← Тараджим

Тараджим · id 1130

طبقات القاري الأثمار الجنية في أسماء الحنفية - ط ديوان الوقف السني

الملا على القاري

Полный текст (861 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والإثم ذنب فتوبوا من الكفر، قالوا: تب أيضا من الكفر، فقال: أنا تائب من كل كفر، فهذا الذي قاله الخصوم إن الإمام استتيب من الكفر مرتين ولبسوا على الناس. وحكى (١) أن رجلا أوصى إلى رجل وسلم إليه كيسا فيه ألف دينار، وقال: إذا كبر ولدي فادفع إليه ما تحبه، فلما كبر/٨ ب/دفع إليه الكيس وأمسك المال. فلم يجد الصبي مخرجا فجاء إلى الإمام. وقصى [عليه] (٢) فدعا الإمام الوصي، وقال له: ادفع الألف لأنك أمسكت المال والرجل إنما يمسك ما أحب ويعطي ما لا يحب. وذكر (٣) [إن] (٤) الإمام إذا أشكلت عليه مسألة قال لأصحابه: ما هذا الا لذنب أحدثته، وكان يستغفر، وربما قام وصلى فتنكشف له المسألة، ويقولوا: رجوت أنني تيب علي، فبلغ ذلك الفضيل (٥) بن عياض فبكى بكاء شديدا ثم قال: ذلك لقلة ذنبه، فأما غيره فلا يتنبه لهذا. قلت ولعل الشافعي من هنا قال شعر (٦): شكوت إلى وكيع (٧) … سوء حفظي فأوصى إلى ترك المعاصي فإن الحفظ فضل من إله … وفضل الله لا يؤتى لعاصي ووكيع هذا كان أستاذ الشافعي، وقد قال الإمام (٨) لداود الطائي (٩): أنت

стр. 177

تتخلى للعبادة، وقال لأبي يوسف: أنت تميل إلى الدنيا، وقال لكل واحد من تلامذته كلاما، وكان كما قاله، وهذا من الكرامة والفراسة، وكان يقول: ذو الشرف أتم عقلا من غيره ولعله أخذه من قوله ﵇: «الناس معادن كمعادن الذهب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (١). وذكر (٢) أبو العلاء الهمداني (٣)، عن أبي القاسم يوسف (٤) بن علي اليشكري صاحب «الكامل» في علم القراءة قال: مرض أبي يوسف فقيل: إنه قضى قال الإمام: لا، قيل من أين علمت؟ قال: أنه خدم العلم، فما لم يجن ثماره لا يموت وكان كما قال، حتى روي أنه كان له يوم مات سبع مئة ركاب ذهبية. وذكر (٥) الإمام أبو القاسم بن علي الرازي قال: احتاج الإمام إلى الماء في طريق الحجاز فساوم إعرابيا قربة من ماء فلم يبعه إلا بخمسة دراهم، فاشتراه بها

стр. 178

ثم قال له: كيف أنت بالسويق؛ فقال: أريده فوضعه بين يديه حتى أكل ما أراد، وعطش [فطلب الماء] (١) فلم يعطه ماء حتى اشتراه بخمسة والله أعلم. فصل في ورعه وتقواه وزهده وعلمه وكرمه عن ابن المبارك (٢)، قلت لسفيان الثوري: ما أبعده عن الغيبة؟! ما سمعته يغتاب عدوا له قط، قال: هو أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها. وعن يزيد (٣) بن هارون: رأيته يوما بفناء دار غريم له قائم في الشمس فأنكرت عليه فقال: لي على مالكه مال، أخاف أن أجلس في ظله. ومثله عن يحيى (٤) بن زائدة: [أن امرأة سألت الإمام أحمد] (٥) بن حنبل: أن شموع [آل] (٦) طاهر تعبر من محلنا، ونغزل في ضوئه، ونحن على السطوح طاقة أو طاقتين فهل يحل لنا ثمن ذلك الغزل؟ فقال الإمام أحمد من أنت؟ قالت: أخت بشر الحافي (٧)، قال: ما زال هذا الورع الصافي يخرج من آل بشر الحافي! فعلم بهذا أن دقائق الورع لا غاية لها ولا نهاية.

стр. 179

وكان (١) حفص (٢) بن عبد الرحمن شريك الإمام، فبعثه إلى تجارة، وقال: في ثوب كذا عيب فباع بلا بيانه، وجاء بربح، فتصدق بحصته، وفاسخه الشركة، قال المرغيناني: وكان الربح خمسة وثلاثين ألف درهم. وكان الحسن (٣) بن عمارة يقع فيه، فجمع علماء الكوفة أميرها لمسألة، فالكل أخطأ إلا الحسن، قال الإمام: كلنا أخطأنا إلا [الحسن] (٤)، فلو شاء أن يقيم قولا لأقامه، ويبطل قولي لأبطله، لكنه منعه زهده وتقواه، وكان الحسن بعد ذلك يمدحه. وفي رواية سهل بن مزاحم: وتكلم العلماء وتكلم الإمام، فقال العلماء كلهم: القول قوله، فقال الأمير أكتب، فقال: الحق ما قاله الحسن، فازداد الناس فيه اعتقادا. وعن النضر بن محمد الرقي قال (٥): لقيته ببغداد وأنا أريد الكوفة فقال: قل لابني حماد: قوتي في الشهر درهمان من سويق وقد حبسته عني، فعجله إلي، وكان في تلك الأيام حبسه المنصور للقضاء ببغداد، وكان لا يأكل من طعامه بل يؤتى له بالسويق من الكوفة.

стр. 180

وعنه (١): أن الإمام نهي عن الإفتاء، وكان ابنه يسأل منه في الخلوة شيئا فلا يجيبه، فقال حماد: أنت بمكان لا يراك فيه أحد، فقال: أخاف أن يسألني السلطان هل أفتيت؟ فأخاف أن أقول لا. وعن الإمام أحمد (٢): أنه ذكره فقال: كان زاهدا ورعا ضرب على القضاء واحدا وعشرين سوطا فأبى. وعن ابن المبارك (٣): أراد الإمام أن يشتري جارية فشاور عشر سنين من أي جنس يشتريها. ووقعت أغنام (٤) من الغارة في الكوفة فسأل عن مدة حياة الغنم، فقيل: سبع سنين، فما أكل اللحم سبع سنين. ونعم ما قيل فيه شعر (٥): حسبي مديح أبي حنيفة أنه … أسد العلوم وغاية الأقلام قد حاز في شأن التورع غاية … تكبو وراء بلوغها الأوهام للزهد لم يقبل حلالا طيبا … فمتى يساق إلى حماه حرام هل رأيتم مثله متورعا … جادت به الأصلاب والأرحام لما أتاه الفقه مزموما وما … باهى به باهى به الإسلام وعن سهل بن مزاحم (٦): بذلت له الدنيا بحذافيرها وضرب عليها بالسياط فلم يقبلها من كثيرها وقليلها. وعن أبي يوسف (٧): سمعته يقول: لولا الفرق من الله ما أفتيت أحدا يكون الهناء لهم والوزر علينا-قلت-فكأنه أشار إلى قوله ﵇ «أجرؤكم

стр. 181

على الفتيا أجرؤكم على النار» (١) ولهذا كان السلف الأبرار يتدافعونه عن أنفسهم في الأعصار والأمصار وقد نظم الإمام سراج الدين الغزي أخو صاحب «المحيط» هذا/٩ أ/المبنى وزاد في المعنى فقال: شعر (٢): تركت الكتب في الفتوى وإني … لمحتسب بهذا الترك أجرا وما تركى لعجزي عنه لكن … أكرر من أصول الشرع وقرا وأما ما درست بغير حفظ … فيعظم ذكرها عدا وحصرا ولي في سائر الأنواع حظ … وما قولي معاذ الله كبرا ولكن أذكر النعماء عندي … من الرحمن إيمانا وشكرا ولكن قد يكون الحكم طورا … خلافيا وبالإجماع طورا فترتعد الفرائص عند كتبي … نعم أولا لظني ذاك خيرا وتركي قول مجتهد سواه … لظن قد يكون الظن وزرا تدبرت الأمور وكان كتبي … لذي الأمثال صيتا لي وذكرا فقلت هلاك الناس طرا … قد اتخذوك للنيران جسرا فلا يغررك ذكر الناس وأجهد … لتكسب عند رب العرش ذكرا وبادر في قبول الحق واحذر … قضاء لازما موتا وحشرا ودع عنك العلو تكون عبدا … قنوعا صالحا سرا وجهرا ولا تركن إلى الدنيا وشمرّ … لما يدعي لدى الرحمن ذخرا فلا يغني مقال الخلق عني … هو المغني لما أرهقت عسرا فحسبي عفو ربي عند تركي … وحسبي كتبه الباقين عذرا

стр. 182

وعن الحسن (١) بن مالك، عن الإمام أنه قال (٢): وقع بين المنصور وامرأته مشاجرة، فاختارت الإمام ليكون حكما فدعوه، فجلست وراء الستر، فقال المنصور: كم يحل للرجل من الحرائر؟ قال: أربع، قال: ومن الإماء؟ قال: ما شاء بلا عدد، قال: هل يجوز لأحد خلاف في ذلك؟ قال: لا، قال الخليفة: اسمعي ما قال! قالت: قد سمعت، قال الإمام: يا أمير المؤمنين إنما يحل لمن عدل، فمن لم يعدل أو خاف ألا يعدل فلا تحل إلا واحدة قال تعالى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ الآية (٣) فسكت الخليفة وقام فلما بلغ الإمام منزله بعثت الحرة إليه بخمسين ألف درهم وبجارية حسناء وبمركب شكرا لما صنع، فجاء الخادم بكل ذلك إليه فلم يقبل منه شيئا، وقال: ما أردت بهذا الكلام تقربا إلى أحد، والتماسا للخير من المخلوق ولم يمس منه ولم ينظر إليه حتى رفع من بين يديه. وعن العسكري (٤): أنه لما جيء به إلى المنصور أمر له بعشرة آلاف درهم على بد الحسن بن قحطبة، فلما أحس أنه يؤتى بمال جعل لا يكلم أحدا فحمل إليه المال، فقيل إنه ما تكلم اليوم، فقال الحمالون: ما نصنع بالمال؟ فوضعوه في زاوية من البيت، فلما مات كان ابنه حماد غائبا، فقدم فذهب بالمال إلى ابن قحطبة، وكان لم يحرك من مكانه، فقال: هذه وديعتك كانت في زاوية البيت، فخذه فنظر إليه الحسن وقال: ﵀ كان شحيحا على دينه

стр. 183

وذكر (١) صاحب"المنظومة" (٢) عن الإمام أبي حفص (٣) الكبير البخاري: أن الإمام لما فر من ابن هبيرة إلى مكة أقام بها إلى أن ظهرت الهاشمية فقدم الكوفة فأشخص إلى بغداد، فأمر له المنصور بعشرة آلاف درهم وجارية، فقال له عبد الملك بن حميد وزيره، وكان جيد الرأي فيه: أقبل الجائزة فإن الخليفة يطلب عليك علة، فقال لا حاجة لي فيه فقال: أما المال فقد كتب في الديوان أنه قبل، وأما الجارية فإما أن تقبلها وإما أن تعتذر حتى أعذرك عنده، قال: إني ضعيف عن النساء لا حاجة لي في جارية، لا أصل إليها ولا يحسن أني أبيع جارية وصلت إلي من حرم أمير المؤمنين. وذكر (٤) المرغيناني عن الحميري عن أبيه قال: لما أشخصه المنصور إلى بغداد حضرت معه، فلما خرج من عند المنصور منتقع اللون سألته عن ذلك، فقال: دعاني إلى القضاء، فقلت لا أصلح لذلك؛ لأنه ليس لي قلب أحكم به عليك وعلى أولادك وقوادك، فقال: لم لم تقبل صلتي؟ فقلت تعطيني من بيت المال ولست من المقاتلة حتى آخذ مالهم، ولا من الذرية حتى آخذ عطاياهم، ولا من الفقراء حتى آخذ ما يأخذونه، قال: فأقم حتى تستفتيك القضاة فيما يحتاجون إليك من الأحكام. وعن الحسن بن زياد (٥): أنه لم يقبل هدية ولا جائزة. وعن سهل بن مزاحم (٦): كنا ندخل بيته ولا نرى إلا البواري.

стр. 184

وعن عبد الرزاق (١): كنا إذا رأيناه آثار البكاء في عينه وخديه، وسئل أبو مقاتل عنه وعن سفيان فقال (٢): ليس من ابتلى فهرب كمن ابتلى فصبر. يريد أن سفيان حين دعي للقضاء هرب، والإمام صبر على السياط ولم يقبل. وعن عبد العزيز بن عصام (٣): أن المنصور لما عرض عليه القضاء وامتنع ضربه ثلاثين سوطا، حتى سال الدم على عقبيه، قال له عمه عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس: سللت على نفسك مئة ألف سيف هذا فقيه العراق وفقيه المشرق فأمر له بثلاثين ألف درهم، وكان كل درهم مقدار مئة درهم اليوم لعزة الدراهم، فلما وضع بين يديه رفضها، فقيل له: لو تصدقت به، قال: أيوجد عندهم الحلال؟! وعن جعفر (٤) بن عون العمري قال (٥): أتته امرأة تطلب ثوبا بما قام عليه، فأخرج ثوبا وقال: قام علي بأربعة دراهم قالت:/٩ ب/أتهزأ بي وأنا عجوز؟ قال: اشتريت ثوبين وبعت أحدهما برأس المال إلا أربعة، فهذا قام علي بأربعة. وعن عبد العزيز (٦) بن خالد إمام أهل ترمذ: أودعت عنده جارية حين خرجت حاجا وغبت أربعة أشهر، فلما قدمت قلت له: كيف رأيتها؟ قال: ما نظرت

стр. 185

إليها، وسمعت أنه لم يغتسل في تلك المدة، فقيل له في ذلك، فقال خفت إنها إن سمعت خشخشة الماء تحن إلى الرجال. وقد قال بعض أصحابه (١): حزرنا ختمه في الموضع الذي فارق فيه الدنيا ختمة بالليل وختمة بالنهار. وعن يحيى بن معين (٢): أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة. فيجوز أن يراد بالرواية الأولى أيضا، فإن اشتغاله بالنهار في الدرس والقضايا مشهور إلا في رمضان فإنه كان يتفرغ له، ويؤيده ما روي عن عبد الله بن أسد قال (٣): إذا دخل رمضان يتفرغ لقراءة القرآن، فإذا دخل العشر الأخير ما كنا نقدر أن نتكلم معه إلا قليلا. لا يقال قد ورد «من قرأالقرآن أقل من ثلاث لم يفقه» (٤) فإنّا نقول: لعل ذلك في حق من لم تخفف له القراءة، ألا ترى ما قد صح عنه ﷺ «أنه خفف لداود ﵇ القراءة، وكان يأمر بدوابه فتسرج فيقرأ الزبور حتى تسرج) (٥). وقد صح (٦) أن عثمان وتميم الداري (٧) وسعيد بن جبير ﵁ كانوا يختمون في كل ركعة وقد نقل عن الإمام أيضا، ولنا قدوة في الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عنهم أجمعين، وهذا وقد يقال: المراد بالحديث نفي الكمال على أنه قد يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.

стр. 186

وعن زفر قال (١): بات الإمام عندي ليلة فقام الليل كلة بآية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ (٢). وروي (٣) أنه قام الليل بآية ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ (٤). وروي (٥) أنه سمع رجلا يقرأ ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ (٦) في صلاة العشاء وهو خلفه فجلس بعد خروج الناس إلى أن طلع الفجر، وهو آخذ بلحيته قائما يقول يا من يجزي مثقال ذرة خيرا يرى ويا من يجزي مثقال ذرة شرا يرى أجر عبدك نعمان من النار وما يقرب إليها وادخله في سعة رحمتك. وفي رواية (٧): أحيا الليل يقرأ: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ (٨) ويرددها. وعن أسد (٩) بن عمرو عنه أنه قال (١٠): ما بقي في القرآن سورة إلا وقد قرأتها في وتري. ولعله أراد بالوتر التهجد كما في بعض الأحاديث، وإلا فالسنة قراءة السور الثلاث في ركعات الوتر.

стр. 187

وعن أبي مطيع (١) قال (٢): كنت ما دخلت الطواف في ساعة من ليل أو نهار إلا رأيته وسفيان في الطواف. وعن (٣) حفص بن عبد الرحمن كان يحي الليل بقراءة القرآن ثلاثين سنة في ركعة. وذكر الصيمري (٤) عن أبي يوسف: كان يختم كل يوم وليلة مرة، وفي رمضان مع يوم الفطر اثنتين وستين ختمة. وقد جاء في رواية (٥): أنه لما اشتغل بوضع المسائل واستخراجها قلت عبادته يعني بالنسبة إلى بدء حالته وعادته. وعن (٦) عبيد الله الليثي الخوارزمي قال: كانت عادته في أثناء كلامه أن يقول: ﴿رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ﴾ (٧). وعن أبي الأحوص (٨): أنه قال: لو قيل له: إنك ميت إلى ثلاث ما كان يمكن أن يزيد في عمله. روى (٩) أن مسعرا (١٠) جاءه وقال: تبت من ذكرك بسوء فاجعلني في حل، فقال الإمام: من اغتابني من أولى الجهل فهو في حل، ومن اغتابني من العلماء فلا؛

стр. 188

لأن وقيعة العلماء شين الأبد إلا أن يتوب وجعلتك في حل، ولكن كيف بطلب الله إياك بما نهاك من الكتاب والسنة فكانا متواخين بعد ذلك حتى ماتا. وعن الحماني (١) كان لا يدخل في جوفه لقمة أحد. وروى (٢) أنه ما أكل من البصل والثوم منذ خمسين سنة. وعن يحيى (٣) بن آدم قال: حج خمسا وخمسين حجة. وروي أنه سكن بمكة في رمضان وتمكن من مئة وعشرين عمرة لكل يوم أربع عمرات، ومما قيل فيه شعر: نهار أبي حنيفة للإفاده … وليل أبي حنيفة للعباده وودع نومه خمسين عاما … لطاعته وخداه الوساده وعن الحسن بن زياد (٤): أنه رأى على بعض جلسائه ثيابا رثة، فقال أرفع هذا المصلى وخذ الألف التي تحته وأصلح بها حالك، قال: أنا موسر قال: صح في الحديث: «إن الله إذا أنعم على عبد أحب أن يرى أثر النعمة عليه» (٥) فغير ثيابك حتى لا يغتم بك صديقك. وروى (٦) أنه [أعطى] (٧) لمعلم ابنه حين علمه الفاتحة ألفا واعتذر إليه

стр. 189

وعن عبد الله بن مالك بن سليمان قال: أرسل زيد إليه يدعوه إلى البيعة، فقال لو علمت أن الناس لا يخذلونه كما خذلوا أباه لجاهدت معه؛ لأنه إمام حق، ولكني أعينه بمال فبعث إليه بعشرة آلاف درهم، وقال للرسول: ابسط عذري عنده. وفي رواية (١): اعتذر إليه بمرض يعتريه، ولا منع من الجمع، وسئل عن خروجه فقال: ضاهي خروج الرسول ﷺ يوم بدر فقيل له: لم تخلفت؟ قال: حبسني عنه ودائع الناس عرضتها على ابن أبي ليلى، فلم يقبل فخفت أن أموت مجهلا، وكان كلما ذكر خروجه بكى. وعن/١٠ أ/أبي المليح أنه قال (٢): ما ملكت أكثر من أربعة آلاف درهم منذ أكثر من أربعين سنة إلا أخرجتها؛ وإن أمسكتها لقول علي ﵁: أربعة آلاف درهم وما دونها نفقة، ولولا أني أخاف أن ألتجئ إلى هؤلاء ما تركت واحدا منها. وروى عنه (٣): أنه كان يؤذن ويؤم الناس في مسجده. وقال: حدثني نافع عن ابن عمر «أن من صلى الفجر ولم يتكلم إلا بذكر الله حتى تطلع الشمس كان كالمجاهد في سبيل الله» (٤). وحدثني أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في الحية «آذنها ثلاثا، فإن ذهبت وإلا فاقتلها» (٥).

стр. 190

وذكر السمعاني مسندا عن عصام (١) بن يوسف والزرنجري (٢) مرسلا قال (٣): أتيت مجلسه ورجل يشتمه، فما أجابه هو ولا أحد من أصحابه، ولا قطع مجلسه حتى فرغ من كلامه، فلما قام ودخل منزله جاء الرجل ونظر من شق الباب وجعل يشتم، وفي رواية: فلما بلغ الإمام الباب توقف وقال للشاتم: أريد دخول منزلي فإن كان بقي من شتمك شيء فأتمه حتى لا يبقى من شتمك شيء، فتاب الرجل، وقال: اجعلني في حل، فجعله في حل. وعن يزيد (٤) بن الكميت قال (٥): ناظره رجل في مسألة، فقال يا زنديق يا مبتدع!! فقال الإمام: الله يعلم مني خلاف ذلك، يعلم أني ما عدلت به أحدا منذ عرفته، ولا رجوت إلا عفوه، ولا خفت إلا عقابه. وذكر (٦) الإمام الزاهد النسفي عن أبي الخطاب الجرجاني، قال كنت عنده إذ سأله شاب مسألة، فأجاب، فقال الشاب: أخطأت ثم سأله عن أخرى، فقال: أخطأت، فقلت لأصحابه: سبحان الله ألا تعظمون الشيخ، يجيء إليه شاب فيخطئه مرتين وأنتم سكوت فقال لي: دعهم فإني عودتهم من نفسي ذلك. وذكر (٧) الإمام الحلبي عن يحيى بن عبد الحميد عن أبيه قال: كان يخرج

стр. 191

كل يوم [من السجن] (١) فيضرب ليدخل في القضاء، فيأبى، فلما ضرب رأسه وأثر ذلك في وجهه بكى، فقيل في ذلك، فقال: إذا رأته أمي بكت واغتمت وما علي أشد من غم أميّ. وروي (٢) أنها قالت: يا نعمان إن علما أوردك مثل هذا لحري أن تفر منه، فقلت: تعلمت لله لا للدنيا. وذكر (٣) أنه قال: ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له ولوالدي ولمن تعلم مني أو تعلمت منه. وروى (٤) عنه أنه قال: ما مددت رجلي نحو سكة حماد وكان بينهما مقدار سبع سكك. وروي (٥) الإمام الحلبي عن عبد الرزاق أن رجلا سأله عن مسألة فأجاب فقال الرجل: إن الحسن أجاب بخلاف هذا، فقال الإمام: اخطأ الحسن، فقال الرجل: يابن الزانية! فمضى ولم يتغير وجهه، بل قال: اخطأ الحسن، وأصاب ابن مسعود. وذكر (٦) الحلبي عن سفيان (٧) بن وكيع عن أبيه قال: دخلت عليه وهو

стр. 192

مطرق رأسه يتفكر، قال: من أين؟ قلت: من عند شريك (١) بن عبد الله، فرفع رأسه وأنشأ شعر (٢): إن يحسدوني فأني غير لائمهم … قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام لي ولهم ما بي وما بهم … ومات أكثرنا غيظا لما وجدوا ولقد أحسن محمد بن الحسن حيث أنشد شعر (٣): هم يحسدوني وشر الناس منزلة … من عاش في الناس يوما غير محسود وعن يحيى بن [نصر] (٤) كان إذا ذكر عنده أحد بسوء قال شعر (٥): حسدوا الفتي إذ لم ينالوا سعيه … فالقوم أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لزوجها … حسدا وبغيا أنها لدميم وقيل لعبد الله بن طاهر (٦): إن الناس يقدحون فيه فقال شعر: ما يضر البحر أمسى زاخرا … أن رمى فيه غلام حجرا ونعم ما قال قائل شعر: إن يحسدوني فزاد الله في حسدي … لا عاش من عاش يوما غير محسود ما يحسد المرء إلا من فضائله … بالعلم والبأس أو بالمجد والجود ولبعضهم شعر: فازداد لي حسدا من لست أحسده … إن الفضيلة لا تخلو من الحسد

стр. 193

قال حاتم الطائي: يا كعب ما إن أرى من بيت مكرمة … إلا له من بيوت الناس حساد وعن ابن البجلي (١): إن الإمام مر يوما بسكران يبول قائما، فقال له: اجلس، فقال له السكران: يا مرجئ، فقال: هذا جزائي حين حكمت بإيمانك. يجوز أن يريد بالحكم بالإيمان، الحكم بعدم خروجه عن الإيمان لو تكلم بكلمة الكفر، أو أن يريد به عدم الخروج من الإيمان بالسكر الذي هو كبيرة. وفيه خلاف المعتزلة كذا ذكره الكردري والصواب أن فيه خلاف الخوارج في المسألة. وعن بشر (٢) بن الوليد قال (٣): قال أبو يوسف: لقيني الأعمش، وقال: صاحبكم يخالف ابن مسعود! حيث لا يجعل بيع الأمة طلاقها، وابن مسعود جعل بيع الأمة طلاقها، قلت: أنت حدثتنا بذلك، قال: كيف؟ قلت: حدثتنا عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵁ أنه ﵇ «خير بريدة بعد ما اشترتها عائشة» (٤)، لو كان بيع الأمة طلاقها ما كان للتخيير فائدة، قال: أفيه ذلك؟ /١٠ ب/ قلت نعم. وعن الإمام قال (٥): سألت الشعبي عن حرة تحت عبد كم طلاقها؟، قال: قال ابن مسعود: الطلاق والعدة بالنساء، فأتيت حمادا فأخبرته، فقال: اخبرني إبراهيم عن ابن مسعود مثله.

стр. 194

وعن عبد الله بن عيينة قال (١): قال سمعت الشعبي يقول: عليكم بالمساجد، فإنها مجالس الأنبياء. وعن إسحاق بن دينار عن الإمام قال: سمعت الشعبي يقول: إنما سمي الهوى هوى؛ لأنه يهوي بصاحبه إلى النار، ونعم ما قيل شعر: نون الهوان من الهوى مسروقة … وأسير كل هوى أسير هوان ولآخر شعر: أن الهوى لهو الهوان بعينه … فإذا هويت لقد لقيت الهوانا فإذا هويت فقد تعبدك الهوى … فأخضع لحبك كائنا من كانا ولابن مبارك شعر (٢): ومن البلاء، وللبلاء علامة … أن لا يرى لك عن هواك نزوع العبد عبد النفس في شهواته … والحر يشبع تارة ويجوع روي عنه أنه قال (٣): سمعت الأعمش يقول في علته: إن الناس يستثقلونني وأنت زدتني عندهم ثقلا. فقال الإمام: لولا العلم الذي يجري على لسانك ما رأيتني أبدا، لأن فيك خصالا أنا لها كاره: تتسحر عند طلوع الفجر الثاني، وتقول: هو الأول، وقد صح عندي أنه الثاني، وترى الماء من الماء ولا ترى الاغتسال من الأكسال (٤)، ولولا ما عندك من الحديث ما كلمتك فما تسحر الأعمش بعدها إلا قبل الثاني ولا جامع إلا وقد اغتسل. وقال: صلاة وصيام كيف يكون باختلاف؟ قال: والله ما أفتيت بذلك أبدا.

стр. 195

وذكر أبو العلاء الحافظ (١): إن الإمام قال للأعمش: لولا أنه يثقل عليك زيارتنا لزرناك أكثر من هذا، قال إنك تثقل عليّ وأنت في بيتك، فكيف إذا زرتني؟! فقام الإمام، وخرج ولم يقل شيئا. فقيل له في ذلك، فقال: ما أقول له: ما صام وما صلى في عمره (٢). وذكر الغزنوي عن شريك بن عبد الله قال (٣): كنا عند الأعمش في مرضه الذي توفي فيه فدخل عليه أبو حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وكان الإمام أكبرهم فبدأ بالكلام، وقال: اتق الله فإنك في أول يوم من الآخرة، وقد كنت تحدث عن علي ﵁ بأحاديث لو أمسكتها لكان خيرا لك، فقال الأعمش: أسندوني لمثلي يقال هذا، حدثني أبو المتوكل الناجي (٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إذا كان يوم القيامة قال الله تعالى لي ولعلي بن أبي طالب: أدخلا الجنة من أحبكما وأدخلا النار من ابغضكما، وذلك قول الله تعالى: ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ (٥) فقال الإمام: قوموا حتى لا يجيء بأكثر من هذا، قال: والله ما جزنا الباب حتى مات، قلت: وكما يعيشون يموتون وكما يموتون يحشرون. وقد قال تعالى: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٦).

стр. 196

وذكر الكردري (١): أن للرافضة أحاديث أكاذيب، ولهم أيضا تأويلات باطلة في الآيات، وزيادات وتصحيفات، كزيادة: والعصر، ونوائب الدهر، وكقوله: ﴿عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ (٢)، بتغيير النون إلى الباء، وكقوله ﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ (٣) صحفوا: إن عليا. وهم قوم بهت يزعمون أن عثمان ﵁ أسقط من القرآن خمس مئة كلمة، منها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ .. ﴾. (٤) وزادوا فيه بسيف علي، وهذا وأمثاله كفر (٥) قال تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (٦) فمن أنكر حرفا مما في مصحف عثمان ﵁ أو زاد فيه أو نقص فقد كفر، ألا ترى أن عبيد الله بن زياد يسمى فاسقا بزيادة الألف في قوله تعالى ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ (٧) فزاد الألف، وقال: الله، مع أنه لا يخرج به عن فصاحة. قلت: كيف يكون فاسقا بهذه القراءة الثابتة في السبعة؟ وقرأبها أبو عمرو

стр. 197

البصري (١)، فالمدار على الرواية المتواترة وإن لم يكن مطابقا للرسم في الصورة، فمن أنكر أو زاد فيها أو نقص منها فقد كفر. وعن (٢) يسار بن قيراط، وكان شريك الإمام قال: حججت مع الإمام والثوري فإذا نزلا بلدة أو منزلا قال الناس: فقيها العراق، واجتمعوا عليهما، وكان يقدم الإمام ويمشي خلفه، فسئل الإمام عن النبيذ، فأراد أن يرخص، فمنعه سفيان، وقال: إن رخصتنا بالكوفة لا تنفذ بالمدينة. وعن (٣) بشر بن يحيى، قلت لابن المبارك: أدخلت علم أبي حنيفة وسفيان في الكتب، ولم تدخل رأي مالك والأوزاعي؟ قال: لأني لم أعدهما علماء! والله أعلم بالصواب. فصل في وفاة الإمام ﵁ روي أن المنصور أشخص الإمام إلى بغداد وطلب منه أن يتولى القضاء من تحت يده، فأبى، واعتل بعلل، فحلف المنصور، إن لم يقبل حبسه، فأصر على الإباء، وقال: الخليفة أقدر على كفارة يمينه، فحبسه، وكان يرسل إليه في الحبس أنه إن لم يقبل يضربه فأبى، فأمر أن يخرج/١١ أ/ويضرب كل يوم عشرة أسواط، فلما تتابع عليه الضرب في تلك الأيام، انتقل إلى جوار الملك العلام، فمات في الحبس مبطونا مجهودا، وقيل مسموما، فأخرجت جنازته، وكثر بكاء الناس على حالته، ودفن في مقابر الخيزران بناء على وصيته.

стр. 198

وروي أنه ضرب مئة وعشرة أسواط في أحد عشر يوما، فأخرج من السجن على أن يلزم الباب وطلب أن يفتي فيما يرفع إليه من الأحكام وكان يرسل إليه بالمسائل، فكان لا يفتي، فأمر أن يعاد إلى السجن ويغلظ عليه، فأعيد وضيق عليه تضييقا شديدا، فكلم خواص [المنصور] (١) وأخرج من السجن، ومنع من الفتوى، والجلوس للناس، والخروج من المنزل، فكانت تلك حالته ولم يدخل في العمل. وروي (٢) أنه أخرج من الحبس ودفع إليه قدح من سم ليشرب فأبى، وقال: لا أشرب، لأني أعلم ما فيه، ولا أعين على نفسي، فطرح وصبت في فمه، وخلى عنه، فجاء إلى المنزل الذي نزل فيه ببغداد، فلم يلبث إلا قليلا حتى مات. وروي (٣) أنه لما أحس بالموت سجد وخرجت روحه وهو ساجد. وذكر الإمام النسفي (٤) عن الإمام أبي حفص الكبير البخاري (٥)، قال (٦): دخل الحسن بن قحطبة أحد قواد المنصور على الإمام، وقال: عملي لا يخفى عليك فهل لي من توبة؟، قال: نعم، إذا علم الله أنك نادم على ما فعلت، ولو خيرت بين قتل مسلم وقتلك لاخترت قتلك على قتله، وتجعل مع الله عهدا على أن لا تعود، فإن وفيت فهي توبتك، قال الحسن: إني فعلت ذلك وعاهدت مع الله أن لا أعود إلى قتل المسلمين، فكان ذلك إلي أن ظهر بالبصرة إبراهيم (٧) بن عبد الله الحسنى، فأمره

стр. 199

المنصور أن يذهب إليه فجاء إلى الإمام، وقص عليه الكلام، فقال: جاء أوان توبتك، وإن وفيت بما عاهدت فأنت تائب، وإلا فأخذت بالأول والآخر، فجد في توبته، وتأهب وسلم نفسه للقتل، ودخل على المنصور وقال: لا أسير إلى هذا الوجه إن كان [لله تعالى] (١) لك طاعة في سلطانك فيما فعلت فلي منه أوفر الحظ وإن كان معصية فحسبي، فغضب المنصور، فقال حميد أخوه: إنا انكرنا عقله منذ سنة وكأنه خولط عليه أنا أسير وأنا أحق بالفضل منه، فسار، فقال المنصور لبعض تقاته من يدخل عليه من هؤلاء الفقهاء؟ قالوا: إنه يتردد إلى الإمام، فدعا الإمام بعلة شيء فسقاه السم، ثم سقى الحسن أيضا بعد أيام، فأما الحسن فعالج نفسه فبرأ، فمات الإمام شهيدا في سنة خمسين ومئة، وكان ابن سبعين سنة، ولم يكن له من الأولاد سوى حماد. وذكر (٢) العسكري عن عبد الله بن مطيع عن أبيه قال: رأيت جنازة في أيام المنصور في طاقات باب خراسان خلفها رجل يحملها أربعة أنفس، قلت: جنازة من هذا؟ قالوا: جنازة فقيه كوفي يدعى أبا حنيفة مات في السجن، فلما خرج من باب خراسان كأنه نودي في الناس، فازدحموا عليه، فعبر به إلى الجانب الآخر، فصلينا عليه بباب الحسن، فلم نقدر على دفنه إلا بعد العصر من الزحام، فجاء المنصور فصلى على قبره، ومكث الناس يصلون على قبره إلى عشرين يوما، فقلت: كيف اختار هذا الجانب؟ قال: لأن ذلك الجانب غصب، وهذه الأرض كانت أطيب منه، فلما بلغ المنصور وصيته، قال: من يعذرني منه حيا وميتا؟. وقيل: حزر من صلي عليه فكان مقدار خمسين ألفا، وقد قيل فيه (٣): عزّ الشريعة إذ مضى كشافها … وظهيرها النعمان نحو جنانه عمر التقي والشرع أكثر عصره … بالأصغرين لسانه وجنانه

стр. 200

عجبا لقبر فيه بحر زاخر … عجبا لبحر لف في أكفانه وذكر (١) الإمام الإسفراييني عن الربيع بن يونس قال: سمعت المنصور يخاطب الإمام على القضاء ويقول [له الإمام] (٢) اتق الله تعالى، ولا تدع في أمانتك إلا من يخاف الله تعالى، ما أنا بمأمون الرضاء فكيف أكون مأمون الغضب، ولو اتجه الحكم عليك ثم تهددني على أن تغرقني في الفرات أو أزيل الحكم لاخترت الغرق، حاشيتك محتاجون إلى من يكرمهم لك، فقال له: كذبت أنك تصلح، قال: قد حكمت لي على نفسك كيف يحل لك أن تولي القضاء من يكون كاذبا؟! وما ذكرنا من أفعال المنصور بالإمام، فعل يزيد بن هبيرة والي الكوفة بالإمام أيضا في زمان المروانية، كما رواه العسكري (٣) وغيره عن يحيى بن أكثم عن أبي داود قال: أراد ابن هبيرة أن يولي الإمام القضاء الكوفة، فأبى فحلف ابن هبيرة إن لم يقبل يضربه بالسياط على رأسه ويحبسه، فحلف الإمام على أنه لا يلي منه، فقيل له: إنه حلف على أن يضربك، قال: ضربه في الدنيا أهون من معالجة مقامع الحديد في العقبى، والله لا أفعل ولو قتلني، فقيل: إنه حلف أن لا يخليك وأنه يريد بناء قصر فتول له، عدد اللبن، فقال: لو سألني أن أعدله أبواب المسجد ما فعلت؛ فذكر للأمير، فقال: قد بلغ من قدره أن يعارضني في اليمين، فدعاه فشافهه وحلف أن/١١ ب/لا يقبل فضرب على رأسه عشرين سوطا، فقال: اذكر مقامك بين يدي الله تعالى فإنه أذل من مقامي هذا ولا تهددني فإني أقول: لا إله إلا الله، والله يسألك عني حيث لا يقبل منك الجواب إلا بالحق فأومأ إلى الجلاد أن أمسك وبات في السجن، وأصبح وقد انتفخ وجهه ورأسه من الضرب وذكر أنه لما ضربه الأمير كان ابن أبي ليلى وابن شبرمة في المسجد فأخبرا بذلك فأظهر أبن أبي ليلى

стр. 201

الشماتة، فقال ابن شبرمة: ما أدري ما يقول هذا؟، نحن نطلب الدنيا وهو يضرب على رأسه ليأخذ الدنيا فلم يقبلها. وعن ابن المبارك (١): إن الرجال في الاسم سواء حتى يقع في البلوى، وقد ضرب أبو حنيفة على رأسه في السجن حتى يدخل في الحكم فصبر على الذل والضرب في الحبس طلبا لسلامة دينه. وعن أبي عبد الله (٢) بن أبي حفص الكبير البخاري: إن الفتنة لما ظهرت بخراسان دعا ابن هبيرة العلماء كابن أبي ليلى وأبي شبرمة وداود بن هند وولى كل واحد منهم شيئا من عمله، وعرض على ابي حنيفة أن يكون الخاتم في يده لا ينفذ كتاب إلا من تحت يده فأبى فحلف الأمير أنه إن لم يله يضربه في كل جمعة سبعة أسواط، فقال الفقهاء إننا إخوانك نناشدك على أن لا تهلك نفسك وكلنا نكره عمله ولكن لم نجد بدا منه، فقال الإمام: لو أراد مني أن أعد له أبواب مسجد واسط لم أعد له، فكيف وهو يريد مني أن يكتب في دم رجل وأختم له؟، والله لا أدخل في ذلك، فقال ابن أبي ليلى: دعوه فإنه مصيب؛ فحبسه الشرطي جمعتين وضربه أربعة عشر سوطا. ثم اجتمع مع الأمير فقال: ألا ناصح لهذا أن يستمهلني، فاستمهله وقال: أشاور إخواني، فخلاه؛ فهرب إلى مكة في سنة مئة وثلاثين إلى أن صارت الخلافة للعباسية أقام بها فقدم الكوفة في زمن المنصور، فعظمه وأمر بجائزة عشرة آلاف درهم، وجارية فلم يقبلها. وروى أنه كان يتمثل كثيرا شعر (٣):

стр. 202

عطاء ذي العرش خير من عطائكم … وسيبه (١) واسع يرجى وينتظر أنت يكدر ما تعطون منكم … والله يعطي فلا من ولا كدر وروي (٢) أن ابن هبيرة أتي بشاهد زور وهو والي الكوفة فقال: علي بالقاضي، فقيل: رأيت القاضي وأبا حنيفة والحجاج (٣) بن ارطأة في المسجد، فقال: علي بهم، فلما جاؤا، قال: هذا ارتكب فما تصنع به؟، فبدأ بابن أبي ليلى، وقال: يضرب أربع مئة سوط، وقال الحجاج: يحلق رأسه ولحيته، فقال للإمام: ما تقول أنت؟ فقال: بلغنا أن شريحا كان إذا أتى بمثله: إن كان سوقيا طاف به في سوقه، وإن كان من العرب طاف به في حيه، فعمل بقول الإمام وكان على رأس الإمام عمامة واسترخى كور منها في وجهه، فلما خرجوا قال لابن أبي ليلى ما هذا الفتيا؟! لو ضرب أربع مئة ومات بما كنت تلقي الله في دمه؟ قال: ما أردت إلا أربعين ولكن من الخوف جرى على لساني. وقال للحجاج: حلق الرأس قد جاء في موضع أما حلق اللحية إذا حلقت ولم تنبت كيف حكمه؟ قال: ما أردت إلا حلق الرأس؛ فمن الهيبة جرى على لساني. فقال ابن أبي ليلى: وأنت أيضا لم تجترئ على تسوية كور عمامتك من وجهك ألم يكن لك يد؟ قال: إن لم يكن لي يد اسوي بها عمامتي فلي قلب أعلم ما أقول به. وروى (٤) أن المنصور كان يريد أن يقرب الإمام، فيقول الإمام لا لأنك إن قربتني فتنتني، وإن أبعدتني أحزنتني وليس عندك ما أرجوك له، وليس عندي ما أخافك عليه وأنا غني بمن أغناك فلن أغشاك فيمن يغشاك.

стр. 203

ومثله (١) ذكر عن الإمام محمد بن الحسن: أنه قال لعيسى (٢) بن موسى والي الكوفة، وزاد في آخره أنشأ شعرا كسرة خير وقعب (٣) … ماء وفرد ثوب مع السلامه خير من العيش في نعيم … يكون من بعده ندامه

стр. 204

فصل في قراءات شاذة تنسب إلى الإمام (١) قرأ: «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» (٢) بلفظ الفعل، ونصب «يوم» على أنه مفعول به، وبه قرأ الحسن البصري وغيره.

стр. 205

وقرأ «وإذا لاقوا الذين» (١) على وزن فاعوا، وهي قراءة زيد بن علي، ويعقوب وغيرهما. وأصله لاقيوا. وقرأ «إن البواقر تشّابه علينا» (٢) بالجمع والتاء وتشديد الشين والأصل: تتشابه، وهذه القراءة قراءة زيد بن علي، والإدغام له وللحسن، والأعرج. وذكر بعضهم أنه قرأ ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ﴾ (٣) بالرفع «ربّه» بالنصب وهي رواية جابر (٤) بن زيد عن ابن عباس ﵁. وروى محمد أنه قرأ ﴿اِبْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (٥) بالياء وضم اللام، وبه قرأابن عباس والضحاك وابن أبي عبله (٦). وقرأ: ﴿وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ﴾ (٧) بتشديد الياء، وهي قراءة علقمة عن ابن مسعود ﵁. وقرأ: ﴿وَلِلّهِ مِيراثُ﴾ (٨).

стр. 206

بالإمالة (١)، وقرأ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً﴾ (٢) بتقديم الثاء على النون، وهي قراءة ابن عباس، كأن جمع: وثنا، على: وثان، كما تقول: جمل وجمال، ثم جمع وثانا على: وثن، كما يقال: مثال ومثل، ثم أبدل الواو/١٢ أ/همزة لانضمامها، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ (٣) والأصل وقتت؛ لأنه من الوقت فأثن جمع الجمع، ويؤيده قراءة ابن مسعود وثنا بفتح الواو والثاء على أفراد اسم الجنس، وروي عنه أيضا أنه قرأوثنا بضم الواو والثاء، جمع وثن وأوثان مثل: أسد وأسد وأساد. وقرأ: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها .. ﴾. (٤) وقرأ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها﴾ (٥) بالتاء وهي قراءة ابن سيرين وتوجيهه أن كثيرا ما يؤنثون فعل المضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى مؤنث، وقيل: إن الإيمان مصدر والمصدر كما يذكر في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ (٦) كذلك يؤنث، كما قال الشاعر، شعر: فقد عذرتنا في صحابته العذر … أنث العذر، بمعنى المعذرة. وقرأ: (نفس) بالرفع. قيل إنه ضعيف، ويمكن دفعه بأن إيمانها بدل اشتمال منها.

стр. 207

وقرأفي رواية الحسن عنه: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ (١) برفع: عشر منونا، ورفع لام أمثالها، وبه قرئ من طريق يعقوب الحضرمي (٢)، ونسب إلى الحسن (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، والأعمش، وتأنيث العشر لكونه عبارة عن الحسنة، وأمثالها: بدل. وقرأفي رواية محمد عنه في سورة الأعراف: ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ﴾ (٥) بالهمزة والمد وبه قرأالأعمش، والأعرج، ونافع في رواية حارثة بن مصعب عنه فعوملت الياء الأصلية معاملة الزائدة فحملت على مدائن وصحائف ورسائل. وقرأفي آخر التوبة: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ (٦) بضم الغين، وهي قراءة الفضل بن عاصم وهي لغة بني تميم، وقراءة الأعمش بفتح الغين كالسخطة. وقرأقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٧) بفتح

стр. 208

النون وتشديدها، ونصب الدال، وهي قراءة بلال (١) بن بردة، وابن محيصن (٢)، وبه قرأيعقوب الحضرمي في رواية المنهال بن شاذان عنه. وقرأ: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ (٣) بالحاء المهملة، وهي قراءة اليزيدي (٤)، ورواية علقمة عن ابن مسعود، والمعنى على هذه: نلقيك في ناحية من البحر. وقرأ «بابدانك» بصيغة الجمع: أي بأعضاء بدنك أو بأجزاء درعك. وقرأغيره في الشواذ ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ (٥). وقرأالإمام أيضا: «لمن خلقك» بالقاف مع فتح اللام، وهي قراءة علي كرم الله وجهه. وقرأ «لمن خلفك» بفتح اللام والفاء، أي لمن ورث أرضك من بعدك، وهم بنو إسرائيل أو غيرهم. وقرأ: ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا﴾ (٦) بالإدغام بغير الإشمام (٧)، ورواه

стр. 209

قالون (١) عن نافع، وبه قرأأبو جعفر من العشر، وأبو عبيد القاسم (٢) بن سلام، وقالوا: وهو القياس وقرأطلحة (٣) بن مصرف بنونين ظاهرتين على الأصل، وقرأ يحيى (٤) بن وثاب وأبو رزين (٥) والأعمش: «لا تيمنا» وهي لغة بني تيم، ويقولون أنت تضرب. وقرأ: ﴿قَدْ شَغَفَها﴾ (٦) بالعين المهملة، وبه قرأجعفر بن محمد، وأبن محيصن، وأبو رجاء، وقتادة، والشعبي، وهي لغة في المعجمة. وقرأ: ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ﴾ (٧) بالغين المعجمة، وهي قراءة أبي

стр. 210

رجاء (١) وغيره، وقال: كان إناء صيغ من ذهب، وروي عن أبي الأشهب (٢): صواع، وصواع، بالفتح والكسر، وقرأفي رواية محمد: (٣) ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ بالياء، وهي قراءة مجاهد (٤)، والحسن البصري، وعنه أنه قرأ: «يوم يدعى» بصيغة المجهول، و «كل» بالرفع، والمراد بإمامهم: نبيهم، أو كتابهم الذي يعمل به، أو كتاب أعمالهم، ويؤيده ما بعده أما قوله ﵇ فيما رواه مسلم: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) (٥) فإن أهل الجاهلية ما كان لهم شرع، ولا تمسك فيه للروافض من أنه لا بد من إتباع إمام فاطمي في كل وقت. وقرأفي رواية محمد عنه: ﴿طه﴾ (٦) ﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ [لِتَشْقى] (٧)﴾ (٨)

стр. 211

بفتح الطاء وسكون الهاء، وهي قراءة عكرمة، توجيهه أنه أمر من: وطأ يطأ، والأصل طأ. أبدلت الهمزة هاء، كما في: إياك وهياك، أو حذفت الهمزة تخفيفا وألحق بها هاء السكت، ويؤيده ما في «الشفا» (١) عن ربيع بن أنس قال: كان النبي ﷺ يقوم على إحدى رجليه إذا صلى ويرفع الأخرى» فنزلت الآية، أي: أصل طه: طاها، والضمير إلى الأرض، ولا يبعد أن يكون الضمير في قراءة الإمام إلى مكان القيام والله أعلم بحقيقة المرام. وذكر في المناقب أنه قرأ: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ .. ﴾. (٢) ولم يبين كيفية قراءته، لكن في (اللوامع) عن أبي حنيفة: نخيل بالنون وكسر الياء. قال الكردري (٣): وقرأبه في الشواذ. وقرأ: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ .. ﴾. (٤) بالنون وفتح الياء، و «وحيه» بالنصب، وبه قرأابن مسعود ويعقوب الحضرمي، وعاصم الجحدري. وقرأ: ﴿زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ (٥) بفتح الهاء، قال أبو حاتم السجستاني: قرأبه طلحة، وعيسى بن عمرو، وهي قراءة الحضرمي وقرأفي رواية محمد عنه:

стр. 212

﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً﴾ (١) بضم الياء وفتح اللام ورفع الدال، وهي رواية شاذة عن أبي عمرو. وقرأ: «بماء اتيتهن كلهن» (٢) بالقصر. وقرأ/١٢ ب/في رواية محمد: ﴿وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ (٣) بالرفع على نية القطع والاستيناف أي يتوب على كل حال، وبه قرأالحسين بن علي، وأنس بن مالك ﵃ فيما ذكره مجاهد، وبه قرأالحسن. وقرأ: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ﴾ (٤) بالرفع ﴿مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ بالنصب، وبه قرأ محمد بن عبد العزيز، والمعنى: إنما يعظم الله، والخشية يلزمها التعظيم؛ لأنها خوف مقرون به، ففيه التجريد. وقرأ: «فأغشينهم» (٥) في يس بالعين المهملة، وبه قرأبعضهم، ونسب إلى ابن عباس كما رواه شهر (٦) بن حوشب، وبه قرأيزيد (٧) بن المهلب.

стр. 213

وقرأفي سورة الجن في رواية محمد: ﴿غَدَقاً﴾ (١) بكسر الدال. وقرأفي سورة الفيل: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ (٢) بالياء، وهو قراءة يحيى (٣) بن يعمر، وطلحة، والأعرج، فالضمير إلى الله، أو الى الطير باعتبار الجنس. وقرأفي سورة الفلق في [رواية] (٤) محمد عنه: ﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ (٥) بتنوين شرّ، وهو قراءة: عمرو بن خالد (٦)، وموسى الأسواري، فيجوز أن يكون (ما) بدلا عن (شر)، ويجوز أن تكون زائدة، ولا يبعد أن تكون نافية، على أن المعنى: من شر ما خلقه إلى الآن، فالإستعاذة من الشر في مستقبل الزمان والله المستعان؛ لأن الماضي قد مضى، ويجب القضاء بما كان، وبه يندفع ما ذكره الكردري (٧): من أنه لا يجوز أن تكون نافية؛ لأنه يلزم تقديم ما بعد النفي على المنفي في المبني مع أنه يفسد أيضا في المعنى؛ لأن التقدير: وما خلق من شر؛ لأنه يخرج الكلام من الدعاء والإستعاذة إلى النفي.

стр. 214

وقرأ: (١) «ملك الناس» بالألف، وهي قراءة عمر بن الخطاب ﵁، وقيل فيه شعر (٢): لأبي حنيفة ذي الفخار قراءة … مسموعة منحولة غراء عرضت على القراء في أيامه … فتعجبت من حسنه القراء فصل في إنشاده الشعر وعن يوسف بن خالد (٣): إن الإمام كان ينشد هذا البيت كثيرا (٤): كفى حزنا أن لا حياة هنيئة … ولا عمل يرضى به الله صالح وذكر السمعاني (٥) عن أبي سعد الصغاني قال: سألت الإمام عن الأخذ عن سفيان، قال: ثقة، واكتب عنه ما خلا أحاديث جابر الجعفي، وزيد بن أبي عياش. قال الإمام الشافعي ﵀: سمعت ابن عيينة يقول: سمعت جابرا يقول كلاما خفت أن يقع علينا السقف، وقال الشافعي: كان جابر يقول بالرجعة، ومعناه: أن جماعة من قتلة عثمان كانوا يقولون: أن سيدنا محمد (ص) أفضل من عيسى ﵇ بلا نزاع، وهو يرجع إلى الدنيا ويقاتل الدجال؛ فسبدنا أولى

стр. 215

بهذا الكمال، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ (١) ورد بأن المراد: إما مكة، وإما يوم العرض لا الدنيا؛ لأن الآية لا دلالة فيها على العود بعد الموت. وعن جعفر الأحمر (٢): سألته عن مسألة فأجاب فيها، فقلت: لا يزال هذا المصر بخير ما أبقاك الله تعالى بخير. فقال شعر: خلت الديار فسدت غير مسوّد … ومن الشقاء تفردي بالسؤدد وعن ابن عيينة قال: مررت [بأبي حنيفة] (٣) وهو مع أصحابه في المسجد، وقد ارتفعت أصواتهم، فقلت: يا أبا حنيفة هذا المسجد والصوت لا يرفع فيه، قال: دعهم فإنهم لا يفقهون إلا به. قلت: هذا محمول على أن رفع صوتهم لا يشوش على مصل أو طائف أو قارئ، فإن المتأخرين من أئمتنا صرحوا بأن رفع الصوت ولو بالذكر حرام في المسجد. وعن الهيثم بن عدي قال (٤): عدنا مع الإمام وأبي بكر النهشلي (٥) رجلا من القراء كان مريضا في خارج الكوفة منزله بعيد، فقال بعضنا: إذا جلستم عرضوا بالغداء فلما جلسنا قرأبعضهم قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ .. ﴾. (٦) فقال المريض: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ .. ﴾. (٧) قال الزرنجري: فأعطاهم [دراهم] (٨) دعوة لغدائهم.
следующие страницы →