← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11313

السياسة الشرعية - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (825 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقرر الخليفة عمر بن الخطاب لكل فرد بعد تجربة عملية رزقًا شهريًّا، قدره جريبين من الطعام, والجريب هو كيل من المكيلات التي يكال بها الحبوب, وذلك للرجل، والمرأة، والمملوك، والطفل أيضًا, وصار من الطرائف في هذا الأمر أن المرء إذا أراد أن يدعو على صاحبه قال له: "قطع الله عنك جريبيك" يعني: الكمية من الطعام التي كانت تعطى له من بيت المال. وحرص الخليفة عمر على أن يحمل بنفسه عطاء بعض القبائل ويوزعه عليهم, فلا يغيب عنه امرأة بكر ولا ثيب فيعطيهن في أيديهن, وصار العطاء خير نموذج عملي لقوة النظام المالي في الإسلام, وعدالة قواعده ودقتها في نفس الوقت. واقتضى التطور في الموارد والعطاء على عهد عمر بن الخطاب الاهتمام بالتنظيم المالي للولايات، باعتبارها المصدر الرئيسي الذي استمد منه هذا التطور مقوماته ومعالمه, وتجلى في هذا التنظيم مدى ما اتسم به النظام المالي الإسلامي من مرونة، وقدرة على النهوض بأحوال الولايات؛ حتى صارت تكون الصرح الشامخ لما سماه الفقهاء "دار الإسلام" وكان لكل ولاية إدارتها المالية بعمالها الخبيرين بمرافقها القديمة, القادرين على بعث ماء الحياة فيها, بما يتفق والنظام الإسلامي وعدالته. وتتضح تلك الحقيقة في الولايات الكبرى الثلاث للدولة الإسلامية إذ ذاك، وهي العراق، والشام، ومصر, فالنبسة لولاية العراق انقسم العراق من حيث التنظيم المالي قسمين: أحدهما: هو الشطر الجنوبي الذي اشتهر باسم السواد، واشتمل على الأراضي الخصبة.

стр. 107

والآخر وهو الشطر الأعلى الذي اشتهر باسم أرض الجزيرة الفراتية, واشتملت على الأراضي الممتدة بين دجلة والفرات. وبعث الخليفة عمر بن الخطاب خبيرين لمسح أرض السواد -أي: سواد العراق- وتقدير ما يجب أن تدفعه من الخراج عن الأرض الزراعية والجزية عن أهل الذمة بها، وقام بهذا العمل خبيران من خبراء المسلمين هما عثمان بن حنيف، وحذيفة بن اليمان, اللذان استعانا بأهل البلاد لمعرفة النظم التي سبق للساسانيين فرضها على تلك النواحي, وكان الساسانيون -أي الحكام السابقون لتلك البلاد قبل أن يفتحها المسلمون- يفرضون الخراج على ما يعصم الناس والبهائم، وهو الحنطة -أي: القمح, والشعير، والأرز, والكرم أي: العنب, والرطاب أي: البلح, والزيتون- وكذلك على كل نخل حديقة -أي: البساتين- وكان مقدار هذا الخراج يقدر على أساس المساحة. وتولى الدهّاقون -وهم رؤساء القرى- جمع هذا الخراج, بحيث جعلوا الغرم يقع على صغار الملاك دون الكبار, وفرض الساسانيون أيضًا جزية جعلوها على أربع درجات بحيث أعفي منها أهل البيوتات، والعظماء، والمقاتلة، والكتاب, ومن كان في خدمة الملك, ووقع غرمها على العامة أصحاب الدخل البسيط, وهذا ظلم لا يرضاه الإسلام, فقد كفل هذا النظام الإسلامي العدالة في جمع الخراج, وإزالة الاستثناءات التي سبق أن فرضها الساسانيون على صغار الملاك، وتحققت المساواة في ظل النظام الإسلامي المالي, وتدعمت المساواة في ظل النظام المالي الإسلامي في تقرير الجزية على الذكور البالغين فقط, من دون النساء، والأطفال، والمسنين, وذلك بمقدار ٤٨ درهمًا و ٢٤ درهمًا و ١٢ درهمًَا في السنة حسب دخل الفرض وثرائه, ودون استثناء.

стр. 108

وصار هذا المقدار لا يضر الفرض العادي على نحو ما قاله الخليفة عمر درهم في الشهر لا يعوز رجلًا, لا يؤثر في الرجل, وكان أساس التباين في دفع الجزية في ظل النظام المالي الإسلامي هو الحالة الاجتماعية, وما صاحبها من دخل, فكان على الدهاقين -أي: الذين يتختمون بالذهب- كان على الرجل ثمانية وأربعين درهمًا؛ لأنهم في فئة الأغنياء والأثرياء, وكان على أوساطهم من التجار على رأس كل رجل أربعة وعشرين درهمًا في السنة, وعلى الأكرة -وهم الفلاحون وسائر من بقي منهم- اثن عشر درهمًا, وهذا معناه أن الجزية كانت متفاوتة في مقدارها فالأثرياء جدًّ عليهم ٤٨ درهمًا في السنة، والمتوسطون ٢٤ درهمًا، والأقل ثراءً وتوسطً عليهم ١٢ درهمًا, فكان هذا يتمشى مع حالة الفرد أو حسب دخل الفرد وثرائه. وتمّ التنظيم المالي لبلاد الجزيرة الفراتية على نفس الأسس التي تقررت في أرض السواد، من حيث مراعاة العدالة الإسلامية, وكذلك الأحوال المالية لتلك النواحي. وفي ولايات الشام اتبع المسلمون في تقرير الجزية والخراج نفس الأسس التي اتبعوها في بلاد الجزيرة الفراتية؛ لتشابه الأحوال في كل منهما، من حيث تبادل سيادة الفرس والبيزنطيين عليهما. وبالنسبة لمصر أو الولاية المصرية كانت جباية الجزية في مصر تختلف من مكان إلى آخر, حسب إمكانية كل فرض؛ ذلك أن صاحب "إخنا" جاء إلى عمرو بن العاص وطلب منه تقرير حدّ ثابت للجزية -يعني تقرير حدّ معين للجزية ومبلغ معين للجزية- ليصبح كل فرد ملتزمًا بها دون نظر إلى حالته المالية, ولكن عمرو بن العاص رفض ذلك بشدة، مبينًا أن هذا التحديد أمر غير عملي, وأن

стр. 109

الأوضاع قد تتغير، وأن الوالي صاحب الحق في تعديل ما على الفرد من جزية حسب مقتضيات تلك الأوضاع. وكان لأبناء مصر قدر كبير من الحرية والمساهمة في الإدارة المالية لبلدهم, وذلك بما يحقق لهم العدالة، والتخلص من مساوئ الاستغلال الذي سبق أن عانوا منه الكثير زمن الروم. وصار التنظيم المالي في مصر على هدي مراعاة مصالح البلاد وأهلها, وأنه لم يرسل إلى الخلافة في المدينة الخراج المطلوب إلا بعد اقتطاع ما تحتاج إليه البلاد من حفر خلجانها، وإقامة جسورها، وبناء قناطرها ... وغير ذلك من الأمور التي تحتاجها الدولة, ثم إن الخراج لم يرسله عمرو بن العاص أيضًا إلا بعد أن يفرغ الناس من الزراعة وعصر كرومهم. إن هذا الذي فعله عمر بن الخطاب إنما هو تقرير جديد وتنظيم جديد للسياسة المالية الإسلامية بالنسبة للبلاد التي افتتحها المسلمون, ولو نظرنا إلى الكتب التي تتحدث عن الإدارة في ظل العصر الإسلامي الأول, نجد أن هناك كتابًا يسمى الإدارة الإسلامية في عز العرب تأليف محمد كردي علي, جاء في هذا الكتاب في صفحة ٤٣ قول عمر بن الخطاب: "ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني؛ فإن الله جعلني له خازنًا وقاسمًا" وكتب عمر الناس على قبائلهم أي: أحصاهم, ففرض الفروض وأعطى العطايا على السابقة, أي السابقة في الإسلام, بدأ بالأقرب فالأقرب من الرسول, وفرض لأهل بدر ولمن بعدهم إلى الحديبية وبيعة رضوان, ثم لمن بعدهم, ولأهل القادسية واليرموك وأعطى نساء النبي ﷺ وغيرهم, ورزق الصبيان والأئمة والمؤذنين والمعلمين والقضاة, وحلف على أيمان ثلاث, فقال: "والله ما

стр. 110

أحد أحق بهذا المال من أحد، وما أنا أحق به من أحد, والله ما من المسلمين من أحد إلا وله في هذا المال نصيب إلا عبدًا مملوكًا, ولكنا على منازلنا من كتاب الله تعالى وقسمنا من رسول الله ﷺ فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته". ثم يقول عمر: "والله لئن بقيت لهم ليأتيني الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو يرعى مكانه" فكأن هذا دليلًا على تصميم عمر بن الخطاب -رضوان الله ﵎ عليه- أن هذه الأموال التي تأتي لبيت المال عن طريق الجزية أو عن طريق الخراج, أنه لا بد وأن يكون لكل مسلم نصيب في هذه الأموال حتى ولو كان إنسانا عاديًّا، راعي يرعى في صنعاء، في اليمنن، فكان يقسم أنه لا بدّ وأن يصل له نصيبه من هذا العطاء؛ لأنه كما قلنا قال: "والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد" يعني: كل واحد له في هذا المال. جمع عمر المسلمين لأول عهده وقال: ما يحل للوالي من هذا المال؟ سألهم عمر عندما تولى الخلافة, وقال: ما يحل للوالي من هذا المال؟ أي المال الذي يأتي إلى بيت المال من الجزية والخراج ... وغير ذلك, فقالوا جميعًا أما لخاصته فقوته وقوت عياله لا وكس ولا شطط, وكسوتهم وكسوته للشتاء والصيف، ودابتان إلى جهاده، وحوائجه، وصلاته، وحجه، وعمره, والقسم بالسوية, وأن يعطي أهل البلاد على قدر بلائهم, ويتعاهدهم عن الشدائد والنوازل حتى تنكشف, ويبدأ بأهل الفيء. وكان عمر إذا احتاج أتى صاحب بيت المال فاستقرضه يعني: جاء إلى صاحب بيت المال فاستقرضه يعني: طلب منه القرض, فاستقرضه فربما عثر, فيأتيه صاحب بيت المال فيتقاضاه فيلزمه فيحتال له عمر, أي: أن عمر كان إذا احتاج إلى أموال لينفقها في مصالح المسلمين, يأتي إلى صاحب بيت المال, وهو ما

стр. 111

نطلق عليه وزير الخزانة في الوقت الحاضر, ويطلب منه قرضًا كأنه يطلب القرض لنفسه هو, ويقول له: يا صاحب بيت المال، عندما يحل وفاء الأجل ائت إلي لتأخذ نصيبك, فهذا قرض خاص لي, وكان هذا حرصًّا منه -أي من سيدنا عمر بن الخطاب- على أن يذهب المال إلى المكان المحدد له, وربما خرج عطاؤه فقضاه وطلب من أحد أصحابه أن يقرضه مالًا, فقال له: يا عمر، ما يمنعك أن تقترض من بيت المال؟ فأجابه عمر: إنه إذا مات, وله مدين, ربما غفلوا عن تقاضي ما اقترض, أما صاحبه فإنه لحرصه على ماله يطالب الورثة بماله فيستوفيه وتبرأ ذمة عمر. هكذا كان حرص عمر بن الخطاب على الأموال التي كانت في بيت المال, إذا أراد المال للإنفاق على مصالح المسلمين يذهب إلى أحد أصحابه ليقترض منه, وعندما سئل لماذا لا تقترض من بيت المال؟ يقول: أخاف أن أموت. القائم على بيت المال أو صاحب المال ربما يتكاسل ولا يطالب بهذا المال؛ لأنه ليس ماله هو وإنما هو مال المسلمين فربما يتكاسل, لكن عندما أخذه من صاحبي فإذا مت فإنه حريص على أمواله وسوف يذهب إلى الورثة فيعطونه هذا المال. هذه هي سياسية سيدنا عمر بن الخطاب بالنسبة للأموال, ومما تعلقت به همة عمر إحداث أوضاع جديدة اقتضتها حالة التوسع في الفتوح, فهو أول من حمل الدرة, عصا بسيطة, وهو أول من دون الدواوين على مثال دواوين الفرس والروم دونها له عقيل بن أبي طالب وابن نوفل وجبير بن مطعم -كما قلنا- وكانوا من نبهاء قريش لهم علم بالأنساب, وأيام الناس، والديوان الذي نقصده هو الدفتر أو مجتمع الصحف, والكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية, وعرفوا الديوان أنه موضع لحفظ ما تعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال ومن

стр. 112

يقوم بها من الجيوش والعمال, وأطلق لفظ الديوان بعد ذلك على جميع سجلات الحكومة وعلى المكان الذي يجلس فيه القائمون على هذه السجلات. هكذا كان عمر وضع عمر أول ديوان في الإسلام للخراج والأموال بدمشق، والبصرة، والكوفة، على النحو الذي كان عليه قبله. وقيل: إن أول ديوان وضع في الإسلام هو ديوان الإنشاء. وداوين الشام تكتب بالرومية، ودواوين العراق بالفارسية, وداوين مصر بالقبطية يتولاها النصارى والمجوس دون المسلمين. والسبب في تدوين الدواوين أن عامل عمر على البحرين أتاه يومًا بخمسمائة ألف درهم فاستعظمها, وقال: هي كثيرة جعل عليها حراسًا في المسجد. فأشار عليه بعض من عرفوا فارس والشام أن يدون الدواوين يكتبون فيها الأسماء, وما لكل واحد وجعل الأرزاق مشاهرة, يعني: كل شهر, وجعل عمر تابوتًا أي صندوقًا لجمع صكوكه ومعاهداته, وجند الأجناد أي: ألف الفيالق فكان هناك جنود في فلسطين, وفي الجزيرة والموصل وغير ذلك. ولما أرسل عبد الله بن مسعود إلى العراق وزيرًا ومعلمًا مع عمار بن ياسر الذي ولاه الإمارة كتب إلى أهل العراق, وقد جعلت على بيت مالكم عبد الله بن مسعود, وآثرتكم به على نفسي, وقد يبعث إلى بعض الأقطار عاملًا على الصلاة والحرب، ويسميه أميرًا, وعاملًا على القضاء وبيت المال، ويسميه معلمًا ووزيرًا, أو يجمع للعامل بين الصلاة والخراج كعامل مصر, وتقسيم العمالات في الشام يختلف عن اليمن، وعامل البحرين لا يكون كعامل اليمامة, وقد يبعث أناسًا لمساحة الأرض، وأناسًا لتقدير الخراج، وآخرين لإحصاء الناس, وقال لعاملين له: "توليا مساحة العراق ووضع الخراج على سوادها" قال لهما: "أخاف أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطبيقه, لئن سلمني الله لأدعنّ أرامل العراق لا

стр. 113

يحتجن إلى رجل بعدي أبدًا". وقال: "اللهم إني أشهدك على أمراء الأنصار, فإني إنما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم, وسنة نبيهم, ويعدلوا عليهم ويقسموا فيئهم بينهم, ويرفعوا إلي ما أشكل عليهم من أمورهم". وكان يرزق العامل بحسب حاجته وبلده وكان أبو بكر يساوي الناس في العطاء ولا يفضل أهل السابقة في الإسلام, ويقول إنما عملوا لله فأجورهم على الله, وإنما هذا المال عرض عارض يأكله البر والفاجر وليس ثمنا لأعمالهم, وكان عمر يقول: لا أجعل من قاتل رسول الله كمن قاتل معه, فرضوان الله ﵎ عليك يا عمر. النظام المالي في عهد عثمان بن عفان بعد سيدنا عمر -رضوان الله ﵎ عليه- تولى عثمان ﵁ الخلافة, ولما تولى عثمان الخلافة لم يغير من سياسة عمر المالية، وإن كان قد سمح للمسلمين باقتناء الثروات، وتشييد القصور، وامتلاك المساحات الشاسعة من الأراضي, فقد زالت عن المسلمين شدة عمر التي كانت ترهبهم وتخيفهم، والتي كانت تحول دون الكثير مما يشتهون, وكان عهده عهد رخاء على المسلمين، وقد أدى هذا الرخاء إلى ارتفاع الأسعار, أي: عهد سيدنا عثمان -رضي الله ﵎ عليه. وفي عهد عثمان كثرت الأموال وزادت الإيرادات, فرأى -رضي الله ﵎ في الخراج والجزية غناء له عن أن يشغل نفسه بجمع الصدقات فعهد إلى

стр. 114

أصحاب الأموال في إخراج زكاتهم بأنفسهم, ودفعها إليه دون أن يجعل لها جباة مخصوصين, أي: عمالًا مخصوصين، مخالفًا في ذلك ما سبقه من الخلفاء الراشدين؛ لأنه رأى أن النقود وعروض التجارة, وهي ما يعرف بالأموال الباطنة, قد تضاعف مقدارها, وأنه في تحري وجودها في أيدي أربابها حرج لهم فترك لهم الحق في إخراجها بأنفسهم وإعطائها للفقراء مباشرة, واكتفى بجباية الأموال الأخرى التي تعرف بالأموال الظاهرة, وهي السائمة, -السائمة نقصد بها النعم من الإبل والبقر والغنم- والزروع والثمار؛ لأنه لا حرج عليهم في تعقبيها بين أيديهم. النظام المالي في عهد علي بن أبي طالب وإذا تحدثنا عن النظام المالي في عهد الخليفة علي بن أبي طالب نقول: كان علي بن أبي طالب أقرب إلى عمر في سياسته المالية من شدة وتقتير على نفسه, وعلى أقرب الناس إليه, رحيما مع الرعية عطوفًا عليهم, يرعى مصالحهم ويهتم بشئونهم, فقد روي أن أخاه عقيلًا طلب إليه شيئًا من بيت المال لم ير علي أن له حقًّا فيه فمنعه من ذلك وقال له ليس لك في هذا المال غير ما أعطيتك, ولكن اصبر حتى يجيء مالي فأعطيك منه, فأغضب هذا القول عقيلًا وتركه وذهب إلى معاوية في الشام. كما كتب ﵁ إلى أحد ولاته يقول له: وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله, فإن في إصلاحه وصلاحهم صلحًا لمن سواهم, ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم؛ لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله, كأن سيدنا علي بن أبي طالب بفراسته يقول لأحد ولاته ويوصيه بأمر الخراج ويقول له: إذا أردت أن ينصلح حال

стр. 115

الناس جميعًا فعليك أن تصلح الخراج -تصلح أرض الخراج- وتهتم بأرباب هذه الأرض, وأصحاب هذه الأرض الذين يقومون بزراعتها؛ لأنك إذا أصلحت وكان هناك اهتمام بهذه الأرض التي تأتي بالزرع, فهذا معناه أن الخراج سوف يزيد, ولن يزيد هذا الخراج ولن تنصلح هذه الأرض إلا إذا صلح أمر القائمين على زراعتها, هكذا كان يقول سيدنا علي بن أبي طالب إلى ولاته. ويقول له أيضًا: وليكن لك نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج يعني اهتم أولا بعمارة الأرض, وإصلاح الأرض, قبل أن تنظر في الخراج الذي يأتي منها, نعم؛ لأنه إذا لم تكن صالحة للزراعة فلن تأتي بخراج, وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة يعني هذا الخراج الذي تريد الحصول عليه لن تحصل عليه إلا بعمارة الأرض وبالاهتمام بهذه الأرض؛ لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة, ومن طلب الخراج من غير عمارة أخرب البلاد. يعني الذي أو الوالي الذي يضع نظره على الخراج فقط ويريد أن يأخذ الخراج فقط دون أن ينظر إلى هذه الأرض التي تأتبنا بالخراج فإن سياسته سوف تؤدي إلى خراب الديار, لماذا؟ لأنه لن يأتي الخراج -كما قلنا- وفيرًا إلا إذا قمنا بعمارة وإصلاح الأرض التي تأتينا بهذا الخراج؛ لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج من غير عمارة أخرب البلاد, وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلًا، وإنما يأتي خراب الأرض من إعواز أهلها, يعني هذه الأرض التي تأينا بالخراج متى تكون خرابًا؟ تكون خرابًا إذا أهملنا أصحابها، إذا أهملنا القائمين عليها؛ عندئذٍ لن يقومون بإصلاح هذه الأرض ولا بزراعة هذه الأرض كما ينبغي، وبالتالي يؤدي ذلك إلى خرابها؛ وبالتالي فليس هناك خراج. ولم يستقم أمره إلا قليلًا وإنما يأتي خراب الأرض من إعواز أهلها، يعني من حاجتهم إلى المال، وإنما يعوز أهلها لإشراف الولاة على الجمع وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبرة. يعني هؤلاء الذين يتولون الخراج؛ إذ لم يهتمون بهذه الأرض وبأصحاب هذه الأرض ففي هذه الحالة لن نحصل على الخراج, وسوف يترتب على ذلك خراب هذه الأرض وبالتالي فلا خراج. وهذا الكتاب الذي كتبه علي بن أبي طالب إلى أحد ولاته ينطوي على أسس ومبادئ سامية في أساس فرض الضرائب, وتنظيمها ويدعم النظام المالي للدولة بقواعد متينة تزيد من عمرانها وحفظ أموالها, ويحول دون خرابها وإفلاسها. المستحدثات المالية في عهد الأمويين ثم نتحدث الآن عن النظام المالي للأمويين: صاحب قيام الدولة الأموية تطورًا هامًّا في النظام المالي قوامه حصول الولايات على أكبر قدر من الاستقلال في شئونها المالية، ذلك أن النظام الإداري اللامركزي للأمويين تطلب منح الأمراء في الولايات سلطانًا واسعًا، ليس في شئون الإدارة فحسب، بل وفي شئون المال أيضًا. وقد حاول الأمويون في بعض الأحيان فصل الشئون الإدارية عن الشئون المالية بغية دعم سلطانهم على الولايات, غير أن متطلبات النظام الإداري اللامركزي، وما

стр. 116

اقترن به من تحول بعض الولايات إلى قواعد للفتح والتوسع، اقتضى ذلك ضم شئون المال -أي الخراج- في الولاية إلى الأمير أو تفويضه تعيين عمال الخراج من قبله, وصار لكل ولاية نظامها المميز لها بحسب ما أبقاه كل أمير من نظم الولاية المحلية، إلى جانب القواعد التي سبق إقرارها وفق النظام المالي للخليفة عمر بن الخطاب, واكتسب النظام المالي للأمويين بالتالي خصائص جديدة, تمثلت في وجود موارد شرعية سبق أن نظمتها الشريعة والسوابق الإسلامية، وأيضًا وجود موارد استثنائية جاءت وليدة إحياء العرف المحلي للولايات, وتجلت هذه الظاهرة الجديدة للتنظيم المالي الأموي في كل من ولاية العراق والشام ومصر. وإذا نظرنا إلى العراق مثلًا كنموذج لهذا التنظيم الجديد للأمويين، الذين أحدثوا بعد الموارد الجديدة التي لم تكن موجودة أيام الخلفاء الراشدين, فقد حافظ الأمويون على التنظيم المالي الذي سبق أن أقره الخليفة عمر بن الخطاب من حيث الجزية والخراج, ولكن بدأ الخليفة معاوية بن أبي سفيان يعمل على زيادة موارد الدولة من هذه الولاية، عن طريق إحياء بعض التقاليد المحلية التي اعتاد الناس القيام بها زمن الساسانيين, ونقصد بالساسانيين هؤلاء الحكام الذين كانوا يحكمون هذه البلاد قبل أن يدخلها الإسلام. أقول: أراد معاوية أن يأتي بموارد جديدة غير الموارد التي كان متعارفًا عليها أيام عمر بن الخطاب, وهي الجزية والخراج، تتمثل هذه الموارد الجديدة في الحصول على المال عن طريق إحياء بعض التقاليد المحلية التي اعتاد الناس القيام بها زمن الساسانيين، فطالب أهل السواد أن يهدوا له في عيد النيروز والمهرجان، يعني يعطوه هدايا، فبلغ عشرة آلاف ألف درهم، وكان النيروز من أعياد الفرس الجليلة ويقع عند دخول فصل الصيف, ويعتبر إيذانًا عندهم بافتتاح الخراج, وتولية العمال وضرب الدراهم, أما المهرجان فكان يقع عند

стр. 117

دخول الشتاء وفصل البرد؛ حيث جرت العادة بتقديم الفرس الهدايا لملوكهم, وغدا إحياء هذا التقليد المالي القديم يمثل موردًا جديدًا من موارد ولاية العراق زمن الأمويين إلى جانب الجزية والخراج. معنى ذلك أن هناك نوع جديد من الموارد المالية أضيف إلى موارد الإسلامية فأضافوا إلى الجزية والخراج موردًا آخر هذا المورد الآخر هو ما يسمى بهدايا النيروز والمهرجان -عيدان عند الفرس- وكانت عادة هؤلاء القوم أنهم في هذه الأعياد يقومون بإعطاء الملوك هدايا, هذه الهدايا كانت تبلغ مبلغًا كبيرًا؛ لذلك أحيا هذه العادة الأمويون الهدايا التي كانوا يعطونها قبل ذلك لملوكهم -أي قبل أن يدخل الإسلام عندهم. هذا نوع جديد وهذا نوع من التنظيم جديد لموارد بيت المال, لم يكن موجودًا أيام النبي ﷺ ولا أيام أبي بكر، ولا أيام عمر، ولا أيام عثمان، بل ابتدع ذلك الأمويون, وعمد معاوية أيضًا إلى زيادة موارد العراق عن طريق استصلاح الأراضي في منطقة تسمى البطائح، وهي الأرض الواطئة الممتدة بين البصرة والكوفة المغمورة بالمياه, واستطاع عن طريق عمال الخراج في ولاية العراق استصلاح ضياع واسعة, بلغت غلتها خمسة آلاف درهم, بحساب هذه الأيام, وصار هذا العمل الذي قام به معاوية تقليدًا هامًّا اتبعه سائر من جاء بعده من الخلفاء، حتى صارت موارد العراق تستمد قدرًا كبيرًا من تلك الأراضي الجديدة. هذا هو المورد الثاني من الموارد التي أنشأها الأمويون زمن حكمهم, قلنا: المورد الأول هو الهدايا التي كانت تعطى لهم من سكان هذه البلاد أيام أعيادهم وهو النيروز والمهرجان. المورد الثاني الذي أنشأه الأمويون هو استصلاح الأراضي, فكانت هناك أراضٍ شاسعة ليس بها زرع, فقاموا باستصلاح هذه الأراضي، وعندما استصلحت هذه الأراضي وضعوا عليها الضريبة ... وغير ذلك؛ ولذلك أصبحت هذه الأراضي تأتي بأموال طائلة؛ ولذلك استصلاح الأراضي أصبح سنةً متبعةً منذ عهد الأمويين وأصبح يحرص عليه من يأتي بعدهم في الحكم. فهذه الأراضي التي استصلحت إنما كانت تأتي بمورد ثابت من الموارد المالية للدولة الإسلامية في عهد الأمويين. وأيضًا اهتم ولاة الأمويين في العراق بتنظيم أداتهم المالية لتحقيق أكبر قدر من الموارد، فاستخدم عبيد الله بن زياد الدهاقين -وهم رؤساء القرى- لخبرتهم بالشئون المالية عن العمال العرب, أيضًا هذا نوع من الأنواع التي لجأ إليها الأمويون من أجل زيادة الأموال التي تجيء إليهم فجعل هناك أيضًا كنوع من الموارد الجديدة أنهم غيروا العمال المسلمين بعمال آخرين يسمون الدهاقين -وهم رؤساء القرى- وذلك من أجل خبرتهم بالشئون المالية من العمال العرب, وهؤلاء إنما يراعون حاجة الدولة من الأموال، وقد لا يراعون حاجة المسلمين؛ ولذلك استخدموهم بدل المسلمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٤ - النظام المالي في عهد الأمويين وعمر بن عبد العزيز تابع: المستحدثات المالية في عهد الأمويين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن النظام المالي في عهد الأمويين، وتبين لنا أنهم لم يقتصروا على الموارد المالية التي كانت موجودة أيام عمر بن الخطاب من: زكاة، وجزية، وخراج، بل زادوا موارد مالية أخرى، ذكرنا منها: الهدايا التي فرضوها على أهل الولايات، والتي كانوا يدفعونها قديمًا في أعيادهم لملوكهم قبل فتح الإسلام لبلادهم، ومن هذه الموارد الجديدة أيضًا: استصلاح الأراضي المعطلة عن الزراعة. ونواصل الحديث في هذه المحاضرة الجديدة عن هذه الموارد الجديدة، فنقول: واهتم ولاة الأمويين في العراق أيضًا بتنظيم أداتهم المالية؛ لتحقيق أكبر قدر من الموارد، فاستخدم عبيد الله بن زياد الدهاقين -ويقصد بهم رؤساء القرى- لخبرتهم

стр. 118

بالشئون المالية عن العمال العرب، وبرّر سياسته قائلًا: "إذا استعملت العربي كسر الخراج -يعني: قل الخراج- فإن أغرمت عشيرته، أو طالبته، أوغرت صدورهم، وإن تركته تركت مال الله، وأنا أعرف مكانه، فوجدت الدهاقين أبصر بالجباية، وأوفى بالأمانة، وأهون بالمطالبة منه". فهذا نوع أنشأه الأمويون بقصد زيادة الحصيلة من الجزية والخراج؛ إذ استعملوا غير المسلمين، وهم رؤساء القرى لهذه البلاد في الجباية بدل العمال العرب والمسلمين، وبرر ذلك -كما بينا- عبيد الله بن زياد فيقول بأنه عندما يتولى العربي جباية الخراج والجزية فإنه يقل الخراج، ولا نستطيع أن نحاسبه على ذلك، لكن إن أسندنا هذه الوظيفة إلى غير المسلمين مثل: الدهاقين -وهم رؤساء القرى- فهم أقدر على تحصيل الجزية، وعلى تحصيل الخراج؛ لأنهم أعرف بذلك من العرب؛ ولذلك فضلوا هؤلاء على العرب. وحدث على عهد الخليفة عبد الملك بن مروان تعديل في نظام الضرائب في شمال العراق بأرض الجزيرة؛ ضمانًا لزيادة الموارد؛ إذ بعث الضحاك بن عبد الرحمن الأشعري إلى أهل الجزيرة، وقام بإحصاء عددهم، ثم حسب ما يكسبه العامل في سنته كلها، ثم طرح نفقته في طعامه وكسوته، فوجد أن الذي يحصل بعد ذلك في السنة كلها لكل واحد أربعة دنانير، فألزمهم ذلك جميعًا، وجعلهم طبقة واحدة، هذا نوع أيضًا من أنواع الموارد المالية الجديدة التي أنشأها وابتدعها الأمويون في زمن خلافتهم، وهذا يكمن في الإحصاء للناس، ثم فرض ضرائب عليهم وهي ما تعرف: بـ ضريبة الرءوس. ولجأ الأمويون إلى سياسة إحصاء السكان في العرق كلما تطلب الأمر تعديلًا في الموارد، وكان آخر الأعمال الأموية في تلك السبيل، ما قام به عمر بن هبيرة في خلافة يزيد الثاني سنة مائة وخمسة هجريًّا، إذ قام بمسح السواد -أي: سواد العراق- وحدد الجهات التي تؤخذ منها الضرائب، وهو المسح الذي صار قاعدة

стр. 119

النظام المالي في تلك الولاية، حتى بعد انتهاء العصر الأموي، وقيام العباسيين في الخلافة. ففي الشام اتبع الأمويون نفس القواعد العامة التي صاروا عليها في العراق، من حيث إجراء تعداد للسكان، كلما اقتضى الأمر تعديلًا في الموارد المالية، وظلت في نفس الوقت القواعد الأساسية للنظام المالي للخليفة عمر بن الخطاب سارية في بلاد الشام؛ حيث كانت المدن تدفع ما عليها من جزية وخراج جملة واحدة، ولكن تميزت الشام بوجود بيت المال المركزي، الذي كانت تأتي إليه الموارد الفائضة عن بيوت المال في الولايات، وكان المورد الرئيسي للخلفاء الأمويين في دمشق يأتيهم من الزيادات التي قرروها على بعض الولايات، أو من قادة الفتوح، وكذلك من الصوافي، وهي: الأراضي التي كانت ملكًا في الأصل لأكاسرة الفرس، وقياصرة الروم، أو كانت لرجل قتل في الحرب، أو رجل لحق بأهل الحرب -أي: بالعدو- فهذه الأراضي تسمى: الصوافي. وإنما كانت تسمى بالصوافي؛ لأن الخليفة استصفاها -أي: جعلها خالصة- لبيت المال، وأحيانًا كان يطلق عليها اسم: القطائع؛ لأن الخليفة كان يوزع بعضها إقطاعات على من يشاء من المقربين له، هذا أيضًا نوع جديد من أنواع الموارد المالية التي أنشأها وابتدعها الأمويون. واستطاع الخلفاء الأمويون بذلك أن ينهضوا بأعباء البلاط في دمشق، إذ كثرت عليهم الوفود، وما تطلبته من منح عالية، وكذلك لاسترضاء القبائل العديدة، وشراء ولائها بالمال، وترك الأمويون وراءهم كنوزًا فنية ومعمارية تشهد لهم بالثراء العريض، وحسن التنظيم المالي.

стр. 120

القواعد الجديدة في النظام المالي ومؤسساته: ونتحدث الآن عن القواعد الجديدة في النظام المالي، ومؤسساته، فنبدأ بتعريب ديوان الخراج: ونقول: اقتضى اتساع موارد الدولة، وتعدد أوجه إنفاقها ضبطًا للمؤسسات المالية، ووضع قواعد جديدة للإشراف على نشاطها، وسير العمل بها، وكان معاوية بن أبي سفيان أول من أحس تلك الحاجة، نتيجة الاستقلال المالي للولايات، إذ أمر لعمرو بن الزبير بمائة ألف درهم، وسلمه كتابًا بذلك؛ ليأخذ المبلغ من والي العراق زياد بن أبي، وفتح عمرو بن الزبير الكتاب في الطريق، وجعل المائة مائتين، وعند مراجعة الخليفة لميزانية العراق ساورته الشكوك، وأنكر هذا التلاعب، وعلى الرغم من استرداد السلطات المالية لهذا المبلغ، إلا أن معاوية رأى أنه لا بد من ضبط جديد للمؤسسات المالية، وأنشأ لهذا الغرض: ديوان الخاتم. فإذن ديوان الخاتم، ونقصد بالخاتم: الختم الذي تختم به المكاتبات التي تخرج من عند الخليفة. فهذه الحادثة التي وقعت لمعاوية بن أبي سفيان مع عمرو بن الزبير الذي غش، والذي لعب في هذه الأوراق التي كانت بيده، وجعل المائة مائتين، وهذا التزوير الذي حدث جعل معاوية يفكر في هذا الأمر؛ ولذلك رأى أنه لا بد من ضبط جديد للمؤسسات المالية؛ خوفًا من هذا التزوير الذي حدث، فإذا كان هناك تزوير على الخليفة فمن باب أولى سوف يكون هناك تزوير على باقي المسئولين في الدولة، ولذلك أنشأ لهذا الغرض ديوانًا يسمى: ديوان الخاتم. وصار هذا الديوان الجديد من أهم معالم القواعد المالية الجديدة زمن الأمويين، فكانت له نظم دقيقة، وعمال يقظون، فإذا صدر توقيع من الخليفة بأمر من الأمور أُحضر التوقيع إلى ذلك الديوان، وأُثبتت نسخته فيه، وحُزم بخيط، وختم بشمع، وختم بخاتم صاحب الديوان.

стр. 121

وتولى رئاسة هذا الديوان على عهد معاوية أحد القضاة العدول، وهو عبد الله بن محصن الحميري، رغبة في توفير الأمانة للمسائل المالية، واتضح على عهد الخليفة عبد الملك بن مروان وابنه الوليد أن ديوان الخاتم وحده لم يعد كافيًا، وأن التنظيم المالي للدولة بات يتطلب تعريب ديوان الخراج في كل ولاية، باعتباره المؤسسة المالية الرئيسية المشرفة على الموارد، وكافة الشئون المتعلقة بها. فكانت لغة دواوين الخراج في الولايات هي نفس اللغة التي اتبعتها قبل الفتح الإسلامي؛ إذ كانت لغة ديوان الخراج في العراق هي الفارسية، وفي الشام هي اليونانية، وفي مصر كانت اليونانية والقبطية، ولم يعد هذا الوضع يتفق مع اتساع سلطان الولاة العرب، وتعدد موارد الدولة، وصار الدافع على تعريب دواوين الخراج تمكين الولاة العرب من الإشراف إشرافًا تامًّا على شئون ولاياتهم المالية؛ إذ كان تدوين السجلات باللغات الأجنبية حافزًا شجع صغار العمال على التزوير، والتلاعب في السجلات، دون أن يُكتشف أمرهم. وكان سليمان بن سعد الخُشني -كاتب الخليفة عبد الملك بن مروان على الرسائل- هو الذي تولى تعريب ديوان خراج الشام وذلك سنة ٨١ هجريًّة، وجاءت هذه الخطوة عملًا هامًّا في التنظيم المالي للدولة الإسلامية، حيث كان المشرف على هذا الديوان وأسراره منذ عهد معاوية هو منصور بن سرجون الرومي، ومنح الخليفة سليمان بن سعد مقابل هذا العمل الجليل خراج الأردن مكافئة له، وقدره مائة وثمانون ألف دينار. وكان أبلغ تقدير لنجاح تعريب ديوان الخراج قول منصور بن سرجون لكتاب الدواوين القدامى من أصحاب اللغة اليونانية: اطلبوا المعيشة من غير هذه الصناعة، وهذا دليل على أنهم لم يكونوا أمناء في هذا الشأن؛ إذ أنه عندما اتجه

стр. 122

العرب في زمن الأمويين على تعريب الدواوين، وجعلها باللغة العربية، فإن هؤلاء الأعاجم -غير المسلمين الذين كانوا يقومون بالعمل في هذه الدواوين- وجدوا الخطورة عليهم من ذلك، واتضح أمرهم، واتضح أنهم كانوا مزورين، ويأكلون أموال الدولة بالباطل، ولذلك قال واحد منهم -وهو منصور بن سرجون لكتاب الديوان القدامى من أصحاب اللغة اليونانية-: اطلبوا المعيشة من غير هذه الصناعة، يعني: لم يعد لكم مكان في هذا الأمر، لم تعودوا تستطيعون الحصول على الأموال عن طريق التزوير، وغير ذلك، بعدما عربت هذه الدواوين، وتمكن الولاة العرب من الإشراف إشرافًا تامًّا على شئون ولاياتهم المالية. وكان يشرف على ديوان الخراج بالعراق في ذلك الوقت رجل يسمى "زادان فروخ" من قبل الحجاج بن يوسف الثقفي، وتصادف أن قتل هذا العامل أثناء فتنة عبد الرحمن بن الأشعث بين سنتي ٨٢ و ٨٣ هجريًّة، وهو الأمر الذي سهل على الحجاج تحقيق سياسة الدولة المالية الجديدة، الساعية إلى تعريب الدواوين، إذ كلف الحجاج رجلًا يسمى صالح بن عبد الرحمن ممن كان يجيد اللغة الفارسية والعربية بتعريب ديوان خراج العراق، وقد حاول "مردان شاه" ابن "زادان فروخ" الذي قتل أن يدفع رِشوة لصالح بن عبد الرحمن حتى يثنيه، ويمنعه عن عمله من تعريب الدواوين، وأبى هذا العامل العربي، وأتم عمله بنجاح باهر، وتخرج على يديه نفر من كبار موظفي المالية العرب في العراق. هذه الواقعة تدلنا على أن هؤلاء العمال غير المسلمين كانوا متمسكين بهذه المهمة، وهذا العمل، وهو العمل بالدواوين باللغة التي يعرفونها هم، ولم يعرفها المسلمون، ولم يكونوا يريدون تعريب الدواوين؛ لأنه بتعريب الدواوين سوف يفهم العرب الأعمال بدقة، وفي ذلك خطورة عليهم؛ ولذلك وجدنا هذا الرجل الذي يسمى "مردان شاه" يحاول أن يقدم رشوة لصالح بن عبد الرحمن من أجل ألا يقوم بتعريب الدواوين، ويستمر هو مكان أبيه في هذا العمل الذي كان يُدر عليه أموالًا طائلةً عن طريق التزوير.

стр. 123

وتم تعريب ديوان خراج مصر على عهد الوليد بن عبد الملك، وذلك تحت إشراف أخيه والي مصر عبد الله بن عبد الملك سنة ٧٨ هجرية ٧٠٧ ميلاديًّة، إذ عزل صاحب هذا الديوان وهو "أتناش" وعين مكانه أحد رجال العرب واسمه بن يربوع الفرزي، وتبع ذلك تعريب باقي الدواوين في بلاد المغرب على يد موسى بن نصير، وكان آخرها ديوان خراج خراسان الذي تولى تعريبه سنة ١٢٤ هجريًّة إسحاق بن طليق، بتكليف من الوالي نصر بن سيار. وصارت جميع دواوين الخراج في الدولة الإسلامية تستخدم لغة واحدة هي اللغة العربية، وهي خطوة هامة مهدت السبيل لنشر العروبة بين سائر أرجاء تلك الدولة، إذ اضطر الناس إلى تعلم اللغة العربية من أجل تسهيل التعامل مع رجال إدارتها الجدد من العرب، وضمانًا للحصول على حقوقهم، وصيانة مستحقاتهم أيضًا، وكانت هذه الظاهرة الخاصة بتعريب دواوين الخراج هي التي جعلت الذهن ينصرف عن أهميتها في النواحي المالية، إلى تتبع آثارها في ميدان الحضارة العربية الإسلامية. وتنهض هذه الظاهرة دليلًا رائعًا في نفس الوقت على أن النظام المالي ليس نظامًا جافًّا، على نحو ما حاولت الدراسات النظرية الحديثة بتر معالمه، وإنما هو عضو فعال في بناء الدولة العربية الإسلامية، يتداعى مع سائر الأعضاء الأخرى للنظم الإسلامية، من أجل السهر على سلامة المجتمع الإسلامي وحمايته. العملة العربية الجديدة: واقترن بتعريب دواوين الخراج سك عملة جديدة من أجل دعم النظام المالي للدولة، وضبط المعاملات المالية بين الولايات، وتحقيق العدالة في

стр. 124

جباية الضرائب من أهلها، إذ كان بعض تلك الولايات مثل الشام ومصر تتعامل بالدينار من الذهب، وهو الوحدة الأساسية للنقد الذي ساد كل منهما منذ أيام تبعيتهما لدولة الروم قبل الإسلام؛ وتعاملت العراق وفارس بالدرهم من الفضة، الذي ساد نشاطهما الاقتصادي منذ أيام الساسانيين قبل الإسلام، وعرف العرب هذين النوعين من العملات منذ العصر الجاهلي، حيث كانت تَرد عليهم الدنانير من الروم، والدراهم من بلاد فارس، وكان سعر التبادل عندهم هو كل عشرة دراهم تساوي سبعة دنانير، فأقر رسول الله ﷺ ذلك، وأقره أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فكان معاوية فأقر ذلك على حاله. وسرعان ما تبين صعوبة الاستمرار بهذا الازدواج النقدي، نظرًا لاتساع رقعة الدولة من ناحية، وللفساد الذي دب إلى بعض هذه العملات من ناحية أخرى، إذ دأب الناس على أداء الخراج بالعملات ذات القيمة المنخفضة، والاحتفاظ بالعملات العالية القيمة، مما أضر بالخراج، وأساء إلى العدالة في جبايته، وواجهت هذه الأوضاع السيئة الخليفة عبد الملك بن مروان عند مطالبة الناس بالكسور وهي: بقايا الأموال المتخلفة، ومبادرة دافعي الضرائب إلى تسديد تلك الكسور بالعملات المنخفضة القيمة. وشرح الإمام الماوردي في كتابه (الأحكام السلطانية) هذه الظاهرة قائلًا: ثم فسد الناس، فصار أرباب الخراج يؤدون الطبرية -وهو: نوع من العملة- التي هي أربعة دوانق، وتمسكوا بالوافي الذي وزنه وزن المثقال، فلما ولي زياد العراق طالب بأداء الوافي، وألزمهم الكسور، وجارى فيه عمال بني أمية، إلى أن ولي عبد الملك بن مروان فنظر بين الوزنين، وقدر وزن الدراهم على نصف وخُمس المثقال، وترك المثقال على حاله، هذا هو كلام الماوردي.

стр. 125

وزاد في اضطراب العملة الفارسية المستخدمة في الولايات الشرقية بالعراق، وفارس، وخراسان، سوء وزن الفضة فيها، وكثرة المغشوش منها، وأشار إلى ذلك الماوردي في قوله: وقد كان الفرس عند فساد أمورهم فسدت نقودهم، فجاء الإسلام ونقودهم من العين والورِق -أي: الفضة غير خالصة- إلا أنها كانت تقوم في المعاملات مقام الخالصة، وأدت هذه الظاهرة بدورها إلى سوء جباية الخراج، وقلة مقاديره الحقيقية، لما ورد على ديوان الخراج من عملات زائفة، أو غير جيدة الضرب، وصار الموقف يتطلب سرعة إصدار نقد جديد يقضي على تلك المفاسد، ويزيل آثارها السيئة. وكانت ولايات الدولة -وبخاصة في مصر والشام- تعاني متاعب من نوع آخر، نتيجة احتكار الروم -البيزنطيين- للدينار، وتحكمها في سعره، وسرعان ما انفجرت أزمة بين الدولة الأموية وإمبراطورية الروم، عجلت بالسلطات الأموية نحو وضع نقد جديد لولاياتهم، وذلك على عهد الخليفة عبد الملك بن مروان نفسه، ذلك أن مصر كانت تصدر القراطيس -وهي: ورق الكتابة إذ ذاك- لامبراطورية الروم، منذ تبعيتها لها قبل الفتح الإسلامي، وجرت عادت أقباط مصر على كتابة اسم السيد المسيح، وعبارة التثليث في رءوس الطوامير -وهي قطع الورق الكبيرة. ولكن الخليفة عبد الملك رأى أن هذه الصيغة لا تتفق ومظهر الدولة الإسلامية الجديدة؛ فأمر أن يُستبدل بهذه الصيغة عبارة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (الصمد: ١) ووصلت هذه القراطيس الجديدة إلى امبراطورية الروم، وأحدثت ضجة كبرى في البلاط، إذ غضِب الإمبراطور "جستنيان الثاني" واستكبر قيام الدولة الإسلامية بممارسة حق من حقوقها في السيادة، وكتب إلى الخليفة عبد الملك:

стр. 126

إنكم أحدثتم في قراطيسكم كتابًا نكرهه -ويقصد بذلك الكلمة التي كتبت على هذه العملة وهي كلمة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ - فإن تركتموه، وإلا أتاكم في الدنانير من ذِكر نبيكم ما تكرهونه" كأن "جُستنيان الإمبراطور" يهدد عبد الملك بن مروان، ويقول له: إما أن تزيلوا ما كتبتموه على هذه العملة، وهو عبارة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وإلا كتبنا لكم عليها أشياء عن النبي ﷺ تكرهونها. وأغضب هذا الخطاب الخليفة عبد الملك بن مروان كثيرًا، وخشي اضطراب أحوال العملة بسبب تهديد إمبراطور الروم، وما قد يحدثه ذلك من أثر سيء في نفوس عامة المسلمين؛ لأن دنانير الروم كانت العملة الرسمية للتجارة في الأسواق الإسلامية الداخلية، ومع الدول الخارجية أيضًا، وظهر أثناء هذه الأزمة قوة البيت الأموي، وما ساد تفكيرهم إذ ذاك من رغبة في التخلص من هذه التبعية النقدية، وإصدار عملة جديدة خاصة بالدولة الإسلامية، إذ أشار خالد بن يزيد على الخليفة عبد الملك بالتمسك بالقراطيس الجديدة -أي: القراطيس التي كتبت عليها صيغة: لا إله إلا الله- دون أن يخشى تهديد البيزنطيين. فقال: يا أمير المؤمنين، حرِّم دنانيرهم، فلا يتعامل بها، واضرب للناس سِككًا -يعني: سك عملة جديدة- ولا تعفي هؤلاء الكفرة مما كرهوه في الطوامير يعني: لا تزيل هذه الكلمة التي أغاظتهم، وهي كلمة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾. وصادف هذا الاقتراح هوًى في نفس الخليفة، ورأى أنه يصلح خطوة أساسية لدعم النظام المالي للدولة، وخلق وحدة اقتصادية عن طريق عملة خاصة بها، وأقبل عبد الملك على سك دنانير إسلامية جديدة، عليها آيات من القرآن

стр. 127

الكريم، وعرفت باسم: الدنانير الدمشقية، كما أصدر أوامره للحجاج بن يوسف الثقفي في العراق بضرب دراهم إسلامية بدلًا من الدراهم الفارسية؛ وقد حدد الخليفة عيارًا ثابتًا لهذين النوعين من النقود، وذلك وفق الشرع. ولقيت هذه العملة الإسلامية الجديدة احترام الناس في كل مكان؛ لسلامة أوزانها، وأقبلوا سريعًا على التعامل بها، دون أن يحدث خلل في النظام المالي للدولة الإسلامية، ودعم هذا التعامل النقدي الجديد أن الخليفة أصدر أوامره باعتبار دور الضرب التابعة للدولة هي الجهة المعتمدة لسك النقود؛ وتحريم أي نقد يضرب خارجها، وسَحَبَ النقود القديمة المتداولة من الأسواق. واستفاد النظام المالي للدولة الأموية من هذا الاستقرار النقدي، حيث كفلت النقود الجديدة العدالة لكل من الرعية، والخراج الخاص بالدولة، وأجمع المؤرخون على أن الوزن الذي صُكت عليه تلك النقود كان هو الوزن الشرعي الذي ساد عهد الرسول الكريم ﷺ من العملات السليمة إذ ذاك، وهي: الدرهم الفارسي، ودينار الروم. وروى ابن خلدون في وصف المعاصرين لهذه الجملة الجديدة قائلًا: وقد طلعت عملة عبد الملك مطابقة لهذه الأوزان، واستقر الإجماع أيضًا على أنها هي النقود الشرعية، وأطبق الكل على العمل بها، ووافق الفقهاء عليها، وعلى أنها هي التي تؤخذ بها الزكاة، وتؤدَّى بها كل الحقوق التي أوجبها الشرع، أو ندبها، وصار العمل بهذه الأوزان في العصور الإسلامية. موقف عمر بن عبد العزيز من الأخطاء المالية في عهد الأمويين ولا يفوتنا في هذا المقام أن نتكلم عن التنظيمات المالية للخليفة عمر بن عبد العزيز. فنقول:

стр. 128

صاحب النظام المالي للأمويين وقوع عدد من المفارقات الشاذة، جاء بعضها نتيجة مشاكل التطبيق عند عمال الخراج في الولايات، وجاء بعضها الآخر نتيجة مشاكل التطور الذي شهدته الدولة الإسلامية واتساعها، وتمثلت مفارقات النوع الأول في شطط عمال الخراج في جباة الضرائب، ومعنى شططهم في جباية الضرائب: أنهم كانوا يأخذون أكثر من المقرر، ذلك فيه ظلم شديد للممولين، أو دافعي هذه الضرائب. على حين حدثت مفارقات النوع الثاني بسبب سياسة الأمويين في إغداق الامتيازات المالية على أنصارهم، وآل بيتهم، ثم بسبب تخبط السلطات الأموية في مواجهة التطور الذي اقترن بدخول أهالي الولايات أفواجًا في الدين الإسلامي؛ وبلغت هذه المفارقات الشاذة أوجها عندما تربع الخليفة عمر بن العزيز على عرش الخلافة، وغدت إذ ذاك خطرًا يهدد الكيان المالي للدولة بالتقويض، والانهيار، وبادر الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى وضع تنظيمات مالية تعالج تلك المفارقات؛ لأنه كان على علم سابق بهذه الأمور وبأسبابها قبل توليه الخلافة، إذ عرف سوء أعمال نفر من ولاة الأمويين، وقال عنهم: الحجاج بالعراق، والوليد بالشام، وقرة بمصر، وعثمان بالمدينة، وخالد بمكة، اللهم قد امتلأت الدنيا ظلمًا وجورًا، فأرح الناس. وحاول ﵁ قبل خلافته إسداء النصح إلى بعض أولئك الولاة، وعمال الخراج، ومنهم أسامة بن زيد صاحب خراج مصر، ولم يقبل عمر العذر الذي تعلل به الوالي وهو تنفيذ سياسة الخليفة سليمان، وقال له: إنه لا يغني عنك من الله شيئًا، وقال عمر بن عبد العزيز أيضًا عن يزيد بن المهلب وآل بيته: هؤلاء جبابرة، ولا أحب مثلهم.

стр. 129

واستهل عمر بن عبد العزيز خلافته بعزل أسامة بن زيد عن مصر، ويزيد بن المهلب عن خراسان، وعين بدلهم عمالًا أكثر عدلًا ورفقًا، ثم عمد إلى إزالة المفارقات الشاذة التي سبق أن وقعت في كل ولاية، وكانت مصر قد شهدت ضرائب إضافية مجحفة على الرهبان، الذين سبق أن أعفتهم السلطات من دفع أية ضرائب، وكانت بلاد اليمن تدفع ضرائب لم يسبق لها بها عهد؛ أما العراق فقد بلغت فيها المفارقات الشاذة عددًا كبيرًا تمثل في ما يلي: ١ - فرض ضرائب موحدة على الأراضي المزروعة وغير المزروعة على حد سواء. ٢ - تحصيل ضرائب إضافية بعضها كان إحياء لرسوم تقليدية ساسانية اشتهرت باسم "الآبين" والأخرى اشتملت على أجور تدفع للعمال المشتغلين في دور ضرب النقود. ٣ - تحصيل ثمن الورق المستخدم في الطلبات الرسمية من الناس. ٤ - فرض ضرائب على البغايا. ٥ - فرض ضرائب على بعض البيوت. ٦ - اشتراط العمال تحصيل الضرائب بعملات ذات وزن معين، بدلًا من العملات المتوفرة لدى الأهالي، والاستيلاء على فروق النقد لأنفسهم. وأخيرًا: زيادة الضرائب النوعية على نجرانية الكوفة؛ لاتهامهم بممالئة بعض الثائرين على الدولة. وكتب الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى عامله على الكوفة يأمره بإبطال تلك الإجراءات الشاذة قائلًا: أما بعد، فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله، وسنة خبيثة استنها عليهم عمال سوء، وإن قوام الدين العدل

стр. 130

والإحسان، ثم قال له: لا تحملوا خرابًا على عامر، ولا عامرًا على خراب، انظر الخراب فخذ منه ما طاق، وأصلحه حتى يعمر، ولا يؤخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض؛ ولا تأخذ في الخراج: ولا أجور الضرابين، ولا هدية النيروز والمهرجان، ولا ثمن الصحف، ولا أجور الفيوج، ولا أجور البيوت، ولا دراهم النكاح، ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض. وقرر الخليفة انقاص المقدار المفروض على نجرانية الكوفة من ألف وثلاثمائة حُلة على عهد الحجاج إلى مائتي حلة فقط، والحلة هي: نوع من الثياب، وهو يبلغ عشر ما كانوا يدفعونه قبلًا -يعني: قبل أن يتولى الخلافة. وأمر في نفس الوقت بألا يؤخذ من أهل اليمن إلا المقدار الشرعي للخراج، وهو العشر أو النصف، قائلًا: والله لئلا تأتيني من اليمن غير حفنة كتم -وهو نوع من الحِناء- أحب إلي من إقرار هذه الوظيفة، وأسقط -أخيرًا- الضرائب المفروضة على رهبان مصر. وواجه الخليفة عمر بن عبد العزيز أيضًا المفارقات الشاذة التي اقترنت بمشاكل التطور في الدولة الإسلامية؛ مواجهة كشفت عن إيمانه الصادق بالعدالة الإسلامية، وخبرته الواسعة بشئون الفقه الإسلامي، وكانت أولى المسائل التي عمد إلى حلها هي مشكلة الصوافي، التي نال أبناء البيت الأموي نصيب الأسد منها، دون مراعاة للنظام المالي الخاص بتلك الأراضي العامة للدولة، فقد كان هؤلاء الأمويون يأخذون ريع هذه الصوافي، لكنه كان يرى أنها تخضع للنظام العام للدولة الإسلامية، وينبغي أن تنفق في مصالح المسلمين. فأطلق على تلك الأراضي المنتصبة لدى الأمويين اسم: المظالم، اعتبرها مظالم، ومعنى ذلك أن المظالم لا بد وأن ترد إلى أصحابها، وبدأ بما عنده، وبما عند آل بيته

стр. 131

وردها إلى الدولة، بدأ يطبق ذلك على نفسه أولًا، فهذه الأشياء أو الأموال التي كانت تأتي من هذه الأرض التي يطلق عليها الصوافي، كانت توزع على بني أمية؛ ولذلك اعتبر أن ذلك نوع من المظالم، والمظالم ينبغي أن ترد إلى أصحابها. وغضب بنو أمية من تلك السياسة، وما ترتب عليها من قلة دخولهم، وبعثوا إليه عمته فاطمة بنت مروان؛ لتثنيه عن ذلك، يعني: تثنيه وتمنعه من رد هذه المظالم، فقال لها: "إن الله تعالى بعث محمدًا رحمة، لم يبعثه عذابًا، إن الله تعالى بعث محمدًا رحمة إلى الناس كافة، ثم اختار له ما عنده، فترك لهم نهرًا، شُربهم فيه سواء، ثم ولي أبو بكر فترك النهر على حاله، ثم ولي عمر فعمل على عمل صاحبه، فلما ولي عثمان اشتق من ذلك النهر نهرًا، ثم ولي معاوية فشق منه الأنهار، ثم لم يزل ذلك النهر يشق منه يزيد، ومروان، وعبد الملك، وسليمان، حتى أُفضي الأمر إلي، وقد يبس النهر الأعظم، ولن يُروى أصحاب النهر حتى يعود إليه من نهره الأعظم إلى ما كان عليه". ولعله يريد بذلك النهر: هذه الأموال، الموارد الإسلامية التي كانت تأتي عن طريق الزكاة، الجزية، العشور، الخراج، هذا هو نهر، كان الكل يستفيد منه، وكان نهرًا واحدًا، لكن بعد ذلك أصبح له روافد، ولذلك هو لم يرض بذلك. ولن يروى أصحاب النهر يعني: يقصد المسلمين جميعًا، ويأخذون حقوقهم من هذا النهر، ومعنى ذلك أن هذا النهر يقصد به -كما قلنا- الأموال التي تمتلكها الدولة الإسلامية؛ ولن يروى أصحاب النهر حتى يعود إليه من نهره الأعظم إلى ما كان عليه يعني: إلى ما كان عليه أيام النبي ﷺ وأيام أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. ولم يخش في رد تلك المظالم قول قائل، أو رد فعل من جانب أهله، قائلًا: كل يوم أتقيه وأخافه دون يوم القيامة لا وََقَيتُه، يعني: كان لا يخاف من رد الفعل من

стр. 132

الأمويين، الذين أراد أن يأخذ منهم هذه الأموال التي أخذوها بدون وجه حق، ويردها إلى أصحابها، لم يخف منهم في يوم من الأيام، قال: اليوم الذي أخاف منه فعلًا إنما هو يوم القيامة؛ أما إذا خفت من يوم آخر غير يوم القيامة فأنا لا حق لي في ذلك. واستطاع أن يحفظ للدولة بذلك موردًا هامًّا سبق أن ضاع منها؛ لأن الصوافي -كانت طبقًا للنظام المالي- تدفع الخراج. أما في يد بني أمية فكانت لا تدفع إلا العشر فقط، يعني: أرض الصوافي هذه الأصل فيها أنه يًفرض عليها الخراج، لكن في أيام بني أمية لم يفرضوا عليها الخراج، وإنما لم يدفعوا عليها إلا العشر فقط. هذا ما حاول سيدنا عمر بن عبد العزيز أن يتفاداه، ونجح في ذلك. وأظهر الخليفة أيضًا إزاء مشاكل التطور المالي قدرة هائلة في حلها، ساعدته عليها سعة علمه بشئون الدين، وحرصه على احترام المبادئ الإسلامية، وكان أخطر تلك المشاكل كثرة دخول أهل الذمة في الولايات في الدين الإسلامي، مما ترتب عليه طبقًا للتشريع الإسلامي إسقاط الجزية عنهم، ونقص هائل بالتالي في موارد الدولة، هذه بعض المشكلات التي قد يراها البعض مشكلة، فموارد الدولة كانت تأتي من الخراج، وكانت تأتي من الجزية، لكن الجزية إنما كانت توضع على غير المسلمين، فإذا أسلم غير المسلم فتسقط عنه الجزية حينئذٍ، ومعنى إسقاط الجزية عنه أن هذا المورد الذي كان يأتي منه المال للدولة الإسلامية -وهو الجزية- قد يقل كثيرًا عما كان عليه. أقول هذه مشكلة من المشاكل التي قابلت الخليفة عمر بن العزيز، واستطاع عمر بن عبد العزيز أن يحل هذه المفارقة حلًّا يحفظ للنظام المالي مقوماته؛ وللمبادئ الإسلامية قدسيتها في نفس الوقت. والسلام عليكم، ورحمة الله وبركاته.

стр. 133

الدرس: ٤ العمومية المعنوية والمادية للزكاة .

стр. 134

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع (العمومية المعنوية والمادية للزكاة) ١ - الشخص الطبيعي في الزكاة المقصود بالشخص الطبيعي في الزكاة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد كنا نتحدث في المحاضرة السابقة عن النظام المالي في عهد الأمويين، ونريد أن ننتقل الآن إلى الحديث عن الموارد المالية للدولة الإسلامية من زكاة، وجزية، وخراج ... إلى آخره، إلا أنه مما تجب ملاحظته أن حديثنا عن هذه الموارد هو حديث من وجهة نظر علم السياسة الشرعية، وليس من وجهة النظر الفقهية البحتة. وبيان ذلك أن الإسلام يطالب الدولة الإسلامية بتحقيق المساواة بين رعايا تلك الدولة، وتحقيق العدل بينهم، ومما لا شك فيه أن المساواة والعدل إنما هما من المبادئ العامة التي تُرك بيان تطبيقهما، وكيفية هذا التطبيق إلى السياسة الشرعية التي تراعي دائمًا ظروف الزمان، وظروف المكان. وعلى هذا سنتحدث عن هذه الموارد فيما يتعلق بتحقيق المساواة والعدل بين رعايا الدولة الإسلامية؛ وهذا يتطلب أن نتحدث عن العمومية في الزكاة وغيرها من باقي الموارد المالية، ثم نتحدث عن مراعاة التشريعات المالية لظروف الممول؛ لأن مراعاة تلك الظروف تدخل ضمن تحقيق العدالة في المجتمع المسلم. ونبدأ الآن في أُولى تلك الموارد وهي الزكاة: والزكاة في اللغة مأخوذة من: الزكاء، والنماء، والزيادة، سميت بذلك؛ لأنها تثمر المال وتنميه، يقال: زكى الزرع إذا كثر ريعه، ويقال: زكت النفقة إذا بورك فيها، وهذا موجود في (المصباح المنير) في مادة: زكى، وسُمي القَدْرُ المخرج من المال: زكاة؛ لأنه سبب يُرجى به الزكاة.

стр. 135

والزكاة تعني: الطهارة أيضًا، فهي تطهر النفس من دنس البخل والمخالفة، وتطهر المال بإخراج حق الغير منه إلى مستحقيه، هذا هو تعريف الزكاة في اللغة. أما تعريف الزكاة في اصطلاح الفقهاء فهي: تمليك مال مخصوص لمستحقه بشرائط مخصوصة، وهذا معناه: أن الذين يملكون نصاب الزكاة يفترض عليهم أن يعطوا الفقراء ومن على شاكلتهم من مستحق الزكاة قدرًا معينًا من أموالهم بطريق التمليك؛ ولذلك قيل في التعريف هي: تمليك مال مخصوص، فالمقصود بكلمة "لمستحقه" في التعريف: إنما هو الأصناف الثمانية المستحقة للزكاة، والتي نص عليها القرآن الكريم في قول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ (التوبة: من الآية: ٦٠) هذه هي الأصناف الثمانية. فهذا هو التعريف -كما قلنا- تمليك مال مخصوص لمستحقه بشرائط مخصوصة، يعني: الزكاة لكي تجب على المسلم فلا بد من تحقق شروط معينة، ذكرها الفقهاء بالتفصيل في كتب الفقه. حكم الزكاة، ودليل هذا الحكم: الزكاة من القواعد الأساسية للإسلام؛ لأنها أحد أركان الإسلام الخمس، وهي فرض عين بالنسبة لمن توافرت فيه شروط وجوبها، وفرضيتها معلومة من الدين بالضرورة، دل على ذلك الكتاب في قول الله- ﵎: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاة﴾ (البقرة: من الآية: ٤٣) وقوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: من الآية ١٠٣) وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج: ٢٤، ٢٥).

стр. 136

ودليل فرضية الزكاة من السنة: قول النبي ﷺ : ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان)). وأيضًا ما روي عن ابن عباس ﵄: ((أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن، فقال له: إنك تأتي قومًا أهل كتاب ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأَعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن أطاعوك لذلك فأَعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)). وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون في جميع العصور على وجوب الزكاة، واتفق الصحابة على قتل مانعيها، وفي ذلك يقول أبو بكر ﵁: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها". ولهذا الإجماع قال الفقهاء: إن من اعتقد عدم وجوب الزكاة فقد كفر؛ لأنه أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة؛ أما من منعها فقط مع الإيمان بوجوبها فلا يكفر، وإنما يكون عاصيًا، ويؤمر بأدائها، فإن امتنع أخذت منه قهرًا ولو بقتال، كما فعل أبو بكر ﵁ مع مانعي الزكاة. فإن كان المنكر مع الإنكار جاحدًا لوجوبها فقد كفر، وقتل بكفره، هذا إن لم يتب ويؤديها كما يقتل المرتد؛ لأن وجوب الزكاة معلوم من الدين بالضرورة، فمن جحد وجوبها فقد كذب الله وكذب رسوله- ﷺ ولذلك يحكم بكفره. وهذا في الزكاة المجمع على وجوبها وإخراجها.

стр. 137

أما الزكاة المختلف فيها كزكاة التجارة، والركاز، وزكاة الثمار في غير النخل والكرم، والزرع في الأرض الخراجية، والزكاة في مال غير المكلف، وحلي المرأة، ومال الدين بالنسبة للدائن أو للمدين، فلا يكفر جاحدها؛ لاختلاف العلماء فيها. العمومية في الزكاة: وبعد تعريفنا للزكاة، وبيان حكمها، والدليل على هذا الحكم، سوف نتحدث عن العمومية في الزكاة: إن العمومية في الزكاة تعني: أن يؤدي الزكاة جميع من توافرت بالنسبة له شروط وجوبها، فلا يُعفى أحد من أدائها دون مبرر، وأيضًا تعني هذه العمومية: أن تفرض الزكاة على جميع الأموال متى تحققت فيها شروط وجوب الزكاة، ومعنى ذلك: أن العمومية في الزكاة تجمع بين الشخصية والمادية، فهي شخصية في تتبعها للفرد أينما حل، وهي مادية في فرضها على الأموال أيًّا كان نوعها. ولذلك سوف نتكلم أولًا عن العمومية الشخصية في الزكاة: إن العمومية الشخصية في الزكاة تعني -كما قلنا-: أن تفرض الزكاة على جميع من يتوفر بالنسبة له شروط وجوبها، فلا يُعفى شخص من أدائها دون وجود ما يبرر هذا الإعفاء، والشخص المكلف بأداء الزكاة في حالة توافر شروط وجوبها قد يكون شخصًا طبيعيًا، وقد يكون شخصًا معنويًّا وسوف نوضح ذلك. فبالنسبة للشخص الطبيعي نقول: أوجب التشريع الإسلامي على الأشخاص القادرين -ماليًّا- المساهمة في تحمل بعض التكاليف المالية العامة المقررة في الدولة، عن طريق فرض الزكاة على كل مسلم مالك لنصاب الزكاة، دون نظر إلى جنسه، أو لونه، أو سنه، أو طبقته الاجتماعية، فالذكر والأنثى، والأبيض

стр. 138

والأسود، والشريف والضعيف، والحاكم والمحكوم، كلهم سواء أمام هذه الفريضة، وهذا موجود في كتاب (فقه الزكاة) دراسة مقارنة لأحكامها وفلسفتها في ضوء القرآن والسنة، الجزء الثاني صـ١٠٣٩ وما بعدها د. يوسف القرضاوي، الطبعة السادسة، ١٩٨١. وبالنسبة لهذا الأمر نجد أن الفقهاء قد اتفقوا على أن الزكاة تجب على كل مسلم حر، بالغ، عاقل، مالك للنصاب ملكًا تامًّا، وذلك بعد توافر الشروط الموجبة للزكاة عليه في ماله، بينما يختلفون بالنسبة للمرتد، والصبي، والمجنون، وإذا كان الفقهاء قد أجمعوا على وجوب الزكاة على المسلم، فهم بالتالي مجمعون على عدم وجوبها على الكافر الأصلي حربيًّا كان، أو ذِميًّا، فلا يطالب بها -كما قال الشافعي- في كفره، وإن أسلم لم يطالب بها في مدة الكفر؛ لأنها فرع عن الإسلام، وهو مفقود، فلا يطالب بها وهو كافر، كما لا تكون دينًا في ذمته يؤديها إذا أسلم. واستدل العلماء على عدم وجوب الزكاة على الكافر بأدلة نذكر منها: ما روي: أن الرسول ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: ((إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأَعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة؛ فإن هم أطاعوك لذلك فأَعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)) فالحديث يدل على أن المطالبة بالفرائض في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام؛ فالإسلام إذًا شرط لوجوب الزكاة، وهذا قدر متفق عليه. ينظر في ذلك (المغني) لابن قدامة الجزء الثاني صـ٤٣٧ وما بعدها.

стр. 139

ومن الأدلة أيضًا على أن الزكاة لا تجب على الكافر: أن الزكاة عبادة، والكافر ليس من أهل العبادة؛ لانعدام شرط الأهلية وهو الإسلام، وأيضًا الزكاة أحد أركان الإسلام فلا تجب على الكافر كالصلاة والصيام، فكما أن الصلاة لا تجب عليه، والصيام لا يجب عليه، فلا تجب عليه الزكاة؛ لأن الزكاة ركن، كما أن الصيام ركن من أركان الإسلام. ومما يدل على ذلك أيضًا قول أبي بكر الصديق في كتاب الصدقة: "هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين" وهذا موجود في (نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج) للرملي الشافعي الجزء الثالث صـ ١٢٥ وما بعدها. هذا بالنسبة للكافر، وقد تبين لنا بالأدلة أن الفقهاء متفقون على عدم صحة الزكاة من الكافر. الحكم بالنسبة للمرتد: ونتحدث الآن عن المرتد، فما هو الحكم بالنسبة للمرتد؟ المرتد قد اختلف الفقهاء فيه من ناحيتين: الأولى: ما ثبت قبل ارتداده، والثانية: ما ثبت عليه بعد ارتداده أي: حال ردته. فالنسبة للناحية الأولى -وهي ما ثبت عليه من زكاة قبل ارتداده-: فقد قال الحنفية بسقوط ما ثبت عليه قبل ارتداده، بناء على أن الأصل عندهم: أن المرتد يصير كالكافر الأصلي، وهذا وارد في (حاشية ابن عابدين الحنفي) الجزء الثاني صـ٥ وما بعدها. وقال الشافعية: إن ما ثبت على المرتد قبل ارتداده من زكاة لا يسقط بالردة؛ وذلك لأنه قد ثبت وجوبه، فلم يسقط بردته كغرامة المتلفات، وهذا موجود في (المجموع شرح المهذب) للنووي الجزء الخامس صـ٢٩٥ وما بعدها.

стр. 140

ورأي الشافعية هو المختار؛ لأن الزكاة هنا ليست مأخوذة من الكافر، ولكن من مسلم، حيث أنها قد وجبت عليه، إلا أنه قبل أدائها قد ارتد، فبقيت متعلقة بذمته دينًا عليه حتى تؤخذ منه. ونحن نرى أن ما ذهب إليه الشافعية هو الراجح؛ لأنه يحقق المساواة بين المواطنين في تحمل عبء الزكاة، وحتى لا يستفيد المرتد من ردته بسقوط الزكاة عنه، وبذلك يتخلص من تكليف عام المفروض أن يتساوى فيه الجميع، ما دامت توافرت الشروط اللازمة لذلك. وبالنسبة للناحية الثانية -وهي ما ثبت عليه من زكاة حال ارتداده-: فإن ما ثبت عليه في حال ردته يرى بعض الشافعية، وبعض الحنابلة: وجوب الزكاة فيه قياس على النفقات والغرامات؛ ولأنه حق التزمه بالإسلام، فلم يسقط بالردة كحقوق الآدميين؛ ولأن الزكاة حق مال، فلا يسقط بالردة، ويأخذها الإمام من مال المرتد، كما يأخذها من المسلم الممتنع قهرًا، فإن أسلم بعد أدائها لم يلزمه أداؤها؛ لأنها سقطت عنه بأخذها، كما تسقط بأخذها من المسلم الممتنع. ونحن نختار هذا الرأي نظرا؛ لأنه يحقق المساواة في أداء الزكاة بين المواطنين، وحتى لا يستفيد المرتد -كما قلنا- من ردته بسقوط الزكاة عنه، وبذلك تتحقق العمومية الشخصية في الزكاة. موقف الفقهاء بالنسبة للزكاة في مال الصبي والمجنون وبالنسبة للزكاة في مال الصبي والمجنون: نقول: إذا كان العلماء قد أجمعوا على وجوب الزكاة في مال المسلم البالغ العاقل؛ فإنهم قد اختلفوا في مال الصبي والمجنون، هل تجب فيه الزكاة؟ أم أنها لا تجب حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون؟

стр. 141

هنا اختلف الفقهاء اختلافًا كبيرًا نستطيع أن نردهم فيه إلى فريقين رئيسيين: الفريق الأول: يرى عدم وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون إما مطلقًا، وإما في بعض الأموال. الفريق الثاني: ويرى وجوب الزكاة في أموالهما جميعًا. وسنوضح آراء الفريقين، ثم نبين الرأي الراجح فيما يلي: أولًا: القائلين بعدم وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون إما مطلقًا، وإما في بعض الأموال، هؤلاء قالوا: ليس في مالهم زكاة، ينظر في ذلك لـ (المحلى) لابن حزم الجزء الخامس صـ٣٠٣ وما بعدها، طبعة ١٩٦٨. ويرى الأحناف: أنه لا زكاة في مالهما إلا في الزروع والثمار، فتجب فيها الزكاة، واستدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه من أنه لا تؤخذ الزكاة من مال الصبي والمجنون بالآتي قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: من الآية: ١٠٣). وجه الدلالة من الآية: أن التطهر إنما يكون من أرجاس الذنوب، ولا ذنب على الصبي والمجنون حتى يحتاج إلى تطهير وتزكية، فهما إذًا خارجان عمن تؤخذ منهم الزكاة، ينظر في ذلك الدكتور يوسف القرضاوي (فقه الزكاة) الجزء الأول صـ١٠٧ وما بعدها. ومن أدلتهم أيضًا قول النبي ﷺ : ((رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق)). وجه الدلالة من الحديث: أن رفع القلم كناية عن رفع التكليف، فهما إذًا ليسا مكلفين بالزكاة. ومن القياس: استدلوا بقولهم: إن الزكاة عبادة محضة كالصلاة، والعبادة تحتاج إلى نية، والصبي والمجنون لا تتحقق منهما النية، فلا تجب عليهما الزكاة، كما لا تجب عليهما الصلاة.

стр. 142

وقالوا أيضًا: إن المصلحة تستدعي عدم وجوب الزكاة في مال الصبي، قالوا: إن مصلحتهما تدعو إلى إبقاء مالهما، وعدم فرض الزكاة فيه؛ لأن ذلك يؤدي إلى استهلاكه؛ لعدم قدرتهما على تنمية أموالهما، والنماء هو علة وجوب الزكاة، وفرض الزكاة في مالهما يعرضهما لذل الحاجة، وهوان الفقر، يراجع في ذلك الدكتور القرضاوي (فقه الزكاة) الجزء الأول صـ١٠٧ وما بعدها، و (حاشية ابن عابدين) للحنفي الجزء الثاني صـ٤ وما بعدها. هذه هي أدلة أصحاب الرأي الأول القائلون بأنه لا زكاة في مال الصبي والمجنون. وإذا رجعنا إلى الرأي الآخر المقابل وهو رأي جمهور الفقهاء القائل بوجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون؛ فنقول: ذهب إلى وجوب الزكاة في سائر أموال الصبي والمجنون الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول الثوري، وإسحاق، وأبو ثور، وعبد الله بن عمر، وعلي، وعائشة، وجابر بن عبد الله -رضي الله عن الجميع- يراجع في ذلك (المغني) لابن قدامة الجزء الثاني ٤٩٣ وما بعدها. واستدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه بالآتي: عموم النصوص الدالة على وجوب الزكاة في مال الأغنياء وجوبًا مطلقًا بلا استثناء للصبي والمجنون؛ كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (التوبة: من الآية ١٠٣) فالآية هنا جاءت عامة، لم تفرق بين ما إذا كان المأخوذ من ماله صبيًّا، أو مجنونًا، أو عاقلاً، أو بالغًا؛ ولذلك الآية بعمومها تشمل الصبي والمجنون، وما دامت تطالب المسلم بإخراج الزكاة فهي تنطبق على الصبي والمجنون أيضًا.

стр. 143

وكقوله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: ((فأَعلِِمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم)) فكلمة: ((تؤخذ من أغنيائهم)) جاءت عامة، لم تفرق بين ما إذا كان هذا الغني بالغًا عاقلًا، وبين ما إذا كان صبيًّا أو مجنونًا. فإذن: هذا الحديث يدل على أن الزكاة تجب في مال الصبي، نظرًا للعموم الوارد في الحديث. فالآية -كما قال ابن حزم- عامة لكل صغير، وكبير، وعاقل، ومجنون؛ لأنهم كلهم محتاجون إلى طُهرة الله تعالى لهم، وتزكيته إياهم، وكلهم من الذين آمنوا. وقال في الحديث: فهذا عموم لكل غني من المسلمين، وهذا يدخل فيه الصغير، والكبير، والمجنون، إذا كانوا أغنياء، يراجع في ذلك (المحلى) لابن حزم الجزء الخامس صـ٢٩٨ وما بعدها. ومنها أيضًا حديث خاص ورد في الأمر بتزكية مال اليتيم، فقد روي أن رسول الله ﷺ قال: ((ابتغوا في مال اليتيم أو في أموال اليتامى، لا تذهبها أو لا تستهلكها الصدقة)) وقال ﷺ أيضًا: ((اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة)). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بالعمل على تنمية أموال اليتامى، وكذلك المجانين بالتجارة وابتغاء الربح، وحذر من تركها دون تنمية، فتأكلها الصدقات، ولا شك أن الصدقة إنما تأكلها لإخراجها، وإخراجها لا يجوز إلا إذا كانت واجبة، حيث لا يجوز للولي أن يتبرع بمال الصغير في غير واجب. فهذان الحديثان يدلان إذن على وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون.

стр. 144

ومن الأدلة أيضًا التي استدل بها القائلون على وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون: ما صح عن الصحابة من القول بوجوب الزكاة في مال اليتيم والمجنون، فقد صح ذلك عن عمر، وعبد الله بن عمر، وعائشة- ﵂ وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين- ولا يعرف لهم مخالف إلا بعض الروايات التي لا يحتج بها، ينظر في ذلك (المحلى) لابن حزم الجزء الخامس صـ٣٠٢ وما بعدها. واستدلوا أيضًا بالقياس فقالوا: إن كل من وجب العشر في زرعه وجبت الزكاة في سائر أمواله كالبالغ العاقل، فإن أبا حنيفة وافقنا على إيجاب العشر في مال الصبي والمجنون، إذا كان زروع وثمار، وإيجاب زكاة الفطر في مالهما، وإذا ثبت وجوب ذلك في مالهما فكذلك تجب الزكاة في سائر أموالهما؛ أي: أن أصحاب هذا الرأي -وهم جمهور الفقهاء الذين يقولون بوجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون- يقيسون على ما قاله أبو حنيفة من أن: الزكاة لا تجب على الصبي إلا في الزروع والثمار المملوكة لهم، فهم يقولون أو جمهور الفقهاء يقولون: نحن نقيس على الزروع والثمار، فكما أن الزكاة تجب على زروع وثمار الصبي والمجنون، تجب أيضًا الزكاة في بقية الأموال بجامع أن هذه كلها أموال مملوكة للصبي. ومما يعتمد عليه الجمهور هو الغرض الذي من أجله شرعت الزكاة، حيث قالوا: إن الزكاة تراد لثواب المزكي، ومواساة الفقير، أي: أن الغرض منها: مواساة الفقير، والثواب الذي يكون للمزكي، والصبي والمجنون من أهل الثواب، وأيضًا من أهل المواساة؛ ولذلك يجب عليهما نفقة الأقارب، ويُعتق عليهما الأب إذا

стр. 145

ملكاه فوجبت الزكاة في مالهما، أيضًا هذا نوع من القياس، أي: أنه كما يجب عليهما نفقة الأقارب فكذلك -ونفقة الأقارب إنما هي مواساة- تجب عليهم الزكاة؛ لأن الزكاة إنما هي أيضًا مواساة للفقراء. وقالوا أيضًا: إن مقصود الزكاة سد خُلة الفقراء من مال الأغنياء؛ شكرًا لله تعالى، وتطهيرًا للمال، ومال الصبي والمجنون قابل لأداء النفقات والغرامات، فلا يضيق عن الزكاة، يعني: ما دام الغرض من الزكاة هو سد خلة الفقراء والمحتاجين، والوقوف بجانبهم من مال الأغنياء، فهذا يشترك فيه الصبي وغير الصبي، والمجنون وغير المجنون؛ ولذلك تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون. وأصحاب الرأي الثاني -وهم جمهور الفقهاء الذين يقولون بوجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون- لم يكتفوا بهذه الأدلة التي جاءوا بها من الكتاب ومن السنة تدل على ما ذهبوا إليه؛ بل إنهم أيضًا ردوا على الأدلة التي استدل بها أصحاب الرأي الأول الذين يقولون بعدم وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون. فبالنسبة للآية وهو قول الله ﵎: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: من الآية: ١٠٣) التي استدل بها أصحاب الرأي الأول القائلون بعدم وجوب الزكاة على الصبي والمجنون، فهم يقولون: إن التطهر ليس خاصًّا بإزالة الذنوب بل يشمل تربية الخُلق، وتنمية النفس على الفضائل، وتدريبها على المعونة والرحمة، كما يشمل تطهير المال أيضًا. إذن: هذه الآية إنما هي عامة، ليست قاصرة على التطهير من الذنوب، كما قال بذلك أصحاب الرأي الأول، وإنما هي معنى واسع أيضًا، تشمل تطهير
следующие страницы →