← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11313

السياسة الشرعية - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (825 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

في عهد الروم, ولما رأى إصرار المسلمين على أخذ الجزية منه؛ مساواة له بغيره في هذا الشأن, ترك البلاد, ورحل إلى بلاد الروم, من أجل ألا يؤدي الجزية للمسلمين, وهكذا نرى أن ديننا الذي ينادي بالمساواة بين الناس لم يحاب ملك غسان, وهو جبلة بن الأيهم, ولم يعفه من الجزية, رغم أنه عزيز في قومه, وعزيز لدى الروم, فكانوا يعفونه منها, فقد كان منطق الروم جائرًا في فرض الجزية, حيث كانوا يأخذونها من الفلاح, ويعفون منها القادرين؛ لقربهم من الإمبراطور, ولما لهم من مراكز في المجتمع, هذا المنطق لا يقره الإسلام, فالجزية تجب على كل شخص توافرت فيه شروطها, مهما كان مركزه الاجتماعي, ولذا طلب حكام المسلمين الجزية من ملك غسان كما رأينا, وفي هذا المعنى يقول أبو يوسف في كتابه (الخراج): ولا يحل للوالي أن يدع أحدًا من النصارى, واليهود, والمجوس, والصابئين, والسامرة, إلا أخذ منهم الجزية, ولا يرخص لأحد منهم في ترك شيء من ذلك, ولا يحل أن يدع واحدًا ويأخذ من واحد, ولا يسع ذلك؛ لأن دمائهم, وأموالهم, إنما أُحرزت بأداء الجزية. ومن هذا نرى أن مبدأ المساواة بين المكلفين بالجزية متحقق على الوجه الأكمل, ومعنى هذا أن العمومية الشخصية بالنسبة للجزية قد تحققت إلى أقصى درجة ممكنة. أما بالنسبة للعمومية المادية في الجزية فنقول: إذا كانت الجزية واجبة على الذكر البالغ العاقل القادر على أدائها -كما ذكرنا- إلا أنه يشترط أن يكون له مال يدفع منه ما فرض عليه من جزية, فالجزية تجب في

стр. 247

المال, ولهذا أُعفي منها الأعمى, والمقعد, والفقير, والمسكين, وهذا يُفهم من قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: من الآية: ٢٩) والإعطاء يكون بالضرورة من المال الذي يكون في حوزة الأفراد, سواء بالدفع, أو بالضمان, ولذلك فاوت عمر بن الخطاب في مقدار الجزية؛ تبعًا لمقدار المال الذي يملكه الممول, فإذا كثر ماله زيد عليه مقدارها, وإن قل ماله نقص مقدراها, فقد أقر الزيادة فيها على أهل الشام, والعراق؛ لغناهم, وخفضها على أهل اليمن؛ لقلة مواردهم المالية. وإذا كانت الجزية أصلها الدراهم, والدنانير, والطعام, إلا أنه يجوز أخذ العروض, والحيوان, بدلًا من النقدين, فقد كان عمر بن الخطاب يأخذ فيها الإبل, وكانت تأتيه من الشام نعم كثير من الجزية, وكان علي بن أبي طالب يأخذها من كل ذي صنع من صاحب الإبر إبرًا, ومن صاحب المسان مسان, ومن صاحب الحبال حبالًا, أي أنهم كانوا يراعون ظروف المكلف, ولا يضيقون عليه. العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الجزية ونتحدث الآن عن العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الجزية: رأينا كيف اهتم التشريع الإسلامي بتحقيق العمومية في الجزية, سواء كانت العمومية الشخصية, أو العمومية المادية, إلا أنه لم يكتف بتأكيد هذا, بل عمل على ضمان تحققها, فقد تكون العمومية متوفرة, ولكن قد يأتي العمل ليخل بها, وبالتالي نجد التشريع الإسلامي في نفس الوقت الذي يهتم فيه بإظهار الجوانب المختلفة لهذه العمومية, يعمل جاهدًا على إبعاد كل ما من شأنه الإخلال بها.

стр. 248

وهناك عدة عوامل تساعد على ضمان تحقيق العمومية في الجزية, ومن أهمها: منع الازدواج في الجزية, وتجنب الراجعية في الجزية, ومحاربة التهرب من الجزية. فبالنسبة لمنع الازدواج في الجزية: ورد في الآثار التي رويت في صلح نجران, أن عليهم ألفي حلة من حلل الأواقي, في كل رجب ألف حلة, وفي كل صفر ألف حلة, مع كل حلة أوقية من الفضة, فما زادت على الخراج, أو نقصت عن الأواقي فبالحساب, وبذلك تكون السنة المطهرة قد أرشدت إلى أن الازدواج في الجزية ظلم, ومن ثم فلا ازدواج فيها, ودل على ذلك أن ما زاد على الخراج من صلح النصارى نجران كان بالحساب, فيرد إليهم الفرق, أو يحسب من جزاء السنة القادمة, وأرشد إلى ذلك قوله ﷺ : ((ألا من ظلم معاهدًا, أو كلفه فوق طاقته, أو انتقصه, أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه, فأنا حجيجه يوم القيامة)). وتطبيقًا لعدم الازدواج في الجزية كانت تختم رقاب المكلفين بالجزية وقت الجباية, حتى يفرغ من عرضهم, ثم تكسر الخواتيم, كما فعل بهم عثمان بن حنيف, إن سألوا كسرها, وكذلك ما روي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى عماله أن يختموا رقاب أهل الذمة؛ وذلك إحكامًا للدقة في الجباية, حتى لا يفلت من الضريبة من فرضت عليه, وحتى لا تكون هناك ثنية في الجزية, يعني ازدواج في الجزية. هذا وقد نظمت طريقة أداء الضريبة, حيث أمر ولاة الأمور جباةَ الضريبة أن يعطوا الممولين ما يثبت أنهم دفعوا المستحق عليهم؛ ليكون ذلك حجة لهم تمنع المطالبة به مرة أخرى في نفس السنة عن المال نفسه. وبالنسبة لمنع الازدواج في الجزية نقول: الأصل أن توزع الأعباء, أي أعباء الجزية على المكلفين بها توزيعًا عادلًا, يتفق وقدرة المكلفين المالية, وبحيث لا

стр. 249

يؤدي المكلف القدر الواجب عليه مرتين في نفس السنة, فإذا حدث ازدواج في أداء الجزية, فإن الشخص الذي لحقه هذا الازدواج يكون قد تحمل عبئًا ماليًّا, أكبر من العبء الذي يتحمله مكلف آخر له نفس المقدرة المالية التي للمكلف الأول, وبهذا تنتفي المساواة بين المتماثلين, وفي هذا إهدار لمبدأ المساواة الذي يجب أن يسود بين المكلفين بأداء الجزية, ومن ناحية أخرى فإن الشخص الذي لحقه الازدواج سيفقد الثقة في الجهاز القائم على تحصيل الجزية؛ نتيجة شعوره بظلم وقع عليه, وهذا ما قد يؤدي إلى التهرب ما يجب عليه من جزية, والتهرب -كما ذكرنا سابقًا- يهدر مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل التكاليف المالية المقررة, أما في حالة العمل على منع هذا الازدواج فإن كل مكلف سيتحمل قدرًا من التكاليف المالية, يتناسب مع مقدرته المالية, وبالتالي سيتحقق مبدأ المساواة بين المواطنين في تحمل التكليف بالجزية. وبالنسبة لموضوع تجنب الراجعية في الجزية نقول: فُرضت الجزية على أهل الذمة, وحُدد مقدراها, والخاضعون لها, فقد بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن, وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارًا, أو عدله من المعافر, كما حدد عمر بن الخطاب مقدار الجزية, وجعلها متدرجة, ففرضت على الغني جزية مقدارها ٤٨ درهمًا في السنة, وفرضت على المتوسط بمقدار ٢٤ درهمًا في السنة, وفرضت على العامل اليدوي ١٢ درهمًا في السنة, وحُدد ميعاد أداء الجزية بما يتفق ومصلحة المكلفين, وكان ذلك يختلف باختلاف الجهات, والأقطار, وهي عادة تؤخذ عند نهاية الموسم الزراعي, وعند بيع الغلة؛ تيسيرًا على دافعيها, وهذه الجزية محددة المقدار ولا يجوز تعديلها من أي من الأطراف المتعاقدة,

стр. 250

أما في حالة عدم النص على مقدار الجزية في عقد الصلح, فلولي الأمر أن يضع عليهم الجزية حسب مقدرتهم التكليفية, فقد رَوي ابن شهاب أن عمر بن الخطاب كان يأخذ ممن صالحه من أهل العهد ما صالحهم عليه, لا يضع عنهم شيئًا, ولا يزيد عليهم, ومن نزل منهم على الجزية ولم يسم شيئًا نظر عمر في أمورهم, فإن احتاجوا خفف عنهم, وإن استغنوا زاد عليهم بقدر استغنائهم. ويتبين لنا من خلال ما تقدم أن التشريع الإسلامي راعى في تنظيمه للقوانين المنظمة للجزية عدم كثرة تلك القوانين, وجعلها واضحة محددة, لا تثير أي تحايل, ومن ثم سد الباب أمام التفسيرات والاجتهادات المختلفة بالنسبة لهذه القوانين, وبالتالي قضى على الثغرات التي بواسطتها قد يتمكن المكلف بالجزية من نقل عبء الجزية الذي يتحمله إلى غيره من المكلفين بها, وهذا معناه تجنب الراجعية في الجزية, وبتجنب تلك الرجعية تتحقق المساواة بين المكلفين في تحمل التكليف بالجزية, كل حسب مقدرته المالية. وبالنسبة لمحاربة التهرب من أداء الجزية نقول: عمل المسلمون على محاربة التهرب من أداء الجزية, فقد جاءت في المعاهدة التي تمت بين حبيب بن مسلمة, وبعض البلاد التي افتتحها: بالأمان لكم, ولأولادكم, ولأهاليكم, وأموالكم, وصوامعكم, وبيعكم, ودينكم, وصلواتكم, على إقرار بصغار بالجزية, على أهل كل بيت دينار واف, ليس لكم أن تجمعوا بين متفرق من الأهلات -أي البيوتات- استصغارًا منكم للجزية, ولا لنا أن نفرق بين مجتمع؛ استكثارًا منا للجزية.

стр. 251

معنى ذلك أنه فرض عليهم, على كل بيت دينارًا, لكن طلب منهم أن لا يضموا البيوت إلى بعضها, وبالتالي يدفعوا دينارًا واحدًا, وأيضًا بين لهم أننا لن نظلمهم, ولن نأخذ إلا من كل بيت دينارًا واحدًا, فهذا يدل على أنه لا يجوز الجمع بين المتفرق من العائلات, بقصد التحايل لإنقاص الجزية؛ لأن كل بيت مطالب بدينار, فلو جمعوا عائلتين أو أكثر في عائلة واحدة, لنقص المقدار الواجب عليه. وأيضًا فإن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله على الجزية أن يختموا رقاب أهل الذمة؛ وذلك إحكامًا للدقة في الجباية, حتى لا يفلت من الضريبة -أي يتهرب منها- من فرضت عليه. وسائل مكافحة التهرب من الجزية: هناك العديد من الوسائل التي من شأنها العمل على منع التهرب من أداء الجزية, نذكر من أهمها: أولًا: عدل عمال الجباية: إن من أهم الأسباب التي تدعو الممولين إلى التهرب من الالتزام المالي الواجب عليهم, هو ظلم عمال الجباية, فالرفق بالممولين -كما يقول ابن خلدون- يزيد من حصيلة الضريبة, والظلم ينقصها, بل قد يؤدي إلى خراب البلاد, وأيضًا فإن محاباة بعض المتكلفين بالمعاملة الحسنة من جانب عمال الجباية من شأنه أن يدعو غير المحابين من المكلفين بالتهرب من أداء ما يجب عليهم من الجزية, وذلك بسبب التفرقة بينهم وبين غيرهم في المعاملة من جانب عمال الجباية, ولذلك نجد

стр. 252

أن تعاليم الإسلام دعت إلى أن يكون عمال الجباية عادلين في معاملتهم للممولين, رفقاء بهم, فلا يفرق الجابي بين مسلم وغير مسلم, ولا يكلفه ما لا يطيق, ولا يضربه, ولا يحبسه, ولا يجعل في أبدان المكلفين شيئًا يكرهونه, ولكن يكون رفيقًا بهم, فقد روي عن هشام بن حكيم بن حزام أنه مر على قوم يعذبون في الجزية بفلسطين, فقال هشام: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا)). وكثيرًا ما أوصى الخلفاء عمالَ الجزية بمراعاة العدالة في تحصيلها, وحسن معاملة المكلفين بها, وعدم تكليفهم ما لا يطيقون, ومن الأدلة على ذلك ما رواه أبو عبيد من أن عمر بن الخطاب ﵁ أتاه مال كثير من الجزية, فقال لعمال الجزية: إني لأظنكم قد أهلكتم الناس, قالوا: لا والله ما أخذنا إلا عفوًا, قال: فلا صوت, ولا نوط؟ يعني: لم تضربوا الناس؟ قالوا: نعم, قال: الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي, ولا في سلطاني, فقد خشي عمر بن الخطاب -رضوان الله ﵎ عليه- عندما رأى هذا المال الكثير الذي جاءوا به, خشي أن يكون ذلك بسبب أنهم أخذوا ما لا يستحقون من أهل الذمة, وتأكد من أنهم لم يظلموا أهل الذمة, وبالتالي حمد الله ﵎ أنه لم يكن هناك ظلم لأهل الذمة في عهده. ومن الأدلة الدالة لى أن التشريع الإسلامي لا يسمح لعمال الجزية بظلم المكلفين بها, بل يأمرهم بالرفق بهؤلاء المكلفين, وبتحقيق المساواة التامة بينهم, ما جاء في الأمر الذي وُجد بين أوراق البردي اليونانية المحفوظة في المتحف البريطاني, والتي نقلها إلينا الدكتور "تِرْتُن" في كتابه (أهل الذمة في الإسلام) فقد نقل إلينا كلامًا من هذا الأمر موجهًا من حكام المسلمين إلى من يتولى أمر الجزية جاء فيه:

стр. 253

ولا تجعلنا نعرفك أنك قد ختمت أهل كورتك -يعني بلدتك- بأي صورة من الصور في مسألة الضريبة التي كلفت بها, أو أنك حابيت, وظلمت أحدًا في جمعها؛ لأننا نعرف أن الأشخاص المكلفين بدفعها لا بد وألا يطيعوا بعض أوامرك, فإذا وجدت أنهم -أي عمال الجزية- قد عاملوا أحدًا ما بلين زائد, نتيجة محابتهم إياه, أو أثقلوا عليه غاية الإثقال؛ لكراهيتهم إياه, فإننا سنقتص منهم في أشخاصهم, وأملاكهم؛ تنفيذًا للشرع, ومن ثم أنذرهم, وحذرهم, وأخبرهم ألا يرهقوا عاملًا, وألا يحملوه ما لا يطيق, حتى ولو كان بعيدًا عنهم, أو ليس من زمرتهم, في جمع الضريبة, ولكن تجب معاملة الجميع بالعدل, وأخذ الشيء من كل منهم بقدر طاقته, هذا كلام منقول عن غير المسلمين يشهدون للمسلمين بالعدل, وقد ورد هذا الكلام في كتاب (أهل الذمة في الإسلام) تأليف الدكتور "تِرْتُن" ترجمة حسن حبش, الطبعة الثانية ١٩٦٧ الناشر دار المعارف بمصر, صفحة ١٦٣ وما بعدها. وهذا النقل عن كتاب "تِرْتُن" في كتابه (أهل الذمة) يبين أن الولاة كانوا يأمرون الذين يتولون أمر جباية الجزية والخراج بأن يراقبوا عمال الجباية, ويطلبوا منهم ألا يظلموا أحدًا, حتى ولو كان بعيدًا عنهم, ليس في زمرتهم, ولا يمشي معهم, ولا غير ذلك, وهذه شهادة من غير المسلمين على عدل المسلمين في جبايتهم للجزية. وهكذا نجد أن الإسلام يأمر عمال الجزية بتحقيق العدالة الكاملة بالنسبة للمكلفين بالجزية, ولا شك أنه سيكون لذلك أثر طيب في نفوس هؤلاء المكلفين, حيث يجعلهم لا يفكرون مطلقًا في التهرب من أداء المقدار الواجب عليهم من هذه الضريبة, الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تحقيق المساواة الكاملة بين المكلفين بأداء الجزية, كل حسب مقدرته المالية.

стр. 254

وبالنسبة لحصر الممولين, والذي يساعد على منع التهرب من دفع الجزية نقول: إن حصر الممولين, وأموالهم, من شأنه أن يؤدي إلى إمكان تقدير الجزية, وجبايتها بكل دقة, وبالتالي يمنع التهرب من أداء الجزية, ويدل على ذلك أن عمر بن الخطاب أمر بإحصاء أهل السواد, فأحصوا, ووضعت عليهم الجزية, كذلك فعل عبد الملك بن مروان, حيث بعث إلى عامله على الجزيرة الضحاك بن عبد الرحمن الأشعري, وأمره أن يحصي الجماجم -أي الناس- وجعل الناس كلهم عمالًا بأيديهم, وحسب ما يكسب العامل في سنته كلها, ثم طرح من ذلك نفقته في طعامه, وأدمه, وكسوته, وطرح أيام الأعياد في السنة كلها, فوجد الذي يحصل بعد ذلك في السنة لكل واحد أربعة دنانير, فألزمهم دفعها, أي أنه راعى مصالحهم الشخصية, راعى ما يحتاجون إليه, ولم يفرض الجزية إلا على القدر الزائد عن حوائجهم, وهذا يدل على مراعاة العدالة التي التزم بها المسلمون مع أهل الذمة. التنفيذ على أموال المتخلفين عن أداء الجزية: ومن الوسائل التي من شأنها أن تؤدي إلى منع التهرب من أداء الجزية التنفيذ جبرًا على أموال المتخلفين عن أداء الجزية, فإذا امتنع أهل الذمة من أداء الجزية, فيعتبر بعض الفقهاء أن ذلك يعد نقضًا لعهدهم, وتؤخذ منهم الجزية جبرًا كالديون, نقول ومن الوسائل التي من شأنها أن تؤدي إلى منع التهرب من أداء الجزية حبس المتهرب من أدائها حتى يؤديها, وفي هذا المعنى يقول أبو يوسف: ويحبسون أهل الذمة حتى يؤدوا ما عليهم, ولا يخرجون من الحبس حتى تستوفى منهم الجزية. هذه هي أهم الوسائل الكفيلة بمنع التهرب من أداء الجزية, والأخذ بها -ولا شك- من شأنه أن يكون حائلًا بين من تسول نفسه التهرب من أداء الجزية, وبين

стр. 255

هذا التهرب, ونحن نعرف أن القضاء على التهرب من أداء الجزية معناه أن يساهم جميع أهل الذمة, الذين توافرت بالنسبة لهم شروط وجوب الجزية, أن يساهموا في الأعباء المالية المقررة عليهم في الدولة دون استثناء, وبالتالي تتحقق المساواة الكاملة بين المكلفين بأداء الجزية في تحمل عبئها. مراعاة ظروف المكلفين بالجزية ونريد أن نتحدث عن مراعاة ظروف المكلفين بالجزية فنقول: الذكور البالغون العاقلون القادرون من أهل الذمة, والمكلفون بأداء الجزية, إنما يساهمون في الأعباء المالية عن طريق دفع الجزية, كل حسب مقدرته المالية, فالتكليف يكون بما في الوسع والطاقة؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها, ولذلك لا يجوز ظلمه ذلك في ذلك؛ لقوله ﷺ : ((ألا من ظلم معاهدًا, أو انتقصه, أو كلفه فوق طاقته, أو أخذه منه شيئًا بغير طيب نفس منه, فأنا حجيجه يوم القيامة)) فالمقدار الذي يؤخذ منهم في الجزية يجب أن يراعي فيه مقدرتهم المالية, وكافة ظروفهم العائلية, وهذا المقدار يختلف من فرد لآخر, بل يختلف من الفرد الواحد من زمن إلى زمن آخر, كما يختلف تبعًا للبيئة, لذلك ينبغي ألا يحدد مقدار بعينه, فإذا كثر مال ممول زيد عليه مقدار الجزية, وإن قل ماله نقص مقدارها, ونجد ذلك واضحًا فيما أشار به معاذ بن جبل على أبي عبيدة بن الجراح, في صلح "الرها" إذ يقول: إنك إن أعطيتهم الصلح على شيء مسمى فعجزوا عنه, لم يكن لك أن تقتلهم, ولم نجد بدًّا من إبطال ما اشترط عليهم من التسمية, وإن أيسروا أدوه على غير الصغار الذي أمر الله به فيه, فاقبل منهم الصلح, وأعطهم إياه على أن يؤدوا الطاقة, يعني بمقدار ما يستطيعون, وحسب مقدرة المكلف المالية, فإن

стр. 256

أيسروا أو أعسروا لم يكن لك عليهم إلا ما يطيقون, وتم لك شرطك, ولم يبطل, فقبل ذلك أبو عبيدة. فهذا يدل على أنه الأفضل ألا تحدد الجزية مبلغًا معينًا كل سنة على الجميع، وإنما ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف كل شخص, تبعًا لمقدرته المالية. وأيضًا نجد أن عمر بن الخطاب ﵁ فاوت في مقدار الجزية, تبعًا لمقدار المال الذي يملكه الممول, فإذا كثر ماله زيد عليه مقدارها, وإن قل ماله نقص مقدارها, فقد زاد هذا المقدار على أهل الشام, وأهل العراق؛ لغناهم, وخفض هذا المقدار على أهل اليمن؛ لقلة مقدرتهم المالية. والتفاوت في مقدار الجزية تبعًا للمقدرة التكلفية للممول, يعتبر من أرقى المبادئ التي تحاول أن تصل إليها النظم المالية الحديثة, بالنسبة للضرائب, وهو العدالة في الضرائب, فالتفاوت في المقدار الواجب إنما يؤدي إلى مراعاة المقدرة التكلفية للممولين, ويعتبر أساس فكرة المساواة التي روعيت فيها العدالة؛ لأن المساواة بين غير المتماثلين ظلم. وقد روعيت ظروف المكلف بالجزية في نواح عدة, نتناول أهمها فيما يلي: إعفاء غير القادرين من أداء الجزية: إذا كنا قد رأينا من خلال الكلام عن المساواة في الزكاة أن ما دون النصاب يعفى من الزكاة, فإن الأمر لا يختلف بالنسبة للجزية, فهي لا تؤخذ من كل مال, بل أعفي منها المال اليسير الذي لا ينفي عن صاحبه صفة الفقر, ولا يثبت له وصف الغنى, فالجزية تؤخذ من عفو مال الذمي, وفي هذا يقول عبد الله بن عباس: ليس في أموال أهل الذمة إلإ العفو, يعني ما يزيد على ما يحتاجون إليه.

стр. 257

وإذا كان المأخوذ هو العفو, أي ما زاد عن الحاجات الأصلية, فإنه يترتب على ذلك إعفاء غير القادرين ممن لا تحتمل طاقتهم التكليف بالجزية, ويدل على ذلك ما روي في كتاب الرسول ﷺ إلى أهل نجران, وجميع النصارى, من أنه ولا خراج ولا جزية إلا على من يكون في يديه ميراث من ميراث الأرض, ممن يجب عليه فيه للسلطان حق, فيؤدي ذلك على ما يؤديه مثله, ولا يجار عليه, ولا يحصل منه إلا قدر طاقته, وقوته على عمل الأرض وعمارتها, وإقبال ثمرتها, ولا يكلف شططًا, ولا يتجاوز به حد أصحاب الخراج من نظرائه. فالرسول ﷺ في هذا يأمر بالمساواة بين المكلفين, متى كانت ظروفهم متماثلة, ولا يكلف الممول فوق طاقته, وأن من ليس عنده مقدرة على دفع الجزية يعفى منها, يدل على ذلك ما ورد في الكتاب: لا خراج, ولا جزية, إلا على من يقوم في يده ميراث من ميراث الأرض, وهذا معناه إعفاء غير القادرين من أداء الجزية. ومما يدل على ذلك أيضًا أن عمر بن الخطاب أسقط الجزية أربعة وعشرين شهرًا عن نصارى نجران, حين أجلاهم إلى العراق, حتى يستقروا, ويبدءوا الإنتاج. ويتضح من ذلك أن الفترة ما بين الإجلاء, وبدأ الإنتاج, وهي أربعة وعشرون شهرًا, لم يكن فيها لدى أهل نجران أموال تكفي لأن تكون وعاء للجزية, وبالتالي لم يتحقق بالنسبة لهم وصف الغنى الذي هو شرط لوجوب الجزية, ولذلك أعفاهم عمر بن الخطاب من الجزية في تلك الفترة. ونكتفي بهذا القدر من المحاضرة استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٢ - تابع: الجزية، ثم الحديث عن الخراج تابع: مراعاة ظروف المكلفين بالجزية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: نواصل الحديث عن الأدلة التي تدل على أن الشريعة راعت ظروف هؤلاء المكلفين بالجزية وأعفت غير القادرين منها، فنقول: من الأدلة على ذلك ما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه- أسقط الجزية عن المسكين الذي يتصدق عليه، فقد روي أن عمر بن الخطاب -رضوان الله عليه- مر بباب قوم

стр. 258

وعليه سائل يسأل شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي، فقال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل -يعني: أعطاه شيئا- ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال له: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم، أي: عند الكبر، ثم قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (التوبة: من الآية: ٦٠) والفقراء هم: المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن أمثاله، يرجع في ذلك إلى (الخراج) لأبي يوسف. ومن الأدلة أيضًا أنه قد جاء في كتاب صلح الحيرة أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غينًا فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته يعني: لن تؤخذ منه الجزية، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام في دار الإسلام أي: أنه إذا أصابته آفة الفقر لا تؤخذ منه الجزية، وأيضًا يعطى من بيت مال المسلمين ما يكفيه هو وأولاده. أيضًا أنه قد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامله عدي بن أرطأة كتاب جاء فيه: ثم انظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنة وولت عنه المكاسب، فأجري عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، انظر إلى من كان عندك أصبح كبيرًا من أهل الذمة ولم يستطع أن يتكسب الأموال فأعطه من بيت مال المسلمين، فلو أن رجلًا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب، كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق، يرجع في ذلك إلى (أحكام أهل الذمة) لابن قيم الجوزية، القسم الأول: صـ٣٧ وما بعدها الطبعة الأولى المحققة ١٩٦١. وأيضًا ما روي أن عثمان بن حنيف قد قسّم الممولين إلى طبقات حسب المقدرة المالية لكل منهم، وأخضع كل طبقة لمقدار معين على النحو التالي:

стр. 259

الفئات غير القادرة ولا دخل لها معفاة من الجزية. العامل بيده مثل الخياط عليه اثني عشر درهمًا سنويًّا. المتوسط من أهل التجارة والصناعة عليه أربعة وعشرين درهمًا. الموسرون من أهل التجارة والصناعة على كل واحد ثمانية وأربعين درهمًا سنويًّا. ومن ذلك نرى أن الطبقات غير القادرة أي: الفقراء معفون من الجزية؛ لأنهم عاجزون عن دفعها، ولا واجب مع عجز، وإعفاء غير القادرين من أداء الجزية من الممكن أن نعتبره مقابلًا لإعفاء ما دون النصاب في الزكاة، كما سبق توضيح ذلك وهذا الإعفاء فيما نعتقد لا يتعارض مع مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل الأعباء المالية المقررة في الدولة؛ وذلك لأن التكليف إنما يكون بما في الوسع والطاقة، والفقير لا طاقة مالية له، فإعفاؤه من أداء الجزية لا يتعارض مع مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل التكليف بالجزية. ومن الأمور التي تراعى بالنسبة لظروف الممول، إعفاء الحد الأدنى اللازم للمعيشة من الجزية، إن ضمان حد الكفاية والذي سبق ذكره حين الكلام عن المساواة في الزكاة يجب توافره لكل مواطن يعيش في مجتمع إسلامي أيًّا كانت ديانته وأيًّا كان جنسه، وهذا قد تعرض له بالتفصيل دكتور/ محمد شوقي الفنجري في كتابه (الإسلام والمشكلة الاقتصادية) صـ٦٧ وما بعدها. وتطبيقًا لذلك نجد أن حكام المسلمين كانوا يقدرون الجزية باعتبار ما يبقى في أيدي الناس من دخلهم بعد نفقاتهم كما حدث في بلاد العراق والجزيرة، فقد حدد الفاتحون دينارًا على كل رأس، فلما تولى الحكم الخليفة عبد الحكم بن مروان

стр. 260

استقل ذلك فبعث إلى عامله هناك فأحصى الناس وحسب ما يكسب العامل في سنته كلها وطرح من ذلك نفقته في طعامه وأدمه وكسوته وطرح أيام الأعياد في السنة كلها فوجد الذي يحصل بعد ذلك أربعة دنانير لكل واحد، فألزمهم دفعها، فطرح النفقة في الطعام والكسوة من الممكن أن نعتبره من الحاجات الأصلية للمكلف، وهذا معناه أن ما يجب على المكلف بالجزية ينبغي أن يكون فيما زاد عن حوائجه الأصلية هو، ومن تلزمه نفقتهم كما هو الأمر بالنسبة للزكاة كما رأينا سابقًا، وهذا الإعفاء فيما نعتقد لا يتعارض مع مبدأ المساواة في هذا الشأن؛ لأن حاجة الإنسان مقدمة على حاجة غيره، وكذلك حاجة أهله وولده ومن يعولهم بمنزلة حاجة نفسه فكيف نطلب الجزية من المكلف الذي يحتاج إلى ما معه ويتعلق قلبه به لمسيس الحاجة إليه، وقد رأينا فيما سبق أن المقصود بالمساواة في هذا الصدد أن يتحمل كل فرد قدرًا من الأعباء المالية يتفق مع مقدرته المالية على الأداء، ولا شك أن الشخص الذي يكون في حاجة ماسة إلى المال الذي معه ليست لديه مقدرة مالية على أداء الجزية، وبالتالي فإعفاؤه منها لا يتعارض مع مبدأ المساواة بين المكلفين بالجزية في تحمل أدائها كل حسب مقدرته المالية، لكن مما تجب ملاحظته هنا أن الجزية لم تعد موجودة في العصر الحديث، يرى بعض الفقهاء أن الجزية تجب على أهل الذمة بدلًا عن عدم قيامهم بالدفاع عن الدولة الإسلامية حيث إنهم لا يصلحون للدفاع عنها بسبب كفرهم؛ لأنهم قد يميلون إلى من يحارب المسلمين لاتحادهم معهم في الدين، فالجزية تؤخذ منهم للإنفاق على الجنود الذين يدافعون عن الدولة الإسلامية، لكن إذا ظهرت صلاحية أهل الذمة للدفاع عن الوطن مع المسلمين، وذلك بإخلاصهم

стр. 261

للمسلمين واستعدادهم معهم للدفاع عن الدولة الإسلامية وانضموا بالفعل إلى الجيش الإسلامي، فهنا تسقط عنهم الجزية، ولذلك نجد أنه في العصر الحاضر نجد أن معظم البلاد الإسلامية يوجد بها ذميون وهم لا يدفعون الجزية، ويمكن تعليل ذلك بأنهم ينخرطون في الجيش المدافع عن دار الإسلام، والاشتراك في هذا الواجب أي الدفاع عن الوطن الإسلامي يسقط الجزية عنهم كما ذكرنا. وبهذا نكون قد انتهينا من التكليف بالجزية كمورد من الموارد المالية في الدولة الإسلامية. تاريخ الخراج، والعمومية فيه نتحدث الآن عن الخراج، والخراج هو الإتاوة تؤخذ من أموال الناس وهو شيء يخرجه القوم في السنة من مالهم بقدر معلوم، والخراج شرعًا هو ما يفرض على الأرض التي فتحها المسلمون عنوة أو صلحًا، فهو: ما يأخذه ولي الأمر من وظيفة الأرض، وعرف أيضًا بأنه ما وضع على رقاب الأرض من حقوق تؤدى عنها. تاريخ الخراج: الخراج ليس من محدثات الإسلام، بل كان موجودًا قبل الإسلام فهو من أقدم أنواع الضرائب التي عرفها التاريخ، حيث وجد عند الفراعنة والبطالسة والرومان والفرس، ولكن نظامه لم يكن واحد في تلك الأمم، بل كان يختلف في المقدار وكيفية الجباية.

стр. 262

العمومية في الخراج: إن العمومية في الخراج تعني أن يؤدي جميع من توافرت بالنسبة له شروط وجوب الخراج يؤدي المقدار المحدد والمفروض عليه من هذا الخراج، فلا يعفى أحد من أدائه دون مبرر، وأيضًا تعني تلك العمومية أن يفرض الخراج على جميع الأراضي التي توافرت بالنسبة لها شروط وجوب الخراج، ومعنى ذلك أن العمومية في الخراج تجمع بين الشخصية والمادية، ولذلك سوف نتحدث عن العمومية الشخصية والمادية في الخراج. فبالنسبة للعمومية الشخصية نقول: يعتبر الخراج ضريبة على إيراد العقار، وهو من الموارد المالية المستحدثة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ولقد أوجبه باعتباره ولي أمر المسلمين ورفض ما طلبه بعض أصحابه من قسمة أرض السواد كما تقسم غنيمة الجيش، وتلا عليهم آيات الفيء من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ (الحشر: من الآية: ٦) إلى قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر: من الآية: ١٠) ثم قال: فقد أشرك الله الذين يأتون من بعدكم في هذا الفيء فلو قسمته لم يبق لمن بعدكم شيء، ولقد ذهب أبو عبيد في تأويله لما فعله سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ حينما وضع نظام الخراج ووظفه على أهله أن جعله شاملًا عامًا على كل من صارت الأرض في يده، سواء كان رجلًا أو امرأة أو صبيًا أو مكاتبًا أو عبدًا، فصاروا متساوين فيها، فهو لم يستثن أحدا دون أحد، ومما يدل على ذلك أن عمر قال في دهقانة نهر الملك حين أسلمت: دعوها في أرضها تؤدى عنها الخراج فأوجب عليها ما أوجب على الرجال.

стр. 263

إذن بالنسبة للعمومية الشخصية تتسع بالنسبة للخراج أكثر منها بالنسبة للجزية كما ذكرنا، وعلى ذلك فكل الأشخاص الذين صارت أرض الخراج في أيديهم مكلفون بأداء الخراج، ومن هذا نرى أن مبدأ المساواة بين المكلفين بالخراج في تحمل عبئه قد تحقق على الوجه الأكمل، ومعنى هذا أيضًا أن العمومية الشخصية بالنسبة لضريبة الخراج قد تحققت إلى أقصى درجة ممكنة. وهنا يرد سؤال، هل يجب الخراج على المسلم؟ مادمنا نتكلم عن العمومية الشخصية في الخراج فإنه يجدر بنا أن نبين مسألة، هل يجب الخراج على المسلم؟ تتميمًا للفائدة في هذا الموضوع، وبالنسبة لهذا الأمر نجد أن الفقهاء اختلفوا فيه على رأيين: يرى جمهور الفقهاء وجوب الخراج على المسلم، سواء كان ذميًّا ثم أسلم وأرض الخراج معه، أو اشترى مسلم أرضًا خراجية من ذمي، واستدلوا على ذلك بما روي عن ابن شهاب أنه قال: كتب إليّ عمر بن الخطاب في دهقانة نهر الملك بعد ما أسلمت: أن ادفعوا إليها أرضها تؤدي عنها الخراج، ومعنى ذلك أنها أسلمت ومع ذلك فرض عليها الخراج، فمعنى ذلك أن الخراج يجب على المسلم أيضًا. ويرى بعض الفقهاء أن الخراج لا يجب على المسلم، وهو بذلك يقيس خراج الأرض على خراج الرأس أي: الجزية فكما لا تجب الجزية على المسلم بعد إسلامه فكذلك لا يجب عليه الخراج بعد إسلامه، وبالنسبة للعمومية المادية في الخراج نقول: يجب الخراج في كل أرض فتحت عنوة أو صولح أهلها على أن يقروا فيها ويؤدوا خراجها وفي كل أرض يصل إليها ماء الخراج، ينظر ذلك في (الأموال) لأبي عبيد: صـ٩٢ وما بعدها، فالأرض التي يضرب عليها الخراج

стр. 264

ابتداء إذا كانت تحت يد ذمي هي الأرض المفتوحة عنوة وقهرًا إذا أمن الإمام على أصحابها وتركها في أيديهم كما فعل عمر بن الخطاب بأرض مصر وأرض السواد وغيرها، الأرض التي صولح أهلها على وظيفة معلومة يؤدونها لما روي عن عمر أنه كان إذا صالح قومًا اشترطت عليهم أن يؤدوا من الخراج كذا وكذا، الأرض العشرية إذا تملكها ذمي فعند أبي حنيفة تصير أرضا خراجية؛ إذ لا يجب عليه العشر؛ لأنه ليس من أهل وجوبه، ولا بد من العشر أو الخراج فوجب الخراج. يرى بعض العلماء أن الأرض التي تسقى بماء الخراج حتى ولو كانت أرضًا عشرية فيها الخراج؛ لأن السقي بماء الخراج دليل على التزامه، وقد شملت ضريبة الخراج الأرض الزراعية والأرض القابلة للزراعة، وكل أرض بلغها الماء فهي صالحة للزراعة، ويجب عليها الخراج، وكل أرض أمكن زراعتها عليها الخراج وإن لم يتمكن صاحبها بتقصير منه من زراعتها، ومما سبق يتضح أن الخراج يوضع على كل أرض خراجية المزروعة بالفعل أو التي تصلح للزراعة، وإن لم تزرع بالفعل وفي هذا تحقيق للعمومية المادية في الخراج إلى أبعد الحدود الأمر الذي يترتب عليه تحقيق المساواة بين المكلفين بالخراج في تحمل عبئه. العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الخراج ونتحدث الآن عن العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الخراج فنقول: رأينا كيف اهتم التشريع الإسلامي بتحقيق العمومية في الخراج، سواء كانت عمومية شخصية أو كانت عمومية مادية، إلا أنه لم يكتفِ بذلك، بل عمل جاهدًا على ضمان تحققها؛ لأن العمومية قد تكون متوافرة، ولكن العمل قد يأتي ليخل بها، لذا نجد التشريع الإسلامي أنه في نفس الوقت الذي يهتم فيه بإظهار الجوانب المختلفة لهذه العمومية، يعمل أيضًا على إبعاد كل ما من شأنه الإخلال بها،

стр. 265

وهناك عدة عوامل من شأنها أن تساعد على ضمان تحقق العمومية في الخراج ومن أهم تلك العوامل: منع الازدواج في الخراج، في سبيل العمل على منع الازدواج في الخراج ذهب الأحناف إلى أن المسلم الذي بيده أرض خراجية لم يلزمه إلا الخراج، ويسقط عنه العشر؛ لأنه لا يجتمع العشر والخراج معًا، وعللوا ذلك بأن سببهما أي: العشر والخراج، بأن سببهما واحد وهو مئونة الأرض الخراجية، وبذلك لا يجتمع في الأرض حقان وهما العشر والخراج، واستدلوا على ما ذهبوا إليه أيضًا بما جرى عليه الولاة والأئمة من عدم الجمع بين العشر والخراج، ولم ينقل عن أحد منهم الجمع بينهما مع كثرة امتلاك المسلمين للأرض الخراجية، فصار هذا بمثابة الإجماع الذي لا تصح مخالفته. وعلى رأي الحنفية يكون أخذ العشر مع الخراج ازدواجا في الحق الواجب. أما جمهور الفقهاء فيرون وجوب الجمع بين العشر والخراج في هذه الحالة؛ وذلك لأن السبب الموجب لأحدهما مختلف، فالزكاة أو العشر تجب في الأرض الخراجية؛ لأن السبب هو المال النامي وقد تحقق النماء، وإذا تحقق السبب وجد المسبب، والخراج يجب في الأرض الخراجية؛ لأنه أجرة الأرض، وإذا اختلف سببهما انتفى الازدواج، هذا وقد نظمت الشريعة الإسلامية طريقة إثبات الضريبة التي منها الخراج، فأمر ولاة الأمور جباة الضريبة أن يعطوا الممولين ما يثبت أنهم دفعوا الضريبة؛ ليكون ذلك حجة لهم تمنع عنهم المطالبة بها مرة أخرى في نفس السنة عن المال نفسه، ويمكن الاستزادة في هذا الأمر في كتاب (الأموال) لأبي عبيد صـ٦٤١ وما بعدها، ونقول إن منع الازدواج في الخراج يحقق المساواة بين المكلفين بأدائه، فالأصل أن توزع أعباء ضريبة الخراج على المكلفين بها توزيعًا عادلًا يتفق وقدرة المكلفين

стр. 266

المالية وبحيث لا يؤدي المكلف القدر الواجب عليه مرتين في نفس السنة، فإذا حدث ازدواج في أداء الخراج فإن الشخص الذي لحقه هذا الازدواج يكون قد تحمل عبئًا ماليًا أكبر من العبء الذي يتحمله مكلف آخر له نفس المقدرة المالية التي للمكلف الأول وبهذا تنتفي المساواة بين المتماثلين، وفي هذا إهدار لمبدأ المساواة الذي يجب أن يسود بين المكلفين بأداء الخراج. ومن ناحية أخرى فإن الشخص الذي لحقه الازدواج سيفقد الثقة في عمال جباية الخراج نتيجة شعوره بظلم وقع عليه وهذا ما قد يؤدي به إلى التهرب من أداء ما يجب عليه من خراج، والتهرب كما نعلم يهدر مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل التكاليف المالية المقررة في الدولة. أما في حالة العمل على منع هذا الازدواج فإن كل مكلف سيتحمل قدرًا من التكاليف المالية يتناسب مع مقدرته المالية فحسب، وبالتالي سيتحقق مبدأ المساواة بين الممولين في تحمل التكليف بالخراج. وبالنسبة لتجنب الراجعية في الخراج نقول: إن مقدار الخراج معلوم إما على أساس مساحة الأرض إذا كان الخراج خراج وظيفة، وإما بنسبة معينة من إنتاج الأرض إذا كان الخراج خراج مقاسمة، وفي كلا النوعين يكون مقدار الخراج واضحًا، ودفع الخراج يكون مرة في السنة إذا كان خراج وظيفة ويكون كلما جني المحصول في حالة خراج المقاسمة، ويطمئن عمر بن الخطاب في خطبة له الناس على أنه لن يأخذ منهم الخراج إلا ما يستحق عليهم، ولن يفاجئهم بمقادير من المال وهي ليست مفروضة عليهم فهو يقول: ولكم عليّ أيها الناس خصال أذكرها لكم فخذوني بها، لكم عليّ ألا أجتبي شيئًا من خراجكم ولا مما أفاء الله عليكم إلا من وجهه، يراجع في ذلك (الخراج) لأبي يوسف صـ١٢٧ وما بعدها،

стр. 267

وعلى أية حال فثبات الضريبة النسبي نراه واضحًا في ضريبة الخراج، فبعض الشافعية يرون أنه متى استقر وضع الخراج على أرض فإن ذلك يصير مؤبدًا، ولا يجوز أن يزاد فيه ولا ينقص طالمًا كانت الأرض على أحوالها في سقيها وإصلاحها، ويتبين لنا من خلال ما تقدم أن التشريع الإسلامي قد راعى في تنظيمه للقوانين المنظمة للخراج عدم كثرة تلك القوانين وجعلها واضحة محددة لا تثير أي تحايل، ومن ثم سد الباب أمام التفسيرات والاجتهادات المختلفة بالنسبة لتلك القوانين، وبالتالي قضى على الثغرات التي بواسطتها قد يتمكن المكلف بالخراج من نقل عبء الخراج الذي يفرض عليه إلى غيره من المكلفين، وهذا معناه تجتب الراجعية في الخراج وبتجنب تلك الراجعية تتحقق المساواة الكاملة بين المكلفين بضريبة الخراج في تحمل عبء تلك الضريبة كل حسب مقدرته المالية. التهرب من أداء الخراج: والتشريع الإسلامي أيضًا عمل على محاربة التهرب من أداء الخراج، فقد عمل المسلمون على محاربة التهرب من أداء الخراج وذلك لتتحقق المساواة بين المكلفين بأداء الخراج، فقد رأينا فيما سبق أن التهرب من أداء المقدار الواجب من الأعباء المالية يؤدي إلى انعدام المساواة بين المكلفين في هذا الشأن، وهناك عدة وسائل من شأنها العمل على مكافحة التهرب من أداء الخراج نذكر من أهمها: أولًا: عدل عمال الجباية، من أهم الأسباب التي من شأنها أن تدعوا الممولين إلى التهرب من الالتزام الواجب عليهم هو ظلم عمال الجباية، فالظلم إذا وقع من هؤلاء العمال على الممولين نقصت حصيلة الضريبة بل قد يؤدي ذلك إلى خراب البلاد.

стр. 268

وأيضًا فإن عدم المساواة بين المكلفين في المعاملة من جانب عمال الجباية كأن يحابى بعض المكلفين دون البعض من شأن ذلك أن يدعوا غير المحابين إلى التهرب من المقدار الواجب عليهم من الخراج، ومن أجل تفادي ما سبق نجد أن تعاليم الإسلام دعت إلى أن يكون عمال الجباية عادلين مع الممولين رفقاء بهم، وقد طبق عمر بن الخطاب تلك التعاليم بكل دقة، حيث كان لا يكتفي باختيار أفاضل الصحابة لتولي الخراج بل كان يرجع إلى الممولين أنفسهم؛ ليطمئنوه بأنهم لم يظلموا في أداء الخراج، فيروى أنه كان يجبى من العراق كل سنة مائة ألف ألف أوقية، ثم يخرج إليه عشرة من أهل الكوفة، وعشرة من أهل البصرة، يشهدون أربع شهادات بالله أنه من طيب ليس فيه ظلم مسلم ولا معاهد، فعشرون رجلًا يمثلون الممولين يشهدون بالله أربع شهادات أن هذا المال قد أخذ بالحق ولم يظلم فيه مسلم ولا معاهد من الممولين وهم لن يحلفوا إلا إذا كانوا متأكدين مما يحلفون عليه، ومن مصلحتهم ومصلحة من يمثلونهم أن يقولوا الحق، فتلك لا شك طريقة ناجحة لمراقبة ولاة الخراج بواسطة الممولين أنفسهم. وقد ذكر أبو يوسف شروط من يقوم بجباية الخراج في قوله لأمير المؤمنين هارون الرشيد: ورأيت -أبقى الله أمير المؤمنين- أن تتخذ قومًا من أهل الصلاح والدين والأمانة فتولهم الخراج، ثم يقول: وتقدم إلى من وليت ألا يكون عسوفًا لأهل عمله ولا محتقرًا لهم ولا مستخفًا بهم، ولكن يلبس لهم جلبابًا من اللين يشوبه بطرف من الشدة، والاستقصاء من غير أن يظلموا أو يحملوا ما لا يجب عليهم، واللين للمسلم والغلظة للفاجر والعدل على أهل الذمة وإنصاف المظلوم، والشدة على الظالم والعفو عن الناس، فإن ذلك يدعوهم إلى الطاعة، وأن تكون جبايته للخراج كما يرسم له، وترك الابتداع فيما يعاملهم به، والمساواة بينهم في مجلسه ووجهه، حتى يكون القريب والبعيد والشريف والوضيع عنده في الحق سواء.

стр. 269

ذكر ذلك في كتاب (الخراج) لأبي يوسف: صـ١١٥ وما بعدها. ولم يكتف الفقهاء باشتراط شروط معينة في عمال الخراج حتى تتحقق العدالة في التطبيق بل أضافوا إلى ذلك ضرورة رقابة هؤلاء العمال، ضمانًا لعدم خروجهم عن الحدود المرسومة لهم، وفي هذا المعنى يوصي أبو يوسف هارون الرشيد بضرورة مراقبة عمال الخراج، وذلك بأن يرسل خلف عماله قومًا من أهل الصلاح والعفاف ممن يوثق بدينه وأمانته، يسألون عن سيرة العمال وما عملوا به في البلاد، وكيف جبوا الخراج على ما أمروا به وعلى ما وظف على أهل الخراج واستقر؟ فإذا ثبت ذلك عندك وصح أخذوا بما استفضلوا من ذلك أشد الأخذ حتى يؤدوه بعد العقوبة الموجعة والنكال، حتى لا يتعدوا ما أمروا به وما عهد إليهم فيه، فإن كان ما عمل به والي الخراج من الظلم والعسف فإنما يحمل أنه قد أمر به، وقد أمر بغيره وإن أحللت بواحد منهم العقوبة الموجعة انتهى غيره واتقى وخاف، وإن لم تفعل هذا بهم تعدوا على أهل الخراج واجترءوا على ظلمهم وتعسفهم وأخذهم بما لا يجب عليهم. (الخراج) لأبي يوسف: صـ١٢٠ وما بعدها. ويوضح أبو يوسف النتائج العظيمة المترتبة على تحقيق العدالة في التطبيق فيقول: إن العدل وإنصاف المظلوم وتجنب الظلم مع ما في ذلك من الأجر يزيد به الخراج، وتكثر به عمارة البلاد، والبركة مع العدل تكون، وهي تفقد مع الجور، والخراج المأخوذ مع الجور تنقص البلاد به وتخرب، وهكذا نجد أن التشريع الإسلامي يأمر عمال الخراج بالعمل على تحقيق العدالة الكاملة في معاملتهم للمكلفين بالخراج، ولا شك أن المعاملة الطيبة لهؤلاء المكلفين من شأنها أن تترك في نفوسهم أثرًا طيبًا، من شأنه أن يجعلهم لا يفكرون على الإطلاق في التهرب من أداء المقدار الواجب عليهم من هذه الضريبة، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تحقيق المساواة الكاملة بين هؤلاء المكلفين في تحمل التكليف بالخراج.

стр. 270

ثانيا: ومن وسائل مكافحة التهرب من أداء الخراج، أن رب الأرض إذا ماطل في أداء الخراج الواجب عليه مع قدرته المالية حبس فيه وفاء له، إلا أن يوجد له مال فيباع عليه في خراجه كالمديون وإن كان لا يملك غير أرض الخراج فللسلطان الخيار في جواز بيعها فيبيع منها بقدر خراجها، أو يقوم بتأجيرها ويستوفي الخراج من مستأجرها، فإن زادت الأجرة فله زيادتها وإن نقصت كان عليه نقصانها. يراجع في ذلك (الأحكام السلطانية) للماوردي صـ١٣٢ وما بعدها، وهذه العقوبة المالية والبدينة من شأنها أن تردع من تسول له نفسه التهرب من أداء المقدار الواجب عليه من الخراج، فلا يتهرب من ذلك وبالتالي تتحقق المساواة الكاملة بين المكلفين في تحمل التكليف بالخراج كل حسب مقدرته المالية. ثالثا: ومن الوسائل أيضًا التي تمنع التهرب من أداء الخراج، حصر الممولين وأموالهم لمعرفة مقدار الضريبة وجبايتها كاملة، فقد أمر عمر بن الخطاب بمسح السواد فبلغ ستة وثلاثين ألف ألف جريب فوضع عليها الخراج، يراجع في ذلك (الخراج) لأبي يوسف صـ٣٨ وما بعدها. رابعا: ومن الوسائل أيضًا التي تمنع التهرب من الخراج، أن صاحب الأرض إذا ادعى أنه دفع الخراج لم يقبل منه قوله إلا ببينة، فالخراج حق بمثابة الديون، وهذا تطبيق للأصل العام في الإثبات وهو البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، وقد ادعى دفع الخراج فلزمته البينة للتأكد من أدائه لضريبة الخراج وفي هذه الحالة يجوز الرجوع إلى سجلات الدولة التي يثبت فيها أداء الخراج حتى لا يطالب به مرة أخرى.

стр. 271

خامسا: ومن الوسائل التي تمنع التهرب من أداء الخراج أيضًا، طريقة إنفاق الخراج، فإن الخراج ينفق في مصالح الأمة في مكان جبايته، فإن بقي منه شيء أرسل إلى بيت المال لإنفاقه في المرافق العامة للدولة، ومما يؤكد ذلك أن عمرو بن العاص اتبع في مصر طريقة مثلى في جباية الخراج وإنفاقه، فكان ينفق الخراج في حفر خلجان مصر وإقامة جسورها وبناء قناطرها، ثم يرسل الباقي بعد ذلك إلى أمير المؤمنين في المدينة، وعلى الجملة فالأصل هو استخدام حصيلة الخراج في البلد الذي جمعت فيه؛ إظهارًا لهذا الاستخدام، وإعلانًا له ولا شك أن ذلك سيكون له أثر طيب على نفس المكلفين بالخراج يساعدهم على إخراج الواجب عليهم بنفس راضية، ولا يفكرون على الإطلاق في التهرب من أدائه؛ لتيقنهم أن ما يدفعونه يعود عليهم بالنفع وكل هذا يؤدي في النهاية إلى تحقيق المساواة بين المكلفين في تحمل التكاليف بالخراج، كل حسب مقدرته المالية. هذه هي أهم الوسائل الكفيلة بمنع التهرب من أداء الخراج، والأخذ بها لا شك من شأنه أن يكون حائلًا بين من تسول له نفسه التهرب من أداء الخراج وبين هذا التهرب، ونحن نعلم أن القضاء على التهرب من أداء الخراج معناه أن يساهم جميع المكلفين بالخراج في الأعباء المالية المقررة عليه في الدولة دون استثناء وبالتالي تتحقق المساواة بينهم في هذا الشأن. مراعات ظروف الممول في الخراج وينبغي علينا أن نتحدث عن مراعاة ظروف الممول في الخراج فنقول:

стр. 272

لما كان الهدف من فرض الخراج هو تحقيق المساواة بين المواطنين جميعًا في تحمل التكاليف المالية المقررة في الدولة، فإن ذلك ليس معناه أن يفرض الخراج على المكلفين بطريقة جامدة لا تراعي ظروفهم، فالعدالة تقتضي أن يساهم المكلف في النفقات العامة للدولة تبعًا لمقدرته المالية، فتوزع الأعباء المالية على المكلفين حسب يسارهم، إن تحقيق العمومية في الخراج، وإن كان لها أهميتها الكبيرة إلا أنها لا بد وأن تقترن بفكرة أخرى هي أن العبء الخراجي الذي يتحمله المكلف، ينبغي أن يتفق مع مقدرته المالية وظروفه، والتشريع الإسلامي في فرضه للخراج لم يسلك طريق جامدة بل إنه راعى في ذلك المقدرة التكليفية للمكلف، يدل على ذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ راعى أن تقوم ضريبة الخراج على أساس طاقة الأرض، وأن يؤخذ في الاعتبار اختلاف الأراضين من حيث جودة يذكوا بها زرعها أو رداءة يقل بها ريعها، واختلاف الزرع من حيث النوع إذ منها ما يكثر ثمنه واختلاف السقي؛ لأن ما سقي بالنواضح والدوالي لا يحتمل من الخراج ما يحتمله ما سقي بالسيح والأمطار على أن يوضع الخراج من غير حيف بمالك، ولا إجحاف بزارع. ومما يدل على ذلك أن عمر بن الخطاب سأل عامليه على الخراج حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف؛ ليطمئن إلى أنهما لم يكلفا الممولين فوق طاقتهم فأجاباه بأنهما حملا الأرض ما تطيق، ولو زاد لأطاقت ولكنهما تركا الفضل للناس، وقال عثمان: لقد تركت الضعف ولو شئت لأخذته، ومناقشة عمر لعامليه في مقدار الخراج الذي وضعه على الأرض يدل على عدالة عمر المستمدة من عدالة الإسلام وسماحته بالنسبة لغير المسلمين. فالخراج إذن يتحدد مقداره بقدر طاقة الأرض ولهذا جاءت الروايات المختلفة عن عمر في مقادير الخراج، وهي تختلف باختلاف الأرض من حيث الجودة

стр. 273

ومقدار الغلة فهو لم يجعل على كل الأرض مقدارًا واحدًا لا يختلف، وإنما راعى في كل أرض ما تحتمله، وهذا يحقق العدل بين الناس فقد وضع عمر على بعض نواحي السواد على كل جريب قفيزًا ودرهمًا، وضرب على ناحية أخرى غير هذا القدر. إن العدل في السياسة المالية يقضتي من ولي الأمر ألا يفرض من الضرائب ما يثقل كاهل الناس ويرهقهم، أو لا يتناسب مع درجات الغنى وتفاوت الناس في اليسار، وبمعنى آخر عليه أن يراعي حالة الناس واستعدادهم لأداء ما فرض عليهم، فإذا أصبح الناس غير قادرين على أداء ما فرض عليهم كان من الواجب على ولي الأمر التخفيف عنهم إلى ما يستطيعون، يدل على ذلك أن أحد الخلفاء العباسيين عدل عن خراج الوظيفة الذي كان مقررًا على سواد العراق منذ عهد عمر، إلى خراج المقاسمة حينما رأى أن الأرض لم تعد تفي بما كان موظفًا عليها من قبل، فكان من غير العدل أن يستمر أهل السواد مكلفين بأداء ما وظف على أراضيهم على حين أنها لا تغل لهم ما يتمكنون به من أداء ما فرض عليهم، يراجع في ذلك (السياسة الشرعية والفقه الإسلامي) للشيخ عبد الرحمن تاج صـ٤٠ وما بعدها الطبعة الأولى ١٩٥٣، مطبعة دار التأليف بمصر. وهذا الحرص على توزيع أعباء الخراج على الجميع عن طريق مراعاة ما سبق كان أمنية الفرنسيين التي لم تتحقق لهم إلا في منتصف القرن التاسع عشر، وهذه الطريقة في تحديد مقدار الخراج والسابق بيانها هي الطريقة الحديثة في فرض الضرائب العقارية، والتفاوت في المقدار الواجب في الخراج حسب طاقة الأرض يعتبر أساس فكرة المساواة التي روعيت فيها العدالة؛ لأن المساواة بين غير المتماثلين في المقدرة المالية ظلم كما أوضحنا فيما يرى، وقد روعي ظروف المكلف بالخراج في عدة أمور نذكر من أهمها: أولًا: إعفاء غير القادرين من ضريبة الخراج، كما يجب الخراج على المكلفين به إذا أطاقت الأرض ذلك، فإن هذا الخراج يسقط في حالات كثيرة من أهمها، إذا

стр. 274

أصاب الزرع آفة من الآفات سقط الخراج عن المكلف؛ لأنه مصاب يستحق المعونة، ولو أخذ منه الخراج لكان فيه استئصال لماله، إذا حدث نقص في الخارج من الأرض لم يتسبب فيه الممول كأن ينفجر سد أو يتعطل نهر سقط الخراج، أنه إذا كانت الأرض لا يمكن زراعتها في كل عام حتى تراح في عام وتزرع في آخر، روعي حالها في ابتداء وضع الخراج عليها بمسح كل جريبين بجريب فيكون أحدهما للمزروع والآخر للمتروك، ومعنى هذا إسقاط الخراج عن الأرض في السنة التي لم تزرع فيها، وهذا الإعفاء من أداء الخراج من الممكن أن نعتبره مقابلًا لإعفاء ما دون النصاب من الزكاة كما سبق القول، وهذا الإعفاء في رأينا لا يتعارض مع مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل التكليف بتلك الضريبة، إذ أن هذا التكليف مرتبط بالطاقة المالية للمكلف، وطالما انعدمت تلك الطاقة فلا محل للتكليف، ومعنى ذلك أن هذا الإعفاء لا يتعارض مع مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل التكاليف العامة المقررة في الدولة. ومن المراعاة أيضًا إعفاء الحد الأدنى اللازم للمعيشة إن ضمان حد الكفاية والذي سبق ذكره حين الكلام عن التكليف بالزكاة والجزية يجب توافره لكل مواطن يعيش في مجتمع إسلامي أيًّا كانت ديانته وأيًّا كان جنسه، وإعفاء الحد الأدنى اللازم للمعيشة أو حد الكفاية كما يسميه البعض متفق أو متحقق في ضريبة الخراج، يدل على ذلك ما يلي: يعفى من الخراج المساكن والدور التي هي منازل للمكلفين حيث لم يجعل فيها شيء فما لا يستغنى عن بنيانه لإقامة المكلف في أرض الخراج لزراعتها يسقط عنه الخراج؛ لأنه لا يستقر إلا بمسكن يستوطنه، والسكن من الحاجات الأصلية اللازمة لمعيشة المكلف، وما كان من الحاجات الأصلية معفي من الخراج، يدل

стр. 275

على ذلك قول الماوردي: وما جاوز قدر الحاجة مأخوذ بخراجه، ومفهوم ذلك أن ما لا يجاوز قدر الحاجة معفي من الخراج. أيضًا فإن التشريع الإسلامي يعفي من الخراج الملبس والمأكل ودواب الركوب باعتبار هذه الأشياء من الحاجات الأصلية يدل على ذلك قول علي بن أبي طالب لعامله على الخراج: إذا قدمت عليهم أي: المكلفين بالخراج، فلا تبيعن لهم كسوة شتاء ولا صيف، ولا رزقا يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها، ولا تبع لأحد منهم عرضًا في شيء من الخراج. يرجع في ذلك إلى (الأموال) لأبي عبيد صـ٥٥ وما بعدها، وهذا الإعفاء المقرر للحد الأدنى اللازم للمعيشة لا يتعارض فيما نرى مع مبدأ المساواة بين المكلفين بضريبة الخراج في تحمل تلك الضريبة، وذلك لأن حاجة الإنسان وحاجة أهله وولده ومن تلزمه نفقتهم مقدمة على حاجة غيره، فكيف يطلب الخراج من المكلف الذي يكون في مسيس الحاجة إلى ما معه من مال، وقد رأينا آنفًا أن المساواة في هذا المجال يقصد بها أن يتحمل كل فرد قدرًا من الأعباء المالية المقررة في الدولة يتفق مع طاقته ومقدرته المالية، ومن غير شك فإن المكلف الذي يكون في حاجة ماسة إلى ما معه من مال ليست عنده طاقة على أداء الخراج، وبالتالي فإعفاؤه من أداء الخراج لا يتعارض مع مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل التكليف بالخراج كل حسب مقدرته المالية. ومما يراعى أيضًا اختلاف المقدار الواجب من الخراج باختلاف الجهد المبذول، ميز الفقه الإسلامي بين الخارج من أرض الخراج حيث فاوت بين المقدار الواجب بتفاوت الجهد المبذول، فما بذل في إنتاجه جهد ومشقة كبيرة قل المقدار الواجب فيه، وما بذل في إنتاجه جهد ومشقة أقل أو لم يبذل أصلًا زاد المقدار الواجب فيه. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه المحاضرة نكتفي بهذا القدر أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 276

٣ - العشور، ومفهوم السياسة ومرتكزاتها في الإسلام ومصادر الأحكام السياسية في النظام الإسلامي من الموارد المالية للدولة الإسلامية: العشور الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد كنا نتحدث في المحاضرات السابقة عن النظام المالي في الإسلام، وتحدثنا عن أهم الموارد المالية في الإسلام، وهي: الزكاة، والجزية، والخراج، وكان حديثنا في هذه الموارد عن كيفية تحقيق المساواة، والعدالة بين المكلفين بهذه الموارد، إلا أنه ينبغي أن نضيف إلى هذه الموارد موردًا آخر، وهو العشور. فنقول: مضى عهد الرسول ﷺ وأبي بكر ﵁ ولم تكن الدولة الإسلامية في حاجة إلى المال؛ لقلة المرافق، وعدم الحاجة؛ حتى كان عهد عمر ﵁ فاتسعت الدولة الإسلامية -بما فتح الله على المسلمين من البلاد- فكانت الحاجة داعية إلى فرض الضرائب؛ لسد الحاجة؛ لذا فرض عمر العشور، فنظام العشور يرجع إلى عهد عمر بن الخطاب؛ فقد روي أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ أن تجارًا من قبلنا من المسلمين يأتون أرض الحرب؛ فيأخذون منهم نصف العشر؛ فكتب إليه عمر قائلًا: خذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين، وخذ من أهل الذمة نصف العشر، ومن المسلمين من كل أربعين درهمًا درهمًا -أي: ربع العشر- وليس فيما دون المائتين شيء، فإذا كانت مائتين ففيها خمسة دراهم، فما زاد فبحسابه. ومن هذا يتضح أن عمر بن الخطاب ﵁ جعل الناس في العشور على ثلاث درجات: مسلمين، ويؤخذ منهم ربع العشر، وذميين، ويؤخذ منهم نصف العشر، وحربيين، ويؤخذ منهم كما يأخذون من المسلمين؛ لأن الأمر فيما بينهم وبين المسلمين مبني على المعاملة بالمثل، وعلى الإمام أن يزيد عن العشر، أو أن ينقص عنه إلى نصف العشر، أو أن يرفع ذلك عنهم إذا رأى في ذلك مصلحة، ولا يزيد ما يؤخذ على مرة من كل قادم بالتجارة كل سنة، ولو تكرر قدومه، وكانت هذه الضريبة لا تؤخذ من التاجر إلا إذا انتقل من بلاده إلى بلاد أخرى، وهذا ما نسميه في الوقت الحاضر: بالضرائب الجمركية. وبالنسبة لضريبة العشور يمكن الرجوع إلى كتاب (النظام المالي) في الإسلام دكتور عبد الخالق النوواي صفحة ١١٧، وما بعدها، وكتاب (النظم الإسلامية) للدكتور حسن إبراهيم ص ٢٣٩، وما بعدها.

стр. 277

الدرس: ٧ النظام السياسي الإسلامي .

стр. 278

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع (النظام السياسي الإسلامي) ١ - العشور، ومفهوم السياسة ومرتكزاتها في الإسلام ومصادر الأحكام السياسية في النظام الإسلامي مصطلح السياسة منذ بداية الدولة الإسلامية نبدأ الآن في الحديث عن النظام السياسي في الإسلام، فنقول -وبالله التوفيق-: هناك من يرتاب في وجود ما يسمى بالسياسة كعلم عند المسلمين؛ ظنًا منه أن ذلك العلم من مستحدثات العصر، أو هو من المصطلحات التي لم تجر إلا على ألسنة غير المسلمين؛ إذ كيف يعرفه المسلمون، أو يقحموا أنفسهم في غماره، فما لهم والسياسة، وقد كانوا أقرب إلى الفطرة، وقاب قوسين أو أدنى من البداوة التي تورد صاحبها موار التهلكة؛ بسبب كلمة عارضة، أو سلوك عفوي؛ لبعده عن التقية، والمداراة، وإصراره على مسلك الجفاء والغلظة، بغض النظر عما يترتب على ذلك من عواقب، وهذا وغيره أبعد عن مدارك السياسة، ومفهوما. أي أن هناك من يشكك في أن المسلمين كانوا يعرفون السياسة بالمعنى الحديث قديمًا، ويقول بأن العرب كانوا أهل بداوة، وعصبية، فكيف يصلون إلى نوع السياسة التي هي نوع من المدارة؟ لكن نقول لهم: إن هذا القول على إطلاقه يجافي الحقيقة؛ فإن القائلين به -وما أكثرهم- أقوام لهم مأرب معروفة، وغايات شائعة مألوفة، لعل أهمها تنحية الإسلام عن حكم الناس، وتوجيه مسار حياتهم؛ ليبتعدوا عن الالتزام بأحكامه؛ فيتحقق لهم إشباع رغبات، ونزوات لا تقرها الشرعية، فضلًا عن نهيها عنها، والتحذير من التورط فيها، أو الاقتراب منها.

стр. 279

فإن هؤلاء الذين يدعون أن المسلمين لم يعرفوا السياسة في أيامهم إنما لهم أغراض خبيثة في هذا الادعاء يريدون أن يبعدوا الإسلام عن ساحة الحكم، وهذا ظلم فإن أردت أن تميط اللثام عن وجه الحق في الموضوع؛ فاعلم أنه كان للرسول ﷺ وخلفاءه؛ كان لهم سياسة ساسوا بها عرب الجزيرة، وغيرهم من الشعوب التي خضعت للإسلام، وهيمن عليها حكم المسلمين، وهي الشعوب التي كانت تشكل غالبية العالم القائم آنذاك، وكيف يقال غير ذلك، وقد اعتنقت الأجناس المختلفة -الرومية، والفارسية، والحبشية، والعربية- اعتنقت الإسلام، وتعايشت في ظل دولة موحدة يدين لها الجميع بالولاء والطاعة، فهل كان من المستساغ، والمقبول أن تعتنق كل هذه الأجناس للإسلام، وأن تتعايش هذه الأخلاط المتباينة في جذورها، وعاداتها، وثقافاتها، ولغاتها، وفلسفتها بغير سياسة توجه حياتها؟ إن ذلك -لو صح- يضاد أبسط أصول الاجتماع الإنساني؛ ومن ثم يصبح القول بأن الجميع قد عاش في ظل السياسة المنبثقة عن الشريعة -التي حققت مصالحهم- أقرب إلى العقل والمنطق يشهد له قيام الدولة الإسلامية بقوتها، وترامي أطرافها عبر العصور الطويلة في العهد النبوي، وعهد الراشدين، والأمويين، والعباسيين. ويوجب القول السابق استجلاء الحقيقة حول المقصود بالسياسة، وما ترمي إليه، والسياسة مأخوذة من سَوَسَ، يقال: ساس الرعية يسوسها سياسة، ويقال: ساس الأمر يسوسه سياسة -بمعنى: قام به. وقد أورد ابن القيم تعريفًا للسياسة بقوله: السياسة ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد -وإن لم يضعه الرسول ﷺ ولا نزل به وحي.

стр. 280

ومقتضى هذا: أن السياسة هي تجسيد للقاعدة الإسلامية المعروفة: بجلب المصالح ودرء المفاسد، دون التقيد بالنصوص في الكتاب والسنة، وإنما تلمس ما ينفع الناس، وينأى بهم عن المفاسد في ضوء الكتاب والسنة، وروح الشريعة، وأهدافها. والسياسة -في رأي بعض المحدثين- تعني: تدبير الشئون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح، ورفع المضار، مما لا يتعدى حدود الشريعة، وأصولها الكلية -وإن لم يتفق وأقوال الأئمة المجتهدين. مرتكزات السياسة في الإسلام إن المغزى الذي يتعين على الدولة الإسلامية أن تلتزم به فيما يختص بتصريف شئونها السياسة: هو عدم القابلية للتجزئة بين توجيه سياستها، وبين هُويتها الإسلامية، فالسياسة فيها تنتمي للدين، وتستظل في كنفه، ولعل هذه الحقيقة تتضح في العديد من الآيات القرآنية يقول تعالى: ﴿إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (يوسف: من الآية: ٤٠) وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: من الآية: ٥٠). وهذا المغزى هو الذي ظل مهيمنًا على توجيه السياسة في الدولة الإسلامية طوال الفترة التي كان فيها للمسلمين المجد والعظمة، ولو أننا تأملنا مرتكزات السياسة الدينية الإسلامية؛ لاستبانت لنا فيما يأتي: أولًا: الإيمان بالفكرة، والولاء للوحدة: إن هذا المرتكز -ولو أنه يتضمن عنصرين، وهما الإيمان بالفكرة، ثم الولاء للوحدة- إلا أن كل منهما وثيق الارتباط بالآخر.

стр. 281

فنقول أولًا: الإيمان بالفكرة: مضمون ذلك أن الدولة عليها أن تعتنق فكرة واحدة تتلخص في الالتفاف حول الإسلام عقيدة وشريعة، واعتبار الإسلامية هي الجنسية التي تثمل الرابطة السياسة، والقانونية بين المسلم، والدولة في الإسلام، وفي إطارها يكون الولاء للمسلم يضحي بكل ما يملك في سبيل إسلامه ودينه، ويسموا به فوق كل رابطة، وبذلك يكون المسلم كما أراده الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: الآية: ١٦٢) وقوله : ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا﴾ (الأنعام: ٧٩). ويترتب على ذلك أنه لا مجال في ظل الإيمان بالفكرة لدولة تتقاتل فيها العصبيات، أو تبرز فيها القوميات، أو يتعالى فيها الأجناس؛ فإن السياسة الدينية قد صهرت كل هذه النعرات في عقيدتها، وجعلت جميع المسلمين يرفعون راية التوحيد في معتقداتهم، ويؤمنون بالأنبياء جميعًا، وبأن محمد ﷺ خاتم الرسل، وأن رسالة الإسلام هي الرسالة العامة للكافة، وأن يوجهوا سياستهم مع الغير وفق هذه الحقيقة. ولا يعني ذلك أن المسلم لا يشعر بالمودة، والرحمة نحو أبناء قومه، أو جنسه، وإنما يعني: أن يكون ذلك بحيث لا يطغى على ولاءه لإسلامه، واعتبار الأخوة هي المعيار الذي يربط بينه، وبين كل المسلمين، سواء كانوا من أبناء جنسه، أو من غيره، كما لا يعني: توجيه سياسة الدولة بالإسلام مع غير المسلمين أن تفرض عقيدة الإسلام عليهم، فهذا ما يأباه الإسلام بمقتضى نص محكم في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٥٦) وقوله : ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: من الآية: ٩٩). وبالنسبة للولاء للوحدة نجد أن الوحدة مرتكز من مرتكزات السياسة الإسلامية تجمع المسلمين على المبدأ والغاية، وتنأى بهم عن التفرق، وكل سياسة لا تجعل

стр. 282

من مقرراتها ذلك هي سياسة تحيد عن الطريق الإسلام؛ فالمسلمون على ما بينهم من اختلاف في المشارب، والعادات، والأجناس هم أخوة في الدين، وهذا مطلب إسلامي، أمرت به النصوص، وحثت عليه، وهو يتجاوز الفكر النظري إلى الجانب العملي؛ قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية: ١٠٣) وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٩٢). وفي الحديث يقول: ﷺ : ((من أتاكم وأمرك جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه)) وفي هذه الدلائل إشعار بوجوب الوحدة، والاتحاد بين المسلمين؛ لأنها مصدر القوة والمنعة، وأساسها، وهي وسيلة من أهم الوسائل التي تحفظ لها كيانها، وهيبتها، وينطلق بها نحو تحقيق أهدافها الدينية، والدنيوية. ولهذا اعتبر الإمام الحاكم واحدًا؛ لأن المقصود حصول ذي رأي مطاع يجمع شتات الأراء، ويحول بين المسلمين، وبين دروب المنازعة والشقاق، ويحملهم على مصالح المعاش، والمعاد؛ فلو انتهض لهذا الأمر أكثر من إمام واحد، واتخذ كل منهم الأعوان، ولجأ إلى القوة للغلبة؛ لتهددت بذلك مصالح المسلمين، وعمت الفوضى؛ لذلك ذهب العلماء إلى النص على أن يكون الإمام واحدًا. والملاحظ على الواقع السياسي للمسلمين أنه يخالف هذه النظرة، وهو الوحدة، وإذا كان يقف وراء هذا الواقع العديد من الأسباب التي أدت إليه من بروز النزاعات العصبية، والإقليمية، وحب السلطة، والنزوع نحو الفردية، والتسلط الأوربي، والغزو الفكري الذي تعرض له المسلمون، وغير ذلك من الأسباب؛ فإن هناك مبدأ عامًا -يجب أن يهمن على السياسة عند المسلمين في مشارق

стр. 283

الأرض، ومغاربها- وهو أن تكون جارية في النطاق الإسلامي، ومستمدة منه في أصولها، والقول بذلك لا يغل التفكير الإسلامي؛ فإن المسلمين مطالبون بالبحث والنظر، وابتكار الوسائل التي تتلاءم مع أوضاعهم المتغيرة فيما لا يخالف الشرع، كما أن عليهم أن يفيدوا الآخرين، ويستفيدوا منهم؛ فإن معضلات السياسة مما تتباين فيها الأنظار، وتتعدد فيها الأقوال، وهو من وسائل إثراء الفكر السياسي؛ لأنه مما يؤثر، ويتأثر بتطور الوقائع والأحداث. ومن نتائج ذلك أن تختلف الأساليب التي تعالج متطلبات الواقع الخاص بكل إقليم من الأقاليم الإسلامية، ولا غضاضة في هذا، ولا مصادمة فيه للنصوص، أو القواعد الإسلامية؛ إذ من الطبيعي أن يختلف كل قطر في عاداته، وأحواله الاجتماعية، والاقتصادية، والعمرانية، والثقافية، ويهيمن على ذلك كله السياسة المرسومة للإقليم، أو القطر، التي تستهدف التعرف على أفضل الوسائل التي تتحقق بها النهضة، والتقدم للإقليم في إطار من الشورى، وتبادل الرأي، والتعاون بين أبناء الدين والوطن الواحد. إن في تلمس الأسباب، أو الأساليب التي تحقق الغاية في رفعة الإقليم ونهضته ما يوجب إتاحة الفرصة لكل الآراء، ولكافة الاتجاهات، واعتبار ذلك مقياسًا صحيحًا للإحاطة بوجهات النظر المختلفة، والمتعارضة أحيانًا للأخذ منها بأفضلها، وإلزام الجميع بما انتهى إليه الرأي، دون انتقاص، أو تسفيه لرأي المخالف. لكن حرية الفكر، ووجوب الشورى، وإجازة استقلال كل إقليم بسياسة خاصة به؛ إنما تشكل بعض مظاهر لسياسة عامة موحدة تحكم المسلمين جميعًا، مضمونها: وحدة المقومات التي تتغيا مصلحة الجميع، وأن يكونوا صفًا واحدًا،

стр. 284

ويفرض هذا أن توجد الوسائل التي تحتكم إليها هذه الأقاليم عند الاختلاف؛ لتكفل معاونة كل إقليم على إدارة شئونه، ولئلا تطغى المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، أو تتعارض معها، ولكي يتحقق الالتزام بالخط الإسلامي. ومن المرتكزات أيضًا التي ينبغي أن تبنى عليها السياسة في الدولة الإسلامية، يتعين أن تكون ممارسة السياسة الدينية -في ظل القانون الإسلامي- لأنه هو المحك وفق له توصف السياسة بأنها على الصواب، أم على الخطأ، وعليه فإن السياسة في الإسلام ليست من قبيل السياسة المطلقة، إذ يعني ذلك: ألا تتقيد الدولة حكامًا، وأفرادًا بنصوص الشريعة، وان تتبع ما يترائى لها أنه المصلحة من منطق بشري بحت، وأن يكون رائدها في ذلك مشيئة شعبها، وحاكمها، دون نظر إلى الدين والحق، وهذا لا يجوز في الإسلام. ولإيضاح ذلك يمكن التفرقة بين أمرين: الأمر الأول: أن مبادئ السياسة -التي وردت بها النصوص الدينية في الكتاب، والسنة، أو حدث بشأنها إجماع- هذه المبادئ يتعين الالتزام بها ولا مجال للتحلل منها، أو الخروج عليه، وذلك مثل الحكم بالعدل، وأداء الحقوق لأصحابها قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: من الآية: ٥٨) ومثل أيضًا منهج المشاورة، وتبادل الرأي، هذه مبادئ سياسة يقول تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: ١٥٩). ومثل طاعة الحاكم ما لم يأمر بمعصية لقوله ﷺ : ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) ومثل المساواة بين الناس؛ فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((الناس سواسية كأسنان المشط)).

стр. 285

أو فيما ثبت بالإجماع كبيعة الإمام؛ فهذه المبادئ، وأمثالها -المبادئ التي ذكرناها مثل الحكم بالعدل، ومثل المشاورة، ومثل طاعة الإمام في غير معصية، ومثل تحقيق العدل، والمساواة بين الناس. نقول: هذه المبادئ وأمثالها تمثل ركائز للسياسة الإسلامية لا مجال للتردد في الأخذ به، ولا يعتد برأي الأمة، أو الحاكم إذا خالفها، وسبب التقيد بمثل هذه الركائز أنه لا سبيل إلى إقامة حكم صالح، وانتهاج سياسة قوية دون الاعتماد عليه أو الاستناد إليها؛ فإن كنت في شك من ذلك؛ فانظر في آثار الأمم العظيمة في الماضي والحاضر؛ تجد أن من أسباب بلغوها ذروة المجد هو التمسك بهذه المبادئ، وغيرها مما لا مجال للتقدم بدونها. من أجل ذلك جاءت الشريعة حاسمة في وجوب التقيد بهذه القواعد قال تعالى: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: ٤٩) وقوله: تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: ١٨). فإذا كان الأمر كذلك فإن قضية التقيد بالنصوص تصبح من القضايا التي ليست محلًا لخلاف، أو إثارة الجدل حولها، وكل ما يمكن للأمة، أو الحاكم في هذا المجال هو التفسير، ومراعاة أحوال الأمم، وتغير الأزمان في نطاق التفصيلات المتعلقة بالمبدأ، وإبداء التصورات التي يكون على أساسها التطبيق دون أن يمس ذلك المبدأ في ذاته. الأمر الثاني: أن قواعد السياسة، والأنظمة المتعلقة بالحكم التي لم ترد في الكتاب، أو السنة تخضع للقواعد العامة في الشريعة مثل: تنصيب الحاكم عن طريق الاستفتاء، وأن تكون مدة الحاكم مؤقتة بزمن معين، والأخذ بالمجالس النيابية؛ فإن هذه الأمور وأشباهها يمكن الرجوع بشأنها إلى القواعد لتقرير الأخذ
следующие страницы →