Полный текст (825 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فنقول أولًا: الإيمان بالفكرة: مضمون ذلك أن الدولة عليها أن تعتنق فكرة واحدة تتلخص في الالتفاف حول الإسلام عقيدة وشريعة، واعتبار الإسلامية هي الجنسية التي تثمل الرابطة السياسة، والقانونية بين المسلم، والدولة في الإسلام، وفي إطارها يكون الولاء للمسلم يضحي بكل ما يملك في سبيل إسلامه ودينه، ويسموا به فوق كل رابطة، وبذلك يكون المسلم كما أراده الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: الآية: ١٦٢) وقوله : ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا﴾ (الأنعام: ٧٩).
ويترتب على ذلك أنه لا مجال في ظل الإيمان بالفكرة لدولة تتقاتل فيها العصبيات، أو تبرز فيها القوميات، أو يتعالى فيها الأجناس؛ فإن السياسة الدينية قد صهرت كل هذه النعرات في عقيدتها، وجعلت جميع المسلمين يرفعون راية التوحيد في معتقداتهم، ويؤمنون بالأنبياء جميعًا، وبأن محمد ﷺ خاتم الرسل، وأن رسالة الإسلام هي الرسالة العامة للكافة، وأن يوجهوا سياستهم مع الغير وفق هذه الحقيقة.
ولا يعني ذلك أن المسلم لا يشعر بالمودة، والرحمة نحو أبناء قومه، أو جنسه، وإنما يعني: أن يكون ذلك بحيث لا يطغى على ولاءه لإسلامه، واعتبار الأخوة هي المعيار الذي يربط بينه، وبين كل المسلمين، سواء كانوا من أبناء جنسه، أو من غيره، كما لا يعني: توجيه سياسة الدولة بالإسلام مع غير المسلمين أن تفرض عقيدة الإسلام عليهم، فهذا ما يأباه الإسلام بمقتضى نص محكم في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٥٦) وقوله : ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: من الآية: ٩٩).
وبالنسبة للولاء للوحدة نجد أن الوحدة مرتكز من مرتكزات السياسة الإسلامية تجمع المسلمين على المبدأ والغاية، وتنأى بهم عن التفرق، وكل سياسة لا تجعل
стр. 282
من مقرراتها ذلك هي سياسة تحيد عن الطريق الإسلام؛ فالمسلمون على ما بينهم من اختلاف في المشارب، والعادات، والأجناس هم أخوة في الدين، وهذا مطلب إسلامي، أمرت به النصوص، وحثت عليه، وهو يتجاوز الفكر النظري إلى الجانب العملي؛ قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية: ١٠٣) وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٩٢).
وفي الحديث يقول: ﷺ : ((من أتاكم وأمرك جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه)) وفي هذه الدلائل إشعار بوجوب الوحدة، والاتحاد بين المسلمين؛ لأنها مصدر القوة والمنعة، وأساسها، وهي وسيلة من أهم الوسائل التي تحفظ لها كيانها، وهيبتها، وينطلق بها نحو تحقيق أهدافها الدينية، والدنيوية.
ولهذا اعتبر الإمام الحاكم واحدًا؛ لأن المقصود حصول ذي رأي مطاع يجمع شتات الأراء، ويحول بين المسلمين، وبين دروب المنازعة والشقاق، ويحملهم على مصالح المعاش، والمعاد؛ فلو انتهض لهذا الأمر أكثر من إمام واحد، واتخذ كل منهم الأعوان، ولجأ إلى القوة للغلبة؛ لتهددت بذلك مصالح المسلمين، وعمت الفوضى؛ لذلك ذهب العلماء إلى النص على أن يكون الإمام واحدًا.
والملاحظ على الواقع السياسي للمسلمين أنه يخالف هذه النظرة، وهو الوحدة، وإذا كان يقف وراء هذا الواقع العديد من الأسباب التي أدت إليه من بروز النزاعات العصبية، والإقليمية، وحب السلطة، والنزوع نحو الفردية، والتسلط الأوربي، والغزو الفكري الذي تعرض له المسلمون، وغير ذلك من الأسباب؛ فإن هناك مبدأ عامًا -يجب أن يهمن على السياسة عند المسلمين في مشارق
стр. 283
الأرض، ومغاربها- وهو أن تكون جارية في النطاق الإسلامي، ومستمدة منه في أصولها، والقول بذلك لا يغل التفكير الإسلامي؛ فإن المسلمين مطالبون بالبحث والنظر، وابتكار الوسائل التي تتلاءم مع أوضاعهم المتغيرة فيما لا يخالف الشرع، كما أن عليهم أن يفيدوا الآخرين، ويستفيدوا منهم؛ فإن معضلات السياسة مما تتباين فيها الأنظار، وتتعدد فيها الأقوال، وهو من وسائل إثراء الفكر السياسي؛ لأنه مما يؤثر، ويتأثر بتطور الوقائع والأحداث.
ومن نتائج ذلك أن تختلف الأساليب التي تعالج متطلبات الواقع الخاص بكل إقليم من الأقاليم الإسلامية، ولا غضاضة في هذا، ولا مصادمة فيه للنصوص، أو القواعد الإسلامية؛ إذ من الطبيعي أن يختلف كل قطر في عاداته، وأحواله الاجتماعية، والاقتصادية، والعمرانية، والثقافية، ويهيمن على ذلك كله السياسة المرسومة للإقليم، أو القطر، التي تستهدف التعرف على أفضل الوسائل التي تتحقق بها النهضة، والتقدم للإقليم في إطار من الشورى، وتبادل الرأي، والتعاون بين أبناء الدين والوطن الواحد.
إن في تلمس الأسباب، أو الأساليب التي تحقق الغاية في رفعة الإقليم ونهضته ما يوجب إتاحة الفرصة لكل الآراء، ولكافة الاتجاهات، واعتبار ذلك مقياسًا صحيحًا للإحاطة بوجهات النظر المختلفة، والمتعارضة أحيانًا للأخذ منها بأفضلها، وإلزام الجميع بما انتهى إليه الرأي، دون انتقاص، أو تسفيه لرأي المخالف.
لكن حرية الفكر، ووجوب الشورى، وإجازة استقلال كل إقليم بسياسة خاصة به؛ إنما تشكل بعض مظاهر لسياسة عامة موحدة تحكم المسلمين جميعًا، مضمونها: وحدة المقومات التي تتغيا مصلحة الجميع، وأن يكونوا صفًا واحدًا،
стр. 284
ويفرض هذا أن توجد الوسائل التي تحتكم إليها هذه الأقاليم عند الاختلاف؛ لتكفل معاونة كل إقليم على إدارة شئونه، ولئلا تطغى المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، أو تتعارض معها، ولكي يتحقق الالتزام بالخط الإسلامي.
ومن المرتكزات أيضًا التي ينبغي أن تبنى عليها السياسة في الدولة الإسلامية، يتعين أن تكون ممارسة السياسة الدينية -في ظل القانون الإسلامي- لأنه هو المحك وفق له توصف السياسة بأنها على الصواب، أم على الخطأ، وعليه فإن السياسة في الإسلام ليست من قبيل السياسة المطلقة، إذ يعني ذلك: ألا تتقيد الدولة حكامًا، وأفرادًا بنصوص الشريعة، وان تتبع ما يترائى لها أنه المصلحة من منطق بشري بحت، وأن يكون رائدها في ذلك مشيئة شعبها، وحاكمها، دون نظر إلى الدين والحق، وهذا لا يجوز في الإسلام.
ولإيضاح ذلك يمكن التفرقة بين أمرين:
الأمر الأول: أن مبادئ السياسة -التي وردت بها النصوص الدينية في الكتاب، والسنة، أو حدث بشأنها إجماع- هذه المبادئ يتعين الالتزام بها ولا مجال للتحلل منها، أو الخروج عليه، وذلك مثل الحكم بالعدل، وأداء الحقوق لأصحابها قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: من الآية: ٥٨) ومثل أيضًا منهج المشاورة، وتبادل الرأي، هذه مبادئ سياسة يقول تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: ١٥٩).
ومثل طاعة الحاكم ما لم يأمر بمعصية لقوله ﷺ : ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) ومثل المساواة بين الناس؛ فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((الناس سواسية كأسنان المشط)).
стр. 285
أو فيما ثبت بالإجماع كبيعة الإمام؛ فهذه المبادئ، وأمثالها -المبادئ التي ذكرناها مثل الحكم بالعدل، ومثل المشاورة، ومثل طاعة الإمام في غير معصية، ومثل تحقيق العدل، والمساواة بين الناس.
نقول: هذه المبادئ وأمثالها تمثل ركائز للسياسة الإسلامية لا مجال للتردد في الأخذ به، ولا يعتد برأي الأمة، أو الحاكم إذا خالفها، وسبب التقيد بمثل هذه الركائز أنه لا سبيل إلى إقامة حكم صالح، وانتهاج سياسة قوية دون الاعتماد عليه أو الاستناد إليها؛ فإن كنت في شك من ذلك؛ فانظر في آثار الأمم العظيمة في الماضي والحاضر؛ تجد أن من أسباب بلغوها ذروة المجد هو التمسك بهذه المبادئ، وغيرها مما لا مجال للتقدم بدونها.
من أجل ذلك جاءت الشريعة حاسمة في وجوب التقيد بهذه القواعد قال تعالى: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: ٤٩) وقوله: تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: ١٨).
فإذا كان الأمر كذلك فإن قضية التقيد بالنصوص تصبح من القضايا التي ليست محلًا لخلاف، أو إثارة الجدل حولها، وكل ما يمكن للأمة، أو الحاكم في هذا المجال هو التفسير، ومراعاة أحوال الأمم، وتغير الأزمان في نطاق التفصيلات المتعلقة بالمبدأ، وإبداء التصورات التي يكون على أساسها التطبيق دون أن يمس ذلك المبدأ في ذاته.
الأمر الثاني: أن قواعد السياسة، والأنظمة المتعلقة بالحكم التي لم ترد في الكتاب، أو السنة تخضع للقواعد العامة في الشريعة مثل: تنصيب الحاكم عن طريق الاستفتاء، وأن تكون مدة الحاكم مؤقتة بزمن معين، والأخذ بالمجالس النيابية؛ فإن هذه الأمور وأشباهها يمكن الرجوع بشأنها إلى القواعد لتقرير الأخذ
стр. 286
بها من عدمه، وننبه في هذا الشأن إلى أن الاحتكام إلى القواعد يكون بعرض هذه الأحكام على قواعد الشريعة، وعلى السوابق السياسية الإسلامية؛ فإن كان تطبيقًا لقاعدة من القواعد، أو اقتداء بسابقة من السوابق؛ أخذ بها، كذلك إذا كانت الأحكام، والأنظمة السياسة في إطار القواعد الإسلامية، أو لا تتعارض مع أي منها؛ أخذ بها أيضًا.
ومن ذلك يتبين أن مجال الالتزام بالقواعد العامة للشريعة لا ترقى إلى مرتبة النظم والأحكام التي نطقت بها نصوص القرآن، والسنة، أو كانت محلًا للإجماع، لكن عنصر الالتزام بها قائم؛ ومن ثم يجب التقيد بها خاصة إذا كانت تحقق مصلحة حيوية للدولة الإسلامية.
إن مناط الالتزام بالقواعد العامة في الشرعية ينبع من كونها تلبي حاجة من الحاجات الإسلامية التي يمكن التعرف عليها مع تطور الأزمان، وابتداع نظم جديدة للارتقاء بالأنظمة السياسية، وتكمن أهمية ذلك في عدم تفصيل أشكال الحكم، وحصر كل المبادئ التي يتعين على الدولة الإسلامية الالتزام بها في مجال الحكم والسياسة في القرآن، أو السنة، أو الإجماع، وهي مصادر الإلزام في النظام الإسلامي التي لا محل للحيدة عنها.
وفي هذا الجانب فإن للأمة الإسلامية دور تقوم به للارتقاء بنظم الحكم فيها، وجعله أكثر مواتاة لتلبية حاجات الأمة؛ كي يتحقق الاستقرار السياسي فيها، وأن تسود العلاقة الطيبة بين الحاكم، والمحكوم؛ حيث يمكن الإقلال -إن لم يكن وضع حد- للصراعات السياسية حول السلطة.
إذا ثبت ذلك فإنه لا صحة لما ذكره مونتسكيو في كتابه (روح القوانين) نعت، ووصف الدولة الإسلامية بأنها دولة مطلقة؛ إذ يقول: إن هذه الممالك -يريد
стр. 287
المطلقة- نجد للدين فيها تأثيرًا أشد من تأثيره في سائر الممالك الأخرى، وهو فيها خوف على خوف؛ ففي المالك الإسلامية تجد أن التوقير العجيب للملك من الرعية أساس الدين.
ثم يأتي بمثال على ذلك لما حدث في تركيا، ويقول: بأن الناس إنما كانوا يعظمون الملك كثيرًا، وذلك سببه الدين؛ إذن معنى ذلك أنه يبين أن الدولة الإسلامية كانت دولة لا تعرف الشورى، ومبنية على الخوف من الدين، وأن الدين كان يخوف الناس، ويمنعهم من التعرض للحاكم؛ حتى ولو كان ظالمًا، وهذا وهم -كبير نرد على مونتسكيو ونقول له: ما قلته هذ وهم كبير- ذلك أن وصف الدولة الإسلامية بأنها مطلقة هو أبعد ما يكون عن طبيعة هذه الدولة؛ فهي دولة المنهج الإلهي الذي ارتضاه الله لتحقيق خلافة الإنسان على الأرض؛ ومن ثم فإن عليها أن تتقيد بحدود هذا المنهج، ذلك المنهج الذي يعتمد على العدل، وأداء الحقوق إلى أصحابها وحرية الإنسان تجاه أخيه الإنسان؛ امتثالًا لعبودية الجميع لله .
وليس صحيحًا نعت مونتسكيو أو وصفه للدين الإسلامي بأنه يزيد الأمة الإسلامية خوفًا على خوف؛ فإن الإسلام دين العقل والإقناع، وليس دين الجبر والقهر، والمسلمون يعبدون الله، ويلتزمون بشريعته طبقًا لهذه الحقيقة، وبمعنى أدق فإن هذا يكون رغبًا، ورهبًا؛ فليس الترغيب وحده أو الترهيب وحده كافٍ في ذلك، وإن كانت الرغبة تسبق الرهبة، وتتقدمها، وهذا يبطل زعمه عن فكرة الخوف الناشئة عن الدين، والتي اعتبرها السبب في كون الدولة الإسلامية من الممالك المطلقة.
وأخيرًا فإنه لا محل لذلك التوقير العجيب الذي ادعاه للإمام، والذي سنده الدين، أين هذا من حق النقد الذي أرساه أبو بكر في قوله: إن أحسنت
стр. 288
فأعينوني، وإن أسأت فقوموني وجاهرت به الرعية في وجه عمر في قول أحد المسلمين له: والله لو وجدنا فيك اعوجاج لقومناه بسيوفن أليس الأحرى بمونتسكيو -وهو الباحث المدقق- ألا يقحم الدين في وهم بدا له، أو إن احتجاجه بصنيع الأتراك لا قيمة له، وليس بشيء؛ لأنهم ليسوا حجة على الإسلام -وإن كانوا من مسلمين- لأنهم أخذوا من الإسلام شكل الخلافة، وطرحوا مضمونها جانبًا؛ لأسباب سياسية، وضعية بحتة، لا صلة لها بالدين.
نخلص من ذلك إلى أن سياسة الدولة الإسلامية سياسة مقيدة بحكم الشريعة الإسلامية ذلك التقييد الذي لا يؤدي إلى تعطيل نص، أو الخروج عليه أو مجافاة قاعدة من القواعد الإسلامية.
مصادر الأحكام السياسية في النظام الإسلامي: أولا القرآن الكريم
نتحدث الآن عن مصادر النظام السياسي في الإسلام النظام السياسي، والدستوري في الإسلام هو جزء من مجموعة الأحكام الشرعية التي تشكل في مجموعها ما يعرف بالفقه الإسلامي؛ ولذا كان على من يريد بيان مصادر النظام السياسي في الإسلام أن يتحدث عن مصادر الفقه بصفة عامة؛ لأن مصادر التشريع الإسلامي، واحدة، سواء كان ذلك في مجال التشريع المدني، أو التشريع الدولي، أو التشريع الاقتصادي، أو التشريع السياسي، أو حتى في مجال العبادات؛ فجميع هذه التنظيمات تستقي أحكامها من معين واحد هو: مصادر الفقه الإسلامي، أو أدلة الأحكام التي بحثها علماء أصول الفقه بشكل لا مزيد عليه.
ولكن هذا لا يمنعنا بطبيعة الحال من أن نتعرف على هذه المصادر؛ لنرى كيف يمكن أن نستنبط منها الأحكام السياسية، والدستورية في النظام الإسلامي،
стр. 289
ومعلوم أن مصادر الفقه الإسلامي تنقسم إلى: مصادر نقلية تتمثل في الكتاب، والسنة؛ لكونها نقلت إليها عن طريق الوحي، ولم يكن للعقل مجال في وضعها، وإن كان لا بد من إعمال العقل في فهمها، واستنباط الأحكام منها. وتقسم كذلك إلى مصادر أخرى عقلية، وتشمل جميع تلك المصادر التي تتم عن طريق الاجتهاد -بمعناه الواسع- ومن الأصوليين من يقسم هذه المصادر إلى: مصادر أصلية هي القرآن والسنة، وأخرى تبعية أرشدت إليها النصوص، واعتبرتها في استنباط، أو تأسيس الأحكام عليها -عند عدم، وجود النص- وذلك كالإجماع، والقياس، والمصالح المرسلة، ونحوه.
ولذلك فسوف نجعل دراستنا في هذا متضمنة لمصادر النظام السياسي الإسلامي، سواء منها الأصلية، أو التبعية؛ فنتحدث أولًا عن القرآن الكريم كمصدر للأحكام السياسية، والدستورية.
القرآن الكريم: هو كلام الله الذي نزل به جبريل الأمين ﵇ على نبينا ﷺ وهو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا، وقد اهتم الصحابة -رضوان الله عليهم- بنقله وتجريده عما سواه، وبالغوا في ذلك؛ حتى أنهم كرهوا التشكيل، والنقط؛ كي لا يختلط بالقرآن غيره، فالمكتوب بين دفتي المصحف هو القرآن كاملًا غير منقوص؛ إذ يستحيل في العرف، والعادة -مع توفر الدواعي على حفظ القرآن ونقله- أن يهمل بعضه؛ فلا ينقل، أو يخلط به ما ليس منه.
وقد ابتدئ نزول القرآن على النبي الكريم ﷺ في مكة المكرمة عام ٦١٠ ميلاديا، وذلك في اليوم السابع عشر من رمضان للسنة الحادية والأربعين من ميلاده ﷺ -
стр. 290
واستمر نزول القرآن على النبي ﷺ إلى تاسع ذي الحجة يوم الحج الأكبر للسنة العاشرة من الهجرة، والثالثة والستين من ميلاده ﷺ وكان القرآن الكريم ينزل منجمًا مفرقًا؛ ليتثبت به فؤاد النبي ﷺ وليكون مواكبًا للأحداث التي كانت تمر بالمجتمع الإسلامي من بداية البعثة، إلى واخر حياة النبي ﷺ في المدينة.
وقد مر القرآن الكريم -في نزوله- بفترتين متميزتين: هما الفترة المكية -وفيها نزل معظم القرآن- ويطلق على الآيات والسور التي نزلت بمكة: القرآن المكي، وتمتاز هذه الآيات والسور بكونها تهدف إلى تكوين العقيدة الصحيحة، وتنقيتها من الخرافات، والضلالات القديمة عن طريق الحجة، والمنطق.
ثم الفترة المدنية، وتمتد من الهجرة، وحتى وفاة النبي ﷺ وفيها اكتمل التشريع، ويطلق على الآيات والسور التي نزلت في هذه الفترة: القرآن المدني. ويمتاز التشريع في هذه الفترة ببيان الأحكام، والتكاليف الشرعية بعد أن أصبح المكلفون مهيئين لذلك بتصحيح عقيدتهم في الفترة المكية.
ولم يجمع القرآن الكريم في عهد النبي ﷺ وإنما كان مكتوبًا في الصحائف، ومحفوظًا في صدور الصحابة، وأول من قام بجمعه أبو بكر ﵁ لما تولى خلافة المسلمين، وقُتل عدد كبير من الحفظة لكتاب الله تعالى في موقعة اليمامة.
ثم لما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وتفرق الصحابة في الأمصار المفتوحة؛ خشي عثمان ﵁ أن يختلف المسلمون في القرآن؛ فقام بعد استشارة الصحابة بجمعه للمرة الثانية، معتمدًا في ذلك على جهود أبي بكر السابقة، وكتب نسخًا متعددة من المصحف، ووزعها على الأمصار الإسلامية المختلفة، وأحرق ما عداه؛ حتى لا يختلف المسلمون في القرآن.
стр. 291
ويبلغ مجموع سور القرآن ١١٤ سورة، ومجموع آياته: ٦٣٤١، وهذه الآيات، والسور مرتبة، والأكثر من أهل العلم على أنها ترتيبها توقيفي، لا رأي للصحابة فيها، ثم توالت جهود المسلمين بعد ذلك -وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها- على العناية بالمصحف الشريف كتابة، وطباعة، وحفظًا، وشرحًا، وصدق الله العظيم الذي يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩).
وتنقسم الأحكام الواردة في القرآن الكريم إلى: أحكام اعتقاديه تهدف إلى تصحيح عقيدة الإنسان من حيث إيمانه بالله تعالى، وبما جاء من عنده مما أخبر به الرسل -عليهم الصلاة والسلام.
وأيضًا أحكام خلقية تتعلق بفضائل الأعمال، ومحاسن الأخلاق.
وهناك أيضًا -ثالثًا- أحكام عملية تتعلق ببيان حكم الله تعالى فيما يصدر عن المكلف من الأقوال، والأفعال، والتصرفات، وهو ما يطلق عليها اسم: الفقه، أو التشريع الإسلامي.
خلاصة هذا أن الأحكام التي تضمنها القرآن الكريم تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحكام اعتقاديه، وأحكام خلقية، وأحكام عملية.
وآيات الأحكام في القرآن لا تزيد عن خمسمائة آية، وتنقسم إلى أحكام العبادات، ويقصد بها تنظيم العلاقة بين الإنسان، وربه، وتشمل ١٤٠ آية، وأحكام المعاملات، وهي التي تعني ببيان التنظيم التشريعي لكافة علاقات الأفراد -فيما بينهم، أو فيما بينهم، وبين الحاكم، أو فيما بينهم، وبين الدول الأخرى- وقد ذكر الشيخ عبد الوهاب خلاف أن هذا النوع من الأحكام ينقسم إلى عدة أقسام:
стр. 292
١ - أحكام الأحوال الشخصية، أو أحكام الأسرة، وتشمل أحكام الزواج، والطلاق، والإرث، والوصية، والحجر، وتشمل نحو سبعين آية.
٢ - الأحكام المدنية، وهي التي تتعلق بمعاملات الأفراد، ومبادلاتهم من بيع، وإجارة، ورهن، وكفالة، وشركة، وما إلى ذلك، وتشمل نحو سبعين آية.
٣ - الأحكام الجناية، وهي التي تتعلق ببيان ما يرتكبه المكلف من الجرائم، وما يستحقه عليها من عقوبات، وتشتمل على نحو ثلاثين آية.
٤ - أحكام المرافعات، وهي التي تتعلق بتنظيم الإجراءات التي تتخذها المحاكم للنظر في حقوق الناس، وبيان أحكام الدعاوى، والبينات، وتشمل نحو ١٣ آية.
٥ - الأحكام الدستورية، وهي التي تتعلق بنظام الحكم، وأصوله -أي: تحديد العلاقة بين الحاكم، والرعية، وبيان ما لكل منهما من الحقوق، وما عليه من الواجبات، وتشمل نحو عشرة آيات.
٦ - الأحكام الدولية، وتتعلق ببيان علاقة الدولة الإسلامية بغيرها في حالة السلم، وفي حالة الحرب، وتشمل آياتها نحو ٢٥ آية.
٧ - وأخيرًا الأحكام الاقتصادية، والمالية، وهي التي تقوم بتنظيم العلاقات المالية من موارد، وطرق إنفاق، وغير ذلك، وتشمل نحو عشرة آيات.
والذي يهمنا في هذا الصدد أن نقرر أن القرآن الكريم -باعتباره مصدر الشريعة الأول- قد عني بتقرير كثير من الأحكام الدستورية، والسياسية؛ فتكلمت آياته الكريمة عن الحكم، والإمارة، والملك، والسلطان، والولاية، والسيادة، والقضاء، والحرب، والسلم، والمعاهدة، وحقوق الأفراد، وحرياتهم، وحقوق
стр. 293
الحاكم، وحقوق أهل الذمة من المواطنين، أو ما يعرف بمركز الأجانب والأقليات في القانون الدولي الحديث، وتحدث أيضًا عن الشورى كنظام للحكم، وغير ذلك من أمهات المسائل الدستورية، والسياسية، التي أشار إليها القرآن الكريم، وحفظت، ودونت قبل أن تعرف الدول الحديثة فكرة الدساتير المدونة التي تؤصل بها أحكامها السياسة، والدستورية؛ مما يجعل من الشريعة الغراء رائدة في هذا المجال.
ولكن يجب أن يلاحظ أن بيان القرآن الكريم للأحكام السياسية، والدستورية إنما يقتصر على القواعد العامة، والأفكار الإجمالية؛ فهو لا يتصدى للجزئيات، وتفصيل الكيفيات إلا قليلًا؛ لأن هذا مما يخل ببلاغة القرآن، وبكونه كتابًا هو كالدستور لكافة الأحكام الشرعية؛ فينطوي هذا المسلك من البيان -إذن- على حفز الهمم، وحثها على فهم تلك القواعد الكلية، وتطبيقها بصورة مختلفة يحتملها النص، ولا يأباها، وذلك كما ورد في القرآن الكريم من النص على الشورى السياسية دون تعيين شكل خاص لها؛ فكانت بذلك شاملة لكل نظام حكومي يحقق العدل، ويجتنب الظلم، والاستبداد، ورأي الفرد، بغض النظر بعد ذلك عن كون هذا النظام جمهوريًا، أو ملكيا، أو خلافة، أو غير ذلك مما لا استئثار فيه لفرد، أو لفئة بحسب ما تمليه المصالح العامة للمجتمع.
خلاصة القول -في هذا-: أن القرآن الكريم -بالنسبة لمسائل الحكم، والنظم الدستورية- إنما اقتصر على الأحكام العامة، أما التفصيلات؛ فقد تركها، ولم يفصلها، لماذا؟ لأن شريعة الإسلام إنما هي الشرعية الخاتمة -خاتمة الشرائع- ولذلك هي باقية إلى أن تقوم الساعة، ويرث الله الأرض، ومن عليها؛ ولذلك حرص القرآن الكريم على أن يترك للناس مساحة من التفكير -خصوصًا مع تطور المجتمعات، وكثرة الوقائع والأحداث- ولذلك ترك لهم التفصيل، ووضع
стр. 294
لهم الضوابط لنظام الحكم سواء من الناحية الدستورية، أو غيرها، أو بعد ذلك ترك لهم التفصيل؛ فلهم أن يفصلوا هذه الأمور التي استجدت، وفق الضوابط الشرعية، ووفق الأحكام الكلية التي ذكرها القرآن الكريم.
نضرب مثالا لذلك بالشورى؛ الله ﵎ يقول: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية: ٣٨) ويقول: أيضًا: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر﴾ (آل عمران: من الآية: ١٥٩) فقد نص القرآن الكريم على قاعدة الشورى، لكنه لم يبين لنا كيفية ممارسة هذه الشورى؛ ولذلك ترك هذا التفصيل للأفراد، وهذا التفصيل سوف يختلف من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، المهم أن يتم ذلك، وفق الضوابط العامة التي رسمها القرآن الكريم.
وفي ضوء ما تقدم- يمكننا أن نقرر أن القرآن الكريم هو مصدر النظام السياسي الإسلامي الأول، وأن قلة الآيات التي تتعرض لبيان أحكام هذه المسائل فيه -إنما كان- لأن القرآن الكريم اقتصر على بيان القواعد الكلية فقط، وترك ما وراء ذلك من التفصيلات، والجزئيات لظروف كل مجتمع بحسب ما يستجد من المستحدثات، والوقائع بما لا يخرج عن أسس الشرعية، ومقاصدها، ولم يكن هذا عن قلة عناية من الشارع بهذه الأحكام -كما حاول البعض من المؤلفين المحدثين أن يفهمه خطأ، أو عن حسن قصد منه؛ لتأثره بالمنهج الوضعي من ناحية، وقلة دربته وأنسته بقواعد الشرع الإسلامي وخصائصه من ناحية أخرى- وصدق الله العظيم إذ يقول: في وصف كتابه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: من الآية: ٨٩).
هذا وبالله التوفيق، نكتفي بهذا القدر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٢ - تابع: مصادر الأحكام السياسية في النظام الإسلامي
السنة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن مفهوم السياسة في الإسلام وعن القرآن الكريم كمصدر من مصادر الأحكام الدستورية في الإسلام ونواصل الآن الحديث عن المصدر الثاني، وهو السنة النبوية الشريفة، فنقول:
السنة في اللغة: هي الطريقة والسيرة، وقيل: هي مأخوذة من سن بمعنى بيّن، وسميت السنة كذلك؛ لأنها مبينة للقرآن الكريم،
стр. 295
وأما السنة في الاصطلاح فيقصد بها أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته.
فالسنة القولية هي ما صدر عن النبي ﷺ من الأقوال، وهي أكثر السنة، مثل قوله ﷺ : ((صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته)) وقوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) وقوله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) وقوله ﷺ : ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)).
والسنة الفعلية هي أفعال النبي ﷺ المنقولة عنه، كصلاته ﷺ وحجه، فقد صلى ﵇ وقال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وحج ﷺ وقال: ((خذوا عني مناسككم)) ومن ذلك أيضًا ما كان يفعله ﷺ كقضائه باليمين والشاهد، وما كان يفعله في الحروب ﷺ فهو يعتبر سنة بسبب فعله ﷺ له.
والسنة التقريرية: فهي أن يرى النبي ﷺ فعلًا أو يسمع قولًا فيقره، فقد يقع من الصحابة في حضرته ﷺ أقوال، وأفعال، فلا ينكرها، وفي ذلك إقرار لها، ومثالها: ما روي أن النبي ﷺ لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن، قال له بما تقضي؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي، ولا آلو، فضرب رسول الله ﷺ وقال: ((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله)) ومن ذلك أيضًا: إقراره ﷺ لعلي ﵁ في كثير من أقضيته، وإقراره ﷺ لمن تيمم من الصحابة للصلاة إذا لم يجد الماء، ثم وجوده بعد الصلاة فلم يتوضأوا، ولم يعيدوا الصلاة، كل ذلك تقريرات من النبي ﷺ وهذه تعتبر سنة. فالسنة هي -إذن- سنة قولية، وسنة فعلية، وسنة تقريرية.
стр. 296
وتعتبر السنة المطهرة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم؛ لأن الله تعالى قد أمر بطاعة رسوله ﷺ وقرن هذه الطاعة بطاعته فقال عز من قائل: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) وقال : ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: من الآية: ٨٠) قال الشوكاني: فيه أن طاعة الرسول طاعة لله، وفي هذا من النداء بشرف رسول الله ﷺ وعلو شأنه وارتفاع مرتبته ما لا يقادر قدره، ولا يبلغ مداه، ووجه أن الرسول ﷺ لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهي إلا عما نهى الله عنه، وعلى هذا أجمع المسلمون منذ صدر الإسلام وحتى يومنا هذا على وجوب الأخذ بالسنة واعتبارها مصدرًا رئيسيًا من مصادر التشريع الإسلامي، وخصوصًا أن بعض الأحكام قد أجملت في القرآن، كوجوب الصلاة والزكاة والحج، ولا يمكن أن نفهم هذه الأحكام إلا بالرجوع إلى بيان السنة لها، فلو لم تكن السنة مصدرًا تشريعيًّا لما أمكننا العلم بمقتضى القرآن والسنة.
وتنقسم السنة المطهرة من حيث الثبوت إلى: سنة متواترة، وسنة مشهورة، وسنة آحاد، فالسنة المتواترة هي ما رواها عن الرسول ﷺ إلى آخر السند جمع تحيل العادة تواطئهم على الكذب، على أن يكون هذا الجمع موجودًا في كل طبقة من طبقات السند، لأن العادة تحيل أن يجتمع هذا العدد في كل طبقة من طبقات السند من أوله إلى آخره. نقول: تحيل العادة توطئ هذا العدد على الكذب لكثرتهم واختلاف بيئاتهم ومشاربهم، ويمثل لهذا النوع من السنة المتواترة بما نقل عن
стр. 297
النبي ﷺ من كيفية أداء الصلاة ومناسك الحج ومقادير الزكاة، وكيفية الأذان، وغير ذلك مما نقل إلينا نقلًا متواترًا منذ عهد النبي ﷺ وحتى عصرنا هذا. هذا بالنسبة المتواترة.
أما السنة المشهورة: فهي ما رواها عن الرسول ﷺ جمع لا يبلغ حد التواتر، ثم تواتر هذا الجمع بعد ذلك، فالتواتر في السنة المشهورة لم يكن في الحلقة الأولى من السنة، وهذا هو ما يميزها عن السنة المتواترة التي يتوافر فيها التواتر من أول السند إلى منتهاه كما ذكرنا.
والسنة والمشهورة تفيد عند أبي حنيفة وأصحابه العلم اليقيني، ولكنه دون العلم الحاصل من سنة التواتر، ويسمونه أحيانًا بعلم الطمأنينة الذي لا يصل إلى مستوى اليقين وإن كان يشبهه، ولذلك نجد أن الحنفية يوجبون العمل بهذا النوع من السنة، ويقيدون بها الأحكام المطلقة في القرآن ويخصصون بها الأحكام العامة ونحو ذلك.
ونأتي إلى النوع الثالث: وهو سنة الآحاد: وسنة الآحاد هي كل خبر يرويه الواحد أو الاثنان أو الأكثر عن الرسول ﷺ ولا يتوافر فيه شروط التواتر أو الشهرة على مصطلح الحنفية، وسنة الآحاد تفيد غلبة الظن، ولا تفيد العلم القطعي، لكون اتصال السند فيها بالنبي ﷺ مشتبهًا فيه.
يقول بعض العلماء الاتصال فيه شبهة صورة ومعنى، أما ثبوت الشبهة ففيه صورة، فلأن الاتصال بالرسول ﷺ لم يثبت قطعًا، وأما معنى: فلأن الأمة تلقته في القبول، أي: في الطبقة التي تلي التابعين، ولهذه الشبهة في إسناد سنة الآحاد قرر العلماء أنه يجب العمل بها، إن لم يعارضها معارض، ولكن لا يؤخذ بها في الاعتقادات؛ لأن معناها الجزم واليقين، أي: الاعتقادات تعتمد على الجزم واليقين، لكن سنة الآحاد تقوم أو تفيد غلبة الظن، ولذلك لا يؤخذ بها في
стр. 298
الاعتقادات، لأن الاعتقادات -كما قلنا-: مبنية على الجزم واليقين، ولا يكفي فيها غلبة الظن التي تفيدها سنة الآحاد، لأن الظن في الاعتقادات لا يغني عن الحق شيئًا.
ويشترط للعمل بخبر الواحد عند أبي حنيفة -زيادة على الثقة بالراوي وعدالته-: ألا يخالف عمله ما يرويه، يعني: ألا يخالف الراوي الحديث الذي رواه، ومن ذلك ما روي أن أبا هريرة كان يروي خبر: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا إحداهن بالتراب الطهور فإن أبا حنيفة لم يأخذ به يعني: لم يشترط السبع مرات؛ لماذا؟ قالوا: لأن أبا هريرة نفسه -وهو راوي الخبر- كان يأخذ به، فكان يكتفي بالغسل ثلاثًا، فيكون هذا أمارة الضعف في الرواية في صدق نسبتها إلى نفس الراوي.
ويشترط مالك ﵁ للعمل بسنة الآحاد: ألا تخالف ما عليه أهل المدينة؛ لأنه من مذهبه أن ما عليه أهل المدينة في الأمور الدينية اشتهرت روايته واستفاضت فلا يخفى على أحد.
يقول الشيخ أبو زهر في هذا المقام: فمالك في هذا كشيخه ربيعة الرأي، يرى: أن عمل أهل المدينة في أمر ديني هو رواية ألف عن ألف حتى يصل إلى النبي ﷺ فإذا خالفها خبر آحاد كان ضعيف النسبة للرسول ﷺ فتقدم عليه. فتقديم عمل أهل المدينة على سنة الآحاد عند مالك هو تقديم مشهور مستفيض متواتر على خبر الواحد، وليس ردًا مجردًا لخبر الآحاد، أي: أن الإمام مالك لا يرد خبر الآحاد، لكن خبر الآحاد إذا تعارض مع عمل أهل المدينة عند الإمام مالك فإنه يقدم عمل أهل المدينة، لكن هذا ليس معناه أنه يرفض العمل بخبر الآحاد.
نعود بعد هذه المقدمة إلى موضوعنا الأصلي وهو: كون سنة النبي ﷺ مصدرًا من مصادر الأحكام الدستورية والسياسية في النظام الإسلامي.
стр. 299
حجيه السنة بجميع أنواعها
وإذ قد قررنا أن السنة مصدر تشريعي معتبر في جميع الأحكام الشرعية وأن الأحكام السياسية والدستورية في النظام الإسلامي هي جانب من الأحكام الشرعية العملية فإننا نقرر في هذا الصدد وبارتياح تام أن السنة تعتبر مصدرًا لهذه الأحكام كغيرها تمامًا، بلا فرق في هذا بين السنة المتواترة، والسنة المشهورة، وسنة الآحاد، ويظهر هذا في تلك الوثيقة المكتوبة التي عرفت باسم دستور المدينة، أو ما يطلق عليها الصحيفة وهي الأساس في المرحلة الأولى لنشأة الدولة الإسلامية في حقوق الحاكم وحقوق الرعية وتنظيم المجتمع والدولة، وكذلك تتردد في نصوص السنة المطهرة كلمات: الراعي، والرعية، والبيعة، والإمارة، والطاعة للأمير، وفيها تشريعات في حقوق الحاكم ومسئوليته، وحقوق الأفراد، وحرياتهم، والسيادة، والسلم، والحرب، والمعاهدة، والقضاء والشورى، ومركز الأقليات الدينية، وغير ذلك مما يدخل في صميم الأحكام الدستورية، والسياسية بالمصطلح المعاصر. ومعنى ذلك: أن السنة إنما أيضًا مثل القرآن الكريم تعتبر مصدرًا من مصادر الأحكام الدستورية والسياسية في الدولة الإسلامية؛ لأنه كما قلنا: ذكرت أمور هي من صميم النواحي الدستورية والسياسية -كما قلنا- مثل: الإمارة والطاعة للأمير وغير ذلك وحقوق الأفراد وحرياتهم وعلاقة المسلمين بغيرهم في السلم والحرب وغير ذلك.
لذا فإنا نعجب غاية العجب مما ذهب إليه أحد الكاتبين المحدثين من عدم الاحتجاج بسنة الآحاد في ميدان الأحكام السياسية والدستورية.
стр. 300
قلنا: إن السنة سواء كانت سنة متواترة أو سنة مشهورة أو سنة آحاد إنما هي مصدر للأحكام الدستورية والسياسية في الدولة الإسلامية، لكن بعض الكتاب المحدثين في العصر الحالي بدأ يعني: يعارض في هذا ويرى أن سنة الآحاد لا تكون، أو لا تصلح أن تكون مصدرًا للأحكام الدستورية والسياسية في الدولة الإسلامية.
نقول: نعجب غاية العجب مما ذهب إليه هذا البعض من عدم الاحتجاج بسنة الآحاد في ميدان الأحكام السياسية والدستورية، ولكنا إذا التمسنا عذرًا لهذا الكاتب بكونه من غير المختصين بعلوم الحديث والسنة أو المتمرسين في الدراسات الإسلامية، ولذلك فكلامه لا يعدو أن يكون مجرد رأي لصاحبه، فقد ينتهي الأمر عند هذا، إنما هذا لا يمنعنا على كل حال من طرح بعض أفكار هذا المؤلف القانوني المعروف باسم الدكتور/ عبد الحميد متولي، وهو دكتور في القوانين الدستورية في كليات الحقوق، نقول: ينبغي علينا أن نعرض لبعض أفكاره لنتبين ما في هذه الأفكار من الاشتباه ونصحح ما يجب تصحيحه منها.
وخلاصة رأي الدكتور في هذا والدكتور كتب ذلك الدكتور عبد الحميد متولي في كتاب أسماه (مبادئ نظام الحكم في الإسلام) صفحة ١٨٨ وما بعدها.
خلاصة رأي الدكتور عبد الحميد متولي ومناقشة فيه:
يرى الأستاذ الدكتور عبد الحميد متولي أنه في مقام القانون الدستوري لا يجوز أن نأخذ بسنة الآحاد حين تكون مستقلة، أي: حين تأتي بأحكام أو مبادئ جديدة لم ينص عليها في القرآن وذلك للاعتبارين التاليين:
١ - أهمية الأحكام الدستورية وخطورتها.
٢ - أن سنة الآحاد غير يقينية.
الدكتور عبد الحميد متولي لا يأخذ بسنة الآحاد بالنسبة للأحكام الدستورية، ويبرر عدم أخذه بسنة الآحاد بالنسبة لهذه الأحكام الدستورية بقوله: أهمية
стр. 301
الأحكام الدستورية وخطورتها، يعني: بسبب هذه الأهمية والخطورة، فلا يصلح أن تثبت بسنة الآحاد، وأيضًا يقول: بأن سنة الآحاد غير يقينية.
ثم يتابع الأستاذ حديثه فيوضح الأمر، فيقول: إن الأحكام المتعلقة بالقانون الدستوري هي على قسط كبير من الأهمية والخطورة؛ لأنها تتعلق بالنظام السياسي للدولة، أي: ينظام الحكم فيها، وبيان حريات الأفراد وحقوقهم الأساسية إزاء الدولة، لذلك لم يكن من المقبول أن نأخذ بالسنة في هذا المقام إلا إذا كانت يقينية، أي: متواترة أو على الأقل سنة مشهورة.
ففي مثل هذه الشجون التي تنطوي على مثل تلك الأهمية والخطورة يعد عدم شهرة السنن قرينة قوية على عدم صحتها، أي: على عدم صدورها حقًا عن الرسول ﷺ .
هذا هو نص كلام الدكتور/ عبد الحميد متولي، والذي نود أن نناقش به الأستاذ الفاضل هو: هل تخرج الأحكام الدستورية والسياسية عن كونها أحكامًا شرعية يحتج في صددها بما يحتج بها في بقية الأحكام؟ ومن بين ذلك -بطبيعة الحال- سنة الآحاد متى صحت نسبتها إلى النبي ﷺ بأن رواها العدل الضابط عن مثله إلى منتهاها، ولم يكن الحديث شاذًا ولا معللًا بعلة تقدح فيه.
يعني: ما دمنا نستدل بسنة الآحاد في الأحكام الأخرى غير الدستورية ينبغي علينا أن نحتج بها في الأحكام الدستورية أيضًا، وتكون مصدرًا للأحكام الدستورية أيضًا، مادام الذي رواها يتصف بالعدل والضبط، وما ذهب إليه الأستاذ الفاضل لا يصح في مقام الشريعة الإسلامية التي لا تعتبر أي ميزة لأحكام القانون العام على أحكام القانون الخاص، فكل حكم شرعي قام الدليل على طلبه -على أي نحو- كان وجب الوقوف عنده.
стр. 302
والفقهاء الذين تطلبوا في سنة الآحاد شروطًا خاصة للعمل بها كالمالكية والحنفية على ما ذكرنا، فليس يترتب على تخلف هذه الشروط في نظرهم رد سنة الآحاد جملة وتفصيلًا، وإنما هم يحتجون في سنة الآحاد في كثير من الأحكام باستثناء بعض الأحاديث القليلة النادرة التي تخالف ما اشترطوه في العمل بهذه السنة.
وهل تصل أحكام القانون السياسي والدستوري في خطورتها إلى مستوى العقائد التي ارتأى علماء الأصول والفقه: أنه لا يكفي إثباتها غلبة الظن الذي تفيده سنة الآحاد، وإنما يلزم أن يكون دليل إثبات العقائد يقينيًا؛ لأن الظن في هذا الصدد لا يغني من الحق شيئًا؟
أعتقد أن أحكام القانون السياسي والدستوري لا تصل إلى مرتبة العقائد حتى نشترط لها أحاديث تفيد اليقين، مثل: الأحاديث المتواترة.
على أنا نلاحظ: أن الرسول ﷺ وهو صاحب الشرع ومؤسس دولة المسلمين قد تواتر عنه إرساله الرسل والقضاة والأمراء إلى الأفاق وإلى الدول المجاورة، وكانوا مع ذلك آحادًا، ولم يقل أحد بأن هذا الإرسال غير صحيح، بل كان أهل البلدان المختلفة يلتزمون بتلك الأحكام التي يبلغهم إياها الرسل والأمراء والقضاة من قبل الرسول ﷺ ولو لم يكن خبر الواحد حجة ملزمة لما التزموا بذلك.
وأيضًا فقد ذكر الشافعي في (الرسالة) ما يفيد الاحتجاج بخبر الواحد من أحاديث النبي ﷺ فقد قال ﵇: ((نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى منه أفقه منه)) قال الشافعي فلما ندب الرسول ﷺ إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها من عبد واحد دل على أنه ﵇ لا يأمر أن يؤدى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه.
стр. 303
إذن: معنى ذلك أن هذه الأحاديث -أحاديث الآحاد- يبين لنا الإمام الشافعي أنه يحتج بها، أليست هذه الأعمال كإرسال الرسل، والأمراء والقضاة، ونحو ذلك من صميم المسائل الدستورية والسياسية التي يدعي الدكتور/ عبد الحميد متولي أنها على درجة كبيرة من الخطورة والأهمية، ومن ثم ينتهي إلى أنه لا يكتفي في إثباتها بسنة الآحاد لأنها غير يقينية؟
نقول: إرسال الرسل والأمراء والقضاة التي تعتبر من المسائل الدستورية والسياسية تخالف ما ذهب إليه الدكتور عبد الحميد متولي، وبذلك لم يكن على صواب فيما ذهب إليه من عدم الاعتماد -أو عدم الأخذ- بسنة الآحاد في الأحكام الدستورية.
إننا نذكر هنا أو نذكّر هنا بما سبق أن أشرنا إليه من أن الأحكام الشرعية التي لا تتصل بالعقيدة يكفي في شأنها غلبة الظن فقط، ومن ثم يجب العمل بهذه الأحكام عند ذلك؛ لئلا تتعطل الأحكام لندرة القواطع وقلة مدارك اليقين، وإنما تطلب العلماء في مجال العقيدة أن يكون دليل الإثبات يقينًا؛ لأن الظن لا يغني في هذا المجال كما ذكرنا.
ولكي يكون دليل إثبات العقائد معلومًا من الدين بالضرورة، حتى يترتب الكفر عند رده أو عدم العمل به، ولذلك قرر العلماء: أن من أنكر سنة متواترة قطيعة في دلالاتها فقد أنكر معلوم من الدين بالضرورة، ومن ثم يحكم بكفره؛ لأنها تفيد القطع واليقين في صحة نسبتها إلى الرسول ﷺ ومن أنكر سنة آحاد أو جحدها يكون عاصيًا وليس كافرًا؛ لأنها تفيد الظن الراجح في نسبتها إلى الرسول ﷺ ولم يقل أحد -على الإطلاق- من أهل العلم المعتبرين: بأن سنة الآحاد لا تصلح لابتناء أي نوع من الأحكام الشرعية عليها فيما عدا العقائد كما ذكرنا.
стр. 304
وهذا هو الذي قرره الإمام أبو حامد الغزالي حين ذكر في (المستصفى) أن خبر الواحد لا تثبت به الأصول، أي: أصول الدين وعقائده، فهذه لا تثبت إلا بالدليل القطعي من القرآن أو السنة المتواترة.
وأما ما عدا ذلك فسنة الآحاد تعتبر مصدرًا تشريعيًا في جميع المعاملات بلا استثناء ومنها مسائل السياسة الشرعية أو الأحكام السياسية والدستورية.
وبناء على ذلك: فليس بصحيح ما ذهب إليه الدكتور/ عبد الحميد متولي من الفهم الخطأ لعبارة الغزالي على أنها تعني: أن خبر الواحد لا تثبت به الأصول، أي: أصول الأحكام الشرعية مطلقًا، أي: مصادرها، فليست سنة الآحاد -إذن- في منطق الدكتور متولي من بين مصادر الأحكام الشرعية، ولا يسعفه في ذلك ما نقله عن الغزالي الذي فهم عبارته خطأ، أولًا، وثانيًا: لأن الغزالي في كتبه المختلفة إنما يحتج كثيرًا بسنة الآحاد، وأحيانًا يحتج بأحاديث ضعيفة من هذه السنة، ويقدمها على الأخذ بالرأي.
وليس بصحيح -أيضًا- ما ذهب إليه الدكتور متولي من: أنه لا يجوز العمل بسنة الآحاد في مقام القانون الدستوري؛ لأن أبا بكر وعمر ﵄ كانا لا يأخذان بالحديث في مقام التشريع، ولو كان تشريعًا عاديًا أي غير دستوري، إذا كان راوي الحديث صحابيًا واحدًا، بل كان كل منهما يطلب على سبيل التيقن من صحة الحديث من يشهد مع الراوي؛ لذلك كان من الطبيعي والضروري أن نتخذ بصدد التشريعات الدستورية من أسباب الحيطة والتيقن ما يفوق كثيرًا ما نتخذه بصدد التشريعات العادية، لاسيما بعد أن انقضى على عهد الرسول العديد من القرون، ودخل على رواية الحديث الكثير من دروب الكذب والتحريف.
стр. 305
هذا هو كلام الدكتور/ عبد الحميد في كتابه (مبادئ نظام الحكم في الإسلام) صـ١٩٠ وما بعدها.
هو يستند في ذلك إلى أن سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر -رضوان الله ﵎ عنهما- كانوا لا يأخذون بالحديث إذا كان يقول به صحابي واحد، بل يسألون عن أشخاص آخرين، ربما سمعوا هذا الحديث، فهو يقول: مادام أبو بكر وعمر كانوا لا يعتمدون ولا يأخذون بهذا الحديث إلا بالرجوع والسؤال عن مدى صحة الحديث عند غير الذي قال به، يقول: بالقياس على ما فعله أبو بكر وما فعله عمر ينبغي علينا ألا نأخذ بسنة الآحاد في أمور مهمة، مثل الأحكام الدستورية في الحكم.
ويرد على ذلك ونقول ما ذهب إليه المؤلف الفاضل غير صحيح؛ لأن المعروف عن صحابة الرسول ﷺ أنهم كانوا: إذا ثبت عندهم الحديث فإنهم يحتجون به، وقد كانوا يعملون بخبر الواحد، وتواتر عندهم ذلك، وما ردوه من الأخبار أو توقفوا فيه فإنما كان لأمور اقتضت ذلك من وجود معارض أو فوات شرط، لا لأنهم يرفضون العمل بسنة الآحاد أصلًا كما فهمه خطأ ذلك المؤلف الذي يتصور أن حديث الآحاد هو ما رواه واحد فقط، وهذا بطبيعة الحال ينم عن جهل فاضح بسنة الآحاد التي لم تتوافر لها شروط التواتر أو الشهرة على مصطلح الحنفية.
على كل حال: يتضح من هذا أن الدكتور ما فهم معنى سنة الآحاد؛ ولذلك هو نظر إلى أنه بعض الأحيان كان سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر عندما يخبرهم أحد الصحابة بالحديث إنما كانوا لا يقتنعون بذلك ويسألون الصحابة الآخرين: هل سمعتم هذا الحديث أم لم تسمعوه؟ إنما فعل ذلك الإمامان الجليلان من أجل وجود معارض لما يؤدي إليه هذا الحديث فهم فقط
стр. 306
يريدون أن يتأكدوا من ذلك، ويريدون أن يزيلوا هذا التعارض، لكن عندما يتأكدون من صحة هذا الحديث ليس معناه: أنهم لا يأخذون بسنة الآحاد، فقد كانوا يأخذون بسنة الآحاد، وسنة الآحاد ليس بلازم أن يرويها واحد كما فهم ذلك الدكتور عبد الحميد متولي، ولكن قد يكون واحد أو اثنين أو ثلاثة، المهم: لم يبلغوا درجة التواتر الذي تستحيل أو تستحيل العادة أو تحيل العادة تواطئهم على الكذب.
وليس بصحيح كذلك ما ذهب إليه الدكتور متولي من عدم الاحتجاج بسنة الآحاد في مقام القانون الدستوري؛ لأن أبا حنيفة ﵁ كان لا يقبل أحاديث الآحاد، إذ كان لا يقبل سوى الأحاديث المشهورة، وكان ذلك راجعًا لانتشار الوضع في الحديث، يعني: الإمام أو الدكتور متولي يقول: لا نأخذ بسنة الآحاد ويستدل على ذلك بأن الإمام أبو حنيفة كان لا يقبل أحاديث الآحاد، فما دام الإمام أبو حنيفة كان لا يأخذ بأحاديث الآحاد -الدكتور متولي يقول هذا- يقول: مادام الإمام أبو حنيفة كان لا يقبل أحاديث الآحاد.
فأيضًا نقول: قياسًا على ما ذهب إليه لا نأخذ أيضًا بهذه الأحاديث نقول: أولًا: هذا النقل عن الإمام أبي حنيفة، وهو: أنه لا يقبل أحاديث الآحاد هو في الواقع نقل غريب عن أبي حنيفة لم يقل به أحد من العلماء، إذ المقرر عند العلماء في مجال الاحتجاج بخبر الواحد هو ما يلي:
ذهب الخوارج والمعتزلة إلى عدم الاحتجاج بخبر الواحد؛ لأنه لا يفيد العلم المقطوع به، وذهب داود الظاهري إلى الأخذ بأحاديث الآحاد وأنه يفيد العلم والعمل جميعًا، وقد اختار هذا الرأي ابن حزم وانتصر له كثيرًا في كتابه (الأحكام) وحكي هذا أيضًا: عن مالك وأحمد، وهو رأي كثير من علماء الحديث؛ لأن الحكم الذي يوجب العمل به يوجب العلم اليقيني.
стр. 307
وذهب جمهور الفقهاء من العلماء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة إلى: وجوب العمل بخبر الواحد مع كونه لا يفيد إلا الظن الراجح فقط، لأنه لا تلازم بين وجوب العمل وإفادة العلم، ولأن الظن الراجح كافٍ في الأمور العملية.
فإذن: وجدنا -إذن- الجماعة الأحناف مع جمهور الفقهاء الذين يقولون بوجوب العمل بخبر الواحد، معنى ذلك: أن نقل الدكتور عبد الحميد متولي عن الإمام أبي حنيفة، وأنه كان لا يأخذ بسنة الآحاد هذا النقل مشكوك فيه وغير سليم.
وكذلك فالمنقول عن الحنفية في كتبهم: أنهم يجعلون السنة في المرتبة الثانية بعد القرآن فهي المصدر الثاني للتشريع، سواء كانت متواترة أو مشهورة أو أحادية إذا جاءت على شروطهم، ولا يلجأون إلى الرأي والقياس إلا إذا لم يجدوا في المسألة حديثًا، بل المعروف عن الحنفية أنهم يقدمون الحديث الضعيف على الرأي والقياس، وكذلك يقدمون قول الصحابي على الرأي والقياس أيضًا، فهل يظن بمن كانت هذه أصوله في استنباط الأحكام: أنه يرد سنة الآحاد جملة كما فهمه خطأ الدكتور متولي؟ هذا أمر غير صحيح.
وهناك شبهة ألأخيرة ذكرها الدكتور عبد الحميد متولي، وهي: أن صحيح البخاري قد تعرض للنقض من بعض علماء الحديث، كالإمام أحمد الذي لم يشهد بالصحة لأربعة أحاديث مما جمعه البخاري، وكذلك قد انتقد العلماء الآخرون مائة وعشرة من أحاديث البخاري، والإمام مسلم لم يوافق البخاري على جميع ما جمعه من الأحاديث، بل اختلف معه فيها، والعلماء يرون: أن صحيح البخاري لا يفيد إلا الظن فقط.
وهذا كلام فيه من التعميم ما لا يناسب طبيعة البحث العلمي، فضلًا عن أن بعضه غير صحيح مطلقًا، وبيان ذلك من ناحيتين:
стр. 308
أولًا: من المسلم به أن أحاديث البخاري صحيحة، ومنها ما هو متواتر وما هو مشهور وما هو سنة آحاد، وإذا كان بعض العلماء قد انتقد البخاري فيما جمعه من بعض الأحاديث، فهذا لا يعني الطعن في صحة هذه الأحاديث، وإنما معناه: أنهم كانوا يختلفون في مدى حكمهم على السنة ومدى رأيهم في رجال هذا السند، فهذا أمر راجع لاختلاف معايير الضبط والصحة التي تتفاوت عند علماء الحديث، فالشروط التي وضعها البخاري مثلًا: تختلف عن تلك التي وضعها مسلم، وهذه أمور لا تقلل من قيمة صحيح البخاري أو صحيح مسلم، بل قد قرر العلماء أن أعلى درجات الصحة في الحديث تكون فيما اتفق عليه البخاري ومسلم.
وقد جمع الأستاذ/ محمد فؤاد عبد الباقي من هذه الأحاديث ما أسماه بكتاب (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان) فالأحاديث التي وردت في هذا الكتاب هي عبارة عن ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ولذلك فيه في أقصى درجات الصحة، ويليها في ذلك ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطيهما، ولم يخرجاه.
ثانيًا: بالنسبة لمسألة الظن والقطع في صحيح البخاري فليس هذا حكمًا يلقى على عواهنه كيفهما اتفق؛ لأن المقرر لدى أهل العلم أن الذي يفيد القطع من السنة هو الحديث المتواتر، سواء كان في صحيح البخاري أو في غيره، وأما الحديث المشهور فهو يفيد ظنًا يقرب من الطمأنينة ولا يرقى إلى مستوى اليقين الذي يفيده الحديث المتواتر، وأما الذي يفيد الظن فهو سنة الآحاد، سواء كانت في (صحيح البخاري) أو في غيره، وهي على كل حال تكفي لوجوب العمل في غير مجال الاعتقاد؛ لأنه لا تلازم كما ذكرنا بين وجوب العمل ووجوب العمل، بل يكفي
стр. 309
الظن بصدق الراوي حتى يترجح وجود أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ ؛ فيكون من قبيل الاحتياط العمل بالراجح.
الإجماع
وننتقل الآن إلى مصدر آخر من مصادر الأحكام الدستورية في النظام الإسلامي، وهو الإجماع:
والإجماع في اللغة هو: الاتفاق، يقال: أجمعت الجماعة على كذا إذا اتفقوا عليه، ويطلق بإزاء تصميم العزم، يقول: أجمع فلان رأيه على كذا إذا صمم عزمه، قال الله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ (يونس: من الآية: ٧١).
ومعنى الإجماع في الشرع: اتفاق المجتهدين من المسلمين في عصر من العصور بعد وفاة الرسول ﷺ على حكم شرعي، والعلماء الذين يعتبر اتفاقهم في الإجماع هم المجتهدون الذين يملكون القدرة على استنباط الأحكام من مصادرها.
وعلى ذلك: فلا يدخل في هذا الصدد اتفاق عامة الناس؛ لأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد، وأهل الاجتهاد معروفون مشتهرون في كل عصر، فيمكن تعرف أقوالهم من الأفاق، ولا يمكن أن ينعقد الإجماع في حياة الرسول ﷺ لأنهم إن وافقوا الرسول ﷺ .
فالحجة في قوله وفعله ﵊ ويكون ذلك من قبيل السنة، وإن خالفوه فلا عبرة بخلافهم مادام ﷺ بين أظهرهم يبين عن الله تعالى ما يوحى به إليه، ولا بد وأن يكون اتفاق المجتهدين على حكم من الأحكام الشرعية ليخرج الأحكام العقلية أو اللغوية أو العادية فلا يسمى الاتفاق بشأنها إجماعًا.
وهنا يرد سؤال: هل يمكن وقوع الإجماع في هذا الزمان؟
ذهب بعض العلماء إلى استحالة وقوع الإجماع، بمعنى: اتفاق جميع المجتهدين في عصر من العصور على حكم من الأحكام؛ نظرًا لتفرق المجتهدين في
стр. 310
الأمصار، وعدم التقاء الفقهاء مما يجعل من الصعب الوقوف على آرائهم، وعدم معرفة المجتهد من غير المجتهد؛ نظرًا لحصول الاختلاف بين فقهاء أهل كل بلد من الحواضر الإسلامية، وعلى ذلك فيستحيل أن يتفق جميع المجتهدين على حكم شرعي مختلف فيه، ولكن جماهير العلماء يرون: أن الإجماع ممكن عقلًا، ووجوده متصور؛ لأن الأمة مجمعة على وجوب الصلوات الخمس، وسائر أركان الإسلام، وكيف نمنع تصور الإجماع، والأمة كلها متعبدة بالنصوص، والأدلة القواطع معرضون للعقاب بمخالفتها، وكما لا يمتنع اتفاقهم على الأكل والشرب لا يمتنع اتفاقهم على أمر من أمور الدين.
وإذا جاز اتفاق اليهود مع كثرتهم على باطل، فلمَ لا يجوز اتفاق أهل الحق عليه؟ أي: على الحق، وقد وقع الإجماع بالفعل، وتحقق في عصر الصحابة كإجماعهم على: أن الجدة تأخذ السدس تنفرد به الواحدة وتشترك فيه الأكثر من واحدة، وإجماعهم على عدم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وإجماعهم على أن الأخوة والأخوات لأب يقومون مقام الأشقاء إن لم يكن أشقاء، وإجماعهم على بطلان زواج المسلمة بغير المسلم وغير ذلك مما يطول حصره واستقصاؤه يراجع في ذلك الشيخ أبو زهر في (أصول الفقه) ص ١٥٩ وما بعدها.
والذي نراه في هذا المقام: أن انعقاد الإجماع بالمنظور الأصولي أمر يكاد لا يتحقق في الواقع، إنه إن أمكن تحقق هذا الإجماع في عصر الصحابة لقلة عددهم، وتجمعهم في المدينة، ومعرفتهم، وشهرتهم، مما يسهل الوقوف على آرائهم، وقد كان عمر ﵁ يحرّم على كبار الصحابة وأهل الرأي مغادرة المدينة إلى البلاد المفتوحة إلا عند الضرورة.
نقول: إن أمكن هذا في عصر الصحابة، فهو غير ممكن في عصر التابعين ومن بعدهم بعد تفرق العلماء والمجتهدين في الأمصار والبلدان المفتوحة وإقامتهم بها،
стр. 311
وكثرة عددهم، واستقلال كل منهم باجتهاده في بلده، وهو ما جعل الاجتهاد يتسم بالصورة الفردية.
ومن هنا تعثر انعقاد الإجماع، ولم يكن ميسورًا ولا سهلًا وقوعه، وهو ما جعل ابن حنبل والشافعي أيضًا يؤثرون على تعبير الإجماع، أن يقال: لا نعلم في المسألة خلافًا يعني: الإمام الشافعي وابن حنبل كانوا يعني يفضلون أن يعبروا عن الإجماع بقولهم: لا نعلم في المسألة خلافًا، لكن لا يعبرون بالإجماع، لماذا؟ كأنهم يرون: عدم تحقق الإجماع.
وأن من ادعى الإجماع يرون ذلك، فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، وقد يكون من المفيد أن ننادي مع البعض في هذا الصدد بضرورة الاعتناء بالمجامع الفقهية في هذه الأيام التي تضم جميع الفقهاء في العالم الإسلامي، حيث يكون لهذه المجامع أماكنها المعروفة، وتتهيأ لهذه الفرص المناسبة والإمكانيات اللازمة، ويسهل الاتصال فيما بينها، وتجتمع في أوقات معينة دورية ثم تعرض عليها المسائل والوقائع الجديدة لدراستها، وإظهار حكم الشرع فيها، ثم تنشر هذه الأحكام بواسطة الإذاعات أو المجلات أو الكتب الدورية؛ ليطلع الناس عليها ويبدي أهل العلم منهم رأيهم فيها؛ لاحتمال ألا يتيسر انضمام جميع الفقهاء إلى هذه المجامع، ثم تلاحظ المجامع الفقهية هذه الآراء المختلفة من أعضائها النظاميين، وممن هم خارجها، وإذا اتفقت أراء هذه المجامع على حكم -فيما بعد- كان من الممكن أن يكون هذا مثالًا لما يمكن تسميته بالاجتهاد الجماعي الذي يقرب من الإجماع الذي تحدث عنه الأصوليون، وإننا لنجد في هيئة كبار العلماء في مصر قبل إلغائها وفي مجمع البحوث الإسلامية الآن ما يمثل النواة لتحقيق هذه الفكرة التي ندعو إليها.
стр. 312
حجية الإجماع:
يستدل على حجية الإجماع بنحو قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ١١٥) فهذا يوجب إتباع سبيل المؤمنين، ويحرّم مخالفتهم، ولا يقال في هذا الصدد: بأنه إنما توعد على مشاقة الرسول، وترك إتباع سبيل المؤمنين معه، فالتارك لأحدهما بمفرده لا يلحق به الوعيد، لا يقال: مثل ذلك؛ لأن التوعد على شيئين يقتضي أن يكون الوعيد على كل واحد منهما منفردًا أو بهما معًا، ولا يجوز أن يختص الوعيد بأحدهما دون الآخر.
وفي السنة ما يشهد لحجية الإجماع كقول النبي ﷺ : ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) وفي رواية: ((لم يكن الله ليجمع هذه الأمة على خطأ)) وقال ﷺ : ((ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح)) وقال أيضًا: ((من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)) وقال أيضًا: ((من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية)).
فهذه الأخبار لم تزل ظاهرة مشهورة في الصحيحة والتابعين لم يدفعها أحد من السلف والخلف وهي وإن لم يتواتر آحادها حصل لنا بمجموعها العلم الضروري: أن النبي ﷺ عظّم شأن هذه الأمة وبين عصمتها من الخطأ، ومن وجه آخر أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة بين الصحابة والتابعين يتمسكون بها في إثبات الإجماع، ولا يظهر فيه أحد خلافًا.
قد يرد سؤال هنا، وهو: هل يكون الإجماع مصدرًا للأحكام الدستورية والسياسية؟
стр. 313
إن الإجابة على هذا السؤال تكاد تبدو بدهية لا صعوبة فيها، إذا ما عرفنا -كما قلنا غير مرة-: أن هذه الأحكام هي جزء من الأحكام الشرعية بصفة عامة، ومصادر الشريعة التي من بينها الإجماع تستقى منها الأحكام الشرعية مطلقًا، سواء كانت هذه الأحكام من قبيل التشريعات العادية بلغة أهل القانون أم كانت من قبيل التشريعات السياسية والدستورية، فليس في الشريعة مجال لتصنيف الأحكام على النحو المقرر في القانون إلى: أحكام القانون الخاص التي تكون منظمة لعلاقات الأفراد فيهما بينهم، وأحكام القانون العام التي تنظم علاقة الأفراد بالدولة التي تحكمهم، وبطبيعة الحال يكون للنوع الأخير بعض الأهمية من حيث خطورة المسائل التي يعالجها، وهو ما أوقع البعض على أن يقول بأن الإجماع لا يكون مصدرًا من المصادر التي تستقى منها الأحكام الدستورية والسياسية.
لكن الإجماع باعتباره مصدرًا شرعيًا يصلح لإثبات كافة الأحكام الشرعية به، وقد أجمع الصحابة بعد وفاة الرسول ﷺ على وجوب الإمامة، وتلك مسألة من أخص خصائص القانون الدستوري والسياسي، فقد ذكر ابن خلدون في (المقدمة) أن نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين؛ لأن أصحاب الرسول ﷺ بادروا إلى بيعة أبي بكر ﵁ وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من بعد ذلك، ولم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعًا على وجوب نصب الإمام.
وحتى ولو سلمنا بصعوبة انعقاد الإجماع بعد عصر الصحابة -كما ذكرنا سلفًا- فقد ذكر العلماء أن الإمامة مادامت تحصل بالاختيار والبيعة؛ فإنها لا تفتقر إلى إجماع من جميع أهل الحل والعقد، بل يأتي أو يكفي في ذلك رأي واحد أو
стр. 314
اثنين منهم، كعقد عمر لأبي بكر، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، كما أجمع الصحابة على البيعة كوسيلة لإسناد السلطة إلى رئيس الدولة، كما حصل في مبايعتهم لأبي بكر، وأجمعوا كذلك على محاربة المرتدين في عهد أبي بكر، وكل هذه مسائل سياسية ودستورية بلغة أهل القانون، أو من مسائل السياسة الشرعية بلغة فقهاء المسلمين، كل هذا دليل على أن الإجماع مصدر من مصادر الأحكام السياسية في الدولة الإسلامية.
هذا وبالله التوفيق، نكتفي بهذا القدر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٣ - تابع: مصادر الأحكام السياسية في النظام الإسلامي وقواعد النظام السياسي في الإسلام (١)
القياس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد بدأنا في المحاضرة السابقة الحديث عن مصادر الأحكام السياسية في الدولة الإسلامية وذكرنا منها: القرآن الكريم كمصدر من هذه المصادر، والسنة النبوية الشريفة كمصدر من هذه المصادر، وتحدثنا عن الإجماع.
ثم نتحدث بعد ذلك عن: مصدر آخر من المصادر التي تستقى منها الأحكام السياسية في الدولة الإسلامية، فنتحدث عن الاجتهاد بالرأي كمصدر للأحكام الدستورية والسياسية.
ونقصد بعبارة الاجتهاد بالرأي في هذا الصدد: ما هو أعم من القياس، بحيث يشمله ويشمل غيره كالإستحسان، والمصالح المرسلة، والعرف، ولذلك سوف نعرف بكل من هذه المصادر ثم نبين هل تصلح أن تكون مصدرًا للأحكام السياسية أم لا؟
أولًا القياس:
القياس في اللغة هو التقدير، وأما القياس في الشرع: فهو حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما، وقيل: هو حكمك على الفرع بمثل ما حكمت به في الأصل؛ لاشتراكهما في العلة التي اقتضت ذلك في الأصل، وقيل: هو حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بجامع بينهما من إثبات حكم أو صفة لهما أو نفيهما عنهما.
ومعاني هذه الحدود وتلك التعريفات متقاربة، فهي كلها عبارة عن بيان حكم أمر غير منصوص على حكمه، بإلحاقه بأمر معلوم حكمه بالنص عليه في الكتاب
стр. 315
أو السنة، فهو عبارة عن إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر آخر منصوص على حكمه للاشتراك بينهما في علة الحكم.
وأركان القياس أربعة، هي: المقيس وهو: الفرع الذي لم ينص على حكمه، والمقيس عليه وهو: الأصل الذي نص على حكمه، وحكم الأصل الذي ورد به النص.
وقد نضرب مثالًا يوضح ذلك: فعندنا الخمر -على سبيل المثال- ورد النص في القرآن الكريم على حرمتها، في قول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: من الآية: ٩٠) فهذه الآية نصت على حرمة الخمر، فلو كان معنا نبيذ اتخذ من التمر -على سبيل المثال- حتى أصبح مسكرًا، يعني: إذا شربه الإنسان أسكر، فما حكم هذا النبيذ؟ هذا النبيذ لم يرد حكمه في القرآن أو في السنة صراحة، إنما الذي ورد صراحة هو حكم الخمر.
ففي هذه الحالة عن طريق القياس نقيس النبيذ على الخمر، وحكم الخمر إنما هو الحرمة، فنعطي للنبيذ الحرمة إذا أصبح مسكرًا، والعلة بينهما هي الإسكار، فكأن عندنا الأصل وهو الخمر، والفرع وهو النبيذ، وحكم الأصل وهو الحرمة، والعلة وهي الإسكار الذي تحقق في المقيس، والمقيس عليه أو في الأصل والفرع.
هذا هو معنى القياس، ولذلك -كما قلنا-: له أركان أربعة المقيس، والمقيس عليه وهو الأصل الذي نص على حكمه، وحكم الأصل الذي ورد به النص، والعلة.
والعلة هي ما بني عليه الحكم في الأصل وتحقق في الفرع.
стр. 316
وهو دليل شرعي، أي: أن القياس هو دليل شرعي معتبر لدى جماهير علماء الفقه الإسلامي؛ لأن النصوص متناهية، والوقائع لا تتناهى، وحوادث الناس متجددة، فلذلك لا يمكن الاستغناء عن القياس كمصدر شرعي يعطي للأحكام الجديدة حكمها الشرعي، وينزلها المنزلة التي تستحقها عن طريق الاجتهاد بالرأي الذي يلحق الفرعيات بأصولها الكلية.
ولذلك قال عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري: الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال فقس الأمور عند ذلك بنظائرها، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق.
والقياس هو المصدر الرابع من مصادر الشريعة الغراء، المصدر الأول الكتاب والسنة والإجماع، ثم يأتي بعد ذلك القياس.
ولكون القياس مصدرًا اجتهاديًا كما ذكرنا فإنه لا يعتبر ملزمًا على وجه التحديد عند بقية المجتهدين؛ لأن العلة التي هي مناط القياس وعليها مداره ليست واحدة في نظر جميع المجتهدين؛ ولذلك كان الاختلاف في العلة هو السبب دائمًا في اختلاف المجتهدين في الآراء الفقهية التي تصدر عنهم.
فالقياس على ذلك مصدر تفسيري يختلف بحسب المجتهدين.
ولكن هل يعتبر القياس مصدرًا للأحكام السياسية والدستورية في الشرعية الإسلامية؟
نقول القياس -باعتباره مصدرًا شرعيًا يلجأ إليه المجتهد عند إرادة إلحاق فرع لم ينص على حكمه بأصل منصوص عليه أو على حكمه لاشتراكهما في علة
стр. 317
الحكم عند المجتهد- فإنه بذلك يصلح أن يكون مصدرًا لكافة الأحكام الشرعية، سواء كانت دستورية أم غير دستورية.
الاستحسان
ثانيًا: الاستحسان:
والاستحسان كمصدر للأحكام السياسة والدستورية في النظام الإسلامي هو من المصادر التبعية للتشريع الإسلامي، وهو نوع من القياس، وأحيانًا يطلق عليه القياس الخفي.
وقد عرفه أبو الحسن الكرخي -من الحنفية- فقال: هو أن يعدل المجتهد عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم بها في نظائرها لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول.
فالحكم في الاستحسان يجيء مخالفًا لقاعدة مضطردة لأمر يجعل الخروج عن القاعدة أقرب إلى الشرع من الاستمساك بالقاعدة، فيكون الاعتماد عليه أقوى استدلالًا في المسألة من القياس.
والاستحسان قد أنكره بعض العلماء كالإمام الشافعي، وقال: من استحسن فقد شرّع، أي: جعل نفسه مشرع دون الله، فالشافعي يعتبره نوعًا من التشريع بالهوى والرأي بدون دليل، ولا شك أن ما هو كذلك مذموم عند الكل، أما ما ليس كذلك -وإنما كان وجه العدول عن القاعدة أقوى من التمسك بها- فهو اجتهاد ممدوح لا حرمة فيه.
وينقسم الاستحسان إلى قسمين:
الاستحسان القياسي، بمعنى: أن يعدل المجتهد عن مقتضى القياس الظاهر إلى قياس خفي تقتضي المصلحة.
стр. 318
وأيضًا: استحسان الضرورة، بمعنى: مخالفة حكم القياس لضرورة أو مصلحة دفعًا للحرج وسدًا للحاجة، ويكون ذلك عندما يؤدي تطبيق القواعد القياسية العامة إلى الوقوع في الحرج والمشقة.
ومثال ذلك أن الأمين أو الوديع لا يضمن ما تلف بيده من غير تقصير، ومثله في ذلك المستعير والمستأجر والأجير، ولكن الحنفية فرقوا بين الأجير الخاص والأجير المشترك، الأجير الخاص: هو الذي يعمل عند فرد بعينه، أما الأجير المشترك: فيعمل عند عدد من الأفراد.
نقول الحنفية فرقوا بين الأجير الخاص والأجير المشترك وجعلوا الأجير المشترك كالصباغ والخباز والترزي ونحوهم جعلوه ضامنًا لما بيده، لماذا؟
على الرغم من أن ذلك يعارض القاعدة التي تقول: بأن المستأجر والأجير إنما هو أمين، خالفوا هذه القاعدة استحسانًا؛ حتى لا يهمل هذا الأجير عمله ويؤدي ذلك إلى إتلاف السلعة، ما لم يكن الهلاك أو التلف لأمر لا دخل له فيه، ولا يمكنه التحرز عنه كالحريق ونحوه.
وإذا تقرر لنا أن الاستحسان مصدر شرعي معتبر على المعنى الذي قدمناه فهو ينطوي على نوع من المصلحة؛ لأنه كثيرًا ما يؤدي إعمال القواعد القياسية العامة إلى إهدار بعض المصالح أو مخالفة بعض المبادئ الشرعية المقررة، فعندئذ يكون الاستحسان من ألزم اللزوميات للخروج من هذا المأزق؛ تحقيقًا للمقاصد الشرعية، واحترامًا للمصالح المرعية، بلا فرق في هذا الصدد بين أن يكون الحكم المأخوذ فيه بالاستحسان من قبيل الأحكام الدستورية والسياسية أو من غيرها؛ لأن الشريعة كما ذكرنا سابقًا لا تعرف فارقًا كهذا بين حكم شرعي وحكم شرعي آخر، ومادام المصدر يصلح كدليل يحتج ويستنبط منه الحكم فيستوي في
стр. 319
ذلك جميع الأحكام، بل إننا نلاحظ: أن الاعتماد على الاستحسان في المجالات السياسية قد يكون أكثر مناسبة مراعاة للمصالح المتغيرة التي تختلف باختلاف الأزمان، وقد يؤدي إعمال القواعد القياسية أحيانًا إلى إهدار بعض هذه المصالح المعتبرة، كما ذكر.
المصالح المرسلة
ومن هذه المصادر -أيضًا التي تعتمد على الرأي- من هذه المصادر المصالح المرسلة.
والمصالح المرسلة كمصدر للأحكام السياسية والدستورية في النظام الإسلامي.
أولًا: المصلحة هي عبارة عن جلب المنفعة أو درء المفسدة، وهي على ثلاثة أقسام: قسم شهد الشرع باعتباره، ويعرف بالمصالح المعتبرة، وهي عبارة عن اقتباس الحكم من معقول النص أو الإجماع، وقسم شهد الشرع ببطلانه، وهو ما يعرف بالمصالح الملغاة، كإيجاب الصوم بالوقاع في رمضان على الملوك والحكام؛ لكون العتق سهلًا بالنسبة لهم، فلا ينزجرون به، والكفارة إنما وضعت للزجر، فهذه مصلحة باطلة؛ لمخالفتها الصريح المنصوص، بمعنى: أن هذه المصلحة -الذين قالوا بذلك أو بعض الذين قالوا بذلك- رأوا أن الإنسان إذا كان غينًا وجامع زوجته في نهار رمضان، قالوا: عليه القضاء والكفارة، والكفارة هنا: إنما هي مرتبة، فالكفارة تبدأ بعتق رقبة، فبعض الفقهاء قالوا: لو ألزمنا هذا الغني بعتق رقبة، وهو عنده الرقاب كثيرة، فلن ينزجر من هذا، ولذلك قالوا: المصلحة تقتضي أن نلزمه بالصيام ليحس بالعقوبة أكثر من إلزامه بالعتق الذي لا يكلفه كثيرًا- هذه المصلحة التي نظروا إليها هي مصالح ملغاة لا يعتبرها الشارع، لماذا لا يعتبرها الشارع؟ لأنها تتعارض النص، النص يبين أن أولى هذه الكفارات هي عتق رقبة، ولم ينظر إلى ما إذا كان الذي ارتكب هذا الشيء الذي أوجب الكفارة -وهو جماع الزوجة- لم ينظر الشارع إلى: ما إذا كان غنيًا أو فقيرًا، ولذلك هذه المصلحة التي تغياها هؤلاء الفقهاء تعتبر مصلحة ملغاة، لا اعتداد بها في الشارع؛ لأنها تخالف النص.
стр. 320
وأما القسم الثالث فهو ما لم يشهد له الشارع باعتبار أو بإبطال، وهو ما يعرف بالمصالح المرسلة، فهو نوع من المصالح يلائم مقاصد الشارع، وإن كان لم يشهد له أصل خاص بالاعتبار أو الإلغاء.
وقد حمل لواء هذا النوع من المصالح الإمام مالك ﵀ ﵎ وفق شروط معينة.
والمصالح المرسلة على هذا: إنما تعتبر مصدرًا أساسيًا من مصادر القواعد الدستورية بصفة خاصة؛ لأن أكثر هذه القواعد لم يرد بها نص شرعي؛ فيكون باب المصلحة مفتوحًا أمام المجتهد؛ ليأخذ بما تقتضيه هذه المصلحة، وهو ما يقارب ما يعرف عن القانونين بفكرة القانون الطبيعي، وقواعد العدالة التي يعتمد عليها شراح القوانين الوضعية بصدد الموضوعات التي لم ينص على حكمها.
ومما يدل على جواز الأخذ بهذه المصالح في الأحكام الدستورية والسياسية ما ذكره ابن خلدون في (المقدمة) من أن الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ كان أول من فصل بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية اعتمادًا على المصلحة، على الرغم من أنه لم يكن هناك فصل بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية أيام النبي ﷺ ولا أيام أبي بكر ﵁ وأرضاه-.
فعل ذلك عمر بن الخطاب أي: أنه فصل بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، لماذا؟ اعتمادًا على المصلحة؛ لكثرة شواغل الإمام التنفيذية التي لا يستطيع معها القضاء والفصل في الخصومات.
يقول ابن خلدون: وأما القضاء فهو من الوظائف الداخلة تحت الخلافة؛ لأنه منصب الفصل بين الناس في الخصومات حسمًا للتداعي وقطعًا للتنازع، إلا أنه بالأحكام الفرعية المتلقاة من الكتاب والسنة، فكان لذلك من وظائف الخلافة
следующие страницы →