← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11313

السياسة الشرعية - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (825 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ويقتضي التزام العدل في المعاملات: الوفاء في الكيل والميزان، وهو ما يأمرنا به في قوله : ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (الإسراء: ٣٥) وينذر المطففين بالويل والثبور، إذ يقول : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (المطففين: ١ - ٣). وهكذا يدعونا الإسلام إلى التزام جانب العدل في سائر تصرفاتنا قولًا وفعلًا؛ وفي كل الأحوال أيًّا كانت الاعتبارات والظروف، وهو ما يضمن الحياد والموضوعية في أقوالنا وأفعالنا، ويجردها من النزوع إلى المحاباة أو الانتقام. ومما يتصل بالعلاقات الإنسانية في مجال العمل: التعاون والرحمة، فالعامل مطالب بتحقيق التعاون في سائر علاقاته بالمحيطين به، سواء في داخل الجماعة أو خارجها، من زملاء، ورؤساء، ومرءوسين، أو جمهور يتعامل معه، وذلك ابتغاء تحقيق الصالح، والخير المشترك للجماعة وأعضائها، وهو ما أمرنا به الإسلام، إذ يقول- : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: من الآية: ٢). ويقول نبينا ﷺ : ((من نفسّ عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفسّ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة؛ ومن يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة؛ ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)) كما يقول ﷺ : ((ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه، ثم جعل من حوائج الناس إليه فتبرم -يعني: لم يقض هذه الحاجات- فقد عرّض تلك النعمة للزوال))

стр. 597

ويسمو هذا التعاون في الإسلام محققًا التكافل الاجتماعي في أجلى صوره الإنسانية؛ والتي لم يرق إليها الفكر البشري بعد في أي من مذاهبه الاجتماعية؛ عندما يأمر من عنده فائض أو وفرة في أي شيء بالمبادرة إلى تلبية حاجة الآخرين منه؛ إذ يقول ﷺ : ((من كان عنده فضل ظهر -أي: دابة- فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له)). ويرتبط التعاون بالرحمة، بل ويستند إليها وهي أساس رسالة الإسلام، إذ يخاطب المولى رسولنا -عليه أفضل الصلاة والسلام- فيقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ (الأنبياء: من الآية: ١٠٧) ويصف الحق ﵎ نفسه بأنه الرحمن الرحيم، ويقول ﷻ : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء﴾ (الأعراف: من الآية: ١٥٦). ويقول الرسول الكريم ﷺ : ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)) كما يقول: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)) ويسبغ التعاون والرحمة سلوك الفرد بطابع إنساني يتسم بالرفق، سواء مع الإنسان أو مع الحيوان، فهما -أي: التعاون والرحمة- من أسمى القيم الإنسانية في الإسلام التي تحقق ترابطًا اجتماعيًّا فعالًا؛ وعلاقات عمل بناءة. ومما يتصل بالعلاقات الإنسانية في مجال العمل والتي وجهها الفكر الإداري الإسلامي: القصد والاعتدال: إذ يقتضي السلوك السوي الذي يدعو إليه الإسلام القصد والاتزان في العمل والانضباط؛ والرشد في التصرف، فلا تهاون، أو تعنت، ولا تقطير، أو إسراف، ولا سلبية أو جمود، ولا انطلاق بلا ضوابط أو حدود. وقد وضع لنا القرآن الكريم القاعدة السليمة في هذا الصدد، حين يصف سبحانه المؤمنين فيقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ

стр. 598

ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: ٦٧) كما يقول ﵎: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ الإسراء الآية: ٢٩) ولا شك أن هذه القاعدة الرشيدة تتنافى مع الإسراف الذي يؤدي إلى كثرة الفاقد، والضائع من المال، والجهد، والوقت، والمواد، وكذا المبالغة في استخدام الإجراءات والمكاتبات دون مقتض، وتجاوز الاعتمادات المالية، وعدم القصد في استخدام المقصود منها؛ ولذلك نهى القرآن الكريم أكثر من آية عن الإسراف، إذ يقول سبحانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: من الآية: ٢١)، كما ينهانا عن الاستجابة لأمر المسرفين، فيقول ﵎: ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ (الشعراء:١٥١، ١٥٢). ومن توجيهات الهدي النبوي في ذلك: قول الرسول الكريم ﷺ : ((كل، واشرب، والبس، وتصدق في غير سرف، ولا مخيلة)) إن التزام القصد والاعتدال فكرًا وسلوكًا يؤدي إلى اتخاذ القرار الرشيد، والتصرف السديد في مختلف المواقف والظروف المتطورة، التي تواجه الفرد في سائر نشاطاته. ومن الأمور أيضًا التي رعاها الإسلام في العلاقات الإنسانية بين الذين يعملون في عمل مشترك: الصدق والإخلاص: ويعني الصدق: التزام الحقيقة وتحريها في القول والفعل، وهو ما يؤدي إلى صحة البيانات، ودقة ما يقدم من المعلومات والتقارير في شتى الشئون، ومن ثَمَّ تكون خطتنا ونشاطاتنا على أسس واقعية سليمة؛ ولذا أشاد القرآن الكريم بالصدق والصادقين، فيقول في شأن أنبيائه- صلوات الله وسلامه عليهم-: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ

стр. 599

مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ (مريم: ٥٠) كما يقول ﵎: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (مريم: ٥٤) ويأمر سبحانه المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: ١١٩) والكذب يتنافى مع الإيمان إذ يقول الحق ﵎: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (النحل: ١٠٥). وأيضًا يتنافى النفاق مع الصدق، وقد بشّر الله الصادقين بثوابه، وأنذر المنافقين بعذابه، إذ يقول سبحانه: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب: ٢٤) وعدد الرسول الكريم خصال المنافق فقال: ((أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) كما روي عنه -صلوات الله وسلامه عليه- أنه قال للحسن بن علي ﵄: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الكذب ريبة، والصدق طُمأنينة)). وينبغي ألا نخشى قول الحق إظهارًا للحقيقة، إذ يقول الرسول ﷺ : ((لا يمنعن رجلًا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه)). كما يتنافى مع الصدق اختلاف الأقوال عن الأفعال؛ ولذا يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: ٢، ٣) وهو أمر له أهميته البالغة، خاصة في بيانات ومعلومات تقارير الإنجاز فيما يتصل بالعمل،

стр. 600

ويرتبط الإخلاص بالصدق، وهو ما يقتضي أن تتوخى الأعمال والأقوال غاياتها المشروعة، فلا يشوبها انحراف عنها، هذه الغايات التي مناطها في الإسلام الخير، إذ أمرنا بالتسابق في تحقيقه؛ ولذا يقول : ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (البقرة: من الآية: ١٤٨) وهو ما له خطورته في ممارسة السلطات والصلاحيات بدون انحرافات. ويأمرنا القرآن الحكيم بالإخلاص في عبادة الله، فيقول سبحانه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (الزمر: ٢) ويقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (البينة: ٥). هذه هي العلاقات الإنسانية بين أفراد الجماعة الذين يقومون بعمل معين. نكتفي بهذا القدر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٣ - توجيهات الفكر الإسلامي (٣)، ومقدمة عن المنهج الإسلامي الإداري وجود علاقة عامة بين أفراد المنظمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد تحدثنا في المحاضرات السابقة عن توجيهات الفكر الإداري الإسلامي، وبينا أن من ضمن هذه التوجيهات بيان أن العمل فريضة عامة، وأن للعمل خصائص معينة ينبغي الاهتمام بها، وكيفية تكوين المنظمة أي: الجماعة التي تقوم بعمل معين، ووجود الرقابة ومتابعة الإنجاز، والاهتمام بالعلاقات الإنسانية. ونواصل في هذه المحاضرة الحديث عن بقية هذه التوجيهات، فنقول: إن من ضمن توجيهات الفكر الإداري الإسلامي، وجود علاقات عامة بين أفراد المنظمة أي: الجماعة التي تقوم بعمل معين، نقول -وبالله التوفيق-: تعني العلاقات العامة بتنمية تفاهم أفضل بين الجماعة أي: المنظمة وأفرادها العاملين فيها، وبين المواطنين المتعاملين معها المستفيدين من خدماتها في إشباع حاجاتهم الاجتماعية، والاقتصادية، وتتمثل وسائل العلاقات العامة في تنمية هذا التفاهم في استطلاع الرأي العام بين المتعاملين مع الجماعة، والمنتفعين بخدماتها، وإعلامهم بما تقدمه لهم من هذه الخدمات، وتوعيتهم بكيفية حصولهم عليها، والإفادة منها على أفضل وجه مع حسن المعاملة. وتقدم لنا في توجيهات الإسلام الأساس الأخلاقي السليم لتنمية هذه العلاقات، وتحقيق تفاهم مشترك أفضل بين أية جماعة والمتعاملين معها، فمبدأ الشورى

стр. 601

الإسلامي وسنده قول الحكيم : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم﴾ (الشورى: من الآية: ٣٨) هذا المبدأ من شأنه تحقيق التفاهم المشترك لا بين أعضاء الجماعة فحسب، بل بين الجماعة وغيرها من جماعات وأفراد يتعاملون معها، ويفيدون من نشاطاتها وإنجازاتها. إن تطبيق مبدأ الشورى الإسلامي يقتضي استطلاع الرأي العام بين هؤلاء المتعاملين، للوقوف على احتياجاتهم الملحة، والفعلية ليتسنى إشباعها على خير وجه، وأفضله في ضوء اتجاهات الرأي العام بين عملائها، وجمهورها. وينبغي أن يتم استطلاع رأي جمهور المتعاملين مع الجماعة بشتى طرق الاستطلاع للرأي العام المعروفة، والمتاحة كالصحافة والاستقصاءات واشتراك المنتفعين بالمرفق في لجان استشارية. أما إعلان المواطنين بخدمات الجماعة أي: المنظمة، وتوعيتهم بأفضل طرق الحصول عليها، والإفادة منها فهذا ما يأمر به الإسلام في قول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: ٨٣) أي: النصيحة لهم، وليس معناه مجرد التلطف بالقول والمجاملة في الخطاب، فالحسن إنما هو النافع في الدين أو الدنيا، كما يقول سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (الإسراء: ٥٣) ويصور الحق ﵎ مدى الأثر النافع الذي تحققه الكلمة الطيبة فيقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ (إبراهيم: الآيات: ٢٤ - ٢٦).

стр. 602

ويقول نبينا ﷺ : ((الكلمة الطيبة صدقة، وأفضل الصدقة صدقة اللسان)) وليس أدعى إلى تحقيق تفاهم مشترك بين الجماعة والمتعاملين معها من حسن معاملة أعضائها لهم، وهو ما يحض عليه الإسلام حين دعا الرسول الكريم ﷺ إلى السماحة في معاملاتنا، والألفة في علاقاتنا بالآخرين، فيقول -صلوات الله وسلامه عليه-: ((رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا قضى وإذا اقتضى)) ويقول ﷺ : ((المؤمن ألف مألوف يألف ويؤلف، ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف)). إن قضاء حاجات الآخرين تفضل الاعتكاف للعبادة، إذ يقول الرسول الكريم ﷺ : ((لأن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء حاجته، أفضل من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرين)) ويبشر ﷺ من يبادون بقضاء حوائج الآخرين فيقول: ((إن لله عبادًا اختصهم بقضاء حوائج الناس، حببهم إلى الخير، وحبب الخير إليهم إنهم الآمنون من عذاب الله يوم القيامة)) وينذر ﷺ من يحتجب عن حاجة الناس بقوله: ((من ولاه الله من أمر المسلمين شيئًا، فاحتجب عن حاجتهم، احتجب الله عن حاجته يوم القيامة)). التوظيف حسب الجدارة ومن توجيهات الفكر الإداري الإسلامي أن يكون التوظيف حسب الجدارة، ونقول في هذا الشأن: تقضي توجيهات الإسلام منذ قرون عدة بالتزام مبدأ الجدارة في شغل الوظائف، وبذلك يكون الإسلام قد سبق بذلك دول الغرب المتقدمة التي اهتدت إلى هذا المبدأ في القرن الماضي، بعد أن عانت طويلًا من شرور نظام المحاباة ومفاسده، وآثاره في إضعاف كفاية الخدمة المدنية، ويتمثل التزام مبدأ الجدارة في التوظيف في الإسلام في وجوب تولية الأصلح للوظيفة، والحرص على تنمية كفاية شاغلها وهو ما نعرض له في ضوء توجيهات الإسلام الرشيدة.

стр. 603

أولًا: تولية الأصلح: يدعو الإسلام إلى إسناد الأعمال أي: الوظائف والحرف إلى ذوي الكفاية والنزاهة عملًا بقول الله ﵎: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِين﴾ (القصص: من الآية: ٢٦) والقوي هنا من تتوافر فيه القدرات البدنية والذهنية التي يتطلبها العمل بحسب طبيعته، ومتطلبات أدائه، على أن يراعى دائمًا تولية الأصلح، يقول الرسول الكريم ﷺ : ((من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولى رجلًا، وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله)) ويقول ﷺ : ((أيما رجل استعمل رجلًا على عشرة أنفس علم أن في العشرة أفضل ممن استعمل، فقد غش الله وغش رسوله، وغش جماعة المسلمين)). فالقواعد القانونية المقررة في النظام الإسلامي في مجال تولية الوظيفة العامة، تركز على اتخاذ الصلاحية أساسًا لهذه التولية بحيث لا يجوز تولية من لا صلاحية لهم، أو ترك الأصلح وتقديم الأقل صلاحية، بمعنى أنه إذا ما وقع الاختيار على أحد الأفراد المشهود لهم بالكفاية، غير أن كفايته هذه تقل عن كفاية الآخرين، فإن الاختيار في هذه الحالة يكون قد خالف أصلًا تشريعيًّا في الإسلام. وقد أخذ الرسول ﷺ بفكرة الاختبار قل الاختيار، وذلك في إسناد منصب القضاء إلى معاذ بن جبل، وهو ما يكشف عنه حديثه صلوات الله وسلامه عليه مع معاذ عند مقابلته، إذ سأله: ((بم تقضي يا معاذ؟ فأجاب: أقضي بكتاب الله، فسأله فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: أقضي بسنة رسول الله، فسأله فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ فأجاب أجتهد رأيي ولا آلو، فقال الرسول ﷺ حينئذ: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله)).

стр. 604

ومن ناحية أخرى رفض الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- إسناد الوظيفة لمجرد طلبها أو محاباة لصاحبي جليل، ما دامت لا تتوافر فيه الكفاية اللازمة لشغلها، فعن أبي موسى قال: ((دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله وقال الآخر مثل ذلك، فقال ﷺ إنا والله لا نولي هذا العمل أحدًا يسأله أو أحدًا حرص عليه)) ويقال إن أبا ذر الغفاري، قال للرسول ﵊: ((ألا تستعملني يا رسول الله -أي: تستعملني على عمل- فقال الرسول ﷺ : يا أبا ذر إنك ضعيف، وإني أحب لك ما أحبه لنفسي، وإنها أمانة، وإنها يوم القيام خزي وندامة إلا من أخذ بحقها، وأدى الذي عليه فيها)). ويقول النووي تعليقًا على هذا الحديث: هذا أصل عظيم في اجتناب الولاية، ولا سيما لمن كان فيه ضعف، وهو من دخل فيها بغير أهلية، ولم يعدل، فإنه يندم على ما فرط منه إذا جوزي بالخزي يوم القيامة، ويقول ﷺ : ((إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، فسئل وكيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة)) وهكذا حرص الإسلام على أن تكون تولية الوظائف على أساس الصلاحية، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب. وقد ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في حق العمل والأجر، إذ يقول : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (النساء: ١٢٤) كما يقول ﵎: ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (آل عمران: ١٩٥).

стр. 605

ومما يتصل بالتوظيف حسب الجدارة، تنمية الكفاية إذ تؤكد توجيهات الإسلام ضرورة التزود بالعلم اللازم لممارسة سائر نشاطاتنا على خير وجه، كما تحرص هذه التوجيهات على تحفيز الفرد لمواصلة نشاطاته بجد، واجتهاد، وذلك بشتى أساليب التحفيز المعروفة، وهو ما نعرض له في مجالي التدريب والحوافز. فبالنسبة للتدريب نقول: يعني التدريب: بتزويدنا بالقدرات الذهنية والبدنية اللازمة لمباشرة نشاطاتنا، والعلم هو الذي يزودنا بهذه القدرات وينميها؛ ولذا يحضنا الإسلام على التزود بالعلم، وطلب المزيد منه، فيقول مخاطبًا رسوله ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْما﴾ (طه: من الآية: ١١٤) وذلك باعتبار العلم هو المنطلق لاكتساب القدرات المختلفة، إنها دعوة إلى تنمية المعرفة الخاصة بسائر نشاطاتنا الدينية والدنيوية؛ ليتسنى أدائها بالكفاءة المطلوبة. وللعلم هنا مفهومه الرحب والواسع الذي يشمل سائر المعارف النظرية والعملية النافعة لنا في سائر نشاطاتنا، وعلى ذلك يشمل العلم هنا التدريب في سائر مجالات العمل أي: الوظائف والحرف، والذي يأخذ حكمه من تمهيد الإسلام له، ولأهله، وقد أمرنا القرآن الكريم بالتزود منه بوسائله الثلاث الرئيسية، وهي القراءة إذ يقول سبحانه لرسوله الأمين: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: ١) وكررها في نفس سورة العلق بقوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: ٣: ٥). كما يحث على طلب العلم عن طريق المشاهدة والملاحظة بالنظر، وهو ما يردده الكثير من آيات الذكر الحكيم، فمثلًا يقول ربنا : ﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (يونس: من الآية: ١٠١) ويطالبنا أيضًا باكتساب المعرفة النافعة

стр. 606

عن طريق السماع، فيقول جل علاه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (الزمر: من الآية: ١٨). ويطالبنا الرسول الكريم بالتزود من العلم بصفة مستمرة، ومهما بعدت الشقة في سبيل تحصيل فيقول: ((اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد)). وفيما يتعلق بالحوافز، فيطلق اصطلاح الحوافز على مجموعة الوسائل والخطط التي من شانها إثارة المزيد من اهتمام الفرد بعمله، كمًّا ونوعًا، وقد حرص الإسلام على توفيرها ومراعاتها بدقة، إذ يقول الله ﵎: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (الكهف: من الآية: ٣٠) وللأجر هنا مفهوم شامل لسائر المزايا التي يوفرها الله لعباده الصالحين سواء أكانت مادية أم معنوية، كما يبرز ﵎ الدقة البالغة في الأخذ بهذه الحوافز سواء أكانت إيجابية أي: ثواب، أو سلبية أي: عقاب؛ إذ يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ (الزلزلة: الآيتان: ٧، ٨). وهذا ما تقتضيه سياسة الحوافز السليمة في تطبيقها؛ لأن أي خلل في ميزان الحوافز زيادة أو نقصًا مهما كان طفيفًا من شأنه التأثير السلبي على معنويات العاملين، وعلى انتظام الجماعة وانضباط أمورها، وعلى مسيرة نشاطاتها في الاتجاه القويم نحو تحقيق أهدافها المشروعة بالكفاءة المنشودة، فالأجر كمقابل مادي للعمل يشمل سائر المزايا النقدية والعينية ذات القيمة المالية أي: الحوافز المالية، ويتميز تحديده في الإسلام بسياسة سليمة، مؤداها ارتباطه بالعمل، والإنتاج إذ يقول سبحانه: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (الأحقاف: ١٩).

стр. 607

فالإسلام يربط الحوافز أساسًا بالعمل، وهو ما يقتضي أن يكون ثمة تحليلًا لسائر أنواع العمل تتحدد في ضوئه أوصاف القائم به، وكذا معدلات أدائه، ومستوياته ودرجاته وهو ما يسعى الفكر الإداري العلمي في أحدث اتجاهاته إلى الأخذ به. ومن ناحية أخرى يراعي الإسلام أن تكون الحوافز المالية محققة كفاية حاجات العامل الإنسانية، وتؤمّن نفقاته العائلية، إذ أن الأجر ليس مقابل العمل فحسب، بل هو دخل فردي يعول عليه العامل أساسًا في معيشته؛ ولذا كان الرسول الكريم ﷺ يعطي الآهل حظين -يعني: الذي يعول يعطي له حظين- ويعطي العزب حظًا واحدًا يعني: غير المتزوج يعطيه حظًا واحدًا. ويقول ﵊: ((من ولي لنا عملًا، وليس له منزل فليتخذ منزلًا، أو ليس له زوجة فليتزوج، أو ليس له دابة فليتخذ دابة)) وهو ما يسعى الفكر الإداري الإنساني في أحدث اتجاهاته إلى بلوغه أيضًا. وهو ما يؤكد مرة أخرى الاتجاه السوي للفكر الإداري الإسلامي الذي توصي به توجيهات الإسلام هذا، ويطالب الإسلام بأن تكون هذه الحوافز محددة، ومعلومة مقدمًا مع وجوب الوفاء الفوري بها حتى يكون لها مفعولها كحافظ للعامل على مواصلة عمله بكفاية، ومن توجيهات الهدي النبوي في هذا الصدد قول الرسول الكريم ﷺ : ((من استأجر أجيرًا، فليسمِ له أجرته)) أي: فليحدد له الأجرة، وقوله ﷺ : ((يقول الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يعطه حقه)) وكذا قوله ﷺ : ((أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه)) وهذا النظام من مقومات الجماعة الإسلامية التي تقوم على الشورى، والتناصح بين أفرادها، إذ

стр. 608

يقول الرسول الكريم: ((الدين النصيحة؛ لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)). وهكذا ينمي الإسلام فكرة التناصح المتبادل بين أفراد الجماعة في شكل توجيهات صادرة إلى المرءوسين، ومقترحات صاعدة إلى الرؤساء على أساس إنساني قويم، ويدعو الإسلام إلى توفير الحوافز الاجتماعية والتي تتمثل في تقديم سائر الخدمات الاجتماعية إلى العاملين سواء بتوفير الراحة اللازمة للعامل، فلا إجهاد متوافر يضنيه ذهنيًا وبدنيًا؛ ولذا يقول رسولنا ﷺ : ((إن لنفسك عليك حقًا وإن لجسدك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا)) وكذا توفير الخدمات الترويحية للعاملين، إذ يقول الرسول الكريم: ((روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلت عميت)). وأيضًا التأمين الاجتماعي لأسرهم إذ يقول -صلوات الله وسلامه عليه- فيمن مات دون ثروة أي: دون أن يترك مالًا لأولاده يقول ﷺ في هذا الشأن: ((من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك ضياعًا -يعني: ورثة- أو كلًا -أي ذرية ضعافًا- فليأتني فأنا مولاه)) وبذلك يقرر واجب الدولة في توفير التأمينات الاجتماعية لمواطنيها؛ تحقيقًا لمبدأ التكافل الاجتماعي الإسلامي. كما حرص الإسلام على توفير فرص العمل للقادرين عليه؛ تأمينًا لهم ضد البطالة، فقد روى البخاري: ((أن رجلًا جاء النبي ﷺ يطلب إليه أن ينظر في أمره؛ لأنه عاطل عن العمل، وخالٍ من وسائل الكسب، وليس عنده ما يستعين به على القوت، فدعا رسول الله ﷺ بقدوم، ودعا بيد من خشب سواها بنفسه، ووضعها فيها -أي: وضع الخشبة في القدوم- ثم أعطاها للرجل، وأمره بالذهاب إلى مكان معين وكلفه بالعمل هناك؛ لكسب قوته، وطلب إليه أن يعود

стр. 609

بعد أيام ليخبره بحاله، فعاد الرجل يشكر لرسول الله ﷺ ما فعله معه، ويذكر له ما سار إليه من يسر الحال)). وجود قيادة سوية ومن توجيهات الفكر الإداري الإسلامي، وجود القيادة السوية، وفي هذا نقول: عني الإسلام سواء في توجيهاته الأساسية، أو في تراثه الفكري بإرساء مقومات القيادة السوية، وهو ما نشير إليه بإيجاز فيما يلي: أولًا: القيادة في التوجيه الإسلامي: ١ - ضرورة القيادة: يؤكد الإسلام حتمية القيادة كضرورة اجتماعية، إذ روي عن الرسول ﷺ قوله: ((لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض -أي: في صحراء مثلًا- إلا أمروا عليهم أحدهم)) كما روي قوله ﵊: ((إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمروا عليهم أحدهم)). ويقول الإمام الشوكاني تعليقًا على هذين الحديثين الشريفين: أن فيهما دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدًا، أن يؤمروا عليهم أحدهم؛ لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلف والضياع، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه، ويفعل ما يطابق هواه، فيهلكون جميعًا، ومع التأمير يقل الاختلاف، وتجتمع الكلمة، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض، أو يسافرون فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار، ويحتاجون لدفع التظالم، وفصل التخاصم أولى وأحرى. وفي ذلك دليل لقول من قال: إنه يجب على المسلمين نصب الأئمة والولاة والحكام، فالقيادة يفرضها الإسلام؛ حفاظًا منه على وجود الجماعة وتماسكها واستمرارها محققة لأهدافها في إشباع الحاجات الجماعية الفردية.

стр. 610

٢ - واجبات القيادة: تتسم القيادة وفق توجيهات الإسلام بأنها قيادة سوية لا هي متسلطة فظة، وفق الاتجاه المتطرف في الفكر الإداري العلمي، ولا هي قيادة متراخية غير مبالية، وفق الاتجاه المتطرف في الفكر الإداري الإنساني، بل نجدها بين ذلك قواما، ويتمثل هذا الاتجاه السوي في القيادة الإسلامية في قوله تعالى مخاطبًا رسوله الكريم، باعتباره قائد الأمة الإسلامية: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩). وفي ضوء هذا الاتجاه القويم للقيادة السوية، نعرض لواجبات القيادة الأساسية في الإسلام، والتي تعكس خصائصها باعتبارها تمثل مقدرة التأثير في الآخرين، فكرًا وسلوكًا. المشاورة فقد أمر الله رسوله الكريم في الآية السابقة بالمشاورة، وهو ما يقتضي مشاورة القائد أفراد مجموعته، فيما يتخذ من قرارات ويمضيه من تصرفات، وذلك باستطلاع آرائهم في مرحلة إعداد القرار للوقوف على وجهات نظرهم، فإذا ما انتهى إلى رأي مقنع أمضاه، وأصدر قراره على مقتضاه، فالقائد هنا لا ينفرد باتخاذ القرار على نحو ما تجري عليه القيادة المتسلطة، ولا يترك للجماعة أمر اتخاذ القرار بنفسها على نحو ما تأخذ به القيادة المتراخية، إنها قيادة وسط بين الفردية والجماعية، إن هذا الواجب يفرض على أفراد الجماعة بالمقابل واجب الأمانة والإخلاص في إبداء الرأي عند طلبه منهم.

стр. 611

وأيضًا يراعى القدوة الحسنة إذ يجب أن يكون القائد المثل الأعلى لجماعته فكرًا وسلوكًا، فهو قدوتهم الذي يحتذونه في تصرفاتهم؛ لذا ينبغي أن يكون قدوة حسنة في كل ما يصدر عنه من قول أو فعل، وقد كان الرسول الكريم خير قدوة للمسلمين إذ يقول سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ (الأحزاب: ٢١) وهو ما يقتضي التزام أفراد الجماعة باتباع قائدها، والاقتداء به في تصرفاته. وأيضًا الرعاية والمسئولية إذ يجب على القائد أن يكون من الجماعة أي: المنظمة التي يديرها، ويتولى رئاستها أن يكون في موقف الراعي لشئونها، الحريص على خيرها وتقدمها، فهذه مسئوليته في الإسلام، إنها قيادة مسئولة عن تحقيق صالح الجماعة، وأفرادها والحفاظ عليها عن طريق الرعاية لا التسلط، وما الإدارة في أساسها سوى رعاية شئون الآخرين. فالإسلام إذ يوجب على القائد التزام جانب الرعاية، ومسئولية تحقيقها إنما يقدم الجانب الإنساني في القيادة السوية في أسمى صورها، إنها قيادة واعية تشعر بمسئوليتها الاجتماعية، وهو المبدأ الذي قرره الرسول الكريم في الحديث المعروف: ((كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته)). إسداء النصح للجماعة: وأيضًا ينبغي على القائد إسداء النصح لجماعته وأفرادها، وذلك بإصدار ما يلزم من تعليمات مفيدة، وإرشادهم إلى ما فيه خير الجماعة، وأفرادها وتوجيهها إلى

стр. 612

ما يحقق أهدافها، وتزويد أفرادها بما يلزمهم من تدريب ليتسنى لهم القيام بواجباتهم على أحسن وجه، والقيام بدورهم الفعال في بلوغ أهداف الجماعة، ومن ثم تحقيق خيرها؛ ولذا يقول الرسول ﷺ : ((ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحته، إلا لم يجد رائحة الجنة)) وعلى القائد أن يتوخى الإخلاص في إسداء النصيحة للجماعة، فضلًا عن الإخلاص في رعايتها، إذ يقول الرسول الأمين: ((ما من والٍ يلي رعية من المسلمين فيموت، وهو غاش لها، إلا حرّم الله عليه الجنة)). الإقناع بالحسنى: وأيضًا لما كانت القيادة وفق أحدث مفاهيمها تعني التأثير في تصرفات الآخرين، كان على القائد إقناع جماعته بالتزام ما يراه من تصرفات محققة لأهدافها، وأن يلزم جانب الحكمة فيما يدعوهم إليه، وأن يحسن جدالهم ومناقشاتهم، وهو الاتجاه السوي في إقناع الآخرين، ومن ثم التأثير فيهم فكرًا وسلوكًا، وهذه إحدى المهارات القيادة الهامة التي يدعو إليها العلماء المعاصرون، ولنا في التوجيه القرآني خير مرشد في هذا الصدد، إذ يقول المولى مخاطبًا رسوله الكريم: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية: ١٢٥).

стр. 613

الدرس: ١٤ المنهج الإداري في الإسلام .

стр. 614

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع عشر (المنهج الإداري في الإسلام) ١ - توجيهات الفكر الإسلامي (٣)، و مقدمة عن المنهج الإسلامي الإداري مقدمة عن المنهج الإسلامي الإداري وبعد ما تكلمنا عن التوجيه الإداري الإسلامي، نتكلم الآن عن المنهج الإسلامي الإداري الذي رسمه الإسلام للعاملين، وهذا المنهج الإسلامي يكون في التخطيط كما يكون في التنظيم، كما يكون في الرقابة؛ ولذلك سوف نتكلم أولًا: عن المنهج الإسلامي في التخطيط، فنقول التخطيط كوظيفة إدارية أصبح ذا أهمية كبرى عند كل مناهج الفكر الإداري، إذ أن تغير الظروف المحيطة بالتنظيمات، وظروف عدم التأكيد المحيطة بالمستقبل جعلت الاهتمام بالتخطيط ضرورة حيوية؛ لتحقيق الأهداف، وعلى هذا يمكن القول إنه في المجتمعات الديناميكية يصبح التخطيط هو الطريق الرئيسي الذي يستطيع به التنظيم أن يتكيف مع المجتمع، والظروف المحيطة به؛ لأنه يرفع درجة الرشد في القرارات الحالية التي تعتمد على التوقعات المستقبلية. والتخطيط هو نشاط أساسي لأي نظام يرغب في زيادة احتمالات نجاحه في تحقيق أهدافه، ويوجد نوعان أساسيان من الخطط: الخطط الإستراتيجية: والتي تركزت على الأهداف العامة، ووسائل تحقيقها، والخطط التكتيكية التي تستخدم للوصول إلى الأهداف الفرعية التي تخدم الأهداف العامة، ولا يتسع المجال للحديث عن نظريات التخطيط، ومفهومها، ومن ثم نكتفي بالإشارة إلى أن أدق وأوجز التعريفات لمفهوم التخطيط كما استخلصه علماء الإدارة من الدراسة المستفيضة لأفكار هذه النظريات، يتلخص فيما يلي:

стр. 615

البحث عن أفضل البدائل الممكنة لتحقيق هدف معين في مدة معينة، وفي ضوء الإمكانيات المتاحة تحت الظروف والملابسات القائمة، وبناء على هذا التعريف تتحدد مجالات التخطيط في الآتي: ١ - تحديد الأهداف المطلوب الوصول إليها. ٢ - تحديد أبسط الوسائل لتحقيق هذه الأهداف، وهو ما يطلق عليه وضع الإستراتيجيات. ٣ - تدبير الإمكانيات البشرية والمادية المتاحة، والتنسيق بينهما. ٤ - مراعاة عامل الزمن عند تحديد الأهداف، أو عند تدبير الإمكانيات. ٥ - مواجهة المشكلات التي قد تعترض عملية التنفيذ. ويرتبط التخطيط بالفلسفة التي يؤمن بها المجتمع، فالفلسفة الاجتماعية للدولة هي التي تحدد المجالات، والأهداف التي يتم فيها النشاط، والتي يعمل التخطيط في نطاقها، وقد كانت الفلسفة الاجتماعية في الدولة الإسلامية على اختلاف مراحلها، تتمثل في التوحيد، والقضاء على الجاهلية، ونقل الناس من ظلمات الجهالة إلى نور الإسلام والإيمان؛ ولذا كان الهدف من التخطيط بصفة عامة هو الحفاظ على الدعوة الإسلامية، وتحقيق أهدافها المحددة بالقرآن والسنة. ومن المثير للدهشة أن التخطيط الإسلامي، قد استوعب كل مقومات التخطيط العلمي السليم، ربما من الناحية النظرية كان هناك بعد عن التسميات المتعارف عليها الآن، مثل تحديد المشكلة أو الهدف، وجمع الحقائق والمعلومات، ووضع الحلول البديلة.

стр. 616

أما في الواقع فكان يشتمل على كل هذه العناصر، ويدخل في كافة أوجه النشاط، فالله هو الذي يحدد الأهداف الرئيسية ويبلغها لرسوله الكريم ﷺ ليقوم بتنفيذها، فكان ﵊ يضع البرامج والسياسات، ويعهد إلى أصحابه بدراستها، ثم يشاورهم فيها، ويستمع إليهم في كل ما يبدون من ملاحظات. وتجلى هذا عبر مراحل التاريخ الإسلامي، بدءًا من نزول الوحي على الرسول ﷺ وحتى التخطيط الواعي الدقيق لتنظيم الدولة الإسلامية، والتاريخ الإسلامي أعطى للبشرية أمثلة عملية على عظمة التخطيط الإسلامي في كافة صور التخطيط إداريًا أم حربيًا أم اقتصاديًا أم اجتماعيًا. وسنكتفي في هذا البحث بالحديث عن التخطيط الإداري، أما المجالات الأخرى فلا يتسع المجال للحديث عنها. التخطيط الإداري يستهدف التخطيط تحقيق نتائج محددة، وكل الخطط إنما ترمي أساسًا إلى الوصول إلى الأهداف المرجوة، وبمعنى آخر فإن التخطيط هو الوسيلة التي يلجأ أو تلجأ إليها الإدارة للانتقال من الموقف السائد إلى الموقف المستهدف، ويتوقف نجاح الخطة على حسن اختيار الأهداف والقدرة على توصيفها التوصيف الدقيق، ويعد التخطيط للأهداف من أهم أنواع الخطط الإدارية، وسنرى تطبيقًا إسلاميًّا للتخطيط الإداري من خلال نماذج ثلاثة: الأول: التخطيط لنشر الدعوة الإسلامية. النموذج الثاني: التخطيط للهجرة. النموذج الثالث: تخطيط الحياة المدنية بعد الهجرة. نكتفي بهذا القدر من هذه المحاضرة، أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٢ - المنهج الإسلامي في التخطيط التخطيط لنشر الدعوة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد. فقد انتهينا في المحاضرة السابقة عن الحديث عن توجيهات الفكر الإداري الإسلامي، وبدأنا الحديث عن المنهج الإسلامي الإداري، وبينا أن هذا المنهج قد يكون في التخطيط، وقد يكون في التنظيم، وقد يكون في الرقابة. ونتكلم الآن عن التخطيط لنشر الدعوة الإسلامية، فنقول: إن القرآن الكريم قد حدد أهداف الدعوة في التوحيد، ونقل الناس من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، وكان تحديد الهدف هو أول عناصر الخطة الإسلامية

стр. 617

التي آزرت العناية الإلهية الرسول ﷺ في استكمال مقوماتها، ووضع خطوطها، فاستخدم كل الإمكانيات المتاحة، وراعى كل الاحتمالات المستقبلية، فجاءت خطته محكمة الأغراض، واضحة المعالم على النحو التالي: من أولى هذه المعالم للتخطيط لنشر الدعوة: أن يبدأ الدعوة ﷺ سرًّا بين أهله وعشيرته، فقد ظلت هذه المرحلة قرابة ثلاث سنوات كانت الإمكانيات المتاحة لا تسمح بغير سرية الدعوة، حيث كان الرسول الكريم ﷺ وحده لا تؤازره غير العناية الإلهية، وسط مجتمع يموج بالظلم والظلمات، ويرزح تحت وطأة العبودية للأصنام شعاره البقاء للأقوى، وحركته تقوم على المصلحة الشخصية، ولو على حساب صالح المجتمع، وكانت محاولة الرسول ﵊ مواجهة هذا المجتمع وحده جهرًا منذ أيام الدعوة الأولى، كان ذلك شيئًا يخرج عن حدود المنطق والعقل، ومن ثم شاءت الحكمة الإلهية أن تظل الدعوة خلال هذه الفترة سرًّا حتى يجد الرسول ﵊ من أهله وعشيرته من يقف بجانبه، ويمد له يد العون، وكانت المعرفة بطبيعة هذا المجتمع، واختيار الوقت المناسب لمواجهته من أهم عوامل نجاح الدعوة الإسلامية، كما أن هذه السنوات الثلاث كانت كفيلة بأن يمتلئ الرسول ﷺ بحب الدعوة، ويتشبع بعظمة الرسالة التي كلّف بها حتى إنه قال لعمه أبي طالب قولته المشهورة: ((والله يا عمي لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه)). ونتحدث الآن عن ثاني هذه المعالم للتخطيط لنشر الدعوة، وهو الجهر بالدعوة، فنقول: بعد ثلاث سنوات من التمهيد، والإعداد للدعوة الإسلامية جاء الإذن من الله لرسوله بالجهر بالدعوة في قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ

стр. 618

الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر: الآية ٩٤) وتوالت الآيات تقوي العزم، وتهدي الخطى، يقول تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (الشعراء: ٢١٤: ٢١٦). وقد نجح الرسول ﷺ في الاستفادة من كل الإمكانيات المتاحة خلال هذه المرحلة، أموال زوجته خديجة، وحماية عمه أبو طالب، وجهود أصحابه الذين آمنوا به أمثال أبي بكر وعلي وبلال، وغيرهم، كما أنه حاول الاستفادة من وفود القبائل العربية؛ لزيارة بيت الله الحرام، فبدأ يجهر بدعوته بينهم، وكان العرب بطبيعتهم أقرب لهذه الدعوة من أهل مكة الذين سيطرت عليهم مباهج الحياة وزخارفها، فاستجاب منهم الكثير، وصاروا أنصارًا للإسلام، كما أنه ﵊، واجه الصعوبات التي كان يدرك تمامًا أنها ستعترض دعوته وخطته، مواجهة القائد الشجاع أي: أنه واجه هذه المشكلات مواجهة القائد الشجاع، وصاحب الرسالة المؤمن برسالته، وكانت آيات القرآن، تتنزل بين الحين والحين؛ لتشد أزره، وتقوي عزمه، يقول تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (النحل: الآيتان: ١٢٨،١٢٧). وثالث المعالم للتخطيط لنشر الدعوة الإسلامية: الدعوة بالإقناع والموعظة الحسنة، فلو أن رجلًا غير محمد ﷺ ينتمي إلى قبيلة من أعرق قبائل مكة، ويدرك أنه مبعوث من قبل القوي القاهر لتبليغ رسالته إلى خلقه، كلف بهذه الدعوة ما رضي أن يتحمل كل ما تحمله الرسول ﷺ في سبيلها، ما رضي أن تلقى الأشواك في طريقه، ويلقى القذى على رأسه أثناء الصلاة، ويرى أصحابه يعذبون، فلا يملك إلا أن يقول لهم: ((صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة))

стр. 619

ومن بين ثنايا التاريخ نسمع صوت نبي الله نوح وهو ينادي ربه: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ (نوح: الآيتان: ٢٧،٢٦). ونقارن هذا الصوت الغاضب بصوت الرسول ﷺ بعد أن عاد من الطائف، وجلس في ظل بستان، وقد سالت الدموع من عينيه، والدماء من قدميه، نتيجة لما لقيه من أهل الطائف الذين خرج يدعوهم للإسلام، فلم يستجيبوا له، وسلطوا عليه أبناءهم وسفهاءهم يرمونه بالحجارة، وفي وسط هذا الإحساس بالقسوة والمرارة، يأتيه جبريل فيقول له: يا محمد إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: لو شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فيرد الرسول ﷺ بقوله: ((اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون)) نسمع صوت الرسول في هذا الموقف في هذا الموقف، وبذلك يتأكد لنا أن اختياره ﵊ لرسالة عامة للناس جميعا، وللبشر كافة لم يكن اختيارًا عشوائيًّا، وأن ذلك المدد الإلهي الذي كان يأتيه من السماء، قد علمه كيف يعايش المجتمع الذي أرسل إليه، وكيف يؤدي كل دورًا من أدواره في الوقت المناسب، كانت طبيعة الرسالة الإسلامية في مراحلها الأولى، تتطلب اللين والحكمة وسعة الصدر حتى لا ينفض الناس عنها؛ ولذلك يقول تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: من الآية ١٥٩). ومن ثم كانت هذه المرحلة، تحتم الدعوة بالإقناع والموعظة الحسنة والوقوف عند هذا الحد: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية: ١٢٥)

стр. 620

واستجاب الرسول الكريم لهذه الدعوى، وظل ثلاثة عشرة سنة يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ويتحمل في سبيل ذلك ما لم يكن يستطيعه بشر آخر، ولا نقول ذلك مبالغة، فهاهم أصحاب الرسول ﷺ بعد أن اشتد بهم الأذى يطلبون منه أن يدعو الله على كفار قريش، كما دعا نوح على قومه لكنه بطبيعته المهيَّأة للرسالة، يرفض ذلك رفضًا شديدًا. روى البخاري عن قيس قال: سمعت خبابًا يقول: ((أتيت النبي ﷺ وهو متوسد ببردة، وهو في ظل الكعبة، ولقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله فقعد وهو محمر الوجه، وقال: قد كان من قبلكم يمشط بأمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحما أو عصبا، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، ما يخاف إلا الله ، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)). وبهذا الإيمان بعظمة الرسالة، وأن الله ناصرها في النهاية ظل الرسول هذه السنوات الطوال يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، وينهى عن العنف والقتال، حتى جاء الإذن من الله برد العدوان، بعد أن دخل الإسلام مرحلة جديدة. وهذا ما يدعونا إلى أن نتحدث عن رابع المعالم لتخطيط نشر الدعوة، وهو رد الاعتداء دون البدء به، قلنا: إن الخطة الناجحة هي التي تضع في اعتبارها عامل الزمن، وتلائم بين متطلباتها، وطبيعة المرحلة التي تعايشها، ولقد طبق الرسول ﵊ هذا المبدأ بحكمة ودراية خلال مراحل الدعوة، فقد أمضى ﵊ ثلاث عشرة سنة يدعو إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة؛ إذعانا لأمر ربه وتنفيذًا لقول الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ (الأحقاف: من الآية: ٣٥)

стр. 621

وكان أصحابه كلما شكوا إليه ما يصيبهم من الأذى، ويطلبون منه الإذن لهم بالقتال، يقول: لهم صبرا فإني لا أمر بقتال، وأخيرا حانت اللحظة المناسبة، فقد استقر الإسلام في المدينة، وأصبح قوة قادرة على رد العدوان، كما أن يهود المدينة تعاونوا مع قريش، وأخذوا في الكيد للرسول، ودعوته فكان لا بد من ردعهم، وجاء الإذن من السماء واضح محددًا في قول الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: الآيتان ٤٠،٣٩). إلا أن هذا الإذن لم يكن أمرًا بالعدوان، وإنما كان إذنا برد العدوان، ولقد جاءت الآيات بعد ذلك توضح المعنى، وتحدد الهدف ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: ١٩٠). وبالنسبة للفتوح الإسلامية، نجد أن الإسلام وهو دين عام شامل جاء لهداية الناس جميعا في مشارق الأرض ومغاربها، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: من الآية ٢٨) وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: من الآية ١٥٨) ومن ثم كان على صاحب الرسالة ﵊ أن يبلغها إلى كافة شعوب الأرض، فمن دخل فيها راضيا مرضيا فقد هدي إلى سبيل الرشاد، ومن لم يرد الله له بالهداية، فلا إكراه في الدين على ألا يعطل سيرها، ولا يعتدي على أهلها

стр. 622

فمن التزم بهذا المبدأ، فالإسلام يوصي بحسن معاملته، ومن خرج على هذا المنهج فالإسلام يأمرنا بالتصدي له، وقتاله وهذه فلسفة الحرب في الإسلام، حروب فاضلة لا عدوان فيها، ولا انتهاك للحرمات، ولا الاعتداء على الكرامة الإنسانية مجرد تأديب لمن يقف في طريق الدعوة حتى يعود إلى رشده، ويتنحى عن موقفه، وهذا ما شهد به الأجانب قبل الأقارب، والأعداء قبل الأصدقاء. التخطيط للهجرة وبعدما انتهينا من النموذج الأول للتخطيط الإداري في الإسلام، وهو التخطيط لنشر الدعوة الإسلامية. ننتقل الآن إلى النموذج الثاني، وهو التخطيط للهجرة، فنقول: الباحث العلمي المدقق، والمحايد لا يحتاج إلى كثير من الوقت للاقتناع بحقيقة أن كل مبادئ لتخطيط العلمي، قد تجلت بوضوح قاطع في مراحل الهجرة، وكأن الإسلام قد أراد أن يقدم من خلالها نموذج يحتذى من قبل المسلمين للتخطيط العلمي السليم. لقد تمت الهجرة في ظروف قاسية، وحصار من قبل المشركين، وتحدٍ مجنونٍ من أجل منع وقوع هذا الحدث التي كانت تدرك قريش ماله من آثار خطيرة على مستقبلها وكيانها كله، فبذلت قصارى جهدها للحيلولة دونه، ووضع الرسول ﷺ تؤيده العناية الربانية، وضع خطته لمواجهة كل الظروف، والاحتمالات بشكل يجعل العقل يقف عاجزًا أمام عظمة هذه العبقرية النبوية. لقد كان الهدف الأساسي من الهجرة هو البحث عن أرض صالحة لقيام مجتمع إسلامي بعد أن تيقن الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن مكة ليست هي الأرض المهيأة لاحتضان الرسالة الإسلامية، ولتحقيق هذا الهدف بدأ الرسول ﵊ في تجميع الحقائق، وتوصيف المجال الذي يتم العمل فيه، ووفقا للمفاهيم الإدارية الحديثة كانت الخطوة التالية هي المقارنة بين البدائل المتاحة لاختيار أفضلها، وكان أمام الرسول ﷺ آنذاك بدائل ثلاثة:

стр. 623

البديل الأول: الهجرة للطائف. البديل الثاني: الهجرة للحبشة. البديل الثالث: الهجرة للمدينة. ونتحدث الآن عن البديل الأول، وهو الهجرة للطائف: ربما جاءت مدينة الطائف إلى فكر الرسول ﵊ كأول البدائل المتاحة لعدة عوامل إيجابية، نذكر منها: ١ - موقع الطائف الفريد حيث تقوم على مكان مرتفع بين مدن الحجاز، مما يوفر لسكانها المناخ الملائم إلى جانب الوفرة في الإنتاج الزراعي. ٢ - كانت الطائف مصيفًا لأهل مكة، ومكان تستثمر فيه أرباحها من التجارة. ٣ - كانت قبيلة ثقيف الطائفية عدو لدود لقبيلة قريش، تنافسها في المجالات الدينية والتجارية، وكان من المتوقع أن تسعى ثقيف للإسلام؛ لتتفوق به على عدوتها القديمة، وكان من المنطقي أن ترحب بهؤلاء المهاجرين الذين طردتهم قريش من ديارهم؛ ليكون شوكة في ظهر قريش في المستقبل، كانت هذه العوامل الإيجابية تمثل قوى دفع للرسول، وصحبه للهجرة إلى الطائف. إلا أن هناك عوامل أخرى سلبية، كان يدركها ﵊ وكان يرى أنها تقف عائقا في سبيل قبول أهل الطائف لدعوة الإسلام، ومن هذه العوائق: كان الرسول ﵊ يدرك أن لقبيلة ثقيف زعامة دينية في الطائف تعادل تلك التي كانت لقريش في مكة، وأن لها وثنا يسمى اللات، وأنهم أقاموا حوله حرما يشبه الكعبة، ودعوا الناس إلى الحج إليه، بل إنهم شجعوا أبرهة على هدم الكعبة، حتى يكون لهم وحدهم حج الناس من كل فجاج الأرض،

стр. 624

كان الرسول يدرك أن الإسلام سيضع حدًّا لهذه الوثنية العمياء، التي كانت مصدر دخل ثابت لثقيف، وأن هذه القبيلة لن تقبل ذلك بسهولة. وكان ﵊ يعلم أن لثقيف زعامة سياسية في الطائف لا تقل عن زعامة قريش في مكة، وأن قيام دولة إسلامية في الطائف سيقضي على هذه الزعامة، وهذا سيجعلها تقاوم دعوة الإسلام بعنف، وكان الرسول ﷺ يتخوف أن تنظر إليه ثقيف على أنه واحد من قبيلة قريش عدوها اللدود، ولا تنظر إليه على أنه صاحب رسالة سماوية. كل هذه العوامل بإيجابياتها وسلبياتها كانت في ذهن الرسول ﵊ وهو يفكر في الطائف كأحد البدائل المتاحة لتحقيق هدف الإسلام في بيئة صالحة لقيام مجتمعه، لكن الرحلة الاستطلاعية التي قام بها مع مولاه زيد بن حارثة، والتي لا يتسع المجال للحديث عنها هنا أكدت له أن الموقف غير مناسب للهجرة إلى الطائف، كما أنها ليست الأرض التي تصلح لقيام المجتمع الإسلامي إذ ذاك. ثم ننتقل الآن للحديث عن البديل الثاني، وهو الهجرة إلى الحبشة: بناء على المعلومات التي توفرت للرسول ﷺ وعلى قدرته الفذة على دراسة الموقف المحيط به، تأكد له أن الحبشة هي أنسب الأماكن المتاحة للهجرة المؤقتة للمسلمين، وذلك لعدة أسباب نذكر منها: ١ - كانت الحبشة بحكم موقعها بعيدة عن أيدي المشركين، كما أن قريش كانت لها مع الحبشة تجارة تعود عليها بالربح الوفير، مما يجعل هناك مصالح مشتركة بينهما تمنعها من الدخول في حروب أو صراعات كما أن هذه المصالح مشتركة بينهما قد تفيد الإسلام فيما بعد.

стр. 625

٢ - كان على رأس الحبشة النجاشي، وهو ملك اشتهر بعدالته، كما اشتهر بقوة شخصيته وحصافة عقله، مما يجعل له وزنا عالميًّا، ومن ثم فإن استقطابه إلى قضية الإسلام مكسب ذو قيمة؛ لأنه صاحب نحلة سماوية، وكتاب مقدس، هذا إلى جانب أن المسيحي على عهده لم تكن صافية الجوهر، وإنما دخلها التحريف والتغيير كما دخلتها الوثنية، مما يجعل رجلًا كالنجاشي بما اشتهر به من عقل يقتنع بالإسلام حين يعرض عليه كدين سماوي نظيف لم يدخله التحريف. ٣ - من ناحية أخرى، فإن استقراء الأحداث ينبئ عن أنه لا خوف على المسلمين من المسيحية التي كانت سائدة في الحبشة آنذاك؛ لأنها كانت مليئة بالأطماع والوثنيات، ومن أين يجيء الخوف على رجال رباهم الرسول على التوحيد، وغرس حقائق الإيمان في نفوسهم، فتركوا من أجله ديارهم وأموالهم، إن أمثال هؤلاء ما كانوا ليستبدلوا الإسلام بمسيحية أو غيرها، مهما كان حجم الإغراءات. وبناء على هذا التقدير الدقيق للموقف، أذن الرسول لأصحابه بهجرة مؤقتة إلى الحبشة، وصدر القرار النبوي بقوله ﵊ لأصحابه: ((لو خرجتم إلى الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدقا، حتى يجعل الله لكم مخرجا)) وكان هذا الإذن يحمل في كلماته كل مواصفات القرار الجيد، فهو أولا: أوضح لهم أن هذه هجرة مؤقتة بقوله: ((حتى يجعل الله لكم مخرجا)) ومن ثم فهي ليست هجرة دائمة. وثانيًا: تضمن القرار المعلومات التي تجعل من ينفذوه على اقتناع به، جاء في كلامه، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق،

стр. 626

وقد اشتملت خطة الهجرة ضمان لنجاحها على ركنين وضعهما الرسول بحكمة القائد المحنك: الركن الأول: أن يتم الرحيل تسللًا في الخفاء، حتى لا تنتبه قريش للخطة، فتحبطها، وهو ما يطلق عليه عامل المفاجأة. الركن الثاني: أن تكون الهجرة في شكل أفواج قليلة، وليست على نطاق واسع، حتى لا تلفت نظر المشركين، وضمانًا لتحقيق جانبي الخطة، وضمانًا لتحقيق جانبي الخطة، وضمانا لتحقيق جانبي الخطة خرج المسلمون في شكل أسر صوب البحر، حتى استقلوا سفينتين تجاريتين، أبحرت بهم إلى الحبشة، وقد نجحت الخطة بتأييد الله نجاحا باهرا، ولقي أصحاب الرسول في الحبشة معاملة طيبة، وحماية وأمنا وأصبح للإسلام أنصار في هذا البلد الطيب، وانضم النجاشي بكل نفوذه إلى الإسلام ناصرا، وهذا النجاح المذهل الذي تحقق جعل بعض الباحثين، والكتاب يتساءل لماذا لم يستغل الرسول هذا النجاح، وينتقل بأهله وأصحابه إلى الحبشة؛ لتكون هي الأرض التي يقام عليها المجتمع الإسلامي؟ ولماذا أصر ﵊ على جعل هجرة المسلمين إليها هجرة مؤقتة؟ وللإجابة على هذا التساؤل نقول: إن تحليل الرسول ﷺ للمعلومات المتاحة لديه، ودراسته المتأنية للموقف أكدت لديه صعوبة أن تكون الحبشة هي الهدف لدولة الإسلام، وذلك لعدة عوامل: أول هذه العوامل: أن الحبشة منطقة معزولة لا تصلح متنفسًا للدعوة الجديدة، إذ أن الإسلام كدعوة عالمية يحتاج إلى منطقة مفتوحة على العالم، والحبشة على مر تاريخها لم تكن منطقة انطلاق.

стр. 627

ثاني العوامل: أن الحبشة لم تكن لتسمح لهذا الدين الجديد أن ينمو إلى جوار المسيحية، ولم يكن الرومان وهم المهيمنون على المسيحية في العالم آنذاك، يسمحون للحبشة بذلك حتى لو أسلم ملكها. وثالث العوامل: أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب، ولسانه، ومن ثم فإن فهمه وتعلمه وحفظه في هذه البيئة الحبشية يعد أمرًا صعبًا، وعقبة في طريق الدعوى لكل هذه الأسباب، وهذه العوامل صرف الرسول ﵊ النظر عن الحبشة كأرض للهجرة الدائمة، وفكر في بديل آخر، ويمكن القول: إن الرسول ﷺ قد حقق بهذه الهجرة أقصى استفادة ممكنة، واتخذ قراره بالهجرة المؤقتة في ضوء أحسن معرفة ممكنة عن مستقبلية هذا القرار، وهذا ما يقوم عليه التخطيط العلمي السليم. ثم نتحدث عن البديل الثالث، وهو الهجرة إلى المدينة، فنقول: من المبادئ الإدارية المعروفة أنه كلما زادت المعرفة، كلما زادت الفرصة للتصرف السليم، وكلما ساعد ذلك على نجاح القرار. فالفرد العارف لأبعاد، ونتائج المهمة المكلف بها يكون أكثر قدرة على التصرف السليم، والقرار السليم يتوقف على مدى المعلومات التي تتوفر أمام متخذ القرار، وعلى قدرة صاحبه على تحليل هذه المعلومات للخروج منها باستنتاجات سليمة. وقد كان الرسول ﵊ يعرف عن مجتمع المدينة الشيء الكثير، وكان يضع في اعتباره كثيرًا من العوامل الإيجابية التي تساعد على تحقيق هدف الدعوة الإسلامية، ونذكر من هذه العوامل:

стр. 628

١ - كانت ظروف المدينة السياسية، وإلا اجتماعية تسمح تماما بقيام دولة إسلامية على أرضها، ولو عدنا قليلا إلى الوراء نتعرف على تاريخ المدينة، سنجد أن سكانها الأصليين من العرب هم العمالقة نسبة إلى عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، ثم قدمت إلى يثرب قبائل يهودية مهاجرة من فلسطين، وكدأب اليهود يسعون دائما إلى السيطرة على الموارد الاقتصادية، وعلى شئون المال في البلاد التي يسكنونها. وبعد انهيار سد مأرب قدمت إلى يثرب قبيلتان يمنيتان هم قبيلتي الأوس والخزرج، وسمح اليهود لهاتين القبيلتين بالإقامة في يثرب؛ ليتخذوا منهم الأيدي العاملة في زراعاتهم، وكأنهم رقيق يعملون في ظل نظام إقطاعي، إلا أن هاتين القبيلتين نجحتا في التخلص من هذه السيطرة، وبدأتا في ممارسة نشاط اقتصادي مستقل، فحدث صراع بين عرب اليمن واليهود انتهى بانتصار قبيلتي الأوس والخزرج، ولما رأى اليهود ذلك مارسوا لعبتهم المحببة وهي إشعال نار العصبية بين القبائل العربية، فحدثت سلسلة من الحروب بين الأوس والخزرج، كادت تفني القبيلتين معا. وهنا صار مجتمع المدينة مجتمع عداوات وصراعات تأخذ أشكال متعددة، اليهود يكرهون العرب، ويحاولون أن تكون السلطة في يثرب ويعيبون عليهم عبادة الأوثان، والقبائل العربية إلى جانب كراهيتها لليهود تكره بعضها البعض، وتتصارع من أجل أن تكون لكل منها السيادة على المدينة، ومع الحروب الطاحنة أصبح مجتمع يثرب في حاجة إلى نعمة الهدوء، والاستقرار، وتطلع الناس إلى أية دعوة تحقق لهم هذا الهدف.

стр. 629

وكان من آثار هذه الصراعات ما يلي: راح اليهود يروجون في المدينة أن نبيًّا سيبعث في هذا الزمان، وأنهم أي: اليهود سيتبعونه، ويقتلون به العرب قتل عاد وإرم، فلما علم العرب بأنباء البعثة المحمدية، عرفوا أن هذا هو النبي الذي توعدهم به اليهود، وضمان لنصرة قريش كانت كل من الأوس والخزرج ترسل وفودا إلى مكة تتحالف مع قريش ضد بعضها، وكان من تدابير القدر وحسن تخطيط الرسول ﷺ أن التقى بهذه الوفود فعاد كثير من أصحابها إلى المدينة بالإيمان ونور الحق، وليس بأحلاف الجاهلية. ٢ - كما كانت الظروف السياسية والاجتماعية عاملا هاما في تهيئة مجتمع المدينة لقبول الدعوة الإسلامية، فإن المدينة بحكم موقعها كانت منطقة انطلاق يسكنها عرب، ويتكلم أهلها العربية فتستطيع الدعوة الإسلامية أن تجد فيها منطلقا واسعا ولسانا عربيًّا يقرأ القرآن ويحفظه. ٣ - كان من حسن تخطيط الرسول أن أرسل مع وفود المدينة العائدة من مكة مصعب بن عمير؛ ليعلم الناس مبادئ الإسلام، وقد نجح مصعب بتوفيق الله، وساعدته ظروف المدينة السياسية، والاجتماعية وقدراته الشخصية على تهيئة مناخ هذه المدينة لإقامة المجتمع الإسلامي. وكما كان الرسول ﵊ يدرك العوامل الإيجابية التي ساعدته على اتخاذ قراره في اختيار المدينة كموطن للهجرة الدائمة للمسلمين، فإنه لم يغفل عن العوامل السلبية التي قد تعرقل هذا الهدف، أو تقف عثرة في سبيله، ومنها: أن اليهود في المدينة يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار، وعلى الرغم من أنهم يعرفون الرسول ﵊ من خلال كتبهم كما يعرفون أبناءهم إلا أن الحسد

стр. 630

أعمى قلوبهم، فنقموا على العرب أن يكون الرسول من بينهم؛ لأنهم كانوا يريدونه من بني إسرائيل، وكان الرسول يوقن من واقع معرفته بهم أنهم سيرفضون الدعوة، ويقاومونها ويحتالون عليها بكل الطرق. ٢ - في فترة الهدنة بين قبيلتي الأوس والخزرج، والتي واكبت الهجرة النبوية، اتفقت القبيلتان على إقامة حكومة مشتركة، تحكم يثرب ويرأسها زعيم الخزرج عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان معنى قيام مجتمع إسلامي في المدينة القضاء على مثل هذه الحكومة، وهو مما يثير الحقد على الإسلام في قلب عبد الله بن أبي، وحاشيته، وبمنطق القائد المحنك، ورجل التخطيط الخبير، وازن الرسول بين العوامل الإيجابية، والعوامل السلبية، وتأكد أن الإيجابيات أكثر، وأن الفرصة مهيأة أكثر من أي وقت آخر للهجرة إلى المدينة، فبدأ في تهيئة المناخ، وإعداد الظروف الملائمة لتحقيق الهدف، فجاءت خطة الهجرة محكمة كل الإحكام، وواضحة كل الوضوح. ويرى علماء التخطيط الإداري أن من عوامل نجاح أي خطة تقسيم المهام والإعمال، وتحديدها بدقة، حتى يعرف كلٌّ دوره فلا تتنازع الاختصاصات، ولا تتداخل، وفي نفس الوقت يتحقق تكامل بين هذه الاختصاصات حتى تؤدي في النهاية إلى تحقيق الهدف المرغوب، ولقد كانت المهام المطلوبة لنجاح خطة الهجرة هي: ١ - مهام الإعداد والتجهيز. ٢ - مهام الإعداد والتموين. ٣ - مهام الاستطلاع والتخابر.

стр. 631

٤ - مهام الإرشاد واقتفاء الأثر. ٥ - مهام الخداع، والتمويه على الإعداء. ولو كان المخطط رجلًا غير رسول الله ﷺ لاحتاج إلى قوات ضخمة؛ لتغطية هذه المهام، ولو كان القائمون بالعمل رجالًا غير أصحاب رسول الله ﷺ لاحتاج الأمر إلى جيش جرار، ولكن مع الرسول وأصحابه، فالأمر يختلف تكفل أبو بكر الصديق ﵁ وحده بمهام الإعداد، والتجهيز للهجرة، فأعد ناقتين له ولرسول الله ﷺ وأخذ معه في هجرته كل ماله تاركًا أهله في ستر الله ورسوله كما قال، وتكفلت ابنته أسماء ﵂ بمهام الإمداد والتمويل، فكانت تحمل الطعام للرسول وأبيها في الغار، وقد تحملت في سبيل ذلك الكثير من التضحيات، قطعت مرة ثوبها وجعلت منه نطاقا؛ لتحمل به الطعام إليهما، فأسماها الرسول ذات النطاقين، وتعرضت للضرب الفاحش من أبي جهل حين سألها عن مكان المهاجرين الشريفين، فلما أجابته بأنها لا تعلم لطمها على وجهها لطمة قوية وقعت على أثرها على الأرض، وساهم معها عامر بن فهيرة في عملية الإمداد، فكان يذهب إلى الغار ليلًا، ويمد الرسول وصحبه بحاجتهما من اللبن، وتكفل عبد الله بن أبي بكر بدور رجل الاستطلاع، فكان يبيت مع الرسول وصحبه في الغار، ويصبح مع قريش وكأنه بائت معهم، ثم يعود بأخبار قريش إلى الغار،

стр. 632

وقام عبد الله بن أريقط خبير الصحراء البصير، ودليل الهجرة الأمين بمهام الإرشاد للمهاجرين في الطريق من مكة إلى المدينة. أما مهام الخداع والتمويه، فقد شارك فيها عامر بن فهيرة حيث كان يسير بغنمه في الطريق الذي سلكه الرسول وصحبه؛ ليزيل آثار أقدامهما، وظل بعد كل رحلة لعبد الله أو أسماء يؤدي المهمة، ويزيل آثار الأقدام، كما شارك في هذه المهام علي بن أبي طالب ﵁ بالنوم في فراش الرسول ﷺ ليلة الهجرة؛ ليوهم قريشًا أن الرسول في فراشه لم يغادر بيته، ويعد كل من شارك في الهجرة قد قام بدوره في مهام الخداع والتمويه، وذلك بعوامل السرية المطلقة التي فرضوها على خطة الهجرة فلن تستبن قريش ملامحها. ولو تأملنا هذه التكليفات، سنجد أن الأمور قد سارت على نحو دقيق، فتم وضع كل شخص من أشخاص الهجرة في مكانه المناسب، وسدت كل الثغرات، وغطيت كل مطالب الرحلة، واقتصر الأمر على العدد اللازم دون زيادة أو إسراف، وتمت كل المهام في سرية فلم تسمح لقريش بمعرفة مكان الرسول وصحبه، كما أنها تمت في تناسق مذهل حتى أن الثلاثة الذين كانوا يرتدون الغار كانوا يذهبون إليه في أوقات مختلفة، فلم يحدث أن التقوا مرة، ألم نقل إن أحداث الهجرة تصلح قاموسًا لمبادئ التخطيط العلمي السليم. تخطيط الحياة في المدينة بعد الهجرة وبعد ما انتهينا عن التخطيط للهجرة ننتقل للحديث عن التخطيط الحياتي في المدينة بعد الهجرة، فنقول: منذ أن وصل الرسول ﵊ إلى المدينة، بدأ يخطط لإقامة مجتمعٍ إسلامي شعاره التوحيد، ومنهجه القرآن، وهدفه رفع راية الإسلام،

стр. 633

وكأي مخطط خبير نظر الرسول حوله؛ ليدرس الواقع وليقدر الموقف، فوجد أن مجتمع المدينة يضم جماعات متناثرة، عرب، ويهود مسلمين وغير مسلمين، أوس وخزرج أحزاب متفرقة لا روابط بينها، كان على الرسول أن يضع في اعتباره بناء المجتمع الجديد الذي يحفظ للجميع عقائدهم الدينية، وقيمهم الخلقية والقومية، وانطلاقا من فهمه ﵊ لدور العلاقات الإنسانية، وأثرها في أفراد المجتمع، فقد عمل على تحقيق أهداف ثلاثة: الأول: تأمين المسلمين وغير المسلمين على حياتهم وأرزاقهم حتى يزداد المؤمنون إيمانا، ويقبل على الإسلام المتردد الخائف الضعيف، وأيضا إطلاق مبدأ حرية العقيدة، والرأي لجميع طوائف المجتمع، فلا فتنة في دين، ولا ظلم بسبب عقيدة أو رأي، وأيضا القضاء على المنازعات الطائفية بين القبائل، ولتحقيق هذه الأهداف شملت خطة الرسول ﵊ جوانب ثلاثة: الجانب الأول: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؛ رغبة منه ﷺ في القضاء على التنافس القبلي، وعلى حب الذات والأنانية، وتحقيقا لروح التعاون، والجماعة والحب في الله نفذ الرسول ﷺ سياسة حكيمة، وهي أن يجعل من المهاجرين والأنصار أخوة في الله لكل منهم على الآخر كل ما للأخ على أخيه من الحقوق، قال ﵊: ((تآخيا في الله أخوين أخوين)) وأخذ ﵊ يؤاخي بين أنصاري ومهاجري، فاختار عمه حمزة بن عبد المطلب أخا لزيد بن حارثة، واختار أبا بكر أخا لخارجة بن زهير إلى آخره.

стр. 634

وفي هذا المجال ضرب الأنصار والمهاجرين أمثلة رائعة تدل على عظمة الحب في الإسلام، روى البخاري ﵁ عن أنس قال: "قدم عبد الرحمن بن عوف إلى المدينة، فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن ربيع الأنصاري، فعرض سعد عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن بارك الله لك في أهلك ومالك، لكن دلني على السوق". ولقد مدح القرآن الكريم هذه المؤاخاة، وهذا الحب في الله، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: من الآية: ١٠٣). الجانب الثاني: تحقيق الوحدة السياسية في مجتمع المدينة ككل، بعد أن آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار سعى بكل جهده، وما يملك إلى القضاء على جذور العداوة القديمة التي كانت تشعل نيران الحروب بين قبيلتي الأوس والخزرج؛ ولأن الرسول ﵊ يعرف طباع اليهود، وغدرهم فقد حاول أن يؤمن المسلمين منهم كما سعى ﵊ إلى أن يحقق لهم الأمان على أنفسهم، ولتحقيق ذلك جمع سكان المدينة من مهاجرين وأنصار ويهود، وتشاور معهم، وانتهوا إلى تكوين اتحاد يضم أهل المدينة جميعًا، وكتب ﵊ بين المهاجرين والأنصار كتابا، واعد فيه اليهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم شروطًا، وشرط لهم، وكان هدف الرسول من ذلك أن تصبح المدينة وحدة متكاملة تدافع عن نفسها، وترعى مصالحها، وتعد هذه الوثيقة في مبادئها من أعظم ما عرف العالم من مبادئ حقوق الإنسان على مر التاريخ.

стр. 635

والجانب الثالث: بناء المسجد، واتخاذه مقرًا للحكم، كان من أول الأعمال التي قام بها الرسول في المدينة بناء المسجد النبوي الشريف، فكان هو المكان الذي يقيم فيه المسلمون شعائرهم ويتعلمون فيه القرآن، ويتفقهون في أمور دينهم كما كان مقرًا للحكم ودارًا للشورى ومدرسة لتلقي العلم، ودارًا للقضاء. وهكذا نكون قد انتهينا من الحديث عن المنهج الإسلامي في التخطيط، والذي أخذنا تطبيقا له ثلاث حالات: هي التخطيط لنشر الدعوة الإسلامية، والتخطيط للهجرة، وتخطيط الحياة في المدينة بعد الهجرة. ونكتفي بهذا القدر، أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٣ - المنهج الإداري الإسلامي في التنظيم, والرقابة والإدارة في عهد النبي ﷺ وأبي بكر المنهج الإسلامي في التنظيم الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد, وعلى آله, وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ... أما بعد: نشرع الآن في الحديث عن منهج الفكر الإداري الإسلامي في التنظيم فنقول: مما لا شك فيه أن الإسلام هو دين التنظيم بمعناه العام, والمتأمل لقول الله ﵎: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: الآيات: ٣٧ - ٤٠) فالمتأمل لهذه الآيات العظيمة يرى التنظيم الدقيق الرائع, والترتيب المحسوس لأشياء تتحد وتتعاون في نظام دقيق؛ من أجل تحقيق هدف عظيم, هو استمرار الحياة في الكون, والجسم الإنساني كما خلقه الله فسواه فأحسن خلقه وتسويته, مثلٌ واقع, يدل على التنظيم الدقيق, يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا
следующие страницы →