Полный текст (825 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وهو دليل شرعي، أي: أن القياس هو دليل شرعي معتبر لدى جماهير علماء الفقه الإسلامي؛ لأن النصوص متناهية، والوقائع لا تتناهى، وحوادث الناس متجددة، فلذلك لا يمكن الاستغناء عن القياس كمصدر شرعي يعطي للأحكام الجديدة حكمها الشرعي، وينزلها المنزلة التي تستحقها عن طريق الاجتهاد بالرأي الذي يلحق الفرعيات بأصولها الكلية.
ولذلك قال عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري: الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال فقس الأمور عند ذلك بنظائرها، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق.
والقياس هو المصدر الرابع من مصادر الشريعة الغراء، المصدر الأول الكتاب والسنة والإجماع، ثم يأتي بعد ذلك القياس.
ولكون القياس مصدرًا اجتهاديًا كما ذكرنا فإنه لا يعتبر ملزمًا على وجه التحديد عند بقية المجتهدين؛ لأن العلة التي هي مناط القياس وعليها مداره ليست واحدة في نظر جميع المجتهدين؛ ولذلك كان الاختلاف في العلة هو السبب دائمًا في اختلاف المجتهدين في الآراء الفقهية التي تصدر عنهم.
فالقياس على ذلك مصدر تفسيري يختلف بحسب المجتهدين.
ولكن هل يعتبر القياس مصدرًا للأحكام السياسية والدستورية في الشرعية الإسلامية؟
نقول القياس -باعتباره مصدرًا شرعيًا يلجأ إليه المجتهد عند إرادة إلحاق فرع لم ينص على حكمه بأصل منصوص عليه أو على حكمه لاشتراكهما في علة
стр. 317
الحكم عند المجتهد- فإنه بذلك يصلح أن يكون مصدرًا لكافة الأحكام الشرعية، سواء كانت دستورية أم غير دستورية.
الاستحسان
ثانيًا: الاستحسان:
والاستحسان كمصدر للأحكام السياسة والدستورية في النظام الإسلامي هو من المصادر التبعية للتشريع الإسلامي، وهو نوع من القياس، وأحيانًا يطلق عليه القياس الخفي.
وقد عرفه أبو الحسن الكرخي -من الحنفية- فقال: هو أن يعدل المجتهد عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم بها في نظائرها لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول.
فالحكم في الاستحسان يجيء مخالفًا لقاعدة مضطردة لأمر يجعل الخروج عن القاعدة أقرب إلى الشرع من الاستمساك بالقاعدة، فيكون الاعتماد عليه أقوى استدلالًا في المسألة من القياس.
والاستحسان قد أنكره بعض العلماء كالإمام الشافعي، وقال: من استحسن فقد شرّع، أي: جعل نفسه مشرع دون الله، فالشافعي يعتبره نوعًا من التشريع بالهوى والرأي بدون دليل، ولا شك أن ما هو كذلك مذموم عند الكل، أما ما ليس كذلك -وإنما كان وجه العدول عن القاعدة أقوى من التمسك بها- فهو اجتهاد ممدوح لا حرمة فيه.
وينقسم الاستحسان إلى قسمين:
الاستحسان القياسي، بمعنى: أن يعدل المجتهد عن مقتضى القياس الظاهر إلى قياس خفي تقتضي المصلحة.
стр. 318
وأيضًا: استحسان الضرورة، بمعنى: مخالفة حكم القياس لضرورة أو مصلحة دفعًا للحرج وسدًا للحاجة، ويكون ذلك عندما يؤدي تطبيق القواعد القياسية العامة إلى الوقوع في الحرج والمشقة.
ومثال ذلك أن الأمين أو الوديع لا يضمن ما تلف بيده من غير تقصير، ومثله في ذلك المستعير والمستأجر والأجير، ولكن الحنفية فرقوا بين الأجير الخاص والأجير المشترك، الأجير الخاص: هو الذي يعمل عند فرد بعينه، أما الأجير المشترك: فيعمل عند عدد من الأفراد.
نقول الحنفية فرقوا بين الأجير الخاص والأجير المشترك وجعلوا الأجير المشترك كالصباغ والخباز والترزي ونحوهم جعلوه ضامنًا لما بيده، لماذا؟
على الرغم من أن ذلك يعارض القاعدة التي تقول: بأن المستأجر والأجير إنما هو أمين، خالفوا هذه القاعدة استحسانًا؛ حتى لا يهمل هذا الأجير عمله ويؤدي ذلك إلى إتلاف السلعة، ما لم يكن الهلاك أو التلف لأمر لا دخل له فيه، ولا يمكنه التحرز عنه كالحريق ونحوه.
وإذا تقرر لنا أن الاستحسان مصدر شرعي معتبر على المعنى الذي قدمناه فهو ينطوي على نوع من المصلحة؛ لأنه كثيرًا ما يؤدي إعمال القواعد القياسية العامة إلى إهدار بعض المصالح أو مخالفة بعض المبادئ الشرعية المقررة، فعندئذ يكون الاستحسان من ألزم اللزوميات للخروج من هذا المأزق؛ تحقيقًا للمقاصد الشرعية، واحترامًا للمصالح المرعية، بلا فرق في هذا الصدد بين أن يكون الحكم المأخوذ فيه بالاستحسان من قبيل الأحكام الدستورية والسياسية أو من غيرها؛ لأن الشريعة كما ذكرنا سابقًا لا تعرف فارقًا كهذا بين حكم شرعي وحكم شرعي آخر، ومادام المصدر يصلح كدليل يحتج ويستنبط منه الحكم فيستوي في
стр. 319
ذلك جميع الأحكام، بل إننا نلاحظ: أن الاعتماد على الاستحسان في المجالات السياسية قد يكون أكثر مناسبة مراعاة للمصالح المتغيرة التي تختلف باختلاف الأزمان، وقد يؤدي إعمال القواعد القياسية أحيانًا إلى إهدار بعض هذه المصالح المعتبرة، كما ذكر.
المصالح المرسلة
ومن هذه المصادر -أيضًا التي تعتمد على الرأي- من هذه المصادر المصالح المرسلة.
والمصالح المرسلة كمصدر للأحكام السياسية والدستورية في النظام الإسلامي.
أولًا: المصلحة هي عبارة عن جلب المنفعة أو درء المفسدة، وهي على ثلاثة أقسام: قسم شهد الشرع باعتباره، ويعرف بالمصالح المعتبرة، وهي عبارة عن اقتباس الحكم من معقول النص أو الإجماع، وقسم شهد الشرع ببطلانه، وهو ما يعرف بالمصالح الملغاة، كإيجاب الصوم بالوقاع في رمضان على الملوك والحكام؛ لكون العتق سهلًا بالنسبة لهم، فلا ينزجرون به، والكفارة إنما وضعت للزجر، فهذه مصلحة باطلة؛ لمخالفتها الصريح المنصوص، بمعنى: أن هذه المصلحة -الذين قالوا بذلك أو بعض الذين قالوا بذلك- رأوا أن الإنسان إذا كان غينًا وجامع زوجته في نهار رمضان، قالوا: عليه القضاء والكفارة، والكفارة هنا: إنما هي مرتبة، فالكفارة تبدأ بعتق رقبة، فبعض الفقهاء قالوا: لو ألزمنا هذا الغني بعتق رقبة، وهو عنده الرقاب كثيرة، فلن ينزجر من هذا، ولذلك قالوا: المصلحة تقتضي أن نلزمه بالصيام ليحس بالعقوبة أكثر من إلزامه بالعتق الذي لا يكلفه كثيرًا- هذه المصلحة التي نظروا إليها هي مصالح ملغاة لا يعتبرها الشارع، لماذا لا يعتبرها الشارع؟ لأنها تتعارض النص، النص يبين أن أولى هذه الكفارات هي عتق رقبة، ولم ينظر إلى ما إذا كان الذي ارتكب هذا الشيء الذي أوجب الكفارة -وهو جماع الزوجة- لم ينظر الشارع إلى: ما إذا كان غنيًا أو فقيرًا، ولذلك هذه المصلحة التي تغياها هؤلاء الفقهاء تعتبر مصلحة ملغاة، لا اعتداد بها في الشارع؛ لأنها تخالف النص.
стр. 320
وأما القسم الثالث فهو ما لم يشهد له الشارع باعتبار أو بإبطال، وهو ما يعرف بالمصالح المرسلة، فهو نوع من المصالح يلائم مقاصد الشارع، وإن كان لم يشهد له أصل خاص بالاعتبار أو الإلغاء.
وقد حمل لواء هذا النوع من المصالح الإمام مالك ﵀ ﵎ وفق شروط معينة.
والمصالح المرسلة على هذا: إنما تعتبر مصدرًا أساسيًا من مصادر القواعد الدستورية بصفة خاصة؛ لأن أكثر هذه القواعد لم يرد بها نص شرعي؛ فيكون باب المصلحة مفتوحًا أمام المجتهد؛ ليأخذ بما تقتضيه هذه المصلحة، وهو ما يقارب ما يعرف عن القانونين بفكرة القانون الطبيعي، وقواعد العدالة التي يعتمد عليها شراح القوانين الوضعية بصدد الموضوعات التي لم ينص على حكمها.
ومما يدل على جواز الأخذ بهذه المصالح في الأحكام الدستورية والسياسية ما ذكره ابن خلدون في (المقدمة) من أن الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ كان أول من فصل بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية اعتمادًا على المصلحة، على الرغم من أنه لم يكن هناك فصل بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية أيام النبي ﷺ ولا أيام أبي بكر ﵁ وأرضاه-.
فعل ذلك عمر بن الخطاب أي: أنه فصل بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، لماذا؟ اعتمادًا على المصلحة؛ لكثرة شواغل الإمام التنفيذية التي لا يستطيع معها القضاء والفصل في الخصومات.
يقول ابن خلدون: وأما القضاء فهو من الوظائف الداخلة تحت الخلافة؛ لأنه منصب الفصل بين الناس في الخصومات حسمًا للتداعي وقطعًا للتنازع، إلا أنه بالأحكام الفرعية المتلقاة من الكتاب والسنة، فكان لذلك من وظائف الخلافة
стр. 321
ومندرجًا في عمومها، وكان الخلفاء في صدر الإسلام يباشرونه بأنفسهم، ولا يجعلون القضاء إلى من سواهم، وأول من دفعه إلى غيره وفوضه فيه عمر بن الخطاب ﵁ فولى أبا الدرداء معه بالمدينة، وولى شريحًا بالبصرة، وولى أبا موسى الأشعري بالكوفة، وكتب له في ذلك الكتاب المشهور الذي تدور عليه أحكام القضاء.
ثم يقول ابن خلدون في موضع آخر: إن الخلفاء كانوا يقلدون القضاء لغيرهم، وإن كان مما يتعلق بهم لقيامهم بالسياسة العامة وكثرة أشغالها من الجهاد والفتوحات وسد الثغور وحماية البيضة، واستخلفوا فيه من يقوم به تخفيفًا عن أنفسهم، وهذا معنى هذا الكلام الذي نقلناه عن ابن خلدون في مقدمته إنما يبين لنا: أنه بعدما سن عمر بن الخطاب الفصل بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية استمر هذا الفصل بعده ﵁ في الدولة الإسلامية، وأصبح هناك فصل بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وفعل ذلك عمر بن الخطاب -كما قلنا- لأن المصلحة تقتضي ذلك.
ففصل الخصومات بين الناس يحتاج إلى أناس متفرغين، أما الخليفة فقد أصبح لا يستطيع القيام بمهام الخلافة ومهام القضاء، ولذلك وجد سيدنا عمر أن المصلحة تقتضي الفصل بين الخلافة وبين تولي أعمال القضاء، وهذا ما نأخذه من المصالح المرسلة.
فالأخذ -إذن- بالمصالح المرسلة فيه تحقيق لمصلحة المجتمع الإسلامي، وهذا إنما يدخل في نطاق الأحكام السياسية.
العرف
أيضًا من الأمور التي تعتبر من المصادر للأحكام السياسية والدستورية العرف، والعرف عبارة عن: ما يعتاده الناس في أمر ما، وتستقيم عليه أمورهم، وهو يختلف عن العادة، فهي أعم من العرف، إذ هي تطلق على كل أمر متكرر صادر
стр. 322
من الأفراد أو من الجماعة، بينما العرف هو عادة جماهير الناس في قول أو عمل، فهي عادة غالبة على كثير من الناس، وهو أصل من أصول الفقه الإسلامي عند عدم وجود نص شرعي.
فالمقرر عند العلماء ولاسيما المالكية والحنفية: أن الثابت بالعرف كالثابت بالنص.
ويقول الشيخ أبو زهرة: ولعل معناه: أن الثابت بالعرف ثابت بدليل يعتمد عليه كالنص، حيث لا نص يعني: مادام لا يوجد النص ولا اعتبار بالعرف إذا خالف نصًا من كتاب أو سنة، كما لو تعارف الناس في بعض الأوقات تناول بعض المحرمات كالخمر والزنا وأكل الربا وأشباه ذلك، فهذا عرف فاسد، يؤدي اعتباره إلى إهمال نصوص الشريعة وإتباع الشهوات، وتلك مفاسد ما جاءت الشرائع لمثلها أبدًا.
فعلى هذا يكون العرف قسمين:
عرف صحيح: لا يصادم نصًا شرعيًا، فيؤخذ به ما دام لا يوجد نص.
وعرف فاسد: فلا يصار إليه، وهو الذي يخالف نصًا قطعيًا من نصوص الشريعة الإسلامية.
ويشترط للعمل بالعرف كأصل شرعي عند عدم وجود نص ما يلي:
أن يكون العرف مضطردًا وغالبًا، بمعنى: أن الناس يعملون به في أكثر الأحوال، فلو لم يكن العرف كذلك فإنه لا يكون مضطردًا، ويكفي أن يكون معمولًا به من أكثرية الناس سواء كان عرفًا عامًا أو خاصًا.
الشرط الثاني من شروط العمل بالعرف: أن يكون العرف موجودًا وقت نشأة التصرفات التي يراد تحكيمه بشأنها، فيكون سابقًا عليها أو موازيًا لها، أما لو كان العرف ناشئًا بعد العقد أو التصرف ففي هذه الحالة لا يجوز الأخذ به.
стр. 323
ومن الشروط أيضًا: ألا يعارض العرف تصريح بخلافه، فإذا كشف المتعاقدان عن رغبتهما في التعامل على نحو معين فإن رغبتهما في ذلك تحترم، وتكون مقدمة على العرف؛ لأن العقد شريعة المتعاقدين، وقد صرحا برغبتهما على نحو معين كما ذكرنا، فلا يكون للدلالة اعتبار في مقابلة التصريح.
ومن الشروط أيضًا: ألا يترتب على العمل بالعرف مخالفة نص قطعي في الشرع؛ لأنه لا مجال لمعارضة نصوص الشريعة بالعرف؛ لأنه عند ذلك يكون فاسدًا لا يعتبر.
تلخص لنا إذن مما تقدم: أنه عندما عدم وجود نص في المسألة يمكن أن يحكم بشأنها العرف على الشروط المتقدمة، ولذلك يجب على كل فقيه يتصدر للفتيا: أن يكون عالمًا بالأعراف ليفتي وفقًا لها إذا احتاج إلى ذلك.
стр. 324
الدرس: ٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي .
стр. 325
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن
(قواعد النظام السياسي الإسلامي)
١ - تابع: مصادر الأحكام السياسية في النظام الإسلامي وقواعد النظام السياسي في الإسلام (١)
قواعد النظام السياسي الإسلامي: أولا: الحاكمية لله
وبعد أن انتهينا من الحديث عن مصادر الأحكام السياسية في النظام الإسلامي، أو في النظام السياسي الإسلامي نتحدث الآن عن قواعد النظام السياسي الإسلامي.
فالنظام السياسي الإسلامي له قواعد معينة ينبغي أن يقوم عليها، وقاعدة الشيء لا يوجد الشيء إلا بها؛ لذلك كل قاعدة من هذه القواعد لا بد من وجودها وتحققها.
ومن أولى هذه القواعد التي يقوم عليها النظام السياسي في الإسلام: قاعدة الحاكمية لله.
من المسلمات في النظام الإسلامي أن الكون كله -بمن عليه وما عليه- ملك لله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة: الآية: ١٧) فسبحانه وتعالى: ﴿وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ (الإسراء: من الآية: ١١١).
وإذا كان الله هو المالك ولا شريك له، فهو وحده المستحق للعبادة بما شرع لنا من الدين؛ لأنه من التناقض: ألا يتصرف المالك في ملكه، فالتشريع الذي هو تصرف في الخلق ابتلاءً واختبارًا هو من لوازم الألوهية والمالكية، فالله وحده في ملكه هو الذي يحلل ويحرم، وقد قررت هذه الحقيقة دعوة التوحيد التي وردت على ألسنة الرسل ﵈ منذ آدم ﵇ وحتى محمد ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥).
وكما هو معلوم: فإن ركن العقيدة في الإسلام هو شهادة ألا إله إلا الله، وهي تعني -كما ذكرنا-: أنه لا خالق لهذا الكون -بكل ما فيه ومن فيه ما أحاط به علمنا وما لم يحط به علمنا لا خالق له- إلا الله .
стр. 326
وتفريعًا على ذلك: فلا يكون في الكون من تجب عبادته والخضوع إليه بحق إلا الله ، والتسليم بمالكية الله للكون دون أن ينفرد بسلطة الحكم فيه ينطوي كما ذكرنا على نوع من التناقض.
ولقد حاول الأستاذ المرحوم سيد قطب أن يصور ذلك فقال: فمن جهة الواقع نجد أن المشركين ما كانوا يشركون بالله الأصنام والأوثان وحدها، ولكن كانوا يشركون معه الجن والملائكة والناس، وهم ما كانوا يشركون الناس إلا في أن يجعلوا لهم حق التشريع للمجتمع والأفراد، حيث يسنون لهم السنن، ويضعون لهم التقاليد، ويحكمون بينهم في منازعاتهم وفق العرف والرأي، والإسلام يعتبر هذا شركًا، ويعتبر أن تحكيم الناس في أمور الناس تأليه لهم، وجعلهم أندادًا من دون الله، والله تعالى ينهي عن ذلك نهيه عن السجود للأصنام والأوثان، فكلاهما في عرف الإسلام سواء، شرك بالله ودعوة أنداد من دون الله.
ولقد نعى القرآن الكريم على الأمم السابقة أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله فقال : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣١).
وقد ذكر المفسرون أن معناه: اتخذوهم أربابًا فأطاعوهم في أمرهم لهم بالمعاصي وتحليل ما حرم الله وتحريم ما أحله، كما تطاع الأرباب في أوامرهم.
وفي العصور الحديثة نجد أن القوانين الوضعية تحتل لدى أنصارها والمدافعين عنها منزلة شبيهة بتلك التي كانت للأصنام والآلهة التي عبدت من دون الله تعالى، فهي عندهم بمنزلة النصوص الدينية، بل ربما كانت في مرتبة أعلى منها أحيانًا،
стр. 327
وهذا ينطوي على إقرار بالحق في التشريع لغير الله تعالى، يجب ألا يكون في مجتمعاتنا الإسلامية أو الشرقية إلا بمقدار ما تمليه ضرورات الحياة فيما لم يتعرض له الشارع باعتبار أو بإلغاء، أما ما اعتبره الشارع فهو الحق الذي يجب إتباعه، ولا نستبدل به غيره، وكذلك ما ألغاه يجب أن نجتنبه، ولو فعله أهل الأرض جميعًا.
وإذا كان الناس يدافعون عن باطلهم ويعجبون به أفلا يجب علينا أن نستمسك بالحق الذي هو تشريع الله تعالى وندافع عنه؟!
وفي القرآن الكريم تنصيص صريح على تفرد الله تعالى بالحاكمية في المجتمع الإسلامي، بل في الكون كله ففي سورة المائدة اختتمت الآيات الكريمة من الآية: (٤٤) إلى الآية (٤٧) بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ ثم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ ثم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ أن من جحد الحكم بما أنزل الله تعالى فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق، وليس بالكفر الذي ينقل عن الملة، ولكنه دونه، فهو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.
يظهر لنا -إذن-: أن النظام الإسلامي يقوم على الإقرار بحق الحاكمية لله تعالى لا يشاركه فيها أحد، وهذا بطبيعة الحال يؤدي إلى استقرار المجتمعات وخضوعها راضية لحكم الله تعالى فيما ينص عليه، ومستلهمة قواعد الوحي ومقاصده فيما لم ينص عليه.
стр. 328
أما حين تتجزأ هذه القاعدة، وتتوزع سلطة التشريع في المجتمع، فحينئذ يكون السلطان لله تعالى في الضمائر، والشعائر بينما تكون السلطة لغيره في القوانين والشرائع، وحين تكون السلطة لله في جزاء الآخرة بينما السلطة لغيره في عقوبات الدنيا -حينئذٍ- تتمزق النفوس والمجتمعات بين سلطتين مختلفتين، وبين منهجين مختلفين، وحينئذ تفسد الحياة البشرية ذلك الفساد الذي يشير إليه قول الحق ﵎: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء: ٢٢) وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ (المؤمنون: الآية: ٧١) وقوله : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: ١٨)
ولو أن المسلمين في مجتمعاتهم يؤسسون دولهم على قاعدة الحاكمية لله تعالى إذن: لترتب على ذلك احترام قواعد الشريعة أو القانون في الدول التي ترتكز على هذا المبدأ، سواء من قبل الحاكم أو المحكومين، لأن الكل سواء أمام حكم الله تعالى، يمتثل ويطلب الثواب ويخشى العقاب، ويراقب ضميره دائمًا؛ لأن الله ناظر إليه، ومطلع عليه، وهو يعلم المفسد من المصلح.
وهذا -بطبيعة الحال- يبرز سلطان القانون وهيبته في الدولة؛ لأن قيمة أية شريعة إنما تقاس بمقدار ما لها في نفوس الأفراد من طاعة واحترام، وهذا أمر لم تصل إلى مستوى الشريعة الإسلامية فيه أي شريعة وضعية.
وأيضًا فإن انفراد الله بحق الحاكمية في المجتمعات الإسلامية يؤدي إلى ثبات الأنظمة واستقرارها كما أشرنا إلى ذلك سابقًا؛ لأن الأشكال المختلفة للحكومات كالجمهوريات أو الملكية ستكون مرتبطة دائمًا بالدين الذي لا يتغير ولا يتبدل، والذي يؤمن به كل حاكم، ويستخدم له كل نظام.
стр. 329
فحين تعرف الأمة أن تغيير شكل الحكومة لن يؤثر على قوانينها ونظمها؛ لأن هذه القوانين، وتلك النظم هي فوق الحكومات، وفوق الأفراد، وعلى الجميع أن يحترموها، حين تعرف الأمة ذلك فإنها تنطلق في معترك الحياة واثقة الخطى، ثابتة العزيمة مطمئنة لمستقبلها، أما الأمة التي تقوم أمورها على غير ذلك فإنها تعيش القلق والاضطراب والحيرة والحذر والترقب من تغير الحكومات التي تختلف نظرتها إلى العدل والحق باختلاف انتماءاتها وأهوائها.
هذه هي القاعدة الأولى من قواعد النظام أو النظام السياسي في الإسلام، وهي قاعدة الحاكمية لله .
قواعد النظام السياسي الإسلامي: ثانيا: الشورى
أما القاعدة الثانية التي يقوم عليها النظام السياسي في الإسلام فهي قاعدة الشورى، وتعتبر الشورى من القواعد الأساسية التي ينبني عليها النظام السياسي الإسلامي، وهي أصل من أصول الشريعة، ومن عزائم الأحكام فيها، وهي بهذا المعنى لا تقتصر على كونها من القواعد الأساسية للنظام السياسي الإسلامي فحسب، وإنما تمثل الإطار العام والنطاق الذي يجب أن تعمل في حدوده كافة السلطات الحاكمة في الدولة الإسلامية، سواء كانت هذه السلطات تشريعية أو تنفيذية أو قضائية.
وهي بذلك تحول دون الاستبداد بالرأي، أو الانفراد به، الأمر الذي يؤدي إلى الوصول إلى الرأي الصواب، وتحقيق وحدة الأمة وتأليف القلوب بين أفرادها.
والشورى باعتبارها ركيزة من الركائز الأساسية للنظام الدستوري الإسلامي تعطي للأمة الحق في إدارة شئونها العامة، وتمثل ضمانة من الضمانات الأساسية
стр. 330
التي تحول دون مخالفة القانون، أو الانحراف في استعمال السلطة؛ لأن القرار الذي ستقدم عليه السلطات الحاكمة لن يخرج إلى حيز التنفيذ إلا بعد بحث واستقصاء وتحري المصلحة العامة ومشاورة المختصين في هذا الأمر.
وهي بهذا المعنى تعتبر من الحقوق الأساسية التي كفلها المشرع الإسلامي للمسلمين جميعًا، بحيث تمثل حجر الأساس بين الحريات السياسية التي يتمتع بها المسلمون في الدولة الإسلامية، فوق أن الشورى تكفل للأمة دورًا أساسيًا وفعالًا في إدارة شئونها العامة حسبما يقضي به الشرع الإسلامي.
وسوف نتكلم عن عدة نقاط في موضوع الشورى:
النقطة الأولى: أساس مشروعية واجب الشورى:
أساس وجوب قاعدة الشورى مستمد من مصادر المشروعية الإسلامية، فقد حث عليها القرآن الكريم، كما أن الرسول ﷺ حث عليها، وجعلها شرعة ومنهاجًا له في كثير من الأمور، إلى جانب أن الصحابة -رضوان الله عليهم- والخلفاء الراشدين عملوا بها واتبعوها في كثير من الأمور.
وسوف نتناول كل دليل من أدلة المشروعية الإسلامية التي حثت على الشورى، وأوجبتها على الأمة الإسلامية فيما يلي:
القرآن الكريم: يقول الله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩) ويقول : ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (الشورى: ٣٨)
стр. 331
ويقرر بعض الفقهاء: أن وجود سورة في كتاب الله تعالى، وهي سورة الشورى تسمى باسم هذا المبدأ، وجعل الشورى من أوصاف المؤمنين، ثم الأمر بها صراحة في سورة أخرى إنما هو دليل على اهتمام الشارع بالشورى وجعلها من الأسس التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام وما يتعلق بتدبير الشئون الإسلامية.
كما يذهب هذا الرأي إلى أن دلالة الآية الأولى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ أقوى في دلالتها على الشورى والدعوة لاستخدامها من الآية الثانية وهي التي تقول: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ لأن الآية الأولى أمر للرسول ﷺ في حين أن الثانية لا تفيد سوى أن الشورى تعتبر من أوصاف المؤمنين الحميدة.
ويقرر الشيخ رشيد رضا أن الإمام محمد عبده يرى: أن في سورة آل عمران آية أخرى أقوى في دلالتها على وجوب الشورى وقيام الحكم عليها من آية: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ من السورة نفسها، وهذه الآية هي قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤).
وترجع قوة دلالة هذه الآية كما يذهب الإمام محمد عبده من دلالة الآية الواردة في سورة الشورى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ لأن دلالة الآية الأخيرة، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ إنما تعني: أن الشورى وصف خبري لحال طائفة مخصوصة أكثر مما يدل عيه أن هذا الشيء ممدوح في نفسه، ومحمود عند الله ﵎ كما أن دلالتها أقوى من دلالة قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ لأن دلالة الأخيرة، وهي قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ إنما تعني: وجوب المشاورة على الرئيس، ولكن إذا لم يكن هناك ضامن يضمن امتثاله لهذا الوجوب، فبماذا يكون إذا تركه ولم يمتثل إلى ما أمر به الشارع؟ في حين أن هذه الآية، وهي
стр. 332
قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ﴾ نقول: في حين أن هذه الآية تفرض أن يكون في الناس جماعة مجدون أقوياء يتولون الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهذا الفرض عام ملزم للحكام والمحكومين على وجه اليقين.
السنة النبوية وموقفها من الشورى:
حتى يتسنى لنا الوقوف على مسلك النبي ﷺ بخصوص تطبيق هذه القاعدة أي قاعدة الشورى، ومدى التزامه بالأمر الوارد في الآية الكريمة ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ فإن الأمر يقتضي أن نحدد مدى التزام الرسول ﷺ في مشاورة أصحابه فيما يريد أن يقدم عليه من الأمور.
وإذا كان الرسول ﷺ كان من المحتم عليه أن يشاور فإن الأمر يقتضي أن نوضح نقاط أو نطاق هذا الالتزام.
وترجع أهمية بيان ذلك إلى: أنه إذا كان الرسول ﷺ كان من المحتم عليه أن يشاور فإن هذا الالتزام يقع من باب أولى كواجب حتمي على من بعده من الخلفاء والحكام.
ولتوضيح هذه الأمور فإن ذلك يقتضي أن نذكر بعض السوابق التي حدثت في عهد النبوة، وعلى ضوءها يمكن أن يتحد نطاق هذا الواجب ومداه، وسوف نرى: أن هذه السوابق تدل على أن الرسول ﷺ كان يعمل بالشورى في كل ما لم يجئ به نص في القرآن الكريم.
وسوف نوضح -أولًا- بعض السوابق في عهد النبوية، ثم نتعرض لمدى التزام الرسول ﷺ بالمشاورة ونطاق هذا الالتزام، وفي النهاية نوضح مدى التزام الرسول ﷺ بإتباع ما ينتهي إليه أهل الشورى.
стр. 333
أولًا: سوابق الشورى في عهد النبوة شاور الرسول ﷺ الناس عندما بلغه خروج قريش ليمنعوا عيرهم، وأخبرهم عما تزمع قريش الإقدام عليه، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، وتلاه عمر بن الخطاب، ثم قام المقداد فقال: يا رسول الله!! أمض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: من الآية: ٢٤) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إن معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجلدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله ﷺ خيرًا ودعا له به، ثم استوثق الرسول ﷺ من أمر الأنصار، فقال: ((أشيروا علي أيها الناس)) فقال سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال: فقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أنما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد.
وهكذا فالنبي ﷺ قبل أن يقدم على هذا الأمر شاور الصحابة -رضوان الله ﵎ عليهم- ولما وجدهم قد وافقوه على ما يريد فعله وافقهم على ذلك ومضى على بركة الله ﵎.
وفي غزوة بدر -أيضًا- نزل جيش قريش بالعدوة القصوى من الوادي وخرج رسول الله ﷺ يبادرهم إلى الماء، حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به، فجاء الحباب بن المنذر فقال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال ﷺ : ((بل هو الرأي
стр. 334
والحرب والمكيدة)) فقال الحباب: يا رسول الله!! فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالمنزل حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه ثم نبني عليه حوضًا فنملأه ماءً، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، قال رسول الله ﷺ : ((لقد أشرت بالرأي)) وفعل ﷺ ما أشار به الحباب.
ويضيف ابن سعد على هذه الرواية بأن الوحي نزل على رسول الله ﷺ فقال: الرأي ما أشار به الحباب بن المنذر، ومن هذه الرواية نتبين: أن الرسول ﷺ تشاور وعمل برأي من شاروه.
وفي غزوة أحد شاور الرسول ﷺ المسلمين، وبعد أن قص عليهم رؤيا رآها تنبئ بوقائع حدثت فيما بعد، فقال: ((فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا المدينة قاتلناهم فيها)) فانقسم المسلمون إلى فريقين، الأول ويحبذ الخروج إلى قريش حبًا في الشهادة؛ لأن بعضهم كان قد فاته ملاقاة العدو ببدر، وفريق آخر يرى عدم الخروج والبقاء في المدينة كما كان يرى ﷺ ولما رأى الرسول ﷺ أن الأغلبية ترى الخروج لملاقاة العدو نزل على رأي الأغلبية.
وحين حاولوا بعد ذلك أن يثنوه عن الخروج عندما تبين لهم أنهم قد أكرهوا الرسول ﷺ على ذلك، قال لهم: ((ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل)).
أيها الأخوة ونكتفي بهذا القدر ونكمل في المحاضرة القادمة -إن شاء الله- استودعكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٢ - قواعد النظام السياسي في الإسلام (٢)
تابع: أدلة الشورى
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد, وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:
تحدثنا في المحاضرة السابقة عن بقية مصادر الأحكام السياسية في الإسلام، ثم انتقلنا إلى الحديث عن قواعد النظام السياسي في الإسلام، فتحدثنا عن القاعدة الأولى وهي الحاكمية لله وحده, ثم بدأنا الحديث عن القاعدة الثانية التي تتمثل في الشورى في الإسلام، وذكرنا دليلها من الكتاب, وها نحن نواصل الآن الحديث عن دليلها من السنة, فنقول: وفي غزوة أحد شاور الرسول ﷺ المسلمين وبعد أن قص عليهم رؤيا رآها تنبئ بوقائع حدثت فيما بعد, فقال: فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا, فإن أقاموا أقاموا بشر مقام, وإن هم دخلوا علينا المدينة قاتلناهم فيها.
فانقسم المسلمون إلى فريقين الأول: ويحبذ الخروج إلى قريش حبًّا في الشهادة؛ لأن بعدهم قد فاته ملاقاة العدو ببدر, وفريق آخر يرى عدم الخروج والبقاء في المدينة, كما كان يرى ﷺ ولما رأى الرسول ﷺ أن الأغلبية ترى الخروج لملاقاة العدو نزل على رأي الأغلبية, وحين حاولوا بعد ذلك أن يثنوه عن الخروج عندما تبين لهم أنهم قد أكرهوا الرسول ﷺ على ذلك, قال لهم: ما ينبغي لنبي إذا لبس لَأْمَتَه أن يضعها حتى يقاتل.
ويعقب البعض على ذلك فيقول على ما حدث في غزوة أحد: بأن الرسول ﷺ وإن كان يرى أنه من الخير للمسلمين كما دلت الوقائع بعد ذلك عدم خروجهم لملاقاة قريش الذين كانوا يفوقونهم في العدد والعدة في ساحة المعركة المكشوفة, وأن يعسكروا في المدينة, ويدافعوا عنها إذا هوجمت, ولكن لما كانت
стр. 335
الأغلبية ترى خلاف ما رآه رسول الله ﷺ والأقلية التي رأت رأيه فقد نزل رسول الله ﷺ على رأي الأغلبية, ومن هذه الواقعة نتبين أيضًا أن النبي ﷺ التزم بما انتهى إليه المتشاورون مع أن رأيه الشخصي كان خلاف رأيهم, حيث كان يرى أنه من الأفضل البقاء في المدينة والتحصن بها, فهذا أخذ بمبدأ الشورى في الإسلام إلى أقصى درجة.
وهناك سابقة حدثت في عهد النبوة تعطي تأكيدًا قاطعًا لمسلك النبي ﷺ بصدد الشورى, وقد رواها البخاري وغيره من الفقهاء ومجمل القصة أن وفدًا من هوازن قدم إليه أي: إلى النبي ﷺ يطلب منه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم؛ لأن النبي ﷺ كان قد غزاهم وأخذ منهم الأموال والسبايا, وهم يردون أن يستردوا هذه الأشياء, فلما جاءوا إليه ﷺ وطلبوا منه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم, قال لهم: معي من ترون. يعني: كأن النبي ﷺ يقول لهم: معي الصحابة سوف آخذ رأيهم في هذا الموضوع, ولن أستطيع أن أبدي رأيًا دون الرجوع إليهم, قال لهم: معي من ترون وأحب الحديث إلي أصدقه, فاختاروا إحدى الطائفتين, إما السبي وإما المال.
النبي ﷺ قال لهم: لن تأخذوا السبي والمال معًا, لكن اختاروا إما السبي وإما المال, وقال لهم: كنت قد استأنيت بكم, وكان الرسول ﷺ قد أنذرهم بضعة عشرة ليلة حين قفل ورجع من الطائف, ولما تبين لهم أن الرسول ﷺ لن يرد إليهم إلا إحدى الطائفتين اختاروا السبي فقام الرسول ﷺ وقال أما بعد: فإن إخوانكم قد جاءوا تائبين, وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يطيب ذلك, فليفعل. أي: من أحب منكم أن يرد إليهم السبي الذي أخذه فليفعل -يعني يرده إليهم, وله الثواب من الله ﵎, ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل.
стр. 336
أي: أن النبي ﷺ قال للصحابة من كان عنده شيء من السبايا فإن اختار أن يرد ذلك إلى هؤلاء القوم, أي إلى اليهود بدون مقابل فليفعل, أما من كان عنده شيء من السبايا ولا يريد أن يرده بدون مقابل فليرده وسوف نعطيه ما يقابل ذلك عندما يفيء الله علينا يعني عندما يمن الله علينا بالمال, فقال الناس: قد طبنا ذلك يا رسول الله.
يعني: وافقنا يا رسول الله على ما تقول وسوف نرد هذه السبايا بدون مقابل, فقال رسول الله ﷺ : إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن, يعني: كأنه ﷺ يقول لهم: أنا لم أتأكد من الذي أذن ورضي, ومن الذي لم يأذن ولم يرض, فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم.
فهذه الواقعة تبين من ناحية أن الرسول ﷺ كان يشاور المسلمين فيما يعرض عليه من حوادث ووقائع, ومن ناحية أخرى فإنها تدل على الأخذ بنظام التمثيل والنيابة وهو ما يستدل من قوله ﷺ حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم يعني إناس تختارونهم يوصلون إلينا أمركم.
ولم يقتصر الرسول ﷺ على المشاورة في الأمور العامة والخطيرة التي تهم المسلمين جميعًا, وإنما شاورهم في أخص أموره الشخصية, كما حدث عندما أخذ يشاور كبار الصحابة فيما يتخذه مع أم المؤمنين عائشة, عندما رماها أهل الإفك من المنافقين بتهمة باطلة وكان القصد من ذلك الإساءة إلى الإسلام والمسلمين على النحو المعروف في القصة الشهيرة بقصة الإفك, ولما كان البت في مثل هذه المسألة له تأثير كبير على نفوس المسلمين, فإن الرسول ﷺ لم يستقل فيها برأي, وإنما طرح المسألة على المؤمنين, ليأخذ رأيهم وقد نزل القرآن بعد ذلك يثبت براءة عائشة رضوان الله ﵎ عليها.
стр. 337
أيضًا كان الرسول ﷺ يمدح الشورى ويحث المسلمين على تحقيقها ويشاور المسلمين في معظم الأمور التي تعرض له كما بينا, وقد أكد أبو هريرة ﵁ ذلك بقوله: لم يكن أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ .
وقد روى الفقهاء أحاديث كثيرة عن الرسول ﷺ في الشورى منها: ((المستشار مؤتمن)) ومنها: إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم؛ فظهر الأرض خير لكم من بطنه قال أيضًا: ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم وقال: ما ندم من استشار, ولا خاب من استخار وقال: ما شقي قط عبد بمشورة وقال أيضًا: المشورة حصن من الندامة, وأمان من الملامة وقال أيضًا: من أراد أمرًا فشاور فيه امرءا مسلمًا وفقه الله لأرشد أموره وقال: رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس وقال: وما استغنى مستبد برأيه, وما هلك أحد عن مشورة وفي رواية: وما يستغني رجل عن مشورة وقال: أما إن الله ورسوله لغنيان عنها -أي: المشاورة- ولكن جعلها الله رحمة لأمتي, فمن استشار منهم لم يعدم رشدًا, ومن تركها لم يعدم غيًّ ويعقب الشيخ/ رشيد رضا على ذلك بقوله: أي: شرعها الله لتحقق الرشد في المصالح ومنع المفاسد؛ فإن الغي هو الفساد والضلال, وقال ﷺ : استعينوا على أموركم بالمشاورة.
وفي كثير من الأمور الدنيوية كان ﷺ يرجع إلى المسلمين, وفي هذا النطاق يروى عنه ﷺ قوله: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم)) وقوله: ((ما كان من أمر دينكم فإليّ, وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به)) ومن هنا فإن الرسول ﷺ كان ينزل على آرائهم في أمور الدنيا.
стр. 338
وبعد عرض هذه السوابق التي حدثت إبان عصر النبوة, فنأتي إلى الإجابة على السؤال الذي طرحناه في بداية حديثنا عن الشورى, وهو هل كان الرسول ﷺ ملتزمًا بمشاورة الصحابة, فيما يريد أن يقدم عليه من الأمور.
مدى التزام الرسول ﷺ بالشورى: اختلف الفقهاء في الإجابة على هذا التساؤل فذهب رأي إلى أن هذا الأمر ليس ملزِمًا للرسول ﷺ أي: أن الرسول ﷺ ليس ملزمًا بأن يستشير الصحابة في الأمور التي تحدث له, ذهب رأي إلى أن هذا الأمر ليس ملزمًا للرسول ﷺ على سبيل الإيجاب وإنما هو من قبيل الاستحباب؛ لتطييب خاطر المسلمين وتألفًا لقلوبهم, ولأن ذلك أعطف لهم وأذهب لأضغانهم كما أن ذلك من باب التكريم والاعتبار لهم وتألفًا لهم على دينهم, وإن كان الله قد أغناه عن هذه المشاورة بتدبير أموره وسياسته إياه.
والاتجاه الثاني يرى أن الأمر الوارد في الآية الكريمة هو على سبيل الوجوب, فيما لم يرد فيه وحي فقد يكون لدى المسلمين ما ينتفع به, ومن ثم فيجب الرجوع إليهم. ووفقًا لهذا الرأي فالمشورة إنما هنا تكون على سبيل الوجوب, كما أننا من خلال السوابق النبوية التي أشرنا إلى بعضها أكدنا أن الرسول ﷺ لم يخرج عما انتهى عليه المتشاورون.
وإذا رجعنا إلى نطاق هذا الواجب فما هو نطاق هذا الواجب يعني إذا كان النبي ﷺ يشاورهم في الأمر هل يشاورهم في كل الأمور سواء أمور دينية أو أمور دنوية أو أمور حربية أو اقتصادية أم ماذا؟ هذا هو ما يعرف بنطاق هذا الواجب.
стр. 339
نقول: وأما نطاق هذا الواجب, وهو واجب المشاورة, فهو ما لم تتفق عليه الآراء, فرأي يذهب إلى أن ذلك قاصر على المسائل الدنيوية كأمور الحرب وغيرها, أما المسائل الدينية فهي تخرج عن نطاق المشاورة, وليس الرسول ملزمًا بمشاورة المسلمين فيها, حتى في الأمور التي لم ينزل عليه ﷺ فيها وحي؛ لأن هذه الأمور مرجعها إلى الله ورسوله ﷺ بجميع أقسامها وجوبًا وندبًا وإباحة وكراهة وتحريمًا, ولم يكن الرسول ﷺ ملتزمًا بالمشاورة في هذه الأحكام الدينية؛ لأن الرأي فيها لله وحده عن طريق الوحي؛ لذلك فإن بعض الفقهاء يفسر اللفظ الوارد في آية الشورى, وهي قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية: ٣٨) واللفظ الوارد في سورة آل عمران: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية: ١٥٩) بأن المراد هو الأمر الدنيوي الذي يقوم به الحكام عادة, لا أمر الدين المحض, الذي مداره الوحي دون الرأي.
إذ لو كانت المسائل الدينية كالعقائد والعبادات والحلال والحرام مما يقرر بالمشاورة لكان الدين من صنع البشر, وهذا محال وباطل, وإنما هو صنع إلهي, ليس لأحد فيه رأي لا في عهد النبي ﷺ ولا بعد عهده ﷺ ولهذا فإننا نرى الصحابة رضوان الله عليهم كانوا لا يعرضون رأيهم على رسول الله ﷺ إلا بعد أن يتأكدوا بأن ما يعرضون إليه من رأي إنما هو من الأمور التي لم ينزل فيها وحي, وهذا واضح من المناقشة التي جرت بينه ﷺ وبين الحباب بن المنذر يوم بدر, إذ أن الحباب قال له عندما نزل في مكان: أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
فمعنى كلام الحباب بن المنذر أن هذا الرأي لو كان الله هو الذي جعلك تقف فيه فليس لنا أن نبدي برأي, أما إذا كان أمور دنيوية وأمور حرب وكذا فنبدي
стр. 340
رأينا, هذا معناه أن الصحابة كانت الأمور الدينية لا يبدون فيها رأيًا ويسألون أولًا النبي ﷺ هل هذا الأمر يتصل بالدين أو يتصل بأمور الدنيا فإن كان يتصل بأمور الدين لا يبدون رأيًا, أما إذا كان يتصل بأمور الدنيا كالحرب مثلًا فكانوا يبدون رأيهم في ذلك, ومن بين من قالوا بذلك يذهب إلى أن استشارة الرسول ﷺ في المسائل الدينية, وإن لم يكن على سبيل الحكم والإلزام إلا إنها كانت تطييبًا لنفوس المسلمين, وهذا لا ينافي أن مرجع الأمور الدينية هو الوحي.
يعني: وإن قلنا بأن النبي ﷺ يستشيرهم في أمور الدنيا فقط, لكن إنه ﷺ يشيرهم في بعض الأمر أو يستشيرهم في بعض الأمور الدنيوية فهذا ليس واجبًا عليه, وإنما هو من باب تطييب النفوس فقط.
هذا هو الرأي الأول والذي يقول بأن المشاورة إنما لا تكون في الأمور الدينية وإنما تكون في الأمور الدنيوية فقط.
ويذهب البعض الآخر إلى أن نطاق المشاورة يشمل المسائل الدنيوية كما يشمل أيضًا المسائل الدينية, فيما لم ينزل فيه وحي, والوحي يصوب الرسول ﷺ في الحالة الأخيرة, إذا ما أخطأ المتشاورن إلا أن هذا الأمر ليس معناه أن الرسول ﷺ كان في حاجة إلى المشاورة, وإنما هو تنبيه من الشارع الحكيم لما في الشورى من فضل وحتى تقتضي به الأمة من بعده, هذا هو الرأي الثاني, ونحن نرى أن الاتجاه الذي يرى بأن الشورى ملزمة ويحدد نطاقها في المسائل الدنيوية التي لم يرد فيها نص هو الرأي الأدعى للقبول والراجح في نظرنا ذلك أن المسائل الدينية تخرج عن نطاق المشاورة؛ لأن أساسها والمرجع فيها إلى الوحي سواء أكان بطريق مباشر, وهو ما ينزل به الوحي من نصوص الكتاب أو بطريق
стр. 341
غير مباشر فيما سنه لهم الرسول ﷺ من أحكام؛ لأنه ﷺ طاعته واجبة على كافة الخلق فيما أحبوا أو كرهوا ولا يجوز أن يعطى الحق للمسلمين في مشاورة تخرج عن نطاق هذه المسائل, لهذا نجد بعض المفسرين يذكرون عن ابن عباس ﵁ أنه كان يقرأ الآية الواردة في سورة آل عمران: وشاروهم في بعض الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله أما الجمهور فإنهم لا يأخذون بهذه الزيادة, إلا أنه يرى أن الأمر هنا ليس واردًا على سبيل العموم إذا لا يشاور في التحليل والتحريم, وهذا الاتجاه يتفق مع المنطق والعقل وأساس التشريع الإسلامي.
ويؤيده أن المسائل التي وقعت فيها المشاورة في عهد الني ﷺ كانت تتعلق بمسائل دنيوية كمسائل الحرب, وما يتعلق بالمعاملات الجارية بين الناس, ثم نتحدث عن موضوع آخر وهو مدى التزام الرسول ﷺ بإتباع ما انتهى إليه المتشاورون إذا قلنا بان النبي ﷺ يرجع إلى الصحابة ويستشيرهم في الأمور فإذا اتفقوا على رأي معين فهل يأخذ بهذا الرأي أم أن من حقه أن يخالف هذا الرأي ويأخذ برأي يراه هو نقول: يبقى سؤال أخير فيما يتعلق بالأمر الوارد للرسول ﷺ بالمشاورة ومؤداه, هل كان الرسول ﷺ وإن كان ملزمًا بالمشاورة على التفصيل الذي بيناه؟ هل كان عليه أن يعمل بما ينتهي إليه أغلبية المتشاورين؟ أي: هل كان ملزمًا بأن يعمل بما انتهى إليه رأي الأغلبية أم لا؟ نقول لم يتفق الفقهاء على إجابة محددة حول هذا السؤال والسبب الذي أدى إلى عدم الجزم بإجابة محددة هو عدم اتفاقهم على تفسير قوله : ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية: ١٥٩) فيذهب رأي إلى أن الأمر الوارد في الآية ينصرف إلى وجوب المشاورة فإذا انتهت وعزم الرسول ﷺ على أمر من الأمور فله أن يمضي فيه ويتوكل على الله تعالى لا على مشاورتهم, أي: أن الشورى واجبة ابتداء لا انتهاء. أي: أنه كان يشاورهم في الابتداء الأمر لكن نتيجة المشاورة لم يكن ملزمًا بها النبي ﷺ .
стр. 342
في حين يرى رأي آخر إلى أن الشورى ملزمة ابتداء وانتهاءً بمعنى أن الشورى واجبة عندما يراد البت في أي أمر من الأمور الدنيوية, ولا يجوز الإقدام على أمر من الأمور فيما لم ينزل فيه وحي إلا بإتباع المشاورة, فإذا انتهى المتشاورون إلى رأي فإن هذا الرأي يكون واجب العمل به, وهو ما يستدل من قوله ﷺ لأبي بكر وعمر لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما وما روي عن علي قال: سئل رسول الله ﷺ عن العزم قال: مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم.
وفي نطاق المفاضلة بين هذين الاتجاهين وهذين الرأيين نرى أن ما رواه الذين يقولون بأن المشاورة ملزمة ابتداء وانتهاء. أي أنه يجب العمل بالرأي الذي انتهى إليه المتشاورون هو الأولى بالقبول والراجح, وإذا كان الاتجاه الأول يتلاءم مع عصر النبوية باعتبار أنه ﷺ معصومًا عن الخطأ ومنزهًا عن الهوى, ومن ثم فإنه إذا أقدم على رأي حتى ولو كان يخالف ما انتهى إليه المتشاورون فإنه سيكون الرأي الصواب, وإن لم يكن كذلك فإن الوحي كفيل بأن يوجه الرسول ﷺ أما بعد عصر النبوة وانتهاء الوحي فإن القول بأن المشاورة إن كانت واجبة في البداية فهي ليست واجبة انتهاء بحيث يكون للحاكم أن يعزم على رأي حتى ولو كان مخالفًا لما انتهى إليه المتشاورون, نقول هو قول لا نقبله؛ لأنه من ناحية يجعل الشورى أمرًا صوريًّا ووهميًّا بحيث يكون الحاكم قد امتثل إلى هذا الواجب بمجرد المشاورة, حتى ولو كان قد عزم مسبقًا على رأي محدد يخالف رأي الأغلبية من الأمة.
ومن ناحية أخرى فإن هذا القول من شأنه أن يؤدي إلى الاستبداد, والتسلط حيث ينتهي في النهاية إلى عدم إعطاء أي قيمة أو وزن لآراء أهل الشورى, وهم
стр. 343
علماء الأمة وأهل الحل والعقد فيها, ومن المؤكد أن الشريعة الإسلامية لا تسمح مطلقًا بالتسلط والاستبداد ومن المنهي عنه أن يكون الحاكم طاغوتًا يريد علوًا على الناس, بل يجب أن يخضع لما ينتهي إليه أهل الاجتهاد وينزل على رأيهم, وهذا الرأي يتفق مع ما رواه علي عن النبي ﷺ قال: قلت: يا رسول الله! الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه القرآن ولم تمض فيه منك سنة, قال: اجمعوا له العالمين أو قال: العابدين من المؤمنين, فاجعلوه شورى بينكم, ولا تقضوا فيه برأي واحد لأن القرار الناتج عن الشورى غير ملزم, فإن ذلك سيؤدي إلى الحد من تطبيق الشورى والعمل بها وهو ما يؤدي إلى ضياع هذا الواجب كلية.
ونتحدث الآن عن تطبيقات الشورى في عصر الخلفاء الراشدين:
وإذا ما نحن ألقينا بعض النظر على هذا المبدأ بعد عصر النبوة فإننا نجد بعض الفقهاء يوسع من نطاق الشورى ويجعلها واجبة في كل المسائل التي لم ينزل فيها وحي, بعد أن يخرج أو أن يخرج المسائل الدينية المتعلقة بالعقيدة؛ لأن النصوص قد بينتها على سبيل الحصر, ولا مجال فهيا للمشاورة.
أما عدا هذه المسائل سواء تعلقت بمسائل الحرب أو غيرها من المسائل التي تدخل في نطاق السلطات السياسية إن كانت متعلقة بالأحكام فالشورى فيها واجبة ابتداء على رأي وابتداء وانتهاء على رأي آخر على التفصيل الذي بيناه في الشورى في عصر الرسول ﷺ وهذا الرأي يجد سنده في السوابق التي حدثت في عصر الصحابة, فقد تشاورا في الخلافة, وفيما يجب إتباعه مع أهل الردة وتشاورا في الجد وميراثه, وفي حد الخمر وعدده وتشاورا في مسائل الحروب وغيرها.
стр. 344
وكان أبو بكر ﵁ إذا ما عرضت عليه مسألة من المسائل فإنه يبحث عن حكمها أولًا في القرآن الكريم, فإن وجد ما يقضي به فإنه يحكم به, وإن لم يكن في القرآن حكم لهذه المسألة رجع إلى السنة, فإن وجد حلًّا لها فيها كان به, فإن أعياه الوصول إلى حكم المسألة من القرآن أو السنة, سأل الناس هل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى فيه بقضاء, فإذا أرشده واحد منهم إلى حكم من النبي ﷺ في هذه المسألة قضى به, وإلا جمع الناس فاستشارهم فإذا اجتمعوا على رأي قضى به.
ونفس الطريقة كان يلتزم بها عمر بن الخطاب, إلا أنه كان يضيف إلى القرآن والسنة ما كان يسلكه أبو بكر ﵁, فإن لم يجد حكمًا للمسألة في هذه المصادر استشار الناس واتبع ما ينتهي إليه المتشاورون, وكان يأبى أن ينفرد بالرأي في أي مسألة تعرض له, وإنما كان يجمع لها كبار الصحابة من أهل بدر, ويشاورهم فيها.
وقد سار عثمان ﵁ على هذا المنهج فكانت الشورى لها مكانتها خلال ست سنين من خلافته إلى أن تم لبني أمية الاستيلاء على مقادير الأمور في عهده, الأمر الذي أدى إلى عدم مراعاة هذا الواجب, وظل الأمر كذلك حتى قتل عثمان ﵁, وبعد استشهاده وتولي علي الخلافة بمقتضى البيعة العامة للمسلمين عادت للشورى مكانتها, فعمل على كفالة هذا الواجب.
تحديد أهل الشورى والشروط الواجب توافرها فيها
ثم نتحدث الآن عن تحديد أهل الشورى والشروط الواجب توافرها فيها, نقول أهل الشورى يجب أن تتوفر فيهم مجموعة من الشروط, وقد بين الفقهاء هذه الشروط وذلك حينما تكلموا عن أهل والعقد, وما يجب أن تتوفر فيهم من شروط, وأهم هذه الشروط ما يلي:
стр. 345
الإسلام وهو شرط حتمي وذلك؛ لأن الدولة الإسلامية مؤسسة على وحدة العقيدة ولا يجوز أن يشارك في تسيير دفة أمورها أو في كفالة تحقيق مقاصد الشارع من الخلق من لم يؤمن بالإسلام, وهذا الشرط مجمع عليه ويعد من الشروط المتعلقة بالنظام العام في الدولة الإسلامية.
الشرط الثاني: العقل وهو شرط بدهي في كافة التكاليف الشرعية كما أنه شرط لكافة الولايات العامة أو الخاصة على السواء.
الجنس: ويرى جمهور الفقهاء أنه تشترط الذكورة في أهل الحل والعقد, ومنهم أهل الشورى, غير أننا لا نرى ذلك؛ لأن المنع قاصر على منصب الخلافة, ولا يجوز أن يكون في سائر الولايات.
العلم: بمعنى أن يتوفر في أهل الشورى درجة معينة من العلم تؤهلهم لأن يكونوا أهلا للشورى, وتوفر لديهم القدرة على التمييز الآراء المختلفة في نطاق الأمر المتشاور فيه.
الرأي والحكمة: وفضلًا عن العلم, فإنه يجب أن يتوفر في أهل الشورى الرأي والحكمة لكي يتوصل برأيه وحكمته إلى أنسب القرارات التي تحقق مقصود الشارع, ومصلحة المجتمع الإسلامي.
العدالة: وهي تعني التقوى والورع وتحقق بالاستقامة والأمانة والمحافظة على شعائر الإسلام والتمسك بأهدافه؛ لذلك ينقل القرطبي عن سفيان الثوري ضرورة توفر التقوى, والأمان في أهل الشورى, إلا أنه يلاحظ أنه ليس معنى تقرير وجوب الشورى أنه يجب إعمالها في كل مسألة من المسائل أيًّا كانت طبيعتها بحيث يتحتم أن يستشار جميع أهل الحل والعقد, وإنما الوجوب ينصرف إلى مشاورة المختصين في المسألة المعروضة, وهو ما وضحه القرطبي
стр. 346
حيث يذكر رأيًا مؤداه: بأن الولاة يجب عليهم مشاورة العلماء فيما لا يعلمون, وما أشكل عليهم من أمور الدين, والمختصون بأمور الجيش والحرب في المسائل العسكرية, والمختصين بالنواحي الإدارية في المسائل المتعلقة بها.
يقول القرطبي: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون, وما أشكل عليهم من أمور الدين ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب, ووجهوه الناس فيما يتعلق بالمصالح, ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها, كما يقرر القرطبي, بأن صفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلًا مجربًا وادًّا في المستشير, كما يجب أن يكون من أهل الفتوى والأمانة وكان الفقهاء يستعينون بمجالس تضم العلماء في الفقه والفلسفة والعلوم والتاريخ وأهل الخبرة في المجالات المختلفة.
أما إذا كانت المسألة محل الشورى تتعلق بالمسلمين جميعًا ولا تحتاج إلى نوع من الخبرة والتخصص في ناحية من النواحي فلا مناص من الرجوع إلى المسلمين جميعًا, فدائرة من يستشارون يتسع نطاقها كلما تعلق موضوع الشورى بأمر يتعلق بمصلحة أساسية من مصالح المسلمين, وهذا الرأي يجد سنده فيما سلكه عمر ﵁ حينما استشار المهاجرين والأنصار في قسمة ما أفاء الله به على المسلمين من أرض العراق والشام.
والسؤال الآن هل يشترط الإسلام في أهل الشورى؟ أجملنا فيما سبق الشروط التي يجب أن تتوفر في أهل الشورى وقلنا: إن من المسلم به أن شرط الإسلام من الشروط الضرورية التي يجب توفرها في أهل الحل والعقد, كما أنه أيضًا من الشروط الحتمية المطلوبة في كل من يمارس الولاة العامة
стр. 347
في الدولة الإسلامية غير أنه قد يقتضي الأمر الاستعانة بخبرة أجنبية, فهل يعد ذلك خرقًا لقواعد القانون الإسلامي يجب هنا أن نميز بين أمرين:
الأمر الأول: في مجال التشريع, فإن شرط الإسلام من الشروط الضرورية والحتمية التي يجب توفرها في أهل الشورى لتعلق هذا الشرط بالنظام الأساسي للدولة الإسلامية, ومن ثم لا يجوز أن يشترك غير المسلمين في نطاق الشورى التي يكون الهدف من إعمالها وضع قواعد قانونية, وذلك في الأحوال التي لا يوجد فيها نص؛ لأنه لا اجتهاد مع النص, ومن ثم يستبعد غير المسلم من نطاق الشورى في المسائل التشريعية.
الأمر الثاني: أما في مجال التنفيذ ولاسيما في نطاق المسائل الفنية البحتة, فقد يتطلب الأمر الاستعانة بغير المسلمين وهذا فيما نرى لا يتعارض مع قواعد الإسلام, طالما ظلت سلطة التقدير وموائمة القرار مع مصلحة المجتمع الإسلامي في يد السلطة العامة في الدولة الإسلامية, فاستشارة غير المسلمين, وإن كنا نرى أنها من الأمور الجائزة, إلا أنها لا تأخذ الصفة الإلزامية, بحيث يكون من المحتم العمل بها؛ لأن هذا القول يعطي لغير المسلمين حق الولاية العامة على المسلمين وهو ممنوع بنص الشارع؛ لكونه يمس النظام العام في الدولة الإسلامية, بل تكون من الأمور التقديرية التي تخضع لاعتبارات الملائمة, وما يتفق مع المصلحة العامة للأمة الإسلامية.
كيفية إعمال واجب الشورى، وطريقة اختيار أهل الشورى
ثم نتحدث الآن عن كيفية إعمال واجب الشورى:
أما كيف يطبق واجب الشورى الذي حتمه الشارع الإسلامي فإنه لكي نوضح ذلك فيجب علينا أن نميز بين وجوب هذا المبدأ وحتمية كفالته وبين أسلوب
стр. 348
تنفيذه, فيجب أن نميز بين المبدأ وأسلوب تنفيذه, فإذا كان الإسلام قد أوجب الشورى وكفل بمقضى إيجابها حق الأمة في المشاركة في الحكم وفي البت في أمورها العامة وأمر بها الرسول ﷺ ومن ثم يلتزم بها خلفاءه من بعده إلى جانب أنه جعلها صفة من صفات المؤمنين بشرعته الملتزمين بأحكامها, فإن هذا لا يؤدي مطلقًا إلى أن نخلط بين هذه القاعدة التي تقرر المبدأ الواضح والصريح والتي تمثل ركيزة أساسية من الركائز التي يقوم عليها النظام السياسي الإسلامي, وبين أسلوب التنفيذ وصورة التطبيق التي نتجت عن إعمال هذا المبدأ, فالشريعة الإسلامية قد تجنبت التفصيلات التي يقتضيها تنفيذ مبدأ الشورى, وهذا مسلك يقتضيه سمو الشريعة وصلاحيتها لكي تجابه كافة التطورات التي تقتضيها ظروف الزمان والمكان.
إذ إن صور التطبيق ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتغيرات التي تجد على المجتمع, ولو أن الشرعية الإسلامية قد نهجت إلى التفصيل في صور التطبيق لبدت أمام الباحثين جامدة لا تقوى على الوقوف في مواجهة ما يجد على المجتمع من تطور, إلى جانب أن القاعدة التي تتواءم مع زمن معين لا يجوز القول بأنها صالحة لكل زمان, والتي تصلح للمسلمين الأول مع بساطة البيئة وسذاجتها, لا يكن أن تكون صالحة للتطبيق بعد أن نما الإسلام, وتطور وواجه ظروفًا وأوضاعًا تختلف كلية عن الظروف التي واجهها المسلمون في البداية, ومن هنا اكتفى القرآن الكريم بالنص على وجوب المبدأ, وحتميته, أي: مبدأ الشورى, كما أن الرسول ﷺ لو وضع قواعد للشورى, بحسب ما يتلاءم مع البيئة وظروف عصره لاتخذها المسلمون دينًا وحالوا العمل بها في كل زمان ومكان, وما هي من أمر الدين, فكان الأحكم والأصلح أن يترك النبي ﷺ وضع التفصيلات الخاصة بمبدأ الشورى للأمة, تضع منها في كل حال ما يليق بها, ويصلح لها.
стр. 349
والسبيل إلى ذلك لا يكون أيضًا إلا بإعمال مبدأ الشورى, فالوسيلة التي تتمسك في صورة وتفصيلات الشورى يمكن أن يعاد فيها النظر دائمًا, حسب ما يتفق مع ظروف العصر ومقتضيات الزمان, دون أن يكون ذلك ماسًا بأصل الشورى؛ لأن القواعد التي أتى بها القرآن والسنة في هذا النطاق غير قابلة للتعديل؛ لأنها تمثل المبدأ العام والقاعدة العريضة التي لا تختلف باختلاف الزمان أو المكان.
لهذا فإن محاولة النيل من الشريعة الإسلامية لأنها لم تضع قواعد محددة ونماذج تفصيلية لصيغ وتطبيقات الشورى, تكشف عن جهل فاضح بطبيعة النظام الإسلامي, وحقيقته؛ لأنه يتعين أن نميز بين المبدأ وأسلوب وصيغ إعمال هذا المبدأ وتطبيقه, فالله أراد أن يجعل من الإسلام الدعوة الخالدة والرسالة الأزلية إلى البشر جميعًا, فكان من المطلوب بل ومن المحتم أن تقتصر الشريعة في نطاق المعاملات, وما يتعلق بتنظيم المجتمع على وضع قواعد كلية ومبادئ شاملة ثابتة, لا تتعدل ولا تتبدل, ولكنها في مجال التنفيذ وصيغ التطبيق تسمح بأن تتواءم مع كل ما يجد على المجتمع من تطور, فهي لا تقتصر على أسلوب واحد في التنفيذ لا تتعداه إلى غيره دائمًا, وإنما تضع القاعدة العامة والمبدأ العريض الذي يسمح دومًا وأبدًا بالوفاء بحاجة المجتمع, وهو ما نلاحظه بالنسبة للتعاليم التي قررها الشارع بالنسبة لتنظيم المجتمع في أوضاعه السياسية والاقتصادية والدولية.
فقد اكتفى المشرع بوضع توجيهات عامة جاءت في شكل قواعد كلية غير مفصلة حتى لا تتقيد الأجيال بهذه التفصيلات والتطبيقات, بل تركها المشرع للأمة كي تكون حرة تضع ما يلائمها بحسب حاجة الزمان والمكان ما دامت في نطاق ما رسمته الشرعية من قواعد وأحكام.
стр. 350
ويترتب على منحى الشريعة في هذا النطاق أمران:
الأمر الأول: أن التعاليم التي جاء بها الشارع في نطاق تنظيم المجتمع, ومنها ما يتعلق بتنظيم الحكم في الدولة الإسلامية, ليست تعاليم منصبة في قوالب جامدة, لا تقبل التطبيق, إلا على أسلوب واحد, بل الأمر على خلاف ذلك فالهدف واضح ومحدد, ولا مجال لتغييره وتبديله إلا إن أسلوب التنفيذ وصيغ التطبيق قابلة لهذا التغير والتطور, وواجب كل جيل أن يستبين الهدف, ثم يتخير الأسلوب الذي يتواءم معه على ضوء ظروف البيئة, وما يقتضيه العصر, مستفيدًا في ذلك بكل ما استحدثه العلم الذي أمرنا الله باجتلاء أفاقه مع مراعاة الظروف التي تحيط بالدولة الإسلامية, وأي جيل في أي زمن سيجد دائمًا النصوص تتسع لتنظيم المجتمع, وفقًا لحاجاته المستجدة, وما انتهى إليه التطور.
الأمر الثاني: أن القواعد الكلية والأصول الشاملة التي جاءت بها الشريعة تبقى بعد ذلك كفرائض إلزامية, وواجبات محددة, يجب العمل بها ولا يجوز الخروج عنها بأي حال من الأحوال؛ لأنها تمثل الإطار العام للنظام العام الإسلامي, والتي لا تقبل تغييرًا ولا تبديلًا.
إذن فالمبدأ ثابت ولا رأي لأحد فيه ولا تملك الأمة تغييره, أما أساليب التنفيذ وصور التطبيق فمتغيرة ومتطورة دون أن يكون في ذلك ما يغاير المضمون أو يضيف إليه, ويكون للأمة في أي وقت حسبما يقتضي ذلك مصلحتها أن تعيد النظر في التطبيق طبقًا لما تحتمه الظروف والأوضاع التي تواجهها.
يبقى أمامنا أن نحدد طريقة اختيار أهل الشورى على ضوء ما أوضحنا من ضرورة التفرقة بين المبدأ وأسلوب التنفيذ, فالشورى قد أكدت حق الأمة في
стр. 351
المشاركة في الحكم, وفي إدارة شئونها العامة وإقامة الصلة الوثيقة بين طرفي المجتمع الحكام من ناحية والمحكومين من ناحية أخرى بتقرير ذلك المبدأ, فكان من الطبيعي أن يشترك الشعب كله في إدارة شئونه العامة, إلا أن ذلك لا يمكن تحقيقه لسببين:
الأول: أن الإسلام لا يهتم بالكثرة, إلا قدرة إيمانها وتقواها وعلمها وثقافتها وإحاطتها, بالقانون الإسلامي, ومن ثم فقد يكون رأي قلة من العلماء, أفضل من رأي أكثرية جاهلة, وهو ما يستدل من قوله : ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ (المائدة: من الآية: ١٠٠) والسرخسي يقرر أن محمد بن الحسن يرى أن الترجيح يكون على قدر أكثر الآراء اتفاقًا ويخالف السرخسي ما ذهب إليه محمد بن الحسن بقوله: وهذا خلاف ما هو المذهب الظاهر لأصحابنا في الترجيح, أنه لا يكون بكثرة العدد, وعليه دل ظاهر قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (هود: من الآية: ١١) وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية: ٢١) وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف: ١٠٣) الثاني أنه يستحيل في الواقع أن يشترك في المشاورة جميع المسلمين في كل أمر من الأمور حتى, ولو صرفنا النظر عن السبب الأول؛ لأنه من ناحية يستحيل ماديًّا اجتماع الشعب كله في مكان واحد للمشاورة والوصول إلى قرار, وهذا ما عناه ابن حزم, عندما اعترض على الرأي الذي اشترط لصحة اختيار الخليفة, أن يعقدها فضلاء الأمة في أقطار البلاد الإسلامية كلية؛ لأنه كما يرى تكليف بما لا يطاق, وما ليس في الوسع, ولا بد من ضياع أمور المسلمين, قبل أن يجمع جزء من مائة من فضلاء أهل هذه البلاد, ومن ناحية أخرى أنه حتى ولو سلمنا
стр. 352
بعد استحالة جمع الشعب كله في صعيد واحد, فإنه لو تحقق ذلك لأدى إلى استحالة الوصول إلى قرار نتيجة لتشعب الآراء واختلاف المنازع لمجموع أفراج الشعب, فوق أن الأمر قد يتعلق بمسألة فنية بحتة قد تخفى على معظم الناس, ومن ثم فمن العبث الرجوع إليهم جميعًا لكل ذلك, فإن الإنابة في تشكيل أهل الشورى تعد أسلم الطرق لاختيارهم.
وقد سبق أن أشرنا عند تعرضنا للسوابق التي حدثت في عهد النبوة كيف أن رسول الله ﷺ أشار على القوم بالرجوع إلى عرفائهم, يعني المعروفين لديهم حتى يرفعوا إليه الأمر كما وضع ذلك فيما نقلناه عن عمر بن الخطاب ﵁, ويتحتم أن يشترك الشعب كله في اختيار أهل الشورى؛ لأن لفظ: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ تشير إلى المجتمع كله ولم يخص الشارع فئة من القوم دون سواهم بأداء مقتضيات الشورى فالأمر المعروف هنا هو أمر المسلمين المضاف إليهم, ومن ثم فإن كل مسلم بالغ عاقل ذكرًا كان أو أنثى يجب أن يشترك في عملية اختيار أهل الشورى الذين توافرت فيهم الشروط فالمسلمون سواسية في حق التصويت وإبداء الرأي.
ووجب المشاورة ككل الواجبات التي فرضها الشارع لا مدخل فيه للعصبية أو التعصب لرأي اللهم إلا إذا اعتقد أنه هو الرأي الصواب, ولا بد أن ينزل على حكم الأغلبية, ويقف حيث تقف الجماعة وفي مجلس الشورى, لا مدخل للحزبية, والطائفية فيه؛ لأن الإسلام يأبى أن يتحزم أهل الشورى, ويكون مع أحزابهم في التمسك بالرأي الباطل, وإنما الذي يقتضيه النظام الإسلام هو أن يدوروا مع الحق حيث دار ولا يحيد عنه, ولا بد أن ينزل الواحد عن رأيه إذا تبين له أنه غير صواب وأنه مخالف ولا تثريب على مجلس الشورى إذا ما توصل إلى
стр. 353
قرار أن يعدل عنه إذا تبين بعد ذلك أن هذا الرأي كان خطأ, إلا أن النزول على رأي الأغلبية, لا يكون واجبًا إذا خالف نصًا أو قاعدة كلية من قواعد الشرعية أو أي دليل من أدلة المشروعية إلا وفقًا لما تضعه قواعد المشروعية الإسلامية في هذا الصدد.
نكتفي بهذا القدر, أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٣ - قواعد النظام السياسي في الإسلام (٣)
مدى الالتزام برأي أهل الشورى، وبيان آراء الفقهاء في ذلك
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن قواعد النظام السياسي في الإسلام، وبدأنا الحديث عن القاعدة الأولى: وهي الحاكمية لله ، ثم بدأنا الحديث عن القاعدة الثانية: وهي الشورى في الإسلام وبينا دليلها من الكتاب، ومن السنة النبوية الشريفة، ومن السوابق التاريخية في عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدون من بعده.
ونواصل الحديث عن الشورى في الإسلام، فنتحدث الآن عن نطاق واجب الأمة في الشورى، فنقول: الشورى في الشريعة الإسلامية من الواجبات الحتمية على الحاكم، والمحكوم على حد سواء، ومن ثم فإنها تعطي لعلماء الأمة كما أشرنا الحق في المساهمة في إدارة شئون الدولة، فيما لم يكن فيه دليل من أدلة الشرع، وهي بهذا المعنى تؤدي إلى رفع مسئولية السلطة العامة، وفيما يلي تفصيل ذلك:
أولا: الشورى واجبة على الحكام والمحكومين على حد سواء، فلا يقتصر الالتزام بالمشاورة على الخليفة وغيره من الولاة، والحكام وحدهم، وإنما يلتزم بها المسلمون، فهي من ناحية تعتبر حقا من الحقوق الأساسية لهم، ومن ناحية أخرى تعتبر من الالتزامات التي تقع على كاهلهم، وقد روي عن الرسول ﷺ في هذا الصدد: ((إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه)) وقوله ﷺ : ((إن من حق المسلم على المسلم إذا استنصحه أن ينصحه)).
إلى جانب أن الشارع اعتبرها من الأوصاف اللازمة للمؤمنين برسالته هؤلاء المؤمنون الذين استجابوا له، وأقاموا أركان دينه، وأمرهم شورى فيما بينهم، فأثنى عليهم الشارع لكونهم لا ينفردون برأي، بل ما لم يجمعوا عليه لا يقدمون عليه، وقد بين الشارع بمقتضى ذلك ما يجب أن يكون عليه أهل هذا الدين، كما
стр. 354
يقع هذا الواجب من ناحية أخرى على عاتق الخليفة وغيره من الحكام والولاة، وقد دلت على ذلك الآية الكريمة ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر﴾ (آل عمران: من الآية: ١٥٩) لأنه إذا كان الرسول ﷺ وهو النبي المعصوم من الهوى، والمنزه عن الخطأ إذا كان مأمورا من الله بالمشاورة، فإنه من باب أولى أن يلتزم الحكام من بعده بهذا الواجب، والتزامهم به أقوى وأشد؛ لانتفاء العصمة فيهم، واحتمال وقوعهم في الخطأ، ولهذا يقرر الفقهاء أن أمر الله للرسول ﷺ بالمشاورة لم يكن لحاجة منه لرأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل ولتقتدي به أمته من بعده، على أن هذا الالتزام المتبادل بالشورى بين الحكام والمحكومين يجب ألا ينتهي إلى مخالفة قاعدة من القواعد المنصوص عليها في الشريعة الإسلامية، أو قاعدة من قواعدها الكلية، والقرار في هذه الحالة يكون باطلا أي: في حالة ما إذا كانت هناك مخالفة لقاعدة من القواعد المنصوص عليها في الشريعة، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني، فحيث يوجد نص قطعي أو قاعدة كلية، فلا يجوز أن يترتب على أعمال الرأي والمشاورة مخالفتهما.
ثم نتحدث الآن عن دورة الأمة الإسلامية في تحقيق واجب الشورى، سبق أن أشرنا إلى أن الشورى واجبة على الحاكم والمحكوم على حد سواء، وانتهينا إلى أن الشورى بهذا المعنى تعطي لعلماء الأمة ومجتهديها من أهل الحل والعقد في شتى مناحي الحياة، تعطيهم الإسهام في تدبير كافة شئون الأمة التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومن ثم فإن الأمة الإسلامية في قيامها بهذا الدور عن طريق مجتهديها وعلمائها من أهل الحل والعقد، لا تقتصر في مجال التشريع على إعطاء المشاورة للخليفة، وإنما تقوم بالدور الرئيسي، والفعال عن طريق هؤلاء الذين إذا أجمعوا على حكم من الأحكام العملية، فإنه يكون واجب
стр. 355
تطبيق وملزمًا للسلطات العامة، ولا يستطيع أي شخص ممن يمارسون سلطة من سلطات الدولة أن يشترك مع الأمة في إصدار هذا التشريع إلا إذا كان مجتهدا، وذلك بتوفر الشروط الخاصة بالاجتهاد فيه.
أما في مجال التنفيذ، فإن الأمة الإسلامية لها الحق أيضا، وعليها الالتزام في أن تقدم للسلطات الحاكمة المشورة اللازمة فيما تريد أن تقدم عليه من الأمور؛ لذلك فإن الشارع جعل الشورى من صفات المؤمنين برسالته الذين لا يستبدون بالرأي، ومن ثم فإن الشارع الحكيم مدح فيهم هذه الصفة، ومدح الشارع لها يعني: أنها من الأمور الواجبة التي يجب كفالتها في الدولة الإسلامية، يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (الشورى: ٣٨) والسلطة التنفيذية تلتزم التزاما حتميا قبل أن تتخذ أي قرار في المسائل الهامة والخطيرة المتعلقة باختصاصاتها، وسلطانها الموكولة إليها، وذلك بمقتضى خلافتها عن النبي ﷺ نقول: هي ملزمة هذه السلطة التنفيذية تلتزم التزاما حتميا بأن تأخذ المشورة من الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد في الأمر المراد البت فيه، وهؤلاء لهم الحق وعليهم الالتزام بإبداء الرأي، وبيان وجهة نظرهم على ضوء ما تقتضي به قواعد الشريعة في كل مسألة من المسائل الهامة التي تتعلق بالأمة الإسلامية، أي: أن هؤلاء الذين يمارسون الشورى يجب عليهم أن يؤدوا هذه الشورى، فهذا التزام يقع على عاتقهم.
ولكون الشورى تعتبر واجبا ملزما للخليفة، وسائر الحكام في الدولة الإسلامية، فإن بعض الفقهاء ذهب إلى القول بأن الوالي الذي يستبد برأيه، ويعزف عن المشورة، فإن مثل هذا الوالي يكون واجب العزل، بل لقد ذهب هذا الرأي إلى
следующие страницы →