حين سكتن. قال: أردت بذلك أحسنتن السكوت؛ فأمضى شهادته، ثم قرأالإمام: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ﴾

стр. 165

﴿بِأَهْلِهِ﴾ (١). فخاف ابن أبي ليلى من الإمام خوفا شديدا بعد ذلك المقام، وكان إذا وقع له عويصة دس الإمام رجلا يسأله عنها وكان الإمام يعلم ذلك وينشد شعر (٢): وإذا تكون كريهة أدعى لها … وإذا يحاس الحيس يدعى جندب وفيه تنبيه على أن الغناء للناس كبيرة كما هو مفهوم من «الهداية» (٣) في قوله: (ولا من يغني للناس». وقد ذكر السهروردي في «العوارف» (٤) عن الأئمة الأربعة: الرواية على حرمته. وعن ابن سلام قال (٥): ما زال الإمام يخطئ ابن أبي ليلى حتى عزله الخليفة عن القضاء. (ومن) غرائب ما وقع له معه: إن الإمام دخل عليه زائرا، فلما جلس قال لحاجبه: ائذن للخصوم، كأنه رام أن يرى الأمام أمضاء الحكم، فتقدم إليه خصمان فقال أحدهما: إن هذا قال لي: ابن الزانية، فخذ حقي منه، قال القاضي للمدعى عليه: ما تقول؟ قال الأمام: لم لم تسأل منه؟ إن كانت أمه حية، فليس له حق الطلب وإن كانت ماتت كان قولا آخر، فسأله، فأدعى موتها، فبرهن، فأراد القاضي السؤال عنه، فقال: سله: هل لها وارث آخر؟ فإن لم يكن لها وارث آخر كان قولا آخر، فبرهن على أنه لا وارث لها غيره، فذهب القاضي ليسأل المدعى عليه فقال: سله: هل كانت أمه حرة؟ فبرهن على حريتها، فلما رام القاضي السؤال

стр. 166

قال: سله هل كانت مسلمة فبرهن على إسلامها، وكانت من وجوه أهل الكوفة فقال الأمام: سل الآن عن القاذف فانكر، فلما ذهبوا إلى البينة قام الأمام فألتمس القاضي أن يقعد حتى يأتي بالبينة فأبى وراح واستراح. (وعن وكيع (١) قال (٢): رأيته وسفيان، ومسعرا (٣)، ومالك (٤) بن مغول، وجعفر بن زياد والأحمر، والحسن بن صالح في وليمة بالكوفة وفيها الاشراف والموالي، وقد زوج بنتا رجل من ابني رجل فخرج عليهم صاحب الوليمة وقال: مصيبة عظيمة زفت امرأة كل إلى الآخر غلطا، ودخل على كل واحدة غير زوجها، فقال سفيان لا بأس به، وقد حكم أمير المؤمنين علي ﵁ كان وجه إليه معاوية فيه، فقال علي للسائل: أنت رسول معاوية أن هذا لم يكن ببلدنا أرى على الرجلين العقر (٥) بما أصابا وترجع كل امرأة إلى زوجها الأول ولا شيء عليهم في ذلك، والناس مستمعون كلامه، فالتفت مسعر إلى الإمام، وقال: قل فيهما، فقال سفيان: ما يقول غير هذا قال الإمام: علي بالغلامين، فأتى بهما، فقال الإمام: أيحب كل منكما أن يكون المصاب عنده؟ قالا: نعم، قال لكل منهما: طلق التي لك عند أخيك، ففعل فنكح كل واحد التي في حبالته ثم قال: جددوا عرسكم، فتعجب القوم، فقام مسعر فقبله بين عينيه وقال: تلومنني على حبه وسفيان ساكت. (وروى) (٦) أنه وقع بين الأعمش وامرأته كلام فحلفت أن لا تكلمه ولا تجيبه، فقال الأعمش: إن لم تكلميني الليلة فأنت طالق، فندم ولم يدر المخرج، فذهب

стр. 167

ليلا إلى الإمام فقدمه الإمام وأكرمه، فجعل الأعمش يعتذر فقال: دع الاعتذار وتكلم بالحاجة، فلما كلمه بحاجته قال: الفرج قريب إن يسر الله تعالى فدعا مؤذن الأعمش وقال: إذا دخل الأعمش منزله فأذن قبل انفجار الصبح وكانت العادة بالكوفة كما هو الشرع أن لا يؤذن لصلاة ما قبل دخول وقتها، فلما أذن قبل الوقت ظنت أنه وقع عليه الحنث فقالت: الحمد لله الذي أراحني منك يا سيء الخلق، فقال الأعمش لم تصبح حيلة وقعت ونعم الحيلة رحم الله أبا حنيفة دلنا عليها. (وروى) (١) أن الأعمش لم يكن يعاشر الإمام بجميل، ولا يذكره بخير، فحلف بطلاق امرأته إن أخبرته بفناء الدقيق أو أشارته، أو أرسلت إليه، أو كتبت له، أو ذكرته لأحد يذكره إليه، فتحيرت المرأة، وطلبت المخرج فسألت الإمام، فقال الأمر سهل، شدي جراب الدقيق على تكته، أو ما قدرت عليه من ثوبه، فإذا رآه علم بفناء الدقيق بنفسه، ففعلت فلما قام من الليل وجر إزاره علم بفناء الدقيق بنفسه، فقال: والله هذه من حيل النعمان يرينا عجزنا ويفضحنا بما يشاء في نسائنا ويريهن رقة فهمنا. (وذكر الحلبي) (٢) عن أبي يوسف قال: جاء إليه رجل وقال: حلفت أن لا أكلم امرأتي ولا تكلمني، وحلفت أيضا مثله، فأفتى سفيان بأن أيهما كلمه الآخر حنث فسأل الإمام فقال: كلمهما ولا حنث عليك، فأنكر سفيان وقال: أنه يبيح الفروج فلما اجتمعا أعاد الرجل/٧ ب/السؤال فأعاد الإمام الجواب، فقال سفيان: من أين هذا؟ قال: لما شافهته باليمين الثاني سقط الأول؛ لأنها كلمته، فقال سفيان: فتح لك من العلم ما لم يفتح لنا. (وعن) عبد العزيز بن خالد عن الإمام قال (٣): أتاني رجل وقال: ماتت أختي وفي بطنها ولد يتحرك قلت: اذهب وشق بطنها وأخرج الولد، ففعل فجاءني

стр. 168

بعد سبع سنين ومعه غلام قال: أتعرفه؟ قلت: لا، قال: هو الذي أفتيت بشق بطن أمه وإخراجه، فأخرجته وسميته بمولى أبي حنيفة. (وعن) محمد (١) بن مقاتل قال (٢): سمعت أبا مطيع يقول: رأيت عليه يوم الجمعة قميصا ورداء قومتهما بأربع مئة درهم، وهذا محمول على قوله تعالى: (٣) ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ وقوله سبحانه: (٤) ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وعلى ما ورد من حديث: (٥) (إذا أنعم الله على عبد أحب أن يرى أثر نعمته عليه.) وقد روى بن خزيمة (٦) في مسنده، والبيهقي (٧) عن جابر ﵁ أنه ﵇ «كان يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة» والمراد بالأحمر: أن فيه خطوطا حمرا» كما هو شأن برود اليمن، ويؤيده ما رواه الشافعي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده: «أنه «﵇» كان يلبس برد حبر في كل عيد» (٨) إلا أن النووي ضعف الحديثين. وعن شريك قال (٩): كنا في جنازة رجل من سادات بني هاشم، ومعنا الثوري وأبي ليلى، وابن شبرمة، والإمام وجماعة من الأئمة فلما رفعت الجنازة

стр. 169

توقف الناس هناك، فسأل الإمام عن سبب ذلك، فقالوا: حلفت أمه أن لا ترجع قبل الصلاة عليه، وحلف أبوه بالطلاق أن لا تتبع الجنازة وترجع فلم يهتد أحد إلى جواب فناداه أبو الميت: يا نعمان أغثنا، فسأل الإمام عن كيفية الحلفين، فلما بينوه، قال ضعوا الجنازة، فوضعوها، فصلى عليه الناس ثم قال لها: ارجعي إلى منزلك، ثم رفعت إلى القبر فقال ابن شبرمة: عجزت النساء أن يلدن مثله. وعن ابن المبارك قال (١): سأله رجل أن ينقب في حائطه كوة فأفتاه بالجواز، فمنعه ابن أبي ليلى عن ذلك، فأتاه ثانيا، فقال: افتح فيه بابا فمنعه ابن أبي ليلى، فشكى إلى الإمام فقال: كم قيمة حائطك؟ قال: ثلاثة دنانير قال: علي قيمتها، اذهب فاهدمها، فلما رام الهدم خاصمه خصمه إلى ابن أبي ليلى فقال: كيف أحوله عن هدم حائطه؟ قال تمنعني عن أيسر من ذلك، فقال القاضي ما أصنع يذهب إلى رجل يدلني على خطئي، أفلا أرجع. (وعن) عبد الله بن المبارك قال (٢): سألته عن رجل له درهمان ورجل له درهم اختلطا، ثم ضاع منه درهمان قال: يكون الدرهم الباقي بينهما اثلاثا، فلقيت ابن شبرمة، وعرضت عليه الجواب، فقال اخطأ بل الباقي بينهما انصافا؛ لأنا نعلم قطعا أن الواحد من الضائعين لذى الدرهمين فاستحسنت جوابه، فلما عرضته على الإمام قال: لما اختلطا وجبت الشركة اثلاثا، فالضائع والباقي على الشركة والواجبة. (وأدق) من هذا ما روى (٣) عن علي (كرم الله وجهه) فيمن له خمسة أرغفة وللآخر ثلاثة أرغفة فجلسا ليأكلا فجاء إليهما رجل وأكل معهما ودفع إليهما ثمانية دراهم وقال: اقسما على قدر ما أكلت من ارغفتكم فأعطى صاحب الخمسة ثلاثة لصاحب الثلاثة فلم يرض إلا بالمناصفة، فاختصما إلى أمير المؤمنين علي

стр. 170

فقال: خذ ما عرض عليك فقال: لا أرضى إلا بالحق، قال: إذن لك درهم؛ لأنا نفرض أنكم أكلتم بالسوية؛ لأنا لا نعلم الأكثر أكلا أليس كل رغيف ثلاثة أثلاث؟ فالكل أربعة وعشرون كل منكم أكل ثمانية من أربعة وعشرين فيكون لصاحبك سبعة أثلاث ولك ثلث. (وذكر الإمام) الحلبي عن وكيع قال (١): كنا عنده إذ جاءته امرأة، وقالت: مات أخي وأعطوني من تركته دينارا. قال من قسم تركتكم، قالت: داود الطائي، قال: لعله مات عن ست مئة دينار واثني عشر أخا، وأنت، لكل أخ ديناران وأنت دينار واحد، قالت نعم، وبنتين لهما الثلث أربع مئة دينا، وأم لها السدس مئة دينار، امرأة لها الثمن خمسة وسبعون دينار. (وسئل) (٢) الإمام عمن حلف ليقربن امرأته نهارا في رمضان، قال: يسافر بها ويقربها. (وادعى) (٣) رجل النبوة وطلب من الناس أن يمهلوه حتى يأتي بالعلامة على صدقه، فقال الإمام: من طلب منه العلامة كفر؛ لأنه يوهم صدقه، وانفتاح باب النبوة، وفيه رد كونه ﷺ خاتم النبيين. (وتزوج) (٤) الإمام على والدة حماد فهجرت الإمام وقالت: لا أرضى بلا تطليق الجديدة. فقال لها: إذا كنت جالسا مع والدة حماد فادخلي علينا كأنك سائلة، وقولي: إذا تزوج الرجل على امرأته فهل للقديمة هجران زوجها؟ ففعلت، فقالت والدة حماد: لا أسألك بلا تطليق الجديدة [فقال الإمام كل امرأة لي خارج الدار فهي طالق، فرضيت، وسالمته، ولم تطلق الجديدة]. (٥)

стр. 171

(وجاء رجل إلى) الإمام فقال (١): لي ابن إن زوجته امرأة طلقها، وإن اشتريت له جارية اعتقها وإن لم أزوجه امرأة، ولم اشتر له أمة يقع في الزنا، فما أصنع؟ قال: اشتر أمة [لنفسك] (٢) وزوجها منه فإن طلقها ردت عليك، وإن اعتقها لم ينفذ [عتقه] (٣). (وقال الليث) (٤) بن سعد إمام أهل مصر (٥): كنت أتمنى/٨ أ/لقاء الإمام فرأيته اجتمع عليه الناس وسئل عن هذه المسألة فما اعجبني صوابه كما اعجبني سرعة جوابه. (وروى) أنه كان عند الأعمش إذ سئل عن مسائل، وقيل: ما تقول في كذا وكذا قال الإمام: أقول كذا وكذا، فقال الأعمش: من أين لك هذا؟ قال: أنت حدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة وعن أبي وائل عن عبد الله، وعن أبي إياس عن أبي مسعود الأنصاري (رضى الله عنه) أنه قال ﷺ : «من دل على خير كان له مثل أجر عمله» (٦)، وحدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة (رضى الله عنهما) أنه ﵇ قال له رجل: يا رسول الله كنت أصلي في داري فدخل علي رجل فأعجبني ذلك فقال ﷺ : «لك أجران:

стр. 172

أجر السر، وأجر العلانية» (١) وحدثتنا عن الحكم عن أبي مجلز عن حذيفة عنه ﷺ : «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى يشرك به ويجعل له الولد ثم يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم» (٢). وحدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة (رضى الله عنه) قال ﷺ «ما من عبد إلا له صيت في السماء، وصيت في الأرض، فإذا كان في السماء حسنا وضع له القبول في الأرض، وإن كان سيئا وضع له كذلك في الأرض» (٣). وحدثتنا عن أبي الزبير عن جابر قال: شكونا من جوع إليه ﵇ فقال: «لعلكم تأكلون متفرقين اجتمعوا في طعامكم يبارك الله لكم» (٤) وحدثتنا عن يزيد الرقاشي عن أنس (رضى الله عنهما) عنه ﷺ أنه قال: «كاد الحسد أن يغلب القدر، وكاد الفقر أن يكون كفرا» (٥)، «وأن الرجل ليذنب

стр. 173

ذنبا فيحرم نصيبه من الرزق» (١). قال الأعمش: حسبك، ما حدثتك في يوم حدثتني في ساعة، ما علمت أنك تعمل بهذه الأحاديث يا معشر الفقهاء، أنتم الأطباء ونحن الصيادلة (٢)، وأنت أيها الرجل أخذت بكلا الطرفين. وذكر الإمام المرغيناني (٣) أن رجلا جاء إليه، وقال له: حلفت أن لا أغتسل من هذه الجنابة، فأخذ الإمام بيده وانطلق به حتى إذا مر على قنطرة نهر فدفعه في الماء حتى انغمس في الماء ثم خرج فقال: قد طهرت وبررت لأن اليمين كان على منع نفسه عن فعل الغسل ولم يحصل منه فعل. و (سئل) (٤) عن امرأة صعدت السلم فقال لها زوجها: إن صعدت فأنت طالق وإن نزلت أيضا قال: يدفع السلم، وهي قائمة عليه، ثم يوضع على الأرض أو ترفع المرأة ويوضع على الأرض، ولا يحنث؛ لأنها ما صعدت ولا نزلت. (وسئل) (٥) أيضا عن رجل قال لامرأته: إن لبست هذا الثوب فأنت كدا وإن لم أجامعك فيه فأنت كذا فتحير علماء الكوفة، فقال: يلبسه الزوج ويجامعها فيه. (وولدت) (٦) امرأة ولدين ظهرهما متصل فمات أحد الولدين، قال علماء الكوفة: يدفنان جميعا، قال الإمام: يدفن الميت ويتوصل بالتراب في قطع الاتصال ففعلوا فانفصل الحي وعاش، وكان يسمى بمولى أبي حنيفة.

стр. 174

(ودعاه) (١) ابن هبيرة (٢) يوما وأراه فصا منقوشا مكتوب عليه: عطاء بن عبد الله وقال: أكره التختم به لمكان اسم غيري عليه ولا يمكن حكه، فقال: دور رأس الباء يكون عطاء من عند الله، فتعجب من سرعة استخراجه، وقال: لو أكثرت [الاختلاف إلينا] (٣)؟ قال: وما أصنع عندك؟ إن قربتني فتنتني، وإن أقصيتني أحزنتني، وليس عندك ما أرجوه، ولا ما أخافك عليه، ومثل هذا جرى بينه وبين المنصور وعيسى (٤) بن موسى، أمير الكوفة حين قالا له: لو أكثرت الاختلاف إلينا وأفدتنا. (وعن الحسن) (٥) بن زياد قال (٦): ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الصادق دعاني المنصور يوما وقال: الناس قد افتتنوا به، فهيئ له من المسائل

стр. 175

الشداد، فهيأت له أربعين مسألة، ثم دعاه، وقال: ألق عليه من مسائلك؛ فألقيت عليه واحدة واحدة، فجعل يقول: كذا قال أهل المدينة فيه، وأنتم قلتم فيه كذا وكذا، وأنا أقول كذا فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة، وربما خالف الكل، فلما فرغ قال: ألسنا روينا: «إن أعلم الناس أعلمهم بهذه الإختلافات». وعن أبي معاذ البلخي (١): إن الإمام كان يقول (٢): أهل الكوفة كلهم مولاي؛ لأن الضحاك (٣) بن قيس الشيباني الحروري دخل الكوفة وأمر بقتل الرجال كلهم فخرج إليه الإمام في قميص ورداء فقال: أريد أن أكلمك، قال تكلم، قال: لم أمرت بقتل الرجال؟ قال: لأنهم مرتدون، قال: أكان دينهم غير ما هم عليه فارتدوا حتى صاروا إلى ما عليه أم كان هذا دينهم؟ قال: أعد ما قلت فأعاد، قال الضحاك أخطأنا فغمدوا سيوفهم، ونجا الناس. وقال أبو الفضل الكرماني (٤): لما دخل الخوارج الكوفة ورأيهم تكفير كل من أذنب وتكفير كل من لم يوافقهم قيل لهم: هذا شيخ هؤلاء، فأخذوا الإمام وقالوا: تب من الكفر، فقال: أنا تائب من كل كفر، فقيل لهم: إنه قال أنا تائب من كفركم فأخذوه فقال لهم: أبعلم قلتم أم بظن؟ قالوا: بظن، قال: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٥)،

стр. 176

والإثم ذنب فتوبوا من الكفر، قالوا: تب أيضا من الكفر، فقال: أنا تائب من كل كفر، فهذا الذي قاله الخصوم إن الإمام استتيب من الكفر مرتين ولبسوا على الناس. وحكى (١) أن رجلا أوصى إلى رجل وسلم إليه كيسا فيه ألف دينار، وقال: إذا كبر ولدي فادفع إليه ما تحبه، فلما كبر/٨ ب/دفع إليه الكيس وأمسك المال. فلم يجد الصبي مخرجا فجاء إلى الإمام. وقصى [عليه] (٢) فدعا الإمام الوصي، وقال له: ادفع الألف لأنك أمسكت المال والرجل إنما يمسك ما أحب ويعطي ما لا يحب. وذكر (٣) [إن] (٤) الإمام إذا أشكلت عليه مسألة قال لأصحابه: ما هذا الا لذنب أحدثته، وكان يستغفر، وربما قام وصلى فتنكشف له المسألة، ويقولوا: رجوت أنني تيب علي، فبلغ ذلك الفضيل (٥) بن عياض فبكى بكاء شديدا ثم قال: ذلك لقلة ذنبه، فأما غيره فلا يتنبه لهذا. قلت ولعل الشافعي من هنا قال شعر (٦): شكوت إلى وكيع (٧) … سوء حفظي فأوصى إلى ترك المعاصي فإن الحفظ فضل من إله … وفضل الله لا يؤتى لعاصي ووكيع هذا كان أستاذ الشافعي، وقد قال الإمام (٨) لداود الطائي (٩): أنت

стр. 177

تتخلى للعبادة، وقال لأبي يوسف: أنت تميل إلى الدنيا، وقال لكل واحد من تلامذته كلاما، وكان كما قاله، وهذا من الكرامة والفراسة، وكان يقول: ذو الشرف أتم عقلا من غيره ولعله أخذه من قوله ﵇: «الناس معادن كمعادن الذهب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (١). وذكر (٢) أبو العلاء الهمداني (٣)، عن أبي القاسم يوسف (٤) بن علي اليشكري صاحب «الكامل» في علم القراءة قال: مرض أبي يوسف فقيل: إنه قضى قال الإمام: لا، قيل من أين علمت؟ قال: أنه خدم العلم، فما لم يجن ثماره لا يموت وكان كما قال، حتى روي أنه كان له يوم مات سبع مئة ركاب ذهبية. وذكر (٥) الإمام أبو القاسم بن علي الرازي قال: احتاج الإمام إلى الماء في طريق الحجاز فساوم إعرابيا قربة من ماء فلم يبعه إلا بخمسة دراهم، فاشتراه بها

стр. 178

ثم قال له: كيف أنت بالسويق؛ فقال: أريده فوضعه بين يديه حتى أكل ما أراد، وعطش [فطلب الماء] (١) فلم يعطه ماء حتى اشتراه بخمسة والله أعلم. فصل في ورعه وتقواه وزهده وعلمه وكرمه عن ابن المبارك (٢)، قلت لسفيان الثوري: ما أبعده عن الغيبة؟! ما سمعته يغتاب عدوا له قط، قال: هو أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها. وعن يزيد (٣) بن هارون: رأيته يوما بفناء دار غريم له قائم في الشمس فأنكرت عليه فقال: لي على مالكه مال، أخاف أن أجلس في ظله. ومثله عن يحيى (٤) بن زائدة: [أن امرأة سألت الإمام أحمد] (٥) بن حنبل: أن شموع [آل] (٦) طاهر تعبر من محلنا، ونغزل في ضوئه، ونحن على السطوح طاقة أو طاقتين فهل يحل لنا ثمن ذلك الغزل؟ فقال الإمام أحمد من أنت؟ قالت: أخت بشر الحافي (٧)، قال: ما زال هذا الورع الصافي يخرج من آل بشر الحافي! فعلم بهذا أن دقائق الورع لا غاية لها ولا نهاية.

стр. 179

وكان (١) حفص (٢) بن عبد الرحمن شريك الإمام، فبعثه إلى تجارة، وقال: في ثوب كذا عيب فباع بلا بيانه، وجاء بربح، فتصدق بحصته، وفاسخه الشركة، قال المرغيناني: وكان الربح خمسة وثلاثين ألف درهم. وكان الحسن (٣) بن عمارة يقع فيه، فجمع علماء الكوفة أميرها لمسألة، فالكل أخطأ إلا الحسن، قال الإمام: كلنا أخطأنا إلا [الحسن] (٤)، فلو شاء أن يقيم قولا لأقامه، ويبطل قولي لأبطله، لكنه منعه زهده وتقواه، وكان الحسن بعد ذلك يمدحه. وفي رواية سهل بن مزاحم: وتكلم العلماء وتكلم الإمام، فقال العلماء كلهم: القول قوله، فقال الأمير أكتب، فقال: الحق ما قاله الحسن، فازداد الناس فيه اعتقادا. وعن النضر بن محمد الرقي قال (٥): لقيته ببغداد وأنا أريد الكوفة فقال: قل لابني حماد: قوتي في الشهر درهمان من سويق وقد حبسته عني، فعجله إلي، وكان في تلك الأيام حبسه المنصور للقضاء ببغداد، وكان لا يأكل من طعامه بل يؤتى له بالسويق من الكوفة.

стр. 180

وعنه (١): أن الإمام نهي عن الإفتاء، وكان ابنه يسأل منه في الخلوة شيئا فلا يجيبه، فقال حماد: أنت بمكان لا يراك فيه أحد، فقال: أخاف أن يسألني السلطان هل أفتيت؟ فأخاف أن أقول لا. وعن الإمام أحمد (٢): أنه ذكره فقال: كان زاهدا ورعا ضرب على القضاء واحدا وعشرين سوطا فأبى. وعن ابن المبارك (٣): أراد الإمام أن يشتري جارية فشاور عشر سنين من أي جنس يشتريها. ووقعت أغنام (٤) من الغارة في الكوفة فسأل عن مدة حياة الغنم، فقيل: سبع سنين، فما أكل اللحم سبع سنين. ونعم ما قيل فيه شعر (٥): حسبي مديح أبي حنيفة أنه … أسد العلوم وغاية الأقلام قد حاز في شأن التورع غاية … تكبو وراء بلوغها الأوهام للزهد لم يقبل حلالا طيبا … فمتى يساق إلى حماه حرام هل رأيتم مثله متورعا … جادت به الأصلاب والأرحام لما أتاه الفقه مزموما وما … باهى به باهى به الإسلام وعن سهل بن مزاحم (٦): بذلت له الدنيا بحذافيرها وضرب عليها بالسياط فلم يقبلها من كثيرها وقليلها. وعن أبي يوسف (٧): سمعته يقول: لولا الفرق من الله ما أفتيت أحدا يكون الهناء لهم والوزر علينا-قلت-فكأنه أشار إلى قوله ﵇ «أجرؤكم
следующие страницы →