Полный текст (825 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
إلى حيز الوجود, فاقترنت نشأة الديوان بنشأة التجنيد النظامي الرسمي, وحُددت للجنود النظاميين عطاياهم, ومرتباتهم من بيت مال المسلمين.
ومن مظاهر التنظيم التي أضفاها عمر على الجيش انه أخذ أصول طائفة منها, عن الرسول ﷺ وأدخل عليها بعض التعديلات, واقتبس طائفة أخرى عن الفرس, والروم؛ لتلائم حاجات الجيش الإسلامي, فقد استعمل عمر رتبي النقيب, والعريف, فالعرافة في كتاب عمر هذا تناولت الناس, فكأنهم المدنيون, في حين تناول التأمير, والتعبئة الجندَ, وهم العسكريون, وهذه أول ميزة من ميزات التنظيم العسكري عند عمر, فالعريف في عهد عمر بات ينوب عن قبيلته, على حين كان العريف في الجند ينوب عن عشرة من الأجناد, وتشير المصادر التاريخية الموثوقة أن الجيش الإسلامي في عهد عمر قد عرف رتبة الخليفة على خمسين جنديًّا, والقائد على مائة, وأمير الكردوس على ألف, وأمير الجيش على عشرة آلاف أو تزيد, وقد أنشأ عمر في المدينة معسكرًا للتدريب قبل الإمداد, وكان يشرف بنفسه على تدريب الجند, ولا سيما الفرسان في مكان اسمه الحم القريب من المدينة, فيشهد -إن صح التعبير- عرضًا عسكريًّا, أو مناورات حربية, وكان يصحب معه في تلك التمرينات اليومية نعاة الإبل, أي الخبراء بأدوائها, وأمراضها؛ ليشرفوا على بيطرتها.
وقد عين على خيل الجيش بالكوفة سلمان بن ربيعة الباهلي, فسماه الناس سلمان الخيل؛ لخدمة أمرها, وخبرته بها, وأقام عمر الحصون, والمعسكرات
стр. 667
الدائمة, لراحة الجنود في أثناء الطريق, بعد أن كانوا يقطعون المسافات الطويلة على ظهور الخيل والإبل, ولا يرتاحون إلا في أكواخ مصنوعة من سعف النخل, ثم أنشأ لجنده المدن يسكنونها بعيدين عن أهل الأرض المفتوحة, وأقيمت الحاميات لصد هجمات الأعداء المفاجئة, ثم دون لهم ديوان الجند, وقرر لهم الأرزاق الدائمة, وهذه ميزة الميزات, ومفخرة من مفاخر عمر, وسبب في إنشاء الجيش النظامي.
ومن الأشياء التي أنشأها عمر أيضًا بيت المال:
فلم تكن الحاجة ماسة لوجود بيت المال في عهد الرسول الكريم ﷺ ؛ لأن الحياة كانت بسيطة, فكانت الإيرادات من الغنائم, والزكاة, وغيرها, ترد للدولة الناشئة, وتوزع في الحال على المستحقين, الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٦٠) وفي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (الأنفال: من الآية ٤١) وقد سار أبو بكر سيرة الرسول ﷺ وصنع صنيعه, وجرى الأمر في العهد الأول من خلافة عمر, لكن اتساع رقعة الفتح, زاد في أموال الفيء, كما فتح موردًا آخر أغزر مادة وأبقى, ذلك مورد الخراج, والجزية, وقد بلغت غزارة هذا المال والمورد قبل أن يتم فتح فارس, وقبل أن يبدأ فتح مصر مبلغًا حمل الخليفة عمر في التفكير في إقامة نظام مالي للدولة الناشئة, فكان لا بد من التطوير في نظام الدولة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب؛
стр. 668
لطول عهده, ولأن الله فتح للمسلمين في خلافته بلاد فارس, والشام, ومصر, فتشعبت أمور الدولة الإسلامية, وتفرعت مطالبها, وزادت ماليتها, وفي الوقت نفسه اتصلت الدولة الناشئة بحضارات عريقة في الدول المفتوحة, مما نبه عمر إلى الاستفادة بما في هذه الدول من نظم لحل المشكلات الإدارية, والتنظيمية, التي تواجهها الدولة الإسلامية, وللرقي بها خطوات إلى الأمام.
وهكذا أنشأ عمر الدواوين كما سبق, وكان لزامًا على عمر إنشاء بيت المال, وأن يضع أسسه, وينهض به, فقد وظَّف القضاة والولاة, ورتَّب الجند, وجعل الجندية عملًا دائمًا كما رأينا, وأصبح الجند يرابطون في الثغور, وكان لهم ديوان الجند, وقد حُددت لهم, ولذويهم, رواتب ونفقات منظمة, كما فرض العطاء للمسلين, وكان لهم ديوان العطاء, وأنشأ ديوان الجباية؛ لاستقبال الخراج, والجزية, فارتباط عمر بالعطاء, وصرف المرتبات على جنده وعماله, أحوجه للادخار؛ ليوفي بما ارتبط به, وبالتالي احتاج لبيت المال؛ ليضع فيه هذه المدخرات, وكشوف المستحقين, فبيت المال يشمل النظر في كل ما يتعلق بأموال الدولة من زكاة, وخراج وجزية, وفيء, وغير ذلك.
ويسمَّى بيت المال الديوان السامي, أو ديوان الأموال, وهو أصل الدواوين, ومرجعها, ووظيفته أن يثبت في جرائده جميع المستحقات لبيت المال على أصنافهم, من عين, وغلال, وحيوان, كما يثبت الأموال المستحقة على بيت المال كأرزاق الجيش, والقضاة, وأثمان ما يلزم من أسلحة, وغير ذلك مما ينفق في سبيل المصلحة العامة.
وقد أتاحت الشريعة الإسلامية بنظومها الفرصة لتنظيم الشئون المالية في الإسلام, فقد بيَّن الله مصارف الزكاة, وخُمس الغنائم, والفيء, وسكت عن
стр. 669
بيان المصارف الأخرى تاركًا ذلك لاجتهاد أولي الأمر؛ إذ إن النصيب الذي كان للرسول أصبح بعد وفاته ينفق على مصالح المسلمين.
هذا بالنسبة للأشياء التي أنشأها عمر -رضي الله ﵎ عنه- ورأينا كيف أن عمر أوقف العطاء عن المؤلفة قلوبهم, وذوي القربى, فأتيحت بذلك لولاة الأمور أن يتصرفوا في هذه الأشياء حسبما تقتضي الحاجة, فكان عمر يصرف الزكاة, وخُمس الغنائم, والفيء, على ما رسم الشارع الإسلامي, وكان يدخر مما عداها في بيت المال القدر الذي يفي بالنفقات الأخرى, والرواتب طوال العام, وهكذا أنشأ بيت المال الذي يعتبر أول وزارة مالية في الدولة الإسلامية.
وبهذا نكون قد انتهينا من هذه المحاضرة، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٥ - رقابة عمر بن الخطاب لعماله ، والإدارة عند الأمويين، والوزارة في الإسلام
رقابة عمر بن الخطاب لعماله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن الإدارة في عهد عمر بن الخطاب، وبيّنا التنظيمات الإدارية التي أنشأها عمر بن الخطاب والتي تكمن في الدواوين المختلفة ثم إنشاءه لبيت المال ثم جعله التجنيد إجباريًّا في الجيش المسلم، ونريد الآن أن نتحدث عن رقابة عمر لعماله فنقول:
كان لعمر طرقه الخاصة في اختيار الولاة والعمال، فهو لم يعين واليًَا أو عاملًا إلا بعد اختبارات واسعة علنية وسرية، وبعد أن يسأل عنه ويتأكد من صلاحيته، وكان يشترط عليه ألا يغلق بابه دون حوائج الناس، وأيضًا كان لا يولي عملًا لرجل يطلبه وكان يقول في ذلك: من طلب هذا الأمر لم يُعن عليه، يعني: لم يمكّن منه، وقد سار على هذا النهج اقتداء بسنة الرسول ﷺ إذ قال لطالب عمل: ((إنا لا نستعين على عملنا بمن يطلبه)).
وكان عمر لا يولي أحدًا لا يرحم، فقد أمر بكتابة عهد لرجل قد اختبره وأراد أن يعيّنه فبينما الكاتب يكتب جاءه صبي فجلس في حجر عمر فلاطفه فقال الرجل: يا أمير المؤمنين لي عشرة أولاد مثله ما دنا أحد منهم مني قال عمر: فما ذنبي إن كان الله نزع الرحمة من قلبك، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ثم قال: مزّق الكتاب فإنه إذا لم يرحم أولاده فكيف يرحم الرعية.
стр. 670
وكان عمر يمنع عماله وولاته من الدخول في الصفقات العامة سواء أكانوا بائعين أو مشترين، روي أن عاملًا لعمر بن الخطاب اسمه الحارث بن كعب بن وهب ظهر عليه الثراء فسأله عمر عن مصدر ثرائه فأجاب: خرجت بنفقة معي فتَجِرت بها فقال عمر: أما والله ما بعثناكم لتتجروا، وأخذ منه ما حصل عليه من ربحه.
وكان عمر لا يولي أحدًا من أقاربه وقد أعلن هذا المبدأ في الاختيار منذ توليه الحكم إذ قال: "من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولّى رجلًا لمودة أو قرابة فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" وقد صار عمر على هذا النهج مقتديًا نهج الرسول ﷺ وأبا بكر بعدم توليته ذي القربى مناصب هامة في الأمصار، وقد بين عمر للناس موقفه من الولاة فقال: أنا مسئول عن أمانتي وما أنا فيه ومطلع على ما يحضرني بنفسي إن شاء الله، ولا أستطيع ما بعد منه إلا بالأمناء، يعني: لا أولي على عملي بعيد عني إلا الأمناء وأهل الصفح منكم للعامة.
كما أكد سياسته تجاه عماله بقوله: أيها الناس إني والله ما أرسل إليكم عمالًا ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أعشاركم، ولكن أرسلهم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فُعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إليّ فوالذي نفس عمر بيده لأقصنّه منه، وقال لعماله أمام الناس: ألا وإني لم أبعثكم أمراء ولا جبارين ولكن بعثتكم أئمة الهدى يهتدى بكم، فأدوا للمسلمين حقوقهم ولا تضربوهم فتذلوهم، ولا تجحدوهم فتفتنوهم، ولا تغلقوا الأبواب دونهم فيأكل قويّهم ضعيفهم، ولا تستأثروا عليهم فتظلموهم ولا تجهلوا عليهم، فإذا رأيتم بهم كلالة فكفوا عن
стр. 671
ذلك فإن ذلك أبلغ في جهاد عدوكم، أيها الناس إني أشهدكم على أمراء الأمصار إني لم أبعثهم إلا ليفقهوا الناس في دينهم ويقسموا عليهم فيئهم ويحكموا بينهم، فإن أشكل عليهم شيء رفعوه إليّ.
وكان عمر يفرض لعماله وأمراء الجيوش والقرى في العطاء على قدر ما يصلحهم من الطعام، وما يقومون به من الأمور؛ حتى لا يكون لأي منهم عذر فلا تمتد يده لغير حقه، لقد كان عمر يختار للولاية أصلح الناس وأقدرهم للقيام بشئون المسلمين ولم يخضع في ذلك لأي ضغط أو إغراء، ونظم لعماله طرقًا للمحاسبة جعلته كأنه معهم حيثما كانوا، ووضع عليهم الرقباء والعيون يأتون بالأخبار أولًا بأول، فمن هذه الأشياء التي كان يمارسها مع عماله أنه كان يحصي ثروات الولاة عند تعيينهم، أي: أنه كان يحصي أموال العمال والولاة قبل الولاية ليحاسبهم على ما زادوه بعد الولاية مما لا يدخل في عداد الزيادة المعقولة، ومن تعلل منهم بالتجارة لم يقبل منه دعواه وكان يقول لهم: إنما بعثناكم ولاة ولم نبعثكم تجارًا، وقد كان عمر يعتمد في محاسبة عماله إلى وسائل متفرقة دقيقة، منها أنه كان يرصد لهم الرقباء والعيون من حولهم ليبلغوه ما ظهر وما خفي من أمرهم؛ حتى كان الوالي من كبار الولاة وصغارهم يخشى من أقرب الناس إليه أن يرفع نبأه إلى الخليفة، وكان عمر يرسل من عنده رسلًا يجمعون شكايات الشاكين ويتولون التحقيق والمراجعة فيها؛ ليستوفي البحث فيما ينقله الرقباء والعيون، ومنها أنه كان يأمر الولاة والعمال أن يدخلوا بلادهم نهارًا إذا رجعوا من ولاياتهم ليظهر معهم ما حملوه في عودتهم ويتصل نبأه بالحراس والأرصاد الذين يقيمهم على ملاقي الطريق.
стр. 672
ولم يكن عمر يقنع بأن يهتم بحسن اختيار عماله بل كان يبذل أقصى الجهد لمتابعتهم بعد أن يتولوا أعمالهم؛ ليطمئن على حسن سيرتهم ومخافة أن تنحرف بهم نفوسهم، وكان شعاره لهم "خير لي أن أعزل كل يوم واليًا من أبقي ظالمًا ساعة نهار" وقال: "أيما عامل لي ظلم أحدًا فبلغني مظلمته فلم أغيرها فأنا ظلمته" وقال يومًا لمن حوله: أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل أكنت قضيت ما عليّ؟ فقالوا: نعم، قال: لا، حتى أنظر في عمله، أعَمِل بما أمرته أم لا، وقال: هان شيء أصلح به قومًا أن أبدلهم أميرًا مكان أمير.
وكان عمر إذا استعمل عاملًا أحصى ماله وقد قاسم غير واحد منهم ماله إذا عزله، منهم سعد بن أبي العاص وأبي هريرة ولاته في العراق والبحرين، وكان يأمر عماله أن يدخلوا نهارًا ولا يدخلوا ليلًا كي لا يحجبوا شيئًا من الأموال كما ذكرنا، وأنشأ سعد بن أبي وقاص لسكناه دارًا في الكوفة وكانت الأسواق قريبة من داره، وكانت الأصوات المرتفعة بالسوق تؤذي سعدًا فوضع بابًا يحجز عنه أصوات الناس بالسوق، وبلغ ذلك أسماع عمر عن دار سعد وبابه وأن الناس يسمونه قصر سعد، فدعا محمد بن مسلمة وأرسله إلى الكوفة وقال له: اعمد إلى القصر يعني: اذهب إلى القصر حتى تحرق بابه، ثم ارجع عودك على بدئك يعني: ارجع فورًا، فخرج حتى قدم الكوفة فاشترى حطبًا ثم أتى به القصر فأحرق الباب أي: الباب الذي كان يحجب الرعية عن الأمير أو عن الوالي.
وكان يقيم بعض العقوبات العلنية للوالي المنحرف، فقد بلغ عمر أن والي حمص عبد الله بن قرط قد اتخذ عليّة احتجب فيها عن الناس -مكان مرتفع- فأرسل إليه بريدًا -أي: رسولًا- وأمره أن يجمع حطبًا ويحرق بابها، فلما قدم البريد حمص جمع الحطب وأحرق باب العلية، فدخل الناس على الوالي وذكروا له الخبر فقال لهم: دعوه فإنه رسول أمير المؤمنين، ثم دخل عليه فناوله
стр. 673
الكتاب فلم يضع الكتاب من يده حتى ركب، فلما رآه عمر قال: احبسوه عني في الشمس ثلاثة أيام، وكان هذا عقوبة علنية لهذا الوالي الذي يريد أن يتعالى عن الناس والذي يريد أن يوصد بابه أمامهم، والناس كانوا سواسية عنده، ولذلك بلغت عمر شكوى أحد رجال المسلمين بأن واليه أبا موسى الأشعري في البصرة قد أعطى الرجل بعض سهمه فأبى أن يقبله إلا جميعًا فجلده أبو موسى عشرين سوطًا وحلقه، ولذلك سيدنا عمر -رضوان الله ﵎ عليه- قاد هذا الشخص من أبي موسى يعني: ما فعله أبي موسى في هذا الشخص أمر عمر بن الخطاب المفعول به ذلك أن يقتصّ من أبي موسى الأشعري.
وكان يعزل ولاته للشبهات، كان عمر يتبع سياسة العزل حتى للشبهات من قبيل الاحتياط، فقد شكت طائفة من العراق سعد بن أبي وقاص الصحابي الجليل بأن قالت: إنه لا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية ولا يغزو في السرية فعزله، كما عزل للشبهة كلًّا من خالد بن الوليد وأبا موسى الأشعري والمثنى بن حارثة وغيرهم لغير سبب من أسباب الشكاية أو القصاص وإنما لشبهة عرضت، فكان من رأيه البعد عن الشبهات لسلامة الدولة، فلقد كانت سنّة عمر إذا ثبتت شبهة التصرف في مال المسلمين أن يصادر المال الذي ظفر به أو يقاسمه فيما زاد على الكسب المعقول فيترك له النصف ويضم النصف الآخر إلى بيت المال، هذا بالإضافة إلى ما يجريه عليه من عزل أو عقاب.
وكان هناك له مكتب خاص يشبه جهاز المخابرات، فقد كانت طريقة عمر في الإدارة إطلاق الحرية للعامل في الشئون المحلية وتقييده في المسائل العامة ومراقبته في سلوكه وتصرفاته، وكان له جهاز سريّ مربوط به لمراقبة أحوال الولاة والرعية، وقد بينت لنا المصادر التاريخية أن ما يشبه اليوم المخابرات كان موجودًا عند عمر،
стр. 674
يقول البعض: إن علم عمر بمن نأى عنه -أي: بعد عنه- من عماله كعلمه بمن بات معه في مهاد واحد وعلى وساد واحد، فلم يكن في قطر من الأقطار ولا ناحية من النواحي عامل أو أمير جيش إلا وعليه عين لا يفارقه، فكانت ألفاظ من بالمشرق والمغرب عنده في كل ممسى ومصبح في ضوء ما ذكرنا ندرك أن عمر كان شديدًا وحازمًا مع عماله، وكانت هذه السياسة تعكس حرصه على ألا يفرى عمال الأقاليم من مال المسلمين، وهو حين أحسّ ذلك قاسمهم نصفها كما ذكرنا.
وكان عمر يسأل الرعية إذا وفدت للحجاز في موسم الحج عن حال أمرائه وسيرتهم فيهم فيقولون خيرًا فيقول: هل يعود الأمير مرضاكم يعني: يقوم بزيارة مرضاكم؟ فيقولون: نعم، فيقول: هل يعود العبد؟ فيقولون: نعم، فيقول: كيف صنيعه بالضعيف؟ يعني: كيف يتعامل مع الضعيف؟ هل يجلس على بابه؟ فإن قالوا: لخصلة منها: لا -عزله. يقول البعض في هذا الصدد: وإن عمر قد اتخذ موسم الحج كمؤتمر سنوي عام لمحاسبة الولاة أمام الرعية، وهنا يصل عمر في رأينا إلى قمة الفن في الحكم والإدارة، فلقد فرض الله الحج على المسلمين كركن من أركان العقيدة، يؤديه القادرون عليه ليشهدوا منافع لهم وليذكروا اسم الله في أيام معدودات، فهو موسم يلتقي فيه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، وإنها لعبقرية حقيقية من عمر وإلهام أصيل فيه أن يحاول الإفادة من هذه المناسبة لكي يقف بنفسه على أخبار رعاياه الذين لا يصلون إليه، وهكذا جرى طيلة خلافته على أن يجمع كل عام وأن يدعو إليه ولاة الأقاليم ليوافوه بمكة، وهناك يلتقي بالحكام والمحكومين وجهًا لوجه ويسمع من هؤلاء وأولئك ويؤدي أمانة الحكم كاملة.
وكان تفكير عمر قبل مقتله أن يجول على الولايات شخصيًا، كأنها نوع من الجولة التفتيشية على الأقاليم؛ لمراقبة العمال وتفقد أحوال الرعية والاطمئنان على أمور الدولة المترامية، فقد قال عمر: لئن عشت -إن شاء الله- لأسيرن في الرعية حولًا فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني -يعني: لا تصل إليّ- أما عمالهم فلا يدفعونها إليّ، وأما هم فلا يصلون إلي فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين، أسير إلى مصر فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى مكة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين، ثم والله لنعم الحول هذا.
وبهذا نكتفي بهذا القدر عن الحديث عن الإدارة في عهد عمر بن الخطاب.
стр. 675
الإدارة عند الأمويين
ظلت القواعد التي وضعها الخليفة عمر بن الخطاب تمثّل الأساس المتين للتنظيم الإداري طوال عهد الخلفاء الراشدين، وتمثل المقياس السليم الذي يلجأ إليه الناس لتقييم الولاة وسيرتهم، وبدأ هذا المقياس يسجل هزات عنيفة منذ أواخر خلافة عثمان بن عفان إذ انطلقت في ذلك الوقت مطامع أقرباءه من بني أمية، وعمدوا إلى استغلال صلة القربى بينهم وبين هذا الخليفة لتحقيق أمانيهم في السيطرة على أكبر مراكز الدولة، وأثار هذا العمل مشاعر الناس؛ لأنهم أحسّوا باختلال التنظيم الإداري الذي وضعه لهم عمر بن الخطاب، وكشف السخط الذي ساد ولايات الدولة الإسلامية أواخر عثمان بن عفان والذي اشتهر باسم الفتنة كشف هذا السخط عن الارتباط بين النظامين السياسي والإداري في الدولة الإسلامية ومدى تأثر كل منهما بالآخر، فعندما اضطرب حبل التنظيم الإداري انفرط عقد النظام السياسي ودفع الخليفة عثمان بن عفان حياته ثمنًا لهذا الاضطراب الإداري في الدولة، وعجز الخليفة الجديد وهو عليّ بن أبي طالب عن السيطرة على الموقف؛ لأنه لم يستطع إقرار التنظيم الإداري للدولة الإسلامية، فقد كانت وجهة نظر هذا الخليفة أن يعزل كافة عمال عثمان بن عفان ومن بينهم معاوية بن أبي سفيان باعتبارهم سبب الفتنة التي سادت الدولة الإسلامية، واختار نفرُا آخر من العمال وبعث بهم إلى حواضر الولايات الإسلامية، غير أن العامل الذي بعث به إلى إقليم الشام عجز عن دخول هذا الإقليم حيث تصدى
стр. 676
له جند معاوية ونشبت الخلافات بذلك بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وهو الخلاف الذي انتهى بقيام الدولة الأموية.
واقتضى الوضع السياسي الجديد القائم على أساس نظام الخلافة الوراثية -اقتضى هذا الوضع تنظيمًا إداريًّا جديدًا اطلع بوضع أسسه معاوية بن أبي سفيان، وقد أثبت هذا الخليفة الأموي الأول أنه خبير بالتنسيق بين النظامين السياسي والإداري حين عمد إلى اتخاذ اللامركزية في الإدارة سبيلًا لإعادة الاستقرار في الدولة الإسلامية في ظلّ وضعها الجديد والعمل على توسيع رقعتها كذلك، ومن ثم صارت أعمال معاوية بن أبي سفيان تكوّن أسس النظام الإداري اللامركزي وما اتسم به من تقاليد سار على هديها من جاء بعده من خلفاء البيت الأموي.
وأول شيء عمد إليه معاوية في وضع أسس النظام الإداري اللامركزي هو حسن انتقاء وإعداد الهيئة التي ستتولى تنفيذ السياسة الإدارية الجديدة ومؤسساتها في الدولة الإسلامية، فجعل أساس هذه الهيئة الإدارية ليست الكفاءة فحسب، ولكن ضرورة العمل أيضًا على أن يكون رجالها من شيعته المخلصين أو ممن يربطهم بالبيت الأموي روابط مادية أو منافع يتطلبها التطور الجديد للدولة، وساعد معاوية على النجاح في وضع أسس النظام الإداري المركزي ثلاثة عوامل: أولها: اشتغاله بعد إسلامه مع الرسول الكريم ﷺ ثانيًا: البيئة التي نشأ فيها وترعرع. ثالثًا: دراسته للتطورات الجديدة التي سادت أقاليم الدولة الإسلامية منذ نهاية عصر الخلفاء الراشدين،
стр. 677
وكان للبيئة التي نشأ فيها معاوية أثر كبير أيضًا في اختيار رجال إدارته اللامركزية عن ثقة ودراسة وعلم راسخ، فهو ابن أبي سفيان زعيم مكة وأعظم شخصياتها حنكة وتجربة وأوسعها اتصالًا وخبرة بالبيوتات الكبرى في مدن الحجاز وخارجها كذلك، فتلقن معاوية على يد هذا الوالد الخبير أصول الحكم وإدارته كما يفهمه أهل مكة، ووفق وجهة النظر التي آمن بها أبو سفيان من حيث تكوين الأنصار والأشياع واصطناع الرجال والعمال.
ووقع اختيار معاوية على أبناء ثقيف من أهل الطائف لتشكيل إدارته الجديدة، ونبغ من بني ثقيف على عهد معاوية المغيرة بن شعبة الذي تولى إمرة الكوفة، وزياد بن أبيه الذي تولى إمرة البصرة، إذ حمل هذان الرجلان في إخلاص عميق ومثالية رائعة لواء النظام الإداري اللامركزي في شرق الدولة، وأسهما مع معاوية في وضع أسس هذا النظام الجديد وإقراره، وأخيرًا عزز معاوية هذه الطبقة من رجال إدارته بمجموعة اختارها من ذوي التجارب الواسعة وكذلك ممن لهم مطامح يمكن استغلالهم عن طريقها؛ لتحقيق أهداف نظامه اللامركزي، ومن ثم ظهرت طبقة جديدة من الرجال استفاد منها معاوية لخلق توازن داخل الإدارة اللامركزية والهيئات المختلفة العاملة فيها، وتكونت هذه المجموعة من أبناء الطبقة الوسطى من قريش الذين لا يخشى الأمويون منهم بأسًا أو ضررًا، وصار من الممكن الاعتماد عليهم في إدارة المناطق النائية أو الولايات المليئة بأسباب الفتن والقلاقل.
стр. 678
ووضع معاوية بن أبي سفيان قاعدتين أخريين لضمان سير النظام اللامركزي سيرًا سليمًا وللحيلولة دون أي انحراف قد يطرأ على عماله، وتمثلت القاعدة الأولى في فصل الإدارة المالية للولاية عن التبعية للأمير وجعلها تابعة مباشرة للخلافة في دمشق، واشتهر رأس تلك الإدارة باسم صاحب الخراج الذي صار قوة يعمل أمير الولاية له كل حساب ولا سيما أن شئون المال كلها في يده، غير أن الالتزام بهذه القاعدة لم يكن مطلقًا إذ عهد الأمويون إلى نفر من ولاتهم المشهود لهم بالتفاني والإخلاص التام بإدارة الشئون المالية أو تعيين صاحب الخراج من قبلهم، وصار أولئك الولاية أصحاب سلطان عريض وخير نموذج لثقة الأمويين في سلامة نظامهم الإداري اللامركزي.
وتمثلت القاعدة الثانية التي وضعها الأمويون في تعيين عمال لإدارة الولايات مهمتهم مراسلة الخلافة مباشرة وإحاطتها علمًا بكل ما يجري في الولاية، سواء ما يختصّ بالأمير أو بالأهالي، ولكن هذه القاعدة بدورها لم تكن قيدًا على أمراء الولايات وإنما كانت سبيلًا للمشاركة في التوجيه بما يحفظ لنظامهم الإداري الاستقرار وتجنب المزالق التي تخفى على الأمراء أنفسهم، إذ ظل الأمويون حريصون على منح أمراء الولايات كل حرية مطلقة إيمانًا منهم بأن الشاهد أقدر من الخليفة المقيم في دمشق على إدراك حقيقة الأمور وعلى البت بالتالي دون إضرار بمصالح الرعية، واحترام خلفاء بني أمية هذه الحرية التي تمتع بها أمراء الولايات ولا سيما أولئك الخلفاء الذين عُرف عنهم الحرص الشديد على الصالح العام،
стр. 679
ومن أمثلة ذلك ما قام به الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي اشتهر لعدالته بأنه خامس الخلفاء الراشدين الحريص على إعادة سيرة عمر بن الخطاب في إدارة الدولة الإسلامية، إذ ظل هذا الخليفة متمسكًا بالقاعدة الأساسية للنظام الإداري اللامركزي للدولة الأموية والتأكيد على حرية الأمراء، وتوجيه كل منهم إلى العمل مع حرية التصرف ودون الرجوع إليه في بعض المسائل التي قد يضرّ تأخير البت فيها بمصالح أهالي ولايته.
وعرّف فقهاء المسلمين هذا اللون من الإدارة اللامركزية للولايات بأنها إمارة استكفاء، وهي التي يعقدها الخليفة لمن يختاره من رجاله الأكفاء مفوضين إليهم إمارة الإقليم على جميع أهله، ويجعله عامّ النظر في كل أموره، فصارت إمارة الاستكفاء لون من الامتياز يخصّ به الخليفة بعض الرجال ذوي القدرة العظيمة أو أصحاب الفضل الكبير على الدولة، فكان الخليفة يولي الفرد منهم ولاية كاملة على ناحية بعينها أو على بضع نواح أي: كان يستكفي بهذا النفر عمّن عداهم وبيدهم السلطات كلها على ما بأيديهم فهم مسئولون عن الأموال والقضاء وإمامة الناس.
واقتضى الحكم اللامركزي إعادة التقسيم الإداري للدولة بما يحقق للأمويين السيطرة الفعلية على أزمة الأمور، وتوجيهها في نفس الوقت إلى ما يكفل لسلطانهم الهيبة والاحترام في كل مكان، وجاء هذا التقسيم استجابة لمظاهر التطور الذي ساد بلاد الدولة الإسلامية منذ الفتنة على عهد الخليفة عثمان وما صاحب هذا التطور من تباين المشارب والأهواء،
стр. 680
ثم إن الفتوحات التي قام بها الأمويون في المشرق والمغرب أضافت إلى الدولة الإسلامية أرجاءً شاسعة كان لا بد من تنظيمها بما يحقق لها الانسجام الإداري مع الدولة الشاسعة، وقسم الأمويون دولتهم إلى عدة ولايات هي: ولاية الشام، ثم ولاية بلاد العرب، ثم ولاية العراق، ثم ولاية الجزيرة، ثم ولاية مصر.
وبهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن التنظيم الإداري في مجال التطبيق العملي، والذي نوهنا فيه إلى الإدارة في عهد النبي ﷺ والإدارة في عهد أبي بكر، والإدارة في عهد عمر بن الخطاب، والإدارة في عهد الأمويين.
стр. 681
الدرس: ١٥ أحكام وأنواع الوزارات وعلاقة المسلمين مع غيرهم والمعاهدات .
стр. 682
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس عشر
(أحكام وأنواع الوزارات وعلاقة المسلمين مع غيرهم والمعاهدات)
١ - رقابة عمر بن الخطاب لعماله، والإدارة عند الأمويين، والوزارة في الإسلام
مقدمة عن الوزارة في الدولة الإسلامية
نتحدث الآن عن موضوع آخر وهو الأجهزة الإدارية في الدولة فنقول: قسّم الماوردي ولايات خلفاء الخليفة أربعة أقسام:
الأول: أصحاب الولايات العامة في الأعمال العامة وهم الوزراء.
الثاني: أصحاب الولاية العامة في أعمال خاصة وهم أمراء الأقاليم.
الثالث: أهل الولاية الخاصة في الأعمال العامة مثل قاضي القضاة.
الرابع: ذوو الولاية الخاصة في الأعمال الخاصة مثل قاضي بلد معين أو إقليم معين.
ونتحدث عن وظائف الولاة فنقول: كانت وظائف هؤلاء الولاة على النحو التالي: أولًا: الوزارة، ثانيًا: إمارة الأقاليم، وسوف نوضح أو نلقي الضوء على الوزارة وعلى الإمارة فيما يلي.
أولًا: الوزارة:
تعتبر الوزارة من أبرز مظاهر السلطة التنفيذية في الدولة الحديثة؛ بل إن اسم السلطة التنفيذية حينما يطلق فإنما ينصرف إلى الوزارة التي يناط بها مهمة تنفيذ
стр. 683
القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية، وفي العادة يقوم رئيس الدولة بتكليف رجل من ذوي الكفاءة بأن يشكّل الوزارة، وقد يقوم رئيس الدولة بنفسه بهذا التشكيل فيكون هو الوزير الأول أو رئيس مجلس الوزراء، ويتم اختيار الوزراء عادة من أولي الكفاءة والاختصاص بالنسبة لكل منهم في مجاله، فيعين لكل إدارة من إدارات الدولة أو مرفق من مرافقها وزيرًا يتولى شئون هذا المرفق ويكون مسئولًا عن ذلك أمام رئيس مجلس الوزراء، وقد تكلم علماء الفقه السياسي الشرعي عن الوزارة فتكلم في ذلك الماوردي على سبيل المثال، وسوف نعرض فيما يلي بعضًا من مباحث العلماء في ذلك.
معنى الوزارة:
الوزارة مأخوذة من الفعل وزر، والوزر هو الملجأ، ومنه قول الله تعالى: ﴿كَلاَّ لا وَزَر﴾ (القيامة: ١١) والوزر قد يكون الحمل الثقيل ومنه قيل: الوزير الذي يحمل عن الملك ثقله ويعينه برأيه، ووازره على الأمر أي: أعانه عليه وقوّاه والأصل آزره، ووزير الخليفة معناه الذي يعتمد على رأيه في أموره ويلتجئ إليه، وقيل لوزير السلطان: وزير؛ لأنه يزر عن السلطان أثقال ما أسند إليه من تدبير المملكة.
وقد ذكر الماوردي في كتابه (الأحكام السلطانية) أن اسم الوزارة مختلف في اشتقاقه على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه مأخوذ من الوزر وهو الثقل؛ لأنه يحمل عن الملك أثقاله.
والثاني: أنه مأخوذ من الوزر وهو الملجأ ومنه قوله تعالى: ﴿كَلاَّ لا وَزَر﴾ أي: لا ملجأ، فسمي بذلك لأنه يلجأ إلى رأيه ومعونته.
стр. 684
والثالث: أنه مأخوذ من الأزر وهو الظهر؛ لأن الملك يقوى بوزيره كقوة البدن بالظهر. فالذي يفهم من كلام الماوردي أن الوزارة تعين الخليفة أو رئيس الدولة على تحمل مهامه، إذ يساعد الوزير برأيه في إدارة شئون الدولة في المجال الذي أسند إليه؛ وذلك لأن رئيس الدولة بطبيعة الحال لا يستطيع أن ينهض بأعباء الحكم في مختلف الشئون وحده من غير معاونة فكانت الضرورة قاضية باتخاذ الوزراء.
وقد أرشد القرآن الكريم والسنة المطهرة إلى مشروعية الوزارة فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً﴾ (الفرقان: ٣٥) وقال سبحانه: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (طه: ٢٩ - ٣٢) فالوزير هو الموازر؛ لأنه يحمل عن السلطان وزره أي ثقله، قال الماوردي معلقًا على سؤال موسى ربه أن يجعل له وزيرًا من أهله: فإذا جاز ذلك في النبوة كان في الإمارة أجوز؛ لأن ما وكل إلى الإمام من تدبير الأمة لا يقدر على مباشرته جميعه إلا بالاستنابة، ونيابة الوزير المشارك له في التدبير أصحّ في تنفيذ الأمور من تفرده بها ليستظهر به على نفسه وبها يكون أبعد من الزلل وأمنع من الخلل.
وفي السنة المطهرة ما يرشد إلى مشروعية الوزارة أيضًا، ففي حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق؛ إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه)).
وقد كانت وظيفة الوزير بمعنى المعاون مألوفة ومعروفة للصحابة ﵃ ولذا قال أبو بكر يوم الثقيفة لما قال الأنصار ﵃: منا أمير
стр. 685
ومنكم أمير قال لهم: بل نحن الأمراء وأنتم الوزراء، أي: نحن الحكام وأنتم تعينوننا على تحمل أعباء الحكم وتساعدونا في تدبير الأمور.
وقد تطور مفهوم الوزارة بحيث أصبح من ضرورات الدولة الإسلامية التي لا يمكن الاستغناء عنها، فدرج خلفاء بني أمية على اتخاذه، فقد استوزر معاوية ﵁ عمرو بن العاص وزياد بن أبيه، كما درج خلفاء بني العباس على الاستعانة بالوزراء، بل إن الوزارة في العهد العباسي قد استقرت قواعدها ونظمها واتسع مفهومها بحيث أصبح دور الوزير لا يقتصر على مجرد المعاونة للحاكم، بل أصبح يشارك مشاركة فعلية في إدارة شئون البلاد، ويتدخل في جميع النواحي الهامة في الدولة كمسائل السياسة والحرب والاقتصاد وأسرار الدولة والخليفة ونحو ذلك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٢ - أنواع الوزارة ومقدمة عن الحاجة إلى الإمارة على الأقاليم
وزارة التفويض
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
أقسام الوزارة:
لقد تكلم الفقهاء المسلمون في السياسة الشرعية عن نوعين من الوزارة هما: وزارة التفويض، ووزارة التنفيذ، وسوف نبين فيما يلي ما يتصل بهذين النوعين من الوزارة من حيث تحديد صلاحيات الوزير في كل منهما والشروط التي يجب أن تتوافر فيه، وعلاقة كل من هذين الوزيرين برئيس الدولة أو الإمام.
أولًا: وزارة التفويض:
يقصد بوزارة التفويض: أن يعهد الخليفة أو الإمام إلى رجل من أهل الخبرة والكفاءة، يعهد إليه بأن يتولى نيابة عنه تصريف شئون الدولة في مجال من المجالات التي تظهر كفاءته وخبرته فيها، فهذا الوزير المختار أو المعهود إليه يمضي الأمور برأيه وعلى اجتهاده بحسب ما يراه مناسبًا، فسلطة وزير التفويض تشبه الوكالة العامة؛ لأنه مفوض تفويضًَا كاملًا فيما عهد به إليه دون أن يرجع فيه إلى
стр. 686
الخليفة، قال الماوردي في هذا الشأن: فأما وزارة التفويض فهو أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور برأيه وإمضاءها على اجتهاده، فالحاصل أن سلطة وزير التفويض بشأن ما فوض فيه سلطة كاملة مستقلة عن الإمام، وصلاحياته من أوسع ما تكون حتى أنه يعتبر صاحب المركز الثاني بعد الخليفة في مناصب الدولة.
هذا ويشترط في وزير التفويض ما يشترط في الخليفة أو الإمام من شروط فيما عدا شرط النسب القرشي كما ذهب إلى ذلك الماوردي، بعكس مع ذهب إليه أبو يعلى الفراء الحنبلي فقد جعل شروط وزير التفويض هي نفس شروط الخليفة من غير استثناء فقال: ويعتبر في تقليد هذه الوزارة شروط الإمام، ونفضل في هذا الصدد الأخذ بما ذكره الماوردي الشافعي من استثناء وزير التفويض من شرط النسب القرشي؛ لورود النصوص في حق الإمام خاصّة فلا يقاس عليه غيره، وقد قال أبو بكر يوم الثقيفة للأنصار: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، ولأنه يلزم من قصر الوزارة على القرشيين دون نصّ -الاستبداد والظلم الذي تحذر منه الشريعة الغراء وتنهى عنه، قال الماوردي بهذا الصدد: ويعتبر في تقليد هذه الوزارة شروط الإمامة إلا النسب وحده؛ لأنه ممضي الآراء ومنفذ الاجتهاد فاقتضي أن يكون على صفات المجتهدين فيحتاج فيها إلى شرط زائد على شروط الإمامة وهو: أن يكون من أهل الكفاية فيما وكّل إليه من من أمري الحرب والخراج خبرة بهما ومعرفة بتفصيلهما، فإنه مباشر لهم تارة ومستنيب فيهما أخرى فلا يصل إلى استنابة الكفاءة إلا أن يكون منهم، كما لا يقدر على المباشرة إذا قصّر عنهم، وعلى هذا الشرط مدار الوزارة وبه تنتظم السياسة.
стр. 687
صفات الوزير:
يجب أن تتوافر بعض الصفات السلوكية والخلقية فيمن يتولى منصب الوزارة إضافة إلى تلك الشروط التي سبق لنا تفصيلها عند الحديث عن شروط الإمام أو الخليفة، فقد ذكر البعض أن الخليفة المأمون ابن هارون الرشيد كتب في مواصفات الوزير فقال: "إني التمست لأموري رجلًا جامعا لخصال الخير، ذا عفة في خلائقه، واستقامة في طرائقه، قد هذبته الآداب، وحنكته الوقائع، وأحكمته التجارب، إن اؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قلد مهمات الأمور نهض فيها، يسكته الحلم، وينطقه العلم، تكفيه اللحظة وتغنيه اللمحة، له صولة الأمراء، وأناة الحكماء" إلى غير ذلك. ويظهر مما ذكر أن منصب الوزارة لخطورته يجب أن يكون المتولي له على أعلى درجات الكفاءة والاستواء في شخصيته، فلا تكون عنده نقاط ضعفه ظاهرة لئلا يؤتى من قبلها فتفوت بذلك مصالح الأمة التي فوّض بشأنها.
اختصاصات وزير التفويض:
القاعدة العامة أن سلطة وزير التفويض مطلقة فله ما لرئيس الدولة أو الإمام من الصلاحيات، فله أن يقلد الولاة ويعزلهم، وله أن يتولى قيادة الجيش أو ولاية الجهاد، وله أن يستنيب عنه من يشاء، وله أن يقوم بتنفيذ الأمور التي يدبرها، وله أن يقضي بين الناس وينظر في المظالم، فكل هذه الأمور تجوز من وزير التفويض كما تجوز من الإمام، غير أن هناك بعض الأمور التي يملكها الخليفة ولا يملكها وزير التفويض رغم إطلاق سلطته، وهذه الأمور قد عددها الفقهاء في ثلاثة: ولاية العهد، فهو من حق الخليفة وحده فله أن يختار ولي عهده على الشروط التي قدمنا، وليس هذا لوزير التفويض مهما كانت سلطته مطلقة؛ لئلا يفتات على حق الإمام في اختيار ولي عهده.
стр. 688
من ضمن الأمور التي تكون أيضًا للخليفة ولا تكون لوزير التفويض: الاستعفاء من الخلافة، فيجوز للإمام أن يستعفي الأمة من الإمامة -أي: يقدم استقالة- ولا يجوز ذلك لوزير التفويض. أيضا للإمام أن يعزل من قلده وزير التفويض ولكن ليس للوزير أن يعزل من قلده الإمام؛ لأن الإمام هو الحاكم الأصلي وسلطته هي السلطة الأولى في الدولة، وفي هذا يقول أبو يعلى الفراء: وعلى الوزير وزارة التفويض مطالعة الإمام بما أمضاه من ولاية وتقليد؛ لئلا يصير بالاستبداد كالإمام، وعلى الإمام أن يتصفح أفعال الوزير وتدبيره الأمور ليقرّ منها ما وافق الصواب ويستدرك ما خالفه؛ لأن تدبير الأمة موكول إليه وإلى اجتهاده.
ويجوز لهذا الوزير أن يحكم بنفسه وأن يقلد الحكم كما يجوز ذلك للإمام؛ لأن شروط الحكم فيه معتبرة ويجوز أن يتولى الجهاد بنفسه وأن يقلد من يتولاه؛ لأن شروط الجهاد فيه معتبرة، ويجوز أن ينظر في المظالم ويستنيب فيها؛ لأن شروط المظالم فيه معتبرة، ويجوز أن يباشر تنظيم الأمور التي دبّرها وأن يستنيب في تنفيذها؛ لأن شروط الرأي والتدبير فيه معتبرة.
ويقول الماوردي بعد أن استثنى هذه الأمور الثلاثة المشار إليها من سلطة وزير التفويض، يقول: وأما ما سوى هذه الثلاثة فحكم التفويض إليه يقتضي جواز فعله وصحة نفوذه منه، فإن عارضه الإمام في ردّ ما أمضاه، فإن كان في حكم نفّذ على وجهه وفي مال وضع في حقه لم يجز نقد ما نفّذ باجتهاده من حكم، ولا استرجاع ما فرق برأيه من مال، وإن كان في تقليد وال أو تجهيز جيش وتدبير حرب جاز للإمام معارضته بعزل المولّى والعدول بالجيش إلى حيث يرى وتدبير الحروب بما هو أولى؛ لأن للإمام أن يستدرك ذلك من أفعال نفسه فكان أولى أن يستدركه من أفعال وزيره.
стр. 689
ولعل ما ذكره الماوردي يوضح لنا العلاقة بين وزير التفويض مع إطلاق سلطته وبين الإمام باعتباره الرئيس الأعلى والحاكم الأول وسلطته هي المقدمة، وذلك أنه إذا تعارضت تصرفات وزير التفويض مع تصرفات الإمام في تدبير شئون المسلمين والفصل في منازعاتهم فإنه يجب التفريق في هذا الصدد بين حالتين:
الحالة الأولى: إن كان ما أصدره وزير التفويض حكمًا يتعلق بأمر مالي أو قضائي كأن يأمر بوضع مبلغ من المال في جهة من الجهات أو يأمر برد مظلمة إلى أهلها -ففي هذه الحالة تكون أحكامه نافذة ولا يملك الإمام أن يعقّب عليها ولو كانت معارضة لرأيه؛ لأنها ما دامت أحكامًا اجتهادية صدرت عن أهل لذلك ولم تخالف نصًّا من كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله فلا يسوغ نقضها لمخالفتها لاجتهاد الإمام؛ لأنه لا يخطّأ اجتهاد باجتهاد كما هو معلوم من قواعد الأصول.
الحالة الثانية: إن كان ما صدر عن وزير التفويض قرارات تتعلق بتعيين الولاة أو عزلهم أو تسيير الجيوش لمحاربة الأعداء أو عقد المعاهدات السياسية أو العسكرية مع الدول الأجنبية -ففي هذه الحالة يجوز للإمام أن يعقّب على رأي الوزير إذا كان مخالفًا لرأيه؛ لأن الإمام صاحب الحق الأول وله أن يستدرك ذلك من أفعال نفسه فيستدركها من أفعال وزيره من باب أولى.
التكليف بالوزارة:
وزارة التفويض في النظام الإسلامي كما ذكرنا وزارة خطيرة ذات سلطات واسعة جدًّا واختصاصات مطلقة إلى حد ما كما أشرنا، وبناءً عليه فقد ذكر الفقهاء أنها تحتاج إلى تقليد أو تكليف بها من ولي الأمر بمقتضى عقد يكون بين وزير التفويض وبين الإمام، وهو يشبه إلى حد ما ما يعرف بالتشكيل الوزاري
стр. 690
الآن، إذ يبلغ الوزير باختياره بمقتضى كتاب أو خطاب ممن اختاره بحيث يترتب على ذلك حقوق والتزامات بين الوزير المختار وبين الجهة التي اختارته، سواء كان رئيس مجلس الوزراء أو رئيس الدولة نفسها.
وقد ذكر الماوردي أنه يشترط في خطاب التكليف بالوزارة شرطان: أحدهما: عموم النظر؛ لأن هذا هو شأن التفويض، إذ تكون للوزير نفس السلطات التي يملكها الخليفة عادة. والثاني: النيابة، كأن يقول الخليفة للوزير: قلدتك ما إليّ نيابة عني ونحو ذلك؛ لأن وزير التفويض وإن كانت سلطاته مطلقة إلا أنه لا يفتات بها على حق الإمام، ولا يستبدّ بها دونه كما ذكرنا.
وخطاب التكليف بالوزارة الذي هو بمثابة عقد بين الوزير وبين من استوزره هو في حقيقة الأمر عقد بين الوزير وبين الأمة؛ لأن الإمام الذي يستوزره إنما ينوب في ذلك عن الأمة فهو عقد وكالة، والوزير نائب عن الأمة وإن اختاره الإمام، ولذلك فهو باق في ولايته لا يتأثر بموت الخليفة الذي قلده ولو كان نائبًا عنه لانعزل بموته؛ لأن النائب مرتبط بالأصيل، فكل المقلدين بعقود تفويض يقفون مع الإمام إذًا على قدم المساواة في أنهم جميعًا مؤدون حقوق الأمة، وجميعهم ولاة لا تختلف ولاياتهم عن ولايته في النوع وإن كان بينهما اختلاف في الدرجة، غاية الأمر أن الإمام متصل بالأمة مباشرة أما هم فيتصلون عن طريقه، فهو الصلة بينهم وبين الأمة وهذه مسألة اضطرت إليها الحاجة إلى التنظيم ووجوب تركيز السلطة في جهة معينة وتوحيد المسئولية لتكون ممثلة في شخص الإمام، فتستطيع الأمة أن تواجهه وأن تحاسبه وتحكم في أمره بما تشاء مع أن وجوده على كل حال لا يعفي الولاة الآخرين من المسئولية أمام الله وأمام الأمة فضلًا عن مسئوليتهم أمامه بوصفه ممثل النظام.
стр. 691
وذكر الماوردي في (الأحكام السلطانية) قوله: ولو مات الإمام لم تنعزل قضاته، وإذا كان تقليد الأمر من قبل الخليفة لم ينعزل بموت الخليفة، وإن كان من قبل الوزير انعزل بموت الوزير؛ لأن تقليد الخليفة نيابة عن المسلمين وتقليد الوزير نيابة عن نفسه، وبذلك يكون الفقهاء المسلمون قد سبقوا غيرهم في تقرير فكرة استمرارية الدولة كشخص معنوي بغضّ النظر عن أشخاص الحاكمين من حيث البقاء أو الزوال، ولكن: هل يجوز أن يتعدد وزراء التفويض في الدولة أو في الإقليم الواحد؟
لعل الذي بعث على هذا التساؤل هو تشابك سلطات وزير التفويض كقاعدة عامة مع سلطات الخليفة أو الإمام. وقد حاول أبو يعلى الفراء في كتابه (الأحكام السلطانية) أن يجيب على هذا التساؤل فذكر تفصيلًا مؤداه: أنه لا يجوز أن يقلد وزيري تفويض على اجتماع، كما لا يجوز تقليد إمامين؛ لأنهما ربما تعارضا في العقد والحل والتقليد والعزل وقد قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء: من الآية: ٢٢) فإن قلد وزيري تفويض نظرنا، فإن فوض إلى كل واحد منهما عموم النظر لم يصحّ لما ذكرنا، ثم ننظر فإن كان في وقت واحد بطل تقليدهما معًا، وإن سبق أحدهما الآخر صح تقليد السابق وبطل تقليد المسبوق، وإن أشرك بينهما في النظر على اجتماعهما فيه ولم يجعل إلى واحد منهما أن ينفرد به صحّ الأمر، وتكون الوزارة فيهما لا في واحد منهما، ولهما تنفيذ ما اجتمعا عليه وليس لهما تنفيذ ما اختلفا فيه ويكون موقوفًا على رأي الخليفة وخارجًا عن نظر هذه الوزارة، وتكون هذه الوزارة فيها تقصير عن وزارة التفويض المطلق من مرحلتين أحدهما: اجتماعهما على تنفيذ ما اتفقا عليه،
стр. 692
والثاني: زوال نظرهما عمّا اختلفا فيه، فإن لم يشرك بينهما في النظر بل أفرد كل واحد منهما بعمل يكون فيه عام النظر خاص العمل، مثل أن يرد إلى أحدهما وزارة بلاد المشرق وإلى الآخر وزارة بلاد المغرب، أو يخصّ كل واحد منهما بما يكون فيه عامّ العمل خاصّ النظر مثل أن يستوزر أحدهما على الحرب والآخر على الخراج صحّ تقليدهما على كلا الوجهين، غير أنهما لا يكونان وزيري تفويض ويكونان واليين على عملين مختلفين؛ لأن وزارة التفويض هي ما عمّت ونفذ أمر الوزير بها في كل عمل وكل نظر، ويكون تقليد كل واحد منهما مقصورًا على ما خصّ به وليس له معارضة الآخر في نظره أو عمله.
ويلاحظ على ما ذهب إليه أبو يعلى أنه ينظر إلى إطلاق سلطة وزير التفويض، ومن ثم يعتبر من يُخصّ بعمل معين كالحرب أو الخراج ونحو ذلك يعتبره واليًا أو عاملًا ولا يعتبره وزيرًا؛ لأن وزارة التفويض شأنها العموم في كل نظر وفي كل عمل، ولذلك فلا يجوز التعدد في وزارة التفويض حتى لا يؤدي ذلك إلى الاختلاف نظرًا لحق وزير التفويض في النظر في جميع شئون الدولة دون تخصيصه بإقليم دون آخر أو بعمل دون آخر، ولكن يجوز تعيين وزيري تفويض عند الاشتراك بينهما في النظر في جميع الأمور وفي هذه الحالة يؤخذ بقولهما فيما اتفقا عليه دون ما اختلفا فيه.
وزارة التنفيذ
تعتبر وزارة التنفيذ هي النوع الثاني من الوزارة عند فقهاء المسلمين، وهي أقل شأنًا من وزارة التفويض إذ لا يتمتع فيها الوزير بالاستقلال الذاتي وإنما هو مكلف بتنفيذ الأمور فقط كما أمضاها الخليفة، وينقل إليه أخبار الولاة والرعية كما ينقل تعليماته إلى الولاة والأمراء والقضاة وسائر الرعية، ولذلك يتعين على
стр. 693
وزير التنفيذ ألّا يغيب عن موضع الإمام؛ لأنه يحتاج إلى مشورته ومراجعته في أكثر الأمور الحادثة، فهو مجرد وسيط بين الرعايا وبين الحكّام، فمنصبه كما يعبر الماوردي أشبه بالواسطة أو السفارة.
يقول الماوردي في هذا الصدد: وأما وزارة التنفيذ فحكمها أضعف وشروطها أقل؛ لأن النظر فيها متصور على رأي الإمام وتدبيره، وهذا الوزير وسط بينه وبين الرعايا والولاة، يؤدي عنه ما أمر، وينفذ عنه ما ذكر، ويمضي ما حكم، ويخبر بتقليد الولاة وتجهيز الجيوش، ويعرض عليه ما ورد من مهام وما تجدد من أحداث؛ ليعمل فيه ما يؤمر به، فهو معين في تنفيذ الأمور وليس بوال عليها ولا متقلدًا لها، فإن شورك في الرأي كان باسم الوزارة أخصّ، وإن لم يشارك فيه كان باسم الوساطة والسفارة أشبه، ونظرًا لكون وزير التنفيذ مجرد وسيط بين الإمام والرعية وأنه لا يستقلّ بالأمور وإنما هو مأمور في كل قضية لذلك فإنه لا يحتاج من يشغل هذه الوزارة إلى تقليد أو تولية كما هو الشأن في وزارة التفويض، وإنما يكتفى بإذنه في تنفيذ الأمور فقط، وعلى كل حال فنظره مقصور على أن يؤدي إلى الخليفة وأن يؤدي عنه.
شروط وزير التنفيذ:
لما كان وزير التنفيذ لا يستقلّ بحكم ولا ينفرد بولاية وإنما هو محض مأذون في التنفيذ فقط -فإن من الطبيعي أن تكون الشروط المعتبرة فيه أقل من تلك التي تعتبر في وزير التفويض، ولذلك ذكر الفقهاء مجموعة من الشروط في وزير التنفيذ تتفق مع طبيعة عمله نذكر منها ما يلي:
١ - الأمانة: يشترط فيه أن يكون أمينًا حتى لا يخون فيما قد اؤتمن عليه، ولا يغشّ فيما قد استنصح فيه.
стр. 694
٢ - صدق اللهجة حتى يوثق بخبره فيما يؤديه ويعمل على قوله فيما ينهيه.
٣ - قلة الطمع؛ حتى لا يرتشي فيما يلي، ولا ينخدع فيتساهل.
٤ - أن يسلم فيما بينه وبين الناس من عداوة وشحناء، فإن العداوة تصدّ عن التناصف وتمنع من التعاطف.
٥ - أن يكون ذكورًا يعني: أن يكون متذكرًا وفاهمًا لما يؤديه إلى الخليفة وعنه؛ لأنه شاهد له وشاهد عليه.
٦ - الذكاء والفطنة حتى لا تدلس عليه الأمور فتشتبه ولا تموه عليه فتلتبس.
٧ - ألا يكون من أهل الأهواء فيخرجه الهوى من الحق إلى الباطل، ويتدلس عليه المحقّ من المبطل، فإن الهوى خادع الألباب وصارف عن الصواب.
٨ - الحنكة والتجربة التي تؤدي إلى صحة الرأي وصواب التدبير، فإن التجارب تصقل شخصية المرء وتبصره بعواقب الأمور، ولكن هذا الشرط لا يحتاج إليه في وزير التنفيذ إلا إذا كان الخليفة أو الإمام يشاوره في الرأي، فإن كان لا يشاوره كما هو الشأن فيه فلا يحتاج إلى مثل هذا؛ لأنه لا معوّل على رأيه إذ الأمور كلها مقصورة إلى رأي الإمام وتدبيره.
٩ - أن يكون ذَكرًا بحيث لا يجوز أن تتولى هذه الوزارة أو غيرها مما فيه معنى الولاية المرأة؛ لقوله ﷺ لما أخبر أن بنت كسرى تولت -يعني: تولت الحكم في بلدها- قال ﷺ : ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)).
يقول الماوردي في هذا الصدد: ولا يجوز أن تقوم به امرأة -يعني: بوزارة التنفيذ- وإن كان خبرها مقبولًا لما تضمنه من معنى الولاية المصروفة عن النساء؛ لقول النبي ﷺ : ((ما أفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة)) ولأن فيها من طلب
стр. 695
الرأي وثبات العزم ما تضعف عنه النساء، ومن الظهور في مباشرة الأمور مما هو عليهن محظور، وبناء على ما تقدم تقرر أنه لا يجوز أن تتولى المرأة الوزارة مطلقًا؛ لأنها ولاية وتحتاج إلى عزم وقدرة وتجربة وحنكة، وقد لا تكون المرأة مؤهلة لذلك كله بحكم طبيعة تكوينها، والأهم من كل ذلك أن عمل الوزارة يقتضي الظهور لمباشرة الأمور، وشأن المرأة أن تكون مستترة غير مختلطة بالرجال وخصوصًا في هذه الأزمنة التي قلّ فيها الحياء ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الذمي ووزارة التنفيذ:
أي: هل يجوز أن يتولى الذمي وهو غير مسلم وزارة التنفيذ؟ ذكرنا سابقًا أن وزارة التنفيذ أقلّ شأنًا من وزارة التفويض، ولذلك يذهب بعض الفقهاء ومنهم الماوردي إلى جواز أن يتولى هذه الوزارة أهل الذمة من مواطني الدولة الإسلامية، فالإسلام ليس شرطًا لمن يتولى هذه الوزارة بعكس وزارة التفويض؛ لأن وزير التفويض يولي ويعزل ويباشر الحكم ويسيّر الجيوش ويتصرف في بيت المال بخلاف وزير التنفيذ، وهذا في واقع الأمر يدلّ على سماحة الإسلام كنظام، إذ لا يميز بين المواطنين في دولته على أساس من دينهم أو عقيدتهم، فالذميون لهم ما لنا وعليهم ما علينا كقاعدة عامة بعكس ما هو مقرر في أرقى دول العصر في أوربا وأمريكا، إذ يمتنع على المخالف في الدين بل المخالف في المذهب أحيانًا أن يشغل منصب الوزارة حتى يوم الناس هذا.
وذهب بعض الفقهاء لعدم جواز تولية الذمي، واستدلوا على ذلك بقول الله ﵎: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية: ٧٣) وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً
стр. 696
وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (آل عمران: ١١٨) وبطانة الرجل: خاصته الذين يستبطنون أمره، فقد نهانا الله تعالى أن نتخذ بطانة من غير المسلمين؛ لأنه قد ظهرت البغضاء في كلامهم وما تخفي صدورهم من الحقد والحسد أكبر.
لكن نحبّ أن نذهب مع الماوردي إلى جواز تولية أهل الذمة لوزارة التنفيذ؛ لأن سلطان المسلمين في دولة الإسلام عاليًا بحمد الله تعالى، والممنوع هو أن يكون لغير المسلم سبيل على المسلم، هذا مع ملاحظة ضآلة منصب وزير التنفيذ؛ لأن تدبير الأمور وتصريفها يرجع إلى الإمام كما ذكرنا، وإنما هو محض منفذ أو مأذون له بذلك فقط، فهو أشبه بالسفير أو بالواسطة بين الإمام والرعية، لكن مع ذلك نقول بأنه لا ينبغي أن يستطيل غير المسلم على المسلمين في دولتهم بأي شكل من الأشكال؛ لأن ذلك يمتنع عليه وهو ما انتهى إليه الماوردي نفسه حيث قال: إلا أن يستطيلوا فيكونوا ممنوعين من الاستطالة.
أنواع وزارة التنفيذ:
إن القراءة المتأنية لما كتب في هذا المجال تنتهي إلى أن الفقهاء المسلمين قد ميزوا بين نوعين من وزارة التنفيذ:
أحدهما: وزارة تنبسق عن رئيس الدولة نفسه، فيكون وزير التنفيذ في هذا الصدد وزير الخليفة أو الإمام فيمضي الأحكام وينفذ الأوامر في جميع أقطار الدولة الإسلامية ما لم يحدد له الخليفة اختصاصًا مكانيًّا معينًا.
وثانيهما: وزارة تنفيذ تنبسق عن والي الإقليم فتكون صلاحيات الوزير في هذا الصدد متعلقة بهذا الإقليم فقط دون غيره من أقاليم الدولة، فهو يتبع والي الإقليم ومن ثم لا يكون أفضل حال منه،
стр. 697
وبذلك يمكننا أن نتصور في الدولة الإسلامية وزارة عامة تتبع الخليفة ثم وزارات إقليمية تتعدد بتعدد الأقاليم وهو ما يشبه إلى حد ما ما هو معروف في النظام الأمريكي الآن، توجد حكومة مركزية عامة ثم يوجد لكل ولاية بعد ذلك جهاز إداري خاصّ بها، يقول الماوردي في هذا الشأن: وإذا فوّض الخليفة تدبير الأقاليم إلى ولاتها ووكّل النظر إلى المسئولين عليها كالذي عليه أهل زماننا جاز لمالك كل إقليم أن يستوزر -يعني: يعين وزيرًا- وكان حكم وزيره كحكم وزير الخليفة مع الخليفة في اعتبار الوزارتين وأحكام النظرين.
مقارنة بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ
والآن نريد أن نعقد مقارنة بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ، وسوف نذكر في هذه المقارنة بين الوزارتين أوجه الاتفاق ثم أوجه الاختلاف بينهما، وبذلك نتعرف على أهم ملامح كل منهما.
أولًا: أوجه الاتفاق:
تتفق الوزارتان في أن الوزير في كل منهما يجب أن يتوفر فيه ما يلي:
١ - أن يكون بأعباء الوزارة ناهضًا يعني: قادر على القيام بها، وأن يقدم الصالح العام على صالح نفسه.
٢ - أن يكون على الكدّ والتعب قادرًا، وفي السخط والرضا صابرًا.
٣ - أن يخلص نيته في طاعة الخليفة ويكون سره كعلانيته.
٤ - أن يستوفي للملك ولا يستوفي عليه، ويتأول للملك ولا يتأول عليه، بمعنى: أن يكون معينًا للخليفة وللإمام في الأمور، لا أن يكون ضدّ أوامر الإمام أو يقف حجر عسرة في سبيل تنفيذ أوامر الإمام أو الخليفة.
٥ - أن يجعل الوزير لله تعالى على سره رقيبًا.
стр. 698
٦ - أن يقدم حق الله تعالى على حق غيره، إذ أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى)).
٧ - أن يكون الوزير خبيرًا بأحوال الرعية، وأن يشارف بنفسه الأعمال، وعليه ألا يكل إلى غيره ما يختصّ بمباشرة طلبًا للراحة وللدعة.
هذه هي الأمور التي تتفق فيها الوزارتان وزارة التفويض ووزارة التنفيذ، فكل هذه الأمور التي ذكرناها يجب أن يتصف بها وزير التفويض ويتصف بها أيضًا وزير التنفيذ.
ثانيا: أوجه الاختلاف بين الوزارتين:
تظهر هذه الاختلافات بين الوزارتين من جهة أصل التقليد، ومن جهة الشروط المطلوبة في كل وزير، ومن جهة حقوق النظر أو الاختصاص كما يلي:
فمن ناحية أصل التقليد تختلف الوزارتان، إذ يلزم لوزارة التفويض عقد وتولية وليس كذلك وزارة التنفيذ، بل يكتفى فيها بمجرد الإذن كما تقدم، ومن ناحية الشروط المعتبرة في الوزارتين نجد أن الحريّة معتبرة في وزارة التفويض دون وزارة التنفيذ وكذلك الإسلام، وأيضًا العلم بالأحكام الشرعية المفتقر لأن يكون الوزير مجتهدًا فهو معتبر في وزارة التفويض دون وزارة التنفيذ، وكذلك المعرفة بأمري الحرب والخراج معتبرة في وزارة التفويض فقط.
وأما من ناحية حقوق النظر أو الاختصاصات المنوطة بالوزراء فتختلف الوزارتان فيما يلي:
١ - يجوز لوزير التفويض مباشرة الحكم والنظر في المظالم وليس ذلك لوزير التنفيذ.
٢ - يجوز لوزير التفويض أن يستقلّ بتقليد الولاة وليس ذلك لوزير التنفيذ.
٣ - يجوز لوزير التفويض أن ينفرد بتسيير الجيوش وتدبير الحروب وليس ذلك لوزارة التنفيذ.
стр. 699
٤ - يجوز لوزير التفويض أن يتصرف في أموال بيت المال بقبض ما يستحق له وبدفع ما يجب فيه وليس ذلك لوزير التنفيذ.
٥ - وفي وزارة التفويض لا يجوز تعدد الوزراء على اجتماع كما لا يجوز تولية إمامين، أما في وزارة التنفيذ فالأصل هو تعدد الوزراء، إذ يجوز للخليفة أن يعيّن أكثر من وزير تنفيذ ليقوموا بتنفيذ الأوامر الصادرة إليهم، إذ ليس هناك تعارض بين صلاحيات وزراء التنفيذ؛ لأن أعمالهم ليست من باب الولاية، وإنما هي من باب النيابة بعكس وزراء التفويض.
٦ - في وزارة التفويض يجوز للوزير أن يعين نائبًا عنه يقوم بمساعدته في الشئون المرتبطة به إلا إذا نهاه الخليفة عن ذلك، أما في وزارة التنفيذ فليس للوزير أن يعين نائبًا له؛ لأن مهمته تقتصر على التنفيذ دون أن يكون له الحق في تولية أحد من الناس إلا إذا سمح له الخليفة بذلك.
وبعد استعراضنا لأحكام الوزارة في النظام الإسلامي فإننا نلاحظ أن منصب وزير التفويض يقترب إلى حدّ ما مما تعرفه الدول الحديثة الآن بمنصب رئيس الوزراء أو الوزير الأول؛ لأن مثل هذا الوزير في الوزارات المعاصرة لا يجوز أن يتعدد، وهو مطلق التصرفات ويقوم مقام رئيس الدولة فهو عامّ الولاية والنظر، وبذلك يمكن القول بأن منصب رئيس الوزراء أو الوزير الأول أو وزير التفويض سبق بتقريره فقهاء المسلمين قبل غيرهم من رجال الفقه الدستوري المعاصر، إذ لم يعرف هذا المنصب إلا بعد زمن الماوردي بقرون عديدة في القرن السابع عشر الميلادي مما يؤكد أصالة الفقه السياسي عند المسلمين.
وإذا جاز لنا أن نقارن وزير التفويض برئيس الوزراء في النظم المعاصرة فإنه يمكن اعتبار بقية الوزراء في الحكومات الحديثة وزراء تنفيذ، تقتصر مهمتهم على تنفيذ
стр. 700
قرارات مجلس الوزراء وإمضاء الأحكام واتخاذ القرارات، ويختصّ كل واحد من وزراء التنفيذ بالنظر في ناحية خاصة، فهذا للمالية وهذا للتعليم وهذا للدفاع وهذا للعدل ... إلى آخره. ويمكن القول بأن وزير التنفيذ يشابه مركزه مركز الوزير في النظام الرئاسي حيث يعتبر بمثابة السكرتير لرئيس الدولة مهمته تنفيذ إرادة الرئيس وسياسته، أما وزير التفويض فهو يشبه الوزير في النظام البرلماني حيث يشترك الوزير مع رئيس الدولة في الحكم، بل إن الوزارة في واقع الأمر هي التي ترسم سياسة الحكم في هذا النظام.
الإمارة على الأقاليم
ننتقل الآن إلى الحديث عن الإمارة، أي: الإمارة على البلدان أو على الولايات المختلفة، فنقول:
من الصعب على الخليفة باعتباره الرئيس الأول في الدولة الإسلامية أن يباشر بمفرده أعمال الحكم والإدارة ولا سيما بعد أن اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وترامت أطرافها على أثر الفتوحات الميمونة التي قام بها السلف الصالح من هذه الأمة، فلذلك كان من اللازم تقسيم البلاد إلى أقاليم متعددة، وتعيين أمير على كل إقليم ليكون بمثابة المعاون للإمام والنائب عنه في إدارة شئون هذا الإقليم، ويمكن أن تكون فكرة الإمارة شبيهة بتقسيم الدولة في العصور الحديثة إلى عدد من المحافظات، وتعيين محافظ لكل إقليم بحيث يكون هو المسئول الأول عن شئون المحافظة أمام السلطة العليا في عاصمة الدولة.
والإمارة نوع من الولاية ولذلك كان الأمير يسمى بالوالي أحيانًا، وعلى الرغم من أن بذور هذا النظام قد بدأت في عهد النبي ﷺ بعد أن أسس الدولة في المدينة فكان يُرسل إلى كل قبيلة من يعلمها أمر دينها ويؤمها في الصلوات ويجمع منهم
стр. 701
الزكاة إلا أنه لم يعرف هذا التنظيم بشكل واضح وأساسي إلا بعد اتساع رقعة الدولة على أثر الفتوحات كما ذكرنا، فلما استخلف أبو بكر أقرّ عمال الرسول ﷺ على أعمالهم، وكان ﵁ يستعين بكبار الصحابة في إدارة حكمه فيستشيرهم ويعمل برأيهم، وكانت البلاد الإسلامية في عهد أبي بكر مقسمة إلى عدة ولايات مثل مكة والمدينة والطائف وصنعاء وحضر موت ونجران والبحرين.
ولما تولى عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه- الخلافة بعد وفاة أبي بكر واتسعت في عهده الفتوحات وازدادت رقعة الدولة -تم على أثر ذلك تقسيم الدولة إلى ولايات كبيرة ليسهل تدبير الأمور وتصريف الشئون، وهذه الولايات من أهمها ولاية الأهواز والبحرين، وولاية سجستان وكرمان، وولاية طبرستان، وولاية خراسان، وولاية الكوفة والبصرة في بلاد العراق، ثم ولاية حمص، وولاية دمشق في بلاد الشام، وولاية فلسطين، وفي إفريقيا كانت ولاية مصر العليا ثم مصر السفلى، ثم غربي مصر وصحراء ليبيا، وبذلك أصبح في دولة المسلمين جهاز إداري منظم يصرّف شئون هذه الولايات في ضوء السياسة العليا للدولة كما يريدها الخليفة أو الإمام.
وفي العهد الأموي اتسعت البلاد اتساعًا كبيرًا، وأصبح سلطان الخلافة ممتدًّا على منطقة كبيرة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب؛ ولذلك قسمت البلاد في عهد الأمويين إلى خمس ولايات هي: الحجاز، واليمن، وأواسط بلاد العرب، مصر، العراقان: العربي ممثلًا في بلاد بابل وآشور، والعجمي ممثلًا في بلاد فارس، بلاد الجزيرة العربية: إفريقيا الشمالية من غرب مصر إلى بلاد المغرب والأندلس وجزر البحر المتوسط.
стр. 702
وقد اتسعت سلطة الولاة أو الأمراء في عهد الأمويين حتى أصبح شبه مطلقة في ولاياتهم، ولعل ما نقل عن الحجاج بن يوسف الثقفي في العراق أبرز مثال على ذلك، ولكن الأمر تغيّر بعد أن جاء الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز إلى الخلافة، فقد عمل على ردّ الأمور إلى نصابها الصحيح وحدّ من نفوذ كثير من هؤلاء الولاة بما يرفع مظالمهم ويردّ أذاهم عن الرعية.
وفي العهد العباسي تقلص نفوذ الأمراء وضعف شأنهم في أول الأمر، حينما قويت شوكة الخلافة وازدادت سلطة الدولة مما أدّى إلى تمركز السلطة كلها في يد الخليفة، بحيث أصبح الولاة أو الأمراء مجرد عمال لا يملكون إلا سلطات محدودة جدًّا تكاد تقتصر على إمامة الصلاة وقيادة الجند؛ لأن مهمة النظر في الشئون المالية قد انتقلت إلى صاحب المال، وانتقل النظر في الشئون القضائية إلى القاضي، ولكن الحال تبدّل وتغيّر في آخر حكم العباسيين إذ ضعفت الدولة وضعف معها مركز السلطة العامة أو سلطان الخليفة مما شجع على ازدياد نفوذ الأمراء حتى أعلن بعضهم الاستقلال عن السلطة المركزية في عاصمة الخلافة، وظهرت في المجتمع الإسلامية دويلات صغيرة يحكمها أمراء يرتبطون ظاهرًا فقط بالخلافة العباسية وهم في حقيقة الأمر مستقلون عنها تمام الاستقلال.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٣ - أنواع الإمارة على الأقاليم ، وبيان الأسس التي قامت عليها العلاقات الدولية في الإسلام
أنواع الإمارة على الأقاليم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن أنواع الوَزارة في النظام الإسلامي وقلنا إنها تنقسم إلى وزارة تفويض، ووزارة تنفيذ، وبينا شروط الوزير في الوزارتين، وبينا أيضًا أوجه الاتفاق والاختلاف بين الوزارتين، ثم بدأنا الحديث عن الإمارة على الأقاليم.
أنواع الإمارة:
يقسم فقهاء السياسة الشرعية المسلمون الإمارة إلى نوعين: إمارة عامة، وإمارة خاصة.
ونتحدث الآن عن الإمارة العامة فنقول:
الإمارة أو الولاية العامة هي: أن تكون اختصاصات الأمير مطلقة في بلد من البلدان أو إقليم من الأقاليم، بحيث يملك الأمير النظر في جميع الأعمال بما في
стр. 703
ذلك النظر في تدبير الجيوش وتعيين القضاة وجباية الخراج وقبض الصدقات وإقامة الحدود واختيار عمال الدولة وما إلى ذلك، فهي على حد عبارة الماوردي بالنسبة لأهل الإقليم ولاية على جميع أهله والنظر في المعهود من سائر أعماله، فيصير عامّ النظر فيما كان محدودًا من عمل ومعهودًا من نظر.
ويشترط في هذه الإمارة العامة نفس الشروط التي تشترط في وزارة التفويض؛ لأن الفرق بينهما فقط هو في خصوص الولاية في الإمارة وعمومها في الوزارة. قال الماوردي: وتعتبر في هذه الإمارة الشروط المعتبرة في وزارة التفويض؛ لأن الفرق بينهما خصوص الولاية في الإمارة وعمومها في الوزارة، وليس بين عموم الولاية وخصوصها فرق في الشروط المعتبرة فيها، فكل من الأمير والوزير في وزارة التفويض مطلق السلطة، غاية الأمر أن الأمير مختصّ بإمارته ووزير التفويض لا يختصّ بإقليم معين.
أقسام الإمارة العامة:
فنقول: تنقسم الإمارة العامة إلى قسمين: إمارة استكفاء، وإمارة استيلاء.
فأما إمارة الاستكفاء: فهي التي تنعقد عن اختيار من الإمام، فيعقدها الشخص يكون كفئًا لتولي مهام الإمارة عند توافر الشروط فيه، فهي تشبه وزارة التفويض -كما أشرنا- ويكفي أن يقول الخليفة عندما يؤمِّرُ أحد الولاة على إقليم ما: قد أقررتك على ولايتك ناحية كذا، أو قلدتك ولاية هذه الناحية؛ لتكون عام النظر على أهلها في كل ما يتعلق بها، ونحو ذلك من صيغ التقليد، ولما كان الأمير في الإمارة العامة مطلق السلطة في إمارته فإنه يجوز له أن يتخذ لنفسه وزير تنفيذ بأمر الخليفة وبغير أمره، ولكن لا يجوز له أن يستوزر وزير تفويض إلا بإذن الخليفة وأمره.
стр. 704
وأما عن واجبات الأمير في الإمارة العامة فهي -كما ذكرنا- تشبه واجبات الإمام بالنسبة لعموم الدولة؛ كل ما في الأمر أن الأمير مختص بإمارته فقط، فيدير جميع شئونها من النواحي السياسية، والمالية، والحربية، والدينية، والقضائية، وما إلى ذلك.
وأما إمارة الاستيلاء: فهي التي يعقدها الإمام أو الخليفة عن اضطرار، وذلك بأن يستولي الأمير بالقوة على إقليم ما، فيقلده الرئيس الأعلى للدولة على إمارته، ويفوض إليه تدبيره وسياسته، فيكون الأمير باستيلائه مستبدًّا بالسياسة والتدبير؛ وإمارة الاستيلاء إنما هي النوع الثاني من أنواع الإمارة العامة.
وقد نشأت إمارة الاستيلاء عن حكم الضرورة، أو هي إقرار لسياسة الأمر الواقع، ولم تكن معروفة في أيام الخلفاء الراشدين، ولا في أيام الخلافة الأموية، ولا في العهد العباسي الأول، وإنما بدأت في الانتشار منذ النصف الثاني من القرن الثالث الهجري مع ضعف الدولة العباسية، واستقلال بعض الولاة عن سلطان الخلافة في العاصمة، فظهرت الدويلات المستقلة عن الدولة العباسية مثل الدويلات: البويهية، والسامانية، والغَزنوية، والسلجوقية، والطولونية، والإخشيدية، وغيرها من الدويلات التي حكم أمراؤها عن طريق القوة والقهر، ولم يكن الخليفة ليملك معهم إلا إِقراراهم على تلك الدويلات كأمر واقع لا مفر منه، ولا مجال لنكرانه أو إبطاله؛ لئلا يئول الأمر إلى مزيد من التفرق والتمزق، وسفك الدماء.
شروط وواجبات أمير الاستيلاء:
يجب على أمير الاستيلاء نظير إقرار ولايته -كأمر واقع- أن يقوم ببعض الأمور ومنها: حفظ منصب الإمامة في خلافة النبوة، وتدبير أمور الملة؛ ليكون ما أوجبه الشرع من إقامتها محفوظًا، وما تفرع عنها من الحقوق محروسًا.
стр. 705
ظهور الطاعة الدينية التي يزول معها حكم العناد؛ اجتماع الكلمة على الألفة والتناصر؛ ليكون المسلمون يدًا على من سواهم؛ أن تكون عقود الولايات الدينية جائزة، والأحكام والأُقضية فيها نافذة، لا تبطل بفساد عقودها، ولا تسقط بخلل عهودها؛ أن يكون استيفاء الأموال الشرعية بحق تبرأ به ذمة مؤديها، ويستبيحه آخذها؛ أن تكون الحدود مستوفاة بحق، وقائمة على مستحق، فإن جنب المؤمن حمًى إلا من حق الله وحدوده؛ أن يكون الأمير قائمًا في حفظ الدين؛ وأن يكون ورعًا من محارم الله، فهذه الواجبات لا بد وأن يقوم بها أمير الاستيلاء في مقابلة الاعتراف بشرعية استيلائه، وإقراره على سلطة الإدارة.
الفرق بين إمارة الاستيلاء وإمارة الاستكفاء:
ذكرنًا سلفًا أن إمارة الاستيلاء تعقد عن اضطرار، بينما إمارة الاستكفاء تعقد عن اختيار، ومع ذلك يفرق العلماء بين الإمارتين من وجوه أربعة:
١ - أن إمارة الاستيلاء متعينة في المسئول أي: ليس أمام الإمام إلا تعيينه؛ أما إمارة الاستكفاء فهي مقصورة على اختيار المستكفي أي: له أن يختار أيَّ واحد من الناس صالح لتولي هذه المهمة.
٢ - أن إمارة الاستيلاء مشتملة على البلاد التي غلب عليها المسئول، وإمارة الاستكفاء مقصورة على البلاد التي تضمنها عهد المستكفي.
ثم ننتقل الآن إلى الإمارة الخاصة:
الإمارة الخاصة وهي المقابلة للإمارة العامة، فهي: أن يكون الأمير مقصور الإمارة على بعض الشئون فقط في بلد من البلدان، أو إقليم من الأقاليم، كتدبير الجيش، وسياسة الرعية، وحماية البيضة، والذب عن الحريم، وليس له أن يتعرض للقضاء، والأحكام، أو الجباية، أو الخراج، والصدقات.
следующие страницы →