← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11313

السياسة الشرعية - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (825 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

هنا اختلف الفقهاء اختلافًا كبيرًا نستطيع أن نردهم فيه إلى فريقين رئيسيين: الفريق الأول: يرى عدم وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون إما مطلقًا، وإما في بعض الأموال. الفريق الثاني: ويرى وجوب الزكاة في أموالهما جميعًا. وسنوضح آراء الفريقين، ثم نبين الرأي الراجح فيما يلي: أولًا: القائلين بعدم وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون إما مطلقًا، وإما في بعض الأموال، هؤلاء قالوا: ليس في مالهم زكاة، ينظر في ذلك لـ (المحلى) لابن حزم الجزء الخامس صـ٣٠٣ وما بعدها، طبعة ١٩٦٨. ويرى الأحناف: أنه لا زكاة في مالهما إلا في الزروع والثمار، فتجب فيها الزكاة، واستدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه من أنه لا تؤخذ الزكاة من مال الصبي والمجنون بالآتي قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: من الآية: ١٠٣). وجه الدلالة من الآية: أن التطهر إنما يكون من أرجاس الذنوب، ولا ذنب على الصبي والمجنون حتى يحتاج إلى تطهير وتزكية، فهما إذًا خارجان عمن تؤخذ منهم الزكاة، ينظر في ذلك الدكتور يوسف القرضاوي (فقه الزكاة) الجزء الأول صـ١٠٧ وما بعدها. ومن أدلتهم أيضًا قول النبي ﷺ : ((رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق)). وجه الدلالة من الحديث: أن رفع القلم كناية عن رفع التكليف، فهما إذًا ليسا مكلفين بالزكاة. ومن القياس: استدلوا بقولهم: إن الزكاة عبادة محضة كالصلاة، والعبادة تحتاج إلى نية، والصبي والمجنون لا تتحقق منهما النية، فلا تجب عليهما الزكاة، كما لا تجب عليهما الصلاة.

стр. 142

وقالوا أيضًا: إن المصلحة تستدعي عدم وجوب الزكاة في مال الصبي، قالوا: إن مصلحتهما تدعو إلى إبقاء مالهما، وعدم فرض الزكاة فيه؛ لأن ذلك يؤدي إلى استهلاكه؛ لعدم قدرتهما على تنمية أموالهما، والنماء هو علة وجوب الزكاة، وفرض الزكاة في مالهما يعرضهما لذل الحاجة، وهوان الفقر، يراجع في ذلك الدكتور القرضاوي (فقه الزكاة) الجزء الأول صـ١٠٧ وما بعدها، و (حاشية ابن عابدين) للحنفي الجزء الثاني صـ٤ وما بعدها. هذه هي أدلة أصحاب الرأي الأول القائلون بأنه لا زكاة في مال الصبي والمجنون. وإذا رجعنا إلى الرأي الآخر المقابل وهو رأي جمهور الفقهاء القائل بوجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون؛ فنقول: ذهب إلى وجوب الزكاة في سائر أموال الصبي والمجنون الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول الثوري، وإسحاق، وأبو ثور، وعبد الله بن عمر، وعلي، وعائشة، وجابر بن عبد الله -رضي الله عن الجميع- يراجع في ذلك (المغني) لابن قدامة الجزء الثاني ٤٩٣ وما بعدها. واستدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه بالآتي: عموم النصوص الدالة على وجوب الزكاة في مال الأغنياء وجوبًا مطلقًا بلا استثناء للصبي والمجنون؛ كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (التوبة: من الآية ١٠٣) فالآية هنا جاءت عامة، لم تفرق بين ما إذا كان المأخوذ من ماله صبيًّا، أو مجنونًا، أو عاقلاً، أو بالغًا؛ ولذلك الآية بعمومها تشمل الصبي والمجنون، وما دامت تطالب المسلم بإخراج الزكاة فهي تنطبق على الصبي والمجنون أيضًا.

стр. 143

وكقوله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: ((فأَعلِِمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم)) فكلمة: ((تؤخذ من أغنيائهم)) جاءت عامة، لم تفرق بين ما إذا كان هذا الغني بالغًا عاقلًا، وبين ما إذا كان صبيًّا أو مجنونًا. فإذن: هذا الحديث يدل على أن الزكاة تجب في مال الصبي، نظرًا للعموم الوارد في الحديث. فالآية -كما قال ابن حزم- عامة لكل صغير، وكبير، وعاقل، ومجنون؛ لأنهم كلهم محتاجون إلى طُهرة الله تعالى لهم، وتزكيته إياهم، وكلهم من الذين آمنوا. وقال في الحديث: فهذا عموم لكل غني من المسلمين، وهذا يدخل فيه الصغير، والكبير، والمجنون، إذا كانوا أغنياء، يراجع في ذلك (المحلى) لابن حزم الجزء الخامس صـ٢٩٨ وما بعدها. ومنها أيضًا حديث خاص ورد في الأمر بتزكية مال اليتيم، فقد روي أن رسول الله ﷺ قال: ((ابتغوا في مال اليتيم أو في أموال اليتامى، لا تذهبها أو لا تستهلكها الصدقة)) وقال ﷺ أيضًا: ((اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة)). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بالعمل على تنمية أموال اليتامى، وكذلك المجانين بالتجارة وابتغاء الربح، وحذر من تركها دون تنمية، فتأكلها الصدقات، ولا شك أن الصدقة إنما تأكلها لإخراجها، وإخراجها لا يجوز إلا إذا كانت واجبة، حيث لا يجوز للولي أن يتبرع بمال الصغير في غير واجب. فهذان الحديثان يدلان إذن على وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون.

стр. 144

ومن الأدلة أيضًا التي استدل بها القائلون على وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون: ما صح عن الصحابة من القول بوجوب الزكاة في مال اليتيم والمجنون، فقد صح ذلك عن عمر، وعبد الله بن عمر، وعائشة- ﵂ وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين- ولا يعرف لهم مخالف إلا بعض الروايات التي لا يحتج بها، ينظر في ذلك (المحلى) لابن حزم الجزء الخامس صـ٣٠٢ وما بعدها. واستدلوا أيضًا بالقياس فقالوا: إن كل من وجب العشر في زرعه وجبت الزكاة في سائر أمواله كالبالغ العاقل، فإن أبا حنيفة وافقنا على إيجاب العشر في مال الصبي والمجنون، إذا كان زروع وثمار، وإيجاب زكاة الفطر في مالهما، وإذا ثبت وجوب ذلك في مالهما فكذلك تجب الزكاة في سائر أموالهما؛ أي: أن أصحاب هذا الرأي -وهم جمهور الفقهاء الذين يقولون بوجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون- يقيسون على ما قاله أبو حنيفة من أن: الزكاة لا تجب على الصبي إلا في الزروع والثمار المملوكة لهم، فهم يقولون أو جمهور الفقهاء يقولون: نحن نقيس على الزروع والثمار، فكما أن الزكاة تجب على زروع وثمار الصبي والمجنون، تجب أيضًا الزكاة في بقية الأموال بجامع أن هذه كلها أموال مملوكة للصبي. ومما يعتمد عليه الجمهور هو الغرض الذي من أجله شرعت الزكاة، حيث قالوا: إن الزكاة تراد لثواب المزكي، ومواساة الفقير، أي: أن الغرض منها: مواساة الفقير، والثواب الذي يكون للمزكي، والصبي والمجنون من أهل الثواب، وأيضًا من أهل المواساة؛ ولذلك يجب عليهما نفقة الأقارب، ويُعتق عليهما الأب إذا

стр. 145

ملكاه فوجبت الزكاة في مالهما، أيضًا هذا نوع من القياس، أي: أنه كما يجب عليهما نفقة الأقارب فكذلك -ونفقة الأقارب إنما هي مواساة- تجب عليهم الزكاة؛ لأن الزكاة إنما هي أيضًا مواساة للفقراء. وقالوا أيضًا: إن مقصود الزكاة سد خُلة الفقراء من مال الأغنياء؛ شكرًا لله تعالى، وتطهيرًا للمال، ومال الصبي والمجنون قابل لأداء النفقات والغرامات، فلا يضيق عن الزكاة، يعني: ما دام الغرض من الزكاة هو سد خلة الفقراء والمحتاجين، والوقوف بجانبهم من مال الأغنياء، فهذا يشترك فيه الصبي وغير الصبي، والمجنون وغير المجنون؛ ولذلك تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون. وأصحاب الرأي الثاني -وهم جمهور الفقهاء الذين يقولون بوجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون- لم يكتفوا بهذه الأدلة التي جاءوا بها من الكتاب ومن السنة تدل على ما ذهبوا إليه؛ بل إنهم أيضًا ردوا على الأدلة التي استدل بها أصحاب الرأي الأول الذين يقولون بعدم وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون. فبالنسبة للآية وهو قول الله ﵎: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: من الآية: ١٠٣) التي استدل بها أصحاب الرأي الأول القائلون بعدم وجوب الزكاة على الصبي والمجنون، فهم يقولون: إن التطهر ليس خاصًّا بإزالة الذنوب بل يشمل تربية الخُلق، وتنمية النفس على الفضائل، وتدريبها على المعونة والرحمة، كما يشمل تطهير المال أيضًا. إذن: هذه الآية إنما هي عامة، ليست قاصرة على التطهير من الذنوب، كما قال بذلك أصحاب الرأي الأول، وإنما هي معنى واسع أيضًا، تشمل تطهير

стр. 146

الذنوب، وتشمل أيضًا التطهير، أو تربية الخلق، وتنمية النفس على الفضائل، وتدريبها على المعونة والرحمة هذا يدخل فيه الصبي، ولذلك الآية لا تدل لأصحاب الرأي الأول على ما ذهبوا إليه من عدم وجوب الزكاة على الصبي والمجنون. وبالنسبة للحديث وقوله ﷺ : ((رفع القلم عن ثلاثة)) وذكر منهم: ((الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق)) فقد أجاب عنه أصحاب الرأي الثاني -وهم جمهور الفقهاء- بأن المراد: رفع الإثم والوجوب، ونحن نقول: لا إثم عليهما، ولا تجب الزكاة عليهما، بل تجب الزكاة في مالهما، ويخاطب وليهما بإخراجها، كما يجب في مالهما قيمة ما أتلفاه، ويجب على الولي دفعها. فهم أيضًا بالنسبة لهذا الحديث -وهو: ((رفع القلم)) - الجمهور يقولون: إن معنى الحديث أنه لا إثم عليه، ولا وجوب عليه، نقول: نعم، لكن الوجوب إنما يتعلق بالمال، والوجوب عندما يتعلق بالمال يتساوى فيه الصبي وغير الصبي، والمجنون وغير المجنون، ويقيسون ذلك على الأشياء التي أتلفها الصبي للغير، فإذا قام الصبي بإتلاف مال الغير في هذه الحالة نقول: هو مسئول، وعلى الولي أن يدفع قيمة هذه المتلفات من مال الصبي، فهنا الوجوب إنما متوجه إلى المال، والوجوب إنما يكون بالنسبة للزكاة، وهذا يتساوى فيه -كما قلنا- البالغ وغير البالغ، والعاقل، والمجنون. وأجابوا على قياسهم: الزكاة على الصلاة، بجامع أن الكل عبادة، يقولون: نحن لا ننكر كونها عبادة -التي هي الزكاة- إلا أنها عبادة متميزة بطابعها المالي الاجتماعي، فهي عبادة مالية، تجري

стр. 147

فيها النيابة حتى تتأدى بأداء الوكيل، حتى لو كان الوكيل ذميًّا- كما قال الحنفية- مع أنه ليس من أهل العبادة؛ لأنهم يقولون: إن قياس الزكاة على الصلاة إنما هو قياس مع الفارق؛ لأن الصلاة إنما هي عبادة بدنية محضة، لا تصح إلا من المسلم، ومن صاحبه. أما الزكاة فهي أيضًا فوق أنها عبادة بدنية، هي أيضًا عبادة مالية، جمعت بين العبادة وبين المالية؛ ولذلك هي متميزة بطابعها المالي الاجتماعي، فكما قلنا هي: عبادة مالية تجري فيها النيابة، لكن الصلاة لا تجري فيها النيابة؛ ولذلك كان قياس الزكاة على الصلاة قياس مع الفارق، ولذلك لا يصح الاستدلال بذلك؛ فالزكاة بهذا تخالف الصلاة والصوم، فهما عبادة مختصة بالبدن، بينما الزكاة حق يتعلق بالمالك، فأشبهت نفقة الأقارب، والزوجات، وأروش الجنايات، وقيم المتلفات. وعن اشتراط النية لصحة إخراج الزكاة قال ابن حزم: نعم، وإنما أمر بأخذها الإمام، والمسلمون؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فإذا أخذها من أمر بأخذها بنية أنها الصدقة أجزأت عن الغائب، والمغمى عليه، والمجنون، والصغير، ومن لا نية له، ينظر في ذلك (المحلى) لابن حزم الجزء الخامس صـ٣٠٥ وما بعدها. فكأن ابن حزم يقول هنا: ليس بلازم النية من الصبي والمجنون حتى تصح منه الزكاة؛ إنما نقول: النية تكون موجودة إذا أخذ الإمام هذه الزكاة من الصبي أو المجنون؛ لأن الإمام ومن ينيبه إنما هم مطالبون بأخذ هذه الزكاة في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾.

стр. 148

وفي تأييد رأي القائلين بوجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون، يقول علماء حلقة الدراسات الاجتماعية للدول العربية كتاب الدورة الثالثة دمشق ١٩٥٢ صـ٢٣٧ جامعة الدول العربية، الأمانة العامة، إدارة الشئون الاجتماعية مطبعة مصر ١٩٥٥ بحث بعنوان: "الزكاة والوقف" للشيخ عبد الرحمن حسن، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ عبد الوهاب خلاف،: إن الزكاة حق المال، وهي تكليف اجتماعي سببه امتلاك المال، لا فرق في ذلك بين بالغ عاقل وغيره، كالشأن في كل تكليف اجتماعي، كما نرى في نفقة الأقارب، فإنها تجب في مال المكلف، وغير المكلف، لقريبه المحتاج العاجز عن الكسب، وإذ كانت حق المال فإنها تؤخذ منه أيًّا كان مالكه، كالعقوبات المالية الجنائية في الإسلام، وكقيم المتلفات، وكل هذا يؤخذ من مال المكلف، وغير المكلف تكليفًا دينيًّا، ينظر في ذلك إلى (حلقة الدراسات الاجتماعية للدول العربية) التي نبهنا إليه قبل ذلك. وقد أوصى المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية في صـ ٤٠٢، ٤٠٣ لسنة ١٩٦٥ بأنه تجب الزكاة على المكلف في ماله، وتجب أيضًا في مال غير المكلف، ويؤديها عنه من ماله من له الولاية على هذا المال. والرأي الراجح من خلال الأدلة التي ذكرناها للفريقين، والمناقشات التي وردت على بعض هذه الأدلة، وما نقلناه عن علماء حلقة الدراسات الاجتماعية، ومجمع البحوث الإسلامية يتضح لنا جليًّا: إن ما ذهب إليه الجمهور من الفقهاء من وجوب الزكاة في جميع أموال الصبي والمجنون هو الرأي الراجح؛ وذلك لما يلي: لقوة أدلته، وتفنيد أدلة الفريق الآخر، كما ذكرنا سابقًا.

стр. 149

أن مقدرة المكلف على أداء الزكاة لا تتأثر بكونه صبيًّا، أو بالغًا، مجنونًا، أو عاقلًا، وأن عدم العقل أو عدم البلوغ لا يمسان طاقة المكلف الزكائية، ومركزه المالي، كما أن إسقاط الزكاة في مال الصبي والمجنون فيه إخلال صارخ بمبدأ العمومية الشخصية في الزكاة؛ لعدم إخضاع الصبي والمجنون للزكاة، الأمر الذي يؤدي إلى انعدام المساواة بين المسلمين في تحمل التكاليف العامة المالية؛ التي من أهمها الزكاة، والتي قررتها الشريعة الإسلامية على المسلمين. أيضًا: أن الصبي والمجنون يستفيدان بالمنافع العامة التي تقدمها الدولة للمواطنين، فهما يتمتعان بالانتفاع بالمرافق العامة في الدولة الإسلامية من مواصلات، ومياه، وكهرباء، إلى آخره، كبقية المواطنين الذين يلتزمون بأداء الزكاة من أموالهم. وأيضًا: فإنهما يتمتعان بالحماية التي توفرها الدولة للمواطنين، سواء حمايتها من أي اعتداء خارجي أو داخلي؛ ليكونا آمنين في المكان الذي يعيشان فيه، أو حماية أموالهما من اللصوص، وقطاع الطرق، ووفقًا لقاعدة الغُنم بالغرم: فإنه يكون من الواجب الذي تفرضه العدالة أن يتساويا -أي: الصبي والمجنون- مع غيرهما من المواطنين في تحمل التكاليف العامة المالية بإخراج الزكاة من أموالهما؛ وبذلك تتحقق المساواة بين الموطنين في تحمل الأعباء العامة المالية، والتي من أهمها الزكاة المقررة في الدولة الإسلامية. ونخلص مما تقدم إلى أن: المكلفين بأداء الزكاة من الأشخاص الطبيعيين هم: جميع المسلمين الذين يملكون مالًا توافرت فيه شروط وجوب الزكاة، دون نظر إلى جنس من وجبت عليه، أو لونه، أو نسبه، أو طبقته الاجتماعية، فالذكر والأنثى، والصغير والكبير، والعاقل والمجنون، والشريف والوضيع، والحاكم والمحكوم أمام التكليف بأداء الزكاة سواء، أيًّا كان المكان الذي يقيمون فيه.

стр. 150

فالزكاة تجب على المسلم، أيًّا كان محل إقامته، ولو كان مقيمًا في بلد غير إسلامي ففي هذه الحالة يجب عليه إرسال الزكاة المستحقة عليه إلى بلده الإسلامي؛ فإن لم يستطع أصبحت دينًا في ذمته إلى أن يعود إلى بلده المسلم، وبهذا تتحقق المساواة الكاملة بين المسلمين في تحمل العبء الزكوي. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٢ - الشخص المعنوي في الزكاة الخلطة في الأنعام كمثال للشخص المعنوي في الزكاة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن العمومية الشخصية بالنسبة للشخص الطبيعي في الزكاة وتحدثنا عن الزكاة بالنسبة للكافر والمرتد وذكرنا آراء الفقهاء وأدلتهم بالنسبة للزكاة في مال الصبي والمجنون واتضح لنا رجحان رأي القائلين لوجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون. ونتحدث الآن عن العمومية الشخصية بالنسبة للشخص المعنوي، فنقول: لمعرفة وجود الأشخاص المعنوية -كنوع ثاني للمكلفين بالزكاة إلى جانب الأشخاص الطبيعية- لا بد من البحث حول موقف الفقهاء بالنسبة لتأثير الخلطة في زكاة الأنعام، على أنه بداية من المفيد أن نشير هنا إلى أن الخلطة في الأنعام على نوعين: النوع الأول: خلطة اشتراك، وقد يعبر عنها بخلطة الأعيان، وخلطة الشيوع، وهي تعني: عدم تمييز نصيب أحد المالكين أو الملاك عن نصيب غيره، كماشية ورثها قوم، أو ابتاعوها فهي شائعة بينهم، وهم شركاء فيها، ليس لأحدهم عدد متميز. النوع الثاني: من الخلطة في الأنعام هو خلطة جَوار -من الجوار- وقد يعبر عنها بخلطة الأوصاف، وهي تعني: أن يكون مال كل واحد من المالكين أو الملاك متعينًا متميزًا عن مال غيره، كأن يكون لمالك ستين شاة معلومة مميزة، وللآخر مثلها، أو أقل، أو أكثر، معلومة مميزة أيضًا، ولكنها كلها متجاورة مخلوطة كالمال الواحد، وينظر في تفصيل ذلك في كتاب (الأموال) للإمام أبو عبيد القاسم بن سلام طبعة ١٩٧٥ المحققة الناشر دار الفكر العربي صـ٤٩١ وما بعدها، وكذلك الدكتور يوسف القرضاوي في (فقه الزكاة) الجزء الأول صـ٢١٧ وما

стр. 151

بعدها، وكذلك (المجموع شرح المهذب) للنووي الجزء الخامس صـ٤٠٦ وما بعدها. ومن الجدير بالذكر أن هناك شروطًا ينبغي توافرها في الخلطة؛ لكي يكون لها تأثير في الزكاة، بعض هذه الشروط مشترك بين الخلطتين معًا -أي: خلطة الاشتراك وخلطة الجواري- والبعض الآخر يختص بخلطة الجوار. فبالنسبة للشروط المشتركة بين الخلطتين فإنها تمكن في الشروط الآتية: ١ - أن يكون المخالطين أو الخلطاء من أهل الزكاة أي: من تجب عليهما الزكاة. ٢ - أن يكون المال المختلط نصابًا. ٣ - دوام الخلطة سنة كاملة، يعني: إذا أردنا أن نتحدث عن تأثير الخلطة بالنسبة للزكاة لا بد من توافر هذه الشروط أولًا. وبالنسبة للشروط الخاصة بخلطة الجَوار فإنها تكمن في الشروط الآتية: ١ - اتحاد المُراحي أي: المكان الذي تبيت فيه ليلًا الأغنام مثلًا، أو الأبقار مثلًا، أن يكون هذا المكان متحدًا يعني: تبيت فيه أغنام هذا، وأغنام هذا. ٢ - اتحاد المشرب، بأن تسقى الغنم من ماء واحد، وأيضًا اتحاد المسرح أي: الموضع الذي تجتمع فيه، ثم تساق إلى المرعى، وأيضًا اتحاد المرعى أي: المرتع الذي ترعى فيه. هذه الشروط لا بد من وجودها حتى نتحدث عن تأثير هذه الخلطة في الزكاة من عدمه؛ فإذا لم توجد هذه الشروط أو انعدم شرط منها فلا نكون في هذه الحالة بشأن خلطة، ولا بشأن شيء منها.

стр. 152

ومن الشروط المختلف فيها: اتحاد الراعي أي: عدم اختصاص أحدهما براع، يعني: أن يكون الراعي واحدًا، يرعى غنم هذا، وغنم هذا. وأيضًا: اتحاد الفحل أي: أن تكون الفحول مرسلة في ماشيتهما، لا تختص إحداهما بفحل معين. وأيضًا: اتحاد الموضع الذي تحلب فيه الماشية، وهو شرط كاتحاد المراح. وأيضًا: اتحاد الحالب وهو الشخص الذي يقوم بحلب الماشية أي: لا ينفرد أحدهما بحالب يمنع عن حلب ماشية الآخر. وأيضًا: اتحاد الإناء الذي يحلب فيها أي: أن تكون المحالب شائعة بينهم، فلا ينفرد أحدهما بمحلب أو محالب، تمنع عن الآخر. ثم بعد ذلك توافر نية الخلطة لدى الخالطين أو الخلطاء. إذن: هناك شروط متفق عليها، وهناك شروط مختلف فيها. أي: إن البعض قال بها، أو قال بأنها شروط لازمة، والبعض قال بعدم لزومها. موقف الفقهاء من تأثير الخلطة في الزكاة نذهب إلى الفقهاء، ونعرف موقف الفقهاء بالنسبة لتأثير هذه الخلطة في الزكاة: ولو ضربنا مثالًا لهذا: نفترض أن إنسانًا عنده عشرون شاة، ورجلًا آخر عنده عشرون شاة، ثم حدثت بينهم خلطة جَوار -على سبيل المثال- وكان هناك راع واحد لهم، فإذًا مجموع هذه الأغنام هو: أربعون، ونحن نعرف أن نِصاب الغنم يبدأ من أربعين، ففي هذه الحالة: هل تجب الزكاة في هذه الأغنام؟ على اعتبار أننا جمعنا نصيب أحدهما إلى الآخر وبالتالي نظرنا إلى المال كله أو إلى الخلطة في

стр. 153

مجملها؟ ففي هذه الحالة نقول: تجب الزكاة؛ أم أننا لا ننظر إلى ذلك؟ وأن كل مالك على ملكه وبالتالي فلا تجب الزكاة؟ لو نظرنا إليهما بدون خلطة فصاحب العشرين لا تجب عليه الزكاة، والآخر لا تجب عليه الزكاة، لماذا؟ لأن كلًا منهما لم يصل إلى النصاب؛ لأن نصاب الغنم التي تجب فيه الزكاة أن تصل إلى أربعين شاة فأعلى، وكل واحد منهم على انفراد، لم يصل إلى هذا النصاب. فلو قلنا: هناك تأثير للخلطة، في هذه الحالة يجب عليهم إخراج الزكاة؛ لأننا سوف نجمع عشرين مع العشرين الأخرى، وبالتالي يحدث عندنا نصاب، وهن تجب الزكاة. وعلى ذلك فالذين قالوا بأن للخلطة تأثير في الزكاة يقولون: يجب على هذين المالكين إخراج الزكاة؛ لأن اجتماع مالهما وجد النصاب. وأما الذين يقولون بأنه: لا تأثير للخلطة في الزكاة، يقولون بأنه: لا زكاة على واحد منهما؛ لأن مال كل واحد منهما لم يصل إلى نصاب الزكاة. هذا تصور عام لموضوع الخلطة في الأنعام حتى تتضح؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، والمثال هو بمثابة تصوير للموضوع. موقف الفقهاء حول تأثير الخلطة في الزكاة: هناك مواقف عديدة للفقهاء حول هذه المسألة، وهي كما يلي: ١ - موقفهم من ثبوت التأثير للخلطة. ٢ - موقفهم من أنواع الخلطة التي لها تأثير، وهذا على القول بثبوت هذا التأثير. ٣ - موقفهم من المحل الذي تؤثر فيه الخلطة على القول بثبوت هذا التأثير أيضًا؛ أهو قدر الواجب فقط؟ أم هو قدر الواجب والنصاب معًا. ٤ - موقفهم من أنواع الأموال التي تؤثر فيها الخلطة على القول بثبوت هذا التأثير أيضًا؛ هل له تأثير في جميع أنواع المال؟ أم في الأنعام فقط؟ هذه صور معينة اختلف فيها الفقهاء، سوف نرى -إن شاء الله- ونحاول أن نوضح موقف الفقهاء في هذه الصور: أولًا: موقف الفقهاء من ثبوت التأثير للخلطة: اختلف الفقهاء حول هذه المسألة إلى رأيين: الرأي الأول ويقول: إن الخلطة لها تأثير في الزكاة بمعنى: أنه يجعل مال للرجلين أو أكثر كمال الرجل الواحد في الزكاة، وهذا هو مذهب الجمهور: مالك، والشافعي، وأحمد ابن حنبل.

стр. 154

فبناء على رأي جمهور الفقهاء: لو أن إنسانًا عنده عشرون شاة، والآخر عشرون شاة، وحدثت بينهم خلطة -بالشروط التي ذكرناها- ففي هذه الحالة يجب عليهم إخراج الزكاة، لماذا؟ لأن للخلطة تأثير، وبالخلطة وصل مال الرجلين إلى نصاب الزكاة وهو أربعون شاة، وبذلك تُخرج الزكاة من هذا النصاب، ومعنى ذلك: أن كل واحد منهم سوف يتحمل نصف شاة، هذا هو أثر التأثير في الزكاة. الرأي الثاني: وهو للأحناف، يقولون بأن: الخلطة ليس لها تأثير في الزكاة بحال -يعني: مطلقًا- لا في قدر الواجب، ولا في النصاب، سواء ملك كل واحد من الخلطاء نصابًا، أم دون النصاب، وإن كان مجموع مال الخلطاء أكثر من نصاب، فإذا ملك كل واحد منهم ما دون النصاب لم تجب عليه زكاة، وإن كان مجموع مالهم أكثر من نصاب، كأن يكون مال الخالطين ستين شاة لكل منهم ثلاثون، وذلك لأن ملك كل واحد دون النصاب، فلم تجب عليه زكاة، كما لو لم يختلط بغيره. خلاصة القول في هذا بأنه لا تأثير للخلطة مطلقًا لا في قدر الوجب ولا في النصاب بمعنى: لو قلنا بأن شخصين كل واحد منهما عنده عشرون شاة، وحدثت بينهم خلطة بشروطها، بناء على رأي الأحناف: لا تجب الزكاة في هذا المال -على الرغم من أن مجموع المالين يصل إلى النصاب وهو: أربعون شاة، ونصاب الغنم -كما قلنا- يبدأ من الأربعين -بناء على رأي الأحناف يقولون لا زكاة في هذا المال- لماذا؟ قالوا: لأن مال كل واحد منهم على انفراد لم يصل نصابه، وهذا إذًا بعكس ما رآه جمهور الفقهاء. فجمهور الفقهاء يقولون تجب الزكاة في هذا المال لماذا لأنهم يجعلون للخلطة تأثيرًا في الزكاة أما الأحناف فيقولون لا زكاة في هذا المال لماذا قالوا لأنهم لا يجعلون للخلطة تأثيرا في الزكاة.

стр. 155

هذا هو موقف الفقهاء من ثبوت التأثير للخلطة. إذن: الجماعة -الأحناف- الذين منعوا تأثير الخلطة في الزكاة، لا يتحدثون بعد ذلك في مقدار النصاب، أو غيره، فهم منعوا الأمر منعًا باتًّا، وانتهى الأمر، وقالوا: لا ينظر إلى هذه الخلطة إطلاقًا، وإنما ينظر إلى مال كل واحد على حدة. هذا بالنسبة لموقفهم من ثبوت التأثير للخلطة على وجه العموم. ويقول الأحناف: وأما إذا اختلط في نصابين بحيث يملك كل واحد منهما نصابًا، فإن الزكاة تجب فيه، كأن يكون مال الخَلِطين ثمانين، لكل منهما أربعون، فوجبت فيها شاة؛ لأن في كل أربعين شاة شاة. هذا -كما قلنا- رأي الجمهور، ورأي الأحناف بالنسبة لتأثير الخلطة بالنسبة للزكاة. جمهور الفقهاء استدلوا على ما ذهبوا إليه وهو أن للخلطة تأثير في الزكاة؟ استند أصحاب هذا الرأي إلى النصوص الواردة في هذه المسألة، ودلت دلالة واضحة على ثبوت التأثير للخلطة في الزكاة، منها: قوله ﷺ : ((لا يُجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع؛ خشية الصدقة، وما كان من خلِطِين فإنهما يتراجعان بالسوية)) فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أن: مِلك الخلطين كملك رجل واحد، وهذا حديث مخصص لقوله ﷺ : ((ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة)). وبناء على ذلك في المثال الذي ذكرناه: لو كان لكل واحد منهما عشرون شاة، ثم حدثت بينهم خلطة، فبناء على رأي جمهور الفقهاء: عليهم أن يخرجوا شاة؛ لأن باجتماع المالين وجد النصاب، لكن عندما يخرجون شاة: كل واحد يرجع على صاحبه، فكل واحد منهم إذًا سوف يتحمل نصف شاة كما ذكرنا. واعترض أصحاب الرأي الثاني -وهم الأحناف- على ما استدل به أصحاب الرأي الأول -وهم الجمهور- بقولهم: إن الشريكين قد يقال لهما: خالطان،

стр. 156

ويحتمل أن يكون قوله ﷺ : ((لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع)) إنما هو نُهي للسعاة أن يقسموا ملك الرجل الواحد قسمة توجب عليه كثرة الصدقة مثل: أن يكون لرجل مائة وعشرون شاة، فيقسموه عليه إلى أربعين ثلاثة مرات، أو يُجمع مِلك رجل إلى رجل آخر حيث يوجب الجمع كثرة الصدقة، قالوا: وإذا ثبت هذا الاحتمال في هذا الحديث وجب ألا يخصص به حديث الرسول ﷺ : ((ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة)) ومعنى هذا: أنهم يرون أن الجمع بين المتفرق، والتفريق بين المجتمع إنما يكون على الملك فقط، وبالتالي لا دليل في ذلك على ثبوت التأثير للخلط. وأيضًا في اعتراضهم على الدليل يقولون: يحتمل أن يكون قوله ﷺ : ((لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع)) إنما هو نهي للسعاة يعني: احتمال أن النبي -صلى الله عليهم وسلم- يريد بكلامه السعاة، ويوجه هذا الحديث إلى السعاة؛ ونقصد بهم: عمال الزكاة الذين كانوا يقومون بجمع الزكاة من الناس، فكأن النبي ﷺ يقول لهم: لا تجمعوا بين متفرق، ولا تفرقوا بين مجتمع؛ حتى لا تضروا بأصحاب هذه الأموال. فإذن: الحديث ليس خاصًّا بالملاك، وبالتالي فلا يكون دليلًا على ثبوت تأثير الخلطة في الزكاة. فكأن النبي ﷺ يقول لهم: لا تفعلوا هذا، خذوا شاة واحدة عن المائة والعشرين، ولا تفرقوا هذا المال؛ لا تجعلوه: أربعين، وأربعين، وأربعين؛ لأنهم لو جعلوه: أربعين، وأربعين، وأربعين، سوف يأخذون ثلاث شياهٍ بدل شاة واحدة، فهذا نهي من النبي ﷺ لهؤلاء العمال، أو السعاة أن يفرقوا بين مجتمع، يعني: بين شيء في الجملة المائة والعشرين، لا يصح أن يجعلوها أو

стр. 157

يوزعوها على ثلاث، بحيث يصير المجموع ثلاث شياهٍ يُخْرجها الرجل، بدل شاة واحدة. مثل: أن يكون لرجل مائة وعشرون شاة فيقسموها عليه إلى أربعين ثلاث مرات، أو يُجمع ملك رجل إلى رجل آخر، حيث يوجب الجمع كثرة الصدقة، أيضًا نهي للسعاة، لا يصح لهم أن يقولوا بأن: فلان هذا الذي يسكن بجوار فلان عنده عشرون من الإبل، وجاره الآخر عنده عشرون من الإبل فنجمع الاثنين معًا، ونجعلهم أربعين، وبالتالي نأخذ زكاة من هذه الأربعين؛ لأن بالجمع هذا حدث النصاب، وبالتالي نأخذ زكاة، هذا ممنوع منه السعاة. هذا، وقالوا: هذا هو معنى الحديث: لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة يعني: من أجل الصدقة، كأن السعاة يريدون أن يأخذوا الزكاة من الناس بأي وسيلة؛ ولهذا كان نهي من النبي ﷺ . إذن: مادام الأمر كذلك فالحديث مقصود به السعاة، وهو موجه إلى السعاة، وبالتالي فليس موجهًا إلى الملاك، وبالتالي فلا شأن له بتأثير الخلطة في الزكاة. هذا الرد جاء من الجماعة الأحناف؛ ولذلك يقولون: وإذا ثبت هذا الاحتمال في الحديث فلا يعمل به؛ لأن هناك قاعدة تقول: الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال صدق به الاستدلال؛ ولذلك يقولون: مادام هذا الاحتمال في الحديث وجب ألا يخصص به حديث رسول ﷺ : ((ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة)) ومعنى هذا أنهم يرون: أن الجمع بين المتفرق والتفريق بين المجتمع إنما يكون على الملك فقط، وبالتالي لا دليل في ذلك على ثبوت التأثير للخلطة، يرجع في ذلك إلى (بداية المجتهد ونهاية المتصل) لابن رشد الجزء الأول صـ٢٣٨ وما بعدها.

стр. 158

وقد أجاب أصحاب الرأي الأول على هذا الاعتراض، أو تلك المناقشة التي حدثت من الأحناف بأن: لفظ الخلطة أظهر في الخلطة نفسها منه في الشركة، وإذا كان الأمر كذلك فإن قوله- ﷺ : ((فإنهما يتراجعان بالسوية)) مما يدل على أن الحق الواجب عليهما حكمه حكم رجل واحد، وأنه يدل أيضًا على أن الخلطين ليس بشريكين؛ لأن الشريكين لا يتصور بينهما تراجع، إذ المأخوذ هو من مال الشركة؛ لأن الشركة تعتبر شخصًا معنويًّا له ذمة مستقلة عن المساهمين، وهنا تجب الزكاة في مال الشركة ككل، وبالتالي لا يتصور رجوع أحد الشركاء على باقي الشركاء بشيء. وهذا التفسير للحديث هو ما رآه كثير من العلماء، واختاره أبو عبيد حيث قال: والوجه عندي في ذلك ما اجتمع عليه هؤلاء الذين يرون أن الحديث نهي للملاك والسعاة معًا؛ لأن العدوان لا يؤمن من المصدق -المالك- كما أن الفرار من الصدقة لا يؤمن من رب المالك. والمصدق المقصود به هنا: هو عامل الزكاة، أو الذي يقوم بجباية الزكاة، كما أن الفرار من الصدقة لا يؤْمن من رب المال فأوعز النبي- ﷺ إليهما جميعًا. ثم يقول أبو عبيد: وهو بيِّن في الحديث الذي ذكرناه عن سويد بن غفلة، حين حدث عن مصدق النبي ﷺ أنه قال: ((إن في عهدي ألاَّ أفرق بين مجتمع، ولا أجمع بين متفرق)) فقد أوضح لك هذا أن النهي للمصدق. وقوله ﷺ : ((حذار الصدقة)) أي: خشية الصدقة، كما في رواية البخاري بين لك أن النهي لأرباب الأموال. إذن: هذا نوع أيضًا من الجمع بين الحديث هل المقصود أنه نهي للسعاة فقط ولا شأن له بالملاك؟ أم أنه نهي للملاك فقط؟ ولا شأن له بالسعاة؟ فإن قلنا بأنه نهي

стр. 159

للسعاة فقط فهذا يدل -كما قال الأحناف- على أنه لا تأثير للخلطة في الزكاة، وإن قلنا بأنه موجه للملاك، فيدل ذلك على أن للخلطة تأثير في الزكاة كما يرى جمهور الفقهاء. لكن هناك أيضًا من جمع بين الاثنين وقال بأن: قوله ﷺ : ((لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع)) من الممكن أن يكون موجهًا إلى السعاة، وموجه إلى الملاك أيضًا. موجه إلى السعاة حتى لا يريدون أخذ أكثر مما هو مطلوب، وموجه إلى الملاك -أرباب الأموال- حتى لا يتهربون من الزكاة عن طريق جمعها مع بعضها البعض، أو تفريقها حتى تسقط الزكاة، أو تقل الزكاة، وهذا التفسير هو الذي ارتضاه أبو عبيد في كتابه (الأموال) صـ ٤٨٤ ٤٨٦ وقال: إن هذا يصلح أن يكون حديث النبي ﷺ موجه إلى أرباب الأموال، كما هو موجه إلى السعاة، أي: الذين يقومون بالجبايا. وبالتالي بناء على هذا التفسير الذي اختاره أبو عبيد يكون الحديث متمشيًّا مع ما ذهب إليه جمهور الفقهاء وهو أن: للخلطة تأثيرًا في الزكاة أي: أنها تجعل مال الرجلين كمال رجل واحد في الزكاة -كما بينا ذلك. وخلاصة هذا كله أن الجمهور يرون أن هذا الحديث يفيد نهي الملاك والسعاة معًا عن ذلك كله، كما يرون أن ذلك يكون على المخالطة وعلى الملك أيضًا، وليس على الملك فقط، كما رآه أصحاب الرأي الثاني، فهو بهذا يريد ثبوت تأثير للخلطة. ونحن نرجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من ثبوت تأثير الخلطة في الزكاة، أي: أنه إذا اختلط شخصان أو أكثر فإنهم يجمعون مالهم في الزكاة، ويزكون زكاة مال

стр. 160

الرجل الواحد، وذلك لقوة أدلة الجمهور فيما ذهبوا إليه، وتفيندهم لأدلة الرأي المخالف لرأيهم، وإذا ثبت أن للخلطة تأثيرًا في الزكاة -كما يرى جمهور الفقهاء كما أوضحنا- فأي نوع من أنواع الخلطة ثبت له هذا التأثير؟ وسنجيب على ذلك فيما يلي: موقف الفقهاء من أنواع الخلطة التي لها تأثير: ذكرنا فيما سبق أن الخلطة على نوعين خلطة اشتراك، وخلطة جوار، وذكرنا أيضًا أن جمهور الفقهاء يرون أن للخلطة تأثيرًا في الزكاة أي: جعل مال الرجلين كمال رجل واحد يعني: يجمعون مالهم في الزكاة ويزكون زكاة مال الرجل الواحد كما رأينا؛ والفقهاء القائلون بهذا لا يختلفون في ثبوت هذا التأثير لنوعي الخلطة، سواء كانت خلطة أعيان، أو خلطة أوصاف، بل إننا نجد أن الشيخ أبي حامد الإسفراييني قد نقل في تعليقه إجماع المسلمين على أنه لا فرق بين الخلطتين في الإيجاب. إلا أن بعضهم يشترط لثبوت هذا التأثير: أن يكون مال كل واحد من الخلطاء نصابًا فصاعدًا، بينما لم يشترط ذلك البعض الآخر وهم جمهور القائلين بثبوت تأثير الخلطة؛ فللخلطة تأثيرها، سواء كانت خلطة أعيان، أو خلطة أوصاف، وسواء كان يملك كل واحد من الخلطاء نصابًا، أو لا، واستندوا إلى الأحاديث المطلقة في هذا الشأن -والتي ذكرناها فيما سبق- حيث أنها لا تفرق بين نوعي الخلطة، كما أنها لا تفرق بين ما إذا كان مال كل واحد من الخلطاء نصابًا، وبين ما لم يكن نصابًا، ويرجع في ذلك إلى (المجموع شرح المهذب) للنووي الجزء الخامس صـ٤٠٦ وما بعدها وأيضا (المغني) لابن قدامة الجزء الثاني صـ٤٨١ وما بعدها.

стр. 161

ثالثًا: موقف الفقهاء من المحل الذي تؤثر فيه الخلطة: ويقصد بذلك: هل تؤثر الخلطة في قدر الواجب فقط؟ أم تؤثر في قدر الواجب والنصاب معًا؟ بالنسبة لهذه المسألة نجد أن الفقهاء قد اختلفوا إلى فريقين: الفريق الأول: يرى أن الخلطة إنما تؤثر في قدر الواجب فقط. الفريق الثاني: يرى إنما تؤثر في قدر الواجب والنصاب معًا. فأصحاب الرأي الأول بعد أن ثبت لديهم تأثير الخلطة في قدر الواجب بقوله ﷺ : ((إنما يتراجعان بالسوية)) وقفوا عنده، ولم يقيسوا عليه النصاب، ورأوا أن الخالطين إنما يزكيان زكاة الرجل الواحد، إذا كان لكل واحد منهما نصاب، بينما لم يقتصر على ذلك أصحاب الرأي الثاني، وإنما راحوا يقيسون النصاب على قدر الواجب، ورأوا أن الخلطين أو أكثر نصاب الرجل الواحد، كما أن زكاتهما زكاة الرجل الواحد، وتبعًا لهذا الاختلاف اختلف المعنى المفهوم من قوله- ﷺ : ((لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع)) وحمل كل من الرأيين هذا الحديث على ما ذهب إليه. خلاصة القول في هذا أن الرأي الراجح في المسالة أنه: لا يشترط أن يكون مال كل واحد من الخلطين على حدة قد بلغ نصابًا، حتى نقول بتأثير الخلطة في الزكاة، وإنما يكفي -كما قلنا- أن يوجد النصاب من مجموع المالين فقط. ونحن نختار ما عليه أصحاب الرأي الثاني، عملًا بالقياس حيث إن القياس معتبر شرعًا، طالما ليس هناك نص يخالفه، ومسألتنا هذه قد دل النص كما تقدم على ثبوت تأثير الخلطة في قدر الواجب، فيقاس عليه النصاب، وبذلك يكون المحل الذي تؤثر فيه الخلطة هو قدر الواجب والنصاب معًا.

стр. 162

حكم الخلطة في الماشية، وتأثيرها في الزكاة موقف الفقهاء من أنواع الأموال التي تؤثر فيها الخلطة: الذين قالوا: إن للخلطة تأثيرًا في الزكاة، اختلفوا بالنسبة للأموال التي تؤثر فيها الخلطة، ويمكن إرجاع هذا الاختلاف إلى رأيين: الرأي الأول: ويرى أصحابه أن للخلطة تأثيرًا في الماشية فقط، وأما في غير المواشي فلا تأثير للخلطة فيها. الرأي الثاني: ويرى أصحابه أن للخلطة تأثيرًا في جميع أنواع الأموال، سواء أكانت مواشي، أو أثمان، أو عروضًا تجارية، أو حبوبًا، أو ثمارًا، يرجع في تفصيل هذه الآراء لـ (المغني) لابن قدامة الجزء الثاني صـ٤٩٠ وما بعدها، و (المجموع شرح المهذب) للنووي الجزء الخامس صـ٤٣٠ وما بعدها. أدلة الرأي الأول: استدل أصحاب هذا الرأي القائلون بأن: للخلطة تأثيرًا في الماشية فقط، وأما في غير المواشي فلا تأثير للخلطة فيها، أقول: استندوا إلى قوله ﷺ : ((والخليطان ما اجتمع على الحوض، والفحل، والراعي)) ((والخليطان ما اجتمع على الحوض ... )) والمقصود بـ ((الحوض)): هو المكان الذي تشرب منه الماشية، و ((الفحل)): وهذا شيء خاص بالماشية، و ((الراعي)) أيضًا هذا شيء خاص بالماشية، قالوا: فإنه يدل على أن ما لم يوجد فيه ذلك -يعني: ما لم يوجد فيه الحوض والفحل والراعي- لا يكون هناك خلطة مؤثرة. واستندوا أيضًا إلى قوله ﷺ : ((لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة)) حيث قالوا: إنه إنما هو خاص بالماشية فقط؛ لأن الزكاة تقل بجمعها تارة، وتكثر أخرى، وسائر الأموال تجب فيها فيما زاد على النصاب بحسابه، فلا أثر لجمعها.

стр. 163

يعني: هذا الجمع بين المتفرق، والتفرق بين المجتمع، قالوا: هذا يؤثر في الصدقة فعلًا، لكنه في الماشية فقط، لكن ذلك لا يتصور بالنسبة للأموال الأخرى مثل النقود على سبيل المثال؛ لأن النقود على سبيل المثال عندما تصل إلى النصاب تجب فيها الزكاة أيًّا كان المبلغ الذي وصلت إليه، وبذلك لا يتصور فيها تفريق بين مجتمع، أو جمع بين متفرق؛ ولذلك قالوا: هذا الحديث أيضًا لا ينطبق إلا على الماشية فقط. ولذلك إن هؤلاء يقولون: تأثير الخلطة في الزكاة إنما هو خاص بالماشية فقط، فإذا كانت هناك خلطة في غير الماشية فلا تأثير لهذه الخلطة في الزكاة، أي: أنه لا يجعل مال للرجلين كمال رجل واحد؛ مال الرجلين يجعل كمال رجل واحد إنما هو في حالة الماشية فقط؛ أما في عداها فلا يجعل مال الرجلين كمال رجل واحد. وبالتالي في هذه الحالة كل إنسان مستقل تمامًا بأشيائه، وبأمواله، فإذا بلغت نصابًا على انفراد زكَّاها، وإذا لم تبلغ فلم يزكها. هذا هو مجمل الرأي الأول، والأدلة التي استند إليها أصحاب الرأي القائلون بأن تأثير الخلطة بالنسبة للزكاة إنما يكون في الماشية فقط، ولا يكون في غيرها من العموم. أما الرأي الثاني الذي يقول بأن: للخلطة تأثيرًا في جميع أنواع الأموال، سواء كانت مواشي، أو أثمان، أو عروضًا تجارية، أو حبوبًا، أو ثمارًا، هؤلاء استدلوا على ما ذهبوا إليه بقولهم: إن المئونة تخف إذا كان الملقح واحدًا، والنضور والجرين، وكذلك أموال التجارة، وتختلف أيضًا إذا كان الدكان واحدًا والميزان والبائع فأشبه الماشية. وقال النووي: والأصح ثبوتها -أي: الخلطة- جميعًا في الجميع أي: جميع الأموال لعموم الحديث: ((لا يفرق بين مجتمع)) وأضاف تعليلًا آخر لذلك هو: أن الخلطة إنما تثبت في الماشية للارتفاق، والارتفاق هنا موجود باتحاد

стр. 164

الجرين؛ واتحاد الجرين هذا بالنسبة للحبوب والماء وجزاز النخل أيضًا بالنسبة للحبوب، والدكان إنما هو خاص بالنسبة للتجارة، والميزان خاص بالتجارة، والكيال والوزان والمتعهد، كل ذلك خاص بالحبوب وبين والتجارة. وقد اختار القول بتأثير الخلطة في جميع الأموال كثير من العلماء المعاصرين؛ ثم جعلوه أساسًا لمعاملة الشركات المساهمة ونحوها في حكم الزكاة وجبايتها، منها معاملة شخصية واحدة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٣ - الزكاة في الحيوان تابع: حكم الخلطة في الماشية، وتأثيرها في الزكاة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن العمومية الشخصية في الزكاة، وبينا الفرق بين الشخص الطبيعي والشخص المعنوي. وقد رأينا الاختلافات الفقهية حول مسألة الخلطة، وهل لها تأثير في الزكاة أم لا؟ وقلنا إن الرأي الراجح في هذا هو الذي يقول بتأثير الخلطة في الزكاة، لكننا قد وجدنا رأيًا آخر وهو للأحناف. وأيضا كان من ضمن المسائل التي اختلف الفقهاء: هل تؤثر الخلطة في النصاب وقدر الواجب معًا، أما أنها تؤثر في قدر الواجب فقط؟ أقول ذكرنا آراء الفقهاء في هذه المسائل والأدلة التي استندوا إليها في تأييد أقوالهم، ورجحنا القول بأن للخلطة تأثير في الزكاة وتأثيرها يشمل خلطة الشركة وخلطة الجوار معًا، وأن الخلطة تؤثر في النصاب وقدر الواجب معًا، وأيضًا فإن للخلطة تأثير في جميع الأموال وليس الماشية فقط أي أنها لها تأثير في الزروع والثمار والدراهم والدنانير، وعلى هذا ذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى تطبيق نظام الخلطة على الشركات المساهمة، حيث يرون معاملة الشركات المساهمة مثل معاملة رجل واحد فتربط الزكاة على مال الشركة المساهمة المجتمع مباشرة قياسًا على ثبوت الشركة في الماشية. فالزكاة تجب في مال الشركة لا في مال كل شريك على حدة، وبذلك لا يُعفى من الزكاة المساهم الذي يمتلك عددًا من الأسهم قيمتها أقل من نصاب الزكاة، بمعنى أن هذه الشركة لو كانت أسهمها تزيد على النصاب لكن المشتركين فيها لكل منهم أسهم لا تصل إلى النصاب بناءً على هذا التأثير في الخلطة فإن الزكاة تجب في مال الشركة على الرغم من أن كل واحد من المساهمين فيها لم يمتلك النصاب حتى تجب عليه الزكاة. ويذهب القول بتطبيق الزكاة أيضًا على أشخاص القانون العام ذات النشاط التجاري، فقلنا الشركات المساهمة إنما هي شركات ضمن أفراد القانون الخاص، ينظمها القانون الخاص بعض الفقهاء قال: ينبغي ألا يقتصر تأثير الخلطة في الزكاة على الشركات الخاصة فقط التي يمونها الأفراد، وإنما يذهب هذا البعض إلى القول بتطبيق الزكاة أيضًا على أشخاص القانون العام ذات النشاط التجاري، فكما تستطيع الدولة القيام بالأعمال التجارية فإنه يصح التزامها بالضرائب، وعلى هذا فالقول بوجوب الزكاة على الشركات المساهمة لا يقتصر على

стр. 165

الشركات باعتبارها من أشخاص القانون الخاص، بل يشمل بطريق القياس أشخاص القانون العام ذات النشاط التجاري، ويمكن أن يُرجع في ذلك إلى كتاب (محاسبة زكاة المال علمًا وعملًا) من ص ٩١ وما بعدها للدكتور شوقي إسماعيل شحاته الطبعة الأولى ١٩٧٠ الناشر مكتبة الأنجلو المصرية. كذلك يمكن الرجوع أيضًا إلى كتاب (نظام الضرائب في الإسلام، ومدى تطبيقه في المملكة العربية السعودية) للدكتور عبد العزيز العلي الصالح ص ٢٨ وما بعدها. والخلاصة: يتضح لنا لما سبق أن الخلطة لها تأثير في الزكاة بمعنى أن يُجعل مال الرجلين كمال رجل واحد، وأن تأثيرها لا يقتصر على المواشي فقط، ولكن يشمل جميع الأموال الخاضعة للزكاة، وهذا ما نختاره ونرجحه، ومن ثبوته هذا التأثير للخلطة في جميع الأموال للزكاة يظهر لنا وجود المكلف المعنوي في الزكاة إلى جانب المكلف الطبيعي فيها، وإذا عرفنا أن المكلف الطبيعي بالزكاة يتكون من المسلمين المالكين للمال الذين توافرت فيهم شروط وجوب الزكاة بلا تفرقة بين صغير وكبير، ولا بين عاقل ومجنون، فإن المكلف المعنوي يتكون من: ١ - أشخاص القانون الخاص الذين هم الخلطاء المشتركون في الخلطة في الأنعام وغيرها من سائر الأموال الزكوية، والذين يُعاملون في الإسلام طبقًا للرأي الراجح معاملة شخص واحد في الزكاة متى توافرت في أموالهم مجتمعة شروط وجوب الزكاة، وكذلك الشركات المساهمة التي استحدثت في التجارة والصناعة في العصر الحديث أيضًا تطبق عليها أو يطبق عليها نظام الخلطة، والتي تشكل أهم وأبرز صور الاستثمار، وتتميز بكثرة عدد المساهمين فيها، وبأن لها شخصية معنوية مستقلة.

стр. 166

٢ - أشخاص القانون العام ذات النشاط التجاري كالمؤسسات التجارية التي تقيمها الدولة لتتولى الأعمال التجارية في الداخل والخارج، وبذلك نصل إلى أن المكلفين بالزكاة على نوعين: النوع الأول الأشخاص الطبيعية، النوع الثاني الأشخاص المعنوية، ونحن نرى أن إيجاب الزكاة على الشخص المعنوي أمر لازم، وذلك تماشيًا مع قاعدة "الغُنْم بالغُرْم" فهذا الشخص يتمتع بالانتفاع ببعض المرافق العامة في الدولة، والتي تتفق مع طبيعته وذلك كحماية الدولة له من أي اعتداء قد يقع عليه أو يتعرض له، ولا شك أن العدالة تقتضي أن كل تمتع بحق يقابله التزام بواجب وفقًا لقاعدة "الغُنْم بالغُرْم"، ومن ثم تجب على هذا الشخص الزكاة. وبالإضافة إلى ذلك فإن إيجاب الزكاة على الشخص المعنوي من شأنه أن يحقق العمومية الشخصية في الزكاة إلى أبعد الحدود، ففي هذا الإيجاب قد تصل الزكاة إلى أموال كانت لا تستطيع الوصول إليها في بعض الأحوال، لو لم تفرض على هذا الشخص المعنوي، وذلك كما إذا كان سهم كل واحد من المساهمين المكونين في الشخص المعنوي لا يبلغ على حدة النصاب الموجب للزكاة إلا أن السهم بانضمامه مع الأسهم الأخرى بلغ النصاب الموجب للزكاة، فتجب فيه الزكاة حينئذ. خلاصة القول في هذا أنه لولا العمل بالخلطة في هذه الشركات، بمعنى أنه يعامل أو أن تكون أموال الرجلين كأموال رجل واحد ما تمكنت الزكاة أن تصل إلى هذه الأموال؛ لأن هذه الأموال لو نظرنا إلى كل واحد نجد أنه لم يمتلك نصابًا، وبالتالي لا تجب عليه الزكاة، لكن عندما قمنا بضم هذه الأموال بعضها إلى البعض الآخر في شركات تمكنا في هذه الحالة من الوصول إلى الزكاة؛ لأنه بانضمام هذه الأسهم بعضها إلى بعض نصل إلى النصاب، وبالتالي تجب فيه الزكاة.

стр. 167

إذن معنى ذلك أننا عندما نفرض الزكاة على الأشخاص المعنوية أو الأشخاص الاعتبارية فهذا قد يؤدي بنا إلى أن نصل إلى فرض الزكاة في أموال لم تكن لتفرض عليها لو لم نأخذ بهذا النظام، وبإيجاب الزكاة على الأشخاص المعنوية سواء كانت عامة أم خاص، ومعنى كلمة عامة أن الدولة هي التي تدير هذه الشركات ومعنى خاصة يعني الأفراد هم الذين يديرون هذه الشركات، نقول وبإيجاب الزكاة على الأشخاص المعنوية سواء كانت عامة أم خاصة بجانب الأشخاص الطبيعيين نجد أن الزكاة قد امتدت لتشمل كل الأموال التي تصلح لأن تكون محلًا لها سواء كان مالكها شخصًا طبيعيًّا أم كان شخصًا معنويًا، ومعنى هذا أن العمومية الشخصية في الزكاة تكون قد تحققت إلى أقصى درجة ممكنة، وبهذا تتحقق المساواة الكاملة بين الأشخاص جميعًا طبيعيين ومعنويين في تحمل التكاليف العامة المالية التي من أهمها الزكاة والتي هي مقررة في الدولة على راعاياها. وبعد انتهائنا من الحديث عن العمومية الشخصية في الزكاة سواء كانت هذه العمومية تتعلق بالأشخاص الطبيعيين أو الأشخاص المعنويين أو الاعتباريين فإننا نقول إذا كانت العمومية الشخصية قد شملت كل الأشخاص طبيعيين ومعنويين القادرين إلا أنها قد تناولتهم باعتبار ما يملكون من أموال على اختلاف مصادرها، حيث أن التكليف متعلق بالمال نفسه، ومعنى ذلك أننا بعد ما تكلمنا عن العمومية الشخصية في الزكاة نتكلم الآن عن العمومية المادية في الزكاة. فإذن عندنا عمومية شخصية وقد تحدثنا عنها، وعندنا عمومية مادية، ونبدأ الآن في الحديث عنها: والعمومية المادية في الزكاة تعني أن تُفرض الزكاة على جميع الأموال التي تحققت فيها شروط وجوب الزكاة، لقد وردت فريضة الزكاة عامة في جميع الأموال كما يتضح من قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ

стр. 168

وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: من الآية: ١٠٣) ودلّ ذلك على أن الأصل في الزكاة أنها تجب في كل مال إلا إذا بينت السنة الشريفة غير ذلك أو يرد دليل شرعي على أن لا مال بعينه، أو أن مالًا بعينه لا تجب فيه الزكاة. ومصدر المال إما الكسب، أو ما يخرج من الأرض، ونتبين ذلك من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٦٧) وإذا كان القرآن الكريم قد أوجب الزكاة في كل مال إلا أن السنة الشريفة قد بينت أن هذه الفريضة تجب في الأموال الآتية: الأول أو النوع الأول: النعم، وهي الإبل والبقر والغنم. والنوع الثاني: هي المعشّرات وهي القوت الذي يجب فيه العشر أو نصف العشر. والنوع الثالث: هو النقض ويقصد به الذهب والفضة ولو غير مضروب. والنوع الرابع: عروض التجارة، ونوع الخامس زكاة الفطر. وهذه الأنواع الخامسة من المال عبارة عن ثمانية أصناف من أجناس المال هي "الذهب، والفضة، والإبل، والبقر، والغنم، والزروع، والنخل، والكرم" أي العنب، ولذلك وجبت الزكاة لثمانية أصناف من طبقات الناس، وقد دل على ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ (التوبة: من الآية: ٦٠) فهذه ثمانية أصناف تصرف إليهم أموال الزكاة كما أن الأموال التي تجب فيها الزكاة ثمانية كما ذكرنا.

стр. 169

الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته ونبدأ بالنوع الأول وهو زكاة الحيوان: وزكاة الحيوان تجب في النعم أي الإبل، والبقر، والغنم الإنسية بالنص والإجماع، ومن هذه النصوص حديث أبي ذر عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما من صاحب إبل، ولا بقر، ولا غنم، لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأثمن، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأخفافها، فكلما تعدت أخراها عادت إليه أولها حتى يقضي بين الناس). وشروط زكاة الحيوان -أي المواشي- ستة: هي الإسلام، والحرية، والملك التام، والنصاب، والحول، والسوم، ويشترط في الحيوان الذي تجب في جنسه الزكاة أن يكون مملوكًا لمسلم بالإجماع، ومعنى ذلك أنه إذا كان مملوكًا لكافر فلا تجب فيه الزكاة؛ لأن من شروط صحة الزكاة الإسلام، وأيضًا أن يكون سائمًا، والسوم معناه أن يرعي لوحده أي بدون أن يكلف صاحبه مئونة المرعى، وأن يكون سائما مدة الحول عند جمهور الفقهاء، وذلك لأن الزكاة عبادة، وهي لا تصح من الكافر حالة كفره، ولأن السائمة لا مئونة فيها؛ لأنها ترعي في كلأ مباح، بخلاف المعلوفة في غير هذا الكلأ المباح؛ لأنها تحتاج إلى مئونة لطعامها وشرابها من مال صاحبها، وكذا الماشية العاملة. أي أنه من الشروط اللازمة حتى تجب الزكاة في الحيوان أن يكون سائمًا بمعنى أن يرعى بنفسه في كلأ مباح، فإذا كان صاحبه هو الذي يقوم بعلفه، فإنه في هذه الحالة لا تجب في الزكاة، وكذلك بالنسبة للماشية يعتبر ألا تكون عاملة يعني يستعملها الإنسان الذي يزرع الحقل أو المزارع في العمل في الزراعة، فإذا كانت عاملة يعني يستعملها في عمل الزراعة فلا تجب فيها الزكاة، وهذا عند جمهور الفقهاء لكنها حكي عن مالك في الماشية العاملة والمعلوفة الزكاة إذا بلغت نصابًا

стр. 170

استنادًا لعموم قوله ﷺ : في زكاة الإبل ((في كل خمس شاة)) وبهذا عمل أهل المدينة وليس عندهم أصل في ذلك. إذن معنى ذلك أنه لا يشترط حتى تجب الزكاة في الماشية أن تكون سائمة، ولا أن تكون غير معلوفة، فعنده في هذا القول -أي عند مالك- أن الزكاة تجب في الماشية حتى ولو كانت معلوفة، يعني يقوم صاحبها بعلفها، وحتى ولو كانت عاملة يعني يستعملها صاحبها في عمل الزراعة، والإمام مالك عندما أوجب الزكاة في العاملة والمعلوفة استند في ذلك -كما قلنا- إلى عموم الحديث الذي يقول فيه النبي ﷺ بالنسبة للإبل: ((في كل خمس شاة)) وعندما قال ﷺ : ((في كل خمسة شاة)) يعني في كل خمس من الإبل شاة، جاء الحديث عامًّا، فالنبي ﷺ لم يفرق بين ما إذا كانت هذه معلوفة أو غير معلوفة، ولم يفرق بين ما إذا كانت هذه تعمل أو لا تعمل؛ لذلك الإمام مالك نظر إلى هذا العموم الوارد في الحديث، وأوجب الزكاة في الماشية حتى ولو كانت عاملة، حتى ولو كانت معلوفة. لكن للجمهور أدلة في اشتراط السوم لوجوب الزكاة، فالجمهور استدلوا على أنه يشترط السوم لوجوب الزكاة، والسوم -كما قلنا- أن ترعى الماشية في كلأ مباح، استدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ : ((في كل سائمة في كل أربعين بنت لبون)) فدل ذلك على أنه لا زكاة في غيره، فهم يقولون بأن النبي ﷺ نص في هذا الحديث على السوم، فقال: ((في كل سائمة)) وبمفهوم المخالفة أن غير السائمة وهي المعلوفة لا تجب فيها الزكاة، فإذن استدل الجمهور على أنه يشترط السوم لوجوب الزكاة في الماشية استدلوا بهذا الحديث وهو قوله ﷺ : ((في كل سائمة في كل أربعين بنت لبون)) فهذا حديث -كما قلنا- يدل بمفهوم المخالفة على أن التي تُعلف لا زكاة فيها.

стр. 171

واستدلوا أيضًا بما روي أن أبا بكر ﵁ لما كتب كتاب الصدقة الواجبة إلى عماله كتبه وفيه: "صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين فيها صدقة" يعني كأن سيدنا أبا بكر يبين أن الزكاة في الغنم إنما تجب إذا بلغت أربعين، لكن اشترط أن تكون سائمة عندما قال: "صدقة الغنم في سائمتها" فهنا نص سيدنا أبو بكر -رضوان الله ﵎ عليه- نص على السوم أيضًا، بالمفهوم أيضًا لا تجب الزكاة في المعلوفة. وقالوا أيضًا أن العوامل -يعني الماشية التي تعمل- والمعلوفة من المواشي لا تُقتنى للنماء، وإنما لمصلحة الإنسان وضرورته، فصارت كثياب البدن وآساس الدار التي لا زكاة فيها بلا خلاف بين الفقهاء، أيضًا جمهور الفقهاء يقولون لابد وأن يُشترط السوم استدلوا على ذلك بأن العوامل والمعلوفة من المواشي لا تقتنى للنماء يعني الذي يقتنيها في الغالب أنه يقتنيها من أجل مصلحته وحاجته الضرورية، والزكاة إنما تجب في الأصل في المال النامي، لكن هذه لا تتخذ بالنماء، وبالتالي أصبحت شبه ثياب البدن يعني الثوب الذي يلبسه الإنسان هذا من ضرورياته، وبالتالي فلا يجب فيه الزكاة. ولا تجب الزكاة فيما سوى ذلك من المواشي، نحن قلنا المواشي التي تجب فيها هي الإبل والبقر والغنم، هل تجب في أنواع أخرى غير هذه الأنواع الثلاثة؟ لا تجب الزكاة فيما سوى ذلك من المواشي كالخيل والبغال والحمير لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)) فهذا نص على أن الزكاة لا تجب في العبد ولا في الفرس، معنى ذلك أنها لا تجب إلا في هذه الأنواع التي نص عليها في الحديث، وهي الإبل، والبقر، والغنم. كما لا تجب فيما تولد بين حيوان أهلي وحيوان وحشي، ولا فيما لا يملكه المسلم ملكًا تامًّا، ولا فيما يحول عليه الحول، لما رُوي عن أبي بكر وعثمان وعلي ﵃-

стр. 172

وهو مذهب علماء المدينة، وأهل الأمصار، ولأنه لا يتكامل نماء هذا غالبًا قول الحول، فإذن لابد من مرور الحول، لماذا اشترطوا الحول حتى تجب الزكاة في هذه الحيوانات؟ قالوا لأن مرور الحول هذا دليل على النماء، يعني الغالب أنه يحصل النماء في أثناء سنة كاملة، أما قبل السنة فالغالب أنه لا يحدث نماء؛ لذلك جعلوا الحول واشترطوا الحول، والبقر يتناول البقر الوحشي، والغنم يشمل الضأن والمعز أيضًا. وقد اشترط الحنفية السوم كالجمهور، ولكنهم لم يشترطوا السوم كل الحول، وإنما أغلب الحول فقط، وهو ما يزيد على النصف، ولهذا لو علفها نصف الحول لا تجب فيها الزكاة؛ لأنها لا تعد سائمة. وفي اشتراط الحول -أي تمام الحول- حديث أبي داود بسنده عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)) المال لا يتكامل نماؤه غالبًا -كما قلنا- إلا بعد تمام الحول، وفي اشتراط السوم كل الحول للجمهور عموم خبر أنس ﵁: "وفي صدقة الغنم في سائمتها الزكاة" وخبر أبي داود وغيره: "في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون" وهو صحيح الإسناد كما قال الحاكم وحكاه الخطيب. إذن السوم -كما قلنا- اشتراطه جمهور الفقهاء ماعدا المالكية في قوله، وإن كان جمهور الفقهاء قد اتفقوا على أنه يُشترط في الحيوان حتى تجب فيه الزكاة أن يكون سائمًا يعني في كلأ مباح لا يكلف صاحبه مئونة الأكل والشرب، إذا كانوا قد اتفقوا على ذلك إلا أنهم اختلفوا: هل يشترط أن يكون السوم طوال العام، أم أنه يكفي أكثر العام؟ الأحناف قالوا يكفي أكثر من النصف يعني معظم العام النصف فأكثر، ففي هذه الحالة يشترطون أو لا يشترطون أن يكون السوم في كل الحول، لكن جمهور الفقهاء قالوا لابد وأن يكون السوم في كل الحول.

стр. 173

ونأتي الآن إلى نصاب الزكاة في الإبل، أول نصاب الإبل خمس بالإجماع، فلا تجب الزكاة فيها إلا إذا بلغت خمسة سائمة لمدة عام كامل عند جمهور الفقهاء، وذلك لحديث الصحيحين: ((ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة)) الذود نوع من الإبل، فهذا الحديث يقول إنه إذا لم تصل إلى خمس من الإبل فلا صدقة فيها، ليس فيما دون خمس زود من الإبل صدقة، فِإذا بلغت الإبل خمسًا هنا يبلغ النصاب، لكن هل نُخرج الزكاة من جنس الإبل أو لا؟ هنا نقول: إذا بلغت الإبل خمسًا وجب فيها الزكاة، والواجب شاة من الضأن، وهو من غير جنس المال، وذلك على خلاف الأصل. الأصل أن الزكاة تخرج من جنس المال، لكن جاء هنا بين الفقهاء أن الإبل إذا بلغت خمسًا فهنا بلغت نصابًا أي أنه تجب فيه الزكاة، لكن المقدار الواجب إخراجه ليس من جنسها، وإنما نخرج شاة عن هذه الخمس من الإبل، وهذا كما قلنا خلاف الأصل، لماذا إنما كان على خلاف الأصل للرفق بصاحب المال والفقير معًا؛ لأن الأصل أن زكاة المال تخرج المال أي تخرج من المال ولو خرج الواجب هنا من جنس المال فإن كان بعيرًا كاملًا تضرر المالك؛ لأنه كثير، وإن أوجبنا جزء البعير فقط تضرر به الفقراء، بل وصاحب المال أيضًا لعجزه عن تسليمه الجزء لهم بدون الكل إلا بذبحه، وهذا ضرر بالنسبة له، وقد ينقص هذا من قيمته، وقد يكون الفقراء في غير حاجة إلى اللحم، بل هم في حاجة إلى الخبز أو اللبس مثلًا، ولا يجدون من يشتري اللحم منهم، فلذلك أمر به النبي ﷺ أي أمر بأن نخرج شاة بدل أن نخرج واحدة من الإبل؛ لأن قيمة الشاة كما قلنا أقل بكثير من قيمة الواحدة من الإبل، ولذلك -كما قلنا- إن وجب فيها شاة؛ لأن في ذلك تحقيق لمصلحة الطرفين. مصلحة الفقير حتى لا يحرم من الزكاة في هذا المقدار من المال، وأيضًا مصلحة صاحب المال؛ لأننا لو أوجبنا عليه واحدة من الأربعة من الإبل، لو أوجبنا عليه

стр. 174

واحدة من الإبل من هذه الخمسة فإن ذلك سوف يترتب عليه ضرر بالنسبة له؛ لذلك -كما قلنا- كانت هناك موازنة بين الفقير من ناحية أو بين الفقراء من ناحية وبين صاحب المال من ناحية أخرى، كما قلنا أمر بذلك النبي ﷺ أي أمر أن نخرج عن الخمسة من الإبل شاة، وصار عليه الخلفاء الراشدون والمسلمون من بعده. فقد روى البخاري بسنده عن أنس بن مالك ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتب لما وجهه إلى البحرين عاملًا على الزكاة قائلًا: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطه في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم، في كل خمسة شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض -وبنت المخاض من الإبل هي التي لها سنة، ودخلت في الثانية، وسميت بذلك؛ لأن أمها بعد سنة من ولدتها آن لها أن تحمل مرة أخرى، فتصير بذلك الحمل من ذوات المخاض أو الحوامل- ففيها بنت مخاض أنثى فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستًّا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى -وابن اللبون هو من له سنتان من الإبل، ودخل في الثالثة؛ لأن أمه آن لها أن تلد فتصير لبونًا أي ذات لبن- فإذا بلغت وستًّا وأربعين إلى ستين ففيها حقة -والحقة من الإبل هي من لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، وسميت بذلك؛ لأنها استحقت أن يتركها الفحل، وفي الذكر استحق أن يكون طروقًا، أو لأنها استحقت أن تركب ويحمل عليها- فإذا بلغت ستًّا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة -والجذعة من الإبل من لها أربع سنين وطعنت أي دخلت في الخامسة، سميت بذلك؛ لأنها أجذعت مقدم أسنانها أي أسقطتها، وقيل لتكامل أسنانها- فإذا بلغت ستًّا وسبعين إلى تسعين

стр. 175

ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقة الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة أو حِقة". والشاه الواجبة فيما دون خمس وعشرين من الإبل إما جذعة ضأن، وهي التي أجذعت مقدم أسناها أي أتمتها أو أسقطتها، سواء بلغت سنة أو أقل منها، وإن كان الصحيح أنها التي بلغت سنة أو أقل منها بما لا يصل إلى ستة أشهر، ويُجزِئ عن جذعة الضأن أو عن جذعة الضأن ثنية المعز وهي التي لها سنتان على الصحيح وقيل سنة. والمخرج أي الذي يخرج الزكاة مخير في الإخراج من الشياه بين جذعة الضأن أو ثنية المعز على الأصح؛ لأن الشاة تطلق عليهما معًا، ويُشترط في المخرج -يعني الشاة- أو غيرها من الأشياء التي نخرجها كزكاة يشترط فيها أو يشترط في المخرج كونه صحيحًا، وإن كان المخرج عنه مريضًا إذا تمكن من الحصول على هذا الصحيح، يعني إذا كانت الأموال حتى ولو كانت مريضة ينبغي عليه أن يخرج الصحيح إذا تمكن من ذلك، فإن عجز عن الصحيح وجب إخراج قيمة الصحيح من النقود الصحيحة الغالبة في تعامل أهل الصدقات أو أصحاب الأموال المزكّى عنها مع مراعاة الأغبط لهما معًا، ومن لزمه في الزكاة إخراج بنت مخاض من الإبل فعدمها وعنده بنت لبون دفعها للزكاة وأخذ شاتين أو عشرين درهمًا من الفضة، أو قيمة أحدهما إن تساويًا مع مراعاة أن يكون الخيار للدافع، سواء كان المالك أو عامل الزكاة. أما نصاب زكاة البقر فأول نصاب زكاة البقر ثلاثون بقرة، قلنا أول نصاب زكاة الإبل خمس من الإبل، لكن زكاة البقر أول نصاب زكاة البقر ثلاثون بقرة، وفيه

стр. 176

تبيع من البقر وهو من له سنة ودخل في الثانية، وفي كل أربعين مسنة من البقر، وهي التي لها سنتان ودخلت في الثالثة، وهكذا تحسب الزيادة على هذا الأساس، ففي كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة مهما بلغ العدد، وذلك لحديث معاذ: ((أن النبي ﷺ أمره أن يأخذ من أهل اليمن من كل حالم دينارًا، ومن البقر من كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة)). وأول نصاب الغنم أربعون وفيه شاة، وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان، وفي مائتين وواحدة ثلاثة شياة، ثم في كل مائة شاة، وذلك لما روي عن أنس ﵁ في كتاب أبي بكر الصديق ﵁ له في الصدقة الواجبة في الغنم: "إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة ومائة شاة يعني إذا كانت أربعين إلى مائة وعشرين ومائة- شاة -أي فيها شاة- فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياة، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة". وكنا تحدثنا عن الخُلطة أو زكاة الخلطة ومدى تأثيرها في الزكاة قبل ذلك عندما كنا نتحدث عن العمومية الشخصية بالنسبة للزكاة، وهنا يأتي الكلام في زكاة الشركة والخلطة في المشي، فالمال المشترك من الماشية يعني المشترك بين اثنين، المال المشترك من الماشية يجب فيه الزكاة إذا بلغ نصابًا، سواء كانت الشركة على الشيوع أو كانت على الاختلاط عند جمهور الفقهاء، وبشرط وحدة المسرح، والمراح، والمشرب، والمحلب، والفحل، والراعي، ومرور عام كامل على الشركة، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين، وإن اختلف فقهاء المذاهب فيما بينهم في بعض هذه الشروط فبينما قال بعض أصحاب مالك: لا يعتبر في الخلطة إلا شرطان: الراعي والمرعى، يقول الشافعية والحنابلة: يشترط فيها المسرح والمراح والمشرب والفحل والراعي والمحلب حولًا كاملًا، فيزكى عنه زكاة رجل واحد.

стр. 177

وقال أبو حنيفة: لا تأثير للخلطة في الزكاة، حيث يراعى النصاب لكل واحد من الشركاء منفردًا، فإن بلغ النصاب في ماله وحده وجب فيه الزكاة، وإن لم يبلغ نصابًا لا يجب فيه الزكاة، وعليه لو اشترك -يعني بناء على ذلك- لو اشترك اثنان شركة خلطة في الغنم مثلًا، عددها بلغ النصاب أربعين لكل واحد منهم عشرين أو أقل أو أزيد فلا زكاة على واحدة منهم؛ لأنه لم يملك نصابًا كاملًا وحده، وإن ملك معًا ثمانين لكل واحد منهم أربعين وجب على كل واحد منهم شاة؛ لأنه ملك نصاب مستقلًا، وعليه يجب في الثمانين شاتين. هذا مذهب من؟ هذا على مذهب أبي حنيفة؛ لأننا ذكرنا قبل ذلك أن الإمام أبي حنيفة يرى أنه لا تأثير للخلطة في الزكاة، ولذلك -كما قلنا- هو يرى أنه لو كانت خلطة بين شخصين في الغنم مثلا على سبيل المثال، وكان لكل واحد منهم عشرون شاة، وكان المجموع أربعين فعنده لا تجب الزكاة في هذا المعز، لماذا؟ لأن مال كل واحد على انفراد لم يصل إلى نصاب الزكاة، وبالتالي لا تجب فيه الزكاة، ولذلك كما قلنا يعني الإمام أبي حنيفة يرى أنه لا تأثير للخلطة في الزكاة، لا في قدر الواجب ولا في النصاب، وكل واحد منهم -أي من الخليطين- يزكي ماله على حدة إن بلغ نصابا، فإن لم يبلغ نصابًا فلا زكاة فيه حتى ولو بلغ نصابا بضمه إلى مال الآخر، لكن -كما قلنا- مذهب جمهور الفقهاء يجيبون الزكاة في حالة ما إذا كان لكل واحد منهم عشرون، وأضيف كل منهما للآخر بحيث بلغت أربعين لماذا؟ لأنهم -كما قلنا- يرون أن للخلطة تأثيرًا في الزكاة، والراجح هو مذهب جمهور الفقهاء. فحديث النبي ﷺ : ((لا يُجمع بين متفرق، ولا يُفرق بين مجتمع خشية صدقة)) ويُشترط في الخلطة عند الجمهور أن يكون الخليطان من أهل الزكاة مع تحقق الشروط السابق ذكرها من قبل بالنسبة للمسرح، والمرعى، والمشرب، والراعي

стр. 178

وغير ذلك، فإن كان أحد الخليطين غير مسلم لم يعتدّ بخلطته، ولا تأثير لها في النصاب حيث يُراعى ما يملكه المسلم فقط، فإن بلغ نصابًا زكّي حسبما سبق بيانه في نصاب كل نوع وإلا فلا. النصاب وحولان الحول في زكاة النعم: ثبت من المروي من الأحاديث أن للنعم نصابًا كما قلنا، فلا زكاة فيها دون الخمس من الإبل، ولا زكاة فيها دون أربعين من الغنم، ولا فيما دون ثلاثين من البقر والجاموس وغيرها سواء، وأن ما بين الحدود عفو لا تحتسب فيه زكاة، فما بين الثلاثين والأربعين من البقر عفو، يعني لا تجب فيه زكاة، معنى ذلك أنه إذا امتلك مثلًا من البقر ثلاثين -كما قلنا- وجبت عليه الزكاة يخرج تَبِيعًا، فإذا كان بدلا من الثلاثين تسعة وثلاثين أيضًا يخرج تبيعا أيضًا. فإذن ما زاد من الثلاثين حتى قبل الأربعين عفو، يعني لا تكون عليه زكاة، فما بين الثلاثين والأربعين من البقر عفو، وما بين الخامسة والعشرين والخامسة والثلاثين عفو، وقد ورد النص بذلك. ولا شك أن هذه التقديرات إذا قدرت في عصرنا بالنقود تكون مقاديرها كبيرة، وأن الأحاديث تشير إلى أن قيمتها دون ذلك في عصر النبي ﷺ فإن النبي ﷺ قدر بدل الشاتين بعشرين درهمًا، وهذا يقتضي أن تكون قيمة الشاة عشرة دراهم، وبذلك تكون قيمة الأربعين شاة في الجملة نحو أربعمائة درهم، فإذا أردنا تطبيق الزكاة في عصرنا ننظر إلى المقادير التي حددها النبي ﷺ من غير خروج عليه، ثم ننظر إلى قيمتها في عصرنا، يعني ننظر إلى أربعمائة درهم كما تساوي بالجنية المصري أو بالريال السعودي أو كذا؟ فإذا وصلت قيمة هذه الأشياء نصابًا ففي هذه الحالة تخرج الزكاة. وأبو حنيفة من بين فقهاء الجمهور أجاز دفع الزكاة بقيمتها، يعني عندما نقول: نقدر أو ننظر إلى هذه القيمة التي حددها النبي ﷺ والتي بينت أن قيمة الأربعين

стр. 179

شاة في الجملة نحو أربعمائة درهم، ثم ننظر كم تساوي هذه الأربعمائة درهم بالأموال التي نستعملها الآن بالجنية المصري أو الريال السعودي على سبيل المثال، فإذا بلغت قيمة الشياه هذه وصلت إلى النصاب خرجت الزكاة. هذا طبعًا على رأي الإمام أبي حنيفة، الإمام أبو حنيفة يقول: يجوز إخراج القيمة في الزكاة، لكن طبعًا جمهور الفقهاء منعوا ذلك، وقالوا لابد وأن تخرج الزكاة من جنس المال الذي وجبت فيه، نقول وأبو حنيفة من بين فقهاء الجمهور أجاز دفع الزكاة بقيمتها، ونكون منفذّين بتقدير النبي ﷺ لأن قيمة المال تحل محله، إنه بلا ريب يكون أخذ القيمة متفقًا مع روح العصر، ومقربًا بين أرباب الأموال، وقد كان في عهد النبي ﷺ . فإذا كان قد فات دفع الأموال بأعيانها فإنه لا يفوتنا إعطاء الفقير مقاديرها، ولا يفوتنا أيضًا التقريب بين رءوس الأموال، وهو الأمر الذي كان ملاحظًا في تقديرات النبي ﷺ وهنا نلاحظ عدة أمور: أولها- أن النبي ﷺ قدَّر قيمة الشاة بعشرة دراهم، وبذلك يكون نصاب الزكاة يصل قيمته في الجملة إلى أربعمائة درهم، وأن في كل أربعين شاة شاة واحدة، أي أن مقدار الزكاة يساوي ربع العشر، أي اثنين ونصف في المائة. ثانيا- أنه يجب ان نفرض أن قيمة خمس من الإبل هو أربعمائة درهم، إلا أن زكاتها هي شاة، أي أن مقدارها عشرة دراهم، فيكون مقدارها أيضًا ٢.٥%. ثالثها- أن النبي ﷺ قدر نصاب الفضة بمائتي درهم، وبذلك يكون ثمة تفاوت من حيث القيمة بين نصاب الغنم ونصاب النقود، وفوق ذلك فإنه لا يوجد ما يوجب تساوي النصاب أو قيمته في كل الأشياء، قلنا ثمة تفاوت من حيث القيمة بين نصاب الغنم ونصاب النقود، إلا أنه في نصاب الغنم -كما قلنا- أربعمائة درهم، وفي

стр. 180

نصاب النقود مائتي درهم، نقول: هناك تفاوت إذن في القيمة، لكن لا يوجد ما يوجب تساوي النصاب أو قيمته في كل الأشياء. ولعل الحكمة في تقليل النصاب وهو الحد الأدنى للغنى بالنسبة للنقود أنها في أكثر أحوالها ثمرة ونماء لموارد أخرى، وإن كانت هي ذاتها صالحة لأن تكون طريقًا لموارد وراءها، أما الغنم فإنها ذاتها هي المورد وفيها النماء، وعروض التجارة فيها نماء أوضح من نماء النعم. ونكتفي بهذا القدر من المحاضرة، ونكمل -إن شاء الله- في المحاضرة القادمة، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٤ - الزكاة في النقدين والحلي تابع: الحيوان الذي تجب فيه الزكاة، وشروط زكاته الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن الزكاة في الحيوان، ونقصد به الإبل والبقر والغنم، وبينّا نصاب الزكاة في كل نوع منها، ومقدار ما يخرج من هذا النصاب، وما زلنا نتحدث عن الزكاة في الحيوان، فنقول: كان هناك ثمة تفاوت من حيث القيمة بين نصاب الغنم ونصاب النقود، فقد تبين لنا أن نصاب الغنم بعدما بين النبي ﷺ أن قيمة الشاة هي عشرة دراهم، أصبح قيمة النصاب من الغنم وهي أربعون تساوي أربعمائة درهم، هذا نصاب الغنم. أما نصاب النقود فقلنا بالفضة مائتي درهم، إذن نصاب الغنم أكبر من نصاب النقود، نصاب الغنم أربعمائة درهم، ونصاب النقود إنما هو مائة درهم، وهنا يُثار التساؤل: لماذا هذه التفرقة؟ نقول: لا يوجد ما يوجِب تساوي النصاب أو قيمته في كل الأشياء، ولعل الحكمة في تقليل النصاب وهو الحد الأدنى للغنى بالنسبة للنقود أنها في أكثر أحوالها ثمرة ونماء لموارد أخرى، وإن كانت هي ذاتها صالحة لأن تكون طريقًا لموارد وراءها. أما النعم فإنها ذاتها هي المورد وفيها النماء، وعروض التجارة فيها نماء أوضح من نماء النعم، ومن نماء النعم ما يدخل في الحاجات الأصلية كلبنها وبعض لحومها، ولذلك كان النصاب فيها أكبر من غيرها، أي الصنف من النقود، وكان ما بين الحدود في المقادير موضع عفو. خلاصة القول في هذا التفرقة بين نصاب النقود ونصاب الغنم على سبيل المثال أن النعم هذه ومنها الغنم هي نماء يدخل في الحاجات الأصلية كأن الإنسان في حاجة إلى بعض منافعها، ولذلك روعي أو رعيت حالة المكلف في هذه الحالة، لكن النقود الحقيقة هي نماء لموارد أخرى، ولذلك ليس هناك ما يمنع أن تفرض عليها الزكاة عند مائتي درهم. وحولان الحول شرط لوجوب زكاة النعم كما قلنا، فإذا حال الحول وقد نقص النصاب فإن الزكاة لا تجب، بمعنى أن الإنسان لو امتلك في أول السنة أربعين من الغنم، نقول اكتمل النصاب، هل يجب عليه أن يخرج الزكاة الآن عندما ملك الأربعين من الغنم أي النصاب؟ نقول: لا، بل لابد من مرور حول كامل على ملكه لهذا النصاب، فإذا لم يمر هذا الحول الكامل، وبعد ستة أشهر على سبيل المثال من ملكه لهذا النصاب لم يوجد أو قل هذا النصاب واستمر قليلًا إلى نهاية العام، هل تؤخذ منه زكاة؟ لا تأخذ منه زكاة؛ لأن الشرط أن يمتلك النصاب، وأن يحول الحول على ملكه لهذا النصاب، فإذا حال الحول وقد نقص النصاب فإن الزكاة لا تجب، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)).
следующие страницы →