Полный текст (825 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ورد في تقرير حلقات الدراسات الاجتماعية ما يلي: إن هذه السندات صارت سلعة فعلًا، فلو أعفيناها من الزكاة لما يلابسها من محرم لأقبل الناس على شرائها، ولأدى ذلك إلى الإمعان في التعامل بها، فيكون ذلك مشجعًا على المحرم، ولا يكون قطعًا له، ولأن صرف الكسب الخبيث في الصدقات غير ممنوع. (حلقة الدراسات الاجتماعية لجامعة الدول العربية صـ٣٧٣ وما بعدها).
والدكتور يوسف القرضاوي يرى في السندات أنها تُنمى وتجلب للدائن فائدة وإن كانت محظورة، فإن حظر هذه الفائدة لا يكون سببا لإعفاء صاحب السند من الزكاة؛ لأن ارتكاب الحرام لا يُعطي صاحبه مزية عن غيره، ثم يقول: ولهذا أجمع الفقهاء على وجوب الزكاة في الحُلي المحرم على حين اختلفوا في المباح. (فقه الزكاة) للشيخ القرضاوي الجزء الأول صـ٥٢٧ وما بعدها.
تلك هي أقوال الفقهاء الذين ذهبوا إلى وجوب الزكاة في السندات وما توصل إليه العلماء في هذا الصدد شبيه بما تسير التشريعات الضريبية الوضعية التي تقضي بأنه لا عبرة لمشروعية الإيراد، فلو تحقق للمموّل إيرادًا غير مشروع خضع للضريبة، فلو أن شخصًا اتّجر في المخدرات مثلًا وحقق من جراء ذلك إيرادًا خضع لضريبة الأرباح التجارية والصناعية دون نظر لمشروعية الإيراد من عدمه.
وفي كيفية زكاة هذه السندات يرى البعض أنها إن اتخذت للتجارة فهي عُرُوض التجارة، يجب فيها ما يجب في عُرُوض التجارة متى بلغت النصاب وحال عليها الحول، وتجب الزكاة في كامل قيمتها في نهاية العام -أي رأس المال مضاف إليه الفوائد- وذلك بمعدل ٢.٥% سنويًّا أي ربع العشر، أما إذا اقتنيت السندات بغرض الحصول على فائدتها فتؤخذ الزكاة في هذه الحالة من الفائدة فقط باعتبار أن السندات والحالة هذه بمثابة الأموال الثابتة، ويكون المعدل الواجب هو ١٠% من صافي غلتها حيث لا تكاليف تذكر لتحقيق الإيراد في هذه الحالة.
стр. 212
ونحن نختار ما ذهب إليه الفقهاء بوجوب الزكاة في السندات، وذلك للتبريرات التي ذكروها.
سادسًا- كسب العمل وحكم زكاته: إذا كانت السنة النبوية الشريفة قد سكتت عن بيان حكم كسب العمل بالنسبة للزكاة فإن ذلك يرجع إلى أن معظم المسلمين في زمن الرسول ﷺ ما كان يشغلهم سوى الجهاد، وإيجار العمل كان محدودًا كان الأرقاء ومن في حكمهم يقومون بالعمل مما لم يستدعِ الأمر بحث مدى وجوب الزكاة في شأن كسب العمل، ينظر في ذلك إلى كتاب (الخراج) للقاضي أبي يوسف صـ٤٥ الناشر المطبعة السلفية ومكتبتها القاهرة.
لكن لنا في العطاء سند في بحث هذا الأمر، لذلك سوف نحاول في هذا الصدد استعراض بعض النصوص الإسلامية التي تلقي الضوء على مفهوم العطاء، ثم نعلق على هذه النصوص.
أولًا- العطاء في زمن الخليفة الأول أبي بكر الصديق: قال أبو يوسف ﵀: وهذا وارد في كتاب (الخراج) صـ٤٥ قال أبو يوسف ﵀: وحدثني ابن أبي نجيح قال: قدم على أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- مال، فقال: "من كان له عند النبي ﷺ عدة فليأتِ يعني من كان قد وعده النبي ﷺ بشيء من المال فليأتِ، فجاءه جابر بن عبد الله، فقال: قال لي رسول الله ﷺ : ((لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا)) يشير بكفيه. فقال له أبو بكر -رضي الله تعالى عنه-: "خذ" فأخذ بكفيه، ثم عده فوجده خمسمائة، فقال: "خذ إليها ألفًا" فأخذ ألفًا، ثم أعطى كل إنسان كان رسول الله ﷺ وعده شيئًَا، وبقيت بقية من المال، فقسمها بين الناس بالسوية على الصغير والكبير، والحر والمملوك، والذكر والأنثى، فخرج على سبعة دراهم وثلث لكل إنسان، فلما
стр. 213
كان العام المقبل جاء مال كثير هو أكثر من ذلك، فقسمه بين الناس، وأصاب كل إنسان عشرين درهمًا، قال: فجاء ناس من المسلمين، فقالوا: يا خليفة رسول الله ﷺ : إنك قسمت هذا المال، فسويت بين الناس، ومن الناس أناس له فضل وسوابق وقدم، فلو فضلت أهل السوابق والقدم والفضل بفضلهم، فقال: أما ما ذكرت من السوابق والقدم والفضل فما أعرفني بذلك، وإنما ذلك شيء ثوابه على الله -جل ثناؤه- وهذا معاش، فالأسوة فيه خير من الأفضل".
ثانيًا- العطاء في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب: يتابع أبو يوسف حديثه في هذا الصدد، فيقول: فلما كان عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- وجاءت الفتوح، فضل وقال: لا أجعل من قاتل رسول الله ﷺ كمن قاتل معه، ففرض لأهل السوابق والقدم من المهاجرين والأنصار ممن شهد بدرًا خمسة آلاف خمسة آلاف، ولمن لم يشهد بدرًا أربعة آلاف أربعة آلاف، وفرض لمن كان له إسلام كإسلام أهل بدر دون ذلك أنزلهم على قدر منازلهم من السوابق.
ومن النصوص التي ذكرناها من الممكن أن نستخلص منها الآتي:
العطاء عند أبي بكر: اعتبر أبو بكر الصديق ﵁ العطاء بمثابة معاش للناس ثابت في دوريته كلما كان هناك مال، ولكنه غير ثابت في قدره، فقد بلغ نصيب الفرد -كما ذكرنا- في السنة الأولى سبعة وثلث درهمًا، ارتفع في السنة الثانية إلى عشرين درهمًا.
رأى أبو بكر التسوية بين في هذا المعاش، فسوى بين الصغير والكبير، والحر والمملوك، والذكر والأنثى.
أيضًا اشتمل العطاء بجانب المعاش الثابت للناس على الهبات التي كان وعدها رسول الله ﷺ لبعضهم.
стр. 214
وأما بالنسبة للعطاء عند عمر، فقد رأى عمر ﵁ عدم التسوية بين الناس في العطاء -كما رأينا- وجعل عمر ﵁ العطاء كل سنة أي ثابتًا في دورته أيضًا، فهو يقول: فإني أرى أن أجعل العطاء كل سنة، وأجمع المال فإنه أعظم للبركة.
أيضًا كانت العوامل الموجبة لتفضيل بعض الناس على بعض في العطاء في نظر عمر عوامل مختلفة، من بينها ما يقوم به من الأمور، وما يؤديه من عمل، وعلى ما يُصلح معيشته، وعلى قدر فضله أو سبقه أو قدمه في الإسلام، فالرجل وجهاده في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناه في الإسلام، والرجل وحاجاته في الإسلام.
كان عمر ﵁ يميل أيضًا إلى المساواة في العطاء إذا وفّر المال وكفى لذلك، يقول أبو عبيد: وقد كان رأي عمر الأول التفضيل على السوابق، والغناء عن الإسلام، وهذا هو المشهور من رأيه، وكان رأي أبي بكر التسوية، ثم قد جاء عن عمر شيء شبيه بالرجوع إلى رأي أبي بكر.
ومن هنا نرى أن الخليفة أبا بكر ﵁ رأى في العطاء معاشًا ثابتًا، بينما رآه عمر بن الخطاب جزاء عمل أو فضل في الإسلام، ولكنه في النهاية رجع إلى رأي أبي بكر.
أخذ الزكاة في العطاء: قد ثبت أن الزكاة كانت تُستحق على العطاء في زمن الخلفاء الراشدين، رُوي عن هبيرةَ ابن مريم، قال: كان عبد الله بن مسعود يعطينا العطاء في زِبْلِس فصغار -ومعناه القفة- ثم يأخذ منه الزكاة. وأيضًا روي أنه كان عمر بن الخطاب إذا خرج العطاء أخذ الزكاة من شاهد المال عن الغائب والشاهد.
стр. 215
أيضًا كان عمر بن عبد العزيز إذا أعطى الرجل عملته يعني أجره أخذ منها الزكاة، وكان يأخذ الزكاة من الأعطية إذا خرجت لأصحابها.
ونحن نرى أن ما ذكرناها من خضوع العطاء للزكاة له شبيه فيما تسير عليه التشريعات الضريبية في هذا الشأن، فلو نظرنا إلى التشريع الضريبي المصري مثلًا لوجدنا أنه يفرض الضريبة على الإيرادات المعتبرة في حكم المرتبات، حيث تقضي المادة (٥٥) من القانون (١٥٧) لسنة ١٩٨١م الخاص بالضرائب على الدخل بسريان التشريعات الضريبية على الإيرادات المعتبرة في حكم المرتبات حيث تقضي المادة (٥٥) من القانون (١٥٧) لسنة ١٩٨١ الخاص بالضرائب على الداخل بسريان الضريبة على المرتبات وما في حكمها مما يعني سريان الضريبة على الإيرادات التي تُدفع بشكل دوري منتظم حتى ولو لم تكن مقابل عمل أو خدمة في الحاضر أو الماضي.
ولو طبقنا ذلك على العطاء لوجدنا أنه يأخذ حكم المرتب في فرض الضريبة عليه، حتى ولو لم يكن مقابل عمل أو خدمة في حالة ما إذا اعتبرناه معاشًا ثابتًا كما ذهب إلى ذلك الخليفة أبو بكر الصديق ﵁. ومن باب أولى يأخذ العطاء حكم المرتب في فرض الضريبة عليه إذا اعتبرناه جزاء عمل أو فضل في الإسلام كما ذهب إلى ذلك الخليفة عمر بن الخطاب، وعلى ضوء ما تقدم لا يمكن القول بإعفاء كسب العمل من الزكاة، خاصة وأن هذا الإيراد أصبح يمثل القسط الأكبر من الدخل القومي في الوقت الحاضر، ولمجافاة إعفائه من الزكاة لمبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل عبء الزكاة.
لذلك نادى بعض الفقهاء المعاصرين بإيجاب الزكاة في كسب العمل، فيقول علماء حلقة الدراسات الاجتماعية في هذا الشأن: ولا شك أنه إذا جُمع منه أي من المرتب ما يساوي نصاب الزكاة، واستمر حولًا كاملًا، ولو نقص في أثناء العام، فإنه تجب في الزكاة مادام كاملًا في طرفي العام أوله وآخره، ولو نقص ولم
стр. 216
يفقد كله في أثناء العام -كما هو مذهب الحنفية- وذلك لأنه إن استمر طول العام من غير أن يُنفق كله يكون ذلك دليلًا على أنه لم يكن من حاجاته الأصلية، وهو نامٍ بالقوة باعتبار أن النقود يعتبرها الإسلام من المال النامي؛ لأنها خلقت للاستعمال أو للاستغلال لا للاكتناز، وبالتخريج على ذلك يمكن فرض الزكاة على كسب العمل كل عام؛ لأنه يندر أن يقطع طوال العام والكثير أن يبلغه في طرفيه، وبهذا التخريج يصح أن نعتبر كسب العمل وعاء للزكاة مع هذا التقييد لتتحقق العلة التي استنبطها الفقهاء، ونعتبرها تابعا للنصاب الذي يعد أساسا للزكاة.
وقد تساهل الحنفية فاكتفوا بإكمال الرصيد في أول العام وآخره من غير أن يذهب كله في أثناء العام، فيجب أن نلاحظ ذلك عند فرض الزكاة على كسب العمل وعلى المهن الحرة لتحقيق الحد الفاصل بين الغنى والفقير. يراجع في ذلك حلقة الدراسات الاجتماعية للدول العربية صـ٢٤٣ وما بعدها.
ويستخلص من هذا الرأي ما يلي:
خضوع كسب العمل لمعدل زكاة النقدين ٢.٥% أي ربع العشر، لابد للخضوع للزكاة من وجود النصاب في أول العام وفي آخره وحولان الحول عليه.
يشترط أن يكون هذا النصاب فاضلًا عن حاجة الممول الأصلية، فإن أنفق الدخل من كسب العمل كله فلا زكاة عليه، والخلاصة أنه بإيجاب الزكاة في الأموال المستحدثة، والتي تكلمنا عنها فيما سبق تتحقق العمومية المادية في الزكاة إلى أقصى حد ممكن، وبالتالي تتحقق المساواة الكاملة بين أفراد المجتمع الذين يملكون نصاب الزكاة من أي نوع من أنواع الأموال التي يتحقق فيها وصف النماء متى
стр. 217
تحققت بقية الشروط الأخرى اللازمة لوجوب الزكاة، وذلك في تحمل عبء الزكاة.
وإذا كنا قد تكلمنا عن العمومية المادية في الزكاة، وذكرنا الأموال التي كانت معروفة أيام فقهائن القدامى، ثم تكلمنا عن الأموال المستحدثة أو الأموال النامية في هذه العصور المتأخرة، مثل المصانع ومثل العمارات والمرتبات وغير ذلك، فلابد من وجود عوامل تحقق هذه العمومية، ولذلك سوف نتحدث عن العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة.
نقول: وإذا قلنا بأننا قد تحدثنا عن العمومية المادية في الزكاة، وذكرنا الأموال التي تجب فيها الزكاة من الأموال التي كانت معروفة أيام فقهائنا القدامى، والأموال التي استجدت في هذه العصور وأصبحت من الأموال النامية التي تجب فيها الزكاة، نقول: لابد أيضًا من وجود عوامل تؤدي إلى تحقيق هذه العمومية في الزكاة، وتؤدي إلى أن تخرج الزكاة من كل الأموال التي توافرت فيها شروط الزكاة حتى يتحقق العدل بين أبناء الأمة.
ونكتفي بهذا القدر من المحاضرة، وإن شاء الله نكمل في المحاضرة القادمة، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٣ - العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة
تجنب الازدواج في أداء الزكاة، وتجنب الراجعية في الزكاة
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ... أما بعد:
فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن الأموال النامية التي حدثت في هذه العصور، وسوف نتحدث في هذه المحاضرة عن العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة فنقول:
رأينا من خلال دراستنا لفكرة العمومية في الزكاة أن تلك العمومية قد تأكدت على الوجه الأكمل, إلا أن الأحكام الخاصة بالزكاة لم تكتف بتلك العمومية, بل عملت على ضمان تحققها, فقد تكون العمومية متوفرة, ولكن قد يأتي العمل ليخل بها, وبالتالي نجد أن تلك الأحكام في نفس الوقت الذي تهتم فيه بإظهار الجوانب المختلفة لهذه العمومية, تعمل على إبعاد كل ما من شأنه
стр. 218
الإخلال بها, وهنا نجد أن هناك عدة عوامل تساعد على ضمان تحقق العمومية في الزكاة, ومن أهل هذه العوامل:
تجنب الازدواج في أداء الزكاة, تجنب الراجعية في الزكاة, محاربة التهرب من أداء الزكاة, وسوف نلقي الضوء على كل عامل من هذه العوامل.
أ- تجنب الازدواج في أداء الزكاة:
من أهم ما جاء في تجنب الازدواج في أداء الزكاة القانون الذي أعلنه النبي ﷺ بقوله: ((لا ثني في الصدقة)) قال أبو عبيد: يعني ألا تؤخذ من عام مرتين, فعلى ذلك تتحقق ظاهرة الازدواج الزكوي عندما تُفرض نفس الزكاة, أو زكاة من نفس النوع مرتين على نفس الشخص, وبالنسبة لنفس المادة, وفي حول واحد, قرر ابن قدامة وغيره أخذًا من هذا الحديث أنه لا يجوز إيجاب زكاتين في حول واحد بسبب واحد, وقد استنتج الفقهاء عدة أحكام, ومبادئ في هذا الشأن:
من ذلك أن أبا حنيفة يرى أن مالك الإبل, أو البقر, أو الغنم, إذا أخرج زكاتها إبلًا, أو بقرًا, أو غنمًا, ثم باعها بعد ذلك, فالثمن الذي باعها به لا يضمه إلى ما عنده من نقود بلغت نصابًا, يريد إخراج زكاتها؛ لأن هذا الثمن قد خرجت زكاته عن طريق الإبل, أو البقر, أو الغنم, فضمه إلى النقود التي لم تزك, وزكاته معها, يعتبر ثنيًا, معنى ذلك فيه أخذ الزكاة عن المال الواحد مرتين, يعتبر ثنيًا في الزكاة؛ لأنه في هذه الحالة تكون قد خرجت عنه الزكاة مرتين,
стр. 219
والثني منفي بالحديث, من أدى زكاة نقوده, ثم اشترى بها إبلًا, أو غيرها من السوائم وعنده سائمة من جنس السائمة التي اشترها بذلك النقد المزكي, فلا يضمها إليها, أي لا يزكيها عند تمام حول السائمة الأصلية؛ لأنها بدل مال أديت عنه الزكاة فل تجب مرة ثانية في الحول نفسه.
قال جمهور الفقهاء: في الإبل, والبقر, والعوامل, وهي التي تعمل في الحرث, والسقي, وخدمة الزرع, أنها لا تجب فيها زكاة, وعللوا ذلك بأن في القمح صدقة, وإنما القمح بالبقر, وأكد هذا المعنى أبو عبيد بقوله: إنها إذا كانت تسقي وتحرث فإن الحب الذي تجب فيه الصدقة إنما يكون حرثه, وسقيه, ودياسه بها, فإذا صدقت هي أيضًا, أي أخرجت الزكاة عنها مع الحب صارت الصدقة مضاعفة على الناس, وهذا معناه الازدواج في الزكاة.
أيضًا فإن فقهاء الحنفية تجنبًا للازدواج في الزكاة يقولون: لا يؤخذ العشر من الأرض الخراجية, أي المفروض على رقبتها ضريبة سنوية محددة, حتى لا يجتمع العشر, والخراج, في أرض واحدة.
وبهذه الأحكام وبغيرها استُبعد الازدواج في وجوب الزكاة بشكل يساعد على ألا يؤدي المكلف أكثر من الواجب عليه, وبالتالي يتساوي مع غيره في عدم دفعه الزكاة على أمواله إلا مرة واحدة, وبالتالي تتحقق المساواة بين المواطنين في تحمل التكاليف المالية المقررة في الدولة.
كيفية تجنب الازدواج في تحصيل الزكاة:
من أهم الطرق التي تمنع الازدواج في الزكاة, والتي سلكها التشريع المالي الإسلامي, محلية الجباية, فقد كان لدى الرسول ﷺ ومن بعده من حكام
стр. 220
المسلمين, أجهزة مركزية للدولة الإسلامية, فقد جاء في كتابه ﷺ - إلى زرعة بن ذي يزن ((إذا أتاكم رسلي فإني آمركم بهم خيرًا: معاذ بن جبل, وعبد الله بن رواحة, ومالك بن عبادة, وعتبة بن نيار, ومالك بن مرارة, وأصحابهم, فأجمعوا ما كان عندكم للصدقة والجزية, فأبلغوه رسلي, فإن أميرهم معاذ بن جبل)). الأموال لأبي عبيد صـ ٢٥٩ وما بعدها.
ومعنى هذا أن زرعة كان لديه جهاز إقليمي للجباية, وكان لدى رسول الله ﷺ جهاز مركزي للجباية, كان من أعضائه معاذ بن جبل, فوجود جهاز محلي مختص بالجباية, دون تدخل من الأجهزة المركزية, يمنع من أخذ الزكاة مرتين على المال نفسه, وفي نفس المدة, وبذلك لا يحدث ازدواج في تحصيل الزكاة.
منع الازدواج في الزكاة يحقق المساواة بين المكلفين، الأصل أن توزع الأعباء المالية بين أفراد المجتمع توزيعًا عادلًا, يتفق وقدرة المكلف المالية, وبحيث لا يؤدى المقدار الواجب عليه مرتين عن نفس المال الخاضع للزكاة, فإذا حصل ازدواج في الزكاة فإن الشخص الذي لحقه هذا الازدواج يتحمل عبأًُ ماليًّا أكبر من العبء الذي يتحمله مكلف آخر, له نفس المقدرة المالية التي للمكلف الأول, وبهذا تنتفي المساواة بين المتماثلين, وفي هذا إخفاق لمبدأ المساواة الذي يجب أن يسود بين المواطنين في تحمل التكاليف المالية المقررة.
ومن ناحية أخرى فإن الشخص الذي لحقه الازدواج سيفقد الثقة في الجهاز القائم على تحصيل الزكاة؛ نتيجة لشعوره بظلم وقع عليه, وهذا قد يؤدي به إلى التهرب من أداء ما يجب عليه من زكاة, والتهرب يهدر مبدأ المساواة بين الناس في تحمل التكاليف المالية المقررة, أما في حالة العمل على منع هذا الازدواج فإن كل إنسان سيتحمل من التكاليف المالية المقدار الذي يتناسب مع قدرته المالية فحسب, وبالتالي سيتحقق مبدأ المساواة المشار إليه.
стр. 221
ب- تجنب الراجعية في الزكاة:
أيضًا تجنب الراجعية في الزكاة, قد يحدث في بعض الأحيان أن بعض المكلفين عندما تفرض عليه الضريبة يحاول أن يتخلص منها أو من بعضها عن طريق نقلها إلى غيره, وقد يساعده على ذلك ظروف المجتمع الاقتصادية, وعلاقته بأفراد مجتمعه, وبذلك يتخلص من بعض التكاليف المالية المفروضة عليه.
وفي الواقع تعتبر راجعية الضريبة في النظم الوضعية إحدى العقبات الأساسية في تحقيق المساواة بين المواطنين في تحمل التكاليف المالية المقررة في الدولة.
ومن أمثلة الراجعية في الضريبة: المنتج أو التاجر الذي يحسب الضريبة التي يدفعها ضمن نفقات إنتاجه, أو ثمن سلعته, ويضفيها بالتالي إلى ثمن مبيعاته, وكذلك المالك الذي يزيد الأجرة بما يُفرض عليه من ضريبة عقارية, وإذا كان ذلك وضع الضرائب وموقف كثير من المكلفين ممن لم يقدروا المصلحة العامة حق قدرها, فإن وضع الزكاة يختلف عن الضريبة في هذا الشأن, ونظرة الناس إليها غير نظرتهم إلى الضريبة, فالمسلم يشعر أن الزكاة ليست علاقة بينه وبين حكومة أو إدارة تحصيل, بل هي علاقة بينه وبين ربه قبل كل اعتبار, وهذا هو معنى العبادة في الزكاة التي بأدائها يتقرب المسلم إلى الله, ويشعر حين يؤديها أنه يحقق ركنًا من أركان الإسلام, ومن هنا كان إيتاؤها طاعة وصلاحًا.
وبالإضافة إلى ما سبق فإن المسلم يعلم جيدًا أن الزكاة حق من حقوق الله واجب الأداء, ومن الطبيعي أن ما ذكرناه يولد في نفس المكلف الشعور بعدم إمكانية التحلل منها بطريق أو بآخر, وهذا الشعور في الواقع هو الشرط الأساسي لتجنب الراجعية في الزكاة.
стр. 222
يقصد من التهرب في المجال الضريبي التخلص من الالتزام بدفع الضريبة, ولكي تتحقق المساواة بين الأفراد في تحمل عبء الضريبة لابد وأن تكون الضريبة عامة, ويقصد بالعمومية أن تلحق الضريبة بكل مال, وبكل شخص, وهذا ما يعرف بالعمومية المادية, والعمومية الشخصية للضريبة, ويرى علماء المالية العامة أن انعدام المساواة في المجال الضريبي بين الممولين, إنما يرجع إلى عدة عوامل, من أهمها التهرب الضريبي, حيث في وجوده تتحطم قاعدة العمومية والمساواة؛ لأن التهريب يؤدي إلى تخلص المتهربين من نصيبهم في الأعباء العامة المالية, في الوقت الذي يلتزم فيه غير المتهربين بذلك النصيب, وهذا يؤدي إلى الإضرار بالمكلفين الذين يتحملون بصدق وإخلاص العبء الضريبي, وهكذا تنعدم المساواة بين المواطنين في تحمل التكاليف العامة المالية المقررة في الدولة.
وبالنسبة للزكاة نجد أن التشريع الإسلامي أوجد الوسائل التي من شأنها مكافحة التهرب من أداء الزكاة, وهذه الوسائل يمكن إجمالها في ثلاثة وسائل:
- معرفة الأسباب التي تؤدي إلى التهرب من أداء الزكاة.
- معرفة الصور أو الأساليب التي يلجأ المكلفون فرارًا من أداء الزكاة.
- اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع التهرب من أداء الزكاة.
أولًا: الأسباب التي تؤدي إلى التهرب من الزكاة:
إن أسباب التهرب من أداء الزكاة يمكن إجماله في سببين رئيسين:
أولًا: ظلم الإدارة أو القائمين بأمور جباية الزكاة وتوزيعها.
ثانيًا: ضعف الوعي الإسلامي بصفة عامة, والوعي الزكوي بصفة خاصة.
السبب الأول: ظلم الإدارة جبايةً وتوزيعًا:
إن ظلم العاملين على جباية الزكاة لأصحاب الأموال من شأنه أن يشجع أصحاب هذه الأموال على التهرب من دفعها إلى الإدارة والعاملين عليها, كما
стр. 223
يشجع ضعاف الإيمان على التهرب من دفع الزكاة كلية بأي وسيلة من الوسائل, وهذا السبب يشمل الظلم في الجباية, والتوزيع.
فبالنسبة لظلم الجباية قرر الفقهاء أن ظلم العامل أو الإدارة المسئولة عن جباية الزكاة يشكل عذرًا في إخفاء الزكاة, أو التهرب منها, فلا يحق لهذه الجهات في هذه الحالة اتخاذ أي إجراء لعقاب, أو تعزير مخفيها أو مانعها, وإنما أخذ الزكاة المهربة أو المخفاة فقط.
وعلى كل حال فإن ظلم الإدارة أو القائمين على جباية الزكاة تمثل أهم الأسباب للتهرب منها, ويكفي أن نشير إلى أن من أهم الأسباب التي اضطرت الدولة في عهد السلطان قالون بمصر إلى إلغاء نظام جباية الزكاة بواسطة الدولة, وهذا من شأنه إهمال جباية الزكاة, هو ظلم العاملين عليها.
وبالنسبة لظلم التوزيع, ويقصد بذلك أن حصيلة الزكاة تبدد, أو تنفق في غير مواضعها الشرعية, وهنا تثور مشكلة استخدام الحصيلة فيما يقتنع به المكلف, وهذه المشكلة في الواقع لها من الأهمية ما جعل النظرية الحديثة للضريبة تجعلها العامل الأساسي في نجاح أو فشل أية ضريبة؛ إذ إن سلوك الممول تجاه التزامه الضريبي يتوقف إلى حد كبير على الطريقة التي تستخدم الدولة بها حصيلتها, فإذا كانت سياسة الإنفاق غير رشيدة, أو غير واضحة, أو غير مقنعة للممول, بحيث يلمس آثارها بالنسبة لما يقدم له من خدمات, أو قيام مشروعات ناجحة, فإنه يعمل جاهدًا على التخلص من التزامه الضريبي.
السبب الثاني: ضعف الوعي الإسلامي بصفة عامة, والزكوي بصفة خاصة:
إن ضعف الوعي الإسلامي بصفة عامة, والوعي الزكوي بصفة خاصة, لا يخفي أمره على أحد في تأثيره على إهمال أمر الزكاة وعدم الاهتمام بشأنها, ويماثل
стр. 224
هذا ما ذكره علماء المالية من أنه كلما زاد الوعي المالي, ضعف الباعث على التهرب, وبالعكس كلما ضعف الوعي المالي كلما كان الباعث على التهرب من الضرائب قويًّا وملموسًا.
وعلى هذا فكلما كان الوعي الإسلامي قويًّا خاصة بالنسبة للزكاة كلما قل التهرب منها, وهذا وهناك أسباب أخرى يمكن أن تلاحظها الإدارة, والقائمون على شئون الزكاة, من حين لآخر, تبعًا للأحوال السائدة في المجتمع.
محاربة التهرب من أداء الزكاة
ولذلك نتكلم الآن عن الإجراءات الكفيلة بمنع التهرب من الزكاة:
هناك إجراءات عديدة من شانها أن تمنع التهرب من الزكاة, ومن أهم تلك الإجراءات عدل الإدارة, أو القائمين على جباية الزكاة, وهذا العدل يشمل العدل في الجباية, والعدل في التوزيع.
فالعدل في الجباية, هذا الموضوع يستلزم منا أن نوضح علاقة عمال الجباية بالممولين, هذه العلاقة نجد أنها تخضع لأمور, من أهمها: مدى احترام الممول للعامل, ومدى شعوره بأنه يؤدي له خدمة أكثر من أنه جابٍ لما يجب عليه من زكاة, وبالتالي كان منطقيًّا أن يكون أساس هذه العلاقة هو اختيار العامل نفسه, وقد ذكر الماوردي الشروط المعتبرة لعمال الزكاة, التي من أهمها: أن يكون العامل حرًّا, مسلمًا, عادلًا, عالمًا بأحكام الزكاة.
فمن العدل في السياسية المالية التي يملكها ولي الأمر على من ولاه شيئًا من أمور الزكاة, أن يراقبه, ويحاسبه, وأن يأخذ على يده, ويعزله, ويصادر ما يملكه, كله, أو بعضه, إذا علم أنه قد أثرى من جباية المال على غير الوجه الحق.
ولم يكتف الفقه الإسلامي بتحديد شروط اختيار العامل على الزكاة, بل ركز على مسئولية المصدق أمام الله عن كل ظلم يقترفه في حق المكلفين, فقد
стр. 225
روي أن النبي ﷺ قال: ((العامل على الصدقة بالحق, كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته)) وكان الرسول ﷺ يحاسب عماله على ما في أيديهم محاسبة دقيقة.
بالنسبة لتوزيع الزكاة:
إذا كان سوء توزيع حصيلة الضرائب في النظم الوضعية من شأنه أن يؤدي بالممول إلى التهرب من أداء الضريبة كما ذكرنا, فإننا نجد أن الزكاة قد أُحسن توزيعها, فقد خصص القرآن الكريم استخدام حصيلة الزكاة لثمانية مصارف, حددها على سبيل الحصر, استهدف بها المساعدة على تحقيق أهداف معينة, حاول التشريع الإسلامي بكل مصادره إقناع المكلفين بضرورتها, وهذه المصارف ذكرها الله ﵎ بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ (التوبة: من الآية: ٦٠).
ومن تخصيص الآية الكريمة بعض حصيلة الزكاة للعاملين عليها, دل ذلك على أن حصيلة الزكاة لها حساب مستقل, ولها ميزانية مستقلة, تسدد من حصيلتها ما ينفق عليها, وهذا ما يبرر الوجود المادي لحصيلة الزكاة في نظر المكلفين, ويجعل من استخدامها أمرًا ملموسًا.
ومن الإجراءات أيضا التي تمنع التهرب من أداء الزكاة:
تحريم الاحتيال لإسقاط الزكاة: وهذا الإجراء يعتبر من أهم الوسائل الفاعلة لمكافحة التهرب من أداء الزكاة, وقد رأينا من خلال كلامنا عن صور التهرب من أداء الزكاة أن الفقهاء أجمعوا
стр. 226
على تحريم التصرف بكافة أنواعه في المال بعد وجوب الزكاة فيه؛ احتيالًا لإسقاط الزكاة, وعدم الاعتداد بهذا التصرف, وأيضًا رأينا جمهورهم يرى تحريم التصرف في المال قبل وجوب الزكاة فيه بمدة قليلة كشهر مثلًا؛ احتيالًا لإسقاط الزكاة, وعدم الاعتداد بهذا التصرف.
وفي هذا المعنى يقول أبو يوسف في كتابه (الخراج):
لا يحل لرجل يؤمن بالله, واليوم الآخر, منع الصدقة, ولا إخراجها عن ملكه إلى ملك جماعة غيره؛ ليفرقها بذلك, فتبطل الصدقة عنها, بأن يصير لكل واحد من الإبل, والبقر, والغنم, ما لا يجب فيه الصدقة, ولا يحتال في إبطال الصدقة بوجه ولا سبب.
أيضًا من الأمور التي تمنع التهرب من الزكاة:
تقرير عقوبات دنيوية مالية وجنائية, وأخروية على المتهرب:
فمن العقوبات المالية التي توقع على المتهرب من أداء الزكاة ما روي أن النبي ﷺ قال: ((في كل ابن سائمة في كل أربعين ابنة لبون, لا تفرق إبل عن حسابها, ومن أعطاها مؤتجرًا فله أجرها, ومن منعها فإن آخذيها, وشطر إبله, عزيمة من عزامات ربنا ﵎) فهذا الحديث حجة في أخذ الزكاة من الممتنع, ووقوعها موقعها, وأخذ نصف إبل الممتنع, وبعبارة أخرى مصادرة نصف ماله, يعتبر نوعًا من العقوبة المالية, التي يلجأ إليها ولي الأمر عند الحاجة؛ ليؤدب بها المتهربين, وهو من العقوبات التعزيرية التي تخضع لولي الأمر طبقًا لما يراه محققًا للمصلحة العامة.
ولم يقف الأمر في عقوبة المتهرب من أداء الزكاة عند العقوبة المالية فحسب, بل إن هناك عقوبات جنائية تقع على المتهرب, إن لم تجد معه العقوبات المالية, وفي هذا يقول الإمام الماوردي:
стр. 227
وأما إذا ترك الزكاة فلا يقتل بها, وتؤخذ إجبارًا من ماله, ويعذر إن كتمها بغير شبهة, وإن تعذر أخذها لامتناعه, حورب عليها, وإن أفضى الحرب إلى قتله حتى تؤخذ منه كما حارب أبو بكر الصديق مانعي الزكاة. ينظر في ذلك الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٩٢ وما بعدها.
وفي هذا الأمر أيضًا يقول ابن حزم:
وحكم مانع الزكاة إنما هو أن تؤخذ منه, أحب أم كره, فإن مانع دونها فهو محارب, وإن كذب بها فهو مرتد, فإن غيبها ولم يمانع دونها فهو آت منكرًا فواجب تأديبه أو ضربه حتى يحضرها, أو يموت قتيل الله تعالى إلى لعنة الله, كما قال رسول الله ﷺ : ((من رأى منكرا فليغيره بيده إن استطاع)) وهذا منكر, ففرض على من استطاع أن يغيره كما ذكرنا.
فعقوبة المتهرب إذن كما يظهر من تلك النصوص لا تقتصر على الغرامة المالية فحسب, بل قد تتعدى ذلك إلى العقوبات البدينة المناسبة.
على أنه يلاحظ أن التشريع الإسلامي لم يقصر الأمر في عقوبة المتهرب من دفع الزكاة على العقوبات الدنيوية المالية والبدنية, بل إنه قرر أيضًا عقوبة أخروية للمتهرب, فقد رُوي أن النبي ﷺ قال: ((من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مُثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع, له ذبيبتان, يطوقه يوم القيامة, ثم يأخذ بلهزمتيه, (يعني بشقيه) ثم يقول: أنا مالك, أنا كنزك, ثم تلا ﷺ هذه الآية ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾)) (آل عمران: من الآية: ١٨٠) وروي أيضًا عنه ﷺ أنه قال: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها, إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من
стр. 228
نار, فأحمي عليها في نار جهنم, فيكوي بها جنبه, وجبينه, وظهره, كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة, حتى يقضي بين العباد, فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)).
وهذه العقوبات التي ذكرناها الدنيوية والأخروية, هي لا شك عقوبات رادعة من شأنها أن تمنع كل من تسول له نفسه التهرب من دفع الزكاة من الإقدام على هذا التهرب, فهي إذن مانعة من هذا الخلق الرديء, وهو التهرب من دفع الزكاة, وفي ذلك القضاء على أخطر ما يهدد المبدأ الذي يجب أن يقوم عليه توزيع الأعباء المالية التي يلتزم بها الأفراد في الدولة, وهو المساواة بينهم في تحمل الأعباء, فبالقضاء على خطر التهرب سيتحقق هذا المبدأ العام, وسيساهم كل مواطن في التكاليف العامة المالية المقررة في الدولة الإسلامية.
أيضًا عرف في الفقه الإسلامي: الحجز عند المنبع:
يعني نأخذ الضريبة قبل أن يأخذ المسلم المال, فاتبعت طريقة الحجز عند المنبع, كإجراء يمنع المكلف من التهرب من أداء الزكاة, فقد روي عن القاسم بن محمد أن أبا بكر ﵁ كان إذا أعطي الناس أعطياتهم -يعني رواتبهم- يسأل الرجل: هل عندك من مال وجبت عليك فيه الزكاة؟ فإذا قال: نعم, أخذ من عطائه ذلك المال, وإن قال: لا, أسلم إليه عطاءه, ولم يأخذ منه شيئًا.
وكذلك كان عمر بن الخطاب إذا خرج العطاء أخذ الزكاة من شاهد المال عن الغائب, والشاهد. أيضًا كان عمر بن عبد العزيز إذا أعطى الرجل عملته, أي أجره أخذ منها الزكاة, وإذا رد المظالم أخذ منها الزكاة, وكان يأخذ الزكاة من الأعطية إذا خرجت لأصحابها, ينظر في ذلك إلى الأموال لأبي عقيل ص٥٢٦ وما بعدها.
стр. 229
إقرار الثروة:
أوجب التشريع الإسلامي على المكلفين أن يقروا بما لديهم من أموال, بصورة أمينة, إلى عمال الزكاة, ولا يخفوها عنهم, ويدل على ذلك عن جرير بن عبد الله أنه كان يقول لبنيه: يا بني إذا جاءكم المصدق فلا تكتموه من نعمكم شيئًا, فإنه إن عدل عليكم فهو خير لكم وله, وإن جار عليكم فهو شر له وخير لكم, وروي عن زاهر بن يربوع أن رجلًا جاء إلى أبي هريرة فقال: أأخبئ منهم -أي عمال الزكاة- كريمة مالي, يعني الشاه الطيبة, قال: فقال لا, إذا أتوكم فلا تعصوهم, وإذا أدبروا فلا تسبوهم, فتكون عاصيًا خفف عن ظالم, ولكن قل: هذا مالي, وهذا الحق, فخذ الحق وذر الباطل, فإن أخذه فزاد, وإن تعده إلى غيره جمع لك في الميزان يوم القيامة.
عن أبي هريرة, وأبي أسيد صاحبي رسول الله ﷺ أنهما قالا: إن حقًّا على الناس إذا قدم عليهم المصدق أن يرحبوا به, ويخبروه بأموالهم كلها, ولا يخفوا عنه شيئًا فإن عدل فسبيل ذلك, وإن كان غير ذلك واعتدى لم يضر إلا نفسه, وسيخلف الله له, أي يعوضهم عما أخذ منهم.
ولا شك أن التشريع الإسلامي بهذا, أي بإقرار الثروة, يكون قد سبق علماء المالية العامة المعاصرين, الذين ينادون بضرورة العمل على إزالة أسباب التوتر بين الممولين, ورجال مصلحة الضرائب, حتى تزيد الثقة, ويتحقق التعاون بينهم؛ لأن العلاقة بين الممول, وبين عمال الجباية, يجب أن تكون بعيدة عن أي لون من ألوان العداوة, لذلك أنه في الوقت الحاضر تعمل الإدارات المالية جاهدة على تحسين علاقتها مع الممولين, وإزالة أسباب عدم الثقة والتوتر بينها وبينهم, ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى مكافحة التهرب الضريبي.
стр. 230
أيضًا: على المسلم أن يعلم أن الزكاة تظل دينًا في عنق المسلم, لا تبرأ ذمته منه, ولا يصح إسلام إلا بأدائها, وإن تكاثرت الأعوام, وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن حزم:
من اجتمع في ماله زكاتان فصاعدًا, وهو حي, تؤدي كلها لكل سنة على عدد ما وجب عليه في كل عام, وسواء كان ذلك لهروبه بماله, أو لتأخير الساعي, أو لجهله, أو لغير ذلك, وسواء في ذلك العين, والحرث, والماشية, وسواء أتت الزكاة على جميع ماله, أو لم تأت, وسواء رجع ماله بعد أخذ الزكاة منه إلى ما لا زكاة فيه, أو لم يرجع, ولا يأخذ الغرماء شيئًا حتى تستوفى الزكاة.
وبهذا نرى أن مسلك التشريع الإسلامي يختلف عن مسلك التشريعات المالية الحديثة التي تأخذ بمبدأ سقوط الضرائب بالتقادم بمرور مدة معينة دون المطالبة بها, فمعنى ذلك أن الزكاة لا تسقط بالتقادم.
هذه هي أهم الإجراءات الكفيلة بمنع التهرب من أداء الزكاة, والأخذ بها -لا شك- من شأنه أن يكون حائلًا بين من تسول له نفسه التهرب من أداء الزكاة, وبين هذا التهرب, ونحن نعرف أن القضاء على التهرب من أداء الزكاة معناه أن يساهم الجميع في التكاليف العامة المالية المقررة في الدولة دون استثناء, وبالتالي تتحقق المساواة الكاملة بين المكلفين في تحمل التكاليف العامة المالية في الدولة, والتي من أهمها الزكاة.
ومن الأمور التي ينبغي أن نلفت إليها النظر مراعاة ظروف المكلف؛ لأنا -كما قلنا- ندرس هذه الزكاة, أو غيرها من موارد بيت المال, ندرسها من ناحية المساواة, ومن ناحية العدالة, والعدالة تقتضي أيضًا أن تفرض الزكاة بمقدار معين يتناسب مع المكلف, وهذا ما يسمى بمراعاة ظروف المكلف بأداء الزكاة.
стр. 231
نقول: لما كان الهدف من فرض الزكاة هو تعميم النفع, فليس من مقتضيات ذلك أن تفرض الزكاة على المكلفين بطريقة جامدة, لا تراعي ظروفهم, ولا تهتم بتوفير العدل الذي يتطلبه الإسلام في كل شئون الحياة في المجتمع, فالعدالة تقتضي أن يشترك المكلف في المساهمة في نفقات الدولة تبعًا لمقدرته المالية, أي أن توزع التكاليف العامة المالية على الممولين حسب يسارهم.
إن العمومية في الزكاة وإن كان لها أهميتها الكبرى, إلا أنها ولابد وأن تقترن بفكرة أخرى هي شخصية العبء الزكوي نفسه, فلا يكفي أن يتحمل كل فرد عبئً زكويًّا, ولكن لابد وأن يتفق هذا العبء مع مقدرة الممول المالية, وظروفه الشخصية, ولقد كان الإسلام سباقًا إلى تبني فكرة المقدرة التكلفية للممول, فالتكاليف المالية الإسلامية تفرض على أساس الطاقة المالية, أي المقدرة التكلفية, فالأصل في الإسلام أن يكون التكليف بما في الوسع والطاقة, وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية: ٢٨٥) وقد حدد القرآن الكريم هذه الطاقة المالية بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ﴾ (البقرة: من الآية: ٢١٩) والعفو هو الفائض المتيسر مما زاد عن الكفاية, والحاجة, وقد وردت الآية القرآنية تؤكد وجوب الإنفاق من الفضل الزائد عن الحاجة, فيقول الله تعالى: ﴿وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُم﴾ (البقرة: من الآية: ٢٣٦).
وإذا كنا نقول بضرورة المساواة بين المسلمين في التكاليف بالزكاة, متى تحققت الشروط اللازمة لوجوب الزكاة, فإن ذلك لا يعني أن يتساوي مقدار ما يؤديه كل فرد من الزكاة, مهما اختلفت مقدرتهم المالية على الأداء؛ لأن المساواة في هذه الحالة ظلم؛ لأنها مساواة بين غير متماثلين, أما إذا تعادلت المقدرة المالية,
стр. 232
والظروف الاجتماعية, لطائفة من الممولين, فإنه يجب أن يتساوي المقدار المأخوذ من كل فرد من أفراد هذه الطائفة في الزكاة, فالمقصود بالمساواة إذن في هذا المجال أن يتحمل كل فرد قدرًا من الأعباء المالية, يتفق ويتناسب مع مقدرته المالية على الأداء, فيؤدي الجميع الزكاة وفق مقدار ثروتهم, وبعد مراعاة ظروفهم الشخصية, والعائلية.
ونستخلص مما تقدم أنه لا يتعارض مع المساواة في هذا المجال إعفاء من لم يملك النصاب من وجوب الزكاة عليه, أو من ملك نصابًا ليس فائضًا عن حاجته الأصلية, أو من عليه دينًا يستغرق نصاب لزكاة كله أو بعضه, أو طرح النفقات والتكاليف التي أنفقت على المال الخارج للزكاة, وسنتكلم عن ذلك بالتفصيل المناسب فيما يلي.
إعفاء ما دون النصاب من الزكاة:
من عدالة الإسلام في فرض الزكاة أنه أعفى المال اليسير من فرض الزكاة فيه, ولم يفرضها إلا على المال الذي يبلغ نصابًا كاملًا, وذلك ليكون أخذ الزكاة من العفو الذي يسهل على النفوس, ولا يشق عليها, قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ﴾ وقد فسر العفو بأنه ما زاد على الكفاية والحاجة, وأساس هذا الإعفاء أن الإسلام إنما افترض الزكاة على الأغنياء من الأمة؛ لترد على فقرائها, والنصاب هو الحد الأدنى للغنى في نظر الشارع, فمن لم يملك هذا النصاب لم يملك الغنى الموجب للزكاة, ومن ثم لا معنى لأن تؤخذ منه زكاة؛ لأنه في حاجة إلى أن يعان, لا أن يعين, ولذلك قال الرسول ﷺ ((خير الصدقة من كان عن ظهر غنى, وابدأ بمن تعول)).
стр. 233
والحكمة من اشتراط نصاب معين لوجوب الزكاة أنه لما كان الأغنياء هم المكلفون بأداء الزكاة, لزم تحديد القدر الذي يعتبر به الشخص غنيًّا, فإذا كان غير مالك لهذا القدر اعتبر فقيرًا, لا يعفى فقط من أداء الزكاة, وإنما يمكن أيضًا صرفها إليه؛ إذ ما نقص عن النصاب يعتبر حدّا أدنى لازمًا للمعيشة, بحيث إذا لم يبلغ الشخص النصاب أصبح مستحقًا للزكاة.
والإسلام جعل لكل نوع من الأموال نصابًا معينًا لا تجب الزكاة فيما نقص عنه؛ وذلك مراعاة لظروف المكلف, وقد ذكرنا ذلك فيما مضى, ذكرنا نصاب الزروع, والثمار, وغير ذلك, فنكتفي بما ذكرناه هناك.
إعفاء الحد الأدنى اللازم للمعيشة:
اشترط بعض الفقهاء أن يكون النصاب فاضلًا عن حاجات مالكه الأصلية؛ لأنه به يتحقق معنى الغنى, ومعنى النعمة, وهو الذي يحصل به الأداء عن طيب نفس؛ إذ المال المحتاج إليه حاجة أصلية لا يكون صاحبه غنيًّا عنه, ولا يكون نعمة؛ إذ التنعم لا يحصل إلا بالقدر المحتاج إليه حاجة أصلية؛ لأنه من ضرورات البقاء, وقوائم البدن, والحاجة الأصلية هي ما لا غنى عنه للإنسان في بقائه, كمأكله, ومشربه, وملبسه, ومسكنه, وما يعينه على ذلك من كتب علمه, وأدوات حرفته, ونحو ذلك, وقد فسر بعض علماء الحنفية الحاجة الأصلية بقوله: هي ما يدفع الهلاك عن الإنسان تحقيقًا كالنفقة, ودور السكنى, وآلات الحرب, والثياب المحتاج إليها لدفع الحر, أو البرد, أو تقديرًا كالدين, فإن المدين يحتاج إلى قضائه بما في يده من النصاب؛ ليدفع عن نفسه الحبس الذي هو كالهلاك, وكآلات الحرفة, وأثاث المنزل, ودواب الركوب, وكتب العلم
стр. 234
لأهلها, فإن الجهل عنده كالهلاك, فإذا كان له دراهم مستحقة يصرفها إلى تلك الحوائج صارت كالمعدومة, والمعتبر هنا الحاجات الأصلية للمكلف بالزكاة, ومن يعوله من الزوجة, والأولاد, مهما بلغ عددهم, والوالدين, والأقارب الذين تلزمه نفقتهم, فإن حاجتهم من حاجته.
والحاجة الأصلية يعبر عنها بعض العلماء المحدثين بحد الكفاية, الذي يجب أن يتوافر للإنسان؛ لأنه مما يتعلق بمتطلبات الحياة الكريمة, بمعنى أن الفرد يعد فقيرًا متى لم تتوفر له متطلباته بالقدر الذي يجعله في بحبوحة من العيش, وغني عن غيره, وضمان حد كفايه هو في الإسلام أمر مقدس باعتباره حق الله الذي يعلو فوق كل الحقوق, وأن في إنكاره, أو في إغفاله إنكار للدين نفسه, ويدل على هذا الإعفاء قوله ﷺ : ((خير الصدقة من كان على ظهر غنى, وابدأ بمن تعول)) فهذا الحديث يدل على أن شرط المتصدق ألا يكون محتاجًا لنفسه, أو لمن تلزمه نفقته, ويدل على ذلك أيضًا ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((دينار أنفقته في سبيل الله, ودينار أنفقته في رقبة, ودينار تصدقت به على مسكين, ودينار أنفقته على أهلك, أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك)) فهذا الحديث يدل على أن حاجة الإنسان, وحاجة أهله الذين تلزمه نفقتهم, مقدمة على حاجة غيره.
وهذا الإعفاء في الواقع لا يتعارض مع مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل عبء الزكاة, وذلك لأن حاجة الإنسان مقدمة على حاجة غيره, وكذا حاجة أهله, وولده, ومن يعوله بمنزلة حاجة نفسه, فكيف نطلب منه الزكاة مما يحتاج إليه, ويتعلق قلبه به لمسيس حاجته إليه, وقد رأينا فيما سبق أن المقصود بالمساواة في هذا المجال أن يتحمل كل فرد قدرًا من الأعباء المالية يتفق مع مقدرته المالية على
стр. 235
الأداء, ولا شك أن الشخص الذي يكون في حاجة ماسة إلى المال الذي معه, ليست لديه مقدرة مالية على الأداء, وبالتالي فإن إعفاءه من الزكاة لا يتعارض مع مبدأ المساواة بين المكلفين, في تحمل التكاليف العامة المقررة في الدولة.
ومن الأمور التي يراعى فيها حال المكلف بالزكاة خصم الديون:
تختلف مقدرة الممول المالية بحسب ما إذا كان مدينًا, أو غير مدين؛ ولذا فإن مراعاة المقدرة على الأداء تتطلب وجوب خصم أعباء الديون من المال محل الزكاة, قبل فرض الزكاة عليه, وهذا ما قال به بعض الفقهاء, إذ يرون أنه لا تجب الزكاة على من عليه دين يستغرق النصاب كله أو بعضه, ولو كان الدين من غير جنس المال المزكي, فالدين عندهم يمنع وجوب الزكاة في سائر الأموال, فمن كان عنده مال وجبت زكاته, وعليه دين, فليخرج منه قدر ما يفي منه أولًا, ثم يزكي الباقي إن بلغ نصابه, ومعنى كلام هؤلاء الفقهاء أنه ينبغي عليه أولًا أن يخصم الديون التي عليه, ثم بعد ذلك ما بقي بعد هذه الديون إن بلغ نصابًا زكاه, وإن لم يبلغ نصابًا فلا زكاة عليه.
ويقول بعض العلماء في هذا الشأن:
من كان عليه دين يحيط بماله, وله مطالب من جهة العباد, سواء كان لله كالزكاة, أو للناس كالقرض, وثمن المبيع, وضمان المتلفات, وأرش الجراحة, ومهر المرأة, وسواء كان من النقود, أو من غيرها, وسواء كان حالًا أو مؤجلًا, فلا زكاة عليه؛ وذلك لأن النصاب مشغول بحاجة المدين الأصلية, أي أنه معد لما يدفع عنه الهلاك حقيقة أو تقديرًا؛ لأنه محتاج إليه لقضاء دينه.
وهناك آثار كثيرة تؤيد خصم الديون: منها ما روي عن عثمان بن عفان أنه قال: هذا شهر زكاتكم, فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم. وهذه
стр. 236
الآثار موجودة في كتاب الأموال لأبي عبيد ص ٥٣٤ وما بعدها، حتى يعرف ما بقي من المال بعد أداء الدين, فيخرج زكاته, إن كان يبلغ نصابًا.
أيضًا ما روي عن ميمون بن مهران أنه قال: إذا حلت عليك الزكاة, فانظر كل مالك, ثم اطرح منه ما عليك من الدين, ثم زك ما بقي.
وما روي عن سليمان بن يسار أنه سئل عن رجل له مال, وعليه دين, أعليه زكاة؟ قال: لا, هذا إذا كان ما بقي من المال بعد أداء الدين لا يبلغ نصابًا.
وخصم الديون من المال المعد للزكاة يتمشى مع روح الشريعة الإسلامية, فالزكاة لا تشرع إلا عن ظهر غنى, كما أخبرنا بذلك النبي ﷺ ولا غنى عند المدين, وهو محتاج إلى قضاء دينه, كحاجة الفقير أو أشد, وليس من الحكمة تعطيل حاجة المالك, لدفع حاجة غيره.
ومما سبق نرى أن الدين الذي يستغرق النصاب كله أو بعضه, يمنع وجوب الزكاة في سائر الأموال؛ لأن الزكاة تفرض على أساس الطاقة, والسعة للمكلفين بها, وتحدد هذه المقدرة على أساس خلو ذمة المكلف من الديون, فضلًا عن أن الزكاة تؤخذ من الأغنياء لترد إلى الفقراء, والمدين لا يمكن أن تؤخذ منه الزكاة؛ لأنه يعد من الغارمين الذين يستحقون الزكاة, وهذا ما قرره أبو عبيد بقوله: إذا كان الدين صحيحًا قد عُلم أنه على رب الأرض, فإنه لا صدقة عليه فيها, ولكنها تسقط عنه لدينه, كما قال ابن عمر, وطاوس, وعطاء, ومكحول, ومع قولهم أيضًا أنه موافق لاتباع السنة, ألا ترى أن رسول الله ﷺ إنما سن أن تؤخذ الصدقة من الأغنياء فترد في الفقراء, وهذا الذي عليه دين يحيط بماله, ولا مال له, وهو من أهل الصدقة, فكيف تؤخذ منه الصدقة وهو من أهلها, أم كيف يجوز أن يكون غنيًا فقيرًا في حال واحدة؟ ومع هذا إنه من الغارمين أحد الأصناف
стр. 237
الثمانية, فقد استوجبها من جهتين. ينظر في ذلك الأموال لأبي عبيد ص ٦١٢ وما بعدها.
وإعفاء من عليه دين يستغرق النصاب كله, أو بعضه, من أداء الزكاة, لا يتعارض -في اعتقادنا- مع مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل عبء الزكاة؛ لأن المدين قد تأثرت مقدرته المالية على أداء الزكاة, والزكاة لا تفرض إلا على أساس الطاقة, والسعي -كما رأينا, وأيضًا فإن المدين أصبح بوجوب الدين عليه أصبح مستحقًّا للزكاة بوصف الغارمين الذين هم من الأصناف المستحقة للزكاة كما ذكرنا, وأيضًا يستحقها بوصف الفقر؛ لأن المدين ليس بغني, ونخرج من ذلك بأن إعفاء المدين من أداء الزكاة لا يتعارض مع مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل التكاليف العامة المالية المقررة في الدولة, ومنها الزكاة.
ومن الأمور التي نراعي بها ظروف المكلف بالزكاة, خصم النفقات, والتكاليف:
أخذ المشرع الإسلامي بفرض الزكاة على الدخل الصافي, ففي زكاة الزروع والثمار يرى بعض الفقهاء خصم الدين الذي يكون قد اقترضه رب الزرع والثمر, من أجل الإنفاق على الزرع, ويدل على ذلك الآثار الآتية:
ما روي عن جابر بن زيد أنه قال في الرجل يستدين فينفق على أهله, وأرضه, قال: قال ابن عباس: يقضي ما أنفق على أرضه, وقال ابن عمر: يقضي ما أنفق على أرضه, وأهله, أي أنه يخصم هذه النفقات من الأموال أولًا, وإن بقي مال بلغ نصابًا تجب زكاته, وإن لم يبلغ نصابً فلا زكاة عليه, ورواه يحيي بن آدم بقوله: قال ابن عمر: يبدأ بما استقرض فيقضيه, ويزكي ما بقي, وقال ابن عباس: يقضي ما أنفق على الثمرة, ثم يزكي ما بقي. وهذا موجود في الخراج
стр. 238
ليحيي بن آدم القرشي ص ١٦٢ وما بعدها. روي أن شريكًا سئل عن الرجل يستأجر أرضًا من أرض العشر بطعام مسمى فيزرعها طعامًا, قال: يعزل ما عليه من الطعام, ثم يزكي ما بقي.
ومن هذا يتبين أن ابن عباس, وابن عمر, وشريكًا, قد اتفقوا على أن الدين الذي أُنفق على الأرض والثمار, يخصم قبل أداء الزكاة.
رُوي عن مكحول أنه قال في صاحب الزرع المدين: لا تؤخذ منه الزكاة حتى يقضي دينه, وما فضل بعد ذلك زكاه إذا كان مم تجبه فيه الزكاة. وهذه الآثار موجودة أيضا في الأموال لأبي عبيد ص ٦١١ وما بعدها.
ونرى مما سبق أن الزكاة إنما تكون في صافي الدخل أو الثروة, وللزارع أن يخصم ما أنفقه على زرعه ثم يزكي ما بقي إن بلغ نصابًا, أي أن صاحب الزرع إذا استدان لأجل النفقة على الزرع والثمر, كأن اشترى سمادًا, أو اشترى ما يحارب به الآفات الزراعية, فإن ذلك يخصم ولا يحتسب ما يجب فيه الزكاة, إلا بعد إسقاط ما أنفقه لنماء الزرع من سماد, وما أنفقه لحمايته من الآفات, ويقاس على الزرع غيره كإيراد المصانع, والعمارات, ونحوها, أما بالنسبة لعروض التجارة فإن النفقات ترفع فعلًا؛ لأن الزكاة إنما تؤخذ مما بقي من الأصل, والربح, إلى نهاية الحول, فما كان من نفقة فقد انقرض ما لم يكن منها دينار, كإيجار المحل الذي لم يُدفع فيطرح, ويزكي الباقي.
وأما بالنسبة للماشية فإن ما أُنفق عليها يُخصم من نصاب الزكاة, كالزروع, وعروض التجارة.
وبهذا نكون قد انتهينا من هذه المحاضرة استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 239
الدرس: ٦ الجزية والخراج والعشور .
стр. 240
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس
(الجزية والخراج والعشور)
١ - من الموارد المالية "الجزية"
العمومية في الجزية
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد, وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
نواصل حديثنا في هذه المحاضرة عن الموارد المالية في الإسلام, فنقول:
فرضت الشريعة الإسلامية على غير المسلمين المقيمين في الإسلامية بعض التكاليف المالية المتمثلة في الجزية, والخراج, والعشور, ولم يكن ذلك -كما يقول بعض المستشرقين- لم يكن ذلك عقابًا لهم على عدم اعتناقهم الإسلام, بل كانت تلك الأعباء المالية ضرائب عادلة تمامً في كل صورها, فالحياة في كل مجتمع, في كل عصر تقوم على أساس الحقوق والواجبات, وقد تمتع غير المسلمين في الدولة الإسلامية بكثير من الحقوق, ولابد لكل حق من واجب يقابله, فغير المسلمين المقيمين في المجتمع الإسلامي, لهم ما لنا من حريات, وتجارة, وتعامل, ففي المقابل يجب عليهم أن يؤدوا للخزانة العامة -أي بيت المال- شيئًا من أموالهم, كما يتحمل المسلمون أعباء مالية كثيرة, كالزكاة وغيره, إنه لا بد أن يتحملوا قسطهم من التكاليف العامة, وذلك في صورة جزية, وخراج, وعشور؛ ليساهموا في بناء الدولة, ونفقاتها العامة, ومن الممكن الرجوع في هذا الموضوع إلى كتاب (الإسلام وأهل الذمة) دكتور علي حسن الخربطلي, لجنة التعريف بالإسلام, يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية, كتاب رقم ٤٩ لسنة ١٩٦٩ صـ ٦٧.
هذا بالإضافة إلى أن تلك التكاليف العامة المالية هي جزء قليل على ما تلتزمه الحكومة الإسلامية من الدفاع عن غير المسلمين المقيمين في الدولة الإسلامية, وإعانة للجند الذين يحمونهم ممن يعتدي عليهم, وسنتكلم عن التكاليف العامة المالية التي يلتزم بها غير المسلمين المقيمين بالدولة الإسلامية.
ونبدأ بالجزية:
والجزية في اللغة: هي فِعلة من الجزاء, جمعها جِزي, مثل لحية, ولحي, وهي ما يؤخذ من أهل الذمة, أي أنها عبارة عن المال الذي يعقد الكتابي عليه الذمة.
стр. 241
والجزية شرعًا: هي الوظيفة المأخوذة من الكافر؛ لإقامته بدار الإسلام في كل عام.
تاريخ الجزية: إن الجزية ليس من محدثات الإسلام, بل هي قديمة من أول عهد التمدن القديم, وقد وضعها يونان أثينا على سكان سواحل آسيا الصغرى, حوالي القرن الخامس قبل الميلاد, مقابل حمايتهم من هجمات الفينيقيين, وفينيقيا يومئذ كانت تابعة لبلاد الفرس, فهان على سكان تلك السواحل دفع المال في مقابل تلك الحماية, والرومان وضعوا الجزية على الأمم التي أخضعوها لحكمهم, وكان الفرس أيضًا يجبون الجزية من رعاياهم, ومن الممكن الرجوع في هذا إلى كتاب (تاريخ التمدن الإسلامي) الجزء الأول صفحة ١٦٩ وما بعدها, للأستاذ جورجي زيدان, طبعة ١٩٠٢ مطبعة الهلال مصر.
أسباب وضع الجزية:
إن السبب الذي من أجله شُرعت الجزية كان مثار خلاف بين الفقهاء كما يلي:
أولًا: البعض يقول الجزية بدل الحماية:
يرى البعض أن الجزية فرضت على أهل الذمة بدل الحماية, وأنهم يعفون منها عند عدم الحماية, واستدلوا على ذلك بما جاء في كتاب (خالد بن الوليد) لصلوبة بن نصتونة, حينما دخل الفرات, والذي جاء فيه: إني عاهدتكم على الجزية, والمنعة, فلك الذمة, والمنعة, وما منعناكم فلنا الجزية, وإلا فلا, أي أنه في هذا يبين أنه يأخذ منهم الجزية مقابل حمايته من أي اعتداء.
ويقول الماوردي في كتابه (الأحكام السلطانية):
стр. 242
ويلزم لهم ببذلها -أي الجزية- حقان: أحدهما الكف عنهم, والثاني الحماية لهم؛ ليكونوا بالكف آمنين, وبالحماية محروسين.
الجزية بدل النصرة:
ويرى البعض أن الجزية تجب على أهل الذمة بدلًا من النصرة التي فاتت بإصرارهم على الكفر؛ لأن من هو من أهل دار الإسلام تجب عليه نصرة الدار, وأبدانهم لا تصلح لهذه النصرة؛ لأنهم يميلون إلى أهل الدار المعادية, فيؤخذ منهم المال؛ ليصرف إلى الغزاة الذين يقومون بنصرة الدار.
الجزية بدل الأمان, وحقن الدم:
ويرى البعض أن الجزية إنما تجب على أهل الذمة؛ جزاءً على أمان المسلمين لهم, وحقن دمائهم.
الجزية بدل الإقامة:
يرى البعض أيضًا أن الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام, أي أنها مقابل تمكينهم من الاستقرار بدار الإسلام.
الجزية وسيلة لتحقيق المساواة بين المواطنين في الدولة الإسلامية:
الأصل أن كل من يتمتع بالمرافق العامة التي توفرها الدولة, عليه أن يتحمل قدرًا من الأعباء العامة المقررة في الدولة, بما يتناسب مع مقدرته المالية, وفقًا لقاعدة الغنم بالغرم؛ إذ ليس من المقبول أن يتمتع الشخص بالحقوق العامة والخاصة, ويتمتع بالمرافق العامة في الدولة, ويفلت في نفس الوقت من أداء نصيبه من
стр. 243
الالتزامات, والأعباء العامة في الدولة, الذي ينعم بخيراتها, ومن هذا المنطلق نرى أن الأصل في فرض الجزية أنها وسيلة للمساواة بين رعايا الدولة الإسلامية, فيجب أن يساهم كل فرد قائم من هذه الرعايا في الأعباء العامة المالية في الدولة؛ ليكون له في مقابل ذلك التمتع بالحقوق العامة والخاصة, والتمتع بالمرافق العامة في الدولة, فإذا كان هذا الفرد مسلمًا فالواجب عليه دفع الزكاة -على ما رأينا- من أمواله, وإذا كان من غير المسلمين, أي أهل الذمة, فالواجب عليه دفع الجزية, ومن ثم تتحقق المساواة بين هؤلاء الرعايا في التمتع بالحقوق, والالتزام بالواجبات, فالجزية إذن هي نصيب غير المسلم من التكاليف المالية العامة, التي تصرف في منفعة جماعة في المرافق العامة, ومعاونة فقراء غير المسلمين.
العمومية في الجزية:
إن العمومية في الجزية تعني أن يؤدي الجزية جميع من توافرت بالنسبة له شروط وجوبها, فلا يعفى أحد من أدائها دون مبرر, وأيضًا تعني العمومية أن تُفرض الجزية على جميع الأموال التي تحققت فيها شروط وجوب الجزية, ومعنى ذلك أن العمومية في الجزية تجمع بين الشخصية, والمادية, وعلى هذا سنتكلم عن كل من العمومية الشخصية, والعمومية المادية في الجزية.
بالنسبة للعمومية الشخصية نقول:
إن الشخص الخاضع للجزية يجب أن تتوافر فيه عدة شروط, من أهمها
أولًا: أن يكون ذكرًا, فهي لا تجب إلا على الرجل؛ لأنه من أهل القتال, أما المرأة فلا جزية عليها؛ لأنها ليست من أهل القتال.
стр. 244
الشرط الثاني: أن يكون بالغًا, فالجزية لا تجب على الصبيان؛ لأنهم لا يُقتلون إذا ظفر بهم المسلمون.
الشرط الثالث: أن يكون عاقلًا, فالجزية لا تجب على المجنون؛ لأنه ليس أهلًا للالتزام.
الشرط الرابع: القدرة على أدائها, فالجزية لا تجب على الفقير العاجز عن أدائها.
وأيضًا يشترط أن يكون دافع الجزية صحيحًا, فهي لا تجب على مريض لا يرجى برؤه, ولا شيخ فان, ولا زمِن, ولا أعمى؛ لعدم استطاعتهم القتال. هذه هي أهم شروط وجوب الجزية, ذكرناها على سبيل الإجمال, وفي عجالة سريعة, على الرغم من أن الفقهاء مختلفون في بعض هذه الشروط, ولهم فيها تفصيلات مختلفة لا داعي لذكرها هنا؛ لأنها ليست من جوهر البحث.
وإذا كان التشريع الإسلامي قد جعل فريضة الزكاة عامة, وشاملة لكل أغنياء المسلمين -على ما رأينا- فإننا نجد أن ذات التشريع يوجب الجزية على الرجال القادرين الأصحاء, فهي عامة بالنسبة لهؤلاء, ولا يعفى منها أحد لمركزه الاجتماعي, أو انتمائه لطبقة معينة, فمبدأ المساواة في أداء الجزية متحقق بالنسبة للمكلفين بأدائها, والتطبيقات العملية من أكبر الأدلة على ذلك, فمن الأدلة القاطعة على تحقيق المساواة بين دافعي الجزية ما ورد في كتاب الرسول ﷺ إلى أهل نجران, وسائر النصارى, جاء في هذا الكتاب: ((ولا خراج ولا جزية إلا على من يكون في يده ميراث من ميراث الأرض, ممن يجب عليه فيه للسلطان حق, فيؤدي ذلك على ما يؤديه مثله. ولا يجار عليه, ولا يحصل منه إلا قدر طاقته, وقوته على عمل الأرض وعمارتها, وإقبال ثمرتها, ولا يكلف شططًا, ولا يتجاوز حتى أصحاب الخراج من نظرائه)) فالرسول ﷺ في هذا
стр. 245
الكتاب يأمر بالمساواة بين المكلفين, ولا يفرق بين شخص وآخر في جزية, أو خراج, مادامت ظروفهم متماثلة, ولا يكلف الممول فوق طاقته.
ومن الأدلة على ذلك أيضًا أن عمر بن الخطاب ﵁ لم يعف من الجزية نصارى بني تغلب, وهم عرب لهم قوة وسلطان, وصالحهم على أن يأخذ منهم ضعفي الزكاة, يراجع في ذلك (الأموال) لأبي عبيد صفحة ٣٦ وما بعدها, فهذا دليل -أي ما فرضه عمر على نصارى بني تغلب- قوي على أن من وجبت عليه الجزية لا يعفى منها, مهما كان مركزه الاجتماعي.
ومن الأدلة أيضًا أنه عندما تم الصلح بين عمرو بن العاص, وبين المقوقس في مصر, اصطلحوا على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها, وأسفلها, من القبط دينارين عن كل نفس, شريفهم, ووضعيهم, ممن بلغ الحلم, فقد فُرضت الجزية على جميع القادرين في مصر, خلافًا لما كان سائدًا فيها في عصر الروم, حيث كان يعفي من الضريبة أصحاب الجاه والسلطان, لكننا وجدنا أن عمرو بن العاص لم يفرق في أخذ الجزية بين شريف, ووضيع, أخذها أو ساوى بين الناس في أخذها منهم.
ولتحقيق المساواة بين المواطنين في تحمل عبء الجزية أُلغيت امتيازات أهل الإسكندرية, وطبقات الأشراف, التي تمتعوا بها في ظل الحكم البيزنطي, وطُبقت عليهم الجزية الإسلامية, ومن أجل تفصيل ذلك يرجع إلى كتاب (النظام المالي المقارن في الإسلام) للدكتور بدوي عبد اللطيف, طبعة ١٩٦٢ صـ ٨٨ وما بعدها.
ومن الأدلة أيضًا أنه يُروى أن جبلة بن الأيهم لما انهزمت الروم من اليرموك, صار إلى موضعه في جماعة قومه, فأرسل إليه يزيد بن أبي سفيان يطلبه خراج أرضه, وخراج رأسه -يعني الجزية, فلم يرفض جبلة أن يؤدي ضريبة الأرض, لكنه أنف, ولم يرض بجزية الرأس قائلًا: إنما يؤدي الجزية العلوج, يعني أفراد, أو عامة الناس, وأنا رجل من العرب, فقد كان معفيًا من الجزية
стр. 246
في عهد الروم, ولما رأى إصرار المسلمين على أخذ الجزية منه؛ مساواة له بغيره في هذا الشأن, ترك البلاد, ورحل إلى بلاد الروم, من أجل ألا يؤدي الجزية للمسلمين, وهكذا نرى أن ديننا الذي ينادي بالمساواة بين الناس لم يحاب ملك غسان, وهو جبلة بن الأيهم, ولم يعفه من الجزية, رغم أنه عزيز في قومه, وعزيز لدى الروم, فكانوا يعفونه منها, فقد كان منطق الروم جائرًا في فرض الجزية, حيث كانوا يأخذونها من الفلاح, ويعفون منها القادرين؛ لقربهم من الإمبراطور, ولما لهم من مراكز في المجتمع, هذا المنطق لا يقره الإسلام, فالجزية تجب على كل شخص توافرت فيه شروطها, مهما كان مركزه الاجتماعي, ولذا طلب حكام المسلمين الجزية من ملك غسان كما رأينا, وفي هذا المعنى يقول أبو يوسف في كتابه (الخراج):
ولا يحل للوالي أن يدع أحدًا من النصارى, واليهود, والمجوس, والصابئين, والسامرة, إلا أخذ منهم الجزية, ولا يرخص لأحد منهم في ترك شيء من ذلك, ولا يحل أن يدع واحدًا ويأخذ من واحد, ولا يسع ذلك؛ لأن دمائهم, وأموالهم, إنما أُحرزت بأداء الجزية.
ومن هذا نرى أن مبدأ المساواة بين المكلفين بالجزية متحقق على الوجه الأكمل, ومعنى هذا أن العمومية الشخصية بالنسبة للجزية قد تحققت إلى أقصى درجة ممكنة.
أما بالنسبة للعمومية المادية في الجزية فنقول:
إذا كانت الجزية واجبة على الذكر البالغ العاقل القادر على أدائها -كما ذكرنا- إلا أنه يشترط أن يكون له مال يدفع منه ما فرض عليه من جزية, فالجزية تجب في
стр. 247
المال, ولهذا أُعفي منها الأعمى, والمقعد, والفقير, والمسكين, وهذا يُفهم من قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: من الآية: ٢٩) والإعطاء يكون بالضرورة من المال الذي يكون في حوزة الأفراد, سواء بالدفع, أو بالضمان, ولذلك فاوت عمر بن الخطاب في مقدار الجزية؛ تبعًا لمقدار المال الذي يملكه الممول, فإذا كثر ماله زيد عليه مقدارها, وإن قل ماله نقص مقدراها, فقد أقر الزيادة فيها على أهل الشام, والعراق؛ لغناهم, وخفضها على أهل اليمن؛ لقلة مواردهم المالية.
وإذا كانت الجزية أصلها الدراهم, والدنانير, والطعام, إلا أنه يجوز أخذ العروض, والحيوان, بدلًا من النقدين, فقد كان عمر بن الخطاب يأخذ فيها الإبل, وكانت تأتيه من الشام نعم كثير من الجزية, وكان علي بن أبي طالب يأخذها من كل ذي صنع من صاحب الإبر إبرًا, ومن صاحب المسان مسان, ومن صاحب الحبال حبالًا, أي أنهم كانوا يراعون ظروف المكلف, ولا يضيقون عليه.
العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الجزية
ونتحدث الآن عن العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الجزية:
رأينا كيف اهتم التشريع الإسلامي بتحقيق العمومية في الجزية, سواء كانت العمومية الشخصية, أو العمومية المادية, إلا أنه لم يكتف بتأكيد هذا, بل عمل على ضمان تحققها, فقد تكون العمومية متوفرة, ولكن قد يأتي العمل ليخل بها, وبالتالي نجد التشريع الإسلامي في نفس الوقت الذي يهتم فيه بإظهار الجوانب المختلفة لهذه العمومية, يعمل جاهدًا على إبعاد كل ما من شأنه الإخلال بها.
стр. 248
وهناك عدة عوامل تساعد على ضمان تحقيق العمومية في الجزية, ومن أهمها: منع الازدواج في الجزية, وتجنب الراجعية في الجزية, ومحاربة التهرب من الجزية.
فبالنسبة لمنع الازدواج في الجزية:
ورد في الآثار التي رويت في صلح نجران, أن عليهم ألفي حلة من حلل الأواقي, في كل رجب ألف حلة, وفي كل صفر ألف حلة, مع كل حلة أوقية من الفضة, فما زادت على الخراج, أو نقصت عن الأواقي فبالحساب, وبذلك تكون السنة المطهرة قد أرشدت إلى أن الازدواج في الجزية ظلم, ومن ثم فلا ازدواج فيها, ودل على ذلك أن ما زاد على الخراج من صلح النصارى نجران كان بالحساب, فيرد إليهم الفرق, أو يحسب من جزاء السنة القادمة, وأرشد إلى ذلك قوله ﷺ : ((ألا من ظلم معاهدًا, أو كلفه فوق طاقته, أو انتقصه, أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه, فأنا حجيجه يوم القيامة)).
وتطبيقًا لعدم الازدواج في الجزية كانت تختم رقاب المكلفين بالجزية وقت الجباية, حتى يفرغ من عرضهم, ثم تكسر الخواتيم, كما فعل بهم عثمان بن حنيف, إن سألوا كسرها, وكذلك ما روي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى عماله أن يختموا رقاب أهل الذمة؛ وذلك إحكامًا للدقة في الجباية, حتى لا يفلت من الضريبة من فرضت عليه, وحتى لا تكون هناك ثنية في الجزية, يعني ازدواج في الجزية.
هذا وقد نظمت طريقة أداء الضريبة, حيث أمر ولاة الأمور جباةَ الضريبة أن يعطوا الممولين ما يثبت أنهم دفعوا المستحق عليهم؛ ليكون ذلك حجة لهم تمنع المطالبة به مرة أخرى في نفس السنة عن المال نفسه. وبالنسبة لمنع الازدواج في الجزية نقول: الأصل أن توزع الأعباء, أي أعباء الجزية على المكلفين بها توزيعًا عادلًا, يتفق وقدرة المكلفين المالية, وبحيث لا
стр. 249
يؤدي المكلف القدر الواجب عليه مرتين في نفس السنة, فإذا حدث ازدواج في أداء الجزية, فإن الشخص الذي لحقه هذا الازدواج يكون قد تحمل عبئًا ماليًّا, أكبر من العبء الذي يتحمله مكلف آخر له نفس المقدرة المالية التي للمكلف الأول, وبهذا تنتفي المساواة بين المتماثلين, وفي هذا إهدار لمبدأ المساواة الذي يجب أن يسود بين المكلفين بأداء الجزية, ومن ناحية أخرى فإن الشخص الذي لحقه الازدواج سيفقد الثقة في الجهاز القائم على تحصيل الجزية؛ نتيجة شعوره بظلم وقع عليه, وهذا ما قد يؤدي إلى التهرب ما يجب عليه من جزية, والتهرب -كما ذكرنا سابقًا- يهدر مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل التكاليف المالية المقررة, أما في حالة العمل على منع هذا الازدواج فإن كل مكلف سيتحمل قدرًا من التكاليف المالية, يتناسب مع مقدرته المالية, وبالتالي سيتحقق مبدأ المساواة بين المواطنين في تحمل التكليف بالجزية.
وبالنسبة لموضوع تجنب الراجعية في الجزية نقول:
فُرضت الجزية على أهل الذمة, وحُدد مقدراها, والخاضعون لها, فقد بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن, وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارًا, أو عدله من المعافر, كما حدد عمر بن الخطاب مقدار الجزية, وجعلها متدرجة, ففرضت على الغني جزية مقدارها ٤٨ درهمًا في السنة, وفرضت على المتوسط بمقدار ٢٤ درهمًا في السنة, وفرضت على العامل اليدوي ١٢ درهمًا في السنة, وحُدد ميعاد أداء الجزية بما يتفق ومصلحة المكلفين, وكان ذلك يختلف باختلاف الجهات, والأقطار, وهي عادة تؤخذ عند نهاية الموسم الزراعي, وعند بيع الغلة؛ تيسيرًا على دافعيها, وهذه الجزية محددة المقدار ولا يجوز تعديلها من أي من الأطراف المتعاقدة,
стр. 250
أما في حالة عدم النص على مقدار الجزية في عقد الصلح, فلولي الأمر أن يضع عليهم الجزية حسب مقدرتهم التكليفية, فقد رَوي ابن شهاب أن عمر بن الخطاب كان يأخذ ممن صالحه من أهل العهد ما صالحهم عليه, لا يضع عنهم شيئًا, ولا يزيد عليهم, ومن نزل منهم على الجزية ولم يسم شيئًا نظر عمر في أمورهم, فإن احتاجوا خفف عنهم, وإن استغنوا زاد عليهم بقدر استغنائهم.
ويتبين لنا من خلال ما تقدم أن التشريع الإسلامي راعى في تنظيمه للقوانين المنظمة للجزية عدم كثرة تلك القوانين, وجعلها واضحة محددة, لا تثير أي تحايل, ومن ثم سد الباب أمام التفسيرات والاجتهادات المختلفة بالنسبة لهذه القوانين, وبالتالي قضى على الثغرات التي بواسطتها قد يتمكن المكلف بالجزية من نقل عبء الجزية الذي يتحمله إلى غيره من المكلفين بها, وهذا معناه تجنب الراجعية في الجزية, وبتجنب تلك الرجعية تتحقق المساواة بين المكلفين في تحمل التكليف بالجزية, كل حسب مقدرته المالية.
وبالنسبة لمحاربة التهرب من أداء الجزية نقول:
عمل المسلمون على محاربة التهرب من أداء الجزية, فقد جاءت في المعاهدة التي تمت بين حبيب بن مسلمة, وبعض البلاد التي افتتحها: بالأمان لكم, ولأولادكم, ولأهاليكم, وأموالكم, وصوامعكم, وبيعكم, ودينكم, وصلواتكم, على إقرار بصغار بالجزية, على أهل كل بيت دينار واف, ليس لكم أن تجمعوا بين متفرق من الأهلات -أي البيوتات- استصغارًا منكم للجزية, ولا لنا أن نفرق بين مجتمع؛ استكثارًا منا للجزية.
следующие страницы →