← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11313

السياسة الشرعية - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (825 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وجه الدلالة من الآية: أن الله أذن للمسلمين في القتال على أنه دفاع -في سبيل الله- للتمكن من عبادته، ثم أمرهم بعدم الاعتداء بالقتال، أو في القتال، أما عدم الاعتداء بالقتال؛ فيكمن في عدم مبادأة الكفار، وأما عدم الاعتداء في القتال؛ فيكمن في عدم قتل من لا يقاتل؛ كالنساء، والصبيان، والشيوخ، والمرضى، أو من ألقى إلى المسلمين السلم أو كف عن حربهم. ونهى الله المسلمين عن الاعتداء؛ لأن الاعتداء من السيئات المطلوبة؛ فقد احتوت الآية على قواعد تشريعية تدل على روح المبادئ القتالية الإسلامية، منها: واجب المسلمين في قتال الذين يقاتلونهم وحسب. عدم جواز بدئهم أحدًا غير عدوٍ، وغير معتدٍ بقتال. واجب كفهم عن القتال حال ما ينتهي بموقف العدوان الذي وقع عليهم. فالآية -وإن تضمنت الإذن الصريح بالقتال- إلا أنه مشروط بالدفاع، وعدم الاعتداء على الغير؛ لأن الاعتداء يسبب سخط الله، ومن القرآن أيضًا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٠٨) ويقصد بالسلم -هنا- الصلح، فالآية تدل على أن الوفاء، والمصالحة ينبغي أن يسودا بين الناس، ويترك القتال. ويستخلص من الآية: أيضًا أن إيمان المؤمنين يوجب عليهم أن يدخلوا في السلام مع غيرهم، ولا يعتدوا على أحدٍ لم يعتدي عليهم، ولا يقاتلوا من لم يقاتلهم، ومن القرآن أيضًا: قول الله ﵎: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ (النساء: الآية: ٩٠) وجه الدلالة: أن الله تعالى لم يأذن

стр. 737

للمسلمين في أخذ، وقتل الذين اعتزلوهم فلم يقاتلوهم، وألقوا إليهم السلم -أي: الصلح- وفي الآية مبالغة في عدم التعرض لهؤلاء الذين لم يقاتلوا المسلمين، وألقوا إليهم الصلح؛ حيث نفت جعل السبيل للمسلمين على هؤلاء الذين لم يقاتلوهم. ومن القرآن الكريم أيضًا قول الله ﵎: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: الآية: ٣٩) وجه الدلالة أن الآية فيها إذن للذين يقاتلهم المشركين -بسبب ظلم المشركين لهم، لا بسبب كفرهم- فالآية تظهر لنا أن الظلم الذي توحي به -والذي وقع على المسلمين- إنما يكمن في مصادرة حرياتهم الدينية، والعدوان عليهم، وصدهم عن الدعوة إلى الله؛ فهم ظلموا، والمظلوم من حقه أن يدفع عن نفسه، ومن أجل هذا أذن الله لهم بالقتال دفاعًا عن أنفسهم -أي: أنه لا يثير المسلمين إلى القتال إلا ما يقع عليهم من ظلم يريدون دفعه. هذه هي الأدلة من القرآن الكريم، والتي تدل على أن العلاقة بين المسلمين، وغيرهم أساسها السلم، وليس الحرب، وإذا رجعنا إلى السنة النبوية الشريفة؛ فنجد أن هناك كثيرًا من الأحاديث التي تؤيد هذا الاتجاه، والتي تجعل أساس العلاقة بين المسلمين، وغيرهم إنما هو السلم، وليس الحرب يقول ﷺ : ((يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) وقوله ﷺ : ((دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم)) فالحديث يأمر المسلمين بمسالمة الحبشة والترك، وعدم التعرض لأي منهما طالما لم يتعرضا للمسلمين بقتال، أو غيره، ولا معنى لذلك إلا أن من سالم المسلمين فعليهم مسالمته، وعدم التعرض إليه بأذى. ومن الأدلة أيضًا على أن العلاقة بين المسلمين، وغيرهم إنما هي قائمة على السلم، وليس الحرب. أسباب الحروب التي خاضها المسلمون: فالمتتبع لغزوات

стр. 738

الرسول ﷺ يجد أن هذه الغزوات إنما كانت دفاعًا أمام اعتداءٍ واقع، أو في سبيله لأن يقع بأماراتٍ دالة على الحرب؛ فالرسول ﷺ لم يشتبك في قتالٍ مع النصارى، أو اليهود إلا بعد أن وصل هؤلاء، وأولئك إلى منزلة في السلوك عَريت عن الشرف، والأمانة، والعدالة، واتسمت بالعداوة؛ فلم يكن بين المسلمين -من جانب- واليهود، والنصارى -من جانب آخر- غير حالة الحرب. والسبب في ذلك أنهم صادروا حقوق المسلمين، وحرياتهم، وصدوهم عن الدعوة إلى الله بمختلف الوسائل، وكانوا يبطشون بمن شرح الله صدورهم للإسلام، ويوقعون بهم ألوان العذاب الذي كان يصل في بعض الأحيان إلى الموت. بهذا نرى أن حالة الحرب تعتبر قائمة بين المسلمين، وبين هؤلاء، وبناءً على ذلك؛ فالمعارك التي نشبت بين الفريقين إنما خاضها المسلمون دفاعًا عن النفس، والعقيدة. ونستخلص مما سبق: أن الحرب في الإسلام إنما هي استثناء من أصلٍ عام، وهو: السلم في الإسلام. أحكام الدارين نتحدث الآن عن دار الإسلام، ودار الحرب، وأثر ذلك التقسيم. فبالنسبة لتقسيم الدار نقول: أراد أعداء الإسلام في الجزيرة العربية، والبلاد المجاورة استئصال شأفة الإسلام والمسلمين، والقضاء على دعوة الإسلام في مهدها قبل أن تنتشر، ويكتب لها النجاح، والفوز، والغلبة، وأدى ذلك إلى أن أصبحت مكة بزعامة قريش، وغيرها من بلاد الأعداء دار حربٍ، وصارت المدينة وما جاورها دارَ الإسلام، وتصالح جماعة من المسلمين وسالموهم؛ فكانت بلادهم دارَ عهدٍ. وفي هذا المعنى يقول ابن القيم: الكفار إما أهل حربٍ، وإما أهل عهد، وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمانٍ، وقد عقد الفقهاء لكل صنف بابًا فقالوا: باب الهدنة، وباب الأمان، وباب عقد الذمة.

стр. 739

ولفظ الذمة، والعهد يتناول هؤلاء كلهم في الأصل، وكذلك لفظ: الصلح؛ فإن الذمة من جنس لفظ العهد، والعقد، ولكن صار في اصطلاح كثيرٍ من الفقهاء أن أهل الذمة عبارة عن من يؤدي الجزية، وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله، بخلاف أهل الهدنة؛ فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح على مال، أو غير مال؛ لا تجري عليهم أحكام الإسلام -كما تجري على أهل الذمة- لكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يسمون أهل العهد، وأهل الصلح، وأهل الود. ونستخلص من كلام ابن القيم على وجه العموم أنه يمكن تقسيم الدار إلى ثلاث: ١ - دار الإسلام. ٢ - دار الحرب. ٣ - دار العهد. وسنلقي الضوء على كل واحدةٍ فيما يلي: دار الإسلام: عرف البعض دار الإسلام بأنها هي الدولة التي تحكم بسلطان المسلمين، وتكون المنعة، والقوة فيها للمسلمين، وهذه الدار يجب على المسلمين القيام بالذود عنها، والجهاد دونها فرض كفاية، إذا لم يدخل العدو الديار، أو يستنفر الإمام الناس للحرب، فإن دخل العدو الديار، أو استنفر الإمام الناس؛ كان الجهاد فرض عين، وشعب دار الإسلام هم المسلمون،

стр. 740

وأهل الذمة، وهم الذين رضوا بالإقامة في دار الإسلام، والتزموا أحكام الإسلام مع البقاء على ديانتهم مقابل دفع الجزية، وكل دار الإسلام هي بمثابة دار واحدة؛ رغم تعدد الدول، واختلاف الحكام؛ لأن حكم الإسلام فيها هي الحكم الساري. دار الحرب: اختلف الفقهاء في تعريف دار الحرب إلى مذهبين: الأول -ويرى-: أن دار الحرب هي الدار التي لا يكون فيها السلطان، والمنعة للحاكم المسلم، ولا يكون عهد بينهم، وبين المسلمين، يرتبط به المسلمون، ويقيدهم، وهذا ما عبر عنه ابن القيم في تعريفه لدار الإسلام بقوله: هي الدار التي نزلها المسلمون، وجرت عليهم فيها أحكام الإسلام، وما لم تجر عليها أحكام الإسلام؛ لا تعد دار إسلام. فالعبرة عند أصحاب هذا الرأي: المنعة والسلطان؛ فما دامت الدار خارجة عن منعة المسلمين من غير حرب؛ فهي دار حرب، يتوقع الاعتداء منها غالبًا، ويقال لسكان دار الحرب: الحربيون، والحربي: هو من كان بيننا، وبين بلده حرب، وعداء، ولم تكن بيننا، وبين قومه معاهدات سلمية، أو ودية. الرأي الثاني -ويرى أصحابه: أن كون السلطان، والمنعة لغير المسلمين ليس كافيًا لأن يطلق على الدار دار حرب، بل لا بد من توافر شروط ثلاثة لتصير الدار دار حرب وهي: أن لا تكون المنعة والسلطان للحاكم المسلم، بحيث لا يستطيع تنفيذ الأحكام الشرعية -بمعنى: أن تظهر أحكام الكفر، وتنفذ فيه.

стр. 741

أن يكون الإقليم متاخمًا للديار الإسلامية، بحيث يتوقع منه الاعتداء على دار الإسلام. أن لا يبقى فيها مسلم، أو ذمي مقيمًا في هذه الديار بالأمان الإسلامي الإسلامي الأول، الذي مكن رعية المسلمين من الإقامة فيها، وهو أمان الشرع؛ بسبب الإسلام للمسلمين، وبسبب عقد الذمة بالنسبة للذميين. ونستخلص مما سبق: أن الفقهاء في معرفة المقصود بدار الإسلام، ودار الحرب لهم رأيان: الأول: ينظر إلى الأحكام، وإلى النظم، فإن كانت إسلامية؛ فالدار إسلامية، وإن كانت الأحكام، أو النظم غير إسلامية؛ فالدار ليست إسلامية، ولو وصفت بأنها إسلامية. الثاني: ينظر إلى أمن المسلم، فإن كان المسلم آمنًا في الديار التي يقيم فيها بأمن الإسلام؛ فالدار دار إسلام. النوع الثالث: دار العهد: تكلمنا عن دار الإسلام، ودار الكفر، ونتكلم الآن عن دار العهد. دار العهد: أي التي لم يفتحها المسلمون عنوة، وعقد أهلها الصلح بينهم، وبين المسلمين على شيء يؤدونه من أرضهم، وهو الخراج، دون أن تؤخذ منهم الجزية؛ لأنهم في غير دار الإسلام؛ فهذه الدار لم يستولي عليها المسلمون حربًا، ولم يصالحوهم صلحًا دائمًا -على أساس عقد الذمة؛ حتى تطبق فيها شريعتهم- ولكن أهلها دخلوا في عقد المسلمين، وعهدهم على شرائط اشترطت، وقواعد عينت. بمعنى آخر: فأهل العهد قوم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح على مال، أو غير مال، لا تجري عليهم أحكام الإسلام -كما تجري على أهل الذمة- لكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين، ويصلح اصطلاح دار العهد أساسًا للعلاقات الدولية الحاضرة -بين المسلمين وغيرهم- للتوصل إلى تأمين جميع المصالح الاقتصادية، وحل القضايا السياسية ونحوها؛ ما دامت الدول الإسلامية قد قبلت الالتزام بميثاق الأمم المتحدة؛ فهو بمثابة عهدٍ جماعيٍ من غير المسلمين مع المسلمين. فارتباط الدول الحديثة بميثاق الأمم المتحدة؛ يجعل بلاد غير المسلمين الآن دار عهد.

стр. 742

وبعدما تكلمنا عن الديار منها دار الإسلام، ودار الكفر، ثم دار العهد؛ نتكلم الآن عن أثر تقسيم الدار إلى دار إسلام، ودار حرب. فنقول: اختلف الفقهاء في سريان الأحكام الشرعية على رعايا الدولة الإسلامية إذا كانوا في غير دار الإسلام، ومن أهم تلك الأحكام: الأحكام الجنائية، والقصاص في دار الحرب، والربا، والعقود الفاسدة في دار الحرب، والتزام المستأمن بأحكام الإسلام، وسنلقي الضوء على كل مسألة فيما يلي: فبالنسبة للأحكام الجنائية نقول: إذا ارتكب المسلم، أو الذمي في دار الحرب، أو العهد ما يوجب حدًّا، فهل تسري عليه الأحكام الإسلامية؟ اختلف الفقهاء في الإجابة على ذلك على رأيين: الأول: ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن الأحكام الجنائية الإسلامية لا تسري على الجرائم التي يرتكبها رعايا الدولة الإسلامية في دار الحرب، ووجه ذلك أن الإمام لا يقدر على إقامة الحدود في دار الحرب؛ لعدم الولاية؛ فوجوب الحد مشروط بالقدرة، ولا قدرة للإمام عليه حال كونه في دار الحرب؛ فلا وجوب، وإلا خلت عن الفائدة؛ لأن المقصود من إقامة الحد الاستيفاء؛ ليحصل الزجر، والفرض أن لا قدرة عليه، ولو ارتكب المسلم شيئًا من ذلك، ثم رجع إلى دار الإسلام لا يقام عليه الإسلام؛ لأن الفعل لم يقع موجبًا للحد أصلاً. ومعنى ما سبق: أن القضاء بالعقوبة يقتضي الولاية على محل الجريمة وقت ارتكاب الجريمة، ولا ولاية للدولة الإسلامية على محل ارتكاب الجريمة، ويترتب على ما سبق أنه لو دخل مكان الجريمة في ولاية الدولة الإسلامية بعد ارتكاب الجريمة؛ فلا تطبق أحكام الشريعة على الجريمة؛ لأن الولاية كانت منعدمة وقت وقوع الجريمة.

стр. 743

الرأي الثاني: ذهب جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن الشريعة تطبق على كل جريمة ارتكبها مسلم، أو ذمي في دار الحرب، ووجه ذلك أن المسلم ملتزم بأحكام الإسلام حيثما كان، ومن أحكام الإسلام: وجوب الحد على من أتى سببه. ونرى أن الرأي الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن المسلم قدوة في الفضيلة حيثما حل؛ فلا يصح أن يتحول إلى مفسدٍ في الأرض، ومن أجل ذلك تطبق العقوبة على أية جريمة يرتكبها، دون نظرٍ إلى مكان وقوع الجريمة، ويقام عليه الحد بعد رجوعه إلى دار الإسلام إذا خيف التحاق من أقيم عليه الحد بأهل الحرب، وبالنسبة للقصاص في دار الحرب. نقول: إذا ارتكب المسلم، أو الذمي جريمة قتل في دار الحرب، فهل يقتص منه؟ اختلف الفقهاء في الإجابة على هذا السؤال إلى رأيين: الأول: إلى أنه لا يؤخذ بالقصاص، وإن كان عمدًا؛ لتعذر الاستيفاء إلا بالمنعة، والمنعة منعدمة في دار الحرب، وأيضًا كونه في دار الحرب أوْرَث شبهة في وجوب القصاص، والقصاص لا يجب مع الشكر، ويضمن القاتل الدية -خطئًا كان القتل أو عمدًا- وتكون في ماله، لا على العاقلة، وإنما قالوا: عليه الدية؛ حتى لا يذهب دم مصون هدرًا، وإنما قالوا: عليه الدية؛ حتى لا يذهب دم مصون هدرًا، وحيث تعذرت العقوبة البدنية؛ فإنه يحل محلها العقوبة المالية، ولا يمنع ذلك من التعزير في كل الأحوال.

стр. 744

وأما الرأي الثاني: وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ فيرى أن أحكام القصاص في دار الحرب تسري على المسلم، والذمي كما في دار الإسلام تمامًا بتمام. وبالنسبة لموضوع الربا، والعقود الفاسدة في دار الحرب؛ فنقول: هل تسرى أحكام الربا في دار الحرب كما تسرى في دار الإسلام؟ اختلف الفقهاء في الإجابة على هذا السؤال إلى رأيين: الأول: ذهب جمهور الفقهاء، والإمام أبو يوسف من الحنيفة إلى أن أحكام الإسلام المتعلقة بالربا تسرى في دار الحرب -كما تسرى في دار الإسلام- ووجه ذلك: أن حرمة الربا ثابتة في حق العاقدين، أما في حق المسلمين؛ فظاهر، وأما في حق الحربي؛ فلأن الكفار مخاطبون بالحرمات قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْه﴾ (النساء: من الآية: ١٦١) ولهذا حرم هذا التعامل مع الذمي، والحربي الذي دخل دارنا بأمان. الرأي الثاني: وذهب أبو حنيفة، ومحمد إلى أنه إذا دخل مسلم، أو ذمي دار الحرب -بأمان- فعاقد حربيًا عقد الربا، أو غيره من العقود الفاسدة في حكم الإسلام؛ فإن ذلك جائز، ووجه قول الإمام أبي حنيفة أن أخذ الربا في معنى إتلاف المال، وإتلاف مال الحربي مباح؛ إذ لا عصمة لمال الحربي، هذا وجه جوازه مع الحربي. أما مع المسلم -من أهل دار الحرب الذي لم يهاجر إلينا- أن أخذ الربا في معنى إتلاف المال، ومال الذي أسلم في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا غير مضمون بالإتلاف، يدل عليه أن نفسه غير مضمونة بالقصاص، ولا بالدية، وحرمة المال تابعة لحرمة النفس، ولا شك في هذا أن رأي الجمهور إنما هو الراجح في هذا الأمر، وأن المسلم مطالب بأحكام الإسلام في أي مكان وجد فيه.

стр. 745

وأما ما يتعلق بالتزام المستأمن بأحكام الإسلام، فنقول: يرى الإمام أبو حنيفة أن من يقيم إقامة مؤقتة في دار الإسلام؛ فلا تطبق عليه أحكام الشريعة إذا ارتكب جريمة تمس حقًا لله -أي: تمس حقًا للجماعة- وإنما يعاقب بمقتضى الشريعة إذا ارتكب جريمة تمس حقًا للأفراد. وإنما لا تقام عليه -بالنسبة لحقوق الله- لأنه لم يدخل دار الإسلام للإقامة، بل لحاجة يقضيها، وليس في الاستئمان ما يلزمه بجميع أحكام الشريعة في الجرائم، والمعاملات، بل هو ملزم فقط بما يتفق مع غرضه من دخول دار الإسلام، وبما يرجع إلى تحصيل مقصده، وهو حقوق العباد؛ فعليه أن يلتزم الإنصاف، وكف الأذى ما دمنا قد التزمنا بتأمينه بإنصافه، وكف الأذى عنه. والقصاص، وحد القذف من حقوق العباد، ولذا فإنه يؤخذ بهما كما يؤخذ بغيرهما من الجرائم التي تمس حقوق الأفراد كالغصب، والتبديد، أما ما عدا ذلك من الجرائم التي تمس حقوق الأفراد؛ فلا تلزمه عقوبتها، مثل: الزنا، فأبو حنيفة إذن يرى أن العقوبات على الحدود أساسها الولاية، وليس للحاكم المسلم ولاية كاملة على المستأمن؛ إقامته لمدة معلومة. ويرى أبو يوسف من الحنيفة، وجمهور الفقهاء: أن الشريعة تسرى على كل المقيمين في دار الإسلام، سواء كانت إقامتهم دائمة كالمسلم، والذمي، أو كانت إقامتهم مؤقتة كالمستأمن، ووجه ذلك: أن المستأمن التزم أحكامنا مدة مقامه في دارنا في المعاملات، والسياسات، ولهذا تقام عليه جميع الحدود ما عدا حد الشرب إذا ارتكب موجبه. ونستخلص مما سبق أن المستأمن تطبق عليه القوانين الإسلامية التي تتعلق بالمعاملات المالية بالاتفاق؛ فإنه يمنع من التعامل بالربا مثلاً؛ لأنه يتعامل مع المسلمين؛ فلا يطبق عليه إلا قانون المسلمين، وبالنسبة للعقوبات؛ فقد اتضح أنه إذا ارتكب أمرًا فيه اعتداء على حق مسلم، أو ذمي، أو مستأمن آخر؛ فإنه ينزل به العقاب المقرر في الشريعة؛ لأنه يجب إقامة العدل، وإنصاف المظلوم من الظالم ما دام مقيمًا في دار الإسلام. أما إذا كان الاعتداء على حق من حقوق الله تعالى كارتكاب الزنا؛ فإن جمهور الفقهاء قرروا أنه ينزل به العقاب الذي ينزل بالمسلم؛ لأن هذه الجريمة، وأشباهها تفسد المجتمع الإسلامي، وما جاء إلى ديارنا ليسعى فيها بالفساد. وخالف جمهور الفقهاء في ذلك أبو حنيفة؛ حيث قال: لا تقام العقوبات على المستأمن بالنسبة لهذه الجرائم. وبهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن دار الإسلام، ودار الحرب، ودار العهد، وما يترتب على ذلك التقسيم للدار من أثار بيناها -فيما سبق.

стр. 746

مقدمة عن المعاهدات في الإسلام ننتقل الآن إلى موضوع آخر من الموضوعات التي هي في المقرر: في العلاقة، أو السياسة الخارجية للمسلمين بغيرهم، وهي: المعاهدات فنقول: العلاقات الدولية في الإسلام تستمد قواعدها من المبادئ الإنسانية العامة في حالتي السلم، والحرب. والعدل، والحرية، والكرامة الإنسانية، والوفاء بالعهد، والمعاهدة بالمثل عند الضرورة، والحاجة، ودون التلوث بمفاسد الدناءة، والخسة، ومن تلك المبادئ أيضًا الفضيلة، والرحمة، والتقوى، والتعاون الإنساني -كما بينا ذلك بالتفصيل- لأن الإنسان أخٌ للإنسان؛ أحب، أم كره، ونحو ذلك مما تضمنه وأعلنه القرآن الكريم، والسنة النبوية. كما تستمد قواعدها من العرف الصحيح المشروع، غير المصادم لأصول الدين الإلهي الحق، ومن المعاهدات التي تعقد بين المسلمين، وغيرهم كالعهود التي صدرت عن الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين، والملوك العادلين، والأمراء المتقين في تقرير الأمان، وعقد الذمة، والصلح، وسوف نتناول في هذا الأمر المفاهيم الأساسية للمعاهدات، وأهميتها، ومشروعيتها، ثم قاعدة الوفاء بالعهد، ثم نبين الإطار العام الذي تبرم فيه المعاهدات. أولاً: تحديد مفاهيم المعاهدة، والميثاق، والعهد، والعقد. فنقول: المعاهدة، والميثاق، والعهد، والعقد في أصل اللغة العربية -بمعنى واحدٍ مترادف، وهو كل ارتباطٍ بين طرفين على أمرٍ معين، وأما عند فقهاءنا؛ فإن المعاهدة هي: عقد العهد بين فريقين على شروط يلتمسونها، والعهد في الشريعة الإسلامية له معنى أوسع من كلمة عهد في القانون الدولي الوضعي؛ إذ هو أساسًا اتفاق الإرادتين -بصرف النظر عن الشكل، أو الإجراء- والعهد في فقهنا

стр. 747

هو: ما يتفق رجلان، أو فريقان من الناس على التزامه بينهما لمصلحتهما المشتركة؛ فإن أكداه، ووثقاه بما يقتضي زيادة العناية بحفظه، والوفاء به سمي: ميثاقًا، وإن أكداه باليمين خاصة سمي يمينًا. والعرف السائد اليوم يوحي إلينا بأن نميز العهد عن العقد بإضفاء سمة الإجلال، والسمو، والتعظيم للعهد، وتخصيصه بالعقد الموثق، بقصد الوفاء به بنحو المؤكد، سواء تم توثيقه بالكتابة، أو باليمين، أو بغيرها من وسائل التوثيق؛ فكل اتفاق هو عقد، وليس كل عقد عهد، وسمي عقد الزواج في القرآن الكريم: ﴿مِيثَاقاً غَلِيظا﴾ (الأحزاب: من الآية: ٧). وكذلك يملي علينا العرف الدولي القائم تمييز العهد عن المعاهدة؛ فإن العهد أوسع معنًى من المعاهدة؛ فكل معاهدة هي عهد، وليس كل عهدٍ معاهدة، والعهد -كما بينا- هو كل اتفاق بين طرفين التزماه لمصلحة مشتركة، أو هو العقد الموثق بالكتابة، أو اليمين، أو بأي ضمان آخر يمنح طرفيه الثقة بتنفيذه، والوفاء بشروطه، وهو يشمل ما قد يكون بين شخصين مثل عهد الأمان الصادر من المسلم للحربي الذي يطلب الآمان، كما يشمل ما قد يحدث بين جماعة، وفرد مثل حماية القبيلة، أو شيخها الذي يمثلها لمن يستجير بها ويستغيث بنجدتها وتأييدها، وقد يكون بين جماعتين، أو دولتين كعهود الصلح المؤقت -أي: الهدنة- والصلح الدائم، أو المؤبد -أي: عقد الذمة. أما المعاهدة؛ فهي محصورة الآن بين دولتين، لا بين الأفراد، والجماعات، وموضوعها محصور في حكم علاقة دولية معينة ذات طابع قانوني -أي: أنها ذات معنى معين خاص ضيق من حيث الطرفان، والموضوع.

стр. 748

حينئذٍ يمكن تعريف المعاهدة -في الاصطلاح الفقهي الإسلامي الحالي- بأنها: اتفاق صادر بين دار الإسلام، أو دولة إسلامية مع دولة أخرى، أو جماعة معينة غير مسلمة بتنظيم علاقة قانونية ذات طابع دولي -فيما بينهما. أما المسائل الجزئية الجانبية ذات الأهمية المحدودة؛ فلا تنظمها المعاهدة؛ حتى يكون لها طابع العنصر الدولي المهم، ومن أمثلة ذلك: أمر الإمام الحاكم بإنهاء الحرب مع مدينة معينة، أو شعبٍ مجاور، ومثل اتفاقية تبادل الأسرى، ونحو ذلك. أما الاتفاقيات الدولية في معاملة الأسرى، وقواعد الحرب، وأحوال مشروعية القتال، أو استخدام القوة فلها صفة المعاهدة بالمعنى الشائع الآن بين الدول. أهمية المعاهدات، والمواثيق، ومشروعيتها: المعاهدات، والمواثيق تضفي على أعمال الأمم، والشعوب، والدول، والأفراد عنصر الثقة، والاطمئنان، وتعمل على تخفيف حدة التوتر في العالم، وتكفل إلى حدٍ بعيد تنفيذ الشروط، والبنود، وتحقيق المصلحة في وقت محدد يعود على الطرفين بالخير، والهدوء، والراحة، وبالمعاهدة يحل السلم محل الحرب، والأمن محل القلق، والخوف، والحب والصفاء بدل الكراهية، وينعم الناس بنعمة الحرية التي لا قيود عليها؛ فيتفرغون لشئون المعيشة، وإنعاش الزراعية، وتنمية التجارة، وفتح الأسواق، أمام الصادرات، والواردات، وتبادل المنتجات، وتقدم الصناعة وتطورها، وتوجيهها وجهة خير الإنسان، وصالحه ونفعه؛ فتكون أداة تفاهم وود، وتقدمٍ وحضارة، ورفاهية وسعادة.

стр. 749

لذا عظم الإنسان العهود ورغب فيها، وشرعها، وآثر فض المنازعات الجماعية عن طريقها، وتحقيق الأغراض والغايات الإنسانية النبيلة بواسطتها، بل إن نشر الدعوة الإسلامية في أرجاء المعمورة لا يتم إلا في ظلها، وفي ربوع الأمن والسلام المتحقق به. وما أكثر النصوص الشرعية الدالة على مبدأ مشروعية معاهدات مع الأعداء في السلم، والحرب في إطار من الشروط المتفق عليها بالتراضي، والاختيار، من تلك النصوص قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ (التوبة: آية: ١) وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: ٧) وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (النساء: من الآية: ٩٠) وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (الأنفال: من الآية: ٦١) وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (الأنفال: من الآية: ٧٢) وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: من الآية: ٤). كل ذلك يدل على قدسية المعاهدات، وضرورة الوفاء بها، وجاءت السنة النبوية القولية، والفعلية مؤكدة هذه المعاني، ففي الصلح المؤقت -الهدنة أو الموادعة- روى أبو داود في سننه، عن رجل من جهينة: ((أتى رسول الله ﷺ قال: لعلكم تقاتلون قومًا ستظهرون عليهم فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم وذراريهم فيصالحونكم على صلحٍ فلا تصيبوا منهم فوق ذلك فإنه لا يصلح لكم)) وقال ﷺ قبيل صلح الحديبية: ((والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)).

стр. 750

وفي الصلح المؤبد، أو المطلق -ونقصد به عقد الذمة- يقول ﷺ : ((ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسٍ؛ فأنا حجيجه يوم القيامة)) وقال ﷺ : ((من أذى ذميًا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة)). وفي عقد الأمان الفردي من المسلم، أو الجماعي من فئة، أو من قائد، أو إمام حاكم قال ﷺ : ((أيما رجلٍ من أقصاكم أو أدناكم، من أحراركم أو عبيدكم أعطى رجلاً منهم أمانًا، أو أشار إليه بيده فأقبل بإشارته؛ فله الأمان؛ حتى يسمع كلام الله، فإن قبل؛ فإخوانكم في الدين، وإن أبى؛ فردوه إلى مأمنه، واستعينوا بالله)). أرشدت هذه النصوص في العهد النبوي إلى أن المعاهدات مشروعة في الإسلام، بل إنها في منهجه وسيلة فعالة متعينة لضمان السلم، ودعم الأمن، وتوفير حقوق الإنسان، وكفالة الحريات التي جاء الإسلام بضمانها واحترامها. الوفاء بالعهد: لم تكن المعاهدات في الإسلام مجرد قصاصة ورق -كما هو الشأن عند الدول غير الإسلامية المعاصرة- ولا وسيلة لخداع العدو، ولا وسيلة لتنفيذ أهداف خاصة معينة، ولا شعارًا لفرض القوي سلطانه على الضعيف، أو المغلوب، ولا من أجل تقرير سلمٍ ظالم غير قائمٍ على الحق والعدل؛ حتى إذا قوي الضعيف نبذها، وقاتل للتحلل من قيودها، والتخلص من نير القوي. وهي أيضًا كانت صورة لقوة الأقوياء، وليست إجراءً لتنظيم السلم، والعدل. وإنما كانت المعاهدات في الإسلام مصونة عن أي غدر، أو خداعٍ، أو قهرٍ، أو تأمين مصلحة مادية رخيصة، أو فتح منافذ، أو أسواقٍ لتصريف السلع، والمنتجات، وفائض الزراعة، أو المواد الممتلكة.

стр. 751

فالقرآن الكريم لا ينظر إلى المعاهدات -التي يسوغ إبرامها- تلك النظرة المصلحية، وإنما أمر بالوفاء بالعهد وفاءً مطلقًا -من غير قيدٍ- بضعفٍ، أو قوة؛ وذلك لإقامة سلمٍ ثابت على أقوى الدعائم والأصول، والتزم المسلمون بالوفاء بالعهود شرعًا إليها عادلاً؛ لحماية الأغراض السامية، التي تهدف لها الدعوة الإٍسلامية، أو للتوصل إلى سلمٍ وطيدٍ لا ينطوي على أي عدوانٍ مبيتٍ، ولا يجوز نقضها ما دامت قائمة، كما لا يجوز نقضها ما دامت قائمة، كما لا يجوز الإخلال بشروطها، أو بنودها -ما لم ينقضها العدو؛ تنفيذًا لأمر الله المطلق للآيات القرآنية العديدة، مثل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة من الآية: ١)، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (النحل: ٩١) وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ (الإسراء من الآية: ٣٤) وقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (التوبة: من الآية: ٤) ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ (التوبة: من الآية: ٧). الوفاء بالعهد ملازم لصفة الإيمان، ودستور أساسي معظم لا ينقض، ونقض العهد شأن المنافقين، لا المؤمنين، قال تعالى -واصفًا للمؤمنين-: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ (الرعد: آية: ٢٠) ويقول تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ (البقرة: من الآية: ١٧٧). ولا يجوز للمسلمين أن ينصروا إخوانهم المسلمين في بلد غير إسلامي عدا المعاهدين لنا من الكفار، وتضافرت الوصايا النبوية باحترام العهود، وقال رسول الله ﷺ : ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)) وقال: ((لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدرته، ألا لا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة)) وجعل الغدر، والخيانة، والإخلال بالعهد من صفات النفاق، وخصائص المنافقين قال ﷺ : ((أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)).

стр. 752

وقد أكد الرسول ﷺ احترام الأحلاف العربية الإنسانية المعقودة في الجاهلية، فقال -في حلف الفضول الإنساني الذي حضره وهو شاب لنصرة المظلوم، وحماية زعيم مكة-: ((لقد شاهدت -في دار عبد الله ابن جدعان- حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو ادعي به في الإسلام لأجبت)) وقال ﷺ -مؤكدًا ضرورة الوفاء بأحلاف الجاهلية الخيرة-: ((أوفوا بحلف الجاهلية فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا تحدثوا حلفًا في الإسلام)) أي أن الإسلام يقر المعاهدة على نصرة الحق والخير -أيًا كان مصدره- ويمنع التحالف على الفتن، والقتال القبلي، والعدوان الهمجي. أنواع المعاهدات أو العقود: المعاهدات بحسب مدتها؛ إما مؤقتة -كالأمان والهدنة- أو مطلقة دائمة كعقد الذمة. والمعاهدات بحسب غرضها، أو هدفها: إما ذات صفة دينية، أو سياسية داخلية، أو خارجية، أو تجارية، وهي بهذا الهدف تشمل ما يأتي: أولاً: عهود الإيمان، أو المبايعة على الإسلام أو الجهاد. ثانيًا: المعاهدات السياسية. ثالثًا: المعاهدات التجارية. أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. المحاضرة الرابعة والأربعون: أنواع المعاهدات وأحكامها في الفقه الإسلامي أنواع المعاهدات في الشريعة الإسلامية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد: فسنتحدث اليوم عن أنواع المعاهدات، وتنظيمها، وآثارها في الفقه في الإسلام؛ فنقول: يمكن القول بأنه يمكن تقسيم المعاهدات إلى قسمين: معاهدات سياسية، ومعاهدات اقتصادية.

стр. 753

فالمعاهدات الاقتصادية في مفهوم الإسلام: هي التي تتم مع غير المسلمين بقصد نشر الإسلام، وتبليغ دعوة الله، أو لإنهاء الحرب، أو من أجل السلم، والأمان بقصد دخول دار الإسلام للزيارة، أو لسماع كلام الله أو للتفاوض، أو للتجارة، ونحو ذلك من مهمات الأجانب. وأنواع المعاهدات السياسية أربعة، وهي: ١ - المعاهدة بقصد التعايش السلمي بين المسلمين، وغيرهم في بلدٍ واحد. ٢ - عهود الأمان. ٣ - معاهدات السلم الخارجية، أو ما نطلق عليه: الصلح، أو الهدنة. ٤ - معاهدات الصلح الدائم، أو ما نطلق عليه: عقد الذمة. والكلام على هذه الأنواع فيما يلي: النوع الأول: معاهدة التعايش السلمي لى نحوٍ أهم من عقد الذمة، وهذه المعاهدة هي التي تتم بين المسلمين، وغيرهم على أساسٍ آخر غير عقد الذمة لصيانة السلم، والأمن الداخلي -في دار الإسلام- دون التزام دفع عوض مالي للمسلمين. ومضمون هذه المعاهدة هو: تأمين غير المسلمين على أنفسهم، وأموالهم، وعقد تحالف، وتناصر، وتعاون متبادل بين المسلمين، وغيرهم في دار الإسلام، دون تحديد بمدة، من أمثلة ذلك: أن النبي ﷺ بعد الهجرة- كان أول عملٍ سياسيٍ عمله هو: أنه عاهد القبائل التي سكنت ما بين المدينة، وساحل البحر الأحمر، وغير ذلك من قبائل.

стр. 754

وما كاد يستقر النبي ﷺ في المدينة؛ حتى عقد صلحًا دائمًا آخر مع طوائف المدينة، وفق فيه بين الأوس، والخزرج على أساس حسن الجوار، ومع اليهود أيضًا؛ فأقرهم فيه على دينهم، وعلى أموالهم، فكانت هذه المعاهدة أولَ معاهدة سياسية -بالمعنى الصحيح- بين المسلمين وقبائل المدينة، وبين اليهود -بفرقهم المختلفة- حرم فيها الاعتداء بين أطراف المعاهدة، والتزموا بالتعاون والتضامن لدرء العدوان الخارجي، وعقدوا بما يشبه التحالف الدفاعي المشترك بين شعبين، وأوجبوا على أنفسهم المساهمة في الإنفاق المشترك في سبيل الدفاع، ونحو ذلك؛ مما ينظم صلات المسلمين مع بعضهم، وصلاتهم بغيرهم كأمم، أو شعوبٍ متجاورة، وذلك يعد نموذجًا طيبًا للمبادئ الرائعة في تنظيم حالة السلم، والأمن الدوليين. ونلاحظ على هذه المعاهدة شيوع روح الحذر فيها من اليهود الماكرين، وتقرير دعائم السلم الواجب، والاعتراف بالحرية الدينية، وإعلان مبدأ وحدة المسلمين، وتضامنهم، ومساواتهم في الدماء والأموال والحقوق، واستقلال كلٍ من المسلمين، واليهود مع بقاء حسن الجوار. وتقرر هذه المعاهدة مبدأ مناصرة اليهود حالة الاعتداء عليهم، وأن الاعتداء على فئة مسلمة؛ اعتداء على كل الأمة الإٍسلامية، وأنه لا يحل مناصرة المجرم -أي: المحدث حدثًا- وأن حل النزاع يكون بالاحتكام إلى النبي ﷺ وأن كلًا من اليهود، والمسلمين أمة مستقلة، يربطهم تحالف عسكري؛ لصد عدوان غيرهم، وأن هناك حرية دينية لكلٍ من المسلمين، واليهود، وأن أي خلافٍ يحل بالوسائط السلمية، وبالتناصح والتشاور لا بالحرب، ونصت المعاهدة صراحة على مبدأ نصرة المظلوم، ونصرة الجار، وأن المناصرة في حربٍ تكون مشروعة، وأن قريشًا عدو الطرفين

стр. 755

المتحالفين، وأن الطرفين ملزمان بإجابة الدعوة إلى أي صلح فيه صون السلام وتحقيق الآمان، وأن مدة المعاهدة باقية على الدوام ما لم ينقضها اليهود، وأن المدينة بلد مفتوح، وحرم آمن، ولكلٍ من الطرفين حرية البقاء، والانتقال. النوع الثاني من المعاهدات الأساسية: عقود الأمان: أوضحتُ أن المعاهدات السياسية؛ إما دائمة، أو مؤقتة، ويحدد ذلك طرفا المعاهدة، وليس موضوعه؛ فالمعاهدة المؤقتة بمدة معلومة، إن كانت مع عددٍ غير محصورٍ؛ فهو الأماني، وإن كانت مع عددٍ غير محصورٍ لغاية محددة؛ فهي الهدنة. والأمان هو عقد يفيد ترك القتل، والقتال مع الحربيين، وهذا الأمان ينقسم إلى قسمين: أمان خاص، وأمان عام، فالأمان الخاص هو ما يكون للواحد، أو لعددٍ قليل محصور كعشرة فما دون -يعني: كعشرة فأقل- وأفضل تسميته عهدًا، لا معاهدة؛ فقد أصبحت المعاهدات في وقتنا هي المعقودة ما بين الدول، أو المنظمات الدولية، وكما أبنت في بحث المصطلحات، والتعريفات عند البداية، ويصح من كل مسلم مكلف مختار -أي أن هذا الأمان الخاص يصح من كل مسلم مكلف مختارٍ لقوله ﷺ : ((ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) ويقول ﷺ : ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم)). وأما الأمان العام هو ما يكون لجماعة كثيرة غير محدودة كأهل ولاية، ولا يعقده إلا الإمام، ونائبه -الهدنة وعقد الذمة- لأنه من المصالح العامة التي لا يستطيع تقديرها غير أولي الأمر.

стр. 756

ونظام الأمان يتسع لكل أنواع الحماية والرعاية المعروفة حديثًا لشخصٍ أجنبي وماله في بلاد الإسلام، أو لعقد الصلات السلمية وغيرها، وكانت فكرة الأمان من الأسس المهمة لتدعيم السلام؛ فمثلًا: كان إعطاء الأمان لوفود المسيحية في الحروب الصليبية -نتيجة التسامح الإسلامي- كان يعتبر كأساس للمعاملات الدولية، والأصل في مشروعية الأمان قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (التوبة: من الآية: ٦). قال ابن كثير -في تفسير الآية-: والغرض أن من قدم من دار الحرب في أداء رسالة، أو تجارة، أو طلب صلح، أو مهادنة، أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من الإمام، أو نائبه أمانًا؛ يعطى له ما دام مترددًا في دار الإسلام؛ حتى يرجع إلى داره ومأمنه. وقد كان المشركون يطلبون لقاء الرسول ﷺ لأجل الكلام في الصلح، وغيره من مصالح دنياهم. تأمين الرسل، والسفراء في الإٍسلام: لقد كفل الإسلام للرسل، والسفراء مختلف أنواع الحماية والرعاية والحصانة والتكريم؛ حتى وإن أرسلوا للمسلمين؛ ليتمكنوا من أداء مهمتهم، ويحققوا الخير والسلام للعالم، وذلك بنص القرآن الكريم في آية التوبة السابق ذكرها: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ وأيضًا ثبت ذلك بالسنة القولية، والعملية؛ فالنبي ﷺ لم يقتل رسل مسيلمة الكذاب، وقال: ((لو كنت قاتلًا رسولًا؛ لقتلتكم)). قال عبد الله بن مسعود ﵁: ((فمضت السنة -أي: جرت السنة- أن الرسل لا تقتل)) وقد رد النبي ﷺ مبعوث قريش إليه، بالرغم من إعلان إسلامه بمجرد

стр. 757

رؤية الرسول ﷺ وقال: ((إني لا أخيس بالعهد -يعنى: لا أنقض العقد- ولا أخيس البرود -يعني: الرسل- ولكن ارجع إليهم، فإن كان في قلبك الذي فيه الآن فارجع)). وأجمع الفقهاء على مشروعية الأمان، وحماية الرسل والسفراء، وأجازوا للمبعوث السياسي أن يدخل بلاد المسلمين بدون حاجة إلى عقد أمان ولم يجيزوا الغدر برسل العدو وسفرائه؛ حتى ولو قتل الأعداء رهائن المسلمين الموجودين عندهم؛ فلا تقتل رسلهم؛ لقول بعض الصحابة: وفاء بعهد من غير غدر خير من غدر بغدر. أما النوع الثالث من أنواع المعاهدات السياسية هو: معاهدات السلام الخارجية: أو ما يطلق عليه معاهدات الصلح، أو الهدنة: الصلح المؤقت، أو الهدنة، أو الموادعة طريق من طرق إنهاء الحرب، وإقرار السلم بين المسلمين، وغيرهم، أو بين دار الإسلام، ودار الحرب، وهو مشروع لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (الأنفال: من الآية: ٦١). وقد عقد النبي ﷺ صلحًا مشهورًا في عهد النبوة يصلح أثاثًا لعقود الصلح، ألا وهو: صلح الحديبية. وأجمع العلماء على مشروعية المهادنة، والصلح المؤقت هو مصالحة أهل الحرب على ترك القتال -مدة معينة، بعوضٍ أو غيره، سواء كان فيهم من يقر على دينه، أم لم يقر، دون أن يكونوا تحت حكم الإسلام- أو هو صلح بين زعيمين في زمن معلومٍ بشروط مخصوصة. والذي يعقد الهدنة هو الإمام، أو نائبه الذي يفوض إليه العقد، ولو تفويضًا عامًا، كولي الإقليم مثلًا؛ لأن الهدنة تحتاج إلى سعة نظر، وتقديرٍ للمصالح

стр. 758

العامة، وتدبيرٍ للقضايا الحربية، وما يترتب عليها من نتائج بعيدة المدى أو الأثر، ولا يتأتى ذلك لغير الإمام من آحاد الناس. فإن تولى عقد الهدنة شخص عادي، دون تفويضٍ من الإمام؛ عد ذلك افتياتًا على الإمام أو نائبه، ولم يصح العقد عند جمهور الفقهاء. كيف تم صلح الحديبية؟ وما هي أسبابه؟ أراد المسلمين بقيادة النبي ﷺ أداء العمرة في البيت الحرام في آخر السنة السادسة من الهجرة؛ فصدهم المشركون عن الطواف بالبيت، ورضوا بعقد صلحٍ معهم، فيه شروط مجحفة بالمسلمين إيثارًا للسلام على الحرب، وقال النبي ﷺ : ((والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)) وكان من شروط الصلح: أن من جاء منكم -أي: من المسلمين- لا نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه إلينا؛ فقال الصحابة: ((يا رسول الله أتكتب هذا؟ قال نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم سيجعل الله له فرجًا، ومخرجًا)). وكان لعمر ﵁ معارضةٌ للصلح، ومناقشة الكثير من شروطه؛ حتى إنه أنكر على الرسول ﷺ الصلح قائلًا: ((يا رسول الله ألست برسول الله؟ قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: أنا عبد الله ورسوله لن أخالف، أمره، ولن يضيعني)). وقد التزم المسلمون بتنفيذ بنود المعاهدة تمامًا؛ حتى إن أبا جندل بن سهيل بن عمر جاء مسلمًا إلى المسلمين؛ فطلب سهيل بن عمر رده إلى مكة؛ فقال النبي ﷺ : ((إنا لم نقض الكتاب بعد)) ثم رده النبي ﷺ إليهم.

стр. 759

واعترض الفاروق عمر على ذلك -كما بان سابقًا- قال: ((ألست نبي الله حقًا؟ قال: بلى، قال: عمر ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال عمر: فعلام نعط الدنية في ديننا إذن؟!)). رد النبي أيضًا رجلًا آخر من قريشٍ جاء مسلمًا؛ فأرسلوا في طلبه رجلين تنفيذًا للعهد، واتفاق الفقهاء على أن عاقد الذمة هو ولي الأمر: الإمام، أو نائبه، هذا أمر لا بد منه؛ لأنها من المصالح العامة التي تحتاج إلى نظرٍ واجتهاد. وذلك لا يتأتى لغير الإمام الذي يقدر مصلحة المسلمين العامة، وأما الصلح الخارجي؛ فيجوز عند جماعة من الفقهاء القائلين: بأن الأصل في العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم: السلم لا الحرب، أي أنه يجوز عقد صلح دائمٍ مع غير المسلمين في ديارهم، لا في ديارنا التي اغتصبوها، أو احتلوها، على نحوٍ يوفر السلم والأمن والتعايش الودي، ويكفل نشر الدعوة الإسلامية بطريقٍ سلميٍ، قائم على أساس المنطق والحجة والبرهان، أو الحكمة والموعظة بتعبير القرآن الكريم. وكذلك لا مانع شرعًا من عقد معاهدات بغرض حسن الجوار، والصداقة، والتعاون، وتبادل التجارة، أو لأي غرض من أغراض التعاقد الدولي لإقرار السلم، وتثبيت دعائمه، وتبادل المنافع؛ لئلا يكون بعد العهد احتمال اعتداءٍ إلا في حالةِ نقض العهد؛ لذلك نجد أن النبي ﷺ قد صالح قريش، وأبرم معهم صلح الحديبية، وهو نموذج واضح لمعاهدات الصلح الخارجية. النوع الرابع -من المعاهدات السياسية-: المعاهدات الدائمة، أو ما يطلق عليه: الصلح الدائم، أو عقد الذمة: يترتب على المعاهدة الدائمة إنهاء الحرب بصفة دائمة بين المسلمين، وغيرهم، أو بين دار الإسلام،

стр. 760

ودار الحرب، ويتم ذلك بأحد طريقين: داخلي، وخارجي، أما الداخلي؛ فهو عقد الذمة، وأما الخارجي؛ فهو معاهدة السلام الدائمة. وعهد الذمة، أو عقد الذمة هو التزام تقرير غير المسلمين في ديارنا، وحمايتهم من أي عدوان، والدفاع عنهم في مقابل ضريبة بسيطة هي الجزية، بشرط التزام أحكام الإسلام، والاستلام من جهتهم؛ فيصبح الذميون مقيمين في دار الإسلام، ويكونون مواطنين مثل باقي المسلمين، ما داموا لم ينقضوا العهد ويعكروا الصفو. وأمثلته الصلح الدائم من السنة النبوية كثيرة منها صلحه ﷺ مع أهل نجران. المعاهدات في عهد الراشدين: استمرت الحروب في عهد الصحابة بين المسلمين، ودولتي الروم، والفرس؛ فلم تعد المعاهدات لتنظيم السلم، أو المناصرة، أو التعاون، وإنما كانت إما لعقد الهدنة، أو لعقد الذمة بعد تخيير الأعداء -قبل بدء الحرب- بين أمور ثلاث: إما الإسلام، أو صلح الذمة، أو القتال، ونكتفي هنا بذكر مثالين بمعاهدتين عقدتا في عصر الراشدين: أول معاهدة: كتاب عمر بن العاص لأهل مصر الذين اختاروا البقاء على المسيحية، جاء فيه: "أعطاهم الأمان على أنفسهم، وملتهم، وأموالهم، وكنائسهم، وصلبهم، وبرهم، وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك، ولا ينتقص، ومن دخل في صلحهم من الروم؛ فلهم مثل ما لهم، وعليه ما عليهم، هذا لمن أراد المقام في سلطاننا، وأما من أبى واختار الذهاب مع الروم؛ فهو آمن؛ حتى يبلغ مأمنه".

стр. 761

والنوع الثاني: وهو صلح عمر مع أهل إيلياء -أي: القدس- وهو صلح مشهور، وله أهميته الكبرى في التاريخ الإسلامي، جاء فيه: "هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان؛ أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم؛ أنه لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا ينتقص منها، ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن إيلياء معهم أحد من اليهود". والواقع أن هذه المعاهد تعد مثلًا رائعًا من أمثلة الحفاظ على غير المسلمين؛ حتى أنه لم يرض عمر بأداء الصلاة في كنيسة القيامة؛ خشية أن يقتدي به المسلمون، ويقولون: هنا صلى عمر؛ فتصبح الصلاة في داخل الكنيسة حقًا، وقد يؤدي ذلك إلى الاستيلاء على الكنيسة. وفيها أيضًا: أقر حرية التدين، والتنقل، وأيضًا تكليفهم بأداء الجزية القليلة المقدار. وحدثت في العهد الرشيدي معاهدات أخرى كثيرة تؤكد مضمون هذه المعاهدة، مثل معاهدة خالد بن الوليد لأهل دمشق المتضمنة تأمينهم على دمائهم، وأموالهم، وكنائسهم مقابل الجزية. ثم ننتقل إلى النوع الثاني من أنواع المعاهدات للإسلام، وهو المعاهدات التجارية: فنقول: يجوز شرعًا عقد المعاهدات التجارية، وتنظيم المبادلات الخارجية مع غير المسلمين تأييدًا للأصل العام في علاقة المسلمين بغيرهم، وإقرارًا لمبدأ حرية التجارة، وتوفيرًا للموارد الضرورية التي يحتاجها المسلمون في شئون الحياة المعاشية، وعملًا بالسنة النبوية التقريرية؛ إذ أقر النبي ﷺ حلف المطيبين بين

стр. 762

البطون القرشية بعد موت قصي بن كلاب الذي كان يهيئ الطعام للحجاج مما تقدمه له قريش، وكان موضوع الحلف هو توزيع الخدمات للحجاج على كل قبيلة من سقاية، ورفادة، ولواء، وندوة. قال النبي ﷺ : ((ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة)) -يعني: يريد المعاقدة على الخير، وتأمين موارد الحجيج، ونصرة الحق، وكانت هناك معاهدات تجارية متعددة بين العرب، والأوربيين منها معاهدة سنة ٩١٣ هـ بين أمير بادس في المغرب، وبين أهالي البندقية التي تسمح للبنادقة بالنزول في بادس، والاتجار مع أهلها، وتؤمنهم على أنفسهم، وأموالهم، وتسامحت السلطات الإسلامية كثيرًا مع التجار. وكانت التجارة من أسباب نشر الإسلام في شرق أسيا وأفريقيًا، لكن مع وضع بعض القيود على المبادلات التجارية لمنع إخراج الأسلحة، ووسائل الحرب من بلاد المسلمين، وحذر شراء واستيراد الخمور والخنازير، وسائر المنكرات، سواء من مسلم، أو غير مسلم، وما عدا ذلك يجوز تبادلهم؛ حتى في أثناء الحرب؛ كالأطعمة، وسائر الأقوات، والثياب، والأقمشة، والمواد الخام غير المعدنية، والمواد الكيماوية، والمنتجات الزراعية، والصناعية -غير الحربية- إلى أخره. أحكام المعاهدات في الشريعة الإسلامية ثم نتحدث الآن عن تنظيم المعاهدة، وآثار المعاهدة، فنقول: يحتاج تنظيم المعاهدة إلى إجراءات كثيرة، ومشاورات جادة وعميقة، وتقدير أوضاع الطرفين المتعاهدين لما لها من أهمية كبرى، ولأنها تصبح بمثابة قانون، أو نظام يلزم الطرفين، ويرتب أثارًا مهمة في علاقاتهما، ومعاملاتهما، كما تؤثر المعاهدة على الأشخاص، أو الرعايا العاديين في كل بلدٍ من بلدان الجانبين.

стр. 763

وقد مرت المعاهدات بمراحل في العهد النبوي تشبه المراحل التي تعقد بها المعاهدات في العصر الحديث، والبحث يتناول ما يأتي من شئون المعاهدة: أولًا: كيفية إبرام المعاهدة، أو شكل المعاهدة: لم تكن المعاهدة في الإسلام تخضع لتنظيم إجرائيٍ معين -كما هو مطلوب اليوم قانونا بين الدول- لأن جوهر المعاهدة يحدد بإرادة الأطراف الحرة، ولكن لا مانع شرعًا في تقديري من اتباع المراسم الشكلية الحديثة؛ لأن المعول عليه هو المضمون الموضوعي، وقد اشترط الفقهاء المسلمون ضرورة إقرار الخليفة، أو الإمام لعقود الصلح المعقودة بواسطة قائد حربي غير مفوض لإبرام الصلح، وكان المفوض بالصلح يبلغ الخليفة بما تم فيقره على فعله إذا كانت شروط المعاهدة شرعية، كما حدث في عقود الصلح التي أبرمها أبو عبيدة بن الجراح في الشام، وغيره من القادة، وكانوا يبلغون به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. فإن تولى الخليفة نفسه عقد المعاهدة -كما فعل عمر مع مصالحة أهل بيت المقدس- نفذ الصلح على المسلمين؛ لأن الخليفة ممثل الأمة، ونائبها في إبرام المعاهدة، وحرصًا على المعاهدة وتقديمها؛ كان النبي ﷺ يأمر بكتابة جميع المحالفات، والمعاهدات بإثبات الاتفاق، وتنفيذ شروط المعاهدة، كما حدث في كتابة أول معاهدة سياسية في المدينة مع اليهود، وكما حصل فعلًا في كتابة صلح الحديبية التي سبقت بمفاوضاته عن طريق الرسل، والسفراء من الجانبين. وتبتدئ حالة السلام بمجرد الانتهاء من العقد والاتفاق على شروط المعاهدة، وليس بعد إعلان المعاهدة رسميًا، وتبادل التصديقات كما يقضي القانون الدولي المعاصر. وكان الرسول ﷺ يشهد على المعاهدة، كما فعل في صلح الحديبية؛ حيث أشهد على الصلح رجالًا من المسلمين، ورجالًا من المشركين لتوثيق المعاهدة، ولا مانع

стр. 764

شرعًا من كتابة المعاهدة بلغتين، أو أكثر، كما هو الحاصل في الوقت الحاضر، وكانت المعاهدات الإسلامية تشمل العناصر الثلاثة التالية: ١ - الديباجة أو المقدمة، وتبدأ عادة -كما لاحظنا في نماذجها- بالبسملة وهي: "بسم الله الرحمن الرحيم" ويعين فيها أسماء الطرفين المتعاهدين ومندوبيهم أو ممثليهم في التفاوض، ويذكر أيضًا تاريخ المعاهدة. ٢ - النص، ويتضمن أحكام المعاهدة، وموضوعها بعبارات موجزة، وبدون تقسيم، أو ترقيم لبنودها، كما هو شأن المعاهدات الحديثة. ٣ - الخاتمة، ويذكر فيها أسماء الشهود، وتوقيعاتهم، أو أختامهم، كما تذكر أسماء أطراف المعاهدة أو ممثليهم، وأختامهم، وتختم بعبارة تفيد الحث على الوفاء، والتشدد في احترام المعاهدة، وتسبق المعاهدة عادة بمرحلة التفاوض، ثم تبدأ مرحلة الكتابة والتحرير، ثم التوقيع والتصديق. والتفاوض قد يكون بالخليفة نفسه، أو نائبه إذا كانت المعاهدات ذات أهمية؛ كأن يتصل موضوعها بمهادنة جيوش الأعداء، وقد يكون الأمير، أو الوالي، أو قائد الجيش ذاته، أو من يفوض لذلك إذا كانت المعاهدة أقل أهمية. وقد يعرض الجانب غير المسلم بنود المعاهدة وشروطها، ويرسلها الوالي المسلم -يعني: يرسلها إلى الخليفة لإقرارها أو تعديلها، ثم تتم المعاهدة، كما حدث من زعيم مدينة السوس، التي كان يحاصرها أبو موسى الأشعري؛ فإنه قدم رسالة إلى أبي موسى الأشعري يطلب فيها الأمان، ثم أرسلها أبو موسى إلى عمر؛ فقبل عمر على ذلك، وعاهدهم على ذلك.

стр. 765

شروط المعاهدة: تعقد المعاهدات بين المسلمين، وغيرهم بإرادة حرة من الجانبين؛ لتحقيق غرض مشروع، وممكن يتفق مع الأصل المنشود في علاقة المسلمين بغيرهم -وهو السلم- وهذا يعني: أنه لا بد للمعاهدة من توافر شروط معينة، وهي ما يأتي: ١ - أهلية التعاقد: وهي أن يكون العاقد بالغًا عاقلًا رشيدًا مختارًا مسلمًا؛ فلا يصح العهد من صبي غير مميزٍ، أو مجنون، أو سكران، أو سفيه، أو مكره، أو غير مكره، ويجوز أمان الأنثى شرعًا لقوله ﷺ : ((قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ)) ويصح أمان الصبي المميز عند الأئمة مالك، وأحمد، ومحمد بن الحسن، دون غيرهم من الأئمة؛ للحديث السابق: ((ويسعى بذمتهم أدناهم)). ويشترط أيضًا صحة التفويض إذا كان عاقد العهد هو غير الخليفة، أو الإمام؛ فيجب أن يفوض الخليفة تفويضًا خطيًا، أو شفهيًا بالنيابة عنه بإبرام العقد عن دار الإسلام مع دولة أخرى، أو شعبٍ آخر، والأصل أن يكون العهد العام لجماعة كثيرة، أو شعبٍ، أو ولاية، ينبغي أن يكون ذلك، أو الأصل في ذلك أن يكون هذا العهد من الخليفة، أو نائبه، لكن له تفويض قائد الجيش، أو الوالي في إبرام الصلح مع العدو. وللإمام الرقابة على التأمينات الصادرة من الأفراد بما له من الولاية العامة، ودفعا للضرر عن رعايا دار الإسلام من مسلمين، وذميين؛ إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام؛ فلا يصح أي تصرف فردي يتنافى مع المصلحة العامة، أو يتعارض مع الأصل العام في صحة الأمان؛ فإن الأمان لا يلزم الوفاء به، إلا إذا كان موافقًا مقتضى النظر الشرعي؛ لجميع الرعية من جلب المصالح، ودفع المضار.

стр. 766

ورقابة الإمام لدفع الضرر نوعان: رقابة خاصة، ورقابة عامة. أما الرقابة الخاصة: فتظهر فيما إذا تجاوز الشخص الصلاحيات الممنوحة له؛ كتأمين أهل حصنٍ، أو إقليم، أو بعد نهي الإمام عن التأمين؛ فيخير الإمام حينئذٍ بين إمضاء الأمان، أو رده ونقضه. وأما الرقابة العامة: فهي تبدو في كل أمانٍ يصدر من الأفراد، وعلى التخصيص، أمان المرأة، والعبد، والصبي، ونحوه. ومن شروط المعاهدة أيضًا: التراضي، أو الإرادة الحرة السالمة من العيوب: تتطلب المعاهدة -كأي عقد مدني لانعقادها وصحتها- الرضا، والاختيار من الجانبين المتعاقدين، والخلو من أي عيب من عيوب الرضا كالإكراه، والتدليس، والغرر؛ لأن التعبير عن الإرادة يجب أن يكون حرًا، واستقرار السلم لا يتحقق بدون الرضا، والاختيار، وعدم التدليس، والغلط؛ فلا تعتبر المعاهدة -الصادرة على أساس الإكراه، أو القهر، والغلبة، أو الخداع- لا تعتبر، ولا يعتد بها لمنافاة ذلك لمقتضى التعاقد. ومن شروط المعاهدة أيضًا: وضوح المعاهدة: يشترط أن تكون المعاهدة، واضحة النصوص، بينة الأهداف، تحدد الحقوق، والالتزامات، أو الواجبات تحديدًا لا يحتاج إلى التأويل والتلاعب بالألفاظ؛ فلا تستخدم العبارات التي فيها تورية، أو خداع، أو غش، أو غموض، والتواء،

стр. 767

كما يفعل ساسة اليوم؛ مما يوقع في الارتباك، ويحتاج إلى تفسير المعاهدة بالتحكيم، أو القضاء الدولي، وذلك يؤدي غالبًا إلى إحباط أهداف المعاهدة، وإضاعة الحقوق المشروعة، ونقض ما تم إبرامه؛ بسبب بطء القضاء، وسوء نية الدول المتحضرة. ولقد حذرنا القرآن الكريم من مكر الأعداء فقال : ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (النساء: من الآية: ١٠٢) وقال أيضًا: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: من الآية: ٩٤) وكانت معاهدات النبي ﷺ كصحيفة وثيقة المدينة يعني: كالصحيفة، أو الوثيقة التي عقدها مع اليهود عندما ذهب إلى المدينة بعد الهجرة، وكصلح الحديبية، ونحوهما- في غايةِ الإبانة. أقول: كانت هذه المراجعات في غايةِ الإبانة، والوضوح، وتجنب كل ما يؤدي إلى وعورة الطريق في المستقبل، عند التنفيذ. ونتكلم عن مدة المعاهدة فنقول: يبدأ تنفيذ المعاهدة عادة في الإسلام بمجرد الاتفاق عليها، دون حاجة إلى كتابتها، أو التوقيع، أو إعلانها، والتصديق عليها إذا صدرت ممن يفوض له عقد المعاهدة نيابة عن الدولة بدليل تنفيذ معاهدة الحديبية، ورد من جاء إلى المسلمين -كما بينا قبل إتمام المعاهدة. وإذا نص -في المعاهدة- على تاريخ معين لبدء سريان مفعولها أصبحت نافذة المفعول من ذلك التاريخ، وأما انتهاء العمل بالمعاهدة شرعًا؛ فينص عليه عادة، وتنتهي المعاهدة بانتهاء المدة المتفق عليها لقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (التوبة: من الآية: ٤).

стр. 768

ومقدار مدة المعاهدة يختلف بحسب نوعها بدءًا، وانتهاءً؛ فبالنسبة لمدة الأمان مثلًا؛ يبدأ الأمان بعلم المستأمن بإيجاب المؤمن وتأمينه -عند جمهور الفقهاء- وبحصول القبول -عند الشافعية- وينتهي بحسب المدة المتفق عليها. وللفقهاء أراء في الحد الأقصى للأمان؛ فيقول الشافعية والمالكية: مدة الأمان -الهدنة- لا تزيد على أربعة أشهر إذا لم يكن المستأمن سفيرًا، أو رسولًا سياسيًا؛ فتنتهي مدته بانتهاء مهمته، وذلك في حالةِ توافر القوة للمسلمين. أما إن كانوا في ضعفٍ؛ فينظر الإمام في تقدير المدة، ويجوز له حينئذٍ مد أجل الأمان إلى عشر سنوات كالهدنة، وإن أطلق الأمان عن التوقيت حمل عن أربعة أشهر، وهذا كله في أمان الرجال، أما النساء؛ فلا يحتاج في أمانهن إلى تقييد مدة، وإذا انتهت مدة الأمان؛ يبلغ المستأمن مأمنه، وقال الحنفية: والشيعة الإمامية، والزيدية: إن مدة الأمان لا تبلغ سنة؛ حتى لا يصير المستأمن عينًا -أي: جاسوسًا- على المسلمين، وعونًا عليهم، ودليلهم مراعاة الضرورة أو الحاجة. ووسع الحنابلة أكثر من غيرهم؛ فأجازوا عقد الأمان بدون دفع جزية لكل من المستأمن، والرسول السياسي مطلقًا، أو مقيدًا بمدة، سواء كانت المدة طويلة أم قصيرة، بخلاف الهدنة؛ فإنها لا تجوز إلا مقيدة. وننتقل إلى مدة الهدنة، تكلمنا عن مدة الأمان، نتكلم الآن عن مدة الهدنة فنقول: اتفق الفقهاء على أن تكون الهدنة مقدرة بأجل معين، فلا تصح المهادنة مطلقًا إلى الأبد، إنما هي عقد مؤقت، كي لا يؤدي إلى تعطيل الجهاد، ولا يجوز في رأي جماعة من الفقهاء أن تزيد عن عشر سنوات كالمدة التي في صلح الحديبية، إلا

стр. 769

أن الشافعية نصوا على أن تأقيت الهدنة هو بالنسبة لنفوس الرجال، أما الأموال؛ فيجوز العقد عليها مؤبدًا، ويصح المهادنة مع النساء من غير تقيد بمدة. وأجاز أبو حنيفة، وأحمد أن تزيد المدة عن عشر سنوات؛ حسبما تقتضي الحاجة ذلك؛ لأنهم يقولون: أن المدة المذكورة في صلح الحديبية هي عشر سنوات ليست هي الحد الأدنى، وإنما هي حالة من الحالات لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ويمكن التوفيق بين الرأيين بناءً على فكرة المعاهدات المؤقتة القابلة للتجديد بتحديد عشر سنوات، نقول: تتجدد تلقائيًا عند الحاجة، إلا إذا أبلغ أحد الطرفين الآخر بعدم رغبته في التجديد. وبالنسبة للمدة لعهد الذمة، أو عقد الذمة نقول: إن عقد الذمة، أو الجزية هي معاهدة سلمية دائمة -يعني: هي قائمة على التأبيد هذا العقد قائم على التأبيد- فهو معاهدة سلمية دائمة مع غير المسلمين للاستيطان في أرض الإسلام؛ لأن الله تعالى غاية القتال الوصول إلى قبول المعاهدة مع المسلمين؛ فقال -سبحانه-: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: من آية: ٢٩) والمراد من الصغار التزام أحكام الإسلام، والمقصود من إعطاء الجزية -بالإجماع- هو القبول والالتزام؛ فعقد الذمة لا مدة له، وإنما هو بطبيعته عهد دائم، أو صلح دائم لا ينتقض إلا بما يخل بمقصوده، أو يتنافى مع أغراضه، أو بمحاربة الذميين للمسلمين، أو عدم الالتزام بالأحكام الإسلامية. ونتكلم الآن عن انضمام الغير للمعاهدات فنقول: هناك في عصرنا في عالم القانون الدولي نوعان من المعاهدات: معاهدات مقفلة، ومعاهدات مفتوحة.

стр. 770

أما الأولى: فهي التي لا تحتوي على نصٍ يبيح انضمام الدول الأخرى إليها فيما بعد؛ فيلزم لانضمام الغير حصول مفاوضات مع أطراف المعاهدة الأصليين، مثل معاهدة السوق الأوربية المشتركة. وأما الثانية: وهي المفتوحة؛ فهي التي تحوي نصًا يبيح انضمام الغير إليها مثل: ميثاق الأمم المتحدة، والنوعان معروفان في الإسلام. فالمعاهدات المقفلة مثل الأمان العام لأهل بلدٍ أو إقليم، وعقد الذمة لجماعة من غير المسلمين الذين يقبلون جنسية الدولة المسلمة، وعقد صلح مؤقت أو الهدنة قد يكون من هذا النوع، وربما يكون من النوع المفتوح، وكان صلح الحديبية في السنة السادسة من الهجرة بين الرسول ﷺ وبين مشركي مكة كان من نوع المعاهدات المفتوحة؛ إذ أنه ورد نص في هذا الصلح يبيح الانضمام إليه هو: "من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده؛ دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم؛ دخل فيه، وهذا نص واضح يبيح لباقي قبائل العرب الانضمام إلى جانب أحد المتعاقدين. ثم نتكلم عن موضوع المعاهدة، وآثرها، فنقول: يشترط فقهاء القانون الدولي أن يكون موضوع المعاهدة ممكنًا، ومشروعًا، ومشروعيته إذا كان ما يبيحه القانون، وتقره مبادئ الأخلاق، واشترط فقهاء الإسلام في موضوع المعاهدة ما يأتي: أولًا: أن تكون المعاهدة متفقة مع أحكام الشريعة الإسلامية لا تصادم مبدءًا من مبادئها لقوله ﷺ : ((كل شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل)) وقوله: ((المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا، أو أحل حرامًا)) وقوله: ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد)).

стр. 771

ومن الشروط أيضًا: تحقيق المصلحة الإسلامية: يشترط أن يكون في عقد المعاهدة مصلحة للمسلمين والإسلام؛ فلا بد من توافر المصلحة المشروعة في عقد الصلح، وإلا لم يجز العقد -كما قال فقهاءنا- والمصلحة المشروعة في الهدنة -أي: الصلح المؤقت- إما احتمال اعتناق الإسلام، أو إقرار السلام، وتبادل العلاقات الاقتصادية، أو الانضمام إلى دار الإٍسلام، أو دفع الضرر عن المسلمين، وغير ذلك. ويشترط أيضًا: كون المعاهدة بتراضي الطرفين كما أوضحنا. ويشترط أيضًا: توافر النية الحسنة لدى الطرفين؛ لأن شرط النية الحسنة مطلوب لصحة المعاهدة في الإسلام، بحيث تبطل المعاهدة إذا تم عقدها بدافع الغش، وسوء النية، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ (النحل: من الآية: ٩٤) والدَّخَل هنا هو العيب الخفي الذي يدخل الشيء فيفسده. وأما آثار المعاهدة فتختلف بحسب نوعها، ومدتها؛ فهي تظل سارية المفعول طوال المدة المتفق عليها ما لم ينقضها العدو، وتختلف آثارها بحسب نوعها؛ فإن كانت أمانًا خاصًا؛ اقتصر أثرها على عصمة دم المستأمن وماله وأولاده الصغار وزوجته، وإن كانت أمانًا عامًا لإقليم أو بلد؛ شملت جميع من كان هناك، وإن كانت هدنة فتقتصر على المهادنين، وإن كانت عقد ذمة؛ فتشمل جميع الذميين. ويترتب على المعاهدة: إنهاء الحرب، وإقرار السلام، وعصمة النفوس، والدماء، والأعراض، والأموال، ويعيش الطرفان بأمان، وودٍ، وسلام، واطمئنان.

стр. 772

ويلتزم كل من الجانبين بتنفيذ أحكام المعاهدة، وشروطها بحسن نية؛ لأن المعاهدة تنشأ وضعًا قانونيًا يتمثل في واجبات، وحقوق للطرفين المتعاقدين. ثم نتكلم الآن عن انقضاء المعاهدة: فالمعاهدات تنقضي بالحالات الآتية: منها -على سبيل المثال- انتهاء مدة المعاهدة، ومنها الإخلال بشروط المعاهدة، ومنها الاعتداء من أحد الطرفين على الطرف الآخر، ومنها ارتكاب بعض الجرائم الخطيرة من العدو، ومنها أيضًا نقض المعاهدة من جانب الأعداء؛ فإذا وجدت هذه الأمور؛ ترتب على ذلك انقضاء المعاهدة. وبهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن المعاهدات، وآثارها في الفقه الإسلامي، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 773

الدرس: ١٦ القضاء ووسائل التثبت والإثبات في النظام الإسلامي .

стр. 774

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس عشر (القضاء ووسائل التثبت والإثبات في النظام الإسلامي) ١ - مشروعية القضاء وأهميته وتاريخه وشروط الدعوى مشروعية القضاء وأهميته الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: نبدأ الآن الحديث عن النظام القضائي في الإسلام، فنعرف القضاء، ونبين دليل مشروعيته، وبيان أهميته، وتاريخه عبر العصور الإسلامية المتلاحقة: القضاء لغة: انقضاء الشيء وإتمامه، والحكم بين الناس. وشرعًا: هو فصل الخصومات وقطع المنازعات، وعرفه الشافعية بأنه فصل الخصومة بين خصمين فأكثر بحكم الله تعالى أي: إظهار حكم الشرع في الواقعة، وسمي القضاء حكمًا لما فيه من الحكمة التي توجب وضع الشيء في محله لكونه يكف الظالم عن ظلمه، والأصل في مشروعيته الكتاب، والسُّنة، والإجماع. أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ص: من الآية: ٢٦) وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّه﴾ (المائدة: من الآية: ٤٩) وقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْط﴾ (المائدة: من الآية: ٤٢) وقوله : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (النساء: من الآية: ١٠٥) ونحوها من الآيات. وأما السُّنة فما روي عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)) وقوله ﷺ : ((إذا جلس الحاكم للحكم بعث الله له ملكين يسددانه ويوفقانه؛ فإن عدل أقاما -يعني:

стр. 775

استمرا- وإن جار عرجا وتركاه)) وقد حكم النبي ﷺ بين الناس، وبعث عليًا وأبا موسى الأشعري إلى اليمن للقضاء في المنازعات، وبعث إليهما أيضًا معاذًا، وكان عتاب بن أُسيد أول قاضٍ لرسول الله ﷺ ولأن الخلفاء الراشدين ﵃ حكموا بين الناس، وبعث عمر ﵁ أبا موسى الأشعري إلى البصرة قاضيًا، وأرسل عبد الله بن مسعود إلى الكوفة قاضيًا، وتولى القضاء عمر، وعلي، ومعاذ، وأبو موسى، وغيرهم، وأجمع المسلمون على مشروعية تعيين القضاة، والحكم بين الناس لما في القضاء من إحقاق الحق، ولأن الظلم متأصلٌ في الطباع البشرية، فلا بد من حاكم ينصف المظلوم من الظالم. نوع المشروعية: القضاء فريضة محكمة من فروض الكفاية باتفاق أئمة المذاهب، فيجب على الإمام تعيين قاضٍ، ودليل الفرضية: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ (النساء: من الآية: ١٣٥) ولأنه -كما ذكر- طباع البشر مجبولة على التظالم ومنع الحقوق، وقل من ينصف من نفسه، وبما أن الإمام لا يقدر عادة على فصل الخصومات بنفسه لكثرة مشاغله العامة؛ فالحاجة تدعو إلى تولية القضاء، وأما كونه فرض كفاية فلأنه أمرٌ بمعروف، أو نهي عن منكرٍ، وهما واجبان كفائيان، فالقضاء أمر من أمور الدين، ومصلحة من مصالح المسلمين تجب العناية به؛ لأن بالناس إليه حاجة عظيمة، وهو من أنواع القربات إلى الله ولذا تولاه الأنبياء ﵈ قال ابن مسعود: "لأن أجلس قاضيًا بين اثنين أحب إلي من عبادة سبعين سنة".
следующие страницы →