← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11313

السياسة الشرعية - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (825 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الزكاة إلا أنه لم يعرف هذا التنظيم بشكل واضح وأساسي إلا بعد اتساع رقعة الدولة على أثر الفتوحات كما ذكرنا، فلما استخلف أبو بكر أقرّ عمال الرسول ﷺ على أعمالهم، وكان ﵁ يستعين بكبار الصحابة في إدارة حكمه فيستشيرهم ويعمل برأيهم، وكانت البلاد الإسلامية في عهد أبي بكر مقسمة إلى عدة ولايات مثل مكة والمدينة والطائف وصنعاء وحضر موت ونجران والبحرين. ولما تولى عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه- الخلافة بعد وفاة أبي بكر واتسعت في عهده الفتوحات وازدادت رقعة الدولة -تم على أثر ذلك تقسيم الدولة إلى ولايات كبيرة ليسهل تدبير الأمور وتصريف الشئون، وهذه الولايات من أهمها ولاية الأهواز والبحرين، وولاية سجستان وكرمان، وولاية طبرستان، وولاية خراسان، وولاية الكوفة والبصرة في بلاد العراق، ثم ولاية حمص، وولاية دمشق في بلاد الشام، وولاية فلسطين، وفي إفريقيا كانت ولاية مصر العليا ثم مصر السفلى، ثم غربي مصر وصحراء ليبيا، وبذلك أصبح في دولة المسلمين جهاز إداري منظم يصرّف شئون هذه الولايات في ضوء السياسة العليا للدولة كما يريدها الخليفة أو الإمام. وفي العهد الأموي اتسعت البلاد اتساعًا كبيرًا، وأصبح سلطان الخلافة ممتدًّا على منطقة كبيرة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب؛ ولذلك قسمت البلاد في عهد الأمويين إلى خمس ولايات هي: الحجاز، واليمن، وأواسط بلاد العرب، مصر، العراقان: العربي ممثلًا في بلاد بابل وآشور، والعجمي ممثلًا في بلاد فارس، بلاد الجزيرة العربية: إفريقيا الشمالية من غرب مصر إلى بلاد المغرب والأندلس وجزر البحر المتوسط.

стр. 702

وقد اتسعت سلطة الولاة أو الأمراء في عهد الأمويين حتى أصبح شبه مطلقة في ولاياتهم، ولعل ما نقل عن الحجاج بن يوسف الثقفي في العراق أبرز مثال على ذلك، ولكن الأمر تغيّر بعد أن جاء الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز إلى الخلافة، فقد عمل على ردّ الأمور إلى نصابها الصحيح وحدّ من نفوذ كثير من هؤلاء الولاة بما يرفع مظالمهم ويردّ أذاهم عن الرعية. وفي العهد العباسي تقلص نفوذ الأمراء وضعف شأنهم في أول الأمر، حينما قويت شوكة الخلافة وازدادت سلطة الدولة مما أدّى إلى تمركز السلطة كلها في يد الخليفة، بحيث أصبح الولاة أو الأمراء مجرد عمال لا يملكون إلا سلطات محدودة جدًّا تكاد تقتصر على إمامة الصلاة وقيادة الجند؛ لأن مهمة النظر في الشئون المالية قد انتقلت إلى صاحب المال، وانتقل النظر في الشئون القضائية إلى القاضي، ولكن الحال تبدّل وتغيّر في آخر حكم العباسيين إذ ضعفت الدولة وضعف معها مركز السلطة العامة أو سلطان الخليفة مما شجع على ازدياد نفوذ الأمراء حتى أعلن بعضهم الاستقلال عن السلطة المركزية في عاصمة الخلافة، وظهرت في المجتمع الإسلامية دويلات صغيرة يحكمها أمراء يرتبطون ظاهرًا فقط بالخلافة العباسية وهم في حقيقة الأمر مستقلون عنها تمام الاستقلال. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٣ - أنواع الإمارة على الأقاليم ، وبيان الأسس التي قامت عليها العلاقات الدولية في الإسلام أنواع الإمارة على الأقاليم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. فقد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن أنواع الوَزارة في النظام الإسلامي وقلنا إنها تنقسم إلى وزارة تفويض، ووزارة تنفيذ، وبينا شروط الوزير في الوزارتين، وبينا أيضًا أوجه الاتفاق والاختلاف بين الوزارتين، ثم بدأنا الحديث عن الإمارة على الأقاليم. أنواع الإمارة: يقسم فقهاء السياسة الشرعية المسلمون الإمارة إلى نوعين: إمارة عامة، وإمارة خاصة. ونتحدث الآن عن الإمارة العامة فنقول: الإمارة أو الولاية العامة هي: أن تكون اختصاصات الأمير مطلقة في بلد من البلدان أو إقليم من الأقاليم، بحيث يملك الأمير النظر في جميع الأعمال بما في

стр. 703

ذلك النظر في تدبير الجيوش وتعيين القضاة وجباية الخراج وقبض الصدقات وإقامة الحدود واختيار عمال الدولة وما إلى ذلك، فهي على حد عبارة الماوردي بالنسبة لأهل الإقليم ولاية على جميع أهله والنظر في المعهود من سائر أعماله، فيصير عامّ النظر فيما كان محدودًا من عمل ومعهودًا من نظر. ويشترط في هذه الإمارة العامة نفس الشروط التي تشترط في وزارة التفويض؛ لأن الفرق بينهما فقط هو في خصوص الولاية في الإمارة وعمومها في الوزارة. قال الماوردي: وتعتبر في هذه الإمارة الشروط المعتبرة في وزارة التفويض؛ لأن الفرق بينهما خصوص الولاية في الإمارة وعمومها في الوزارة، وليس بين عموم الولاية وخصوصها فرق في الشروط المعتبرة فيها، فكل من الأمير والوزير في وزارة التفويض مطلق السلطة، غاية الأمر أن الأمير مختصّ بإمارته ووزير التفويض لا يختصّ بإقليم معين. أقسام الإمارة العامة: فنقول: تنقسم الإمارة العامة إلى قسمين: إمارة استكفاء، وإمارة استيلاء. فأما إمارة الاستكفاء: فهي التي تنعقد عن اختيار من الإمام، فيعقدها الشخص يكون كفئًا لتولي مهام الإمارة عند توافر الشروط فيه، فهي تشبه وزارة التفويض -كما أشرنا- ويكفي أن يقول الخليفة عندما يؤمِّرُ أحد الولاة على إقليم ما: قد أقررتك على ولايتك ناحية كذا، أو قلدتك ولاية هذه الناحية؛ لتكون عام النظر على أهلها في كل ما يتعلق بها، ونحو ذلك من صيغ التقليد، ولما كان الأمير في الإمارة العامة مطلق السلطة في إمارته فإنه يجوز له أن يتخذ لنفسه وزير تنفيذ بأمر الخليفة وبغير أمره، ولكن لا يجوز له أن يستوزر وزير تفويض إلا بإذن الخليفة وأمره.

стр. 704

وأما عن واجبات الأمير في الإمارة العامة فهي -كما ذكرنا- تشبه واجبات الإمام بالنسبة لعموم الدولة؛ كل ما في الأمر أن الأمير مختص بإمارته فقط، فيدير جميع شئونها من النواحي السياسية، والمالية، والحربية، والدينية، والقضائية، وما إلى ذلك. وأما إمارة الاستيلاء: فهي التي يعقدها الإمام أو الخليفة عن اضطرار، وذلك بأن يستولي الأمير بالقوة على إقليم ما، فيقلده الرئيس الأعلى للدولة على إمارته، ويفوض إليه تدبيره وسياسته، فيكون الأمير باستيلائه مستبدًّا بالسياسة والتدبير؛ وإمارة الاستيلاء إنما هي النوع الثاني من أنواع الإمارة العامة. وقد نشأت إمارة الاستيلاء عن حكم الضرورة، أو هي إقرار لسياسة الأمر الواقع، ولم تكن معروفة في أيام الخلفاء الراشدين، ولا في أيام الخلافة الأموية، ولا في العهد العباسي الأول، وإنما بدأت في الانتشار منذ النصف الثاني من القرن الثالث الهجري مع ضعف الدولة العباسية، واستقلال بعض الولاة عن سلطان الخلافة في العاصمة، فظهرت الدويلات المستقلة عن الدولة العباسية مثل الدويلات: البويهية، والسامانية، والغَزنوية، والسلجوقية، والطولونية، والإخشيدية، وغيرها من الدويلات التي حكم أمراؤها عن طريق القوة والقهر، ولم يكن الخليفة ليملك معهم إلا إِقراراهم على تلك الدويلات كأمر واقع لا مفر منه، ولا مجال لنكرانه أو إبطاله؛ لئلا يئول الأمر إلى مزيد من التفرق والتمزق، وسفك الدماء. شروط وواجبات أمير الاستيلاء: يجب على أمير الاستيلاء نظير إقرار ولايته -كأمر واقع- أن يقوم ببعض الأمور ومنها: حفظ منصب الإمامة في خلافة النبوة، وتدبير أمور الملة؛ ليكون ما أوجبه الشرع من إقامتها محفوظًا، وما تفرع عنها من الحقوق محروسًا.

стр. 705

ظهور الطاعة الدينية التي يزول معها حكم العناد؛ اجتماع الكلمة على الألفة والتناصر؛ ليكون المسلمون يدًا على من سواهم؛ أن تكون عقود الولايات الدينية جائزة، والأحكام والأُقضية فيها نافذة، لا تبطل بفساد عقودها، ولا تسقط بخلل عهودها؛ أن يكون استيفاء الأموال الشرعية بحق تبرأ به ذمة مؤديها، ويستبيحه آخذها؛ أن تكون الحدود مستوفاة بحق، وقائمة على مستحق، فإن جنب المؤمن حمًى إلا من حق الله وحدوده؛ أن يكون الأمير قائمًا في حفظ الدين؛ وأن يكون ورعًا من محارم الله، فهذه الواجبات لا بد وأن يقوم بها أمير الاستيلاء في مقابلة الاعتراف بشرعية استيلائه، وإقراره على سلطة الإدارة. الفرق بين إمارة الاستيلاء وإمارة الاستكفاء: ذكرنًا سلفًا أن إمارة الاستيلاء تعقد عن اضطرار، بينما إمارة الاستكفاء تعقد عن اختيار، ومع ذلك يفرق العلماء بين الإمارتين من وجوه أربعة: ١ - أن إمارة الاستيلاء متعينة في المسئول أي: ليس أمام الإمام إلا تعيينه؛ أما إمارة الاستكفاء فهي مقصورة على اختيار المستكفي أي: له أن يختار أيَّ واحد من الناس صالح لتولي هذه المهمة. ٢ - أن إمارة الاستيلاء مشتملة على البلاد التي غلب عليها المسئول، وإمارة الاستكفاء مقصورة على البلاد التي تضمنها عهد المستكفي. ثم ننتقل الآن إلى الإمارة الخاصة: الإمارة الخاصة وهي المقابلة للإمارة العامة، فهي: أن يكون الأمير مقصور الإمارة على بعض الشئون فقط في بلد من البلدان، أو إقليم من الأقاليم، كتدبير الجيش، وسياسة الرعية، وحماية البيضة، والذب عن الحريم، وليس له أن يتعرض للقضاء، والأحكام، أو الجباية، أو الخراج، والصدقات.

стр. 706

ولما كانت الإمارة الخاصة أقل نفوذًا من الإمارة العامة وهي محددة ببعض الأمور فقط -كما ذكرنا- فإنها تشبه إلى حد ما وزارة التنفيذ بالنسبة لوزارة التفويض؛ ولذلك يمكن القول بأنه: يشترط في أمير الإمارة الخاصة نفس شروط وزير التنفيذ، إلا أنه يلزم في هذا الصدد أن يكون الأمير مسلمًا؛ لما في الإمارة من معنى الولاية، وإن كانت إمارة خاصة، وكذلك يلزم أن يكون الأمير حرًّا؛ لأن الولاية على الغير تتنافى مع الرق والعبودية، ولكن ليس بشرط أن يكون الأمير إمارة خاصة من أهل العلم؛ لأنه ليس له الحكم ولا القضاء -كما ذكرنا- فلم يكن مفتقرًا إلى العلم، لكن من الأفضل أن يكون من العلماء، أو على الأقل من المثقفين، فلا يكون جاهلًا كل الجهل بالأحكام الشرعية؛ لأن هذا لا يمكنه من القدرة على ممارسة صلاحياته. واجبات الأمير في الإمارة الخاصة: يدخل في اختصاصات الأمير في الإمارة الخاصة ما يلي: ١ - إقامة الحدود التي تتعلق بحقوق الله تعالى لحد الزنا؛ لدخول ذلك في قوانين السياسة، وموجبات الحماية والذب عن الملة، وكذلك الحدود التي تتعلق بحقوق الآدميين، إذا كانت إقامتها لا تفتقر إلى نظر واجتهاد؛ أما ما كان مفتقرًا إلى ذلك؛ لاختلاف الفقهاء فيه، أو ما كان مفتقرًا إلى إقامة بينة لتناكر المتنازعين فيه، فإنه يخرج عن سلطة الأمير، وليس له أن يتعرض لذلك؛ لأنه ليس من أهل الاجتهاد، فضلًا عن خصوص ولايته. ومن الاختصاصات أيضًا النظر في المظالم إذا تعسف أصحاب السلطات من الحكام والقضاة ومن إليهم؛ شريطة أن تكون هذه المظالم غير قابلة للاستئناف، فإن كانت مما تستأنف فيها الأحكام ويبتدئ فيها القضاء فإنه يمتنع عن الأمير النظر فيها؛ وعليه عندئذ

стр. 707

أن يرد الموضوع إلى حاكم بلده، أو لأقرب حاكم في بلده، ولكن يجوز له مساعدة الحاكم في استيفاء الحقوق؛ لأنه هو صاحب المعونة دون الحاجة. ومن اختصاصاته أيضًا: إمامة الصلاة، وتسيير الحج؛ لأن هذا يعتبر من جملة الصلاحيات المندوب إليها الأمير. ومن اختصاصاته أيضًا -أي: الأمير في الإمارة الخاصة- الجهاد، لكن ينبغي التفريق في هذا الصدد بين ابتداء القتال للأعداء المداخلين للحدود، فهو لا يجوز إلا بإذن الخليفة، وبين الاعتداء الواقع عليهم بالفعل فهو يجوز بغير إذن الخليفة؛ لأن الحق في الدفاع يدخل ضمن حقوق الحماية، ومقتضيات الذب عن الحريم، التي تدخل في اختصاصات الأمير. ونكتفي بهذا القدر من الحديث عن الإمارة بنوعيها: الإمارة الخاصة، والإمارة العامة، وبهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن النظام الإداري في الإسلام. الأسس التي قامت عليها علاقة المسلمين بغيرهم وننتقل الآن للحديث عن السياسة الخارجية للدولة الإسلامية، وهو إحدى الموضوعات المقررة في السياسة الشرعية، ونتحدث في موضوع السياسة الخارجية للدولة الإسلامية عن علاقة المسلمين بغيرهم، ثم نتحدث عن موضوع آخر وهو: تقسيم الدول إلى: دار حرب، ودار إسلام، وما يترتب على ذلك من نتائج، ثم نتحدث بعد ذلك عن المعاهدات في الفقه الإسلامي. ونبدأ الآن الحديث عن علاقة المسلمين بغيرهم، ويمكن تقسيم الحديث في هذا الأمر -وهو علاقة المسلمين بغيرهم- إلى قسمين: الأول: الأسس التي بنيت عليها العلاقات الدولية في الإسلام. الثاني: الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو السلم دون الحرب. فبالنسبة للقسم الأول وهو: الأسس التي بنيت عليها العلاقات الدولية في الإسلام، نقول: يتبين لنا من توجيهات الإسلام واستقراء أحكامه أن العلاقات الإسلامية تقوم عند الفقهاء على أسس؛ هي ضرورية لا بد منها في الحياة الاجتماعية، بل والدولية، وسوف نبحث هذه الأسس فيما يلي:

стр. 708

أولًا: الوحدة الإنسانية؛ والوحدة الإنسانية تتفرع إلى عدة فروع منها: التساوي في الأصل، وفي ذلك نقول: الناس في الأصل سواء، لا فضل لأحد على الآخر إلا بالتقوى، وأنه لا تفاضل بين البشر بسبب اللون، أو الجنس، أو اللغة، فالكل ينتمون إلى آدم، وآدم من تراب، وفي ذلك يقول الحق ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (النساء: من الآية: ١) فقد دلت الآية الكريمة على أن الخالق واحد، والنفس الإنسانية واحدة، كما وجهت أيضًا الخطاب للناس جميعًا؛ لأنه في شأن عالمي إنساني، وليس خاصًّا بمجتمع إقليمي أو زمني. ويقول الله ﵎: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (البقرة: من الآية: ٢١٣) فهذه الآية تبين أن الإنسانية أمة واحدة، وقد قرر الله تعالى أن الناس جميعًا أمة واحدة، وأن الاختلاف عارض ومنشأه الأهواء، وأن الله أرسل الرسل بالهداية؛ ليحكموا بأمر الله تعالى في هذا الاختلاف؛ وليبينوا لهم طريق الهداية، فيسلكه من تغلب على هواه، ويضل الآخر ويشقى. ويقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ (الروم: من الآية: ٢٢) فهذه الآية تبين أنه لم يكن اختلاف اللغات والألوان بمانع من الوحدة الإنسانية الجامعة؛ بل إن هذا الاختلاف من سنن الله تعالى في خلق الإنسان، إذ جعل فيه قوة يتكيف بمقتضاها مع بيئته، ويتجاوب، ويقول الحق ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية: ١٣) أي: أنكم جميعًا منحدرين من أب واحد، ومن أم واحدة، فلا فضل لأحدكم على الآخر بحسب عنصره، وطبيعته، وإذا كان الله قد جعلكم شعوبًا وقبائل فإنه لم يجعلكم كذلك لتفضيل شعب على شعب؛ أو قبيلة على قبيلة، وإنما ليكون ذلك وسيلة للتعارف.

стр. 709

وبمعنى آخر: فإن هذه الآية تبين أن اختلاف الناس شعوبًا وقبائل لم يكن ليتقاتلوا، أو يختلفوا، ولكن ليتعارفوا، ويتعاونوا، وهذا التعارف يجعل كل فريق ينتفع بخير ما عند الفريق الآخر، وتكون خيرات الأرض كلها لابن هذه الأرض وهو الإنسان، وهذا لا يتحقق إلا بالتعاون والتعارف الإنساني. ويقول النبي ﷺ مقررًا هذا الأصل: ((إن الله قد أذهب عنكم حمية الجاهلية، والفخر بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس بنو آدم، وآدم خلق من تراب)). ثم كان هناك أيضًا وحدة التكاليف: الوحدة الإنسانية تقتضي وحدة التكاليف؛ لأنه لما كان الإسلام دعوة عالمية، فإنه بشأن التكاليف تتجه أوامر القرآن ونواهيه إلى الناس كافة، فلا تختص بها أمة دون أمة، أو جنس دون جنس، بل يطالب بهذه الأوامر جميع الأجناس والطوائف، دون نظر إلى ما بينهم من فوارق شخصية: كذكورة وأنوثة، وبياض وسواد؛ أو فروق اجتماعية: كرئاسة ومرءوسية، وحاكمية ومحكومية، وغنى وفقر، وفي هذا المعنى يقول الله ﵎: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ (النساء: ١٢٣). فالجميع على مستوى من المسئولية أمام الله، وأمام المجتمع. ومما تجب ملاحظته أن الوحدة الإنسانية تقتضي وحدة التكاليف لجميع البشر؛ فالله أمر الناس جميعًا بالتقوى، والإذعان لدينه، فالتكاليف الشرعية واحدة لجميع البشر، وذلك واضح في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (النساء: من الآية: ١) والرسالة المحمدية رسالة عالمية، دعوة إلى جميع الإنسانية لهداية الناس جميعًا.

стр. 710

ثم نتحدث الآن عن وحدة الدين، فنقول: والوحدة الإنسانية تقتضي وحدة الدين؛ فالشريعة الإسلامية امتداد للشرائع السابقة، فكل شريعة كانت مناسبة للزمان والمكان الذي أرسلت فيه، حتى إذا بلغت البشرية حدًّا من الاستعداد والحاجة إلى شريعة خاتمة كانت الشريعة الإسلامية؛ والرسالات السماوية تلتقي جميعًا في الأسس العامة، أما التفصيلات فإنها تختلف باختلاف ظروف كل شريعة، وفقًا للزمان والمكان الذي ظهرت فيه، والإسلام هو دين الأنبياء جميعًا، منذ وجد الإنسان على وجه الأرض، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلام﴾ (آل عمران: من الآية: ١٩) فالأصول الكلية واحدة يقول تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: ١٣). والدين هو الإسلام لدى الأنبياء جميعًا، يقول تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: ٦٧) وقال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٣٢، ١٣٣) والإسلام يأمر بالإيمان بجميع الرسل والأنبياء السابقين، يقول تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٣٦). فالشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع السماوية، جاءت لسعادة البشرية التي كانت متعطشة إليها؛ لإنقاذها مما تعانيه، وإخراجها من ظلمات الجهالة إلى نور الهداية

стр. 711

واليقين، يقول النبي ﷺ : ((مثلي ومثل الأنبياء قبل كمثل رجل ابتنى دارًا، فأحسنها، فأكملها، إلا في موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها، ويتعجبون منها، ويقولون: لولا موضع هذه اللبنة، ثم قال ﷺ : فأنا موضع تلك اللبنة، جئت فختمت الأنبياء)). ثم نتحدث بعد ذلك عن الأمور التي يشترك فيها الناس جميعًا وهي: وحدة المصير، فنقول: وإلى جانب وحدة التكاليف، ووحدة الدين للإنسانية جميعًا، فإن المصير واحد؛ فالناس كلهم واحد في أطوار حياتهم، وفي نهايتهم، يقول ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ (الحج: من الآية: ٥). وهكذا وجدنا أن الوحدة الإنسانية من الأسس التي تقوم عليها العلاقات في الإسلام؛ سواء كانت العلاقات فردية، أو جماعية، أو دولية، ولا شك أن شعور الفرد أو الجماعة أو الدول بأنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا من حيث المنشأ والمصير؛ يدعوها إلى أن تكون العلاقات بينهم علاقات وطيدة الدعائم، مما يقوي الأواصر، ويدعم الروابط في شتى مجالات الحياة. ومن الأسس التي قامت عليها العلاقات الدولية في الإسلام: الصلة الإنسانية، وفي ذلك نقول: ينظر الإسلام إلى البشر على أنهم أمة واحدة، ينتمون جميعًا إلى آدم ﵇ فلا يمنع من وجود صلة قائمة على الإنسانية؛ فالله- يأمر بالعدل والإحسان، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان﴾ (النحل: من الآية: ٩٠). والقرآن الكريم أجاز مودة من لم يقاتلنا في الدين من غير المسلمين، ولم يخرجنا من ديارنا، ولم يظاهر على إخراجنا، فيقول ﵎: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ

стр. 712

يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة: ٨، ٩) والآية نزلت في أسماء بنت أبي بكر، فيُروى عنها ﵂ أنها قالت: ((قدمتْ أمي وهي مشركة في عهد قريش، إذ عاهدوا، فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت وهي راغبة -أي: راغبة في زيارتي- أفأصلها؟ قال: نعم، صِلِي أُمُّك)) على الرغم من أن هذه الأم لم تكن مسلمة، ومع ذلك أمر النبي ﷺ بصلتها. وقال الجصاص في (أحكام القرآن) في تفسير قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾: هذا عموم في جواز دفع الصدقات إلى أهل الذمة، إذ ليس هم من أهل قتالنا، والإسلام يدعو إلى هذه الصلة الإنسانية، والنبي ﷺ قام بزيارة غلام لجاره اليهودي؛ فقد روي عن أنس: ((أنَّ غلامًا -من اليهود- كان قد مرض، فأتاه النبي ﷺ يَعُوُدُه في هذا المرض، فقعد عن رأسه، فعرض عليه الإسلام، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فأسلم الولد، فقام النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار)). وكان ﷺ يجيز وفود المشركين، ويتأَلَّف كبارهم، ويلين لهم القول، وكان يقول: ((إذا جاءكم كريمُ قوم فأكرموه)). وأيضًا من ضمن المبادئ التي قامت عليها العلاقات الدولية في الإسلام: المساواة بين الناس، وفي ذلك نقول: اهتم الناس بالمساواة، وقدروا من يدعوا إليها، ويعمل بها، وكان ذلك راجعًا إلى ما رأَوه من ظلم القوي للضعيف، بما جُبلت عليه النفوس من الكبرياء، والتعالي، والأثرة، واغتصاب الحقوق، ومن ثمَّ كان من أهم ما اهتمت به الأديان هو الحد من ذلك الظلم، والحيلولة بين الناس وبين

стр. 713

اغتصابهم للحقوق، وتلك أيضًا كانت وظيفة الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- لقد تصادمت الطبيعة البشرية الميالة للتكبر واغتصاب الحقوق مع الأديان والرسل من قديم الزمان؛ مما جعل حياة الرسل والداعين بدعوتهم سلسلة من المتاعب الكثيرة. وقبل بعثة محمد ﷺ كان نظام الطبقات يسود العالم بصورة شائعة وقاسية، فقد نشأ هذا النظام في الحياة الاجتماعية والسياسية على السواء، فالرومان كانوا يقسِّمون الناس إلى أحرار وغير أحرار؛ فالأحرار يتمتعون بكل الحقوق، وغير الأحرار يحرمون من التمتع بأي حق من الحقوق، ولم تكن الجزيرة العربية أسعد حالًا، بل كان الرق أحد العوامل السائدة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ نتيجة للغارات، والحروب المتوالية، وكان الرق بابًا من أبواب التجارة الرابحة، فلما جاء الإسلام لم يقر هذه الأوضاع، فكما حرر الإنسان في فكره وعقيدته، حرره من عبوديته لسادته ولغيرهم، وهذه النزعة العادلة هي القيمة التي دافع عنها الحكام، وطبقها القضاة بين الناس. لقد جاء الإسلام بنظرية المساواة التامة، حيث قرر المساواة بين الناس جميعًا على اختلاف شعوبهم وقبائلهم، فهم متساوون في الحقوق والواجبات، وذلك في النظام الذي رسمه التشريع الإسلامي، وقد حرص الإسلام على تقرير هذه المساواة في أكمل صورها، وجعلها من العقائد الأساسية، التي يجب أن يدين بها كل مسلم، واستنكر الإسلام معاملة الناس معاملة متفاوتة، وندد بالتفرقة العنصرية، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: ٤) وهذه المساواة التي نادى بها الإسلام تشمل الناس جميعًا، دون نظر حتى إلى الدين الذي يعتنقونه.

стр. 714

فها هو عمر بن الخطاب ﵁ يُهدر أيَّ تفرقة بين مسلم وغير مسلم، ويتضح هذا عندما أمر أن يقتص أحد أقباط مصر من ابن عمر بن العاص -والي مصر- عندما ضربه. وقد رُوي أن محمد بن عمرو بن العاص ضرب مِصريًّا بالسوط وهو يقول له: خذها وأنا ابن الأكرمين، وحبس ابن العاص المصريَّ؛ مخافة أن يشكو ابنه إلى الخليفة، فلما أفلت المصري من محبسه ذهب إلى المدينة، وشكا لعمر بن الخطاب ما أصابه، فاستبقاه عمر بن الخطاب -المصري- في المدينة. واستقدمَ عمرو وابنه من مصر، أي: طلب من عمرو بن العاص وابنه أن يأتيا إليه في دار الخلافة، ودعاهما إلى مجلس القصاص، فلما مثُلا فيه، نادى عمر: أين المصري؟ دونك الدرة -وهي: عصا يَضرب بها، أي: خذ الدرة فاضرِبْ بها ابنَ الأكرمين- فضرب المصري محمدًا حتى أثخنه، وعمر يقول: اضْرِبْ ابنَ الأكرمين فلما فرغ الرجل، وأراد أن يرد الدرة إلى أمير المؤمنين قال له: ضعها على صلعة عمرو، فوالله ما ضربك ابنه إلا بفضل سلطانه، قال عمرو: يا أمير المؤمنين، قد استوفيت، واستشفيت، وقال المصري: يا أمير المؤمنين، قد ضربتُ من ضربني، وقال عمر: إنك والله لو ضربتَه ما حُلنا -أي: ما منعناك- بينك وبينه، حتى تكون أنت الذي تدعه، والتفت إلى عمرو غاضبًا، وقال: أي يا عمرو، متى تعبَّدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتُهم أحرارًا؟! وقد طبق قضاة المسلمين مبدأ المساواة في قضائهم إلى أقصى حد ممكن؛ فقد روي أن علي بن أبي طالب افتقد درعًا -وكان في ذلك الوقت خليفة للمسلمين- فوجدها عند نصراني في السوق، فذهب علي بن أبي طالب إلى قاضي المسلمين شريح، يخاصم النصراني في الدرع، ويقول: "إنها درعي، ولم أبِع، ولم أهَب" يعني: ما بعتها، ولا وهبتها، ويسأل القاضي شريح النصراني، ويقول له: ما

стр. 715

تقول فيما ذكر أمير المؤمنين؟ فيقول النصراني: ما الدرع إلا درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب، فيلتفت شريح إلى علي يسأله، يا أمير المؤمنين: هل عندك بينة؟ هل عندك شهود على أن هذا الدرع إنما هو لك؟ فيقول علي: "أصاب شريح، ما عندي بينة" فيقضي شريح بالدرع للنصراني، فيأخذها، وينصرف، وأمير المؤمنين ينظر إليه، ولا يستطيع أن يقول شيئًا. ومن المبادئ العامة أيضًا التي كان أساس العلاقة بين المسلمين وبين غيرهم هو: التعاون الإنساني، وفي ذلك نقول: لا يستطيع إنسان أن يقوم بكل ما يحتاجه لنفسه بنفسه، فلا بد أن يستعين بغيره، كما يستعين به غيره؛ فالإنسان جزء من البيئة والمجتمع، يؤثر ويتأثر، ويتفاعل مع غيره، كما يتفاعل غيره به؛ لأن الإنسان مدني بطبعه، ومادام الناس ينتمون إلى أصل واحد، فذلك أدعى إلى التعاون؛ واختلاف الناس شعوبًا وقبائل لم يكن من أجل أن يتصارعوا، ولكن ليتعارفوا، والتعارف لا يكون إلا بالتفاعل الإيجابي، يقول ربنا : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية: ١٣) والتعاون في الإسلام مبدأ عام في كل الجماعات الإنسانية، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية: ٢). والتعاون قوام الأسرة، وقوام الأمة، فلقد دعا النبي ﷺ بالعمل والقول إلى التعاون في علاقة الدول بعضها بالبعض؛ ومما يدلل على ذلك: أنه عندما جاء إلى المدينة عقد مع اليهود حِلفًا أساسه التعاون على البر، وحماية الفضيلة، ومنع الأذى، وكان يطلق على هذا الحلف: "الصحيفة" وقد تضمنت هذه الصحيفة الكثير من الأحكام التي تبين كيفية تحقيق التعاون بين المسلمين واليهود؛ كما عقد النبي ﷺ مع قبائل العرب معاهدات، مبعثها التسامح، وروحها الرحمة، منها صلح الحديبية، وقد عقد تعاونًا دوليًّا في مجال الزراعة مع يهود خيبر، حيث أقرهم رسول الله ﷺ على أرضهم، ولهم نصف ما يَخرُج منها من ثمر أو زرع.

стр. 716

يدل على ذلك: ما روي عن ابن عمر: ((أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها)) أي: من الأرض من ثمر أو زرع، وفي رواية: ((أن رسول الله ﷺ أعطى خيبر اليهود على أن يعملوها، ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها)) بل إن النبي ﷺ يبين أن الله يمد بالقوة من يعاون أخاه الإنسان في أي إقليم، وفي أي موطن، فيقول ﷺ : ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)) ففي هذا الحديث لم يعين النبي ﷺ الأخ، بل عممه، جاءت الكلمة عامة، فيعم الأخوة الإنسانية، ولا يقتصر على الأخوة الدينية، أو الإقليمية. وهكذا نرى أن كل ما يدعو إلى التقدم والرفاهية في مجالات الحياة المختلفة، في إطار من الحق والعدل تحث الشريعة عليه؛ لأنه من فيض التعاون على البر والتقوى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٤ - بقية الأسس التي قامت عليها العلاقات الدولية في الإسلام حرية العقيدة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد. فقد بدأنا الحديث في المحاضرة السابقة عن السياسة الخارجية للدولة الإسلامية، وبدأنا الحديث عن أسس العلاقات الدولية في الإسلام، وبدأنا في تعداد هذه الأسس، وذكرنا منها: الوحدة الإنسانية، والصلة الإنسانية، والمساواة بين الناس جميعًا، والتعاون الإنساني. ومن المبادئ أيضًا التي بنيت عليها العلاقات الدولية في الإسلام: الحرية وفي ذلك نقول: إن هذه الحرية تعني: تحرر الفرد من القيود، وقدرته على التصرف باختيار؛ فالحر إذًا هو الذي يملك نفسه، ولا يخضع لرق، ولا أسر، والحرية تعني: الخلوص من الأسر والرق، وهي تلتقي في الوجود مع الإنسان الحر، الذي تتجلى فيه القيمة الإنسانية الرفيعة، ومن هنا فإن الحرية تستمد اشتقاها من الحر، ويتحلى هو بها، والحر في الحقيقة هو الذي يبتدئ بالسيادة على نفسه، وإذا تحقق له ذلك يكون حرًّا. وإذا أردنا أن نعرَّف الحرية في الاصطلاح الفقهي نقول: لم تعرف الشريعة الإسلامية معنىً اصطلاحيًّا للفظ الحرية يخرج عن المعاني اللغوية -التي أشرنا إلى بعض منها- ولم يعرَّف الفقهاء المسلمون الأوائل -أيضًا- ذلك، غير أن البعض

стр. 717

من المحدثين عرَّفها بأنها: خلوص الإنسان من ضيق الحجر، وتمتعه بكل حق إنساني قضى به الشرع، وهي حق طبيعي للناس، إذا حُرِموه فقد سُلبت إرادتهم، وافتقدوا إنسانيتهم، لهذا قررها الإسلام، ورفع من شأنها، ومنع من العبث بها، وقد جاء الإسلام؛ ليرفع كرامة الإنسان من حيث هو إنسان، فأعلى القيم البشرية، وفضّل الإنسان على كثير من المخلوقات. وفي ذلك يقول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: ٧٠). وهدم الإسلام نظام الطبقات من أساسه؛ فالناس في نظره سواسية، لا يتفاضلون إلا بالتقوى، والعمل الصالح، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية: ١٣) ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (النساء: من الآية: ١) وفي ذلك تقرير لوحدة الأصل، مما يقتضي عدم التمايز بالجنس، أو الطبقة؛ إن فلسفة الحرية في الإسلام تكمن في العبودية الكاملة لله تعالى، وهذه العبودية تعني أن يكون للإنسان كامل الحرية بين بني جنسه، وذلك أنه ما دام الكل عباد لله تعالى فهم أحرار فيما بينهم، فإذا وعى الإنسان هذا المعنى للحرية، أحس في الواقع بها، وعاش بين ربوعها كريم النفس، لا يَستذل لقوة، ولا مال، ولا جاه. وتلقين هذه العبودية للبشر من أهم وظائف الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- فمهمتهم -جميعًا- هي إزالة عبودية البشر للبشر؛ لتحل محلها عبودية الله للبشر جميعًا، وبالتالي الوقوف في وجه من جاوزا حدود البشرية، وادعوا

стр. 718

ألوهية كاذبة على بشر أمثالهم؛ وليمنعوا الظلم عن الذين ظلموهم، وادعوا هذه الألوهية، ويحرروهم من عبودية غير الله، ويجمعوهم تحت نظام للحياة عادل، ليس فيه إنسان عبد لإنسان، بل يكون الناس فيه جميعًا عبادًا لله وحده. وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (الأنعام: ١٠٢) ويقول تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ٦٤) فهذا هو النداء الرباني الذي حرر العقول والأفكار؛ وحرر كل ما أوتي البشر من القوى العقلية والمادية من أغلال العبودية لغير الله؛ ووضع عنهم إصرهم الذي كان يرزحون تحته. إن الحرية في الإسلام ذات معنى واسع؛ فالإسلام حين دعا إليها لم يكن يدعو إلى حرية الأفراد فحسب، ولا حرية الجماعات فحسب، بل أراد هذه الحرية ملكًا وحقًّا لكل البشر على السواء، في شتى أنحاء الأرض؛ فالإنسان في نظر الإنسان حر في إنسانيته، وحر في عقيدته، وحر في إبداء رأيه، وعلى الجملة: فقد كَفَلَ الإسلام لكل واحد من الناس الحرية الإنسانية، والمدنية، والسياسية، والعلمية، وغير ذلك من مظاهر الحرية على تعدد أنواعها. والحرية بهذا المفهوم أقرها الإسلام في ضمائر المؤمنين، وجعلها جزءًا لا يتجزأ من عقيدتهم؛ ولذلك نجد المجتمع المسلم يُذعن لقانون العبودية لله تعالى، ويراه واجبًا عليه، وحقًّا لله الذي خلقه، وهو بذلك يتمتع بكامل حريته. وكما قلنا: فإن للحرية مظاهر متنوعة: هناك حرية دينية، وحرية سياسية، إلى غير ذلك من الحريات التي عددها القانونيون، لكن ما نريد أن نلفت النظر إليه هو: الحرية الدينية التي أقرها الإسلام لغير المسلمين، ونقول في هذا الشأن:

стр. 719

لقد نص الإسلام على حرية العقيدة في كتابه الكريم، حيث يقول الله تعالى في ذلك: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٥٦) ويقول الفخر الرازي في تفسير هذه الآية: إن الله تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقصر، وإنما بناه على التمكن والاختيار؛ فالله تعالى لما بين دلائل التوحيد بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر، قال بعد ذلك: إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر، إلا أن يُقصَرَ على الإيمان ويُجبَرَ عليه، وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء، إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان. ومما يؤكد هذا القول، أن الله تعالى قال بعد ذلك: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ يعني: ظهرت الدلائل، ووضحت البينات، ولم يبق بعدها إلا طريق القصر والإلجاء والإكراه، وذلك غير جائز؛ لأنه ينافي التكليف. ومعنى هذا: أنه إذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه عليه، وكان من نتيجة هذا الإكراه إسلام المكره، فإن حكم الإسلام لا يثبت في حقه، حتى تبدر منه علامات تدل على إسلامه اختيارًا، فإذا مات من أسلم مكرهًا قبل صدور هذه العلامات منه فحكمه حكم الكفار، ولم يعامل معاملة المسلمين، وأيضًا إن رجع إلى الكفر لم يثبت في حقه حكم الردة، وبالتالي لا يجوز قتله، وهذا راجع إلى أنه أكره على شيء لا يبيح الإسلام إكراهه عليه، فلم يثبت حكمه في حقه، وهذه الحالة مشابهة لحالة المسلم إذا أكره على الكفر، حيث لا يعد كافرًا طالما قلبه مطمئن بالإيمان، يقول الله ﵎: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل: من الآية: ١٠٦). فالله الذي خلق الناس أحرارًا في تفكيرهم، بل وقدس حريتهم، لم يُكرههم على أن يؤمنوا به، ويعبدوه، فهو لم يتعامل معهم بالجبر ولو على الخير، وهذا

стр. 720

راجع إلى أن معنى العبادة الحقة ومعنى التكليف المعقول لا يتلاءمان مع الإكراه؛ والله تعالى -من جهة أخرى- قرر مسئوليتهم، وترك بعد ذلك نواميس الكون لتعمل عملها في الفرد والمجتمع، وهذا مبني على أن روح التوحيد تقوم على الحرية، وأن الإيمان أمر أكثر من مجرد الشعور، فهو في حقيقته يشبه رضا النفس عن علم ومعرفة. والله من جهة أخرى- قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة من إيمان أو كفر؛ إلا أن الخلف بين الناس في أديانهم واعتقاد مِللهم سيظل موجودًا، والنبي ﷺ كان يود أن يؤمن كل الناس، وكان يحزن لكفر بعضهم، وهنا قال الله تعالى منفسًا عنه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: الآية: ٩٩) ويقول ابن عباس في تفسير هذه الآية: "كان النبي ﷺ حريصًا على إيمان جميع الناس، فأخبره الله تعالى: إنه لا يؤمن إلا من سبقت له السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبقت له الشقاوة في الذكر الأول، وبناء على ذلك أمرنا الله تعالى ألا نُكره أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بين واضح جلي، دلائله وبراهينه لا تحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله، وشرح صدره، ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقصورًا. والإسلام قرر ذلك؛ لأنه يرى أن الإيمان الصحيح المقبول عنده هو ما جاء وليد يقظة عقلية، واقتناع قلبي عن رضًا ورغبة، وقد عرض الإسلام نفسه في دائرة هذا المعنى غير متجاوز له في قليل ولا كثير؛ فهو يعتبر حرية الاعتقاد حقًّا فطريًّا لكل إنسان في كل زمان ومكان، يجب تمكينه من التمتع بها دائمًا، بل هي من أولى حقوقه التي يثبت له بها وصف إنسان، فإذا سُلبت منه فقد سلبت إنسانيته؛

стр. 721

فالإسلام ليس من أهدافه أن يفرض نفسه على الناس فرضًا، حتى يكون هو الديانة الوحيدة؛ لأن أية محاولة من هذا النوع هي محاولة فاشلة، بل هي مقاومة لسنة الوجود، ومعاندة لإرادة رب الوجود. وهناك حقائق غرسها الإسلام في عقول متبعيه، جعلتهم يتسامحون في معاملاتهم مع مخالفيهم في الدين، هذه الحقائق تكمن في اعتقاد المسلم بكرامة الإنسان أيًّا كان دينه، أو جنسه، أو لونه، واعتقاده أن اختلاف الناس في الدين واقع بمشيئة الله تعالى، واعتقاده أنه ليس مكلفًا بحساب الكافرين على كفرهم؛ لأن حسابهم إلى الله يوم الحساب، على أنه في النهاية يجب أن نلاحظ أن: مفهوم حرية العقيدة يختلف في الإسلام عنه في النظم المعاصرة اختلافًا كبيرًا؛ ذلك أن النظم المعاصرة تأخذ بمفهوم حرية العقيدة، بما يشمل حرية تغيير الدين، وحرية الارتداد عن الإسلام. أما النظام الإسلامي فيفرِّق في هذا الصدد بين أمرين: الأول: حرية العقيدة ابتداءً، وهنا لا يجبر أحد على الدخول في دين الإسلام، فهنا الحرية مكفولة للجميع؛ الثاني: حرية الارتداد، بمعنى: الخروج عن الدين الإسلامي بعد الدخول فيه، وهذه الحرية لا يقرِّها الإسلام، ويعاقب على ممارستها أشد العقاب؛ فحرية العقيدة ابتداءً يَكْفُلُها الإسلام لجميع البشر أيًّا كانت ديانتهم، وأيًّا كان معتنقوها، لا فرق بين جنس وجنس. ونتكلم الآن عن الخصائص التي تميزت بها الشريعة بشأن حرية العقيدة فنقول: لما كانت العقيدة في الإسلام شيئًا معنويًّا، سبيله الأوحد: الإقناع، فهي لذلك لا تقبل الإكراه، والعقل هو الذي يقرر قبوله لها، فترسخ في القلوب، وليس

стр. 722

للإكراه سبيل إليها كما أوضحنا، ومن خلال ذلك المفهوم تظهر بعض الخصائص التي تميزت بها الشريعة في هذا الشأن منها: ١ - أن عقيدة الإسلام بطبيعتها تتسم بالسهولة واليسر، وليس فيها متناقضات أو مشاكل معقدة، ومن طبيعة الأمور الواضحة الميسورة أن يتقبلها الناس بسهولة ويسر، كما أن من طبيعة الأمور المعقدة المناقضة أن يرتاب الناس فيها، ويعرضوا عنها، وبالتالي تحتاج لكي يقبلها الناس إلى وسيلة لفرضها عليهم فرضًا، وإلجائهم إليها إلجاءً، وليس ذلك من طبيعة عقيدة الإسلام؛ فالإسلام يقرر أن الإيمان الذي يجيء عن طريق الإكراه لا قيمة له، ولا كرامة لصاحبه، فقد قال الله تعالى لفرعون حين أدركه الغرق، وقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ (يونس: من الآية: ٩٠) فيرد عليه الحق قائلًا: ﴿أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس: من الآية: ٩٠، ٩١) وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ (غافر: ٨٤، ٨٥). كما يقرر الحق سبحانه عدم الاعتداد بالتوبة التي يكون مبعثها الإكراه ومعاينة العذاب؛ قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: ١٨). ومن الخصائص أيضًا: أن نصوص الشرعية الإسلامية أثبتت أن الإقناع بالعقيدة الإسلامية وسيلته الموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، شأنها في ذلك شأن رسالات السماء السابقة عليها، ولنستمع إلى نوح ﵇ وهو

стр. 723

يحاجج قومه، ويناقض عقولهم بالدليل لا بالإكراه؛ فيقول: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ (هود: ٢٨) ثم استمِع إلى قوم عاد وهم يقولون لنبيهم: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: ٥٣) ولذا يتجه هود إلى ربه قائلًا: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ (هود: من الآية: ٥٦). ثم استمِع إلى إبراهيم- ﵇ وهو يحاجج أباه في لطف ولين حيث يقول له: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (مريم: ٤٢ - ٤٦) ثم يرد النبي العطوف قائلًا لأبيه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ (مريم: ٤٧، ٤٨). هذا هو نهي الأنبياء، وهو نهي سيد المرسلين محمد ﷺ يقول الله تعالى على لسان رسوله ﷺ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف: ١٠٨). ومن الخصائص أيضًا أن صاحب الدعوة الإسلام -محمد ﷺ ليس مسئولًا أمام الحق -جل وعلا- أو أمام الخلق إلا عن بيان ما نزل به الوحي، وهي مهمة التبليغ والإنذار، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ

стр. 724

الْمُبِينُ﴾ (النور: من الآية: ٥٤ وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصيْطِرٍ﴾ (الغاشية: ٢١، ٢٢) وتأسيسًا على ذلك فالرسول ﷺ ليس مطالبًا بإيمان الناس، أو إرغامهم عليه، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٧٢). العدل ثم ننتقل الآن إلى أساس آخر من الأسس التي قامت عليها العلاقات الدولية في الإسلام وهو العدل: فنقول: حرص الإسلام على العدل حرصًا شديدًا؛ لما له من منزلة جليلة، ومكانة سامية، فهو الأساس الذي تعتمد عليه الأمم في تقدمها وبقائها، ومن ثَمَّ ورد الأمر به في أساليب متعددة في القرآن الكريم؛ إعلاء لشأنه، وبيانًا لأهمية التمسك به، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ (النساء: من الآية: ١٣٥) فقد أتى الأمر بالعدل هنا بصيغة المبالغة: ﴿قَوَّامِينَ﴾ ليكون الإتيان به على أكمل وجه، فهو بناء مبالغة أي: ليتكرر منكم القيام بالقسط وهو: العدل. ومعنى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ﴾ أي: لتكن المبالغة والعناية بإقامة القسط على وجهه صفة من صفاتكم، بأن تتحرَّوْهُ بالدقة التامة؛ حتى يصبح أمرًا مقررًا في نفوسكم، لا تتخلون عنه، مهما تكن الظروف المحيطة بكم، فلا تميلوا بالهوى مع الفقير لضعفه، ولا على الغني لاستغنائه، وكونوا مع الحق، فالله الذي أغنى هذا وأفقر هذا أولى بالفقير أن يغنيه بفضله بالحق، لا بالهوى، والله أولى بالغني أن يأخذ ما في يده بالعدل والحق، لا بالتحايل، والتحامل عليه. فالعدالة حق للأعداء كما هي حق للأولياء، وقد نص القرآن الكريم على أنه: لا يصح أن تُحمل العداوة على الظلم، فإن العدل مع الأعداء أقرب للتقوى،

стр. 725

وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: الآية: ٨ أي: لا يحملنكم عداوة قوم على أن لا تعدلوا في حكمكم فيهم، وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة؛ يقول الطبري: يعني -جل ثناؤه- بقوله: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: اعتدلوا أيها المؤمنون على أحد من الناس، وليًّا كان لكم، أو عدوًّا، فاحملوهم على ما أمرتكم أن تحملوهم عليه من أحكامي، ولا تجوروا بأحد منهم، والعدل عليهم أيها المؤمنون أقرب لكم إلى أن تكونوا باستعمالكم إياه من أهل التقوى. وإنما وصف -جل ثناؤه- العدل بما وصفه به من أنه أقرب للتقوى من الجور؛ لأن مَن كان عادلًا كان بعدله مطيعًا، ومن كان لله مطيعًا كان لا شك من أهل التقوى، ومن كان جائرًا كان لله عاصيًا، ومن كان لله عاصيًا كان بعيدًا عن تقوى الله، ويأمر الله تعالى بالعدل حتى ولو كان الخصوم كفارًا، يقول سبحانه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (المائدة: ٤٢) فقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل، وذلك هو الحكم بما جعله الله حكمًا في مثله على جميع خلقه من أمة نبينا ﷺ فالله تعالى يحب المقسطين -أي: العادلين في حكمهم بين الناس- القاضين بينهم بحكم الله الذي أنزله في كتابه. ومما تجب ملاحظته أن العدل الذي جاءت به الشريعة: إنما هو عدل مطلق؛ تسعد به البشرية في شتى مجالات الحياة، يقول ابن القيم عن الشريعة: وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن

стр. 726

الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظِله في أرضه، وحكمته الدالة عليه، والدالة أيضًا على صدق رسوله ﷺ . الوفاء بالعهد ومن الأسس التي قامت عليه العلاقات الإسلامية الدولية: الوفاء بالعهد، ونقول في ذلك: إن الوفاء بالعهد خلق كريم، وصفة طيبة، ومن ثَمَّ أمر الإسلام بالوفاء بالعهد، فيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: من الآية: ١) يعني: أوفوا بالعقود التي عاهدتموها ربكم، والعقود التي عاهدتموها إياه، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقًا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضًا، فأتموها بالوفاء، والكمال، والتمام منكم لله، بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منه، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنقضوها بعد توكيدها. ويقول تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: من الآية: ٣٤) يعني: أوفوا بالعقد الذي تعاقدون الناس في الصلح بين أهل الحرب والإسلام؛ وفيما بينكم أيضًا، وفي البيوع والإيجارات، وغير ذلك من العقود، والله تعالى سيسأل ناقض العهد عن نقضه إياه، يقول: فلا تنقضوا العهود الجائزة بينكم، وبين مَن عاهدتموه أيها الناس، فتحقِّروه، وتغدروا بمن أعطيتموه ذلك. والوفاء بالعهد خلق الأنبياء، يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (مريم: من الآية: ٥٤) ففي هذه الآية: يقول الله تعالى لنبيه ﷺ : واذكر يا محمد في هذا الكتاب إسماعيل بن إبراهيم، فاقصص خبره، إنه كان لا يكذب وعده، ولا يخلف، ولكنه كان إذا وعد ربه أو عبدًا من عباده وعدًا وفَّى به.

стр. 727

والوفاء بالوعد من صفات المؤمنين، يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (المؤمنون: ٨) أي: للأمانات التي اؤتمنوا عليها، وعهودهم -وهو: عقودهم- التي عاقدوا الناس فهم لها راعون -أي: حافظون- لا يضيعون، ولكنهم يوفون بذلك كله. ونبه القرآن أن من ينقض العهد يكون مذمومًا، بل هو شر الدواب عند الله، فقد نَعَى القرآن الكريم على اليهود نقضهم العهد الذي كان بين رسول الله ﷺ وبينهم، فيقول: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ (الأنفال: ٥٥، ٥٦) يقول ابن عباس: "هم قريظة، فإنهم نقضوا عهد رسول الله ﷺ وأعانوا عليه المشركين بالسلاح في يوم بدر، ثم قالوا: أخطأنا، فعاهدهم مرة أخرى، فنقضوه أيضًا يوم الخندق". وقوله: ﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ معناه: أن عادة من حكم العقل أن يتقي نقض العهد؛ حتى يسكن الناس إلى قوله، ويثق بكلامه، وفي نقض العهد إثم كبير، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: ٢، ٣) يعني: يا أيها الذين آمنوا، وصدقوا الله ورسوله: لم تقولون القول الذي لا تصدقونه بالعمل، فأعمالكم مخالفة لأقوالكم، عظم مقتًا عند ربكم أن تقولوا ما لا تفعلون. والإسلام يوصي باحترام العهد مع الضعفاء كاحترامه مع الأقوياء فلا يكون ضعف الدولة داعيًا إلى نقض العهد معها، بل لا بد من الوفاء بالعهد، فلا مخادعة، ولا خيانة؛ لأن ذلك منهي عنه، يقول تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ

стр. 728

كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: ٩١ - ٩٤). وقد تضمنت النصوص السابقة ما يلي: تضمنت أمرًا بالوفاء بالعهد، ونهيًّا عن نقضه بعد توكيده؛ لأن الله شهيدًا عليه، وحافظ وضامن له، وهذا أدعى إلى الوفاء به. أيضًا: شَبهت الآية الذي يخلف، ويعاهد، ويبرم عهده، ثم ينقضه بالمرأة الحمقاء، التي تغزل غزلها، وتفتله محكمًا، ثم تحله، فنقض العهد حماقة، تؤدي إلى تفكك الصلات بين الأفراد، والدول، والجماعات، وما هذا إلا عن سوء تفكير، وفساد تدبير. وبينت الآية أنه لا تكون القلة والكثرة سببًا في نقض العهد، بل لا بد من الحفاظ على العهد والتمسك به؛ فالله تعالى ابتلى عباده بالتحديات، ومحاولة بعضهم الظهور على بعض، واختبرهم بذلك؛ ليرى من يجاهد نفسه فيخالفها، ممن ينساق وراءها، ويعمل بمقتضى هواها. وتضمنت الآية أيضًا وعيدًا لمن نقض العهد، وعقد العقد بالانطواء على الخديعة، والفساد فيها بعد الثبوت، وتزل قدمه فيهوَى إلى مدارك السقوط، فنقض العهد يزري بالمكانة، ويؤدي إلى المهانة، وهكذا.

стр. 729

نستخلص من الآيات: أن السبيل لاستقرار السلام هو معاهدات الأمان، وعدم الاعتداء، وأن المعاهدات لا تستمد قوتها من نصوصها، بل من عزيمة عاقديها على الوفاء؛ ولذلك حث القرآن على الوفاء، واعتبر الوفاء بالعهد والميثاق قوة، والنكث فيه أخذًا في أسباب الضعف. وأن مَن يوثق عهده بيمين الله فقد اتخذ الله كفيلًا بوفائه، فإذا غدر بعهده فقد اتخذ عهد الله للغش وزيف القول، وأنه لا يصح أن يكون الباعث على الغدر بين الدول هو الرغبة في أن تكون أمة أقوى مالًا، وعُدة، وأكثر عددًا، وأوسع رقعة من أمة أخرى. ولقد بين الله أن الوفاء بالعهود هو المقصد الأساسي والأسمى الذي يتجه إليه المؤمنون؛ لتحقيق معنى الوحدة الإنسانية بإرادته واختياره، ويتحقق ما أراده الله تعالى الذي لو شاء لجعل الناس لا يختلفون أبدًا، ولكن كان الاختلاف؛ ليختبر الله الإرادات الإنسانية في تنفيذ ما يأمر به سبحانه. وإذا كان القرآن الكريم يدعو المؤمنين إلى تقوية العهود، وتنفيذها، وتحقيق الأمن بين الناس بها فإن النبي ﷺ وهو مبلغ رسالة القرآن- قد حث أيضًا على الوفاء بالعهود؛ فعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الغادر ينصب له يوم القيامة لواء فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان)) وروي عن الحسن بن علي بن أبي رافع، أن أبا رافع أخبره قال: ((بعثتني قريش إلى الرسول ﷺ فلم رأيت رسول الله ﷺ ألقى الله ﵎ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجع إليهم أبدًا، فقال رسول الله ﷺ : إني لا أخيس بالعهد -يعني: لا أنقض العهد- ولا أخيس البرد -يعني: لا أنقض، ولا أقتل الرسل- ولكن ارجع -يعني:

стр. 730

ارجع إليهم- فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع، قال: فذهبت، ثم أتيت النبي ﷺ فأسلمت)). ونستخلص مما سبق: أن الوفاء بالعهد من الأسس التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية الدولية في الإسلام؛ لما فيه من تقوية الروابط، والإبقاء على الصلات، وتحسين العلاقات، وهذا ما تهدف إليه الشريعة الإسلامية. الفضيلة ومن الأمور أيضًا، أو الأسس التي تقوم عليها العلاقات الدولية في الإسلام: الفضيلة ونقول في ذلك: فالإسلام يدعو إلى مراعاة الفضيلة، سواء كانت العلاقة فردية، أو جماعية، أو دولية؛ لما في هذا من محافظة على قيمه الرفيعة، ودعوة إلى إقامة مجتمع فاضل يستطيع النهوض بأعبائه. إن الإسلام ينظر إلى قانون الأخلاق على أنه قانون عام، يشمل الأبيض والأسود، والأحمر والأصفر، ويشمل الناس جميعًا في كل الأقطار والأمصار؛ فالفضيلة بمقتضى قواعد السلوك الفاضل حق لكل إنسان، يستحقها بمقتضى إنسانيته التي هي وصف مشترك بين كل أبناء آدم؛ وقد تقرر ذلك في المبادئ الإسلامية التي تطبق على كل الناس، وأشد ما كان يدعو إليه القرآن الكريم في الأمر بالفضيلة هو: ما يقترن بالجهاد؛ خشية أن تندفع النفوس في حال احتدام القتال إلى ما يخالف ذلك المبدأ الهام. فالفضيلة خلق، يطبق حتى مع الأعداء في حالة الحرب، يقول تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ

стр. 731

الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: من الآية: ١٩٤) فالتقوى: فضيلة، والفضيلة تنهى عن التمثيل بالقتلى، حتى ولو مثَّل الأعداء بقتلى المسلمين؛ روي عن بريدة، عن أبيه قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرًا على جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، وقال: اغْزوا بسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تَغلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا)). والفضيلة تدعونا إلى معاملة الأسارى معاملة طيبة، حتى ولو كان الأعداء يعاملون أسرانا معاملة سيئة، فيمتدح الله تعالى من يطعم الأسير بقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان: ٨) والمقصود بالأسير: هو الحربي من أهل دار الحرب، يؤخذ قهرًا بالغلبة، فأثنَى الله على هؤلاء الأبرار بإطعامهم هؤلاء؛ تقربًا بذلك إلى الله، وطلبَ رضاه، ورحمة منهم له، وهكذا تكون معاملة المسلمين لغيرهم على أساس الفضيلة، لا يعدونها، فلا يقتل المسلمون المستأمنين أثناء الحرب، حتى ولو قتل الأعداء مستأمني المسلمين، فلا قتال إلا مع المحاربين، ومن يحملون السلاح، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: ١٩٠) فالحرب لا تكون إلا على المعتدين. وعلى هذا: فالفضيلة هي الإطار الذي يدور بداخله كل ما يأتي به المسلمون من تصرفات تسهم في بناء مجتمع فاضل على المستويين المحلي والعالمي. التسامح وأيضًا من الأسس التي قامت عليها العلاقات الدولية في الإسلام مبدأ التسامح: فقد ضرب الإسلام المثل الأعلى في التسامح مع أهل الذمة، فتركهم وما يدينون، فلم يفتنوا عن دينهم، ولم يلحق بهم أي اضطهاد؛ فالرسول ﷺ -

стр. 732

أرسى قواعد التسامح الديني، ففي عهد الصلح -الذي تم بين الرسول ﷺ وبين نصارى أهل نجران- نجد أن النبي ﷺ أقر لهم الحرية في عقيدتهم، فقد جاء في نص هذا العهد: "أن لهم ذمة الله وعهده، وألا يفتنوا عن دينهم، ولا يغير ما كانوا عليه، ولا يغيروا حق من حقوقهم، وأمثلتهم -يقصد: الصلبان والصور- ولا يفتن أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته". ومن هذا العهد يتبين لنا جليًّا مدى التسامح الذي منحه ﷺ لأهل نجران. وأيضًا أقر الرسول ﷺ لليهود حريتهم، فقد كتب إلى معاذ بن جبل -وهو باليمن-: ((ألا لا يُفتن يهودي عن يهوديته)) ولو ألقينا نظرة على ما تضمنه كتاب الصلح الذي تم بين عمر بن الخطاب وأهل إيلياء، نجد أن عمر أعطاهم الأمان على أنفسهم، وكنائسهم، وصلبانهم، وضَمِنَ لهم عدم سكن هذه الكنائس، أو هدمها، أو انتقاص شيء منها، وبمعنى أعم: ضمن ألا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم بسبب عقيدته. وفي كتاب الصلح الذي تم بين عياض بن غنم وبين إحدى مدن الشام نجد أنه: أقرهم على عقيدتهم، حيث أعطاهم أمانًا لأنفسهم، ولأماكن عباداتهم، وضمن ألا تخرب، ولا تسكن. وأيضًا: فإننا نجد خالد بن الوليد في الصلح الذي تم بينه وبين أهل دمشق: فقد أقرهم على عقيدتهم، حيث أمَّن أماكن هذه العبادة. وأيضًا: ما فعله عمر بن الخطاب حينما دخل بيت المقدس؛ لعقد معاهدة مع أهلها، فقد حضرته الصلاة في كنيسة القيامة، لكنه رفض الصلاة فيها؛ خشية أن يتخذها المسلمون مسجدًا من بعده، فيظلموا أهلها.

стр. 733

وأيضًا: حينما رأى هيكلًا قد دفن في التراب، ثم علم أنه لليهود، أخذ يزيل عنه التراب بفضل ثوبه، فأتبعه جيشه فيما صنع، فلم تمض فترة حتى زال التراب عن الهيكل. وما أوردناه على سبيل المثال لا الحصر، مما يدل دلالة واضحة على التسامح الديني لدى المسلمين، وتطبيقهم له على مدى العصور المتعاقبة، ولا ريب أن ذلك أساس من الأسس التي تسهم في بناء العلاقات الدولية الإنسانية. الرحمة وأيضًا من الأسس التي قامت عليها العلاقات الدولية في الإسلام مبدأ الرحمة: فالإسلام دين الرحمة؛ ولذا كان التواصي بها بين المسلمين، يقول تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ (البلد: ١٧) ورسول المسلمين هو رسول الرحمة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧) والرحمة التي يدعو إليها الإسلام لا ينعم بوارفها المسلم فقط، فإنها تظل المسلم وغير المسلمـ يقول ﷺ : ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) ويقول ﷺ : ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)) ويقول أيضًا ﷺ : ((لا تنزع الرحمة إلا من شقي)). بل بين الإسلام أن الرفق بالحيوان فيه الأجر العظيم، يقول ﷺ : ((بينما رجل في طريق أصابه عطش، فجاء بئرًا، فنزل فيها، فشرِب، ثم خرج، فإذا كلب يأكل الثرى من العطش، فنزل الرجل إلى البئر، فملأ خفه من الماء، ثم أمسك الخف بفيه، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له، فقالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرًا؟! فقال ﷺ : في كل ذات كبد رطبة أجر)).

стр. 734

وروي عنه ﷺ أنه قال: ((بينما كلب يطيف ببئر قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغيٌّ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت خفها، فاستقت له، فسقته إياه، فغفر لها به)) فإذا كانت الرحمة بكلب تغفر ذنوب البغايا، فإن الرحمة بالبشر لا شك تصنع العجائب، بل إن الإسلام شديد المؤاخذة لمن تقسوا قلوبهم على الحيوان، ويستهينون بآلامه، وقد بينا أن الإنسان -على عظم قدره- يدخل النار في إساءة يرتكبها مع دابة عجماء، يقول ﷺ : ((دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)). والإسلام يدعو إلى الرحمة بأوسع معانيها مع المسلم وغير المسلم، مع الإنسان والحيوان كما رأينا. وفي العلاقات الدولية يضرب المثل الأعلى في حالة الحرب، واستعمال الرحمة مع الأعداء، فلا يقتل النساء في حالة الحرب ما لم يشتركن في القتال، وكذلك لا يقتل الأطفال والشيوخ؛ فقد روي أن امرأة وجدت مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ : ((فأنكر ﷺ قتل النساء، والصبيان)). وما أروع مظاهر الرحمة التي كانت منه ﷺ يوم فتح مكة لما دخلها منتصرًا، وقريش قد ملأت المسجد صفوفًا، ينتظرون ماذا يصنع بهم؟ ثم قال: ((يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (يوسف: من الآية: ٩٢) اذهبوا، فأنتم الطلقاء)). أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٥ - السلم أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم، وأحكام الدارين، ومقدمة عن المعاهدات في الإسلام أساس العلاقة بين المسلمين، وغيرهم: السلم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد: فقد تحدثنا -في المحاضرة السابقة- عن باقي الأسس التي قامت عليها العلاقات الدولية في الإسلام، وهي الحرية الدينية، والعدل، والوفاء بالعهد، والفضيلة، والتسامح، والرحمة. وننتقل الآن إلى الحديث عن أساس العلاقة بين المسلمين، وغيرهم، وهي السلم فنقول: الأصل في العلاقات الدولية في الإسلام هو السلم -وإذ يقرر الإسلام أن السلم أصل من أصول العلاقات الإنسانية بين الدول- لا يسمح للمسلمين أن يتدخلوا

стр. 735

في شئون الدول إلا لحماية الحريات العامة، وعندما يستغيث بهم المظلومون، أو يعتدي على المؤمنين بالإسلام دينًا؛ ففي هذه الحالات يمكن التدخل لمنع الفتنة في الدين. إن الإسلام يحترم حق كل دولة في الوجود، وحقها في أن تكون سيدة نفسها، وحقها في الدفاع عن أراضيها، وسيادتها، لا فرق بين دولة متقدمة، وأخرى نامية، فالإسلام يريد السلامة، ولا يريد عدوانًا، ولا يريد استعلاءً في الأرض، يريد سلامًا بين العبد، وربه؛ فهو دائم الصلة دائم الخشية والمراقبة، ويريد السلام بين الشعوب، وبعضها، ويريد سلامًا بين الفرد ومجتمعه، إن القتل في الإسلام ما شرع إلا دفاعًا عن المسلمين، وأوطانهم، وأيضًا لتأمين حرية الدين، ومنع الاضطهاد فيه؛ فهو مشروع لحماية الدعوة ومنهجها في الحياة، بحيث يلجأ إليها كل راغب فيها لا يخشى قوة تتعرض له، أو تمنعه، أو أن تفتنه فالقتل، إنما وجب في مقابلة الحراب، لا في مقابلة الكفر -أي: أن القتل إنما يكون لمن يقاتله. وهكذا نجد أن الإسلام يؤثر السلام على القتال، ولا يبيح القتال إلا في حالة الضرورة، وهي تعد استثناءً على فكرة الإسلام عن السلام، التي تكمن في قاعدة: السلم دائمًا، والحرب ضرورة؛ فالقتل ليس من طبيعة الإسلام، بل في طبيعته العفو والمسامحة؛ فمن لم يجب الدعوة، ولم يقاومها، ولم يبدأ المسلمين باعتداءٍ؛ لا يحل قتاله، ولا تبديل أمنه خوفًا، وما قرره الإسلام في ذلك طبقه المسلمون، وهناك الكثير من الأدلة التي تدل على أن الأصل في الإسلام في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم، وليس الحرب؛ فمن القرآن الكريم -يقول تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: الآية: ١٩٠).

стр. 736

وجه الدلالة من الآية: أن الله أذن للمسلمين في القتال على أنه دفاع -في سبيل الله- للتمكن من عبادته، ثم أمرهم بعدم الاعتداء بالقتال، أو في القتال، أما عدم الاعتداء بالقتال؛ فيكمن في عدم مبادأة الكفار، وأما عدم الاعتداء في القتال؛ فيكمن في عدم قتل من لا يقاتل؛ كالنساء، والصبيان، والشيوخ، والمرضى، أو من ألقى إلى المسلمين السلم أو كف عن حربهم. ونهى الله المسلمين عن الاعتداء؛ لأن الاعتداء من السيئات المطلوبة؛ فقد احتوت الآية على قواعد تشريعية تدل على روح المبادئ القتالية الإسلامية، منها: واجب المسلمين في قتال الذين يقاتلونهم وحسب. عدم جواز بدئهم أحدًا غير عدوٍ، وغير معتدٍ بقتال. واجب كفهم عن القتال حال ما ينتهي بموقف العدوان الذي وقع عليهم. فالآية -وإن تضمنت الإذن الصريح بالقتال- إلا أنه مشروط بالدفاع، وعدم الاعتداء على الغير؛ لأن الاعتداء يسبب سخط الله، ومن القرآن أيضًا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٠٨) ويقصد بالسلم -هنا- الصلح، فالآية تدل على أن الوفاء، والمصالحة ينبغي أن يسودا بين الناس، ويترك القتال. ويستخلص من الآية: أيضًا أن إيمان المؤمنين يوجب عليهم أن يدخلوا في السلام مع غيرهم، ولا يعتدوا على أحدٍ لم يعتدي عليهم، ولا يقاتلوا من لم يقاتلهم، ومن القرآن أيضًا: قول الله ﵎: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ (النساء: الآية: ٩٠) وجه الدلالة: أن الله تعالى لم يأذن

стр. 737

للمسلمين في أخذ، وقتل الذين اعتزلوهم فلم يقاتلوهم، وألقوا إليهم السلم -أي: الصلح- وفي الآية مبالغة في عدم التعرض لهؤلاء الذين لم يقاتلوا المسلمين، وألقوا إليهم الصلح؛ حيث نفت جعل السبيل للمسلمين على هؤلاء الذين لم يقاتلوهم. ومن القرآن الكريم أيضًا قول الله ﵎: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: الآية: ٣٩) وجه الدلالة أن الآية فيها إذن للذين يقاتلهم المشركين -بسبب ظلم المشركين لهم، لا بسبب كفرهم- فالآية تظهر لنا أن الظلم الذي توحي به -والذي وقع على المسلمين- إنما يكمن في مصادرة حرياتهم الدينية، والعدوان عليهم، وصدهم عن الدعوة إلى الله؛ فهم ظلموا، والمظلوم من حقه أن يدفع عن نفسه، ومن أجل هذا أذن الله لهم بالقتال دفاعًا عن أنفسهم -أي: أنه لا يثير المسلمين إلى القتال إلا ما يقع عليهم من ظلم يريدون دفعه. هذه هي الأدلة من القرآن الكريم، والتي تدل على أن العلاقة بين المسلمين، وغيرهم أساسها السلم، وليس الحرب، وإذا رجعنا إلى السنة النبوية الشريفة؛ فنجد أن هناك كثيرًا من الأحاديث التي تؤيد هذا الاتجاه، والتي تجعل أساس العلاقة بين المسلمين، وغيرهم إنما هو السلم، وليس الحرب يقول ﷺ : ((يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) وقوله ﷺ : ((دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم)) فالحديث يأمر المسلمين بمسالمة الحبشة والترك، وعدم التعرض لأي منهما طالما لم يتعرضا للمسلمين بقتال، أو غيره، ولا معنى لذلك إلا أن من سالم المسلمين فعليهم مسالمته، وعدم التعرض إليه بأذى. ومن الأدلة أيضًا على أن العلاقة بين المسلمين، وغيرهم إنما هي قائمة على السلم، وليس الحرب. أسباب الحروب التي خاضها المسلمون: فالمتتبع لغزوات

стр. 738

الرسول ﷺ يجد أن هذه الغزوات إنما كانت دفاعًا أمام اعتداءٍ واقع، أو في سبيله لأن يقع بأماراتٍ دالة على الحرب؛ فالرسول ﷺ لم يشتبك في قتالٍ مع النصارى، أو اليهود إلا بعد أن وصل هؤلاء، وأولئك إلى منزلة في السلوك عَريت عن الشرف، والأمانة، والعدالة، واتسمت بالعداوة؛ فلم يكن بين المسلمين -من جانب- واليهود، والنصارى -من جانب آخر- غير حالة الحرب. والسبب في ذلك أنهم صادروا حقوق المسلمين، وحرياتهم، وصدوهم عن الدعوة إلى الله بمختلف الوسائل، وكانوا يبطشون بمن شرح الله صدورهم للإسلام، ويوقعون بهم ألوان العذاب الذي كان يصل في بعض الأحيان إلى الموت. بهذا نرى أن حالة الحرب تعتبر قائمة بين المسلمين، وبين هؤلاء، وبناءً على ذلك؛ فالمعارك التي نشبت بين الفريقين إنما خاضها المسلمون دفاعًا عن النفس، والعقيدة. ونستخلص مما سبق: أن الحرب في الإسلام إنما هي استثناء من أصلٍ عام، وهو: السلم في الإسلام. أحكام الدارين نتحدث الآن عن دار الإسلام، ودار الحرب، وأثر ذلك التقسيم. فبالنسبة لتقسيم الدار نقول: أراد أعداء الإسلام في الجزيرة العربية، والبلاد المجاورة استئصال شأفة الإسلام والمسلمين، والقضاء على دعوة الإسلام في مهدها قبل أن تنتشر، ويكتب لها النجاح، والفوز، والغلبة، وأدى ذلك إلى أن أصبحت مكة بزعامة قريش، وغيرها من بلاد الأعداء دار حربٍ، وصارت المدينة وما جاورها دارَ الإسلام، وتصالح جماعة من المسلمين وسالموهم؛ فكانت بلادهم دارَ عهدٍ. وفي هذا المعنى يقول ابن القيم: الكفار إما أهل حربٍ، وإما أهل عهد، وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمانٍ، وقد عقد الفقهاء لكل صنف بابًا فقالوا: باب الهدنة، وباب الأمان، وباب عقد الذمة.

стр. 739

ولفظ الذمة، والعهد يتناول هؤلاء كلهم في الأصل، وكذلك لفظ: الصلح؛ فإن الذمة من جنس لفظ العهد، والعقد، ولكن صار في اصطلاح كثيرٍ من الفقهاء أن أهل الذمة عبارة عن من يؤدي الجزية، وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله، بخلاف أهل الهدنة؛ فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح على مال، أو غير مال؛ لا تجري عليهم أحكام الإسلام -كما تجري على أهل الذمة- لكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يسمون أهل العهد، وأهل الصلح، وأهل الود. ونستخلص من كلام ابن القيم على وجه العموم أنه يمكن تقسيم الدار إلى ثلاث: ١ - دار الإسلام. ٢ - دار الحرب. ٣ - دار العهد. وسنلقي الضوء على كل واحدةٍ فيما يلي: دار الإسلام: عرف البعض دار الإسلام بأنها هي الدولة التي تحكم بسلطان المسلمين، وتكون المنعة، والقوة فيها للمسلمين، وهذه الدار يجب على المسلمين القيام بالذود عنها، والجهاد دونها فرض كفاية، إذا لم يدخل العدو الديار، أو يستنفر الإمام الناس للحرب، فإن دخل العدو الديار، أو استنفر الإمام الناس؛ كان الجهاد فرض عين، وشعب دار الإسلام هم المسلمون،

стр. 740

وأهل الذمة، وهم الذين رضوا بالإقامة في دار الإسلام، والتزموا أحكام الإسلام مع البقاء على ديانتهم مقابل دفع الجزية، وكل دار الإسلام هي بمثابة دار واحدة؛ رغم تعدد الدول، واختلاف الحكام؛ لأن حكم الإسلام فيها هي الحكم الساري. دار الحرب: اختلف الفقهاء في تعريف دار الحرب إلى مذهبين: الأول -ويرى-: أن دار الحرب هي الدار التي لا يكون فيها السلطان، والمنعة للحاكم المسلم، ولا يكون عهد بينهم، وبين المسلمين، يرتبط به المسلمون، ويقيدهم، وهذا ما عبر عنه ابن القيم في تعريفه لدار الإسلام بقوله: هي الدار التي نزلها المسلمون، وجرت عليهم فيها أحكام الإسلام، وما لم تجر عليها أحكام الإسلام؛ لا تعد دار إسلام. فالعبرة عند أصحاب هذا الرأي: المنعة والسلطان؛ فما دامت الدار خارجة عن منعة المسلمين من غير حرب؛ فهي دار حرب، يتوقع الاعتداء منها غالبًا، ويقال لسكان دار الحرب: الحربيون، والحربي: هو من كان بيننا، وبين بلده حرب، وعداء، ولم تكن بيننا، وبين قومه معاهدات سلمية، أو ودية. الرأي الثاني -ويرى أصحابه: أن كون السلطان، والمنعة لغير المسلمين ليس كافيًا لأن يطلق على الدار دار حرب، بل لا بد من توافر شروط ثلاثة لتصير الدار دار حرب وهي: أن لا تكون المنعة والسلطان للحاكم المسلم، بحيث لا يستطيع تنفيذ الأحكام الشرعية -بمعنى: أن تظهر أحكام الكفر، وتنفذ فيه.
следующие страницы →