Полный текст (825 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
المشاركة في الحكم, وفي إدارة شئونها العامة وإقامة الصلة الوثيقة بين طرفي المجتمع الحكام من ناحية والمحكومين من ناحية أخرى بتقرير ذلك المبدأ, فكان من الطبيعي أن يشترك الشعب كله في إدارة شئونه العامة, إلا أن ذلك لا يمكن تحقيقه لسببين:
الأول: أن الإسلام لا يهتم بالكثرة, إلا قدرة إيمانها وتقواها وعلمها وثقافتها وإحاطتها, بالقانون الإسلامي, ومن ثم فقد يكون رأي قلة من العلماء, أفضل من رأي أكثرية جاهلة, وهو ما يستدل من قوله : ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ (المائدة: من الآية: ١٠٠) والسرخسي يقرر أن محمد بن الحسن يرى أن الترجيح يكون على قدر أكثر الآراء اتفاقًا ويخالف السرخسي ما ذهب إليه محمد بن الحسن بقوله: وهذا خلاف ما هو المذهب الظاهر لأصحابنا في الترجيح, أنه لا يكون بكثرة العدد, وعليه دل ظاهر قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (هود: من الآية: ١١) وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية: ٢١) وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف: ١٠٣) الثاني أنه يستحيل في الواقع أن يشترك في المشاورة جميع المسلمين في كل أمر من الأمور حتى, ولو صرفنا النظر عن السبب الأول؛ لأنه من ناحية يستحيل ماديًّا اجتماع الشعب كله في مكان واحد للمشاورة والوصول إلى قرار, وهذا ما عناه ابن حزم, عندما اعترض على الرأي الذي اشترط لصحة اختيار الخليفة, أن يعقدها فضلاء الأمة في أقطار البلاد الإسلامية كلية؛ لأنه كما يرى تكليف بما لا يطاق, وما ليس في الوسع, ولا بد من ضياع أمور المسلمين, قبل أن يجمع جزء من مائة من فضلاء أهل هذه البلاد, ومن ناحية أخرى أنه حتى ولو سلمنا
стр. 352
بعد استحالة جمع الشعب كله في صعيد واحد, فإنه لو تحقق ذلك لأدى إلى استحالة الوصول إلى قرار نتيجة لتشعب الآراء واختلاف المنازع لمجموع أفراج الشعب, فوق أن الأمر قد يتعلق بمسألة فنية بحتة قد تخفى على معظم الناس, ومن ثم فمن العبث الرجوع إليهم جميعًا لكل ذلك, فإن الإنابة في تشكيل أهل الشورى تعد أسلم الطرق لاختيارهم.
وقد سبق أن أشرنا عند تعرضنا للسوابق التي حدثت في عهد النبوة كيف أن رسول الله ﷺ أشار على القوم بالرجوع إلى عرفائهم, يعني المعروفين لديهم حتى يرفعوا إليه الأمر كما وضع ذلك فيما نقلناه عن عمر بن الخطاب ﵁, ويتحتم أن يشترك الشعب كله في اختيار أهل الشورى؛ لأن لفظ: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ تشير إلى المجتمع كله ولم يخص الشارع فئة من القوم دون سواهم بأداء مقتضيات الشورى فالأمر المعروف هنا هو أمر المسلمين المضاف إليهم, ومن ثم فإن كل مسلم بالغ عاقل ذكرًا كان أو أنثى يجب أن يشترك في عملية اختيار أهل الشورى الذين توافرت فيهم الشروط فالمسلمون سواسية في حق التصويت وإبداء الرأي.
ووجب المشاورة ككل الواجبات التي فرضها الشارع لا مدخل فيه للعصبية أو التعصب لرأي اللهم إلا إذا اعتقد أنه هو الرأي الصواب, ولا بد أن ينزل على حكم الأغلبية, ويقف حيث تقف الجماعة وفي مجلس الشورى, لا مدخل للحزبية, والطائفية فيه؛ لأن الإسلام يأبى أن يتحزم أهل الشورى, ويكون مع أحزابهم في التمسك بالرأي الباطل, وإنما الذي يقتضيه النظام الإسلام هو أن يدوروا مع الحق حيث دار ولا يحيد عنه, ولا بد أن ينزل الواحد عن رأيه إذا تبين له أنه غير صواب وأنه مخالف ولا تثريب على مجلس الشورى إذا ما توصل إلى
стр. 353
قرار أن يعدل عنه إذا تبين بعد ذلك أن هذا الرأي كان خطأ, إلا أن النزول على رأي الأغلبية, لا يكون واجبًا إذا خالف نصًا أو قاعدة كلية من قواعد الشرعية أو أي دليل من أدلة المشروعية إلا وفقًا لما تضعه قواعد المشروعية الإسلامية في هذا الصدد.
نكتفي بهذا القدر, أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٣ - قواعد النظام السياسي في الإسلام (٣)
مدى الالتزام برأي أهل الشورى، وبيان آراء الفقهاء في ذلك
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن قواعد النظام السياسي في الإسلام، وبدأنا الحديث عن القاعدة الأولى: وهي الحاكمية لله ، ثم بدأنا الحديث عن القاعدة الثانية: وهي الشورى في الإسلام وبينا دليلها من الكتاب، ومن السنة النبوية الشريفة، ومن السوابق التاريخية في عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدون من بعده.
ونواصل الحديث عن الشورى في الإسلام، فنتحدث الآن عن نطاق واجب الأمة في الشورى، فنقول: الشورى في الشريعة الإسلامية من الواجبات الحتمية على الحاكم، والمحكوم على حد سواء، ومن ثم فإنها تعطي لعلماء الأمة كما أشرنا الحق في المساهمة في إدارة شئون الدولة، فيما لم يكن فيه دليل من أدلة الشرع، وهي بهذا المعنى تؤدي إلى رفع مسئولية السلطة العامة، وفيما يلي تفصيل ذلك:
أولا: الشورى واجبة على الحكام والمحكومين على حد سواء، فلا يقتصر الالتزام بالمشاورة على الخليفة وغيره من الولاة، والحكام وحدهم، وإنما يلتزم بها المسلمون، فهي من ناحية تعتبر حقا من الحقوق الأساسية لهم، ومن ناحية أخرى تعتبر من الالتزامات التي تقع على كاهلهم، وقد روي عن الرسول ﷺ في هذا الصدد: ((إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه)) وقوله ﷺ : ((إن من حق المسلم على المسلم إذا استنصحه أن ينصحه)).
إلى جانب أن الشارع اعتبرها من الأوصاف اللازمة للمؤمنين برسالته هؤلاء المؤمنون الذين استجابوا له، وأقاموا أركان دينه، وأمرهم شورى فيما بينهم، فأثنى عليهم الشارع لكونهم لا ينفردون برأي، بل ما لم يجمعوا عليه لا يقدمون عليه، وقد بين الشارع بمقتضى ذلك ما يجب أن يكون عليه أهل هذا الدين، كما
стр. 354
يقع هذا الواجب من ناحية أخرى على عاتق الخليفة وغيره من الحكام والولاة، وقد دلت على ذلك الآية الكريمة ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر﴾ (آل عمران: من الآية: ١٥٩) لأنه إذا كان الرسول ﷺ وهو النبي المعصوم من الهوى، والمنزه عن الخطأ إذا كان مأمورا من الله بالمشاورة، فإنه من باب أولى أن يلتزم الحكام من بعده بهذا الواجب، والتزامهم به أقوى وأشد؛ لانتفاء العصمة فيهم، واحتمال وقوعهم في الخطأ، ولهذا يقرر الفقهاء أن أمر الله للرسول ﷺ بالمشاورة لم يكن لحاجة منه لرأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل ولتقتدي به أمته من بعده، على أن هذا الالتزام المتبادل بالشورى بين الحكام والمحكومين يجب ألا ينتهي إلى مخالفة قاعدة من القواعد المنصوص عليها في الشريعة الإسلامية، أو قاعدة من قواعدها الكلية، والقرار في هذه الحالة يكون باطلا أي: في حالة ما إذا كانت هناك مخالفة لقاعدة من القواعد المنصوص عليها في الشريعة، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني، فحيث يوجد نص قطعي أو قاعدة كلية، فلا يجوز أن يترتب على أعمال الرأي والمشاورة مخالفتهما.
ثم نتحدث الآن عن دورة الأمة الإسلامية في تحقيق واجب الشورى، سبق أن أشرنا إلى أن الشورى واجبة على الحاكم والمحكوم على حد سواء، وانتهينا إلى أن الشورى بهذا المعنى تعطي لعلماء الأمة ومجتهديها من أهل الحل والعقد في شتى مناحي الحياة، تعطيهم الإسهام في تدبير كافة شئون الأمة التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومن ثم فإن الأمة الإسلامية في قيامها بهذا الدور عن طريق مجتهديها وعلمائها من أهل الحل والعقد، لا تقتصر في مجال التشريع على إعطاء المشاورة للخليفة، وإنما تقوم بالدور الرئيسي، والفعال عن طريق هؤلاء الذين إذا أجمعوا على حكم من الأحكام العملية، فإنه يكون واجب
стр. 355
تطبيق وملزمًا للسلطات العامة، ولا يستطيع أي شخص ممن يمارسون سلطة من سلطات الدولة أن يشترك مع الأمة في إصدار هذا التشريع إلا إذا كان مجتهدا، وذلك بتوفر الشروط الخاصة بالاجتهاد فيه.
أما في مجال التنفيذ، فإن الأمة الإسلامية لها الحق أيضا، وعليها الالتزام في أن تقدم للسلطات الحاكمة المشورة اللازمة فيما تريد أن تقدم عليه من الأمور؛ لذلك فإن الشارع جعل الشورى من صفات المؤمنين برسالته الذين لا يستبدون بالرأي، ومن ثم فإن الشارع الحكيم مدح فيهم هذه الصفة، ومدح الشارع لها يعني: أنها من الأمور الواجبة التي يجب كفالتها في الدولة الإسلامية، يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (الشورى: ٣٨) والسلطة التنفيذية تلتزم التزاما حتميا قبل أن تتخذ أي قرار في المسائل الهامة والخطيرة المتعلقة باختصاصاتها، وسلطانها الموكولة إليها، وذلك بمقتضى خلافتها عن النبي ﷺ نقول: هي ملزمة هذه السلطة التنفيذية تلتزم التزاما حتميا بأن تأخذ المشورة من الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد في الأمر المراد البت فيه، وهؤلاء لهم الحق وعليهم الالتزام بإبداء الرأي، وبيان وجهة نظرهم على ضوء ما تقتضي به قواعد الشريعة في كل مسألة من المسائل الهامة التي تتعلق بالأمة الإسلامية، أي: أن هؤلاء الذين يمارسون الشورى يجب عليهم أن يؤدوا هذه الشورى، فهذا التزام يقع على عاتقهم.
ولكون الشورى تعتبر واجبا ملزما للخليفة، وسائر الحكام في الدولة الإسلامية، فإن بعض الفقهاء ذهب إلى القول بأن الوالي الذي يستبد برأيه، ويعزف عن المشورة، فإن مثل هذا الوالي يكون واجب العزل، بل لقد ذهب هذا الرأي إلى
стр. 356
أن القول بالعزل في هذه الحالة من الأمور المجمع عليها، وعندما نتحدث عن الشورى، ومسئولية السلطات العامة نقول: سبق أن نبهنا إلى أنه في نطاق الدور الذي تمارسه الأمة في التشريع يتحتم أن تلتزم السلطات العامة بما توصل إليه مجتهدو الأمة من أحكام، بحيث لا يكون لأي عضو من أعضاء السلطة العامة المشاركة في هذا الحق إلا إذا كان مجتهدا، وأجمع هو وغيره من مجتهدي الأمة على حكم شرعي.
ومن ثم فإن دور الأمة في التشريع في الفقه الإسلامي ليس للحاكم وحده، ولا يكون له أن يستبد أو ينفرد به، وإنما هو للأمة، وفقا للحدود والأوضاع التي بيناها فيما سبق.
أما في مجال التنفيذ، فإن التزام السلطة العامة بهذا الواجب حتمي سواء في مرحلة اتخاذ القرار، أو في مرحل التزام تطبيق ما ينتهي إليه المتشاورون، ذلك أنه في غالب الأمر يكون هذا القرار صوابًا، وقد نسب القرطبي إلى الحسن أنه قال: ما تشاور قوم بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما يحضر بهم، فإذا ما التزمت الأمة بالشورى، وأخلصت النية بهدف الوصول إلى الحق والصواب، وكان ذلك هو الهدف الأساسي لأهل الشورى من غير ميل إلى هوى، ولا حيدة عن الحق، فإن الله سوف يسدد خطاهم ويهديهم إلى الصواب، ويوفقهم في الوصول إليه، وذلك لأن مشاورة الفقهاء والعلماء أبعد عن الخطر.
والخطر الواقع على الأمة إذا لم تعطِ هذا الحق، وانفرد به أحد أعضاء السلطة العامة مؤكدا كما أنه يؤدي إلى التسلط والاستبداد؛ لذلك فإننا نرى أن الرأي الذي يرى بأن الحاكم الذي يحرم الأمة من هذا الحق -أي: حق الشورى- ولا يلتزم به، ويستبد برأيه فإنه يكون واجب العزل، هذا هو الرأي الصواب.
стр. 357
ومن ثم فإن الشورى تعد ضمانة من الضمانات الأساسية التي قررتها الشريعة للحيلولة دون مخالفة قواعدها الشرعية، أو الاستبداد بالسلطة والانحراف بها عن المصالح الأساسية التي ابتغتها، وهدفت إليها.
أهل الشورى، والشروط اللازم توافرها فيهم
والسوابق التي توضح إعمال هذا المبدأ في عهد النبوة من ناحية، وفي عهد الخلفاء الراشدين الأول من ناحية أخرى، أوضحت بما لا يثير أدنى شك أن العمل بنتيجة الشورى حتمي لا يجوز مخالفته، وفي الحالات النادرة التي يعمل فيها برأي الأقلية كان يوجد سبب خطير وقوي، يبرر ذلك، كما حدث في عهد الخليفة الأول أبي بكر في محاربته لأهل الردة، فقد شاور الصحابة فيما يجب أن يتخذ، وكان رأي الأغلبية هو عدم محاربتهم، وكان رأيه ﵁ على خلاف ذلك؛ لأنهم فقدوا صفة أساسية من الصفات التي لا يتوفر شرط الإسلام إلا بها، وهو إنكارهم للزكاة وعدم أدائهم لها، ولقد أدت الحوادث اللاحقة إلى تأييد وجهة نظره، وأكدت صحة قراره، وقد اعترف عمر بن الخطاب الذي كان من بين المعارضين لأبي بكر في محاربة هؤلاء أهل الردة، بخطأ الرأي المعارض.
فالخليفة وسائر أعضاء السلطة العامة يلتزمون كمبدأ عام باتباع نتيجة المشاورة التي يقدمها المسلمون طالما لا يوجد سبب خطير، وقوي يؤدي إلى العدول عن نتيجة هذه المشاورة، والخليفة هو الذي يقرر وجود سبب يؤدي إلى هذا العدول، كما أنه وحده الذي يتحمل نتيجة هذا القرار المخالف لرأي الأغلبية، كما أنه ليس ملزما من ناحية أخرى باتباع رأي الأقلية، إلا إذا توفرت لديه مبررات قوية بأن رأي الأقلية هو الرأي الذي يتفق مع المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي.
стр. 358
وإذا ما عمل الخليفة برأي الأقلية، فهو أيضا الذي يتحمل وحده مسئولية مخالفة رِأي الأغلبية، إذا تبين بعد ذلك أنه كان مخطئا في إتباع هذا الرأي، وإذا ما أقدم الخليفة على رأي الأغلبية، فإنه لا يكون مسئولا إذا تبين بعد ذلك أن هذا الرأي لم يكن صوابا؛ لأن الخطأ هنا لا يتحمله الخليفة، وإنما تتحمله الأمة كلها، فإذا أخطأ فهم -أي: أهل الشورى- المخطئون، وإذا أصاب فهم المصيبون، ولا يجوز من باب المنطق أن يتحمل الخليفة أو أي شخص ممن يمارسون السلطة العامة خطأ أغلبية أهل الشورى، وهم بطبيعة الشروط التي يجب أن تتوفر فيهم علماء الأمة وأخيارها.
ويرى القرطبي رأيًّا ينسبه لأحد العقلاء يقول فيه: قال: بعض العقلاء ما أخطأت قط إذا جذبني أمر شاورت قومي، ففعلت الذين يرون، فإن أصبت فهم المصيبون، وإن أخطأت فهم المخطئون، ويروي القرطبي في موقع آخر، وقال أعرابي: ما غبنت قط حتى يغبن قومي، قيل: وكيف ذلك؟ قال لا أفعل شيئا حتى أشاورهم؛ ولذلك قيل: بأن الخطأ مع المشورة أصلح من الصواب من الانفراد، والاستبداد إلى جانب أن التزام الخليفة بنتيجة الشورى، فإن ذلك إلى جانب أنه يرفع مسئولية الخليفة إلا أنه في ذات الوقت يؤدي إلى تربية الأمة التربية السياسية الصحيحة، ويجعلها تتدارك هذا الخطأ في المستقبل، وهو أفضل بكثير من العمل برأي الحاكم، وإن كان صوابا؛ لأن جعل الرأي للحاكم وحده مسوغ للاستبداد، والتسلط لا يعترف به الفقه الإسلامي، فوق أن خطأ الأمة في هذه الحالة من الأمور النادرة التي قلما أن يتحقق؛ لقول الرسول ﷺ : ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) وقوله ﷺ : ((ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)) قوله ﷺ : ((اتبعوا السواد الأعظم)) وقوله ﷺ : ((عليكم بالجماعة والعامة)).
ومن ثم فإن الالتزام برأي علماء الأمة وفقهائها يؤدي دوما، وأبدًا إلى الرأي الصحيح في معظم الأمور.
стр. 359
ونتحدث الآن عن الشورى، ومبدأ سيادة الأمة، فنقول: يرى بعض العلماء من المحدثين أن مبدأ الشورى في الإسلام ينطوي على الأخذ بمبدأ سيادة الأمة، وهم يستندون في رأيهم هذا إلى بعض الأسانيد كما يستندون إلى آيات من القرآن الكريم، يعتقدون أنه يمكن أن يستنبط من معناها ما يؤيد رأيهم، وسوف نورد فيما يلي الأسانيد المختلفة التي يعتمدون عليها، ثم نعقب ذلك بالرد عليها، ومناقشتها:
أولا: يقول أولئك العلماء أن الأمة في الإسلام تعد صاحبة الحق في تولية رئيس الدولة، ولها كذلك الحق في عزله عن منصبه إذا رأت المصلحة العامة في ذلك، وهذا يعني: أن رئيس الدولة إنما يستمد سلطته من الأمة، والأمة على هذا تعتبر مصدر السلطات، وصاحبة السيادة والعلاقة بين الأمة، وبين رئيس الدولة الذي تختاره هي علاقة تعاقدية أي: تقوم على أساس فكرة العقد الاجتماعي، وتبدو العلاقة التعاقدية هنا في نيابة أهل الحل، والعقد عن الأمة في مبايعة رئيس الدولة، فأهل الحل والعقد في الواقع إنما يمثلون الأمة صاحبة السيادة.
ثانيا: ويستدل هؤلاء العلماء ببعض آيات من القرآن الكريم، وببعض الأحاديث النبوية الشريفة يرون أنه يمكن أن يستنبط منها الدليل على أن الإسلام يأخذ بمبدأ سيادة الأمة، فمن تلك الآيات قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: من الآية: ١٣٥) فكأن الله ﵎ يخاطب الأمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَا شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ
стр. 360
وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة: من الآية: ٢) فهم يستنبطون من هذه الآيات أن الله ﵎ يخاطب جميع المسلمين، وهم يستنبطون من ذلك أن الأمة إنما هي أساس السلطات كما هم يقولون.
وبجانب هاتين الآيتين ففي القرآن الكريم آيات أخرى عديدة، نجدها كذلك يتجه الخطاب فيها مثلهما إلى الأمة الإسلامية، مما يمكن أن نستدل منه على أن تلك الأمة هي التي تحمل مسئولية إقامة شريعة الله تعالى، ورعاية المصالح العامة، وهي تعد بهذا مصدر السيادة وأساس السلطات من وجهة نظر الإسلام.
ويربط الأستاذ الكبير أبو الأعلى المودودي بين مبدأ الشورى في الإسلام، وبين مبدأ سيادة الأمة ربطا تاما، فنراه يقول: ومبدأ سيادة الأمة الذي نص عليه الإسلام في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ وفي قوله سبحانه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ هو المبدأ الذي وصلت الإنسانية إلى إقراره بعد كفاح طويل؛ ولذلك يجب أن يستمر هذا المبدأ في ظل الدولة الإسلامية، ويقول الأستاذ المودودي أيضا: ووجود البرلمان كسلطة للرقابة إلى جانب أن الحاكم نفسه يتم انتخابه عن طريق الشعب في الدولة المسلمة، يكفلان سيادة الأمة.
وأما الأحاديث النبوية الشريفة، فيذكرون منها أي: هؤلاء الذين يربطون بين الشورى وبين مبدأ سيادة الأمة، نقول يذكرون من الأحاديث في هذا الصدد قول الرسول ﷺ : ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) فإن هذا الحديث الشريف يفيد فيما يرون أن الأمة الإسلامية متى اجتمعت على رأي معين، كان هو الصواب ويجب أن يؤخذ به؛ لأنه صدر من صاحب الحق في السيادة أي: من الأمة،
стр. 361
الرد على هذا الرأي الذي يربط الشورى بمبدأ سيادة الأمة، فنقول: إن تلك المحاولة للرد بين مبدأ الشورى كما جاء به الإسلام، وبين مبدأ أو نظرية سيادة الأمة بمفهومها المعروف في الفقه الدستوري الحديث، ليست إلا محاولة لخلق مشكلة فقهية بالغة التعقيد، وإنه ليبدو لنا أن الذي دعا أولئك العلماء إلى محاولة الربط بين المبدأين المذكورين، وهو الشورى وسيادة الأمة، هو محاولة التقليد، ونزعة التأثر بآراء العلماء والفقهاء الغربيين، وكذلك خشية أولئك العلماء أن يعاب على التفكير الفقهي الإسلامي أنه لا يوجد به مكان لكل نظرية سياسية أو دستورية قديمة أو حديثة، فكأنهم بذلك يجارون المصطلحات التي تأتي لنا من فقهاء القانون الغربيون.
بيد أن تلك المحاولة للربط بين المبدأين، وإيجاد علاقة بينهما هي في الحقيقة محاولة لا تستند إلى أساس علمي سليم، ويمكن الرد على تلك الأسانيد التي سبقت لتبريرها بما يأتي:
أولا: أن مبدأ سيادة الأمة هو ثمرة نظرية حديثة المنشأ، فرنسية المنبت فقد كان فيلبو الفرنسي هو أول مفكر تكلم عن فكرة سيادة الأمة، وذلك في عام ١٤١٤ ميلادية، حين قرر أمام الهيئة النيابية التي كانت تمثل الطبقات في فترة ما قبل الثورة الفرنسية، وذلك عند بحث موضوع الوصاية على الملك القاصر شارل الثامن، يقرر أن الشعب الفرنسي هو وحده صاحب السيادة، وهو الذي يهب الملك هذا الحق، فطالما أن الملك قاصر، فإنه يكون للشعب الفرنسي أو الجمعية النيابية التي تمثله الحق في الوصاية عليه هذا مع ملاحظة أن الأمراء الفرنسيين كانوا يرون في ذلك الحين أنهم هم وحدهم أصحاب الحق في تنظيم الوصاية على
стр. 362
الملك القاصر، دون الشعب الفرنسي، ولما جاءت الثورة الفرنسية، قررت أن السيادة للأمة وحدها، فليس من صواب الرأي إذا أن نحاول إرجاع جذور تلك النظرية إلى أحكام الإسلام، وإلى التفكير الإسلامي القديم، فنحن لا نجد في كتابات الفقهاء، والمفكرين المسلمين القدامى أية إشارة إلى نظرية سيادة الأمة، أو الاعتماد على مفهومها أو نتائجها كما أننا لا نجد عندهم هذه المحاولة للربط بين مبدأ الشورى، وبين مبدأ سيادة الأمة، كما فعل ذلك أولئك العلماء المحدثون في عصرنا الحاضر.
والواقع أننا نجد أن المفهوم الحديث لمبدأ سيادة الأمة لم يتضح إلا في إعلان حقوق الإنسان الفرنسي، وهو الإعلان الذي أصدرته الجمعية الوطنية في ٢٦ أغسطس ١٧٨٩ ونصت المادة الثالثة منه على أن الأمة هي صاحبة السيادة، ومستقرها، وقد تكرر النص على مبدأ سيادة الأمة في دستور ١٧٩١ ثم نص عليه بعد ذلك في دستور السنة الثالثة عام ١٧٩٥ وهكذا جعلت الثورة الفرنسية من نظرية سيادة الأمة قاعدة دستورية عامة أخذت في الذيوع والانتشار في معظم الدول.
ثانيا: أن مفهوم الأمة في الإسلام يختلف كثيرًا عن مفهوم الأمة في الفقه الدستوري الحديث، فبينما يعرفها هذا الفقه بأنها جماعة من الناس مستقرة على بقعة معينة من الأرض، وتجمع بين أفرادها الرغبة المشتركة في العيش معا، إذ بنا نجد أن الأمة في الإسلام لها مدلول آخر يختلف عن ذلك المفهوم، فأحيانا قد يقصد بلفظ الأمة بعض أفرادها فحسب، وليس كل الأفراد، وذلك يتضح من قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤) فهنا نجد أن قول الله تعالى:
стр. 363
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ يستفاد منه أن المقصود بالأمة ليس كل أفراد المسلمين، وإنما يتجه الخطاب إلى قسم منهم، فحسب بدليل وجود لفظ ﴿مِنْكُمْ﴾.
والراجح لدى علماء التفسير أن تلك الجماعة من الأمة التي يريدها الله أن تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، هي جماعة المؤمنين، وظاهر أن الأمة بهذا المعنى أي: باعتبارها جزءا فحسب من جماعة الناس هو أمر لا يتفق مع مفهوم الأمة الذي تعرفه نظرية سيادة الأمة في القانون الوضعي بمعناها الفقهي الحديث، وحتى بالنسبة للآية التي استند إليها نفر من العلماء كدليل على أن الإسلام يأخذ طبقا لمبدأ الشورى بمبدأ سيادة الأمة، وهي قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: من الآية: ١٣٥) فإننا نجد أن الخطاب في هذه الآية موجه إلى الذين آمنوا، وهم قليل من المسلمين وليس كل أفراد الأمة بمعناها المعروف.
ومن الردود أيضا على هذه النظرية التي تربط بين الشورى، وبين مبدأ سيادة الأمة، نقول: وحتى بالنسبة للنتائج التي تترتب على مبدأ سيادة الأمة، فإننا نجد اختلافا كبيرا بين الفكر الإسلامي، والفكر الدستوري حول هذا الموضوع، فإحدى نتائج هذا المبدأ أن يكون لإرادة الأمة السلطة العامة أو السيادة التي لا توجد سلطة عليا أخرى أعلى منها، ومظهر تلك السلطة هو القانون الذي يعبر عن سيادة الأمة، ولكن كيف نطبق ذلك بالنسبة للإسلام، وهل يمكن أن يكون التشريع في الإسلام هو التعبير عن إرادة الأمة التي نجد غالبية أفرادها مسلمين اسما فحسب، أم أن التشريع على عكس ذلك؟ إنما يعبر أولا بالنسبة للإسلام عن أحكام الشريعة الإسلامية، وأن هذه الأحكام هي التي يجب أن يكون لها السيادة أو السلطة العليا؛
стр. 364
ولذلك نجد أنه يبدو غريبا حقا أن بعض علمائنا ومفكرينا يحاولون أن يدخلوا أو أن يدخلوا تحت راية الإسلام نظرية غريبة عليه في الوقت الذي نجد فيه بعض كبار الفقهاء الدستوريين هنا، وفي الغرب يهاجمون تلك النظرية أي: نظرية سيادة الأمة، ويرون أن تلك الظروف التاريخية التي أدت إلى استنباطها قد أصبحت في ذمة التاريخ أي: أنه لم تعد بنا حاجة إليها في عصرنا الحاضر ذلك فضلا عن أنها تعد خلافا لما يعتقده الكثيرون خطرًا على الحريات.
والخلاصة إذا أنه لا يصح الربط بين مبدأ الشورى في الإسلام، وبين مبدأ أو نظرية سيادة الأمة، فإن الإسلام ليس بحاجة إلى إثارة تلك المسألة أو المشكلة التي لا تؤدي إثارتها إلى حل مشكلة من المشكلات في التفكير الإسلامي، وإنما تؤدي إلى خلق مشكلة جديدة ما أغنى ذلك التفكير عنها.
ونتحدث الآن أيضا عن مبدأ الشورى ونظام الانتخاب، هناك رأي يقول بأن مبدأ الشورى في الإسلام ينطوي على الأخذ بنظام الانتخاب العام، أي: أن هذا الرأي يرى أن مبدأ الشورى يترتب عليه وجوب الأخذ بنظام الانتخاب العام، ويذهب بعض العلماء إلى القول بأن مبدأ الشورى في الإسلام ينطوي على الأخذ بنظام الانتخاب العام، وهم في هذا يستندون إلى بعض الحجج والأسانيد، وإلى آيات من القرآن الكريم، وأحاديث من السنة الشريفة، وسوف نرد على هذا الرأي بعد أن نعرضه أولا بأدلته وأسانيده.
فالأستاذ الكبير أبو الأعلى المودودي يفرق بين حق الانتخاب، وبين الحق في الترشيح.
стр. 365
أما الأهلية لممارسة حق الانتخاب، فيرى أنه يحوزها كل واحد من أهالي البلاد البالغ عددهم إلى الملايين، ومئات الملايين، وهو لا يشترط لهذه الأهلية ما يحول دون تطبيق مبدأ الانتخاب العام، ويذكر أن بعض مواد الدستور العملية تكفي لبيان مقاييس وشروط تلك الأهلية.
ويرى بعض العلماء أن أمر الله تعالى بالشورى في القرآن الكريم في آيتي ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم﴾ (الشورى: من الآية: ٣٨) وكذلك ما أمر الله به من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية: ١١٠) ثم في قوله سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤) يرون أن هذه الآيات كلها يمكن أن يؤخذ منها الدليل على أن الإسلام حين قرر مبدأ الشورى، فقد رتب على هذا المبدأ الأخذ بنظام الانتخاب العام، فإن خطاب الله تعالى في هذه الآيات الأخرى التي تماثلها إنما هو موجه إلى الأمة كلها، فالشورى بين كل أفرادها؛ لقوله : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم﴾ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تختص به الأمة بكل أفرادها، ولكن نرد على هذا الرأي، ونقول وفي رأينا أن ذلك رأي قد جانبه التوفيق، وذلك لأسباب:
أولا: لقد سبق أن ذكرنا أن أمر الله تعالى بالشورى لا يؤدي بالضرورة إلى أن تكون المشاورة لكل أفراد الأمة، أو لكافة المسلمين، وقد رأينا كيف كان الرسول ﷺ والخلفاء الراشدون من بعده يستشيرون عناصر، وفئات معينة، فإن المرء لا يستشير عادة إلا من كان أهلًا لإبداء رأي سليم، والقرآن الكريم نجد أنه قد تكررت فيه الآيات التي تنص على أن الرأي، والفضل والعلم ليست من صفات أكثر الناس
стр. 366
على التعميم، فليس من الصواب إذا أن تكون المشورة لأكثرية الناس، وإنما يجب أن نرجع في الشورى إلى أهل الرأي والحكمة بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: من الآية: ٨٣) ويقول تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: من الآية: ٩).
ثانيا: ومن الرد عليهم أيضا نقول لهم: وأما عن استدلال الأستاذ المودودي، وغيره بقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ على أنها توجب الأخذ بنظام الانتخاب العام، فإنه استدلال قد جانبه التوفيق والحكم في ذلك هو تفسير هذه الآية، وما ترمي إليه كما ذكره المفسرون؛ ولذلك نقول لأصحاب ذلك الاستدلال إن مذهب المعتزلة قد قام على خمسة مبادئ أساسية معروفة أحدها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورغم ذلك فإننا لا نجد أولئك المعتزلة يفسرون هذه الآية بما يجعل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر واجبا على كل الناس، بدليل أننا نجد عالما كبيرا من علمائهم المفسرين، وهو الإمام الزمخشري يفسر هذه الآية تفسيرا يبعد تماما عن المعنى الذي يستند إليه من يستدل بها على إيجاب الإسلام لنظام الانتخاب العام، فهو يقول: إن النهي عن المنكر من فروض الكفايات لا فرض عين؛ لأنه لا يصلح له إلا من علم كيف يرتب الأمر في إقامته، وكيف يباشره، ثم إن النظر في هذه الآية لا يعطي دلالة على العموم، والإطلاق فمن يقومون بالمعروف والنهي عن المنكر فهي تقول: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ﴾ ومنكم تعني البعض، وليس كل الأمة، أو كل الناس، ولو أراد الله تعالى أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبا على كل الناس لذكره.
стр. 367
وإذا كان الكل سوف يأمرون بالمعروف، وسوف ينهون عن المنكر، فمن إذا سيأمرون، ومن إذا سينتهون، ونجد مثل هذا الرأي كذلك عند ابن كثير الدمشقي، فهو يقول في تفسير نفس هذه الآية: إن مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعد واجبا على كل فرد بحسبه أي: بحسب مقدرته، إلا أن من يقصدون بهذه الآية هم خاصة الصحابة، وخاصة الرواة أي: المجتهدين والعلماء.
ومما تقدم نرى خطأ ما يراه بعض رجال العلم من أن الإسلام يفرض الأخذ بنظام الانتخاب العام، باعتباره من مقتضيات أو نتائج مبدأ الشورى الذي فرضه الإسلام على أنه مما تجدر ملاحظته أنه، إذا لم يكن في القرآن ولا في السنة ما يفرض الأخذ بنظام الانتخاب العام، فإنه ليس ثمة ما يحول في بلد إسلامي دون الأخذ بهذا النظام إذا اقتضت المصلحة ذلك؛ لأن تفصيل النظم الدستورية، والطرق التي تكون بها الشورى، هو من الأمور التي تختلف باختلاف أحوال الأمة الاجتماعية فمن الحكمة، واليسر بالناس أن نجد الإسلام بعد أن قرر الشورى قد ترك لكل أمة أن تضع نظمها التفصيلية بما يلائم حالها، ويتوافق مع مصلحتها.
ففرق كبير إذا بين الرأي الذي نعارضه، وهو القائل بفرض نظام الانتخاب العام في كل زمان، ومكان وبين هذا الرأي الذي ذكرناه من أنه ليس ثمة ما يحول بين المسلمين، وبين الأخذ بنظام الانتخاب العام، إذا رأوا مصلحتهم فيه.
فإن الرأي الذي عرضناه يجعل من نظام الانتخاب العام مسألة دينية واجبة، أما ما نؤيده فهو اعتبار هذا النظام مسألة اجتماعية سياسية وبذلك تنتفي عن الشريعة الإسلامية صفة الجمود، ويستبين جوهرها الذي يتسم فيما يتعلق بالمعاملات بسمات المرونة، ومسايرة التطور ومراعاة المصلحة.
стр. 368
وأخيرا فإننا إذا توخينا الحقيقة والصواب، فإننا سوف نجد أن النظام الأقرب إلى مبدأ الشورى في الإسلام هو نظام الانتخاب الذي يطلق عليه اسم الانتخاب المقيد، وليس نظام الانتخاب العام، وهذا الاتجاه يؤيده عدد من العلماء والباحثين في المسائل الدستورية والإسلامية، فالأستاذ الكبير بارت لملي يرى أن إسناد الأمر في الأمة للنخبة الممتازة من أبنائها لا ينافي مبدأ المساواة بين المواطنين بل إن ذلك يتفق مع التعريف المأثور عن أرسطو فهو يقول: المساواة هي: ألا نضع على قدم المساواة شيئين غير متساويين.
وقد رأينا في كلامنا عن الشورى في الإسلام أن العبرة في تحديد أهل الشورى، كانت بصفاتهم لا بعددهم، وأن الكثرة والأغلبية لا تعني الأفضلية تماما، وكما يقول الأستاذ الكبير أبو الأعلى المودودي: إن الإسلام لا يجعل كثرة العدد ميزانا للحق وللباطل، يقول تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ (المائدة: من الآية: ١٠٠) بل إننا على العكس نجد أن القرآن الكريم يحذرنا دائما من رأي الكثرة، فإنه ليس صوابا دائما بل إنه قد يؤدي إلى الضلال والبوار، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ (المائدة: ١١٦).
بيد أنه يلاحظ أن القيد الوحيد الذي يقره الإسلام فيما يتعلق بممارسة الحقوق السياسية كالانتخاب هو قيد الكفاءة وحدها، بغض النظر تماما عن أي قيد آخر كالأصل أو المهنة أو المال.
نكتفي بهذا القدر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 369
الدرس: ٩ قواعد أخرى للنظام الإسلامي وهي العدالة، مسئولية الحكام، الحقوق والحريات، سلطة الأمة في الرقابة على الحكام .
стр. 370
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع
(قواعد أخرى للنظام الإسلامي وهي العدالة ، مسئولية الحكام، الحقوق والحريات، سلطة الأمة في الرقابة على الحكام)
١ - قواعد النظام السياسي في الإسلام (٤)
العدالة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن الشورى في الإسلام كقاعدة من قواعد النظام السياسي في الإسلام، وبينا مدى ارتباطها بنظرية سيادة الأمة، ومدى ارتباطها بمبدأ وجوب الانتخاب العام لكل الناس.
وبعد انتهائنا من الحديث عن الشورى، نتحدث عن قاعدة أخرى من قواعد النظام السياسي في الإسلام، وهي العدالة، والعدالة هي نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخر من خلاق، ومتى لم تقم بالعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة؛ ولذلك كان تنبيه الله في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: من الآية: ٥٨) ورد هذا النص في مجال وجوب طاعة الله تعالى، وطاعة الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- وأولي الأمر من ولاة وحكام المسلمين، فهو نص في الموضوع يتعين الالتزام به، وتمثله في كل أوجه الحكم والسياسة الإسلامية، بحيث لا يجوز التخلي عنه أو الإخلال به.
لذلك كان الحث عليه في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل: من الآية: ٩٠) وقوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية: ٨) فإن مقتضاها أن الحاكم مأمور أن يحكم بين الناس جميعا بالعدل سواء في ذلك القوي والضعيف والغني والفقير والمسلم، وغير المسلم والصديق والعدو، ونظرا لما له من أهمية في استقامة حياة الأمم والمجتمعات، وأنظمة الحكم والسياسة أيا كان نوعها، قيل: إن الله يقيم للدولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام.
إذا فقهت ذلك أيقنت أن كثيرًا من المساوئ التي تحل بالدول ناتج عن آفة الظلم بما يؤدي إليه من ضياع الحقوق، وفقدان الثقة بين الحاكم والمحكوم، ومن تفشي مظاهر السلبية والأمراض الاجتماعية المقترنة بالسلطة الفاسدة، مثل الرشوة
стр. 371
وخيانة الأمانة، والاتجار بمصالح الرعية وسيطرة الإحباط واليأس على النفوس، وقد يمهد هذا إلى أن يصبح المجتمع على حافة الانهيار، ويكون المجال مهيأ لحدوث الفتن واندلاع الاقتتال بين أبناء الدين والوطن الواحد.
لعل من أبرز مظاهر العدالة هو تطبيق العدل في علاقة الحاكم بالمحكوم، فهو من أقوى الدلائل على الالتزام بالعدالة، وإذا كانت الدولة تطبق ذلك، وتقره في سياستها، فلا شك أن من اليسير أن تستنتج أن هذه الدولة دولة عادلة في جوانب سياستها كلها؛ لأن الالتزام بجريان العدالة بين الإمام، وأحد أفراد الشعب دليل ناطق على جريانه في المستويات الدنيا على مستوى الدولة.
وقد كانت العدالة تحتل جانبا هاما من جوانب المنهج الإسلامي على المستويات العليا، والدنيا، وليس أدل على ذلك من تطبيق رسول الله ﷺ ذلك على نفسه، إذ يروى عنه: ((أنه خرج أثناء مرضه الذي توفى فيه، خرج بين الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب حتى جلس على المنبر، ثم قال: أيها الناس، من كنت جلدت له ظهرا، فهذا ظهري فليستقد منه -أي: فليقتص منه- ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخشى الشحناء من قبلي؛ فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إلي من أخذ مني حقًّا إن كان له، أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس، ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع إلى المنبر، فعاد لمقالته الأولى)) إن تحليل هذا القول من النبي ﷺ وبيان ما فيه من جوانب العدالة، يريك أن العدالة شاملة، وليست خاصة بجانب معين في علاقة الحاكم بأحد أفراد شعبه، فقد شملت العدالة النواحي الآتية:
стр. 372
١ - العقوبات البدنية، وهذا ظاهر في قوله ﷺ : ((من كنت جلدت له ظهرا، فهذا ظهري فليستقد منه)).
٢ - العقوبات المتعلقة بالشرف والعرض، وهذا يستفاد من قوله ﷺ : ((ومن كنت شتمت له عرضا، فهذا عرضي فليستقد منه)).
٣ - العقوبات المالية، وذلك في قوله ﷺ : ((ومن أخذت له مالا، فهذا مالي فليأخذ منه)).
ثم إنك تدرك من قول الرسول ﷺ قمة الامتثال في أداء واجب العدالة، يتجلى ذلك في قوله: ((إلا وإن أحبكم إلي من أخذ مني حقا إن كان له، أو حللني فلقيت ربي، وأنا طيب النفس)) وهذا يجعل المرء يستيقن من أن الرسول ﷺ يؤكد واجب المسلمين في اقتضاء حقوقهم أو العفو عنها إن كانت نفوسهم تسمح بذلك.
ونظرا لهذه القيم العالية التي يغرسها العدل في الراعي والرعية، فإن خلفاء المسلمين كانوا أحرص الناس على تطبيق العدل بين من ولوا أمرهم، وكانوا يتحرون ذلك مخالفين لداعي الهوى، واتباع ما توسوس به النفس البشرية للإنسان من ظلم من يبغضه، ومن الإفراط في التودد إلى من يحب، وكلاهما مجانب للعدل، والتمس ذلك في سيرتهم تجده واضحا جليا لا خفاء فيه، وأن رصيدهم في تحري العدل، والتمسك به فاق أرصدة الدول الأخرى مجتمعة.
يروى في ذلك أن عمر بن الخطاب قال لأبي مريم السلولي، وكان هو الذي قتل أخاه زيد بن الخطاب: والله إني لا أحبك فقال له هذا الرجل: أفيمنعني ذلك حقا؟ يعني: عدم حبك لي هل يكون سببا في أنك تمنع عني حقا من الحقوق التي قررها لي الإسلام، أفيمنعني ذلك حقا؟ فقال: لا يعني: بغضي لك، وعدم حبي لك، لا
стр. 373
يؤثر إطلاقا في الحقوق التي قررها لك الإسلام، فقال له الرجل: فلا ضير إذا إنما يأسى على الحب النساء, ففي هذه القصة نجد أن الحاكم رغم أنه موتور، ومتضايق بسبب قتل أخيه، ورغم حفيظة صدره عليه، فإن الرجل لم يعبأ بكل ذلك، فقد اطمأن إلى العدل كإحدى خصال المنهج الإسلامي، ولا يفتأ الحاكم إلا أن يقف أمامه موقف المتعبد في محرابه، الممتثل لأوامره، ولا يلبث الآخر إلا أن يجيب على الخليفة الذي بيده السلطة عندما صارحه بأنه يبغضه يرد عليه بلهجة الواثق إلى أن قضاء العدل أضمن له من قوة وسلطة الخليفة؛ ولذلك كانت إجابته ببساطة "لا ضير" يعني: لا خوف من ذلك، وأي ضرر من رعية تعرف منهج الحق، وراع من أحرص الناس على تطبيقه، والالتزام به.
تعتبر العدالة مقصدا عاما لكافة التشريعات التي يضعها الإنسان لحكم العلاقات الاجتماعية، وحكمة رئيسية تدور حولها مختلف القوانين؛ لذا يقال: بأن أي قانون لا بد، وأن يعتمد على شيء من العدالة.
ونجد أن أجهزة تطبيق القانون تسمى بأجهزة العدالة، فيقال عن المحاكم أنها دور العدالة، ويقال وزير العدل، ولا يقال وزير القانون، وإذا كانت المحاكم تطبق القانون إلا أن هدفها هو تحقيق العدالة، ومن هنا فإن القانون ليس في النهاية إلا وسيلة لتحقيق العدالة، وإذا حدث أن التطبيق القانوني قد تجافى مع العدالة لسبب أو لآخر، فيجب أن يقوم القاضي بالتدخل لتخفيف وطأة الحكم القانوني أو لتكملة النقص فيه أو لطرحه في بعض الأحيان، ووضع الحل الذي يتفق مع العدالة.
ويختلف الأمر في الشريعة الإسلامية عنه في التشريعات الوضعية، فيما يتصل بوضع العدالة كهدف لا تؤثر فيه السياسة، ولا تؤثر فيه المنافع ولا تؤثر فيه
стр. 374
الأهواء الشخصية للحكام؛ لأن الله ألزم نفسه بالعدالة مع خلقه، وألزمهم بها في تعاملهم بعضهم مع بعض؛ لذا يتجلى الإعجاز القرآني في الآيات الكريمة التي تحدثت عن العدالة، فجعلتها قيمة مقدسة يجب دائما الوصول إليها أيا كان الضرر الذي يظن تحققه منها.
ويقول الشيخ أبو زهرة في هذا المعنى: إن سمة الإسلام العدالة، يعني: من الأشياء التي يتصف بها الإسلام العدالة، وكل تنسيق اجتماعي لا يقوم على العدالة هو منهار، مهما تكن قوة التنظيم فيه؛ لأن العدالة هي الدعامة، وهي النظام، وهي التنسيق السليم لكل بناء، فالله سيعامل الناس يوم القيامة بعدالة كاملة، ولن يترك شيئا لا يحاسب عليه، فيجازي المحسن، ويعاقب المسيء بالقسط؛ لقوله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: ٤٧) ويقول سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ (الزلزلة: ٨،٧) وأوصى الله رسله وعباده بأن يقيموا العدالة في الأرض فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٨) ويقول : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٩٠) كما يقول : ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: ١١٢).
стр. 375
وهكذا تظهر الآيات السابقة العدل كقيمة أخلاقية سامية، يجب اتباعها في الحياة وفي المعاملات وفي استنباط الأحكام بشكل عام، وينبهنا الحق ﵎ إلى ضرورة الحكم بالعدل في الخصومات، والأقضية في العديد من الآيات الأخرى مثال ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: ٥٨) ويقول أيضا: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (المائدة: ٤٢).
وفي مجال العلاقة بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى يقول : ﴿لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: ٤٢).
صور العدالة في القرآن
والواقع أن حصر ما ورد في القرآن الكريم بشأن العدالة، وضرورة الوصول إليها في أي نظام تشريعي، إنما هو من الأمور الصعبة، إذ لا أكون مبالغا إن قلت: إن كافة الآيات الكريمة التي رسمت أسلوب الحياة للناس، ووضعت مناهج للسعي في الأرض ترتبط بالعدالة، وتجعلها مقصدًا رئيسيًّا لها؛ لذلك نكتفي بذكر أمثلة من هذه الآيات، وردت بالنسبة لبعض صور المعاملات.
فنتحدث عن العدالة الاجتماعية، فنقول: يعتبر تقسيم العدالة إلى عدالة التوزيع، وإلى عدالة التعويض أو التبادل، هذا التقسيم هو أهم التقسيمات المقررة للعدالة، عندنا عدالة التوزيع، وعندنا عدالة التعويض أو التبادل، وتنجلي الصورة الأولى في توزيع الجاه والمال، وكل ما
стр. 376
يمكن قسمته بين هؤلاء الذين يعترف بهم الدستور، فيجب أن يقوم نوع من التوزيع النسبي للمزايا الاجتماعية، وللأعباء كذلك على كافة المواطنين بحسب قدرتهم، وإمكانياتهم، ودرجة مساهمتهم في تحمل أعباء المجتمع.
ونجد القرآن الكريم يعبر عن هذه الصورة من صور العدالة في العديد من الآيات الكريمة من ذلك قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (الحشر: من الآية: ٧) وعلى أساس هذه الآية قام عمر بن الخطاب ﵁ بمنع توزيع الأراضي المفتوحة على الفاتحين.
وتفصيل ذلك أنه عندما توسعت الدولة الإسلامية، وانضم إليها العديد من الأقاليم الجديدة بالفتح اختلف عمر ﵁ مع الصحابة في طريقة التصرف في الأرض أي: الأرض التي غنمها المسلمون، وبينما مال الغالبية إلى قسمتها بين الفاتحين وفقا لآية الغنائم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (الأنفال: من الآية: ٤١) فآية الغنائم إنما تعني: أن يكون الخمس لله وللرسول، والأربعة أخماس للغانمين هذه هي آية الغنائم، نقول: مال الغالبية إلى قسمة هذه الأراضي بين الفاتحين وفقا لآية الغنائم التي ذكرناها لكنه اعتمد هو أي: عمر بن الخطاب، وهو الذي كان يرى ألا توزع الأرض على الفاتحين أو المقاتلين، وإنما تبقى في يد أصحابه ويدفعوا عنها الخراج؛ ليكون موردا ماليا للدولة الإسلامية تستطيع أن تنفق منه على المصروفات العامة في الدولة الإسلامية.
نقول: اعتمد هو على الآيات الكريمة التي ذكرناها، ورفض التقسيم ووضع قاعدة مؤداها ترك الأرض لأهلها، وفرض خراج عليها حتى يمكن الاستفادة منه في الصرف على المرافق العامة للمسلمين كافة،
стр. 377
فقد فهم ﵁ هذا النص على أنه يعني: ترجيح مصلحة الأمة الإسلامية التي تقتضي بعدم استئثار فئة من الناس بتملك الأراضي؛ لأن ذلك مخالف للعدالة، وللنص القرآني: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ وللنص القرآني الذي أكمل الآية التي ذكرها عندما عدد فئات من يستحقون، وذكر في آخرهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وأخذ عمر بن الخطاب يدافع عن وجهة نظره، وهو أن تبقى الأرض بيد أصحابها، ويفرض عليها الخراج كما قلنا، أخذ يدافع عن وجه نظره بقوله: "أرأيتم هذه الثغور لا بد من رجال يلزمونها ثغور يعني: الأماكن التي يكون فيها الجنود يدافعون عن الدولة الإسلامية، أرأيتم هذه الثغور لا بد من رجال يلزمونها أرأيتم هذه المدن العظام كالشام ومصر والكوفة لا بد لها أن تشحن بالجيوش، وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطى هؤلاء إن قسمت الأرضين؟ يعني إن قسمت بين الغانمين، وهكذا أعمل عمر بن الخطاب قاعدة العدالة التوزيعية، أو ما يطلق عليها حديثا العدالة الاجتماعية، فقد رأى ضرورة حصول جماعة المسلمين على موارد تنفق على المحتاج منهم، وعلى رعاية المصالح العامة، وإدارة المرافق في الدولة الإسلامية، ورجح هذه المصلحة على مصلحة قلة من الغزاة والفاتحين وأبناءهم كان ريع هذه الأرض كلها سيذهب إليهم دون بقية المسلمين، ومن ذلك يمكن القول أننا أمام نص محكم، يحدد ضرورة استفادة كل الناس بالأموال العامة، لا الذين يوجدون منهم وقت تكوينها فحسب بل الذين يأتون من بعدهم، هل يمكن تصور نص وضعي يعنيه ذلك الآن؟
صراحة لا أظن ذلك، ونرى أيضا تطبيقا يدل على عبقرية مبكرة وقدرة على النفاذ إلى حكمة من حكم التشريع الإسلامي في وقت ما كانت فيه مدارس، ولا معاهد ولا جامعات، ولكنها جامعة الرسول ﷺ ومدرسة القرآن الكريم.
стр. 378
وبالنسبة للصورة الأخرى من صور العدالة أي: العدالة التعويضية أو التبادلية، فهي تلعب دورًا تصحيحيًّا في العلاقات التي تتم بين الأفراد وتتطلب ألا يأخذ أحد في العقود والمعاوضات أكثر مما يستحق، وعليها تم بلورة ضرورة قيام توازن مالي واقتصادي في العقود، والصفقات ونرى هذا المقصد واضحا أيضا بشكل معجز في القرآن الكريم، والسنة الشريفة.
فالقرآن الكريم يمنع أي استغلال في التعامل، ويوجب أن تقوم العقود على أسس متوازنة، ولا شك أن حرص القرآن الكريم على سلامة التعامل والتوازن بين أطرافه لا يواتيه أي حرص لأي مشروع آخر في أي قانون، ولن ننظر طويلا في التشريعات الإسلامية في هذا الشأن، وإنما سأكتفي بما ورد بشأن الربا في القرآن يقول : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: ٢٧٥) ويشدد الله النكير على من يأكلون الربا، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩).
ويصل القرآن الكريم بالناس إلى قمة المسئولية في هذا المجال، فلا يجعل المال ينتج مالا في حالة التأخر في السداد لعذر فيقول: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٨٠، ٢٨١).
стр. 379
وهذا معناه أن العدالة التي ينشدها الإسلام هي عدالة في كل المجالات، عدالة من ناحية الحكم، عدالة من ناحية الاقتصاد في كل المجالات، فحرص الإسلام على أن تكون هناك عدالة بين المتعاملين، على ذلك فالذين يتعاملون بالربا ليس هناك عدالة، فالمرابي يأكل أموال الناس بالباطل، وليس هناك عدالة فيما يأخذه، وفيما يعطيه؛ ولذلك وجدنا موقف الإسلام حازمًا من أجل توجد تلك العدالة في كل صورها سواء في الاقتصاد، أو في الحكم.
مسئولية الحكام
ثم ننتقل الآن إلى الحديث عن قاعدة أخرى من القواعد التي يقوم عليها النظام السياسي في الإسلام، وهي مسئولية الحاكم، فنقول: يتميز النظام السياسي الإسلامي عن غيره من النظم السياسية كافة بتقرير مبدأ "المسئولية" حيث لا يوجد في الإسلام من يمكن أن يكون بمنأى عنها ذلك؛ لأن عدم المسئولية يعني: أن غير المسئول يحتل مكانا مقدسا، أو كونه معصوما، وليس في الإسلام من يحتل هذه المكانة سوى الأنبياء، والرسل.
وكل مسلم مسئول عن تصرفاته وأفعاله سواء أكانت هذه التصرفات والأفعال متعلقة بالواجبات الفرضية التي خاطب بها المشرع الإسلامي كل مكلف، وحتم عليه القيام بها، أو كانت متعلقة مع نفسه، أو مع الغير، ففي كل هذه الأحوال يكون المسلم مسئولا أمام الله في الآخرة إلى جانب أنه مسئول في الدنيا أمام ضميره من ناحية، ومن ناحية أخرى أمام المجتمع الإسلامي.
ونحن إذا كنا نسلم مع فضيلة الشيخ/ أحمد هريدي بهذا المبدأ؛ لأنه من القواعد القطعية في الفقه الإسلامي، إلا أننا لا نسلم له القول، وتبدو مسئولية الفرد تارة أمام نفسه، وضميره، وتارة أمام ربه وتارة أمام الناس والمجتمع؛ لأن هذا القول يومئ أنه في بعض الحالات يمكن أن يكون الفرد مسئولًا أمام نفسه
стр. 380
وضميره، أو مسئولا أمام المجتمع، ولا يكون مسئولا أمام الله وهذا ما لا نقبله، ونعتقد أن الشيخ لا يعارض في ذلك؛ لأن المسئولية تتحدد أولا وقبل كل شيء أمام الله وفي كل الحالات.
ولذلك سوف نتحدث الآن عن أساس مشروعية المسئولية نقول: دلت مصادر المشروعية الإسلامية على تقرير قاعدة المسئولية، وعمومها؛ لتشمل جميع التصرفات، وكافة المخاطبين بأحكام الشريعة سواء الحاكم أو المحكوم على حد سواء، وهو ما يتضح من القرآن الكريم والسنة النبوية، والتطبيق العملي في عهد الخلافة الراشدة.
أساس مشروعية المسئولية في الإسلام دلت مصادر المشروعية في الإسلام على قاعدة الشورى، كصرح متين يقوم عليه ليس فحسب النظام السياسي الإسلامي، وإنما النظام الإسلامي كله، ويتضح ذلك من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، والتطبيق العملي في عهد الخلافة الراشدة، وما أجمع عليه علماء الأمة.
ففي القرآن الكريم يقول الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ (الزلزلة: ٧،٦) ويقول : ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: من الآية: ٤٧) ويقول سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: ٣٨) ويقول ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال: ٢٧) ويقول أيضا: ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (الجاثية: ٢٢) ويقول : ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
стр. 381
وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: ١٠٥) ويقول : ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (الطور: من الآية: ٢١) ويقول : ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (آل عمران: من الآية: ٣٠).
فهذه الآيات جميعها تقرر بنصوص قطعية قاعدة المسئولية بحيث تشمل المسئولية في الدنيا، والمسئولية في الآخرة.
ومن السنة النبوية الشريفة نذكر ما روي عن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: ((ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها، وولده وهي مسئولة عنه، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) وعلى ذلك فليس في الإسلام من يمكن أن يكون بمنأى عن المسئولية بحيث تتدرج المسئولية لتتوازى مع السلطة ابتداء من رئيس الدولة حتى العبد في مال سيده.
وأيضا ما جاء في خطبة الوداع عن النبي ﷺ أنه قال: ((أيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت فمن كانت عنده أمانة، فليؤدها إلى من ائتمنه عليها)) وأيضا ما رواه المؤرخون من: ((أن النبي ﷺ : خرج في مرضه الأخير من حجرة السيدة عائشة بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم صلى على أصحاب أحد، فأكثر واستغفر لهم، وقال: أيها الناس من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخشى
стр. 382
الشحناء من قبلي، فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إلي من أخذ مني حقا إن كان له، أو حللني)).
ولم يكن مبدأ المسئولية مبدأ نظريا في الفقه الإسلامي في عهد الرسول ﷺ أو في عهد الخلفاء الراشدين، وإنما أخذ مكانه في التطبيق مثل سائر النصوص القانونية، فالرسول ﷺ وهو النبي المرسل المعصوم المنزه عن الخطأ، والهوى يقبل القصاص، والقصة كما يرويها ابن سعد: ((أن النبي ﷺ طعن سواد بن غزية بعود من سواك، فماد في بطنه -يعني: أثر في بطنه- فطلب سواد القصاص -يعني: الذي طعنه النبي ﷺ طلب القصاص من النبي ﷺ ولما استنكر الأنصار ذلك من سواد بادرهم بقوله: ما لبشر على بشر من فضل، ولما كشف الرسول ﷺ عن جسده الطاهر؛ ليقتص منه قال سواد: أتركها لتشفع لي بها يوم القيامة يا رسول الله)).
وإذا أردنا أن نذكر السوابق لهذه المسئولية في عهد الخلفاء الراشدين فنقول تدل السوابق بصفة قاطعة أن الخلفاء الأول رضوان الله ﵎ عليهم، كانوا يعملون هذا المبدأ ويقررون مسئوليتهم عن كل ما يترتب على ممارسة السلطة العامة.
وسنوجز مسلك الخلفاء الأول في هذا الصدد؛ لنتبين كيف كفلوا تطبيق هذا المبدأ، وهو مسئولية الحاكم؟ فأبو بكر ﵁ يقول في أول خطبة له بعد توليته الخلافة: أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم، وكأنه يشير بذلك إلى قول النبي ﷺ : ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) ويقول أيضًا: فإن رأيتموني استقمت، فاتبعوني، وإن زغت، فقوموني وتقويم الخليفة لا يكون معترفا به كقاعدة مقررة إلا إذا كان مبدأ المسئولية يأخذ مكانه في النظام الإسلامي ذلك
стр. 383
أن التقويم لا يتحقق إلا لكون الخليفة مسئولا، ويجب أن يخضع لحكم القانون، وعمر بن الخطاب ﵁ يرى أنه مسئول ليس فقط عن تصرفاته الشخصية، وإنما عن تصرفات عماله، وولاته، وإعمالا لما كان يراه عمر في مسئولية الحاكم، فإن نطاق المسئولية يمتد في منهجه في الحكم ليشمل مختلف الأنشطة والأماكن والميادين في المجتمع.
ولا نرى حاكما في الشرق أو الغرب صور المسئولية كما صورها عمر، ومما يروى عنه ﵁ أنه قال: أيما عامل لي ظلم أحدا، فبلغتني مظلمته فلم أغيرها، فأنا الذي ظلمته ولكونه كان يعتبر أنه مسئولا عن عماله، وولاته فإنه كان يشتدد في اختيار الولاة، ولا يختار أحدهم لأي عمل من الأعمال، إلا إذا كانت قد توافرت فيه الشروط التي يتطلبها ذلك العمل في من يقوم به، وكان موثوقا في أمانته، وورعه لذلك فإنه كان يتولى البت في الأمور بنفسه، وما لا يستطع أن يرفع إليه من مشاكل الأقاليم والولايات المختلفة، فإنه يختار لها أهل القوة والأمانة، ومما يؤثر عنه ﵁ قوله: فمن كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا هو يتحدث عن العمال، ومن غاب عنا وليناه أهل القوة والأمانة، فوالله لا يحضرني شيء من أمركم فيليه أحد دوني، ولا يتغيب عني فألو فيه الجزء والأمانة، ولئن أحسنوا لأحسنن إليهم، ولئن أساءوا لأنكلن بهم، يتكلم عن عماله وكأنه يقسم ويقول: ولئن أحسنوا يعني: أحسنوا إلى الرعية، وعاملوهم برفق وبإحسان وبعدالة لئن لأحسنن إليهم، ولئن أساءوا لأنكلن بهم، ولكونه مسئولا عن عماله، فإنه كان يتشدد في رقابتهم ومحاسبتهم على تصرفاتهم، وكان يؤكد في مراسلته العديدة لهم، أو في الاجتماعات السنوية التي كان يعقدها في مواسم الحج، ألا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تحرموهم
стр. 384
فتكفروهم، ولا تجبروهم فتفتنوهم، وكل من يخالف هذا المبدأ، فإنه يعاقب بالعقوبة المناسبة التي تتلاءم مع الضرر الذي وقع بالمسلمين يروي ابن سعد عن عمرو بن العاص قال لعمر ﵁ يا أمير المؤمنين: أرأيت إن أدب أمير رجلًا من رعيته أتقتص منه؟ فقال: عمر وما لي لا أقتص منه! وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه، وما يفهم من هذه الرواية أن المسئولية لا تكون عن التأديب الذي يكون نتيجة لمخالفة الشخص لقواعد الشريعة، وإنما تنصرف المسئولية إلى حالة ما لو أدب الوالي رجلا من الرعية بدون مقتض -يعني: بدون سبب- أو كان هذا التأديب قد تجاوز فيه الأمير السلطة، بأن تحقق عدم التناسب بين الفعل المخالف للقانون، وبين وسيلة التأديب، ففي هاتين الحالتين لا يكون تأديبا، وإنما يكون ظلما لا يقره الشرع، ويجب القصاص مقابلة له، وهو ما يفهم من بقية القصة كما يرويها ابن سعد.
كان عمر بن الخطاب ﵁ يأمر عماله أن يوافوه بالموسم، يعني: موسم الحج، يعني: يأتوا إليه في موسم الحج، فإذا اجتمعوا قال: أيها الناس إني لم أبعث عمالي عليكم؛ ليصيبوا من أبشاركم، ولا من أموالكم، وإنما بعثتهم؛ ليحجزوا بينكم، وليقسموا فيأكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك، فليقم فما قام أحد إلا رجل واحد، قال: فقال يا أمير المؤمنين: إن عاملك فلانا يقصد عمرو بن العاص ضربني مائة سوط، قال: فبم ضربته يا عمرو؟ ولما أيقن عمر أنه ضربه بلا مبرر، قال للرجل قم فاقتص منه أي: اقتص من عمرو بن العاص، فقال عمرو بن العاص يا أمير المؤمنين: إنك إن فعلت هذا يكثر عليك، ويكون سنة يأخذ بها من بعدك فقال: ما لي لا أقيد، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقيد من نفسه، قال عمرو بن العاص: فدعنا فلنرضه قال: دونكم فارضوه، فافتدى منه بمائتي دينار كل سوط بدينارين.
стр. 385
وهكذا كان عمر يتشدد في معاملة أو في محاسبة عماله حتى أنه أراد أن يكون رجل من عامة الناس، ومن الرعية قال: له اقتص من الوالي عمرو بن العاص، وهذا إن دل فإنما يدل على مدى العدالة التي كان يراعيها عمر بن الخطاب مع الرعية، ولقد كان عمر يتشدد في مسئولية الولاة عن تصرفاتهم، ويرى أنه مسئول عن تصرفاتهم طوال مدة حكمه.
وكان يرى أنه مسئول عن كل شيء في الدولة الإسلامية؛ لذلك كان يتحسس البعير، ويقول: إني لخائف أن أسأل عما بك، وقال ﵁: لو ند جمل ضياعا على شط الفرات، لخشيت أن يسألني الله عنه؛ لأن الدولة لم تمهد له الطريق، فهو يخاف أن يضيع جمل، فيكون مسئول عنه أمام الله ﵎.
وإذا كان هذا موقف عمر، فإن هناك موقفا مقابلا له، وهو موقف المحكومين، فقد كانوا يرون أن الخليفة مسئول عن أفعاله وتصرفاته إلى جانب مسئوليته عنهم.
يروي ابن الجوزي: أن عمر بن الخطاب قال في أول خطبة له: إن رأيتم فيًّ اعوجاجًا، فقوموني ويرد أحد المسلمين على عمر بقوله: والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بحد السيف، ويرد عمر بقوله: الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقوم عمر بحد السيف.
وترسم مواطنة مسلمة الفهم الإسلامي لحدود، ونطاق مسئولية الخليفة بطريقة لم يعرفها في الماضي، والحاضر أي: تشريع وضعي يروى أن عمر بن الخطاب مر ليلا بأعرابية، وهي تعلل صغارها بالموقد وضعت عليه قدرًا بماء خالص لا شيء فيه؛ لأنها ليس عندها طعام تطعمه أولادها، وهي تعلل صغارها بالموقد، ولما دنا منها سيدنا عمر وسألها ماذا تصنعي يا امرأة؟ وما بال الصبية يتضاعفون -يعني: يبكون- أجابته بأنهم يتضورون جوعًا -يعني:
стр. 386
يبكون من كثرة الجوع- وهي تعللهم -يعني: كأنها تضحك عليهم حتى يناموا، يعتقدون أنها تطبخ لهم شيئا، وليس في القدر إلا الماء فقط- فيناموا على ذلك، فقال لها لم لا تذهبين إلى عمر -وكانت تجهل أنه المتحدث، كانت لا تعرف أنه عمر- ليساعد على إطعامهم؟ فقالت: الله بيننا وبينه، فجزع عمر جزعًا شديدًا، خاف خوفًا شديدًا، وقال لها -وقد استبد به الجزع والحزن-: وما يدري عمر بكم؟ -يعني: وما الذي يعلم عمر بما أنتم فيه، هو لا يعلم ذلك- فقالت: يتولى أمرنا، ويغفل عنا.
وهذه القصة على بساطتها ترسم ما كان عليه المسلمون الأُول، حكاما ومحكومين، وكان عمر يرى أنه ولكونه مسئولا أعظم شأنا، وأكثر خطورة عما سواه من الولاة والحكام، كان من المحتم من منطق عدل عمر أن يكون هو وأسرته قمة قدوة لأفراد المجتمع الإسلامي؛ لذلك ضاعف العقوبة على أهل بيته إذا ارتكبوا ما يخالف أوامر الشرع ونواهيه، وما أمر به عمر الرعية، وفي هذا الصدد يقول عمر: قد سمعتم ما نهيت، وإني لا أعرف أن أحدا منكم يأتي شيئا مما نهيت عنه إلا ضاعفت له العذاب ضعفين.
أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٢ - الحقوق والحريات في النظام الإسلامي
تابع: قواعد النظام السياسي في الإسلام: "مسئولية الحكام "
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
بدأنا الحديث في القاعدة الرابعة وهي مسئولية الحكام، وذكرنا دليل هذه المسئولية من الكتاب، ثم دليلها من السنة، ثم دليلها من السوابق التاريخية في عهد أبي بكر وعمر ﵄ ونواصل الحديث فنذكر التطبيق في عهد عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه- فنقول:
أما في عهد عثمان بن عفان فإنه ﵁ وإن كان مسلكه الشخصي، وصدقه، وأمانته، وورعه، وتضحياته من أجل رفعة الإسلام والمسلمين، لا شك فيها، إلا أنه ﵁ قتل شهيدًا لكون جمهور الثائرين يرون مسئوليته عن تسلّط بني أمية على رقاب المسلمين؛ ولأنه توانى في حقهم، واستعمل أقرباءه على الولايات المختلفة ... إلى غير ذلك من المآخذ التي أخذها السائرون عليه، والتي كانت سببًا لاستشهاده، وهذه الأسباب وإن كانت لا تطعن في ورع عثمان ﵁ وتقواه وأمانته،
стр. 387
وليس من شأنها أن تقلل من الدور العظيم الذي أدّاه عثمان، إلا أنها بلا شك تؤدّي إلى نتيجة هامة، مؤداها أن الخليفة مسئول عن تصرفات ولاته، وعماله، وممثليه في الولايات المختلفة، إلى جانب أنه ﵁ لم ينكر حق المسلمين في مساءلته؛ فيروى عنه ﵁ قوله: "إن وجدتم في كتاب الله أن تضعوا رجلي في قيود فضعوها".
وعليّ ﵁ كان يرى مسئولية الخليفة عن كل ما يترتب على إعمال السلطة العامة، يروي ابن حزم عن الحسن ﵁ أن عمر أرسل إلى امرأة معينة كان يدخل عليها -أي كان يدخل عليها بعض الناس- فأنكرت ذلك، فقيل لها: أجيبي عمر. فقالت: يا ويلها! مالها ولعمر؟ فبينما هي في الطريق فزعت، فضمها الطلق دارًا، فدخلت فألقت ولدها، فصاح الصبي صيحةً فمات. أي أنها فزعت لما علمت أنها سوف تذهب وتمثل أمام عمر بن الخطاب، وهذا الفزع كان سببًا في أن طلق الولادة جاءها في غير موعده؛ وترتب على ذلك أن ولدت الولد ومات هذا الولد، فاستشار عمر أصحاب النبي ﷺ استشارهم كما هي عادته -رضوان الله ﵎ عليه- أي استشارهم عن موقفه من هذا الصبي الذي مات بسبب الفزع الذي كانت فيه المرأة، فأشاروا عليه بعضهم أن ليس عليك شيءٌ، يعني بعضهم قال: ليس عليك شيء يا أمير المؤمنين بسبب ذلك، إنما أنت والٍ ومؤدّب. قال: وصمت علي -أي علي بن أبي طالب- فأقبل عليه عمر فقال: ما تقول؟ أي ما هو الرأي عندك يا عليّ بالنسبة لهذه الواقعة؟ وهل أنا مسئول عن موت هذا الصبي أم لا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن كانوا قالوا برأيهم -يعني هؤلاء الذين أشاروا إليك بأنك ليس عليك شيء- فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك، فلم ينصحوا لك، أرى أن دِيّته عليك؛ لأنك أنت أفزعتها وولدها في سبيلك، فأمر
стр. 388
عليًّا أن يقسم عقلَه على قريش -يعني الدية أي دية هذا الولد على قريش- وهم العاقلة عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه.
وبصرف النظر عن رأينا في مسئولية الخليفة عن هذه الواقعة، فهي تكشف بطريقة قاطعة عن أن عليًّا ﵁ كان يرى أن الخليفة مسئول عن كل ما يتعلق بممارسة السلطة العامة.
ومن استعراض النصوص في القرآن، والسنة، والتطبيق العملي في عهد الخلفاء الراشدين؛ نتبيّن أن الخليفة مسئول:
أولًا: باعتباره من آحاد المسلمين، ومسئوليته في هذا الصدد كمسئوليتهم تمامًا سواء بسواء.
وثانيًا: مسئول عن ممارسته الشخصية لمقتضيات السلطة العامة.
وثالثًا: هو مسئول باعتباره هو المهيمن على السلطة التنفيذية والحائز عليها، وكل الولايات الأخرى تتفرع من ولايته العامة، فإن هذا يقتضي أن يكون مسئولًا عن كل أعمال ولاته ووزرائه وممثليه، في جميع الأصقاع والبلاد الإسلامية.
فسلطة الخليفة وغيره من الحكام محددة تحديدًا دقيقًا في الفقه الإسلامي، وإذا ما أقدم أيّ شخص ممن يقبضون على زمام السلطة العامة على مخالفة القانون الإسلامي، أو أساء استخدام السلطة، أو انحرف بها عن المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي؛ فإنه يكون مسئولًا عمّا أقدم عليه أمام الله من ناحية، ومن ناحية أخرى أمام القانون وأمام الرأي العام الإسلامي، ومن هنا فإن قواعد المسئولية تنطبق على الخليفة، وسائر الحكام مثلهم في ذلك مثل سائر المسلمين،
стр. 389
ذلك أن الولاية أمانة في الإسلام، وكل مؤتمن مسئول عما ائتمن عليه؛ لذلك فالخليفة مسئول عما اؤتمن عليه من حقوق الأمة، إلا أن مسئولية الخليفة أوسع نطاقًا وأوسع مدى من مسئولية الأفراد جميعًا؛ لأنها ثقيلة، بقدر ثقل الواجبات الملقاة على عاتقه وتنوعها، فإنها أيضًا تشمل مسئوليته عن كفالة كل ما هو أساسي وحيويّ بالنسبة لكل المسلمين؛ ولهذا فإن النصوص أكدت بأن أشد الناس عذابًا يوم القيامة إمام جائر؛ ولهذا نجد أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يضاعف مسئولية أهله عن مخالفة ما يسنّ للمسلمين من الأوامر.
وفي هذا الصدد يروي ابن سعد عن عبد الله بن عمر: كان عمر إذا أراد أن ينهى الناس عن شيء تقدم إلى أهله فقال: لا أعلمنّ أحدًا وقع في شيء مما نهيت إلا أضعفت له العقوبة. ولم يكن ذلك إلا لأن عمر كان يعتبر الخليفة هو القدوة الحسنة لكل المسلمين، وإذا لم يكن الخليفة وأهل بيته هم أول من يحترم القانون وينصاع إليه؛ فإن ذلك سيؤدي إلى استهانة كل المسلمين بقواعد القانون، وذلك يتفق مع قوله ﵁: "إن الناس لم يزالوا مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم" قوله: "الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإذا رتع الإمام رتعوا" أي أنه إذا أطاع الله ﵎ أطاعته الرعية، وإذا عصى الله ﵎ عصته الرعية، فعلى قدر صلاح الإمام، واحترامه لنصوص القانون وخضوعه له، تكون الرعية؛ لذلك فإن الشريعة الإسلامية تشددت في تقرير مسئولية الحكام؛ لأنه في حالة عدم احترام القانون، والإقدام على مخالفته من قبل الحاكم؛ فإن هذا يؤدي إلى خلل جميع الأجهزة في الدولة، وإلى أن يستشري الفساد في البلاد، وإلى عدم امتثال الرعية لحكم القانون.
стр. 390
مقدمة عن الحقوق والحريات في النظام الإسلامي
وننتقل الآن -أبنائي وبناتي طلاب الدراسات العليا- إلى ركن آخر، أو إلى قاعدة أخرى من القواعد التي قام عليها النظام السياسي في الإسلام، وهذه القاعدة هي الحقوق والحريات في النظام الإسلامي:
تسعى الدول الحديثة إلى حماية الأفراد من عسف السلطة واعتدائها على حقوقهم، وذلك بتقرير مجموعة من الحقوق والحريات الفردية، التي تعتبر بمثابة حواجز منيعة أمام سلطان الدولة، لا يجوز لها أن تقتحمها أو أن تتخطاها، وإلا كانت دولةً موصومةً بالاستبداد وعدم الشرعية أو الدستورية.
والجدير بالذكر أن الحديث عن الحقوق والحريات الفردية في الدول الحديثة، لم يعرف إلا منذ قامت الثورة الفرنسية، وأصدرت ما يسمى بوثيقة إعلان حقوق الإنسان، وأعلنت فيها اعترافها بالحقوق الطبيعية للإنسان، التي تثبت له بصفته إنسانًا، والتي وجدت معه قبل وجود الدولة؛ ومن ثمّ فلا يجوز للدول تخطي أو تجاوز هذه الحقوق -كما ذكرنا.
ولقد اختلف مفهوم الحقوق والحريات الفردية في الدول الحديثة، بحسب ما تدين به من أنظمة فردية أو جماعية؛ ولذلك تنقسم هذه الحقوق إلى:
- حقوق فردية تقليدية تتقرر للإنسان بوصفه كائنًا مجردًا.
- وحقوق أخرى اجتماعية واقتصادية تتقرر للأفراد بوصفهم أعضاء في جماعة منظمة، وعلى الدولة أن تلتزم إيجابيًّا في مواجهة الأفراد، بالحفاظ على هذه الحقوق، ولا تكتفي بالالتزام السلبي الذي يحصر نشاطها في مجرد حفظ الأمة، والدفاع عن الوطن، وحماية مصالح الأفراد من الاعتداء عليها.
следующие страницы →