← Тараджим

Тараджим · id 1130

طبقات القاري الأثمار الجنية في أسماء الحنفية - ط ديوان الوقف السني

الملا على القاري

Полный текст (861 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بفتح الطاء وسكون الهاء، وهي قراءة عكرمة، توجيهه أنه أمر من: وطأ يطأ، والأصل طأ. أبدلت الهمزة هاء، كما في: إياك وهياك، أو حذفت الهمزة تخفيفا وألحق بها هاء السكت، ويؤيده ما في «الشفا» (١) عن ربيع بن أنس قال: كان النبي ﷺ يقوم على إحدى رجليه إذا صلى ويرفع الأخرى» فنزلت الآية، أي: أصل طه: طاها، والضمير إلى الأرض، ولا يبعد أن يكون الضمير في قراءة الإمام إلى مكان القيام والله أعلم بحقيقة المرام. وذكر في المناقب أنه قرأ: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ .. ﴾. (٢) ولم يبين كيفية قراءته، لكن في (اللوامع) عن أبي حنيفة: نخيل بالنون وكسر الياء. قال الكردري (٣): وقرأبه في الشواذ. وقرأ: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ .. ﴾. (٤) بالنون وفتح الياء، و «وحيه» بالنصب، وبه قرأابن مسعود ويعقوب الحضرمي، وعاصم الجحدري. وقرأ: ﴿زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ (٥) بفتح الهاء، قال أبو حاتم السجستاني: قرأبه طلحة، وعيسى بن عمرو، وهي قراءة الحضرمي وقرأفي رواية محمد عنه:

стр. 212

﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً﴾ (١) بضم الياء وفتح اللام ورفع الدال، وهي رواية شاذة عن أبي عمرو. وقرأ: «بماء اتيتهن كلهن» (٢) بالقصر. وقرأ/١٢ ب/في رواية محمد: ﴿وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ (٣) بالرفع على نية القطع والاستيناف أي يتوب على كل حال، وبه قرأالحسين بن علي، وأنس بن مالك ﵃ فيما ذكره مجاهد، وبه قرأالحسن. وقرأ: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ﴾ (٤) بالرفع ﴿مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ بالنصب، وبه قرأ محمد بن عبد العزيز، والمعنى: إنما يعظم الله، والخشية يلزمها التعظيم؛ لأنها خوف مقرون به، ففيه التجريد. وقرأ: «فأغشينهم» (٥) في يس بالعين المهملة، وبه قرأبعضهم، ونسب إلى ابن عباس كما رواه شهر (٦) بن حوشب، وبه قرأيزيد (٧) بن المهلب.

стр. 213

وقرأفي سورة الجن في رواية محمد: ﴿غَدَقاً﴾ (١) بكسر الدال. وقرأفي سورة الفيل: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ (٢) بالياء، وهو قراءة يحيى (٣) بن يعمر، وطلحة، والأعرج، فالضمير إلى الله، أو الى الطير باعتبار الجنس. وقرأفي سورة الفلق في [رواية] (٤) محمد عنه: ﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ (٥) بتنوين شرّ، وهو قراءة: عمرو بن خالد (٦)، وموسى الأسواري، فيجوز أن يكون (ما) بدلا عن (شر)، ويجوز أن تكون زائدة، ولا يبعد أن تكون نافية، على أن المعنى: من شر ما خلقه إلى الآن، فالإستعاذة من الشر في مستقبل الزمان والله المستعان؛ لأن الماضي قد مضى، ويجب القضاء بما كان، وبه يندفع ما ذكره الكردري (٧): من أنه لا يجوز أن تكون نافية؛ لأنه يلزم تقديم ما بعد النفي على المنفي في المبني مع أنه يفسد أيضا في المعنى؛ لأن التقدير: وما خلق من شر؛ لأنه يخرج الكلام من الدعاء والإستعاذة إلى النفي.

стр. 214

وقرأ: (١) «ملك الناس» بالألف، وهي قراءة عمر بن الخطاب ﵁، وقيل فيه شعر (٢): لأبي حنيفة ذي الفخار قراءة … مسموعة منحولة غراء عرضت على القراء في أيامه … فتعجبت من حسنه القراء فصل في إنشاده الشعر وعن يوسف بن خالد (٣): إن الإمام كان ينشد هذا البيت كثيرا (٤): كفى حزنا أن لا حياة هنيئة … ولا عمل يرضى به الله صالح وذكر السمعاني (٥) عن أبي سعد الصغاني قال: سألت الإمام عن الأخذ عن سفيان، قال: ثقة، واكتب عنه ما خلا أحاديث جابر الجعفي، وزيد بن أبي عياش. قال الإمام الشافعي ﵀: سمعت ابن عيينة يقول: سمعت جابرا يقول كلاما خفت أن يقع علينا السقف، وقال الشافعي: كان جابر يقول بالرجعة، ومعناه: أن جماعة من قتلة عثمان كانوا يقولون: أن سيدنا محمد (ص) أفضل من عيسى ﵇ بلا نزاع، وهو يرجع إلى الدنيا ويقاتل الدجال؛ فسبدنا أولى

стр. 215

بهذا الكمال، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ (١) ورد بأن المراد: إما مكة، وإما يوم العرض لا الدنيا؛ لأن الآية لا دلالة فيها على العود بعد الموت. وعن جعفر الأحمر (٢): سألته عن مسألة فأجاب فيها، فقلت: لا يزال هذا المصر بخير ما أبقاك الله تعالى بخير. فقال شعر: خلت الديار فسدت غير مسوّد … ومن الشقاء تفردي بالسؤدد وعن ابن عيينة قال: مررت [بأبي حنيفة] (٣) وهو مع أصحابه في المسجد، وقد ارتفعت أصواتهم، فقلت: يا أبا حنيفة هذا المسجد والصوت لا يرفع فيه، قال: دعهم فإنهم لا يفقهون إلا به. قلت: هذا محمول على أن رفع صوتهم لا يشوش على مصل أو طائف أو قارئ، فإن المتأخرين من أئمتنا صرحوا بأن رفع الصوت ولو بالذكر حرام في المسجد. وعن الهيثم بن عدي قال (٤): عدنا مع الإمام وأبي بكر النهشلي (٥) رجلا من القراء كان مريضا في خارج الكوفة منزله بعيد، فقال بعضنا: إذا جلستم عرضوا بالغداء فلما جلسنا قرأبعضهم قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ .. ﴾. (٦) فقال المريض: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ .. ﴾. (٧) قال الزرنجري: فأعطاهم [دراهم] (٨) دعوة لغدائهم.

стр. 216

قلت (١): وكان الأظهر أن يقرأ: «ءاتنا غدآءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا» (٢). وعن زفر (٣): إن الإمام سئل عن علي ومعاوية وقتلى صفين فقال: إذا قدمت علي الله يسألني عما كلفني ولا يسألني عن أمورهم. وروي أنه قال: تلك دماء طهر الله منها سناننا أفلا نطهر منها لساننا، وفي رواية تلا قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤). وعن غورك الكوفي قال (٥): أهديت إليه هدايا، فكافأني بأضعافه، فقلت له: لو علمت ذلك لم أفعل، فقال: الفضل للسابق، ألم تسمع إلى ما حدثني به الهيثم عن ابن أبي صالح بلغ به النبي ﷺ قال (٦): (من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فأثنوا عليه خيرا). فقلت هذا الحديث أحب إلى من جميع ما أملك. وعن عمر بن (٧) إبراهيم البصري عن أبيه قال: رأيته مغموما متفكرا يتنفس الصعداء فقلت له: يرحمك الله ما لك؟ قال: مطلوب يخاف البينات، وكنت

стр. 217

يوما إلى جنبه في صلاة الفجر، فقرأالإمام: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ (١) /٣ أ/فارتعد أبو حنيفة حتى عرفت ذلك منه. وعن سهل بن مزاحم قال: قال لي (٢): لا يترك القاضي على القضاء أكثر من سنة حتى يعود إلى العلم فيتذكر، ثم يتولى ثانية. وعن عبد الله الأحفظ (٣): أنه ذهب مع الحسن بن عيسى بن زيد إليه فقام له وعظمه، ثم قال له: كان جدك ﷺ يكره أن يقوم الرجل إلا لثلاثة: ذو سلطان لسلطانه، وذو علم لعلمه، وذو شرف لشرفه وأنت منهم. وعن الحسن (٤) بن أحمد الفارسي (٥): من مناجاته أنه كان يقول: الهي إن كان صغيرا في جنب طاعتك عملي فقد كبر في جنب رجائي أملي، إلهي كيف انقلب بالخيبة محروما وظني بجودك أن تقبلني مرحوما، الهي إن عزب رأيي عن تقويم ما يصلحني فما عزب يقيني عني فيما ينفعني، الهي اعززت نفسي بإيمانك فكيف تذلها بأطباق نيرانك، الهي إذا تلونا من كتابك: شديد العقاب اشفقنا، وإذا تلونا فيه: الغفور الرحيم اشتقنا، فنحن بين أمرين، لا يؤمننا الكتاب سخطك، ولا يؤيسنا من رحمتك إن قصر سعيي عن استحقاق نظرك فأفض علي من كرمك، إنك لم تزل بي بارا أيام حياتي فلا تقطع عني برك أيام مماتي، إن غفرت فبفضلك وإن عذبت فبعدلك، يا من لا يرجى إلا ثوابه، ولا يخشى إلا عذابه، ومن شواهد كرمك

стр. 218

استتمام نعمائك، ومن محاسن جودك استكمال آلائك، الهي إن أخطأت طريق النظر لنفسي بما فيه كرامتها. فقد تبينت طريق الفزع بما فيه سلامتها، الهي إن كنت غير مستاهل لما أرجو من رحمتك فأنت أهل أن تجود على المذنبين بفضلك ورأفتك، الهي أمرت بالمعروف وأنت أولى من المأمورين، وأمرت بصلة السؤال وأنت خير المسئولين، الهي سترت علي ذنوبا في الدنيا، وأنا إلى سترها أحوج في العقبى، إلهي هب لي توبة نصوحا تذيقني من حلاوتها، وتوصل إلى قلبي من حرارتها، حتى أكون في الدنيا غريبا ولك محبا فأصبح بطول بكاء وكثرة دعاء، الهي اجعلني في رحمتك مع الأبرار، واعتقني من النار، واغفر لي عكوفي على الدنيا بالعشي والإبكار. ومن كلامة (١): من أراد أن ينجو من عذاب العقبى لا يبالي من عذاب الدنيا، ومنه: لا تجمع الذنوب والآثام لحبيبك، ولا تجمع الأموال لنقيضك، عني بالحبيب نفسه، والنقيض وارثه. وذكر الإمام السمعاني، عن هلال (٢) بن يحيى البصري: سمعت يوسف (٣) ابن خالد السمتي، قال (٤): كنت اختلف إلى عثمان (٥) البتي بالبصرة فقيه أهلها وكان يتمذهب مذهب الحسن (٦)، وابن سيرين فأخذت من مذاهبهم وناظرت عليها معهم، ثم استأذنت للخروج إلى الكوفة لتلقي مشايخها والنظر من مذاهبهم، والاستماع

стр. 219

عنهم، فدلوني على سليمان الأعمش لأنه أقدمهم في الحديث، وكان معي مسائل في الحديث وكنت سألت عنها المحدثين فلم أجد أحدا يعرفها فذكرت ذلك في حلقة الأعمش فذكر ذلك له فقال: ايتوني به، فمضيت، فقال: لعلك تقول: إن أهل البصرة أعلم من أهل الكوفة، كلا ورب البيت الحرام ما ذلك كذلك، وما أخرجت البصرة إلا قاصا أو معبرا أو نائحا، والله لو لم يكن بالكوفة إلا رجل ليس من عربها، ولكن من مواليها يعلم من المسائل ما لا يعلم الحسن، ولا ابن سيرين، ولا قتادة الأعمى ولا البتي ولا غيرهم، وغضب علي غضبا خفت أن يضربني بعصاه ثم قال لمن حضره: إذهب به إلى مجلس النعمان، فو الله لو أرى أصغر أصحابه علم أنه لو قام أهل الموقف لأوسعهم جوابا فقام الرجل واتبعته، فلما خرج من المسجد قال: النعمان يكون من بني حرام فاسأل عنه فإنه بهذه المسائل أعلم وأولى ولي شغل لا يمكن المصير إليه؛ فخرجت اسأل عنه قبيلة بعد قبيلة حتى أتيت بني حرام في آخر القبائل، وقد دخل وقت العصر، فإذا أنا بكهل قد أقبل حسن الوجه حسن الثياب، وخلفه خادم أشبه الناس به، فلما دنا سلم ثم صعد المئذنة فأذن أذانا حسنا، فتوسمت فيه أنه الإمام ثم صلى ركعتين خفيفتين تامتين أشبه بصلاة الحسن وابن سيرين فاجتمع نفر من أصحابه، وتقدم فأقام وصلى بهم أشبه الناس بصلاة أهل البصرة، فلما سلم استند إلى المحراب وأقبل بوجهه إلى الناس فحياهم، ثم سأل كل واحد من أصحابه عن حاله، فلما انتهى إلي قال: كأنك غريب من أهل البصرة، وقد نهيت عن مجالسنا، قلت: نعم، قال: ما اسمك؟ فأخبرته باسمي ونسبي، ثم سأل عن كنيتي، فأخبرته، فقال: أكنت تختلف إلى البتى؟ قلت: نعم، قال: لو أدركني لترك كثيرا من قوله، ثم قال: هات ما معك، وابدأ قبل أصحابي فإن بك وحشة والغربة، وحق لمثلك من المتفقهة التقدم إذ لكل داخل دهشة، ولكل قادم حاجة، قال: فسألته عن المسائل التي كانت مشكلة علي/١٣ ب/فأجابني، فحكيت ما جرى بيني وبين الأعمش فقال: حفظك الله يا أبا محمد، يحب أن ينوه باسم بلده بغيره؟! ما مثله إلا كما قال القائل، شعر:

стр. 220

وإذا تكون كريهة أدعى لها … وإذا يحاس الحيس يدعى جندب ولئن كان الحسن وابن سيرين فاضلين كانا كل واحد منهما يتكلم في الآخر بما يصدق قول الأعمش، كان ابن سيرين يعرض بالحسن المعتزلي ويقول: يأخذ الجوائز من السلطان، ويروى بالمحالات، ويفتي بالهوى ويقول بالقدر كأنه إله الأرض، ينفرد بالفعل دون ربه، ويروي عن علي ﵁ كأنه رآه، وعن سمرة (١) بن جندب كأنه شاهده، ويقول بفضل عثمان كأنه من مواليه أعاذنا الله تعالى وإياكم منه، فلم يزل يقول ذلك حتى قام خالد (٢) الحذاء يوما من مجلسه، وقال مهلا يا ابن سيرين، كم تقول في هذا الرجل؟ وقد استتيب عن القدر عام حجه وفيها أيوب (٣) السختياني. ومالك (٤) بن دينار، ومحمد (٥) بن واسع فتاب، ويتوب الله على من تاب، وقال ﷺ : «لا تعيروا أحدا بما كان فيه من الكفر، فإن

стр. 221

الإسلام يهدم ما كان قبله». ثم قال الإمام: ما أعجب ما قال خالد! وهذا محمد بن واسع وقتادة، وثابت، ومالك بن دينار، وهشام (١) بن حسان، وأيوب وسعيد (٢) بن عروبة وغيرهم يذكرون أن الحسن لم يتب عن القدر حتى مات، وهذا عمرو (٣) بن عبيد، وواصل (٤) بن عطاء، وغيلان (٥) بن جرير وغيرهم يدعون الناس إلى مذهب الحسن وجمع أهل البصرة جرى على هذا المذهب، فارتفع قول خالد من هؤلاء، وقد قيل إن خالدا يتمذهب هذا المذهب أيضا، وكان الحسن يعرض بابن سيرين ويقول: يتوضأ بالقربة، ويغتسل بالراوية صبا صبا دلكا دلكا تعذيبا لنفسه وخلافا لسنة نبيه ﷺ يعبر الرؤيا كأنه من آل يعقوب ﵇، فدع عنك أيها الرجل هذا وهلم فيما قصدت له وتعلم ما لا يسعك جهله، إن الأمم قبلكم ما اجتمعت ولا تجتمع أبدا والله تعالى يقول: ﴿وَلا يَزالُونَ﴾

стр. 222

﴿مُخْتَلِفِينَ﴾ (١) ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (٢) ولولا ما جرت المقادير واختلفت الطبائع ما اختلفت ولكن ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً﴾ (٣)، ثم سكت، فقلت له: فيما اختلفوا فيه من القدر، قال: أهل البصرة والكوفة قد اختلفوا فيه على ما علمت وكبر أمره عن الطوق، وهذه مسألة قد استصعبت على الناس فأني يطيقونها هذه مسألة مقفلة قد ضلت مفتاحها، فإن وجد رجل مفتاحها علم ما فيها ولم يفتح إلا بخبر عن الله تعالى يأتي بما عنده ويأتي ببرهان وبينة، وقد فات ذلك، والذي يقول في ذلك قولا متوسطا بين القولين أينما مال ملت معه، كما قال محمد بن علي ﵄: لا جبر ولا تفويض ولا تسليط، والله لا يكلف العباد ما لا يطيقون، ولا أراد منهم ما لا يعلمون، ولا عاقبهم بما لم يعملوا، ولا سألهم عما لم يعلموا، ولا رضي لهم بالخوض فيما ليس لهم به علم والله يعلم بما نحن فيه، والصواب الذي عنده ونحن مجتهدون وكل مجتهد مصيب والله ولي كل نجوى، وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى. تلامذته ومن أصحابه: الجامع (٤). روى عنه (٥) شعبة، وابن جريج، وأمثالهما، ومع ذلك المقام لزم الإمام، روى عنه الكثير من الكلام، وسمى به؛ لأنه كان له أربعة مجالس: مجلس لمعاني

стр. 223

القرآن، ومجلس للأثر، ومجلس لأقاويل الإمام من درس الفقه ومجلس للأدب، كالنحو وغيره، ولما مات قعد ابن مبارك على بابه للتعزية ثلاثة أيام. وعن الإمام (١) أنه قال: ما جازيت أحدا بسوء، ولا لعنت أحدا، ولا غشيت أحدا. وعن (٢) أبي يوسف كل قول قلناه لم نقل به من عندنا إنما كان قولا قاله أولا ثم تركه فقلناه به. وعن (٣) الحكم بن هشام قلت له: هذا الذي تفتينا به صواب؟ قال: لا أدري، لعله يكون خطأ. وهذا نص منه أن المجتهد يخطئ ويصيب، لا كما يقول المعتزلة، وإيماء إلى أن ما قالوا من أن المقلد ينبغي أن يعتقد أن أمامه على الصواب. ويحتمل الخطأ وغيره على خطأ، ويحتمل الصواب، وهذا في الفروع وأما في الأصول فيعتقد أن المخالف مخطئ جزما. وعن (٤) بكير بن معروف: قلت له: الناس يتكلمون فيك، ولا تتكلم أنت فيهم؟! فقال: هو فضل الله يؤتيه من يشاء. وعن حازم، قال: كلمت الإمام في الزهد، والعبادة، واليقين، والتوكل، ففسر لي كل باب على حدة، وعن أحمد (٥) بن مردوية قال (٦): ذكر إبراهيم بن

стр. 224

شماس أن ابن المبارك ترك الإمام؛ فغضب وقال: قل لإبراهيم: أن ثلاثا وثلاثين من كتبه يكذبك. وذكر الغزنوي (١): عن الإمام الشافعي: إني أتبرك بأبي حنيفة، وأجيء إلى قبره زائرا في كل يوم، فإذا عرضت لي حاجة جئت إلى قبره وصليت ركعتين وسألت الله تعالى تلك الحاجة فقضيت./١٤ أ/والله أعلم. فصل: في فضل أبي يوسف ﵀ عن الطحاوي (٢): أنه ولد سنة ثلاث عشرة مئة، وهو يعقوب (٣) بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة نسبته إلى أمه، وهو الأنصاري البجلي؛ وكان سعد ممن عرض عليه ﵇ يوم أحد فرده لصغرة ودعا له. وفي رواية مسح رأسه، نزل الكوفة، ومات بها، وصلى عليه زيد بن أرقم، وكبر عليه خمسا. وذكر الغزنوي (٤): أنه روى عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعمر،

стр. 225

ابن محمد الباقر، وأحمد بن معين، وآخرون، ولاه موسى (١) الهادي بن المهدي قضاء بغداد، ثم الرشيد (٢). وذكر مكحول النسفي (٣): أنه أوصى لأهل مكة بمئة ألف ولأهل المدينة بمئة ألف، ولأهل بغداد بمئة ألف ولأهل الكوفة بمئة ألف. وذكر الحلبي (٤): أنه مات سنة اثنين وثمانين ومئة. وذكر الخوارزمي (٥): أن الرشيد مشى أمام جنازته، وصلى عليه بنفسه ودفنه في مقبرة أهله، وقال حين دفنه: ينبغي لأهل الإسلام أن يعزي بعضهم بعضا في موته، ودفن في مقابر قريش بكرخ بغداد، وبقربه دفن محمد الأمين وزبيدة. وروي عنه أنه قال (٦): لا أعرف مقدار جميع مالي إنما أعرف أن لي سبع مئة بغل، وثلاث مئة فرس. وعن بشر (٧) بن الوليد (٨): أنه كان أوى إلى فراشه فإذا رجل يقرع الباب قرعا شديدا فإذا هو ابن اعين فقال: اجب الخليفة، قلت: هل إلى

стр. 226

الدفع سبيل؟ قال: لا، قلت: فما السبب؟ قال: لا أدري، خرج مسرور الخادم، فأمرني أن أجيء بك قال: فإغتسلت، وتحنطت، ورحت، فإذا أنا بالخادم، فطلبت منه أن يدفع عني الحضور، فأبى، وقال: ادخل الصحن، ففعلت، فقال الرشيد: أدخل، فإذا عيسى بن جعفر جالس عنده، فلما سلمت ورد السلام قال: روعناك، أتدري لم دعوناك؟ قلت: لا، قال: عنده جارية لا يبيعني ولا يهبني، قلت: وما قدرها حتى يمنعها من الخليفة؟ فقال: ليس من العدل سرعة العذل، إني حلفت أن لا أبيعها، ولا أهبها، قال الرشيد: هل من مخرج؟ قلت: يبيع النصف ويهب النصف، فيكون لم يبع ولم يهب، ففعل عيسى ذلك، فأتى بالجارية وقال: خذها بارك الله لك فيها، فقال: يا يعقوب بقيت واحدة، وذلك أن نفسي تنازعني أن أبيت معها؛ ولا بد من استبراءها، فقال: اعتقها وتزوجها فإن الحرة لا تستبرأ، فاعتقها وتزوجها على عشرين ألف دينار، فدعا بالمال ودفعه إليها، ثم قال: يا مسرور أحمل إلى يعقوب عشرين بخجا من ثياب ومئتي ألف درهم، قال بشر بن الوليد: فنظر إلى وقال: هل رأيت بأسا فيما فعلت؟ قلت: لا، قال: خذ منها حقك العشر، قال: فأردت أن أقوم فإذا بعجوز دخلت وقالت: بنتك تقرئك السلام، وتقول: ما وصل إلي من الخليفة من المهر، فوجهت إليك نصفه، والباقي جعلته لاحتياجي فأخذ المال وأعطاني ألف دينار. انتهى، ولا يخفى أن في الخاطر حزازة من قوله: فيكون لم يبع ولم يهب، بل يكون بيعا وهبة كلاهما لأنهما كما يتعلقان بكلها يتعلقان بجزئها نفيا وإثباتا، وهذا بحسب اللغة، ولعله ﵁ بنى على العرف فإن بناء الأيمان عليه غالبا، ومع ذلك لو وهبها للسلطان أو باعها وكفر عن يمينه أو أهداها إليه بناء على الفرق بينها وبين الهبة كان أولى كما لا يخفى، وبهذا تبين الفرق بين الإمام الأول والثاني فتأمل.

стр. 227

ويروى (١) أن الرشيد حلف بالطلاق ثلاثا إن باتت زبيدة في ملكه، وندم وتحير، فقيل له: هذا فتى من أصحاب أبي حنيفة يرجى منه المخرج فدعاه فعرض عليه، فقال: استعمل حق العلم، قال: كيف؟ قال: أنت على السرير وأنا على الأرض، فوضع له الكرسي فجلس عليه فقال: تبيت الليلة في المسجد ولا يد لأحد على المسجد، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ (٢) فولاه الرشيد قاضي القضاة. أقول: وهذا أيضا لا يخلو عن إشكال؛ لأن يمينه على ملكه بالضم لا على ملكه بالكسر، ولا شك أن الأوقاف والأملاك داخلة تحت يد السلطان لغة وعرفا، فالحيلة (٣) كانت أن يعزل نفسه ويولي غيره ممن يعتمد عليه في تلك الليلة، ثم في الصبح يعزل ذلك نفسه ويوليه، أو كان يطلقها واحدة ثم يتزوجها في الصباح (٤)!. ويروى (٥) أن الرشيد دعاه ذات ليلة، وقال: سرق حلي لي، واتهمت واحدة من جواري الخاصة وحلفت إن لم تصدقني لأقتلنها قال أبو يوسف: هل لي إلى رؤيتها من سبيل؟ قال: نعم، فدعاها في الخلوة، وقال لها: إذا سألك الخليفة عن الحلي سرقت؟ قولي: نعم، وإذا قال: هاتيه، قولي: ما أخذت ولا تزيدي هذا ولا تنقصي، ففعلت، فقال أبو يوسف: يا أمير المؤمنين صدقت في الإقرار والإنكار، فسكن غضب الرشيد، فقال: يحمل إلى داره مئة ألف، فقيل: الخازن غائب، فقال: انه اعتقنا من القتل الليلة/١٤ ب/فلا تؤخر صلته إلى الغد، أقول: وفي هذا أيضا

стр. 228

مناقشة ظاهرة، وكان الأولى بالسلطان أن لا يقتلها الليلة ويعتقها أو غيرها كفارة عن يمينه، ثم قوله: إن لم تصدقني يحتمل أن يكون من الصدق أو التصديق، وكل منها يحتاج إلى التدقيق في التحقيق والله ولي التوفيق. وروي (١): أن موسى الهادي رأى جارية فائقة في الجمال، فاشتراها بمال عظيم، وأراد إسقاط الإستبراء، فقال الفقهاء: لا بد من الإستبراء والإعتاق والتزوج ولم يحب الهادي التزوج، فأحضر أبو يوسف فقال: يزوجها الخليفة من بعض خدمه ثم يقبضها ثم يأمره بالطلاق فيطلقها بعد قبض الخليفة قبل الخلوة فلا يلزمها العدة، فسرّ به الهادي وأجازه بعشرة آلاف درهم. وسئل عمن قال (٢): ماله في المساكين صدقة إن فعل كذا، قال: يخرج ماله إلى من يثق به، ثم يفعل ذلك، ثم يرجع في ماله، فقال أبو اليقظان عمار مستمليه: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها» (٣) فقال أبو يوسف: يا لكيع أين هذا من ذاك؟ فإنهم احتالوا فيما حرم الله، ونحن نحتال في أن لا نحرم ما أحله الله. وذكر الغزنوي (٤) عن هلال: أنه كان يحفظ التفسير والحديث وأيام العرب، وكان أقل علومه الفقه. وعن علي (٥) بن الجعد أنه قال (٦): العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه أنت كلك، وإذا أعطيته كلك كنت في إعطائه البعض على غرور.

стр. 229

وعن إبراهيم أنه قال (١): لا تطلب الحديث بكثرة الرواية فترمى بالكذب والغنى بالكيمياء فتفلس. وعن يحيى (٢) بن يحيى قال (٣): ما أفتيت به فقد رجعت عنه إلا ما وافق الكتاب والسنة. وعن ابن سماعة (٤): أنه كان يصلي بعد ما ولى القضاء كل يوم مئة ركعة، وفي رواية مئتي ركعة، فلم يتركه بعد ما فلج. وعن الفضل (٥) قال: قال: لا يبلغ في الفقه إلا من ليس له هم الدنيا والآخرة. وعن علي بن الحسين قال (٦): ما أتيت مجلسا أريد أن أتكبر فيه إلا افتضحت. وعن علي (٧) بن حجر قال: أخذت في الفرائض بقول زيد، وعلي، فإذا اختلفا أخذت بقول علي؛ لأنه ﷺ قال: «أقضاكم علي» (٨):

стр. 230

ويعارضه قوله ﵇: «أفرضكم زيد بن ثابت» (١) والجمع أن زيد أعلم في هذا الفن بخصوصه من بين الأحكام، وعلي جامع لقضاء أحكام الإسلام، والله اعلم بحقيقة المرام وعن إبراهيم (٢) بن رستم قال (٣): مرض مرضه الذي أصابه فيه البرسام، فلما برأ قيل له: أنكرت حفظك، قال: أما القرآن فنعم، وأما العلم فكأني أنظر فيه كما أنظر إلى طرق الكوفة. انتهى. ولا يخفى ما فيه، فإن اللائق به أن يكون الأمر بالعكس، وأين هذا من تلاوة الإمام الأعظم كل يوم ختمة وكل ليلة ختمة، وقد يزيد على ذلك. وعن خزيمة بن محكمة قال (٤): كنت أجالس زفر طرفي النهار وأسأله عن المسائل، فإذا كررت عليه المسألة مرتين وطلبت منه الدليل قال: ما هذا الإبرام؟، وكان لا يدخل في مسائل الحساب والوصايا والدور، ومسائل الحيض، وكنت أجالسه لعلمه وزهده، فلما طال ذلك جالست أبا يوسف، وكان جامعا للكل، وكان يأتيني بأنواع الحجج؛ فلزمته حتى كتبت أماليه. انتهى. وهذا مما يدل على كمال زفر (٥)، فإنه كان مشتغلا بأمور أهم مما ذكر، ولذا قال الغزالي: ضيعت قطعة من العمر العزيز في تصنيف"البسيط ""و"الوسيط "و"الوجيز".

стр. 231

وذكر الحلبي (١): عن الحسن (٢) بن زياد قال حججنا معه فاعتل في الطريق فجاءه ابن عينية في بئر ميمونة عائدا فقال لنا خذوا حديثه. فروى لنا أربعين حديثا من حفظه، فلما قام سفيان حدثنا بالأربعين لسنده ومتنه حفظا، فتعجبنا من سرعة حفظه مع علته وشغله بسفره. قلت: فكأنه كان من ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ (٣). قيل: وكان يصوم رجب وشعبان، وما ترك السلطان من خراج أرضه كان يتصدق به. وعن (٤) أبي إسحاق الرازي أنه خرج يوما راكبا بغلته في ركابي ذهب، فقيل له: أتركب في ركابي ذهب؟ وقد نهي عنه! فقال أردت أن أرى الناس عن العلم أن أبن الخياط بلغ من جلالة العلم إلى هذا القدر حتى يزدادوا حرصا [في العلم] (٥). قلت: هذا تعليل في معرض النص (٦) وهو غير مقبول على أن في هذا فتنة عظيمة للعامة.

стр. 232

وعن أبي يوسف (١): أنه كرر على الحسن بن زياد المسألة (ست عشرة) مرة، ثم قال الحسن: لعلي لم أفهمها. ومن لطائفه (٢): أنه وقعت بين الرشيد وبين امرأته منازعة، فقال الرشيد: الخبيص (٣) أحلى من الفالوذج (٤)، وعكست زبيدة، فدخل هو في هذا الحال، فسئل عن ذلك المقال، فقال: القضاء على الغائب لا يجوز، فأتي بطبق منهما، فجعل يأخذ من هذا لقمة ومن هذا لقمة، حتى كاد أن يأتي عليهما، فسأله الرشيد: أيهما أحلى؟ فقال: أصلح الله الأمير كلما هممت أن أحكم لواحد/١٥ أ/أتى الآخر بشاهد فلما شبع قال: الخبيص حلو، قال الرشيد: قويت حجج الخبيص، فقال: الخبيص حلو كما قلت، لكن لا بمنزلة الفالوذج. وحكي عن ابن المبارك أنه قال (٥): خرجت حاجا فدخلت عليه، فشكى لي ضيق الحال، وقال: في جواري غني أريد أن أتوكل عنه في أموره، فقلت: اصبر على العلم فإنه لا يضيعك، فلما قمت من عنده تعلق ذيلي بكوز وسخ فانكسر فتغير لونه، فقلت: ما الذي أصابك؟! فقال: إن هذا الكوز للشرب والضوء لي ولوالدتي ليس لنا غيره؛ فأخرجت دينارين وأعطيتهما إياه، فلما رجعت من الحج رأيته قد جعل قاضيا للقضاة، وأجزي له كل شهر مئة دينار، وألف درهم، ودار ذلك الغنى جعل اصطبلا لدوابه. قيل (٦): كانت له عند الرشيد منزلة رفيعة بحيث يبلغ دار الخلافة راكبا بغلته فيرفع له الستر فيدخل كما هو راكبا، والرشيد يبدأه السلام.

стр. 233

وذكر الخطيب (١) في تاريخ بغداد عن القاسم بن حكم قال: سمعته يقول: يا ليتني مت على ما كنت عليه من الفقر ولم أدخل في القضاء، على أني بحمد الله ما تعمدت جورا ولا حابيت خصما على خصم من سلطان ولا سوقة. ويروى (٢) أن الرشيد جعل الأمين ولي عهده في حياته قال أبو يوسف: الحمد لله الذي جعل ولي عهد أمير المؤمنين من لم يسود صحيفته بالأوزار، فبلغ ذلك زبيدة أمه، فانقدت إليه مئة ألف درهم (٣)! وقيل: وأصحاب الأمالي الذين رووها عن أبي يوسف لا يحصون والله أعلم. فصل في مناقب الإمام محمد (٤) بن الحسن (رحمة الله عليه) هو أبو عبد الله الشيباني (٥) من قرية تسمى

стр. 234

حرستا (١) من أعمال دمشق، قدم أبوه العراق، فولد محمد بواسط سنة اثنتين وثلاثين ومئة ونشأ بالكوفة، وسمع العلم من الإمام الأعظم، والأوزاعي، والإمام مالك، والثوري، ومسعر بن كدام، وروى عنه: الإمام الشافعي وغيره من العلماء الكرام، والمشايخ العظام. وروي أنه (٢): محمد بن الحسن بن عبد الله بن طاوس بن هرمز ملك بني شيبان، وأبو حنيفة: نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز، أسلم على يد عمر ﵁. وعن وكيع قال (٣): كنا نكره أن نمشي معه في طلب الحديث؛ لأنه كان غلاما جميلا. وذكر السمعاني: أن أباه قدم به إلى الإمام، فقال الإمام لوالده: احلق رأسه وألبسه الخلقان، ففعل أبوه امتثالا؛ فزاد عند الخلق حسنا وجمالا، وفيه يقول أبي نؤاس: حلقوا رأسه ليكسوه قبحا … غيرة منهم عليه وشحا كان في وجهه صباح وليل … نزعوا ليله وأبقوه صبحا ولاه الرشيد القضاء، فخرج معه إلى خراسان، ومات بالري سنة تسع وثمانين ومئة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ومات الكسائي (٤) بعده بيومين، وحكى

стр. 235

أنهما ماتا في يوم واحد، فقال الرشيد: دفنت الفقه واللغة في الري وتشاءم به. ودفن الإمام محمد بجبل طبرك والكسائي بقرية رنبوية، بينهما أربعة فراسخ وكان معسكره أربعة فراسخ نزل الإمام الكسائي في جانب، والإمام محمد في جانب، وقيل مرثيتهما (١): تضرمت (٢) … الدنيا فليس خلود وما قد يرى من بهجة سيبيد لكل امرئ منا من الموت منهل … فليس له إلا عليه ورود ألم تر شيبا شاملا ينذر البلى … وأن الشباب الغض ليس يعود سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت … فكن مستعدا فالفناء عتيد آسيت على قاضي القضاة محمد … وأذريت دمعي والفؤاد عميد فقلت إذا ما أشفق الخطب من لنا … بإيضاحه يوما وأنت فقيد وأوجعني موت الكسائي بعده … وكادت بي الأرض الفضاء تميد

стр. 236

وأذهلني عن كل عيش ولذة … وأرق عيني والعيون هجود هما عالمانا أوديا وتخرما … فما لهما في العالمين نديد وذكر السمعاني (١): عن هشام (٢) بن عبيد الله الذي توفي الإمام محمد في بيته: أنه لما حضرته الوفاة بكى، فقيل له في ذلك، فقال: لو أوقفني الله تعالى وقال: يا محمد ما أقدمك على الري؟ مجاهدا في سبيلي أم ابتغاء مرضاتي؟ ما أقول؟! وعن البويطي (٣) عن الشافعي (٤): أعانني الله تعالى في العلم برجلين في الحديث بابن عيينه، وفي الفقه: محمد بن الحسن. وعن ابن جبلة: سمعت محمدا يقول: لا يحل لأحد أن يروي عن كتبنا إلا ما سمع، أو يعلم مثل ما علمنا. وعن أحمد بن [حاج] (٥)

стр. 237

يقول (١): لم يحمل هذا الكتاب عني أحد أصح مما احتمله البخاري، أخذ عني ولم يستقص على أحد في السماع كاستقصائه قلت: لعله أراد به أبا حفص الكبير البخاري، فإن محمد بن إسماعيل البخاري ليس له رواية عن محمد فيما أحفظه. قيل (٢): دخل على الإمام أول ما دخل للعلم، قال: استظهر القرآن، فغاب سبعة أيام ثم جاء، وقال: حفظته. وعن الديلمي أن الشافعي قال (٣): جالسته عشر سنين، وحملت من كلامه حمل جمل لو كان يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا كلامه، ولكن كان يكلمنا على قدر عقولنا. وعن الشافعي (٤): ما رأيت سمينا عاقلا قط غيره. وأنشدوا للشيخ سيف الدين (٥) الباخرزي البخاري (٦): يقولون: أجساد المحبين نضوة (٧) … وأنت سمين لست غير مرائي فقلت لأن الحب خالف طبعهم … ووافقه طبعي فصار غذائي وعن ابن سماعة (٨): قال لأهله/١٥ ب/لا تسألوني حاجة من الحوائج فإن فيها شغل قلبي، وخذوا ما بدا لكم من وكيلي فإنه أفرغ لقلبي. روي (٩) أنه لما مات أبو يوسف: لم يخرج محمد لجنازته، قال: لأن

стр. 238

جواري أبي يوسف يندبنه ويقلن شعر: اليوم يرحمنا من كان يحسدنا … اليوم نتبع من كانوا لنا تبعا وروى (١) عنه أنه قال: ترك لي أبي ثلاثين ألف درهم فأنفقت خمسة عشر ألفا على النحو والشعر، والباقي على الحديث والفقه. وقال (٢): أقمت على باب مالك ثلاث سنين. فصل في مناقب الإمام عبد الله (٣) بن المبارك (رضى الله عنه) ولد سنة ثماني عشرة ومئة، وكانت أمه خوارزمية، وأبوه تركيا. قيل كان سبب توبته أنه سمع قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ (٤)﴾ فقال: بلى والله، وكان هذا أول زهده وكذلك هذه الآية كانت سببا لتوبة فضيل (٥) بن عياض. مات عبد الله بهيت سنة إحدى وثمانين ومئة. وعن الحسن (٦) بن الربيع قال (٧): لما حضرته الوفاة قال: اشتهى سويقا فلم يجد إلا عند رجل يعمل من أعمال السلطان فعرض عليه فلم يقبل، ومات ولم يشربه.

стр. 239

وعنه قال: لما حضرته الوفاة قال: قد ترى شدة الكلام علي فإذا سمعتني قلت كلمة الشهادة فلا تردها علي حتى تسمعني أخذت في كلام آخر، فإنما كانوا يحبون أن يكون آخر كلامهم كلمة الشهادة. لقوله ﵇: «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة» (١). قيل (٢) لعبد الله بن المبارك أجمل لنا حسن الخلق في كلمة، قال: ترك الغضب، قلت: ولذا لما قال بعض الصحابة: أوصني يا رسول الله قال: «لا تغضب» (٣). وقال (٤) أبو علي الروذباري (٥): صحبته في طريق مكة فلما دخلنا البادية قال: تكون الأمير أم أكون أنا؟ قلت: بل أنت، قال: فعليك بالسمع والطاعة، فأخذ المخلاة (٦) فوضعها على عاتقه فقلت دعني أحمل، فقال: أنا الأمير أم أنت؟. فمكثنا ذات ليلة إذ أخذ المطر فأخذ الكساء فأظلني إلى الصباح، فوددت أني مت ولم أقل كن أميرا، فلما أردت الإفتراق قال: يا أبا علي إذا صحبت إنسانا فاصحبه هكذا. ولابن المبارك شعر (٧): إذا رافقت في الأسفار قوما … فكن لهم كذي الرحم الشقيق

стр. 240

بعيب النفس ذا بصر وعلم … عمي القلب عن عيب الرفيق ولا تأخذ بهفوة كل قوم … ولكن قل: هلم إلى الطريق متى تأخذ بهفوتهم تمل … وتبقى في الزمان بلا صديق ومن كلامه (١): أن العلماء ورثة الأنبياء فإذا كانوا على طمع فبمن يقتدي؟ والتجار أمناء الله، فإذا خانوا فعلى من يؤتمن؟ والزهاد ملوك الأرض، فإذا كانوا ذا رياء فبمن يتبع؟ والولاة رعاة الأنام، فإذا كان الراعي ذئبا. فبمن تحفظ الرعية؟ وقد أشار عمران (٢) بن حطان الخارجي إلى الفقرة الأخيرة فيما قاله لعبد الملك بن مروان مخاطبا: شعر (٣): إن أنت لم تبق لنا لا صوفا ولا غنما … ألقيتني أعظما في قرقر قاع أخذت رزقي من ربي لتحفظني … فصرت لي سبعا يا أيها الراعي وعن أحمد بن حنبل عن الحسن قال: حضرنا باب سفيان بن عيينة ليلا، فقيل: هو عند يحيى بن خالد، وقال: آخر هو عند جعفر، فقال رجل منا: يا رب أرنا رجل يسوي هذا العلم [بين الناس فقال رجل هو] (٤) ابن المبارك [وقال رجل هات غيره، فذكرت هذا الكلام لابن المبارك] (٥) ولم أقل: ذكروك، فقال: هو الفضيل بن عياض.

стр. 241

وعن الأشعث بن شعبه المصيصي قال (١): قدم علينا ابن المبارك بالرقة وفيها هارون فجفل الناس إليه حتى تقطعت النعال وارتفعت الغبرة فأشرفت أم ولد للرشيد من برج، وقالت: ما هذا؟ قالوا: قدم من خراسان عالم يقال له ابن المبارك، قالت: هذا الملك لا ملك هارون الذي لا يجتمع الناس عليه إلا بشرطة وأعوان. وكان كتبه التي حدث فيها عشرين ألفا. وعن ابن إسحاق قال (٢): نظرت في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك، فما رأيت لهم عليه فضلا إلا بصحبة النبي ﷺ . ومن كلامه (٣) لا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم وعن عمرو بن حفص الصوفي، قال: خرج ابن المبارك يريد المصيصة (٤) للغزاة، وصحبه بعض الصوفية فقال لهم: أنتم لكم أنفس تحتشمون أن تنفق عليكم، هات يا غلام المنديل والطست، فألقى عليه المنديل ثم قال: يلقي كل منكم تحت المنديل ما معه، فجعل الرجل يلقي عشرة وعشرين درهما فأنفق عليهم إلى المصيصة ثم قال: هذا بلاد لغيرنا، فنقسم ما بقى، فجعل الرجل عشرين دينارا مكان عشرين درهما فيقول: إنما أعطيت عشرين درهما فيقول: وما تنكر أن يبارك الله للغازي في نفقته؟، قال الكردري (٥): يجوز أن يكون من قبيل إخفاء الإحسان على عادة السلف، قلت: ويؤيده أنه كان ينفق على الفقراء في كل سنة مئة ألف، ويجوز أن يكون من باب الكرامات ويؤيده ما روى ابن وهب: أن ابن المبارك مر بأعمى، فقال: أدع الله أن يرد علي بصري فدعا، فرد الله عليه بصره وأنا أنظر إليه.

стр. 242

ومن كلامه (١): من كان/١٦ أ/فيه خلة من الجهل فهو من الجاهلين، قال تعالى: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٢). ويشير إليه حديث: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» (٣). ومن كلامه (٤): الرفيع من رفعه الله بطاعته، والوضيع من وضعه الله بمعصيته. وقال: أحب الصالحين، ولست منهم، وأبغض الطالحين وأنا منهم. ودخل عليه أبو أسامة، فرأى في وجهه أثر ضر، فلما خرج وجه إليه أربعة آلاف درهم، ورزمة ثياب، ورقعة، وكتب إليه الشعر: وفتى خلا من ماله … ومن المروة غير خال أعطاك قبل سؤاله … وكفاك مكروه السؤال وقال صاحب (حلية الأولياء) (٥): أن رجلا في سرخس بعث إلى ابن المبارك شيئا عليه خيط، فأخذ الهدية ورد الخيط، وقال: كتب إلي في الشيء ولم يكتب إلى في الخيط، رب عمل صغير يعظمه الله، ورب عمل كبير يصغره الله. وروي (٦) أنه رجع من رقة إلى الشام في قلم استعاره ليرده على صاحبه. وسأله (٧) رجل عن الرباط، فقال: رابط نفسك على الحق حتى تقيمها على الحق فذلك الرباط. أي في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا .. ﴾. (٨).

стр. 243

وسأله رجل (١): أنّ تعلم القرآن أفضل أم العلم؟ قال: أتقرأمن القرآن ما تقيم به الصلاة؟ قال: نعم، قال: فعليك بالعلم تعرف به القرآن، أي معناه، والحاصل؛ أن الإشتغال بمعنى القرآن المستفاد من التفسير والحديث والفقه أفضل من مجرد تلاوته وكثرة قراءته وهذا معنى قوله ﵇: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» (٢). وقال: الحبر في الثوب حلية العلماء. ولبعضهم شعر (٣): إنما الزعفران عطر العذارى … ومداد الدواة عطر الرجال ويؤيده حديث: «مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء» (٤). وذكر الهمداني عن العباس ابن مصعب قال (٥): كان ابن المبارك جمع بين الفقه، والحديث والعربية والفقه، والغريب، وأيام الناس، والسخاوة، والشجاعة، والتجارة، والمحبة عند الناس. وذكر (٦) محمد بن الحسن البخاري عن الفضل بن دكين: ما رأيت قط أحسن قراءة منه، كان يقرأعلى الإمام. وعنه (٧): أن أول العلم النية ثم الفهم، ثم العمل، ثم الحفظ، ثم النشر.

стр. 244

وعن محمد بن إبراهيم البهراني: أن ابن المبارك أملئ هذه الأبيات عليه، وأنفذها إلى الفضيل بن عياض سنة سبع وسبعين ومئة، شعر (١): يا عابد الحرمين لو أبصرتنا … لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه … فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل … فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم وريح عبيرنا … وهج السنابك والغبار الأصهب (٢) ولقد أتانا من مقال نبينا … قول صحيح صادق لا يكذب لا جمع بين غبار خيل، الله في … أنف امرئ ودخان نار تلهب هذا كتاب الله ينطق بيننا … ليس الشهيد كميت لا تكذب قال: فلقيت الفضيل في المسجد الحرام، فلما قرأها بكى، وقال: صدق أبو عبد الرحمن، ثم قال: وأنت ممن يكتب الحديث؟ قلت: نعم يا أبا علي، قال: فاكتب هذا الحديث جزاء لحمل الكتاب، وقال: حدثني المنصور بن المعتمر عن ابن صالح عن أبي هريرة ﵁: أن رجلا قال: دلني على عمل أنال به ثواب المجاهد في سبيل الله، فقال النبي ﷺ : «هل تستطيع أن تصوم ولا تفطر وتصلي ولا تفتر، فقال: يا رسول الله إني أضعف عن ذلك، فقال ﵇: فو الذي نفسي بيده لو طوقت ذلك لما بلغت فضل المجاهد في سبيل الله أما علمت أن فرس المجاهد ليبيتن في طوله فيكتب لصاحبه بذلك الحسنات (٣).

стр. 245

ويروى (١) أنه قاتل علجا فدخل وقت صلاة العلج، فاستمهله، فلما سجد الكافر للشمس أراد أن يضربه بالسيف، فسمع صوتا من الهواء: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً .. ﴾. (٢) فأمسك، فلما فرغ المجوسي قال: لم أمسكت عن قصدك؟ فحكى له ما سمع، فقال الكافر: نعم الرب رب يعاتب وليه على عدوه، فأسلم وحسن إسلامه. وعن عبد الله بن سنان قال (٣): كنت معه ومع المعتمر بن سليمان بطرسوس فصاح الناس النفير؛ فلما اصطف الناس خرج علج رومي يطلب البراز، فخرج إليه مسلم فقتله، ثم وثم (٤) حتى قتل ستة من المسلمين، ثم لم يخرج إليه أحد، فلما رأى ابن المبارك ذلك أوصى إليه وقال: إن قتلت فأفعل كذا وكذا، فخرج فقتله وقتل ستة من الكافرين ثم امتنعوا عنه، فغاب ثم نظرته فإذا هو بالمكان الذي كان فيه، وكان يحضر القتال ويقاتل ويبلى بلاء حسنا فإذا كان وقت القسمة غاب، فقيل له في ذلك فقال: يعرفني الذي أقاتل له ومناقبه كثيرة ومراتبه شهيرة وفي هذا مقنع لأرباب الألباب في هذا الباب.

стр. 246

فصل في مناقب الإمام زفر (١) رحمه الله تعالى وهو ابن هذيل بن صياح الكوفي، وكان من أصبهان. عن إبراهيم بن سليمان (٢) قال: كان إذا جالسناه لم نقدر أن نذكر الدنيا بين يديه، وإذا ذكرها واحد منا قام عن المجلس/١٦ ب/وتركه في موضعه، وكنا نتحدث فيما بيننا أن الخوف قتله، وقال (٣) شداد (٤): سألت أسد بن عمرو: أبو يوسف أفقه أم زفر؟ قال زفر؟. قلت: عن الفقه سألتك، قال: يا شداد بالورع يرتفع الرجل. وعن ابن المبارك قال (٥): سمعت زفر يقول: نحن لا نأخذ بالرأي ما دام أثر، وإذا جاء الأثر تركنا الرأي. وعن محمد (٦) بن عبد الله الأنصاري قال (٧): أكره زفر أن يلي القضاء؛ فأبى؛ وهدم منزله، واختفى مدة ثم خرج، وأصلح منزله، ثم هدم، واختفى ثانيا حتى

стр. 247

عفي عنه. وعن عكرمة (١) قال (٢): لما قدم زفر البصرة نقل إليه (جامع) سفيان فقال: هذا كلامنا ينسب إلى غيرنا. وعن أبي نعيم قال (٣): قال لي زفر: هات أحاديثك أغربلها لك غربلة. وعن بشر (٤) بن القاسم سمعته يقول: لا أخلف بعد موتي شيئا أخاف عليه الحساب، فلما مات قوم ما في بيته فلم يبلغ ثلاثة دراهم. وعن وكيع (٥)، وهو شيخ الشافعي: ما نفعني مجالسة أحد مثل ما نفعني مجالسة زفر. وعن أبي مطيع (٦): زفر حجة الله على الناس، وأما أبو يوسف فقد غرته الدنيا بعض الغرور. وعن عصمة (٧) أنه قال (٨): ما تمنيت البقاء قط، وما مال قلبي إلى الدنيا أبدا.

стр. 248

وعن يحيى (١) بن أكثم قال (٢): رأيت وكيعا في آخر عمره يختلف إليه بالغدوات، والى أبي يوسف بالعشيات، ثم ترك أبا يوسف وجعل كل اختلافه إليه؛ لأنه كان أفرغ وكان يقول: الحمد لله الذي جعلك خلفا لنا عن الإمام، ولكن لا تذهب عني حسرته. وعن الفضل بن دكين قال (٣): لما مات الإمام لزمته؛ لأنه كان أفقه أصحابه وأورعهم، فأخذت الحظ الأوفر منه. وعن الحسن (٤) بن زياد (٥) كان زفر، وداود الطائي متواخيين فترك داود الفقه، وأقبل على العبادة، وأما زفر فجمع بينهما. وعن هلال (٦) بن يحيى (٧): كان زفر وداود متواخيين، وكان يتبع داود، فجاء داود وقعد على مزبلة، ثم جاء زفر وقعد معه. وعن محمد بن وهب (٨): أنه كان من أصحاب الحديث، وكان أحد العشرة الذين دونوا الكتب، مات بالبصرة في أول خلافة المهدي سنة ثمان وخمسين ومئة، وفي هذه السنة مات المنصور. وذكر الحافظ النيسابوري (٩): أن رجلا جاء إلى الإمام وقال: لا أدري أطلقت امرأتي أم لا؟ قال: لا عليك حتى تتيقن بالطلاق، ثم سأل الثوري، فقال: لا تضرك الرجعة، فسأل شريكا فقال: طلقها ثم راجعها فجاء إلى زفر فحكى له

стр. 249

الأقاويل، فقال: أما الإمام فقد أفتى بالفقه، والثوري بالورع، وأما شريك بالحزم فأضرب لكم مثلا. أن رجلا شك هل أنه أصاب ثوبه نجس أم لا؟ فقال الإمام: لا عليك قبل العلم بالنجاسة، والثوري قال: لو غسلته لا عليك، وأما شريك فقال: بل عليه، ثم اغسله. والله أعلم. فصل في مناقب داود (١) الطائي (قدس سره) هو كوفي، وأصله من خراسان. وعن عبد الله بن داود (٢): سأله إسحاق عن أصحاب الإمام، فقال: أبو يوسف، ومحمد، وزفر، وداود، وعافية ألأودي وأسد بن عمرو، وعلي بن مسهر، ويحيى بن زائدة، والقاسم بن معن، ثم قال: لو أن داود وزن بأهل الأرض لوزنهم فضلا. وعن عبد الله بن السايح (٣): أنه لما تعبد قال لنفسه: يا نفس أن طلبت الدنيا بالقرآن، أو الحديث، أو بالفقه، أو بالشعر، وأيام الناس فأنت أنت، أو ليس بعده الموت؟ ثم جاء إلى خطة (٤)، وقال: ليس شيء أجل من هذه الخطة خطها الفاروق

стр. 250

(﵁ حين هزم هرمز لأجدادي فباع ثلثيها بأربع مئة درهم فعبد الله عشرين سنة يأكل منها، ثم لما مات كان كفنه منها. قال الوليد بن عقبة (١): كان له في كل ليلة رغيفان يفطر عليهما؛ فأفطر ليلة على شق تمرة ومولاة له تنظر إليه، ثم صلى حتى أصبح، وصام يومه، فلما جاء وقت فطره نظر إلى الرغيفين وقال: يا نفس اشتهيت في الليلة الماضية التمر فأطعمتك ثم تشتهي الليلة ذلك لا أذيقك التمر ما عشت. وعن أبي يوسف (٢): اختلفت مع زفر فيما روينا عن الإمام فقال: بيني وبينك داود، فدخلنا عليه فثقل دخولنا عليه لما فيه من الشغل بالعبادة، فقلنا له المسألة، فقال: كان الإمام يقول فيه بقول زفر، فكلمناه فيه. فرجع إلى قول أبي يوسف، ثم سأله عن مسألة في كتاب الرهن مشكلة فلم يجبه، فلما قمنا ناداه ومر فيه كالسهم مسرعا، وقال: لولا أنه يسبق إلى فكرك أني تركت الفكر في مثل هذا ما أجبتك أبدا. وعن الحسن بن زياد قال (٣): دخلنا عليه مع حماد بن الإمام، فقال: ما لي وللناس، ثم أخرج حماد أربع مئة درهم وقال: استعن بها على حوائجك، فإنها من كسب الإمام لا من كسبي فاستعظم، وقال: لو كنت أقبل من احد لقبلت منك. وعن أبي نعيم قال (٤): جلس داود مع أهل العربية حتى صار رأسا فيهم، ثم مع علماء القرآن كذلك، ثم مع المحدثين حتى صار إمامهم، ثم جالس الإمام، وتفقه حتى لم يتقدم عليه أحد، ثم ترك وتخلى للعبادة حتى صار جبلا. وعن إسحاق بن منصور قال (٥): سألته عن رجل يصلي وهو
следующие страницы →