Полный текст (825 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
أيديهم على رياسته؛ لأن بيعته لازمة لهم وطاعته عليهم واجبة فصار معهم كما لو كان مع أهل العدل حال وقوعه تحت الحجر ممن استبد به من أعوان وحينئذ يجب استنابة آخر مكانه ليقوم بتصريف أمور الدولة بصفته نائبًا عن الرئيس لا بصفته رئيسًا؛ حتى لا تتعرض مصالح الأمة للتعطيل، والرئيس المأسور أحقّ باختيار من ينوب عنه ما دام قادرًا على الاستنابة، فإن لم يقدر عليها فعلى الأمة ممثلة في أهل الحلّ والعقد أن تختار هي النائب الذي سيقوم بتصريف الأمة حتى يفعل الله ما يشاء من خلاص الرئيس من الأسر أو وفاته، فإذا تحقق الميئوس منه فخلص الرئيس من الأسر انعزل نائبه وأصبحت أمور الدولة راجعة إلى يد الرئيس، وأما إذا عزل الرئيس المأمور نفسه أو مات في الأسر فإن نائبه لا يصير رئيسًا للدولة إلا بمبايعة أهل الحلّ والعقد؛ لأنها نيابة عن موجود فزالت بفقده، وإن كان البغاة قد نصبوا عليهم رئيسًا للدولة يخضعون له فالرئيس المأسور في أيديهم خارج عن رياسة الدولة؛ لأنهم قد انحازوا بدار انعزل حكمها عن الجماعة وخرجوا بها عن الطاعة فلم يبق لأهل العدل بهم نصرة، ويجب على الأمة ممثلة في أهل الحلّ والعقد أن تختار لنفسها رئيسًا غيره، فإن استطاع الرئيس المأسور أن يتخلص من أسره لم يعد إلى الرياسة؛ لأنه قد خرج عنها.
الصورة الثالثة من صور بطلان تصرف رئيس الدولة: أن يخرج عليه من يستولى على منصب الرياسة بالقوة وهو ما يعرف في عصرنا بالانقلاب في الحكم، وهو أحد الطرق التي تنعقد بها الرياسة كما بيّنا ذلك، وقد بينا أن العلماء قالوا بانعزال الرئيس وانعقاد الرياسة للمتغلب حتى لا يقع الناس في فوضى الحرب الأهلية ويعمّ الفساد،
стр. 562
وصفوة القول: أن الرئيس ينعزل عن منصبه إذا بطل تصرفه باستيلاء آخر على هذا المنصب بالقوة، سواء أكان الرئيس المقهور قد جاء إلى الحكم عن طريق اختيار أهل الحلّ والعقد أم كان هو الآخر قد قهره من سبقه.
الأمر السادس من الأمور التي ينعزل بها رئيس الدولة: جور الرئيس أي: ظلمه عباد الله تعالى، وفسقه أي: خروجه عن طاعته ، فنقول: اختلف العلماء في جور رئيس الدولة وفسقه يعني: إذا أصبح ظالما وغير عادل: هل ينعزل بسببهما؟ أي: هل ينعزل بسبب الظلم وبسبب الفسق الذي طرأ عليه بعد أن تولى الرئاسة أم لا؟
نقول: فأما الخوارج فإنهم لما كانوا يقولون بأن الفسق يُخرج مرتكبه عن الإمام قالوا بانعزال الإمام إذا فسق؛ لأنه حينئذ ليس مؤمنًا وغير المؤمن لا يصلح أن يكون إمامًا، وكذلك يرى المعتزلة انعزاله بالجور والفسق؛ لأنه إذا وجب انعزال القاضي وأمير الإقليم بظهور الفسق عليهما فإنه يجب انعزال الإمام من باب أولى إذا ارتكب ذلك، ويرى البعض أيضًا أنه لا ينعزل بذلك؛ لأن في انعزال الإمام ووجوب نصب غيره إثارة الفتنة لما له من الشوكة.
ولو رجعنا إلى الجماعة الأحناف فإنهم لما كانوا لا يرون العدالة شرطًا في صحة الولاية حيث يصحّ عندهم تقليد الفاسق رياسة الدولة لكن مع الكراهة كما بينا ذلك عند كلامنا على شروط رئيس الدولة -نقول: لما كانت العدالة ليست شرطًا عندهم في صحة رياسة الدولة فإنهم قالوا: إذا اختارت الأمة إمامًا توافرت فيه صفات العدالة ثم جار أو فسق فإنه لا ينعزل عن منصب الإمامة ولكنه يستحق أن يعزله أهل الحلّ والعقد إذا أمنوا وقوع الفتنة، وإن لم يؤمن وقوعها فلا ينعزل.
стр. 563
أي أن الأحناف يقولون بأنه إذا فسق ففي هذه الحالة لا يكون واجب العزل أو لا ينعزل بمجرد هذا الفسق، وإنما الأمر يكون متروكًا لأهل الحلّ والعقد، فإن رأوا عزله عزلوه وإن رأوا إبقائه أبقوه، لكن في حالة ما إذا رأوا عزله عليهم أن يلاحظوا ما يترتب على عزله من فتن، فإن ترتب على عزله فتن فعليهم ألا يعزلوه في هذه الحالة. وقد استند الحنفية في رأيهم هذا إلى أن الصحابة ﵃ صلوا خلف بعض بني أمية وقبلوا ولايتهم، فقد صلى غير واحد منهم خلف مروان بن الحكم قالوا: وروى البخاري في تاريخه "أدركت عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يصلي خلف أئمة الجور".
وعدم انعزال الرئيس بالفسق هو ما يراه أكثر العلماء؛ لأن السلف كانوا يرون الفسق ظاهرًا والجور واقعًا من الأئمة بعد الخلفاء الراشدين، وكانوا مع ذلك ينقادون لهم، وكان الصحابة والتابعون ومن بعدهم يرون خلافة بني أمية وبني العباس مع أن أكثر بني أمية وأكثر بني العباس كانوا فساقًا.
وبعد فهذه هي آراء العلماء في انعزال رئيس الدولة بالفسق والجور، وأننا نرى أن الرأي القائل بوجوب عزل رئيس الدولة بالجور والفسق إذا لم تكن فتنة هو الأولى بالقبول، فيجب على أهل الحلّ والعقد في الدولة إذا رأوا جور رئيس الدولة أو فسقه أن يعلنوا عزله عن منصبه إذا أمنوا وقوع الفتن وأن يقوموا باختيار من هو أهل للرياسة بعد ذلك، وأما إذا لم يأمنوا وقوع الفتن فلا يجوز لهم عزله، وإنما قلنا بوجوب عزله إذا جار أو فسق بشرط عدم الفتنة؛ لأنه إذا كنا شرطنا العدالة فيمن يولى رئيسًا على
стр. 564
المسلمين فإن فقدان هذا الشرط إذا كان قادحًا في استحقاق تولي منصب الإمامة ابتداء، فإنه يجب أن يكون قادحًا في استمرار الإمامة أيضًا؛ لأن علة اشتراط هذا الشرط لا تزول بمجرد تولية هذا المنصب والإمامة قيادة لأمة مسلمة، وكما أن الرسول ﷺ هو القدوة الحسنة لكل المسلمين حكّامًا ومحكومين في جميع الأعصر فإن رئيسهم يجب أن يكون مثلهم في الاقتداء بالرسول ﷺ والخضوع لأحكام الدين الذي اختير لحراسته؛ لأن الناس على دين ملوكهم فإذا فسق الرئيس أو جار وهو القائم على قمة السلطة التنفيذية في الدولة -فإن إيمان الناس بالفضيلة والعدل قد يهن، وقد يتخذه من لم يتمكن الإسلام من نفوسهم في سلوكهم مثلًا وقدوة، وفي هذا أعظم الضرر على الدين وعلى الأمة.
وأما ما استند إليه القائلون بعدم الانعزال من أن الصحابة كانوا يصلّون خلف بعض بني أمية مع ظهور فسقهم، وأن التابعين كانوا يعترفون بخلافة بني العباس مع أن أكثر هؤلاء كانوا فساقًا فلا نسلم بهذا الاستدلال؛ إذ أن هؤلاء الحكام كانوا ملوكًا تغلبوا على الأمر، والمتغلب تصحّ إمامته للضرورة؛ حتى لا تتعطل مصالح المسلمين من فصل قضاياهم، وزواج من لا ولي لها، وجهاد الكفار وغير ذلك مما سبق بيانه، وليس بشرط في صحة الصلاة خلف الإمام أن يكون عدلًا فقد روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برًّا كان أو فاجرًا، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برًّا كان أو فاجرًا وإن عمل الكبائر)).
وبهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن نظام الحكم في الإسلام.
أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 565
الدرس: ١٣ توجيهات الفكر الإداري الإسلامي .
стр. 566
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث عشر
(توجيهات الفكر الإداري الإسلامي)
١ - توجيهات الفكر الإداري الإسلامي (١)
العمل فريضة إسلامية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
نبدأ الآن في الحديث عن النظام الإداري في الإسلام فنقول:
التنظيم الإداري هو الترجمة العملية والفورية للنظام السياسي، وأول الهيئات التنفيذية لجميع ما ينبثق عن السلطة السياسية من تخطيط ومشاريع، فإذا كانت المؤسسات السياسية هي التي تمثل السلطان وتعلن عن أهدافه من أجل بناء الدولة وإعلاء شأنها -فإن المؤسسات الإدارية هي التي تحقق هذه الأهداف، وتعمل على إقرار أركان الدولة على أسس راسخة الأوتاد، وصار رجال الإدارة هم واجهة أصحاب السلطان أمام الناس وشبكة المواصلات الدقيقة التي تهيأ لهذين الطرفين الهامّين من أطراف الدولة أداء أعمالها الخاصة والعامة عن رضًا واقتناع، وجاء التصاق التنظيم الإداري بالنظام السياسي دائمًا وأبدًا التصاقًا أشبه بالارتباط بين وجهي العملة، بحيث لا يقدر أحدهما دون الآخر، فالإدارة المستقرة هي عنوان السياسية السليمة، والإدارة المهتزة هي رمز التفكك والانحلال السياسي.
وفي مجال حديثنا عن النظام الإداري في الإسلام، سوف نتحدث عن أربعة موضوعات رئيسية هي:
أولًا: توجيهات الفكر الإداري الإسلامي.
ثانيًا: المنهج الإسلامي الإداري.
ثالثًا: التنظيم الإداري في مجال التطبيق العملي.
رابعًا: الأجهزة الإدارية.
стр. 567
ونبدأ الآن في الحديث عن توجيهات الفكر الإداري الإسلامي:
فنقول: إن أهم مصدرين للفكر الإداري الإسلامي هما: كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ إذ أن ما جاء في هذا المصدرين لمما يؤكد ذاتية الفكر الإداري الإسلامي، الذي لا ينحاز للفرد على حساب الجماعة، كما في الفكر الرأسمالي، ولا ينحاز للجماعة على حساب الفرد كما في الفكر الاشتراكي، بل نجده بين ذلك قوامًا، إذ يحققان في توافق تام صالح الفرد وصالح الجماعة، ولا يسمح الإسلام بطغيان أحدهما على الآخر فلا فردية مطلقة، ولا جماعية مطلقة، وهو الاتجاه الرشيد الذي تنشده الإنسانية في عالم اليوم.
وحسبنا أن نورد فيما يلي نماذج للهدي القرآني والنبوي في هذا الصدد وذلك في مجالين: مجال التنظيم الإداري، ومجال إدارة الأفراد العاملين.
فبالنسبة للتنظيم الإداري نقول: عُني الإسلام بوضع ضوابط التنظيم السوي للعمل، باعتباره محور التنظيم الإداري للجماعة ونشاطاتها، وذلك على النحو الذي يكفل نمو المجتمع وتقدمه في شتى مجالات الحياة؛ وبما يعكس ذاتية الفكر الإداري الإسلامي في هذا الصدد، وهو ما نكشف عنه في الموضوعات التالية:
أولًا: العمل فريضة إسلامية:
ولذا أمرنا الله جميعًا بالعمل، إذ يقول سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: ١٠٥) ويخاطب رسوله الكريم في هذا الخصوص بقوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَب﴾ (الشرح: ٧) وروي عن النبي ﷺ قوله: ((اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا)) ويشيد -صلوات الله وسلامه عليه- بالعاملين فيقول: ((من أمسى كالًّا من عمل يده -أي: مجهدًا- أمسى مغفورًا له)).
стр. 568
كما أُثر عنه أنه ﷺ شاهد رجلًا تورمت يده من العمل فابتهج قائلًا: ((هذه يد يحبها الله ورسوله)).
ولقد سما الإسلام بفريضة العمل إلى مستوى الفريضة الدينية؛ إذ أنه ربط الإيمان دائمًا بالعمل الصالح أي: العمل النافع للفرد وللجماعة معًا، فما من آية وردت بالقرآن الكريم وذكر بها الإيمان إلا واقترن ذكره بالعمل الصالح؛ إذ وردت آيات الذكر الحكيم في مواطن عدة يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٥) مؤكدًا بذلك أن الإسلام عقيدة عمل وعمل عقيدة، وكما أن العمل فريضة فإنه أيضًا مصدر القيمة، فالإسلام حين جعل العمل فريضة عامة على الجميع رفع من شأنه، فلم يعد أمرًا محقرًا كما كان من قبل، بل أصبح مصدر قيمة الإنسان في هذه الحياة، ومناط مسئوليته، إذ يقول : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (النجم: ٣٩).
كما أن التفاوت في قيم البشر أساسه أعمالهم، سواء في الدنيا أو الآخرة، وفي ذلك يقول ربنا : ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: ١٣٢) فالعمل مصدر القيمة الإنسانية أي: أنه يجعل لصاحبه قيمة في المجتمع الذي يعيش فيه، إن الإنسان بعمله هو الذي يضفي على المادة قيمتها بما يجريه بشأنها من عمليات إنتاج، وتصنيع، وتداول، وتوزيع، واستعمال، واستهلاك، فالمادة ليست لها في ذاتها قيمة أي: أنه لن تكون لها قيمة إلا بالإنسان وبعمل الإنسان.
إذن: العمل الإنساني مطلوب لنفع الفرد ونفع المجتمع.
стр. 569
وبذلك تكشف توجيهات الفكر الإسلامي وفق مفهوم إنساني رحبَ العمل، واتساعَ العمل، وأنه مصدر للقيمة، وقد سبقت هذه التوجيهات في الاهتمام بالعمل، واعتباره مصدر القيمة في ذلك بأكثر من قرون عديدة، سبقت الاقتصاد الغربي ورائده "آدم سميث" في مصر، الذي يرى أن العمل -وفق مفهومه المادي- مصدر القيمة والثروة، فما توصل إليه "آدم سميث" في مصر- العالم الاقتصادي الغربي المعروف- إنما توصل إليه إسلامنا منذ وجود الإسلام على هذه الأرض.
كما أن العمل كمصدر موضوعي محايد لتقييم الإنسان على أساس الجدارة في الإسلام، يقتضي وضع معايير عمل منضبطة، ومعدلات أداء محددة، وهو ما يسعى الفكر الإداري المعاصر في اتجاهه العلمي إلى تحقيقها، كما يقتضي وضع تقارير نشاط؛ تبين مستوى أداء العامل كأداة لتقييمه.
إذن: هذه المصطلحات الإدارية الحديثة عرفها الفقه الإسلامي، وعرفتها الشريعة الإسلامية.
وهكذا يهدُر الإسلام اعتبارات المحاباة الشخصية في تقييم الإنسان، سواء كانت اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية، إذ أنه جعل العمل هو الأساس في تقييم الإنسان، وإذا كان العمل مصدر القيمة فإنه أيضًا وسيلة الكسب، إذ يفرض الإنسان العمل باعتباره وسيلة الكسب، ومصدر رزق الفرد، ودخله الخاص الذي يعول عليه في معيشته، وقد هيأ الله لنا سبل العيش، وكسب الرزق، فيقول : ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ (الأعراف: من الآية: ١٠) ولكن تحقيق ذلك منوط بالسعي والعمل؛ ولذا يقول الحق ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (الملك: من الآية: ١٥).
стр. 570
وهو ما يؤكده حديث الرسول ﷺ إذ يقول ﷺ : ((ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده)) كما قال ﷺ : ((أطيب الكسب عمل الرجل بيده)) وينبهنا إلى أن الفرائض الدينية لا تحول دون السعي لكسب الرزق؛ فيقول بمناسبة أداء فريضة الجمعة وهي صلاة جماعية: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: ١٠) وحين يأمرنا الإسلام بالعمل لكسب الرزق فإنه ينشد الكسب المشروع والحلال، فيقول- : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ (البقرة: من الآية: ١٦٨) كما يقول ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (النساء: من الآية: ٢٩).
كما روي عن النبي ﷺ قوله: ((طلب الحلال واجب على كل مسلم)) والإسلام يفرض العمل؛ وسيلة للكسب؛ صيانة لكرامة الإنسان، وحتى يقي نفسه مذلة السؤال والحاجة، وهو ما تفصح عنه أحاديث النبي ﷺ إذ روي عنه قوله: ((لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة حطب فيبيعها فَيَكفَّ بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)) وقد رُوي: ((أن صحابيين جاءا إلى رسول الله ﷺ وهما يحملان أخًا لهما، فسألهما النبي ﷺ عنه، فقالا: إنه لا ينتهي من صلاة إلا إلى صلاة، ولا ينتهي من صيام إلا إلى صيام، حتى أدركه من الجهد -أي: من التعب- ما ترى يا رسول الله، فقال ﷺ : من يرعى إبله؟ ويسعى على وِلده؟ فقالا: نحن، فقال: أنتما أعبد منه)).
وروي أنه مَرَّ على النبي ﷺ رجل نشط قوي، يقصد وِجهة معينة -يعني: يتجه إلى مكان معين- فقال له أصحابه: يا رسول الله لو كان -أي: تمنى الصحابة- هذا في سبيل الله -أي: قوته ونشاطه، يعني: الصحابة كانوا يتمنون أن يكون
стр. 571
هذا الرجل القوي الذي يسير أمامهم في اتجاه وجهة معينة أن يكون مسلمًا- فقال الرسول ﷺ : ((إن كان يخرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج على نفسه يعطيها فهو في سبيل الله)) وهكذا يبين لنا النبي ﷺ أن العمل الذي يكف به الإنسان نفسه عن سؤال الناس مساوٍ للجهاد في سبيل الله، وإذا كان العمل وسيلة الكسب -كما أوضحنا- فإنه أيضًا أساس التقدم، فإن فرض العمل كوسيلة للكسب، ومصدرًا لدخل الفرد من شأنه تحقيق تقدمه اقتصاديًّا، واجتماعيًّا.
وكان الإسلام حريصًا على تحقيق هذا التقدم أيضًا على صعيد المجتمع، بتشجيع أفراده على ممارسة النشاطات الاقتصادية، سواء كانت زراعية، أو صناعية، أو تجارية، وهو ما توضحه وتؤكده الأحاديث النبوية التالية:
ففي مجال الزراعة:
يقول الرسول ﷺ : ((ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان، إلا كان له صدقة)) كما يقول- ﷺ : ((من نَصب شجرة، فصبر على حفظها، والقيام عليها حتى تثمر، كان له في كل شيء يصاب من ثمرها صدقة عند الله )) فالرسول ﷺ يحفزنا على الاهتمام بالتنمية الزراعية، ليس فقط لمجرد تحقيق كسب دنيوي، ولكن طمعًا في الثواب الأخروي.
وفي الصناعة:
يقول الرسول ﷺ : ((خير الكسب كسب الصانع إذا نصح)) فالصناعة أفضل مصدر للكسب في الإسلام، إذ يكمن فيها التقدم الحقيقي للشعوب والدول، وهو ما نلمسه فعلًا في عالمنا المعاصر.
стр. 572
وفي التجارة:
سما الرسول ﷺ بشأن المشتغلين بها إلى مصف الأنبياء، والصديقين، والشهداء، والصالحين، إذا التزموا جانب الصدق في ممارستها، فيقول ﷺ : ((التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين)) ويؤكد -صلوات الله وسلامه عليه- أهمية التجارة كمصدر رئيسي للربح، إذ يقول ﷺ : ((تسعة أعشار الرزق في التجارة)) فالتجارة تعني: تسويق الإنتاج، وتصريفه، أيًّا كان نوعه؛ ابتغاء الكسب المشروع الذي أحله الله دون الربا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: من الآية: ٢٧٥).
ويرجع تحريم الربا -على حد قول الإمام الرازي- إلى أنه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب؛ وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقدًا، كان أو ناسيًا، خف عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعة الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات، والحرف، والصناعات، والعمارات.
فالإسلام يحرم الربا؛ لآثاره السيئة، إذ يُقعد صاحب المال عن العمل، والسعي للكسب والاستثمار، فضلًا عما فيه من استغلال لإنسان آخر، مما يؤدي إلى التخلف الاقتصادي والاجتماعي.
خصائص العمل في الإسلام
رأينا أن الإسلام جعل من العمل فريضة عامة؛ إعمالًا لمبدأ في المساواة بين بني آدم، كما أنه دعا انطلاقًا من ذاتيته إلى اتباع الصراط المستقيم، ومقتضاه انتهاج
стр. 573
السلوك السوي السليم؛ ولذا وضع مواصفات وضوابط العمل، التي تحقق هذا السلوك، وحسبنا أن نعرض هنا لبعضها -أي: لبعض هذه الخصائص للعمل-:
فنقول: الإيمان والعمل الصالح؛ أول خاصية من خصائص العمل في الإسلام ارتباط الإيمان بالعمل الصالح، فالإسلام عقيدة عمل وعمل عقيدة، وهو ما يؤكده القرآن الكريم في أكثر من خمسين آية، بالربط بين الإيمان وعمل الصالحات، سواء بصيغة الفرد في قوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (الكهف: من الآية: ٨٨) أو بصيغة الجماعة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ (البقرة: من الآية: ٢٥).
والإيمان هو: الاعتقاد، واليقين، والتصديق بفكرة، أو سلوك معين؛ أما عمل الصالحات فيعني: مطلقًا، وعموم العمل الصالح، الذي يحقق صالح وخير ونفع الفرد والجماعة، سواء في شئون الدنيا، أو الدين، ويربط القرآن الكريم الإيمان بالعمل الصالح ارتباط الأصل بالفرع، والأساس بالبناء، وهو ارتباط يستحيل معه تواجد أحدهما دون الآخر، فالإنسان لا يعرف إيمانًا لا يثمر عملًا صالحًا، ولا يقوم عمل صالح غير مستند إلى إيمان ولا يصدر عن عقيدة، وقد خص الله المؤمنين الذي يعملون الصالحات ببالغ الرعاية، وأجزل لهم الجزاء والأجر في الدنيا والآخرة، إذ لهم جزاء الضعف، وجزاء الحسنى، وأجر كبير، وأجر غير ممنون لا ينقطع، وجنات المأوى، وجنات النعيم، وهم خير البرية، كما حدثنا القرآن الكريم عن هذه الأوصاف.
وهو ما يتجلى في تأكيده سبحانه إذ يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: ٩٧) وفي قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور: من الآية: ٥٥).
стр. 574
وعليه نخلص مما تقدم إلى التوجيهين التاليين في مجال الفكر الإداري الإسلامي:
١ - أن المؤمن مطالب بعمل الصالحات جميعًا، سواء ما يتعلق منها بالصالح الفردي للعامل، أو الصالح الجماعي للمنظمة، ويقتضي السلوك المعتدل المنبثق عن ذاتية الإسلام تحقيق التوازن في العمل، بين مصالح الفرد ومصالح الجماعة.
٢ - أن عمل الصالحات -وهي الأعمال التي تتوخى إصلاح حال الفرد والجماعة- يجب أن يصدر عن إيمان، حتى يحقق ثمرته المرجوة؛ ولذا فالإسلام عمل عقيدة وعقيدة عمل، وهذا هو المدخل العقائدي لأي عمل إصلاحي، والمتعين الأخذ به لنجاح الإصلاح الإداري في موضوع الإدارة العامة، ويتطلب ارتباط الإيمان بالعمل في أي من مجالات الإصلاح توفير الدعوة اللازمة لهذا الإصلاح؛ والتوعية الكافية به لنجاح تطبيقه.
ومن خصائص العمل في الإسلام: أنه ينبغي أن يكون مخططًا، فإن تحقيق الهدف والتخطيط يمثلان الجانب الفكري للعمل، والسابق على إنجازه، فالإنسان الذي ميزه على سائر مخلوقاته بالعقل يصدر في أعماقه وتصرفاته عن تفكير مسبق؛ يتناول تحديد أهداف أعماله، ومقاصدها، والإعداد -أي: التخطيط لها، فالإنسان العاقل يُسائل نفسه ابتداء قبل الإقدام على مباشرة أي عمل: لماذا يقوم به؟ ويجيب عليه في ضوء ما يهديه إليه تفكيره وتحركه إليه؛ دافعًا في ذلك أنه يحدد بدقة وفي وضوح ما يستهدفه بعمله، وفي ضوء تحديده للهدف يبدأ في الإعداد والتحضير لهذا العمل؛ بالبحث في أفضل الأساليب والوسائل لإنجازه، وأنسب الأشخاص والأمكنة والأوقات لإنجازه، وهي عملية التخطيط للعمل -أي: الإعداد له- والتي تعني بها الإدارة باعتبارها تنظيم نشاط بشري جماعي هادف.
стр. 575
والإسلام إذ يُعمل العقل فإنه يعتد إلى درجة كبيرة بالنية -أي: بالقصد في إتيان الأعمال- ويجعلها مناط تقييمها؛ فالنية أساسية في تحديد الأعمال والحكم عليها؛ ولذا يقول الله ﵎: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ (الإسراء: ٨٤) وكذا قوله تعالى ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (البقرة: من الآية ١٤٨) ويقول رسول الله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كان هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليها)).
كما أن الإسلام -في ربطه الأعمال بمقاصدها- يدعو إلى نبل هذه المقاصد، وتوخيها الخير، والتنافس على فعله؛ اكتسابًا لرضاء الله فإنه إذا كان لا بد لكل عاقل من غرض يقصد إليه بعمله فإن ذلك الغرض هو الأساس في قبول الأعمال ورفضها؛ هو الميزان الذي به تعرف درجة الأعمال عند الله، فإذا ما سما الغرض، وكان القصد نبيلًا، واتصل بالإرادة الدائمة، والتُمس به مرضاة الله كان ذلك سببًا قويًّا في تقبل الأعمال، وارتفاع الدرجات، وكان في الوقت نفسه دليلًا واضحًا على قوة إيمان العامل بالله، وشدة مراقبته لمولاه، فيتقي، ويحسن.
ويدعونا الإسلام إلى تمثل الهدف عند البدء في مباشرة أي من الأعمال؛ كي يتسق العمل في أسلوبه وتوقيته وتحديد مكانه مع القصد؛ وذلك باشتراط استحضار النية عند أداء أي من الأعمال، كما في القيام بالفرائض الدينية مثل: الصلاة، والصوم، والحج، وغيرها، ويرى الإسلام في وحدة الهدف: أساس تماسك الجماعة، وترابطها، وهو ما يتجلى في قوله سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية: ١٠٣).
стр. 576
ويستتبع تحديد الهدف تخطيط العمل، والإعداد لمواجهة تحديات إنجاز العمل في المستقبل، ولا يترك ذلك تحت رحمة الظروف والمفاجآت، بل نأخذ في الاعتبار توقعات المستقبل، والإمكانيات المتاحة حالًا ومستقبلًا، وهو ما يتجلى في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: من الآية: ٦٠) وإذا كانت الآية الكريمة قد وردت في خصوص التخطيط العسكري، فإنها تضع لنا توجيهًا عامًّا لمواجهة أي تحديات واحتمالات مستقبلية في سائر مجالات العمل.
ولنا في قصة يوسف ﵇ نموذجًا للتخطيط المدني في حقل التموين، عندما أنبأ فرعون مصر بتأويل رؤياه، موضحًا له أن البلاد سوف تحقق إنتاجا زراعيًّا وفيرًا لمدة سبع سنوات، تواجه بعدها سبع سنوات عجاف، مما يتعين معه الاستعداد مقدمًا بالادخار من إنتاج سنوات الرخاء؛ لمواجهة سنوات الشدة، وفي ذلك يقول- : ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ (يوسف: من الآية: ٤٧، ٤٨).
وقد تأكد ذلك بحديث النبي ﷺ : ((اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا)) الذي يدعو بل يأمر بالأخذ بالتخطيط للعمل، ليس فقط للمدى القصير، أو المتوسط، أو الطويل، بل لأمد بعيد، والعمل أيضًا ينبغي أن يكون مبسطًا؛ إذ يحض الإسلام على حسن الأداء، وهو ما يؤكده العديد من آي القرآن الكريم؛ فالله خلق الإنسان والحياة والموت؛ لاختبار البشر في مدى إجادتهم لأعمالهم في دنياهم، فيقول : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (هود: من الآية: ٧) كما يقول سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الكهف: ٧) ويقول ﵎: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: من الآية: ٢).
стр. 577
كما يقرر المولى سبحانه مكافأة العاملين على حسن الأداء، فيقول -جل من قائل-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (الكهف: من الآية ٣٠) كما يقول سبحانه: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (النور: ٣٨) ويقول الرسول ﷺ : ((إن الله يحب من العامل إذا عمل أن يحسن)) فالإسلام يعول على الوازع الديني الذاتي، والحافز العقائدي الداخل في ضمان حسن العمل، وجودة الأداء، هذا بالنسبة لمهام التنفيذ.
أما بالنسبة للمهام الاستشارية، والتي تتمثل في مجرد إبداء المشورة والرأي الفني، فإنه يتعين الرجوع فيها إلى أهل الخبرة والاختصاص والعلم، وهو ما تؤكده آيات القرآن الكريم التالية؛ إذ يقول سبحانه: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (فاطر: من الآية: ١٤) ويقول تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: من الآية: ٤٣) كما يقول : ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: من الآية: ٨٣).
ومما تقدم: يتضح أن الإسلام يوجب مراعاة الاختصاص والخبرة والرجوع إلى أصحابها في كل ما يعن لنا من أمور، لا دراية، ولا علم لنا بها، ولكن ليس لأهل الاختصاص والخبرة سلطة فرض آرائهم، أو إصدار أوامر ملزمة في هذا الصدد، وهو ما تشير إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصيْطِرٍ﴾ (الغاشية: من الآية: ٢١، ٢٢) وهو ما يأخذ به الفكر الإداري المعاصر.
وهكذا يحضنا الإسلام على إتقان العمل، سواء بالدعوة إلى حسن الأداء في مجال التنفيذ، أو بالرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص والعلم في مجال المشورة،
стр. 578
وإذا كان لكل عمل إجراءات معينة تقتضيها أصول إنجازه، ويتطلبها حسن أدائه، فإنه يتعين الآخذ في إجراءات العمل بالضروري اللازم لسلامة التنفيذ؛ فالإجراءات وسيلة وليست في ذاتها غاية، ولا شك في أن المبالغة في إجراءات العمل وخطوات إنجازه دون مقتضًى إنما هو انحراف عن القصد والاعتدال؛ الذي ينشده الإسلام في الدعوة إلى السلوك السوي، وهذه هي البيروقراطية التي حاربها الإسلام؛ والبيروقراطية تتمثل في الإجراءات الطويلة للعمل، وخطواته، ولذلك: الإسلام اعتبر هذه البيروقراطية انحرافًا عن القصد والاعتدال الذي ينشده الإسلام في الدعوة إلى السلوك السوي.
هذا فضلًا عن أن الإسراف في اتخاذ الإجراءات لون من الإسراف المحظور في الإسلام، كما يعرض المسرفين في إسرافها لغضب وسخط الله إذ تقول الآية الكريمة: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأنعام: من الآية: ١٤١) والإسلام لا يأخذ بالشكليات والإجرائيات إلا بالقدر الضروري الذي تفرضه سلامة المعاملات؛ فإذا انتفى ذلك تعين استبعادها؛ تيسيرًا للتعامل وسرعته، وتؤكد آية المداينة هذا المعنى، إذ تشترط الكتابة في التعامل الآجلي؛ حفاظًا لحقوق المتعاملين؛ أما في التعامل الحاضر فلا تسريب في التحلل منها؛ إذ يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٨٢) إلى قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا﴾.
ومعنى ذلك: أن الإجراءات أو الشكليات التي تسبق المعاملات الإسلام يقتصر فيها إلى أبعد الحدود؛ لأن الزيادة فيها إنما تؤدي إلى البيروقراطية التي تعاني منها الإدارات الحديثة في شتى الدول؛
стр. 579
ولذلك هذه الآية الكريمة -آية المداينة- تبين لنا أن إجراء الشهادة على الدين إنما يكون ذلك بالنسبة للدين المؤجل؛ أما إذا كانت التجارة حاضرة وليس هناك دين فليس هناك ما يدعو إلى هذا الإشهاد؛ وهذا دليل على أن الإسلام لا يريد ولا يرغب في المبالغة في إجراءات العمل، وخطوات إنتاجه، ولا بالشكليات والإجراءات التي لا لزوم لها.
وعليه: فالإسلام يحارب الإسراف في استخدام المكاتبات الورقية في المعاملات؛ وهي تمثل أسوأ أمراض الإدارة، التي تعكس النزوع إلى التعقيدات المكتبية، سمة بَيروقراطية السائدة في الدول النامية، نجد الإسلام يدعو إلى تيسير العمل وتبسيطه، ويستنكر التشدد والتنطع في العمل، وهو ما يستفاد من حديث رسولنا ﷺ : ((إن الدين يسر، ولن يُشادَّ أحد هذا الدين إلا غلبه، ولكن سددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرَّوحة، وشيء من الدلجة)) إذ يدعو -صلوات الله وسلامه عليه- إلى القصد والاعتدال في العبادة في غير تشدد، أو إهمال، ولا شك أن الأعمال كلها إنما هي تدخل ضمن العبادات.
وطبقًا للمفهوم الشامل للعبادة -الذي انتهينا إليه آنفًا- تعتبر خدمات الجماهير من قبيل العبادة الواجب عقيدة، تحديد إجراءات أدائها بما لا يؤدي إلى إنعات أو إرهاق لطالبيها؛ ولا يخل بسلامة وجودة إنجازها، أي: دون إفراط، أو تفريط.
ويرتبط بإتقان العمل وتبسيطه أن يكون مقدورًا؛ إعمالًا لقاعدة الإسلام الإنسانية: لا تكليف إلا بمقدور، وفي ذلك يقول ربنا ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية: ٢٣٣) وقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية:٢٨٦) وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٨٦) فلا إرهاق يضر العامل بدنيًّا، أو ذِهنيًّا.
стр. 580
ونخلص مما تقدم أن الإسلام يشترط في العمل السوي -فكريًّا- أن يكون سمة تحديد للهدف أو الأهداف التي يتوخاها؛ والإعداد السابق- أي: التخطيط له- ويتعين سلوكيًّا أن يكون الأداء متقنًا، ومبسطًا، ومقدورًا.
طبيعة تكوين المنظمة
ثم نتحدث الآن عن موضوع آخر وهو: طبيعة تكوين المنظمة:
ونقصد بالمنظمة: المجموعة التي تقوم بعمل معين، كأُناس موجودون في مصنع معين، فمجموع هؤلاء الناس يطلق عليهم في القوانين الإدارية وفي الإدارة العامة: المنظمة؛ فالمنظمة تشكيل يمارس فيه ومن خلاله النشاط البشري الجماعي موضوع التنظيم الإداري؛ وتعكس المنظمة -من حيث طبيعة تكوينها- اتجاهي الفكر الإداري المعاصر، وقد عرضنا -آنفًا- لمفاهيم اتجاه الفكر الإداري في هذا الصدد.
ونشير فيما يلي إلى توجيهات الفكر الإداري الإسلامي السوي في تكوين المنظمة؛ يعني: كيف تنظم هذه المجموعة التي تقوم بعمل معين في مصنع معين أو في شركة معينة مجموع هؤلاء الأفراد؛ الذين يعملون في هذا المكان، أو في هذا المصنع، أو في هذه الشركة يطلق عليها -كما قلنا- في العرف الإداري: منظمة؛ الإسلام وضع توجيهات لهذه المنظمة، وكيف يتم العمل فيها.
فأول شيء دعا إليه هو: التدرج الرئاسي، لقد قام الإسلام بتكوين المنظمة كتنظيم جماعي أيًّا كان شكلها، ومجال نشاطها، على أساس التدرج الرئاسي محور التنظيم الهيكلي، وتحقيقًا لصالح المنظمة وأفرادها، وابتغاء بلوغ أهداف مشتركة،
стр. 581
ويعتبر الإسلام هذا التدرج الرئاسي اختبارًا لنا -رؤساء كنا أم مرءوسين- إذ يكشف عن مدى استخدامه في إصدار أوامر ملزمة، تحقق صالح الجماعة وأعضائها معًا، وإطاعة المرءوسين لهم بالتزام هذه الأوامر والعمل بمقتضاها، وهذا تنظيم فطري، يتوخى مصالح الجماعة والأفراد على السواء؛ إذ يشبع حاجات الأفراد عن طريق النشاطات البشرية الجماعية، التي يحكم تنظيمها ويحكمه هذا التدرج الرئاسي؛ ولذا يقول : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ (الأنعام: من الآية: ١٦٥) كما يقول ﵎: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ (الزخرف: من الآية: ٣٢)، هذه الآيات تدل على التدرج.
ولكن إذا كانت فطرة الله تقضي برفع بعض الناس فوق بعض درجات -أي: في تدرج رئاسي- فهل يعني هذا التدرج أن هناك طبقات اجتماعية متميزة وممتازة؟ وهو ما يتنافى مع مبدأ المساواة الإسلامي الإنساني، الواقع أن هذا التدرج الرئاسي لا يستند إلى وضع طبقي تسلطي في المجتمع؛ بل يستند إلى العمل، وهو وحده مصدر القيمة الإنسانية -كما قلنا قبل ذلك- وإذ يتفاوت الأفراد -وهو أمر طبيعي- في المدارك والقدرات والقابليات، فإنهم سيتفاوتون بالتالي في مستويات العمل وأدائه؛ فالتدرج الرئاسي هنا يستند إلى تدرج الأعمال وتفاوتها، وهو ما بينه الله -تبارك تعالى- بقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: ١٣٢) وقوله : ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (الأحقاف: ١٩).
ولكن ما هو أساس تفاوتهم في أعمالهم؟ وبالتالي تدرجهم حسب هذه الأعمال؟
стр. 582
يوضح القرآن الحكيم ذلك بأن مرجعه: التفاوت في المعرفة، والخبرة، ومصدرها العلم؛ ولذا يقول ﵎: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٧٦) كما يقول : ﴿يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة: ١١) وإذ يعتبر العمل وسيلة الكسب في الإسلام، فإن الأفراد سوف يتفاضلون تبعًا لتدرج أعمالهم في الأرزاق والدخول؛ من أجور وأرباح، ولذا يقول سبحانه في هذا الصدد: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ (النحل: من الآية: ٧١) وعليه نخلص إلى التوجيهات في مجال الفكر الإداري:
١ - أن التكوين الفطري للجماعة -أيًّا كان شكلها وطابع نشطها، الذي يضمن استمرار وجودها بما يحقق أهدافها، وإشباع حاجات أعضائها- قوامه وأساسه التدرج الرئاسي بين أفرادها، باعتباره محور تنظيم هيكلها، وتتحدد في ضوئه وحدة القيادة والتوجيه.
٢ - أن أساس التدرج الرئاسي في المنظمات هو تدرج الأعمال -أي: الوظائف والحرف- ويتطلب تحقيق هذا التدرج في الأعمال في كل جماعة دراسة شتى الأعمال فيها؛ وتحليل كل منها إلى ما ينطوي عليه من واجبات ومسئوليات، وتوصيفه في ضوء ذلك تحديد المعرفة النظرية والعملية الواجب توافرها، فيمن يمارس كل عمل من هذه الأعمال، ولما كان العمل في الإسلام وسيلة الكسب ومصدر الدخل الرسمي؛ فإن الأجور والمرتبات تُقسم إلى شرائح تقوم بمقتضاها الأعمال وتُدرج، بحيث يرتبط الأجر
стр. 583
أو المرتب بالعمل وجودًا وعدمًا، ومستوًى ومقدارًا؛ تنفيذًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (الكهف: ٣٠) وقوله : ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: ٩٧) إنها قاعدة الأجر المساوي للعمل التي يأخذ بها الفكر الإداري الغربي المعاصر؛ وتنبثق عنها نظرياته المختلفة في ربط الأجر بالإنتاج.
وما دام التدرج في الأعمال يستند إلى التفاوت في العلم بأوسع معاني كلمة العلم -أي: مطلق المعرفة- سواء كانت نظرية أو عملية، والتي تتفاوت في أنواعها ومُددها، فإنه يتعين توفير فرص العمل للجميع حسب القدرات والملكات الذاتية، سواء في المدارس، والمعاهد، أو مراكز وبرامج التدريب، على اختلاف مراحلها، وتخصصاتها، وأسلوبها.
ونكتفي بهذا القدر من المحاضرة، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٢ - توجيهات الفكر الإسلامي (٢)
تابع طبيعة تكوين المنظمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن طبيعة تكوين المنظمة، أو الجماعة التي تقوم بعمل ما. وتبين لنا أن من توجيهات الفكر الإداري الإسلامي للمنظمة، وأن يكون هناك تدرج رئاسي بين أفراد هذه المنظمة؛ حتى يتم العمل على أكمل وجه.
ونواصل الحديث الآن عن توجيه آخر لهذه المنظمة وهو: السلطة والمسئولية:
فنقول: يرتبط بالتدرج الرئاسي تحديد مدى السلطة والمسئولية في مختلف مستويات هذا التدرج؛ وعلى امتداد ما يعرف في الإدارة بـ"خط السلطة" وتعني السلطة: مُكنة، وقدرة، اتخاذ القرار أو التصرف النهائي أي: الملزم للآخرين الذين يتعين عليهم تنفيذه؛ والعمل بموجبه، إطاعة لمصدره، وأصحاب السلطة هم أولي الأمر، الذين أوجب القرآن الكريم إطاعتهم؛ تبعًا لإطاعة الله، وإطاعة رسوله، إذ يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: من الآية: ٥٩).
وهو ما رددته السنة النبوية الشريفة على سبيل التأكيد، مهدرة كل تمييز عنصري، أو عِرقي، أو طبقي، قد يحتج به لتعطيل هذا الأمر الواجب، إذ يقول
стр. 584
الرسول الكريم: ((اسمعوا، وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه ذبيبة)) إنها المساواة في أسمى صورها الإنسانية، ولم يستخدم الإسلام في هذا الصدد لفظ السلطة؛ تجنبًا لما قد يوحي به من نزعة التحكم والتسلط، التي أخذت على الفكر الإداري العلمي، وحاول الفكر الإداري الإنساني التخفيف من وقعها السيئ.
وحسب الإسلام في هذا الخصوص أنه أمر -حرصًا على انتظام الجماعة وانضباط أعضائها، حفاظًا على كيانها- بإطاعة أولي الأمر في الجماعة، وهم أصحاب السلطة المخولون صلاحية اتخاذ قرارات وتصرفات ملزمة؛ وتقترن السلطة في الإدارة بالمسئولية أي: المحاسبة على ممارستها، فلا توجد إحداهما دون الأخرى أي: أن السلطة مسئولة فلا بد من المسئولية، ليس هناك سلطة بدون مسئولية.
والإسلام يأخذ بالعمل المسئول، والمسئولية هنا شخصية، فكل شخص محاسب على ما جنته يداه، ولا تتعدى مسئوليته إلى سواه، وهو ما بينته الآيات الكريمة إذ يقول : ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: من الآية: ٩٣) ويقول تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (الطور: من الآية: ٢١) ويقول ﵎: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة﴾ (المدثر: ٣٨) ويقول ﵎: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: من الآية: ١٦٤) ويقول ﵎: ﴿قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (سبأ: ٢٥).
والمسئولية في الإسلام لا تقتصر على النشاط البدني، بل تشمل أيضًا النشاط الذهني فيقول ﷻ : ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: من الآية: ٣٦) فالإنسان مسئول فكرًا وسلوكًا.
стр. 585
ويربط الرسول الكريم ﷺ بين السلطة والمسئولية على نحو إنساني اجتماعي، وحيث تأخذ السلطة مفهومها الفطري السليم الذي عرفته البشرية ابتداء في خلية المجتمع الأولى وهي الأسرة؛ إنها رعاية شئون الآخرين وخدمتهم، ولذلك يقول النبي ﷺ في الحديث: ((ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته)) فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، والخادم راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ((ألا فكلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته)) إنها أسمى توجيهات الفكر الإسلامي في حقل الإدارة، والتي يتضاءل أمامها أي فكر آخر، مهما أضفينا عليه وعلى رواده من قداسة علمية.
ثم نتحدث الآن عن الترابط الاجتماعي بين أفراد هذه المنظمة:
فنقول: يدعو الإسلام إلى الترابط الأخوي بين أعضاء الجماعة؛ إنماءً لوحدة الشعور بينهم، وفي ذلك يقول : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات: ١٠) ويذكر المسلمين بنعمة التآلف فيقول ﵎: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: من الآية: ١٠٣) ويأمرنا -جل وعلا- بوحدة الصف، وينهى عن الفرقة فيقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية: ١٠٣) ويحذرنا من سوء مغبة التنازع فيقول ﵎: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية: ٤٦) ويشير سبحانه إلى أنه ليس من العقل تدابر الجماعة، واختلاف أعضائها فيقول: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ (الحشر: من الآية: ١٤).
стр. 586
وجاءت الأحاديث النبوية الشريفة مبينة مظاهر هذا التماسك الاجتماعي وأساليبه؛ إذ يقول الرسول الكريم ﷺ : ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة)) ويقول أيضًا: ((المسلم أخو المسلم، لا يخونه، ولا يكذبه، ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام: عرضه، وماله، ودمه، التقوى ها هنا -وأشار إلى قلبه- بحسب امرئ من الشر أن يحقِّر أخاه المسلم)) هكذا يبين لنا النبي ﷺ .
ويشبه -صلوات الله وسلامه عليه- هذا التماسك الاجتماعي وقوته بالجسد تارة، وبالبنيان تارة أخرى، فيقول: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) كما يقول ﷺ : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا -وشبك بين أصابعه-)).
ويعتبر الرسول ﷺ الخروج على الجماعة ومفارقتها رِدة جاهلية؛ فيقول: ((من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية)) كما يقول ﷺ : ((من رأى من أميره شيء يكرهه فليصبرْ، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات فميتته جاهلية)).
وأيضًا من الأمور أو التوجيهات التي وضعها الإسلام لأعضاء هذه المنظمة أو الجماعة التي تقوم بعمل معين هو: تبادل المشورة بين أفراد هذه الجماعة؛ فالإسلام لا يقتصر في الدعوة إلى التماسك الاجتماعي على الجانب السلوكي فقط، بل يمتد إلى الجانب الفكري، وذلك بدعوته أعضاء الجماعة إلى تبادل المشورة فيما بينهم، فيقول ﷻ : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم﴾ (الشورى: من الآية: ٣٨) كما
стр. 587
يقول في أخطر شئون الأسرة وهو فصل رابطة الزوجية: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (البقرة: من الآية: ٢٢٣) وهو ما يحقق الترابط الفكري في العلاقات الأفقية بين أعضاء الجماعة بعضهم وبعض، وبينهم وبين أعضاء الجماعات الأخرى في سائر ما يمسهم من شئون.
ويحقق الإسلام هذا الترابط الفكري في العلاقات الرأسية أيضًا، إذ يأمر بتبادل المشورة بين الرؤساء والمرءوسين في مختلف مستويات التدرج الرئاسي بالجماعة -أي: المنظمة- إذ يقول سبحانه مخاطبًا رسوله الكريم ﷺ وكتوجيه عام لسائر القيادات والرئاسات: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر﴾ (آل عمران: من الآية: ١٥٩).
فالإسلام لو أنه بَنى الإسلام المجتمعات في إدارتها وتنظيم شئونها، مع تعيين مصدر القوامة فيها بنى هذه المجتمعات على أساس من الشورى، وتبادل الرأي، يشاور الرئيس المرءوس، والحاكم المحكوم، ويكون العزم في الفعل على ما يتم على طريق المشورة؛ قرر الإسلام هذا، وجعله شأنًا من شئون المسلمين في مجتمعاتهم، والواقع أن تبادل المشورة بين مختلف العاملين في المنظمة لا يُدعم جماعية الفكر والتفاهم المشترك بينهم فحسب؛ بل ينمي شخصية كل فرد، ويرفع معنوياته، ويزكي شعوره بالانتماء والولاء للمنظمة، إذ يشارك بالرأي فيما يجد من شئونها.
ويأمرنا الرسول الكريم ﷺ بإبداء الرأي عند طلبه، وأن يكون ذلك بأمانة، وفي ذلك يقول ﷺ : ((إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه)) ويقول ﷺ : ((المستشار مؤتمن)).
وهكذا يضع لنا الإسلام دعائم التكوين الهيكلي للمنظمة، ويرشدنا إلى الأساليب الفعالة؛ لتحقيق تماسك أفراد الجماعة سلوكيًّا وفكريًّا، في نهج منضبط سوي، لم يرق إليه الفكر الإداري المعاصر في اتجاهيه العلمي والإنساني المتطرفين.
стр. 588
الرقابة ومتابعة الإنجاز
ومن توجيهات الفكر الإداري الإسلامي أيضًا: توجيهاته في مجال الرقابة ومتابعة الإنجاز.
فقد حرص الإسلام على وضع توجيهات تكفل الرقابة الذاتية والمتابعة الواعية للسلوك البشري؛ والتي تنبثق عن حاجات الجماعة إلى الحفاظ على سلامة كيانها؛ لضمان استمرارها في نموٍ وتقدم، محققة لأهدافها في إشباع الحاجات الجماعية والفردية على السواء؛ وذلك على نحو ما سنبينه في عرضنا الموجز لبعض هذه التوجيهات -أي: توجيهات الفكر الإداري الإسلامي- فيما يتصل بالرقابة ومتابعة الإنجاز:
أولًا: الرقابة الذاتية:
سبقت الإشارة إلى أن النهج السوي للإسلام اقتضى أن يكون دِينًا ودنيًا؛ وهو ما استتبع أن يكون للعبادة فيه مفهوم شامل متكامل، إذ تعني: اتباع أوامر الله، وتجنب نواهيه في سائر شئون الدنيا والدين، كما نص على ذلك القرآن الحكيم، وبينته سنة نبينا ﷺ باعتبارهما مصادرا مشرعة، تضع لنا ضوابط السلوك، والفكر الإسلامي القويم، وإذ تستهدف هذه الضوابط خير البشرية في شئون الدنيا والدين؛ لذا حرص الإسلام على التزام المسلمين بهذه الضوابط، عن طريق نوع من الرقابة الذاتية قوامها: التناصح فيما بينهم، بالائتمار بالمعروف، والتناهي عن المنكر، وبذلك يحققون مجتمعًا فاضلًا، ويكونون بالتالي خيرَ أمة أخرجت للناس.
стр. 589
وتؤكد آيات القرآن المجيد هذه المعاني السامية فيقول : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ (التوبة: من الآية: ٧١) كما يقول : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤) ويقول تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية: ١١٠).
ويبين لنا الرسول الكريم ﷺ أهمية النصيحة كأساس تقوم عليه هذه الرقابة الذاتية؛ فيقول: ((الدين النصيحة لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)) ويحذر المولى من سوء عاقبة ترك المنكر يستشري دون نهي عنه؛ فيقول تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة: الآيتان: ٧٨، ٧٩) كما يوضح -صلوات الله وسلامه عليه- أساليب النهي عن المنكر، وتغييره، ويجعلها حسب الاستطاعة، فيقول ﷺ : ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) إن هذه الرقابة الذاتية هي أداة التغيير السلوكي الذي يؤمن به الإسلام؛ لتطوير المجتمع، إذ يقول : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية: ١١).
وقد كانت هذه الرقابة قوام نظام الحسبة الذي عرفته الإدارة العامة في الدولة الإسلامية، ويحقق الأخذ بهذه الرقابة على مستوى المنظمة والمشروع: الإصلاح الإداري المنشود تلقائيًّا، كما يحقق الأخذ بها على مستوى الدولة ما تستهدفه من تطوير اجتماعي.
стр. 590
ومما يتصل بالرقابة ومتابعة الإنجاز: متابعة الإنجاز أيضًا، إذ يقر الإسلام مبدأ: مسئولية الشخص عن أعماله في الحياة الدنيا، وهي مسئولية تجد أساسها العقائدي في الإيمان بيوم الحساب؛ يوم يحاسب الله البشر على أعمالهم، ويجازيهم عنها: إما بثواب الجنة، أو بعقاب النار، فهو سبحانه المحيط، والبصير، والخبير بأعمالهم، والرقيب عليهم، وهو ما يؤكده العديد من آي الذكر الحكيم، نذكر منها قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ (النساء: من الآية: ١٠٨) ويقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ (آل عمران: من الآية: ١٥٦) ويقول ﵎: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ (البقرة: من الآية: ٢٣٤) ويقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا﴾ (النساء: من الآية: ١).
وفي ضوء هذه المتابعة الإلهية لسائر أعمال البشر، يوجهنا الله سبحانه إلى إجراء متابعة إنجاز من هذا القبيل بمعرفتنا دُنيويًّا؛ وهو ما يشير إليه صراحة قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: من الآية: ١٠٥) كما يشير إليه ضمنًا قوله سبحانه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ (النجم: من الآيتان: ٣٩، ٤٠).
ونخلص في ضوء ما تقدم من توجيهات إلى أنه ما دام عمل الإنسان وسعيه في هذه الحياة هو مصدر قيمته ومناط مسئوليته؛ فإنه يتعين رؤية هذا العمل بواسطة الآخرين، باتباع وسائل متابعته المختلفة، سواء عن طريق الإشراف وما يتطلبه من مهارات قيادية، أو تقييم الإنجاز بموجب تقارير نشاط دورية، وممارسة التفتيش والرقابة على اختلاف أنواعها وأجهزتها، فلا بد من أساليب متابعة نشطة؛ تحصي على العامل نشاطه، وتتابع سعيه لتقييمه أولًا بأول، في ضوء معدلات دقيقة ومعروفة، ووفق ضوابط ومعايير محددة للتكاليف والأداء.
стр. 591
ومما يتصل أيضًا بالرقابة ومتابعة الإنجاز: وضع الضوابط والمعايير، إذ يدعوا الإسلام -كما سبقت الإشارة- إلى التزام الفكر، والسلوك السوي القويم، الذي لا يعرف إفراطًا، أو تفريطًا، ولا انحرافًا، أو تطرفًا، مما يقتضي تنظيم وتقنين النشاطات البشرية، وفق ضوابط معينة، ومعايير محددة معلومة، يلتزمها الأفراد، وتجري مساءلتهم على مقتضاها؛ ولذلك يتعين وضع ضوابط ومعايير إنجاز توزن الأعمال، ويقوم العاملون على أساسها بموجب تقارير نشاط، وهو ما تستند إليه الرقابة والمتابعة وفق أحدث أصولها العلمية، وأساليبها الفنية.
ولنا في توجيهات القرآن الحكيم خير مرشد في هذا الصدد؛ فالله خلق الكون، وأبدع صنعه، وأحكم تسييره، وفق ضوابط دقيقة قدرها، إذ يقول سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: ٤٩) ويقول تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان: من الآية: ٢) ويقول تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرا﴾ (الطلاق: من الآية: ٣) ويقول تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجر: ٢١) ويقول ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (يونس: ٥) ويقول ﵎: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: ٣٩، ٤٠).
فالله سبحانه يرشدنًا في الآيات السابقة إلى أنه جرى في خلقه للكون وتسييره له وفق معايير محددة؛ وضوابط معينة، قدرها، وقررها، ومن ثَمَّ كان خليق بنا في ضوء هذا التوجيه الإلهي أن نسير في فكرنا وسلوكنا على نحو رشيد، وفق أصول وضوابط، يهدي إليها العقل السليم.
стр. 592
كما يضع ﵎ -وهو العليم بطبائع البشر، الخبير بأعمالهم- المقاييس الحق، والموازين القسط لأعمال الناس، يحاسبهم على مقتضاها يوم القيامة إن ثوابًا أو عقابًا؛ وفي هذا يقول جلت قدرته، وسمت حكمته: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: الآية: ٤٧) ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾ (الأعراف: ٨، ٩).
وعلى ضوء هذا الهدي القرآني في وضع موازين العمل، يتعين علينا أن نضع معدلات للأداء، ومقاييس للأعمال في حياتنا الدنيا؛ لكي تكون مساءلتنا عنها ومحاسبتنا عليها موضوعية ودقيقة، وإحكامًا للرقابة والمسئولية ينبغي أن تحصى الأعمال وتسجل الإنجازات بدقة أولًا بأول؛ فتدون في تقارير وصحائف منشورة؛ ولذا يقول الحق ﵎: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء:١٣، ١٤) كما يقول : ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: ٤٩).
هذه هي المقومات الإسلامية الأساسية التي ينبغي مراعاتها في وضع وتطبيق أفضل نظم الرقابة والمتابعة؛ والذي يسعى الفكر الإداري المعاصر إلى بلوغها، وكان الرسول ﷺ يراقب ولاته وعماله، فقد اشتكى وفد عبد القيس لعلَّاء بن الحضرمي والي النبي ﷺ عليهم، وبعد أن استمع إليهم، وتحقق من صحة
стр. 593
شكواهم، عزل العلاء، وولى عليهم أبان بن سعيد، وزوده بوصيته قائلًا: ((استوصي بعبد القيس خيرًا)) واستعمل مرة رجلًا على الصدقات، فلما رجع حاسبه فقال: هذا لكم، وهذا أهدي إليّ، فقال النبي: ((ما بال الرجل نستعمله على العمل بما ولانا الله فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إليّ، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه، فنظر أيُهدَى إليه أم لا؟ ثم قال: من استعملناه على عمل، ورزقناه رزقًا، فما أَخذ بعد ذلك فهو غلول)).
ومن توجيهات الفكر الإداري الإسلامي أيضًا: ما يتصل بإدارة الأفراد، ونشير هنا إلى بعض توجيهات الفكر الإسلامي في مجال إدارة الأفراد وهي تعكس قيمًا إنسانية سامية، استهدفها الإسلام تكريمًا لآدمية الإنسان، وفق منهجه السلوكي السوي.
العلاقات الإنسانية في العمل الجماعي
نتحدث عن العلاقات الإنسانية والعمل:
الإسلام دين الفضيلة، ودعوة الأخلاق الكريمة، وقد أشاد بأخلاق رسوله الكريم إذ يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾ (القلم: ٤) ويقول ﷺ : ((إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) وحسبنا أن نورد جانبًا من توجيهات الإسلام في هذا الصدد، والتي تؤكد السلوك الإداري السوي، سواء في مجال العلاقات الإنسانية، أو العلاقات العامة:
أولًا: العلاقات الإنسانية:
ونعرض فيما يلي أهم الصفات الذاتية للأفراد، والتي تشكل أسمى أخلاقيات سلوكهم الاجتماعي في كافة صور النشاطات البشرية الجماعية: الأمانة، والعدالة،
стр. 594
من أولى الأمور التي نتحدث عنها فيما يتعلق بالعلاقات الإنسانية هي: الأمانة والعدالة؛ فالأفراد أمناء على ما يعهد إليهم بمباشرته من أعمال -أي: وظائف وحرف- فالموظف مؤتمن على مصالح الجمهور الذي يتعامل معه؛ مؤتمن على ما تحت يده من أموال، وما في عهدته من من أصناف السلع والمواد؛ مؤتمن على صحة ما يعرضه من بيانات ومعلومات وأراء على الرؤساء؛ مؤتمن على مرءوسيه بإسداء النصح والتوجيه السديد إليهم، وتعهدهم بما يلزمهم من مران وتدريب، وتوخي العدالة في معاملتهم، وفي تقييمهم، وتقويمهم.
والعامل مؤتمن على الآلة التي يديرها، وعلى الأدوات والخامات التي يستخدمها؛ لذلك تشدد الإسلام في الأمر بأداء الأمانة، وتوخي العدالة، إذ يقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء: ٥٨) ويصف الله المؤمنين فيقول- : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (المؤمنون: ٨) ويقول ﵎: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ (القصص: من الآية: ٢٦).
أما الهدي النبوي في هذا الصدد فيتمثل في قول الإمام علي: ((كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فأقبل علينا رجل من أهل العالية -والعالية: اسم مكان- فقال: أخبرني يا محمد، عن أشد شيء في هذا الدين وألينه، فقال: يا أخا العالية، ألين شيء في هذا الدين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأشده يا أخا العالية: الأمانة، ألا إنه لا دين لمن لا أمانة له، وإن صام وصلى)) والغش بكافة صوره وأنواعه يتنافى مع الأمانة كإخفاء عيوب المعروضات، وإظهار محاسنها، وقد مر النبي ﷺ برجل يبيع الطعام، فأعجبه ظاهره، فأدخل يده فيه، فوجد فيه بللًا فقال: ((ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته
стр. 595
السماء يا رسول الله -أي: نزل عليه المطر- فقال ﷺ : فهل أبقيته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ ثم قال ﷺ : من غشنا فليس منا)).
كما يأمرنا الله في الآية الأسبق بالعدل في الحكم بين الناس؛ وهو ما يقتضي توخي العدالة في تصرفاتنا، وسائر معاملاتنا مع الآخرين، وفي إيصال الحقوق إلى ذويها، فلا محاباة تحركها قربى، ولا انتقام يثيره غضب؛ ولذا يقول ربنا : ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (الأنعام: الآية: ١٥٢) كما يقول- ﵎: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية: ٨) وروي عن الرسول الكريم قوله: ((ما من أمير عشرة إلا يُؤتى به يوم القيامة مغلولًا لا يفكه إلا العدل)).
ويحذرنا ﷻ من إيثار اتباع الهوى على توخي العدالة، أيًّا كانت الصلات والاعتبارات، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: الآية: ١٣٥) ويقول البعض في تفسير هذه الآية الكريمة: يا أيها الذين آمنوا كونوا مواظبين على العدل، مجتهدين في إقامته، تؤدون شهادتكم لوجه الله، ولو على أنفسكم، أو والديكم، أو أقاربكم، وإن يكن المشهود عليه غنيًّا أو فقيرًا فلا تمتنعوا عن أداء الشهادة؛ ميلًا إليه لغناه، ولا رحمة به لفقره؛ فالله أولى بالنظر إلى حال الغني والفقير منكم، فلا تتعبوا أهواءكم؛ كراهة أن تعدلوا، وأن تلووا بألسنتكم لإخفاء معالم الحق أو تمتنعوا عن إقامة الشهادة فإن الله خبيرًا بما تعملون؛ يجازيكم عليه بما أنتم أهله.
стр. 596
ويقتضي التزام العدل في المعاملات: الوفاء في الكيل والميزان، وهو ما يأمرنا به في قوله : ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (الإسراء: ٣٥) وينذر المطففين بالويل والثبور، إذ يقول : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (المطففين: ١ - ٣).
وهكذا يدعونا الإسلام إلى التزام جانب العدل في سائر تصرفاتنا قولًا وفعلًا؛ وفي كل الأحوال أيًّا كانت الاعتبارات والظروف، وهو ما يضمن الحياد والموضوعية في أقوالنا وأفعالنا، ويجردها من النزوع إلى المحاباة أو الانتقام.
ومما يتصل بالعلاقات الإنسانية في مجال العمل: التعاون والرحمة، فالعامل مطالب بتحقيق التعاون في سائر علاقاته بالمحيطين به، سواء في داخل الجماعة أو خارجها، من زملاء، ورؤساء، ومرءوسين، أو جمهور يتعامل معه، وذلك ابتغاء تحقيق الصالح، والخير المشترك للجماعة وأعضائها، وهو ما أمرنا به الإسلام، إذ يقول- : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: من الآية: ٢).
ويقول نبينا ﷺ : ((من نفسّ عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفسّ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة؛ ومن يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة؛ ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)) كما يقول ﷺ : ((ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه، ثم جعل من حوائج الناس إليه فتبرم -يعني: لم يقض هذه الحاجات- فقد عرّض تلك النعمة للزوال))
стр. 597
ويسمو هذا التعاون في الإسلام محققًا التكافل الاجتماعي في أجلى صوره الإنسانية؛ والتي لم يرق إليها الفكر البشري بعد في أي من مذاهبه الاجتماعية؛ عندما يأمر من عنده فائض أو وفرة في أي شيء بالمبادرة إلى تلبية حاجة الآخرين منه؛ إذ يقول ﷺ : ((من كان عنده فضل ظهر -أي: دابة- فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له)).
ويرتبط التعاون بالرحمة، بل ويستند إليها وهي أساس رسالة الإسلام، إذ يخاطب المولى رسولنا -عليه أفضل الصلاة والسلام- فيقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ (الأنبياء: من الآية: ١٠٧) ويصف الحق ﵎ نفسه بأنه الرحمن الرحيم، ويقول ﷻ : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء﴾ (الأعراف: من الآية: ١٥٦).
ويقول الرسول الكريم ﷺ : ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)) كما يقول: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)) ويسبغ التعاون والرحمة سلوك الفرد بطابع إنساني يتسم بالرفق، سواء مع الإنسان أو مع الحيوان، فهما -أي: التعاون والرحمة- من أسمى القيم الإنسانية في الإسلام التي تحقق ترابطًا اجتماعيًّا فعالًا؛ وعلاقات عمل بناءة.
ومما يتصل بالعلاقات الإنسانية في مجال العمل والتي وجهها الفكر الإداري الإسلامي: القصد والاعتدال:
إذ يقتضي السلوك السوي الذي يدعو إليه الإسلام القصد والاتزان في العمل والانضباط؛ والرشد في التصرف، فلا تهاون، أو تعنت، ولا تقطير، أو إسراف، ولا سلبية أو جمود، ولا انطلاق بلا ضوابط أو حدود.
وقد وضع لنا القرآن الكريم القاعدة السليمة في هذا الصدد، حين يصف سبحانه المؤمنين فيقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ
стр. 598
ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: ٦٧) كما يقول ﵎: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ الإسراء الآية: ٢٩) ولا شك أن هذه القاعدة الرشيدة تتنافى مع الإسراف الذي يؤدي إلى كثرة الفاقد، والضائع من المال، والجهد، والوقت، والمواد، وكذا المبالغة في استخدام الإجراءات والمكاتبات دون مقتض، وتجاوز الاعتمادات المالية، وعدم القصد في استخدام المقصود منها؛ ولذلك نهى القرآن الكريم أكثر من آية عن الإسراف، إذ يقول سبحانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: من الآية: ٢١)، كما ينهانا عن الاستجابة لأمر المسرفين، فيقول ﵎: ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ (الشعراء:١٥١، ١٥٢).
ومن توجيهات الهدي النبوي في ذلك: قول الرسول الكريم ﷺ : ((كل، واشرب، والبس، وتصدق في غير سرف، ولا مخيلة)) إن التزام القصد والاعتدال فكرًا وسلوكًا يؤدي إلى اتخاذ القرار الرشيد، والتصرف السديد في مختلف المواقف والظروف المتطورة، التي تواجه الفرد في سائر نشاطاته.
ومن الأمور أيضًا التي رعاها الإسلام في العلاقات الإنسانية بين الذين يعملون في عمل مشترك: الصدق والإخلاص:
ويعني الصدق: التزام الحقيقة وتحريها في القول والفعل، وهو ما يؤدي إلى صحة البيانات، ودقة ما يقدم من المعلومات والتقارير في شتى الشئون، ومن ثَمَّ تكون خطتنا ونشاطاتنا على أسس واقعية سليمة؛ ولذا أشاد القرآن الكريم بالصدق والصادقين، فيقول في شأن أنبيائه- صلوات الله وسلامه عليهم-: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ
стр. 599
مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ (مريم: ٥٠) كما يقول ﵎: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (مريم: ٥٤) ويأمر سبحانه المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: ١١٩) والكذب يتنافى مع الإيمان إذ يقول الحق ﵎: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (النحل: ١٠٥).
وأيضًا يتنافى النفاق مع الصدق، وقد بشّر الله الصادقين بثوابه، وأنذر المنافقين بعذابه، إذ يقول سبحانه: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب: ٢٤) وعدد الرسول الكريم خصال المنافق فقال: ((أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) كما روي عنه -صلوات الله وسلامه عليه- أنه قال للحسن بن علي ﵄: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الكذب ريبة، والصدق طُمأنينة)).
وينبغي ألا نخشى قول الحق إظهارًا للحقيقة، إذ يقول الرسول ﷺ : ((لا يمنعن رجلًا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه)).
كما يتنافى مع الصدق اختلاف الأقوال عن الأفعال؛ ولذا يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: ٢، ٣) وهو أمر له أهميته البالغة، خاصة في بيانات ومعلومات تقارير الإنجاز فيما يتصل بالعمل،
стр. 600
ويرتبط الإخلاص بالصدق، وهو ما يقتضي أن تتوخى الأعمال والأقوال غاياتها المشروعة، فلا يشوبها انحراف عنها، هذه الغايات التي مناطها في الإسلام الخير، إذ أمرنا بالتسابق في تحقيقه؛ ولذا يقول : ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (البقرة: من الآية: ١٤٨) وهو ما له خطورته في ممارسة السلطات والصلاحيات بدون انحرافات.
ويأمرنا القرآن الحكيم بالإخلاص في عبادة الله، فيقول سبحانه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (الزمر: ٢) ويقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (البينة: ٥).
هذه هي العلاقات الإنسانية بين أفراد الجماعة الذين يقومون بعمل معين.
نكتفي بهذا القدر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٣ - توجيهات الفكر الإسلامي (٣)، ومقدمة عن المنهج الإسلامي الإداري
وجود علاقة عامة بين أفراد المنظمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد تحدثنا في المحاضرات السابقة عن توجيهات الفكر الإداري الإسلامي، وبينا أن من ضمن هذه التوجيهات بيان أن العمل فريضة عامة، وأن للعمل خصائص معينة ينبغي الاهتمام بها، وكيفية تكوين المنظمة أي: الجماعة التي تقوم بعمل معين، ووجود الرقابة ومتابعة الإنجاز، والاهتمام بالعلاقات الإنسانية.
ونواصل في هذه المحاضرة الحديث عن بقية هذه التوجيهات، فنقول: إن من ضمن توجيهات الفكر الإداري الإسلامي، وجود علاقات عامة بين أفراد المنظمة أي: الجماعة التي تقوم بعمل معين، نقول -وبالله التوفيق-:
تعني العلاقات العامة بتنمية تفاهم أفضل بين الجماعة أي: المنظمة وأفرادها العاملين فيها، وبين المواطنين المتعاملين معها المستفيدين من خدماتها في إشباع حاجاتهم الاجتماعية، والاقتصادية، وتتمثل وسائل العلاقات العامة في تنمية هذا التفاهم في استطلاع الرأي العام بين المتعاملين مع الجماعة، والمنتفعين بخدماتها، وإعلامهم بما تقدمه لهم من هذه الخدمات، وتوعيتهم بكيفية حصولهم عليها، والإفادة منها على أفضل وجه مع حسن المعاملة.
وتقدم لنا في توجيهات الإسلام الأساس الأخلاقي السليم لتنمية هذه العلاقات، وتحقيق تفاهم مشترك أفضل بين أية جماعة والمتعاملين معها، فمبدأ الشورى
следующие страницы →