Полный текст (825 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
٤ - مهام الإرشاد واقتفاء الأثر.
٥ - مهام الخداع، والتمويه على الإعداء.
ولو كان المخطط رجلًا غير رسول الله ﷺ لاحتاج إلى قوات ضخمة؛ لتغطية هذه المهام، ولو كان القائمون بالعمل رجالًا غير أصحاب رسول الله ﷺ لاحتاج الأمر إلى جيش جرار، ولكن مع الرسول وأصحابه، فالأمر يختلف تكفل أبو بكر الصديق ﵁ وحده بمهام الإعداد، والتجهيز للهجرة، فأعد ناقتين له ولرسول الله ﷺ وأخذ معه في هجرته كل ماله تاركًا أهله في ستر الله ورسوله كما قال، وتكفلت ابنته أسماء ﵂ بمهام الإمداد والتمويل، فكانت تحمل الطعام للرسول وأبيها في الغار، وقد تحملت في سبيل ذلك الكثير من التضحيات، قطعت مرة ثوبها وجعلت منه نطاقا؛ لتحمل به الطعام إليهما، فأسماها الرسول ذات النطاقين، وتعرضت للضرب الفاحش من أبي جهل حين سألها عن مكان المهاجرين الشريفين، فلما أجابته بأنها لا تعلم لطمها على وجهها لطمة قوية وقعت على أثرها على الأرض، وساهم معها عامر بن فهيرة في عملية الإمداد، فكان يذهب إلى الغار ليلًا، ويمد الرسول وصحبه بحاجتهما من اللبن، وتكفل عبد الله بن أبي بكر بدور رجل الاستطلاع، فكان يبيت مع الرسول وصحبه في الغار، ويصبح مع قريش وكأنه بائت معهم، ثم يعود بأخبار قريش إلى الغار،
стр. 632
وقام عبد الله بن أريقط خبير الصحراء البصير، ودليل الهجرة الأمين بمهام الإرشاد للمهاجرين في الطريق من مكة إلى المدينة.
أما مهام الخداع والتمويه، فقد شارك فيها عامر بن فهيرة حيث كان يسير بغنمه في الطريق الذي سلكه الرسول وصحبه؛ ليزيل آثار أقدامهما، وظل بعد كل رحلة لعبد الله أو أسماء يؤدي المهمة، ويزيل آثار الأقدام، كما شارك في هذه المهام علي بن أبي طالب ﵁ بالنوم في فراش الرسول ﷺ ليلة الهجرة؛ ليوهم قريشًا أن الرسول في فراشه لم يغادر بيته، ويعد كل من شارك في الهجرة قد قام بدوره في مهام الخداع والتمويه، وذلك بعوامل السرية المطلقة التي فرضوها على خطة الهجرة فلن تستبن قريش ملامحها.
ولو تأملنا هذه التكليفات، سنجد أن الأمور قد سارت على نحو دقيق، فتم وضع كل شخص من أشخاص الهجرة في مكانه المناسب، وسدت كل الثغرات، وغطيت كل مطالب الرحلة، واقتصر الأمر على العدد اللازم دون زيادة أو إسراف، وتمت كل المهام في سرية فلم تسمح لقريش بمعرفة مكان الرسول وصحبه، كما أنها تمت في تناسق مذهل حتى أن الثلاثة الذين كانوا يرتدون الغار كانوا يذهبون إليه في أوقات مختلفة، فلم يحدث أن التقوا مرة، ألم نقل إن أحداث الهجرة تصلح قاموسًا لمبادئ التخطيط العلمي السليم.
تخطيط الحياة في المدينة بعد الهجرة
وبعد ما انتهينا عن التخطيط للهجرة ننتقل للحديث عن التخطيط الحياتي في المدينة بعد الهجرة، فنقول: منذ أن وصل الرسول ﵊ إلى المدينة، بدأ يخطط لإقامة مجتمعٍ إسلامي شعاره التوحيد، ومنهجه القرآن، وهدفه رفع راية الإسلام،
стр. 633
وكأي مخطط خبير نظر الرسول حوله؛ ليدرس الواقع وليقدر الموقف، فوجد أن مجتمع المدينة يضم جماعات متناثرة، عرب، ويهود مسلمين وغير مسلمين، أوس وخزرج أحزاب متفرقة لا روابط بينها، كان على الرسول أن يضع في اعتباره بناء المجتمع الجديد الذي يحفظ للجميع عقائدهم الدينية، وقيمهم الخلقية والقومية، وانطلاقا من فهمه ﵊ لدور العلاقات الإنسانية، وأثرها في أفراد المجتمع، فقد عمل على تحقيق أهداف ثلاثة:
الأول: تأمين المسلمين وغير المسلمين على حياتهم وأرزاقهم حتى يزداد المؤمنون إيمانا، ويقبل على الإسلام المتردد الخائف الضعيف، وأيضا إطلاق مبدأ حرية العقيدة، والرأي لجميع طوائف المجتمع، فلا فتنة في دين، ولا ظلم بسبب عقيدة أو رأي، وأيضا القضاء على المنازعات الطائفية بين القبائل، ولتحقيق هذه الأهداف شملت خطة الرسول ﵊ جوانب ثلاثة:
الجانب الأول: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؛ رغبة منه ﷺ في القضاء على التنافس القبلي، وعلى حب الذات والأنانية، وتحقيقا لروح التعاون، والجماعة والحب في الله نفذ الرسول ﷺ سياسة حكيمة، وهي أن يجعل من المهاجرين والأنصار أخوة في الله لكل منهم على الآخر كل ما للأخ على أخيه من الحقوق، قال ﵊: ((تآخيا في الله أخوين أخوين)) وأخذ ﵊ يؤاخي بين أنصاري ومهاجري، فاختار عمه حمزة بن عبد المطلب أخا لزيد بن حارثة، واختار أبا بكر أخا لخارجة بن زهير إلى آخره.
стр. 634
وفي هذا المجال ضرب الأنصار والمهاجرين أمثلة رائعة تدل على عظمة الحب في الإسلام، روى البخاري ﵁ عن أنس قال: "قدم عبد الرحمن بن عوف إلى المدينة، فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن ربيع الأنصاري، فعرض سعد عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن بارك الله لك في أهلك ومالك، لكن دلني على السوق".
ولقد مدح القرآن الكريم هذه المؤاخاة، وهذا الحب في الله، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: من الآية: ١٠٣).
الجانب الثاني: تحقيق الوحدة السياسية في مجتمع المدينة ككل، بعد أن آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار سعى بكل جهده، وما يملك إلى القضاء على جذور العداوة القديمة التي كانت تشعل نيران الحروب بين قبيلتي الأوس والخزرج؛ ولأن الرسول ﵊ يعرف طباع اليهود، وغدرهم فقد حاول أن يؤمن المسلمين منهم كما سعى ﵊ إلى أن يحقق لهم الأمان على أنفسهم، ولتحقيق ذلك جمع سكان المدينة من مهاجرين وأنصار ويهود، وتشاور معهم، وانتهوا إلى تكوين اتحاد يضم أهل المدينة جميعًا، وكتب ﵊ بين المهاجرين والأنصار كتابا، واعد فيه اليهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم شروطًا، وشرط لهم، وكان هدف الرسول من ذلك أن تصبح المدينة وحدة متكاملة تدافع عن نفسها، وترعى مصالحها، وتعد هذه الوثيقة في مبادئها من أعظم ما عرف العالم من مبادئ حقوق الإنسان على مر التاريخ.
стр. 635
والجانب الثالث: بناء المسجد، واتخاذه مقرًا للحكم، كان من أول الأعمال التي قام بها الرسول في المدينة بناء المسجد النبوي الشريف، فكان هو المكان الذي يقيم فيه المسلمون شعائرهم ويتعلمون فيه القرآن، ويتفقهون في أمور دينهم كما كان مقرًا للحكم ودارًا للشورى ومدرسة لتلقي العلم، ودارًا للقضاء.
وهكذا نكون قد انتهينا من الحديث عن المنهج الإسلامي في التخطيط، والذي أخذنا تطبيقا له ثلاث حالات:
هي التخطيط لنشر الدعوة الإسلامية، والتخطيط للهجرة، وتخطيط الحياة في المدينة بعد الهجرة.
ونكتفي بهذا القدر، أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٣ - المنهج الإداري الإسلامي في التنظيم, والرقابة والإدارة في عهد النبي ﷺ وأبي بكر
المنهج الإسلامي في التنظيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد, وعلى آله, وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ... أما بعد:
نشرع الآن في الحديث عن منهج الفكر الإداري الإسلامي في التنظيم فنقول:
مما لا شك فيه أن الإسلام هو دين التنظيم بمعناه العام, والمتأمل لقول الله ﵎: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: الآيات: ٣٧ - ٤٠) فالمتأمل لهذه الآيات العظيمة يرى التنظيم الدقيق الرائع, والترتيب المحسوس لأشياء تتحد وتتعاون في نظام دقيق؛ من أجل تحقيق هدف عظيم, هو استمرار الحياة في الكون, والجسم الإنساني كما خلقه الله فسواه فأحسن خلقه وتسويته, مثلٌ واقع, يدل على التنظيم الدقيق, يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا
стр. 636
آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ (المؤمنون: الآيات: ١٢ - ١٥).
أما التنظيم بالمعنى الإداري: فيمكن القول: إن الإسلام قد وضع القواعد العامة للتنظيم الاجتماعي, والمتأمل لقوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف: ٣٢) نقول: المتأمل لهذه الآية يدرك هذه الحقيقة بوضوح, فالآيات السابقة توضح أن الله -تعالى- قد جعل الاختلاف والتباين بين الناس سببًا لتقسيم العمل بينهم, وتحقيقًا لمبدأ التخصص, كل منهم حسب طاقته, وقدراته, وخبرته, كما أن الإسلام جعل الناس درجات؛ ليسخر الأعلى الأدنى في قضاء الأعمال التي تعود على المجتمع كله بالخير العميم, ولم يجعل الإسلام تسخير بعض البشر للبعض الآخر, لم يجعل هذا التسخير قائمًا على جنس, أو لون, أو رغبة في التحكم والعلو, وإنما ربط التسخير بطبائع البشر, وظروفهم, وإمكاناتهم, فجعلهم درجات بما اختلفوا من قوة وضعف, وعلم وجهل, وجد وخمول, وغير ذلك من أوجه الاختلاف.
ومن المهم هنا أن نذكر أن هذه الدرجات التي أقرها الإسلام, ورفع بها بعض الناس على بعض, والتي يمكن أن نطلق عليها في مجال الإدارة الهيكلَ الوظيفي, إنما تتميز بالمرونة حسب ظروف كل مجتمع, وحسب طريقة العمل المؤدَّي, فليس هناك ما يمنع من كان في درجة دنيا أن يرتفع بإيمانه إلى درجة أعلى, فإن الله لا يضيع أجر العاملين, وما دام العامل قد أحسن, ووصل إلى الكفاءة التي تؤهله لنيل الدرجة, فالإسلام يفتح له الباب للتقدم وللرقي, يقول تعالى:
стр. 637
﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (آل عمران: من الآية: ١٩٥) ويقول تعالى: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (الكهف: ٣٠) والرقي والتقدم في الهيكل الوظيفي الإسلامي لا يفرق بين الرجل والمرأة, يقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: ٩٧) وهذا يؤكد ما قلناه من أن درجات الرقي والتقدم مرهونة فقط بالإيمان, والعمل, وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: ١٣٢).
وبعد أن وضع القرآن الكرم القواعد العامة للتنظيم الاجتماعي, جاء حديث الرسول ﷺ فوضح هذه القاعدة في مواقف عدة, يقول ﷺ : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد, إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى)) ويقول ﷺ : ((المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا)) فالرسول ﷺ في هذه الأحاديث ينظر للمجتمع الإسلامي على أنه مجتمع متكامل, ومن ثم فإن المنظمات القائمة فيه, هي منظمات اجتماعية, تتعاون فيها جميع الطاقات من أجل الوصول إلى أعلى المعدلات, وانطلاقًا من أن أي خلل في جزء يؤثر في الأجزاء الأخرى, وأي تقصير في تخصص يؤثر على تخصصات أخرى كثيرة؛ لذا فإن المتخصص في عمل معين لا يقتصر دوره على مجرد أداء عمله بكل ما لديه من طاقة فقط, بل تقع عليه قبل ذلك, وبعده, تبعة تقديم كل ما يملك من أفكار, أو نصائح, أو خبرات في المجالات الأخرى؛ انطلاقًا من مفهوم أن الدين النصيحة لله, ولرسوله, ولأئمة المسلمين, وعامتهم.
стр. 638
وطبقا لمفهوم التكامل الإسلامي فإن الإدارة عندما تفوض سلطاتها للمتخصصين, لا تنتهي مسئولياتها عن الأعمال التي فوضت فيها, بل هي شريكة في المسئولية, وملزَمة بالمتابعة, حتى يتم أداء العمل بما يحقق الأهداف المطلوبة.
ولقد وضع الرسول ﵊ أسس التنظيم الاجتماعي في الدولة الإسلامية الأولى, فقسم العمل إلى إدارات, واختار من المسلمين أكفأهم لتولي مسئولية هذه الإدارات, وقد كان عبد الله بن نوفل أول من تولى القضاء في المدينة, ومصعب بن عمير أول قارئ في المدينة, كما كان زيد بن ثابت هو القائم بأعمال الترجمة, حيث كان يعرف الفارسية, والروسية, والقبطية, والحبشية, واليهودية, ولم ينس الرسول ﷺ الإعلام الديني, فاتخذ من حسان بن ثابت, وكعب بن مالك, شعراء للدعوة الإسلامية, وكان لكل من يتولى إدارة أعوان يساعدونه, ويأتمرون بأمره, وينفذون تعليماته, كما كان الرسول ﷺ يرسل الجيش للغزوات وعلى رأسه أمير, وخليفة للأمير, وخليفة للخليفة, كما أن الرسول الملهم ﷺ لم ينس الوظائف الاستشارية التي تقوم بتقديم النصح والتوجيهات, فأنشأ مجلسًا للشورى, يتكون من أربعة عشر نقيبًا يتم اختيارهم من بين أهل الرأي والبصيرة, وأصحاب العقل والفضل, وكان هذا المجلس يشمل جميع التخصصات؛ ليكون مرجعًا للمسلمين؛ عملًا بقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأنبياء: من الآية: ٧).
وفي عصر الخلفاء الراشدين اتسع نطاق الدولة الإسلامية, فاتسع نطاق التنظيم, إلا أنه سار على نفس القواعد التي كانت في عهد الرسول ﷺ متمثلة في
стр. 639
الكفاءة, والخبرة, فقد أسند أبو بكر ﵁ القضاءَ إلى عمر, كما أسند إلى أبي عبيدة أمانة بيت المال, وأسند إلى علي بن أبي طالب الإشراف على أسرى الحرب, وكذلك فعل عمر بن الخطاب, إذ احتفظ لنفسه بأعمال الخزانة, ووزع الأعمال على أصحاب الكفاءة, كل حسب خبرته, وأعلن ذلك بين الناس قائلًا: من أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل, ومن أراد أن يسأل عن القرآن فليأت زيد بن ثابت, ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني, فإن الله جعلني له خازنًا, وقاسمًا.
المنهج الإسلامي في الرقابة
ثم نتحدث الآن عن المنهج الإسلامي في الرقابة، فنقول:
الرقابة بالمعنى العام هي متابعة ما يحدث؛ للتأكد من أنه يتم وفقًا للخطط الموضوعة.
والرقابة وفقًا للمفهوم الإداري: هي العملية التي ترى بها الإدارة هل الذي حدث كان من المفروض أن يحدث؟ وإذا لم يكن كذلك فلا بد من إجراء التعديلات الضرورية.
والمفهوم الإسلامي للرقابة أنها عملية مستمرة, تقع على عاتق جميع العاملين بالمنظمة, ولا تختص بها جهة واحدة, وفي هذا يقول النبي ﷺ : ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)).
ويمكن القول أن هناك ثلاثة مصادر للرقابة في الإسلام هي: الرقابة الإلهية, الرقابة الذاتية, الرقابة العامة.
стр. 640
ونتحدث الآن عن الرقابة الإلهية فنقول:
المصدر الرئيسي للرقابة هو الرقابة الإلهية, وتنبع هذه الرقابة من إحساس المسلم بأن تصرفاته -وإن خفيت على الأجهزة الرسمية, أو على المجتمع- فإنها لا تخفى على الله بل ستكون مصدر ثواب, أو عقاب, يوم القيامة, يقول ﵎: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (الحاقة: الآية ١٨) ويقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ (آل عمران: الآية ٥) ويقول تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ (غافر: من الآية: ١٦) ويقول تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٨٤) والمسلمون جميعًا يوقنون بهذه الحقيقة, ويعلنونها دائمًا ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ (إبراهيم: من الآية: ٣٨).
وأما بالنسبة للرقابة الذاتية فنقول:
يتميز المنهج الإسلامي باهتمامه بالأشكال المختلفة للرقابة, إلا أنه يعطي اهتمامًا أكبر للرقابة الذاتية النابعة من الضمير, ويعدها أنجح الأساليب الرقابية, والضمير هو صوت الله الحي الكامن في الإنسان, ويعرفه البعض بأنه: كل نزعة خيرية كامنة في الإنسان بالفطرة, ولقد وضع الإسلام في المسلم ضميرًا حيًّا لا يموت أبدًا؛ إذ ربط المسلم بالله برباط دائم لا نهاية له, وصلة قربى لا مسافة فيها, يقول تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (البقرة: من الآية: ١١٥) ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (المجادلة: من الآية: ٧) ويقول ﷺ : ((اعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) ويقول ﷺ : ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم, ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)).
стр. 641
وفي مجال العمل ينبهنا الضمير الإنساني دائمًا إلى قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: ١٠٥).
والرقابة الذاتية تجعل الفرد هو الذي يقوِّم نفسه, ويصحح أخطاءه, ويحاول قدر الجهد إتقان العمل المنوط به, ويقول الرسول ﷺ -محاولًا تنمية هذه الرقابة في النفس الإنسانية: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبو ويقول: زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ويقول: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).
وأما بالنسبة للرقابة العامة فنقول:
عرف الإسلام الرقابة العامة بمفهوميها المعاصرَين: الرقابة الإيجابية التي تحاول تفادي الأخطاء قبل وقوعها, والرقابة السلبية التي تعاقب على الأخطاء التي تقع وتحاسب عليها, والرقابة العامة في الإسلام تنبع من مفهوم أن النفس أمارة بالسوء, ومن ثم فهي في حاجة إلى من يراقب أعمالها, ويردعها إن لم ترتدع بالضمير الداخلي, إلا أن الإسلام كان سبَّاقًا في الأخذ بمفهوم الرقابة الإيجابية, والأثر الإسلامي المشهور الذي يقول: الوقاية خير من العلاج كان هو المرجع بمفاهيم الرقابة الإيجابية في مدارس الفكر المعاصر.
والرقابة الإيجابية هي رقابة فعالة تهدف إلى اكتشاف الأخطاء في الوقت المناسب, أو تقديرها قبل وقوعها, واتخاذ ما يلزم من إجراءات لمنع وقوعها, وهذا النوع من الرقابة يعد مدخلًا تعاونيًّا بين الإدارة, والقائمين بالتنفيذ؛ إذ إنها تحاول
стр. 642
التعرف على نقاط الضعف في التنظيم, وترفع بذلك التقارير إلى المسئولين, حتى يمكن لهم اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة هذا الضعف, قبل أن يؤثر على أهداف التنظيم.
أما الرقابة السلبية فهي التي تظهر الأخطاء التي وقعت فعلًا, وتكشفها أمام المسئولين؛ لاتخاذ إجراءات العقاب على من تسببوا فيها.
والإسلام في مفهومه للرقابة السلبية يفرق بين نوعين من الأخطاء: فهناك الأخطاء المتعمدة التي قُصد بها الإساءة إلى التنظيم, وهذه يجب أن تؤخذ بالشدة الرادعة, والعقاب الشديد, وهناك الأخطاء العادية الناجمة عن كثرة العمل, أو بسبب عدم الفهم للتعليمات, أو بسبب الطبيعة الإنسانية كالسهو, والنسيان, وغيرها, وهذه تعالج بالتوجيه, والتنبيه, والتوعية, ويلخص القرآن الكريم هذه المعاني في كلمات دقيقة, وبليغة, فيقول: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (الأحزاب: من الآية: ٥).
والرقابة العامة في الإسلام -كما نراها- تنقسم إلى رقابة داخلية, ورقابة خارجية, فالرقابة الداخلية نعني بها رقابة جهة الإدارة, وقد عُرف هذا النوع من الرقابة منذ عصر الرسول ﷺ الذي طبق هذا الأسلوب الرقابي في شكلين:
١ - إرسال من يثق في نزاهتهم لمتابعة أعمال الرعاة, والولاة في الأقاليم.
٢ - تحقيق الشكاوي التي ترسل إليه من المسلمين ضد ولاة الأمر.
هذا إلى جانب أن الرسول ﷺ قد وضع بعض القواعد الفعالة التي تكفل له تحقيق الرقابة الكاملة على عماله, ومنها ارتياد منازل المسلمين, وتفقد أحوالهم, وتعهد أهل البؤس والفاقة منهم,
стр. 643
وأيضًا في موسم الحج كان يجتمع بالعمال, ويناقشهم في أعمالهم, ويحذرهم من تعدي حدود الله ﵎ وأيضًا كان الرسول يأمر عماله في الأقاليم عند دخول المدينة أن يدخلوها نهارًا؛ ليرى الناس جميعًا ما يحملون من أموال, أو هدايا.
وأما بالنسبة للرقابة الخارجية فقد اشتملت في الإسلام على نوعين: رقابة شعبية, ورقابة قضائية.
فبالنسبة للرقابة الشعبية: نعني بها رقابة الشعب على الجهاز الإداري للدولة من القمة إلى القاعدة؛ إذ إن كل مواطن له الحق في مراقبة هذه التصرفات, ونقدها نقدًا بنَّاءً بما يحقق الصالح العام, وفي النظام الإسلامي تجلت الرقابة الشعبية في المفهوم الاسمي في أسلوب الحسبة, الذي أخذ به الإسلام, وأوجب على المحتسب أن يراقب أعمال الخلفاء, والولاة, ورجال الدين, وقد جعل الإسلام الحسبة فرض كفاية على العامة؛ إذ يجب على الجميع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, لكنه جعله فرض عين على أناس بحكم مناصبهم, يقول ﷺ : ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فقلبه, وذلك أضعف الإيمان)).
وأما بالنسبة للرقابة القضائية:
فقد عرف الإسلام الرقابة القضائية, متمثلة في ناظر المظالم الذي كان يباشر أعمال الرقابة الإدارية, وكانت له في هذا الشأن عدة اختصاصات نذكر منها:
١ - النظر في تعدي الولاة على الرعية.
٢ - جور العمال فيما يجبونه من أموال.
٣ - محاسبة كتاب الدواوين فيما أوكل إليهم من إثبات الأموال.
стр. 644
٤ - النظر فيما يقع بين المواطنين, والإدارة, من منازعات.
وهكذا نرى أن الرقابة بكافة صورها, وأشكالها التي تلائم المجتمعات الإسلامية, قد أخذ بها النظام الإسلامي فكرًا, وعملًا, وكانوا يعتبرونها واجبًا عليهم يحاسَبون عليه أمام الله مصداقًا لقول رسولنا ﷺ : ((إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع)).
ويتضح ذلك أكثر فيما قاله عمر بن الخطاب ﵁ حين سأل الناس: أرأيتم إن استعملت عليكم خير من أعلم, ثم أمرته بالعدل, أكنت قضيت ما علي؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين, قال: لا, حتى أنظر في عمله أعمل بما أمرته به أم لا؟.
الإدارة في عهد النبي ﷺ
ننتقل بعد ذلك إلى موضوع آخر وهو: التنظيم الإداري في مجال التطبيق العملي.
بعدما ذكرنا توجيهات الفكر الإداري الإسلامي في الإدارة, والمنهج الإسلامي في الإدارة, نريد أن ننظر إلى الواقع, ونطبق هذه الأمور النظرية التي درسناها على الواقع, فندرس الآن التنظيم الإداري في مجال التطبيق, وخير تطبيق لذلك هو ما كان في زمن النبي ﷺ وزمن خلفائه الراشدين, فنبدأ -إن شاء الله- في الحديث عن هذا الموضوع, وهو التنظيم الإداري في مجال التطبيق العملي.
ونبدأ الآن في التنظيم الإداري في عهد نبينا ﷺ فنقول:
يعتبر التنظيم الإداري للدولة الإسلامية صورة صادقة للفكر السياسي, وتطوره عند المسلمين, والأداة الفعالة التي صاحبت بناء هذه الدولة منذ فجر تاريخها, ويرجع السبب في ذلك إلى أن التنظيم الإداري للدولة الإسلامية استند إلى تقاليد رفيعة, وأسس راسخة الأوتاد, وضعها الرسول الكريم ﷺ بنفسه؛ إذ أدرك
стр. 645
-﵊ منذ جهر بالدعوة إلى الإسلام, أدرك أهمية التنظيم الإداري لأبناء المجتمع الإسلامي الجديد, وضرورة تنسيق العمل بينه ﵊ وبين القائمين على هذا التنظيم الهام؛ من أجل تبليغ الدعوة الإسلامية إلى الناس كافة, وظهرت طلائع هذا التنظيم الجديد منذ بيعة العقبة الثانية, التي حضر فيها وفد من أهل يثرب إلى مكة, في العام السابق من هجرة الرسول ﷺ وبايعوا النبي ﷺ ولمَّا كان هذا الوفد يتألف من مجموعة كبيرة عددها ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان, رأى النبي ﷺ ضرورة وضع نظام لهم باعتبارهم نواة المجتمع الجديد, وليحافظ على سلامة هذا المجتمع وتنسيق العمل بين أفراده في سبيل نشر الدعوة الإسلامية, وشرَح الرسول الكريم لأعضاء وفد يثرب نظامه, وأهميته, حيث قال لهم قبل عودتهم إلى يثرب: ((أخرجوا إليًّ منكم اثنى عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم)) فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا, تسعة من الخزرج, وثلاثة من الأوس, وعندئذ خاطب الرسول ﷺ أولئك النقباء, أو رجال النظام الإداري الأول في الإسلام, موضحًا لهم أسلوب العمل قائلًا: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء, ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم, وأنا كفيل على قومي.
وحقق هذا التنظيم الإداري المبكر أولى ثماره الرائعة, في إعداد العدة لهجر الرسول إلى يثرب, ثم تهيئة الجو لنجاحها, برغم كيد الكفار, وسعة تدبيرهم, وبدأت بانتقال الرسول الكريم إلى يثرب مرحلة جديدة للتنظيم الإداري, من أجل التفرغ لأداء رسالته الدينية, ورفع قواعد المجتمع الإسلامي الوليد, ودولته الناشئة, وتجلت معامل هذا التنظيم الإداري في الصحيفة التي عقدها الرسول
стр. 646
الكريم ﷺ بين المهاجرين والأنصار, ويهود يثرب, والتي صارت تمثل النظام السياسي لجماعة المسلمين في المدينة, والدستور الدائم للدولة الإسلامية الوليدة, إذ رسمت هذه الصحيفة إلى جانب الشروط السياسية, وما ارتبط بها من حقوق وواجبات, أقول: رسمت هذه الصحيفة أسلوب العمل بين جميع الفئات المدنية, بما يجعل التنظيم الإداري ترجمة فورية, وعملية, لما تضمنته تلك الصحيفة من نظام سياسي, ويلمس الباحث في تلك الصحيفة الارتباط الوثيق بين النظامين السياسي, والإداري, وهي الحقيقة التي غدت سمة مميزة لنظم الدولة الإسلامية كلها, وقاعدة أساسية التزم بها الخلف عن السلف طوال عصر هذه الدولة الزاهر.
وتتضح القواعد الأساسية لهذا الترابط في النص على أن المؤمنين أمة من دون الناس, وأن أفراد هذه الأمة عليها تنظيم العمل فيما بينها إداريًّا؛ من أجل السهر على الأمن, والضرب على يد المفسدين, وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم, وإن أيديهم عليه جميعًا, ولو كان ولد أحدهم, واختار الرسول الكريم ﷺ من جماعة الصحابة رجال إدارته, كل حسب مواهبه, واستعداده, وتزويدهم أيضًا بالتدريب الكافي, والإرشادات التي تتفق مع تطور الدولة, واتساع سلطانها, وكانت القدرة على نشر الدعوة هي الأساس الأول للعمل في الميدان الإداري, وجاء في مقدمة العاملين في هذا الميدان الإداري سبعة من المهاجرين, وسبعة من الأنصار, منهم حمزة, وجعفر, وأبو بكر, وعمر, وعلي, وابن مسعود, وسليمان, وعمار, وحذيفة, وأبو ذر, والمقداد, وبلال, واشتهروا جميعًا باسم النقباء؛ لأنهم ضمنوا للرسول إسلام قومهم, وأن النقيب هو الضمين لما يتولاه من أمور, واستطاع نظام النقباء أن يحافظ على
стр. 647
الاتصال بين النبي باعتباره رأس الدولة الجديدة, وبين جماعة المسلمين, وذلك على هدي القاعدة التي سبق أن تقررت إداريًّا في بيعة العقبة الثانية.
وعرف الرسول ﷺ في رجال إدارته خصائصهم, وحث الناس بالتالي على أمثل السبل للإفادة من نشاطهم, فقال ﵊: ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر, وأشدهم في دين الله عمر, وأصدقهم حياء عثمان, وأقضاهم علي, وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل, وأفرضهم (يعني أعلمهم بالفرائض) زيد بن ثابت, وأقرؤهم أبي بن كعب, ولكل أمة أمين, وأمين هذه الأمة أبو عبيد بن الجراح)) وقال ﵊ أيضًا: ((خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود, وأبي بن كعب, ومعاذ بن جبل, وسالم مولى حذيفة)) واشتهر بحفظ القرآن كله من الأنصار: أبي, ومعاذ, وزيد بن ثابت, وانتقى من هذا النفر من علماء الصحابة كتبةً له, يدونون القرآن عقب نزول الوحي به مباشرة, وغير ذلك مما تتطلبه شئون الإدارية في الدولة الإسلامية الوليدة, وكان أولئك الصحابة من الكتبة, وهم في الجاهلية, وصدر الإسلام, ممن اشتهروا بالمقدرة على الكتابة باللغة العربية, وإجادة صنائع كثيرة, ويبلغ عدد كتبة النبي ﷺ اثنين وأربعين رجلًا.
وبدأ بعد عام الوفود, أي منذ السنة التاسعة للهجرة ظهور طبقة العمال الإداريين؛ نظرًا لنمو الدولة الإسلامية الوليدة, واتساع سلطانها على جميع أرجاء شبه الجزيرة العربية, واقتضى الأمر تقسيم تلك البلاد إلى وحدات كبرى, تسهل تنظيم شئون أهلها, وربطها مباشرة مع العاصمة الجديدة للدولة الإسلامية في المدينة المنورة,
стр. 648
وكانت العاصمة, وما حولها من مناطق تخضع للإدارة المباشرة للنبي الكريم ﷺ إلى حين صار لمكة وال يتلقى منه ﵊ التوجيه, وكل ما تقتضيه شئون الإدارة الجديدة.
وانقسمت بلاد العرب إلى جانب هاتين المدينتين المقدستين على مقاطعات هي: تيماء, والجند, وبني كندة, ونجران, وحضرموت, وعمان, والبحرين, وجرت عادة الرسول الكريم منذ عام الوفود على أن يختار من بين الوافدين عليه أصلحهم لتولي شئون الإمارة في المقاطعة التي ينتمي إليها ذلك الوفد, وذلك بما يتوافر لهذا الأمير من مؤهلات, دون نظر للسن, ومن ذلك أنه حين وفد عليه وفد ثقيف أمَّر عليهم الرسول عثمانَ بن أبي العاص, وكان أحدثهم سنًّا؛ وذلك لأنه كان أعلمهم, ثم زوده الرسول الكريم بتعليماته عند عودته إلى مقر إمارته قائلًا له: يا عثمان تجاوز في الصلاة, وأقدر الناس بأضعفهم؛ فإن فيهم الكبير, والصغير, والضعيف, وذا الحاجة, وقام إلى جانب كل أمير عامل آخر عيَّنه النبي من قِبله لجمع الزكاة, والصدقات, فضلًا عن تعليم الناس القرآن, وما يتصل بشئون الدين من معاملات, ودرب النبي بنفسه هذا النفر من العمال, حتى صاروا مثالًا عاليًا للشرف, والنزاهة, والإخلاص في العمل.
ومن أمثلة ذلك ما فعله الرسول الكريم حين بعث معاذًا إلى اليمن, إذ قال له: ((إنك تقدم على قوم أهل كتاب, فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله, فإذا عرفوا الله تعالى, فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم, وترد على فقرائهم, فإن هم أطاعوك لذلك فخذ منهم, وتوق كرائم أموالهم, واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب))
стр. 649
وكان الرسول الكريم يكتب إلى بعض عماله بما يقتضيه الأمر, على نحو ما كتبه لعمرو بن حريث, عامله على نجران, يشرح له الفرائض, والسنن, وما يفعله في الصدقات, والديات.
واشتهر عمال الرسول الكريم ﷺ بالنزاهة, والإخلاص في العمل, ومن أمثلة ذلك عبد الله بن رواحة الذي عهد إليه الرسول ﷺ تقدير ثمار أهل خيبر من اليهود؛ إذ حاول اليهود تقديم رشوة له من حليٍّ قائلين له: هذا لك, وخفف عنا, وتجاوز في القسم, فقال لهم عبد الله: يا معشر اليهود: إنكم لمن أبغض خلق الله تعالى إلي, وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم, أما ما عرضتم علي من الرشوة, فإنها السحت, وإنا لا نأكلها, فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض.
ودأب الرسول الكريم ﷺ مع ذلك على محاسبة العمال, وبخاصة فيما يتعلق بالشئون المالية, وقد استعمل رجلًا على الصدقات, وحين حاسبه ﵊ قال الرجل: هذا لكم, وهذا أهدي إلي, فقال الرسول الكريم ﷺ : ((ما بال الرجل نستعمله على العمل بما ولَّانا الله, فيقول: هذا لكم, وهذا أهدي إلي, أفلا قعد في بيت أبيه, وأمه, فنظر أيهدى إليه أم لا؟)) وقال ﵊: ((من استعملناه على عمل ورزقناه رزقًا, فما أخذ بعد ذلك فهو غلول)) أي خيانة.
واستمع الرسول أيضًا إلى كل شكوى تأتيه عن أي عامل من عماله, من ذلك أنه عزل العلاء بن الحضرمي, عامله على البحرين؛ لأن وفد عبد القيس شكاه -أي شكاه للنبي ﷺ فعزله النبي ﷺ وولى بدلًا منه أبان بن سعيد, وقال له: استوص بعبد القيس خيرًا.
стр. 650
وظل الرسول ﷺ حريصًا على اختيار رجال إدارته من المشهود لهم بالكفاءة, ومنهم أبو سفيان بن حرب, الذي ولاه على نجران, لشئون الصلاة, والحرب, على حين وجه معه راشد بن عبد الله أميرًا على القضاء, والمظالم, وكان عنصر الشباب هو الغالب على رجال الإدارة زمن الرسول ﷺ ومن أصحاب الهيبة في النفوس, وكان ثلاثة أرباع عماله من بني أمية, الذين كان لهم في الجاهلية نشاط واسع في شئون مكة الإدارية.
وبهذا نكون قد انتهينا عن الحديث عن الإدارة في عهد النبي ﷺ .
الإدارة في عهد أبي بكر ﵁ -
ونعرج الآن على الإدارة في عهد أبي بكر -رضوان الله ﵎ عليه- فنقول:
استهل أبو بكر ولايته بخطبته المشهورة, التي يعتبرها المؤرخون, والناقدون -رغم إيجازها- دستورًا للحكم, وتمسكًا كاملًا بسنة الرسول ﷺ والجهاد في سبيل الله, والتأليف بين قلوب المسلمين.
قال أبو بكر في أول خطبة له, بعد أن حمد الله, وأثنى عليه, وصلى على نبيه ﷺ :
أما بعد: أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم, فإن أحسنت فأعينوني, وإن أسأت فقوموني, الصدق أمانة, والكذب خيانة, والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له -إن شاء الله- والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه -إن شاء الله- لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل, ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء, أطيعوني ما أطعت الله ورسوله, فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم, ثم قال: قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
هذه هي الخطبة التي بدأ بها أبو بكر الصديق حكمه على المسلمين, بعد وفاة النبي ﷺ .
стр. 651
لقد أعطى أبو بكر الأمة الإسلامية حقها في مراقبة أعمال الخليفة, وتبدأ أعمال أبو بكر منذ إسلامه, حين وضع جنبًا إلى جنب الحجر الثاني في دعوة محمد ﷺ وتأسيس دولة الإسلام, فهو أول المسلمين, وأول المهاجرين, وهو مسئول الأمن الخاص للرسول ﷺ وأمين سره, ومستشاره الأول في قضايا الدين, والرعية, والمدة الطويلة التي لازم فيها الرسول ﷺ منذ نشر الدعوة, وحتى وفاته, قد أكسبته الخبرة الإدارية الفائقة التي أهلته بحق للنجاح في إدارة الدولة الناشئة, ورعاية مصالح المسلمين في أدق مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي.
لهذا فإن أبا بكر بعد توليته الحكم, صمم منذ اليوم الأول على أن ينهج نهج الرسول ﷺ ويترسم خطاه, ويسلك السبيل الذي سلكه في سبيل نشر الإسلام, وتوحيد العرب, دون أن يخاف وهنًا, ولا حيرة, ولا جبنًا, فكانت سياسته في الحكم إقتداء تام بسياسة وحكم الرسول ﷺ فاتبع سيرته في الإدارة, واحتفظ بالعمال الذين عاونوا الرسول ﷺ والأمراء الذين أمرهم, واختار أبا عبيدة بن الجراح للشئون المالية, وعمر ابن الخطاب للقضاء, وأبقى على زيد بن ثابت كاتبًا له, كما أبقى على أهل الشورى الذين اختارهم الرسول ﷺ مع تغيير في بعض الأشخاص, بسبب تعيينهم ولاة على بعض الأمصار, وأما قضاء الولايات فكان يعهد إلى الولاة في اختيارهم؛ لأنهم أدرى بها, ثم يعقد لهم ولاية القضاء.
نكتفي بهذا القدر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٤ - الإدارة في عهد عمر بن الخطاب
موقف عمر من الأنظمة الإدارية في البلاد المفتوحة
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد, وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ... أما بعد:
فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن المنهج الإسلامي في التنظيم, ثم عن المنهج الإسلامي في الرقابة, ثم بدأنا الحديث عن التنظيم الإداري في مجال التطبيق العملي, فتحدثنا عن الإدارة في عهد النبي ﷺ ثم تحدثنا عن الإدارة في عهد أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه.
ونتحدث الآن عن الإدارة في عهد عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه- فنقول:
نما النظام الإداري في الدولة الإسلامية على هدي التعاليم التي قررها الرسول الكريم ﷺ وصار قادرًا على مواجهة التطور الهائل والسريع الذي شهدته تلك
стр. 652
الدولة, على عهد الخليفة عمر بن الخطاب؛ ذلك أن الفتوحات الإسلامية التي تمت على عهد هذا الخليفة جعلت العرب سادة الهلال الخصيب, , وفارس, ومصر, وهي مواطن جغرافية هامة, كانت أقدم مراكز للنظم الإدارية في العالم بأسره, فورث العرب تلك النظم القديمة التي ترجع تقاليدها إلى عصور اليونان, والرومان, والفرس, والفراعنة, والآشوريين, والبابليين, واعتبروها تراث الإنسانية كلها, قد آل إليهم, وأنهم صاروا القوامة, والمسئولين عن سلامة هذا التراث, ثم الإفادة منه.
وضرب الخليفة عمر بن الخطاب بنفسه المثل العملي للإفادة من تلك النظم القديمة, في سبيل بناء النظام الإداري للدولة الإسلامية الناشئة, ذلك أن إدارة الممتلكات الجديدة على عهده كانت تمثل مشكلة خطيرة أمام السلطات الإسلامية؛ إذ تضم تلك الممتلكات بلادًا ذات شعوب متعددة اللسان, وتخضع لأنماط إدارية متباينة, فمصر, والشام, جرت إدارتها على النماذج البيزنطية, على حين سادت العراق, وفارس, التقاليد الفهلوية لغةً, ونظامًا, فأبقى الخليفة عمر بن الخطاب على التنظيمات الإدارية, وكذلك المؤسسات الإدارية نفسها في البلاد المفتوحة على نحو ما كانت عليه؛ حتى لا يضطرب سير الأعمال, وللإفادة من خبرة العمال بها أيضًا, وفي نفس الوقت طعم هذه الإدارات بالروح العربية الجديدة التي صقلها الإسلام, وزودها بتعاليم سامية تستهدف خير الإنسانية, ورفاهيتها, واستمدت الروح العربية مقوماتها من مفهوم السلطان في الإسلام, وهو يقوم على أن السيادة العليا لله وهو مالك كل شيء, وهو الحامي والمهيمن على المصالح العامة, فالمال في الدولة هو مال الله, والجند جند الله, أي أن كلمة الله
стр. 653
ترادف في مصطلح العصر الحاضر الصالح العام, بمعنى أن مال الله هو الأموال العامة اليوم, وجيش الله هو الجيش الذي ينهض بأعباء الصالح العام, غير أن الله لا يمارس الحكم, والإدارة بنفسه, أو بصورة مباشرة بين الناس, على نحو ما ساد نظم الحكم القديمة لدى الفراعنة مثلًا, وإنما السيادة العليا التي ترجع إلى الله مودعة للخليفة الذي يعتبر رأس النظام السياسي, والمهيمن على أزمَّة النظام الإداري, فالخليفة هو رجل الدنيا الذي يتولى الإشراف على المصالح العامة, التي هي لله والخليفة وحده بالتالي هو صاحب الحق في اختيار من يشاء لتصريف شئون الإدارة والحكم, وهو المسئول عن أعمال من يختارهم؛ لأنهم خاضعون له, ويعملون باسمه, ويباشرون سلطانهم بتفويض منهم.
واقتضى هذا المفهوم الإسلامي عن السلطان أن يكون النظام الإداري مركزيًّا؛ لأن الخليفة هو المسئول عن تنفيذ القانون, وأن الرابطة بينه, وبين عماله, يجب أن تكون علاقة مباشرة, ومن ثم فإن أي تمرد على أولئك الولاة يعتبر تمردًا ضد الخليفة نفسه, وأن المسئولية أولًا وأخيرًا هي مسئولية الخليفة, وآمن الخليفة عمر بن الخطاب بهذا المفهوم إيمانًا عميقًا عبر عنه في قوله: والله لو عثر بعير بالعراق لكنت مسئولًا عنه, ثم أكد هذا المفهوم مرارًا, وفي مناسبات عديدة, كان آخرها قوله: لئن عشت لأسيرن في الرعية حولًا, فإني أعلم أن للناس حوائج تُقطع دوني, يعني لا يصلني خبرها, أما عمالهم -أي عمال الرعية- فلا يرفعونها, وأما هم -أي الرعية أنفسهم- فلا يصلون إليَّ, فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين, ثم أسير إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين, ثم أسير إلى مصر فأقيم بها شهرين, ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين, ثم أسير إلى
стр. 654
الكوفة فأقيم بها شهرين, ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين, والله لنعم الحول هذا.
وواجه الخليفة عمر بن الخطاب بهذه الروح الإسلامية الواسعة الأفق, وبمفهومها عن السلطات, واجه مشكلة التنظيم الإداري للدولة الإسلامية النامية, واتخذ خطوات عملية في تلك السبيل شهدت له بالقدرة الفائقة على التنسيق بين جميع النظم التي تكفل للدولة الاستقرار, وتجنبها المتاعب, والهزات الهدامة؛ إذ أجاد الجمعَ بين النظم الإدارية التي سبق أن تقررت قواعدها على عهد الرسول الكريم ﷺ وبين متطلبات الوضع الجديد للدولة الإسلامية, بعد الفتوحات الشاسعة التي تمت على عهده, وشيَّد نظامًا إداريًّا مركزيًّا كَفَلَ الطمأنينة, والرفاهية, لجميع القاطنين في ظله, وقدم لهم -أيضًا- المثل العملي عن مفهوم السلطان في الإسلام.
وظهرت طلائع التجاوب بين مفهوم السلطان في الإسلام وما اقترن به من نظم, وبين النظم القديمة في البلاد المفتوحة, في احتفاظ الخليفة عمر بن الخطاب بمنصب الأمير الذي سبق أن تقرر على عهد الرسول الكريم؛ إذ عين الخليفة على كل بلد من البلاد المفتوحة أميرًا, إلى جانب الإبقاء على النظم الإدارية لتلك البلاد, وعلى الموظفين من أبنائها.
وانقسمت الدولة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب إلى ثماني ولايات؛ ليسهل تنظيم إدارتها, وهي مكة, والمدينة, والشام, والجزيرة, والبصرة, والكوفة, ومصر, وفلسطين, وكان لكل ولاية أميرٌ يحمل أحيانًا لقب والٍ, ويقيم في حاضرة الولاية, أي في عاصمة الولاية, حيث يتخذ له مقرًّا خاصًّا, اشتهر باسم دار الإمارة, ويعتبر الأمير ممثلَ الخليفة, والرئيس السياسي, والمسئول الإداري عن جميع الأعمال أمام الخليفة مباشرة,
стр. 655
وكان الوالي يؤم المسلمين في المسجد الجامع بكل ولاية في صلاة الجمعة, والأعياد, بوصفه نائبًا عن الخليفة, ونال بذلك لقب أمير الصلاة, وهو تكريم يدل على هيبة الأمير؛ لأن إمامة الصلاة أمر كان يختص به الخلفاء, حيث تلقب الفرد منهم بلقب إمام, وتولى الأمير أيضًا رئاسة جيش الولاية, ونال في عهد التعيين لقب ولاية الحرب, وصار من واجباته الإشراف على شئون الحامية الموجودة في البلاد, وقيادتها بنفسه؛ لتأمين ولايته, وصد الأعداء عنه, وكان الأمير يجمع -أحيانًا وليس دائمًا- إلى جانب أعماله مهمةَ الإشراف على الإدارة المالية للولاية, التي أطلق عليها إذ ذاك اسم الخراج, ويعتبر مثل هذا الأمير مصدر السلطات في الولاية.
ووصف فقهاء النظم الإسلامية هذا اللون من التنظيم الإداري الأول على عهد عمر بن الخطاب بأنه إمارة عامة, ذلك أن الأمير كان يقود الجيش, ويؤم الصلاة, ويقضي في الخصومات, ويُجبِي الأموال, ولكن باستقرار الأوضاع عقب الفتوح, واتساع المطالب الإدارية, اضطر عمر بن الخطاب أن يعين إلى جانب الأمير عاملًا لجباية الخراج, وكان عامل الخراج يتمتع -بدوره- بسلطات واسعة, وبخاصة في الولايات ذات الدخل الواسع, وبذلك أصبح منافسًا للأمير نفسه, وأقدم عمر بن الخطاب على هذه الخطوة في مصر, حيث جعل عمرو بن العاص على الجيش, وعين عبدَ الله بن سعد بن أبي السرح على جباية الخراج, وتخصصت بذلك إمرةُ عمرو بن العاص بعد أن كانت عامة, وصارت الإمارة الخاصة تعني في قول الفقهاء أن يكون الأمير فيها مختصًّا بتدبير الجيش, وسياسة الرعية, وحماية البيضة, والدفاع عن الحريم, ضمن حدود معينة, وليس له أن
стр. 656
يتعرض للقضاء, أو الأحكام, أو لجباية الخراج, أو الصدقة في شيء, حتى الإمامة في الصلاة, فربما كان القاضي أولى بها منه.
وساعد الأمير في تصريف الشئون الإدارية في البلاد المفتوحة رجالات الإدارة القديمة الذين احتفظ بهم الخليفة عمر بن الخطاب, سواء ممن كانوا يعملون في الإدارة البيزنطية, أو الساسانية؛ إذ أدرك هذا الخليفة بما أوتي من عقلية إدارية فذة أن توجيه دولته لما فيه الصالح العام يقتضي أن لا تشلَّ الإدارات القديمة, أو يبطل عملها في تلك الأقاليم التي استظلت بظل الإسلام, فاستقرار أحوال الدولة الإسلامية الفتيَّة يقتضي الاستفادة من تجارب الإدارة, والحكم, سواء عن البيزنطيين, أو الساسانيين, ونال عمر بن الخطاب بذلك لقب المؤسس الثاني للدولة الإسلامية, بعد الرسول الكريم ﷺ .
وأظهر عمر بن الخطاب تقديره للنظم الإدارية التي وجدها في البلاد المفتوحة, منذ زيارته لإقليم الشام؛ إذ وضع لهذا الإقليم تقسيمًا إداريًّا, جاء نموذجًا للجمع بين النظم الإسلامية, والبيزنطية, واستمرار الإدارة لحماية البلاد, وأمنها, فاحتفظ بالتقسيم الإداري الذي كان سائدًا هناك من قبل, وهو نظام كان ذا طابع خاص, يجمع فيه حاكم الإقليم إلى جانب مهامه المدنية سلطاتٍ حربية, فأبقى على هذا الوضع, وأطلق على تلك الأقسام الاسم العربي الأجناد جمع جند, وهي مرادفة للكلمة اليونانية بنود عند البيزنطيين, فصارت الأجناد تعني الأقاليم الحربية, التي يقيم في حاضرة كل منها فيلقٌ من فيالق الجيش, على نفس الأسس الإدارية التي سادت النظام البيزنطي.
وتعتبر ولاية مصر على عهد الخليفة عمر بن الخطاب نموذجًا كاملًا للنظام الإداري المركزي, من حيث قواعده, ومؤسساته, والطابع الإسلامي الجديد,
стр. 657
فانتقلت إلى عمرو بن العاص, وهو أول والٍ على مصر, على عهد الخليفة عمر بن الخطاب, انتقلت إليه مهام الحاكم البيزنطي العام, الذي كان يعرف باسم (سامبولوس) في البلاد, وامتد نفوذ عمر بن العاص إلى جوانب إدارية عديدة, وأخرى اقتضاها الوضع الإسلامي للبلاد, فأمَّ الناس في الصلاة نيابة عن الخليفة, وهو أمر كان ينص إذ ذاك على أنه الرئيس الأعلى للبلاد, وجمع عمرو أيضًا إلى جانب السلطان السياسي حق الإشراف على الإدارة المالية للبلاد, وهو أمر بالغ الأهمية, حيث يصبح الوالي الذي يجمع بين إمامة الناس في الصلاة, وجمع الخراج, صاحبَ سلطان مطلق, أي أن ولايته ولاية عامة, على نحو المصطلح الذي أطلقه الفقهاء من الباحثين في الشئون الإدارية للدولة الإسلامية.
وقد اعتز عمرو بن العاص بهذا السلطان الإداري, حتى قال: ولاية مصر جامعةً تعدل الخلافة, يعني تساوي الخلافة, ولكن ظل عمرو بن العاص -برغم هذا السلطان الواسع- نموذجًا للأمير المسلم الخاضع للإدارة المركزية وسلطانها, الأمين على تنفيذ تعاليمها المباشرة, فقد طلب الخليفة إلى عمرو بن العاص أن يسترشد بكبار رجال مصر في إدارته, ومعرفة أمثل السبل للقضاء على رواسب الإدارة البيزنطية القديمة فيها؛ ذلك أن مصر كانت تعاني الكثير من المتاعب على يد الإدارة البيزنطية الاستعمارية, والتي كان هدفها ابتزاز ثروة البلاد, فكانت مصر تعاني في القرن السابق للفتح الإسلامي مباشرة, كانت تعاني حالة من الفوضى, سببها: أن البيزنطيين -أي الروم- اعتبروا الفلاحين من أهلها مجرد أدوات لإنتاج القمح, وأن رجال الإدارة
стр. 658
فيها موكول إليهم فقط ابتزاز الأموال من الرعية, دون أن يكون من مهامهم توفير الرفاهية لها, أو تحسين أحوال الناس وتلبية مطالبهم, وامتثل عمرو بن العاص لأوامر الخليفة عمر, وسأل (بنيامين) أسقف مصر, سأله عن خير وسيلة لإدارة البلاد, وتنظيم أمورها, فأشار (بنيامين) بما يلي:
قال له: يا أمير: عليك أن تأتي عمارتها -أي مصر- من وجوه خمسة: أن يُستخرج خراجها في إبَّان واحد, عند فراغ أهلها من زروعهم, يعني في وقت واحد, عندما يفرغ الأهالي من حصد الزراعات, ويرفع خراجها في إبان واحد, عند فراغ أهلها من عصر كرومهم, يعني يؤخذ منهم الخراج في وقت واحد, عندما ينتهون من عصير العنب الذي كانوا يزرعونه, وأيضًا تحفَر خلجانها, وتسَد ترعها, وجسورها, هذه كانت الوصية.
وعلق (بنيامين) على اشتراط أن لا يختار عاملًا ظالمًا ليلِي أمور الناس؛ لأنه رجل الإدارة المسئول عن تنفيذ الشروط الأخرى, التي رأى ضرورة توافرها لعمران البلاد.
وسار عمرو بن العاص فعلًا على هدي أقوال (بنيامين) المصري, إذ أتاح للأهالي الاشتراك معه في إدارة البلاد, وذلك بما يهيئ لهم الإفادة من عدالة الإدارة الإسلامية, مع الاحتفاظ -في الوقت نفسه- بما ألفوه من نظم إدارية في ظل الدولة البيزنطية.
الدواوين التي أنشاها عمر بن الخطاب
ونحن بصدد الحديث عن الإدارة في عهد عمر بن الخطاب, من الواجب علينا أن نلقي الضوء على بعض الأنظمة التي أنشأها وابتدعها الخليفة عمر بن الخطاب,
стр. 659
والتي لم تكن موجودة قبله, لا في عهد النبي ﷺ ولا في عهد الخليفة أبي بكر ﵁ وأرضاه- ومن أهم هذه الأنظمة الإدارية التي أنشأها وابتدعها عمر بن الخطاب, نظام الدواوين, ونشأة بيت المال, وتنظيم الجيش الإسلامي, وهو ما سنلقي عليه الضوء فيما يلي:
أولًا: الدواوين:
الديوان: هو موضع لحفظ ما يتعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال, ومن يقوم بها من الجيوش والعمال.
وأول من وضع الديوان في الإسلام هو عمر بن الخطاب, فكان عمر أول من دون الدواوين, ومعنى أنه دون الدواوين, أي أنشأها, على مثال دواوين الفرس, والروم, وقد دونها له عقيل بن أبي طالب, ومخرمة بن نوفل, وجبير بن مطعم, وكانوا من نبهاء قريش.
وأهم هذه الدواوين التي أنشأها عمر بن الخطاب:
١ - ديوان الإنشاء, أو الرسائل:
يمكن القول في ضوء ما ذكرناه أن الديوان سجل تدون فيه الإحصائيات, والأسماء, والمرتبات, والتعليمات الإدارية, والرسائل المتبادلة, كما أنه يمكن القول أنه المكان الذي توضع فيه الرسائل, والمعاهدات, والصكوك, فإن صح ذلك فإننا نستطيع القول أن عمر بن الخطاب هو أول من وضع ديوان الإنشاء في الإسلام, وأن عمر قد جعل تابوتًا -أي صندوقًا- لجمع صكوكه, ومعاهداته.
стр. 660
يقول البعض: وأما كتابة الإنشاء, أو ما عرف فيما بعد بديوان الإنشاء, فلم يكن هناك حاجة لإنشائه في ذلك الوقت المبكر, فما كان الخليفة عمر يقبل إلا أن يكون على صلة مباشرة بولاته, وعماله, يقرأ بنفسه ما يرد منهم من رسائل, ويكتب لهم بنفسه ما يريده, وكل ما وُجد متصلًا بالإنشاء في ذلك العهد هو هؤلاء الكتاب الذين كانوا على غرار كتاب الرسول ﷺ وهم الذين يكتبون ما يمليهم عليه الخليفة, ومن أشهر كتَّاب عمر: زيد بن ثابت, وعبد الله بن الأرقم.
ويقول البعض أيضًا: لم يكن ثمة ديوان رسمي لحفظ الوثائق الرسمية قبل أن ينشئه عمر, فقد كان الرسول ﷺ يكتب إلى عماله, وإلى رؤساء الدول الأجنبية في بعض المناسبات, وكانت هذه الكتب, والردود عليها, تحفظ عنده بالمدينة, وقد صنع أبو بكر صنيعه, أما في عهد عمر فقد كثرت الكتب بدرجة مألوفة, فأنشأ الديوان الخاص بها في المدينة, وهو ما أُطلق عليه ديوان الإنشاء, أو ديوان الرسائل.
ويمكننا أن نستخلص مما سبق أن ما يسمى بديوان الإنشاء قد أخذ شكلًا متميزًا في عهد عمر عما كان عليه في عهد الرسول ﷺ وأبي بكر, وأن عمر قد وضعه قبل الدواوين الأخرى, أما الدواوين الأخرى كديوان العطاء, وديوان الجند, وديوان الجباية, فهي الدواوين التي أنشأها عمر على غرار مثيلاتها عند الفرس, والروم.
٢ - نتحدث الآن عن ديوان العطاء, أو ما يسمى ديوان الأموال:
وهو ديوان توزيع الأموال على الرعية, والعاملين في مختلف أجهزة الدولة, واتجه هذا الديوان إلى مسائل الأموال, وإحصائها, وإحصاء المستحقين, وطريقة
стр. 661
توزيع الأموال عليهم, وكان هذا السجل, أي الديوان موجودًا في المدينة, وكان أكثر من سجل, بحيث كان لكل قبيلة سجلها الخاص, كما كان عمر حريصًا أشد الحرص على أن يصل العطاء والمال إلى كل ذي حق حقه, وقيل: إن عمر كان يحمل سجل كل قبيلة من القبائل, ويذهب إليها بنفسه في موطنها, ويعطي أفرادها عطاءهم في أيديهم.
وكان لهذا الديوان الذي أنشأه عمر بالمدينة فروع في العراق, والشام, ومصر, وبهذا تيسر لكل مسلم أن يقبض عطاءه من البلد الذي هو فيه, وأصبح كل والٍ مسئولًا عن إيصال العطاء إلى أصحابه في ولايته, كما كان عمر يوصل العطاء لأصحابه في المدينة, وحولها.
وبجوار فروع هذا الديوان العربي كانت تقوم الدواوين المحلية التي تُركت في العراق, والشام, ومصر, كما كانت من قبل الإسلام, وقد استبقى عمر هذه الدواوين بموظفيها, ولغاتها, فكان ديوان الشام يُكتب باليونانية, وديوان فارس, والعراق, بالفارسية, وديوان مصر بالقبطية, وقد ترك عمر هذه الوظائف في يد غير المسلمين؛ لأن الفاتحين كانوا عربًا أميين, لا يحسنون الكتابة, والحساب, فكانوا يستعملون في الحساب أهل الكتاب, أو أفرادًا من الموالي العجم ممن يجيده, وكان قليلًا فيهم.
وقد أمر عمر بن الخطاب كتَّابه أن يكتبوا الناس على ترتيب الأنساب, ابتداء من قرابة الرسول ﷺ وما بعدها, الأقرب فالأقرب, وكانت تلك سياسة عمر, يفاضل منها في العطاء بين أقارب الرسول, وسواهم, الأقرب فالأقرب, فإذا تساوى اثنان في درجة القرابة فضَّل ذا السابقة في الإسلام,
стр. 662
وقد عبر عمر عن سبب ذلك الاتجاه بقوله: ما أدركنا الفضل في الدنيا, ولا رجونا الثواب في الآخرة, إلا بمحمد ﷺ فهو أشرفنا, وقومه أشرف العرب وفي غير أقارب الرسول ﷺ كان عمر يفضل السابقين على اللاحقين, ويؤيد ذلك بقوله: والله لا أجعل من قاتل رسول الله كمن قاتل معه أي في العطاء.
ومما يذكر أن أبا بكر كان يعطي المسلمين عطاءً متساويًا, دون أن ينظر إلى النسب, أو للسبق في الإسلام, وحين أشير عليه بأن يفاضل بين الناس تبعًا للفضل والسبق, قال: أما ما ذكرتم من السبق والفضل فما أعرفني به؟ وإنما ذلك شيء ثوابه عند الله, وهذا معاش, يعني الأموال التي توزع على الناس هي معاش, فالأسوة فيه خير من الأثرة, يعني أن يأخذ الناس بالتساوي بدل أن نفاضل بينهم, على أن عمر في آخر أيامه مال إلى رأي أبي بكر, وأُثر عنه قوله: لئن عشت إلى هذه الليلة من قابل لألحقن آخر الناس بأولهم, حتى يكونوا في العطاء سواء, ولكنه توفى قبل ذلك.
كما فرض عمر للنساء والأطفال, فرض لهم من العطاء, وكان يفرض للطفل بعد فطامه, فأدرك أن الناس يتعجلون فطام أطفالهم؛ ليحظوا بالعطاء, فأمر مناديًا أن ينادي: لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام, وكتب بذلك إلى الآفاق أن يُفرض لكل مولود في الإسلام, ففرض عمر لكل مولود مائة درهم, فإذا ترعرع بلغ به مائتي درهم, فإذا بلغ رشده زاد له في العطاء, قال عمر: والذي لا إله إلا هو ما أحد إلا وله في هذا المال حق أُعطيه أو مُنعه, وما أحد أحق به من أحد, إلا عبد مملوك, وما أنا فيه إلا كأحدكم, ولكنا على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول الله ﷺ فالرجل وبلاؤه
стр. 663
في الإسلام, والرجل وقِدمه في الإسلام, والرجل وغناؤه في الإسلام, والرجل وحاجته في الإسلام, والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظَّه من هذا المال وهو مكانه قبل أن يحمر وجهه, يعني في طلبه.
ولم يقتصر فرض العطاء على العرب المسلمين, بل إن هذا العطاء شمل بعض الأعاجم من مسلمين, وغيرهم, كما أن عمر فرض لأهل الكتاب من يهود, ونصارى, بعض العطاء, وأعفى الشيوخ منهم من الجزية, فقد مر عمر بسائلٍ شيخٍ كبيرٍ ضرير البصر, فضرب عضدَه من خلفه, وقال من أي أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي, قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية, والحاجة, والسن, فأخذ عمر بيده إلى منزله, فأعطاه شيئًا من المال, ثم أرسل إلى خازن بيت المال, فقال له: انظر هذا, وضرباءه, يعني من هم على أمثاله, فوالله ما أنصفناه, أكلنا شبيبته, ثم خذلناه عند الهرم, وتلا قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (التوبة: من الآية: ٦٠) فالفقراء هم المسلمون, وهذا من المساكين من أهل الكتاب.
كان هذا ديوان العطاء الذي أنشأه, وأقره عمر, واصفًا فيه, ولأول مرة في تاريخ الدولة الإسلامية إحصائية شاملة لرعايا المسلمين, ولبعض المستحقين من أهل الكتاب, والأعاجم, وفرض لهم الأعطيات والمرتبات الثابتة.
٣ - ثم نتحدث الآن عن ديوان الجباية, أو الخراج والجزية:
وهو الديوان الذي سُجلت فيه الأموال الواردة للدولة من زكاة أموال المسلمين, والخراج, والجزية, المفروضة على الأراضي المفتوحة, ورءوس الناس الذي لم يدخلوا في الإسلام,
стр. 664
ففي عهد عمر فتحت سورية, وفلسطين, وسواد العراق, وأكثر أقاليم الفرس, كما فتحت مصر, وأفريقية من أقاليم الروم, فكتب أبو عبيدة من الشام, كما كتب من قبله سعد بن أبي وقاص من العراق إلى عمر بقسمة الأرض, والفيء, والمغانم بين المسلمين, إلا أن عمر -وبعد استشارة أهل الرأي في المدينة- أبقى الأرض المفتوحة بأيدي أهلها, وفرض عليهم الخراج, وهو ضريبة على الأرض, وأيضًا فرض عليهم الجزية وهي ضريبة الرءوس, وقد كان هذا سببًا أساسيًّا في إنشاء هذا الديوان, الذي أصبح موردًا رئيسيًّا من موارد بيت المال.
التجنيد الإجباري، ونشأة بيت المال
ومن أهم الأشياء التي نظمها, واهتم بأمرها عمر بن الخطاب, هو تنظيم الجيش الإسلامي, وجعْل التجنيد إجباريًّا, فلم يكن الجيش في عهد الرسول ﷺ منظمًا, وعندما أذن الله لرسوله, وأصحابه, بالقتال, كانت الدعوة للجهاد لمن أراد طواعية, وإنَّ وقائع سيرة الرسول ﷺ لا تشير إلى إلزامه نفرًا من أصحابه بالتجنيد, يعني كان لا يُلزم أحدًا بأن يقاتل مع المسلمين, فقد كان يكتفي بحض المؤمنين على القتال, وكان ﵇ يؤثر أن يصحبه في المعركة من أقبل على القتال عن رضا وطواعية, فأما المتباطئ المتثاقل فكان يقول لصحبه إذا ذكروه: دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم, وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه, وكثيرا ما كان يقول للمؤمنين قبيل المعركة: لا يخرج معنا إلا راغب في الجهاد, ثم فتح الله لرسوله مكة فتحًا مبينًا, ودخل الناس في دين الله أفواجًا, وأمسى عدد المؤمنين كبيرًا, وبات ممكنًا إعداد جماعة تعني بأمر القتال, إلا أنه لم تشكَّل جندية إلزامية, بل تمثلت في المسلمين ملامح التطوع في أغلب الحالات.
стр. 665
ولعل إمارة الجيش قد أصابت من التنظيم الرسمي أكبر من حظ التجنيد, فقد كان النبي ﷺ يؤمر الرجل على القوم وفيهم من هو خير منه؛ لأنه أيقظ عينًا, وأبصر بالحرب, وبهذا نفسر اختياره حمزة بن عبد المطلب, وسعد بن أبي وقاص, وخالد بن الوليد, وأمثالهم, لقيادة السرايا سرًّا من أسرار الفوز في جل المعارك التي خاضها المسلمون في حياة الرسول ﷺ , أما أبو بكر فقد سار على نهج الرسول ﷺ في ندب الناس إلى القتال عند الحاجة إليهم, وظل يستنفر الراغبين, ولا يُكره المتخلفين.
لكن في ضوء هذه الحالة الاجتماعية التي سادت أطراف الجزيرة العربية, وما جاورها من دول حضارية, لم يكن بد من أن تتغير الحال في عهد عمر بن الخطاب, فنظر عمر بن الخطاب إلى نظام التجنيد نظرة جديدة, فيها ترغيب, وتشديد, أما عن نظرة الترغيب فقد ذكر الناس بجدب الجزيرة العربية, وما ينتظرهم من الفيء في إتمام فتوح العراق, فليست الحجاز لهم بدار فيها الرفاهية, والتقدم, وأما عن نظرة الشدة والترهيب, فقد أمر عمر عماله على الأقاليم بإحضار كل فارس ذي نجدة, أو رأي, أو فرَس, أو سلاح, فإن جاء طائعًا, وإلا حشروه حشرًا, وقادوه مقادًا، أي أمرهم بأن يحضروا إليه كل إنسان قادر على القتال, معه أدوات القتال, حتى ولو لم يرض, واستعجلهم في ذلك بحزمه المشهور قائلًا: لا تدَعوا أحدًا إلا وجهتموه إليَّ, والعجل العجل, يعني أسرعوا في هذا.
لكن عمر كان يفكر بالتجنيد الإلزامي الموقوف للجهاد, فلم يكن ليرضيه تطوع المتطوعين, ولما دون الديوان, ورتب للمسلمين أرزاقهم السنوية, خرجت فكرته
стр. 666
إلى حيز الوجود, فاقترنت نشأة الديوان بنشأة التجنيد النظامي الرسمي, وحُددت للجنود النظاميين عطاياهم, ومرتباتهم من بيت مال المسلمين.
ومن مظاهر التنظيم التي أضفاها عمر على الجيش انه أخذ أصول طائفة منها, عن الرسول ﷺ وأدخل عليها بعض التعديلات, واقتبس طائفة أخرى عن الفرس, والروم؛ لتلائم حاجات الجيش الإسلامي, فقد استعمل عمر رتبي النقيب, والعريف, فالعرافة في كتاب عمر هذا تناولت الناس, فكأنهم المدنيون, في حين تناول التأمير, والتعبئة الجندَ, وهم العسكريون, وهذه أول ميزة من ميزات التنظيم العسكري عند عمر, فالعريف في عهد عمر بات ينوب عن قبيلته, على حين كان العريف في الجند ينوب عن عشرة من الأجناد, وتشير المصادر التاريخية الموثوقة أن الجيش الإسلامي في عهد عمر قد عرف رتبة الخليفة على خمسين جنديًّا, والقائد على مائة, وأمير الكردوس على ألف, وأمير الجيش على عشرة آلاف أو تزيد, وقد أنشأ عمر في المدينة معسكرًا للتدريب قبل الإمداد, وكان يشرف بنفسه على تدريب الجند, ولا سيما الفرسان في مكان اسمه الحم القريب من المدينة, فيشهد -إن صح التعبير- عرضًا عسكريًّا, أو مناورات حربية, وكان يصحب معه في تلك التمرينات اليومية نعاة الإبل, أي الخبراء بأدوائها, وأمراضها؛ ليشرفوا على بيطرتها.
وقد عين على خيل الجيش بالكوفة سلمان بن ربيعة الباهلي, فسماه الناس سلمان الخيل؛ لخدمة أمرها, وخبرته بها, وأقام عمر الحصون, والمعسكرات
стр. 667
الدائمة, لراحة الجنود في أثناء الطريق, بعد أن كانوا يقطعون المسافات الطويلة على ظهور الخيل والإبل, ولا يرتاحون إلا في أكواخ مصنوعة من سعف النخل, ثم أنشأ لجنده المدن يسكنونها بعيدين عن أهل الأرض المفتوحة, وأقيمت الحاميات لصد هجمات الأعداء المفاجئة, ثم دون لهم ديوان الجند, وقرر لهم الأرزاق الدائمة, وهذه ميزة الميزات, ومفخرة من مفاخر عمر, وسبب في إنشاء الجيش النظامي.
ومن الأشياء التي أنشأها عمر أيضًا بيت المال:
فلم تكن الحاجة ماسة لوجود بيت المال في عهد الرسول الكريم ﷺ ؛ لأن الحياة كانت بسيطة, فكانت الإيرادات من الغنائم, والزكاة, وغيرها, ترد للدولة الناشئة, وتوزع في الحال على المستحقين, الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٦٠) وفي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (الأنفال: من الآية ٤١) وقد سار أبو بكر سيرة الرسول ﷺ وصنع صنيعه, وجرى الأمر في العهد الأول من خلافة عمر, لكن اتساع رقعة الفتح, زاد في أموال الفيء, كما فتح موردًا آخر أغزر مادة وأبقى, ذلك مورد الخراج, والجزية, وقد بلغت غزارة هذا المال والمورد قبل أن يتم فتح فارس, وقبل أن يبدأ فتح مصر مبلغًا حمل الخليفة عمر في التفكير في إقامة نظام مالي للدولة الناشئة, فكان لا بد من التطوير في نظام الدولة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب؛
стр. 668
لطول عهده, ولأن الله فتح للمسلمين في خلافته بلاد فارس, والشام, ومصر, فتشعبت أمور الدولة الإسلامية, وتفرعت مطالبها, وزادت ماليتها, وفي الوقت نفسه اتصلت الدولة الناشئة بحضارات عريقة في الدول المفتوحة, مما نبه عمر إلى الاستفادة بما في هذه الدول من نظم لحل المشكلات الإدارية, والتنظيمية, التي تواجهها الدولة الإسلامية, وللرقي بها خطوات إلى الأمام.
وهكذا أنشأ عمر الدواوين كما سبق, وكان لزامًا على عمر إنشاء بيت المال, وأن يضع أسسه, وينهض به, فقد وظَّف القضاة والولاة, ورتَّب الجند, وجعل الجندية عملًا دائمًا كما رأينا, وأصبح الجند يرابطون في الثغور, وكان لهم ديوان الجند, وقد حُددت لهم, ولذويهم, رواتب ونفقات منظمة, كما فرض العطاء للمسلين, وكان لهم ديوان العطاء, وأنشأ ديوان الجباية؛ لاستقبال الخراج, والجزية, فارتباط عمر بالعطاء, وصرف المرتبات على جنده وعماله, أحوجه للادخار؛ ليوفي بما ارتبط به, وبالتالي احتاج لبيت المال؛ ليضع فيه هذه المدخرات, وكشوف المستحقين, فبيت المال يشمل النظر في كل ما يتعلق بأموال الدولة من زكاة, وخراج وجزية, وفيء, وغير ذلك.
ويسمَّى بيت المال الديوان السامي, أو ديوان الأموال, وهو أصل الدواوين, ومرجعها, ووظيفته أن يثبت في جرائده جميع المستحقات لبيت المال على أصنافهم, من عين, وغلال, وحيوان, كما يثبت الأموال المستحقة على بيت المال كأرزاق الجيش, والقضاة, وأثمان ما يلزم من أسلحة, وغير ذلك مما ينفق في سبيل المصلحة العامة.
وقد أتاحت الشريعة الإسلامية بنظومها الفرصة لتنظيم الشئون المالية في الإسلام, فقد بيَّن الله مصارف الزكاة, وخُمس الغنائم, والفيء, وسكت عن
стр. 669
بيان المصارف الأخرى تاركًا ذلك لاجتهاد أولي الأمر؛ إذ إن النصيب الذي كان للرسول أصبح بعد وفاته ينفق على مصالح المسلمين.
هذا بالنسبة للأشياء التي أنشأها عمر -رضي الله ﵎ عنه- ورأينا كيف أن عمر أوقف العطاء عن المؤلفة قلوبهم, وذوي القربى, فأتيحت بذلك لولاة الأمور أن يتصرفوا في هذه الأشياء حسبما تقتضي الحاجة, فكان عمر يصرف الزكاة, وخُمس الغنائم, والفيء, على ما رسم الشارع الإسلامي, وكان يدخر مما عداها في بيت المال القدر الذي يفي بالنفقات الأخرى, والرواتب طوال العام, وهكذا أنشأ بيت المال الذي يعتبر أول وزارة مالية في الدولة الإسلامية.
وبهذا نكون قد انتهينا من هذه المحاضرة، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٥ - رقابة عمر بن الخطاب لعماله ، والإدارة عند الأمويين، والوزارة في الإسلام
رقابة عمر بن الخطاب لعماله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن الإدارة في عهد عمر بن الخطاب، وبيّنا التنظيمات الإدارية التي أنشأها عمر بن الخطاب والتي تكمن في الدواوين المختلفة ثم إنشاءه لبيت المال ثم جعله التجنيد إجباريًّا في الجيش المسلم، ونريد الآن أن نتحدث عن رقابة عمر لعماله فنقول:
كان لعمر طرقه الخاصة في اختيار الولاة والعمال، فهو لم يعين واليًَا أو عاملًا إلا بعد اختبارات واسعة علنية وسرية، وبعد أن يسأل عنه ويتأكد من صلاحيته، وكان يشترط عليه ألا يغلق بابه دون حوائج الناس، وأيضًا كان لا يولي عملًا لرجل يطلبه وكان يقول في ذلك: من طلب هذا الأمر لم يُعن عليه، يعني: لم يمكّن منه، وقد سار على هذا النهج اقتداء بسنة الرسول ﷺ إذ قال لطالب عمل: ((إنا لا نستعين على عملنا بمن يطلبه)).
وكان عمر لا يولي أحدًا لا يرحم، فقد أمر بكتابة عهد لرجل قد اختبره وأراد أن يعيّنه فبينما الكاتب يكتب جاءه صبي فجلس في حجر عمر فلاطفه فقال الرجل: يا أمير المؤمنين لي عشرة أولاد مثله ما دنا أحد منهم مني قال عمر: فما ذنبي إن كان الله نزع الرحمة من قلبك، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ثم قال: مزّق الكتاب فإنه إذا لم يرحم أولاده فكيف يرحم الرعية.
стр. 670
وكان عمر يمنع عماله وولاته من الدخول في الصفقات العامة سواء أكانوا بائعين أو مشترين، روي أن عاملًا لعمر بن الخطاب اسمه الحارث بن كعب بن وهب ظهر عليه الثراء فسأله عمر عن مصدر ثرائه فأجاب: خرجت بنفقة معي فتَجِرت بها فقال عمر: أما والله ما بعثناكم لتتجروا، وأخذ منه ما حصل عليه من ربحه.
وكان عمر لا يولي أحدًا من أقاربه وقد أعلن هذا المبدأ في الاختيار منذ توليه الحكم إذ قال: "من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولّى رجلًا لمودة أو قرابة فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" وقد صار عمر على هذا النهج مقتديًا نهج الرسول ﷺ وأبا بكر بعدم توليته ذي القربى مناصب هامة في الأمصار، وقد بين عمر للناس موقفه من الولاة فقال: أنا مسئول عن أمانتي وما أنا فيه ومطلع على ما يحضرني بنفسي إن شاء الله، ولا أستطيع ما بعد منه إلا بالأمناء، يعني: لا أولي على عملي بعيد عني إلا الأمناء وأهل الصفح منكم للعامة.
كما أكد سياسته تجاه عماله بقوله: أيها الناس إني والله ما أرسل إليكم عمالًا ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أعشاركم، ولكن أرسلهم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فُعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إليّ فوالذي نفس عمر بيده لأقصنّه منه، وقال لعماله أمام الناس: ألا وإني لم أبعثكم أمراء ولا جبارين ولكن بعثتكم أئمة الهدى يهتدى بكم، فأدوا للمسلمين حقوقهم ولا تضربوهم فتذلوهم، ولا تجحدوهم فتفتنوهم، ولا تغلقوا الأبواب دونهم فيأكل قويّهم ضعيفهم، ولا تستأثروا عليهم فتظلموهم ولا تجهلوا عليهم، فإذا رأيتم بهم كلالة فكفوا عن
следующие страницы →