← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11317

التوابين لابن قدامة

ابن قدامة

Полный текст (284 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لا تعد من رجلا أحلك بغضه ... نجران في عيش أحذ لئيم بليت قناتك في الحروب فألفيت ... خمانة جوفاء ذات وصوم غضب الإله على الزبعري وابنه ... وعذاب سوء في الحياة مقيم فلما جاءه شعر حسان تهيأ للخروج فقال له هبيرة: أين تريد يا ابن عمي؟ قال: أردت والله محمدا قال: أتريد أن تتبعه؟ قال: إي والله! قال هبيرة: يا ليت أني رافقت غيرك! والله ما ظننت أنك تتبع محمدا أبدا؟. قال ابن الزبعري: فعلى أي شيء تقيم مع بني الحارث ابن كعب - وأترك ابن عمي وخير الناس وأبره - ومع قومي وداري؟. فانحدر ابن الزبعري حتى جاء رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو جالس في أصحابه. فلما نظر رسول الله ﷺ إليه قال: "هذا ابن الزبعري ومعه وجه فيه نور الإسلام" فلما وقف عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال: السلام عليك يا رسول الله! شهدت أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله والحمد لله الذي هداني للإسلام لقد عاديتك وأجلبت عليك وركبت البعير والفرس ومشيت على قدمي في عداوتك ثم هربت منك إلى نجران وأنا أريد أن لا أقرب الإسلام أبدا ثم أرادني الله منه بخير وألقاه في قلبي وحببه إلي وذكرت ما كنت فيه من الضلالة واتباع ما لا ينفع ذا عقل من حجر يعبد ويذبح له لا يدري من يعبده ومن لا يعبده قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الحمد لله الذي هداك للإسلام إن الإسلام يجب ما كان قبله". وقال: ابن الزبعري حين أسلم: منع الرقاد بلابل وهموم ... والليل معتلج الرواق بهيم مما أتاني أن أحمد لامني ... فيه فبت كأنني محموم يا خير من حملت على أوصالها ... عيرانة سرح اليدين غشوم إني لمعتذر إليك من الذي ... أسديت إذ أنا في الضلال أهيم أيام تأمرني بأغوى خطة ... سهم وتأمرني بها مخزوم فاليوم آمن بالنبي محمد ... قلبي ومخطىء هذه محروم مضت العداوة وانقضت أسبابها ... ودعت أواصر بيننا وحلوم

стр. 107

فاغفر فدى لك والدي كلاهما ... زللي فإنك راحم مرحوم وعليك من علم المليك علامة ... نور أغر وخاتم مختوم أعطاك بعد محبة برهانه ... شرفا وبرهان الإله عظيم ولقد شهدت بأن دينك صادق ... حق وأنك في العباد جسيم والله يشهد أن أحمد مصطفى ... متقبل في الصالحات كريم قرم تفرع في الذرى من هاشم ... فرع تمكن في الذرى وأروم

стр. 108

٥١ – [توبة هبار بن الأسود ﵁] قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ أَبِي يَاسِرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ: قَالَ: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ هَبَّارًا - يَعْنِي ابْنَ الأَسْوَدِ - قَطُّ إِلا تَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَلا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً قَطُّ إِلا قَالَ: "إِنْ ظَفِرْتُمْ بِهَبَّارٍ فَاقْطَعُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ اضْرِبُوا عُنُقَهُ" وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَطْلِبُهُ وَأَسْأَلُ عَنْهُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ لَوْ ظَفِرْتُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَتَلْتُهُ ثُمَّ طَلَعَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جَالِسٌ فَجَعَلَ يَعْتَذِرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ فِي مَسْجِدِهِ مُنْصَرَفُهُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ فَطَلَعَ هَبَّارُ بْنُ الأَسْوَدِ فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَيْهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَبَّارُ بْنُ الأَسْوَدِ. قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ رَأَيْتُهُ". فَأَرَادَ بَعْضُ الْقَوْمِ الْقِيَامَ إِلَيْهِ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "أَنِ اجْلِسْ" فَوَقَفَ عَلَيْهِ هَبَّارٌ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَشْهَدُ أَنَّ لا إله إلا الله وأنك رَسُولُ اللَّهِ وَلَقَدْ هَرَبْتُ مِنْكَ فِي الْبِلادِ فَأَرَدْتُ اللُّحُوقَ بِالأَعَاجِمِ ثُمَّ ذَكَرْتُ عَائِدَتَكَ وَفَضْلَكَ وَبِرَّكَ وَصَفْحَك عَمَّنْ جَهَلَ عَلَيْكَ وَكُنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْلَ شِرْكٍ فَهَدَانَا اللَّهُ بِكَ وَأَنْقَذَنَا بِكَ مِنَ الْهَلَكَةِ فَاصْفَحْ عَنْ جَهْلِي وَعَمَّا كَانَ يَبْلُغُكَ مِنِّي فَإِنِّي مُقِرٌّ بَسَوْأَتِي مُعْتَرِفٌ بِذَنْبِي. قَالَ الزُّبَيْرُ: وَقَالَ: فَقَدْ كُنْتُ موضعا فِي سبك وأذاك وَكُنْتُ مَخْذُولا وَقَدْ بَصَّرَنِي اللَّهُ وَهَدَانِي للإِسْلامِ قَالَ الزُّبَيْرُ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّهُ لَيُطَاطِئُ رَأْسَهُ مِمَّا يَعْتَذِرُ هَبَّارٌ وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ وَالإِسْلامُ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ".

стр. 109

وَكَانَ لسنا وَكَانَ - يَعْنِي بَعْدَ ذَلِكَ - يَسُبُّ حَتَّى يَبْلُغَ مِنْهُ فَلا يَنْتَصِفُ فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِلْمُهُ وَمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مِنَ الأَذَى فَقَالَ: "يَا هَبَّارُ! سُبَّ مَنْ سَبَّكَ".

стр. 110

٥٢ – [توبة عكرمة بن أبي جهل ﵁] وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأَمَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ثنا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السُّبَيْعِيُّ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ قَالَ عِكْرِمَةُ: وَاللَّهِ لا أَسْكُنُ أَرْضًا أَرَى فِيهَا قَاتِلَ أَبِي الْحَكَمِ! فَانْطَلَقَ يَرْكَبُ الْبَحْرَ وَعَمَدَ خَتَنُهُ أَبُو امْرَأَتِهِ فَأَمَرَ زَوْجَتَهُ فَتَعَصَّبَتْ ثُمَّ تَلَقَّتْهُ فَقَالَتْ: أَيْنَ تَذْهَبُ يَا سَيِّدَ فِتْيَانِ قُرَيْشٍ؟ تَذْهَبُ إِلَى أَرْضٍ لا تُعْرَفُ بِهَا؟ فَأَبَى أَنْ يُطِيعَهَا. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ أَسْلَمَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ وَأَسْلَمَتْ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ امْرَأَةُ عِكْرِمَةَ فِي عَشْرِ نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَتَيْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِالأَبْطَحِ فَبَايَعْنِهِ فَدَخَلْنَ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ زَوْجَتَاهُ وَابْنَتُهُ فَاطِمَةُ وَنِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الْمُطِّلَبِ فَتَكَلَّمَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَظْهَرَ الدِّينَ الَّذِي اخْتَارَ لِنَفْسِهِ لَتَمَسُّنِي رَحِمُكَ يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي امْرَأَةٌ مُؤْمِنَةٌ بِاللَّهِ مُصَدِّقَةٌ ثُمَّ كَشَفَتْ عَنْ نِقَابِهَا فَقَالَتْ: هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ. فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَرْحَبًا بِكِ" فَقَالَتْ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ خِبَائِكِ وَلَقَدْ أَصْبَحْتُ وَمَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ خِبَائِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَزِيَادَةُ أَيْضًا". ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِنَّ الْقُرْآنَ وَبَايَعَهُنَّ. ثُمَّ قَالَتْ أُمُّ حَكِيمٍ امْرَأَةُ عِكْرِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ هَرَبَ عِكْرِمَةُ مِنْكَ إِلَى الْيَمَنِ وَخَافَ أَنْ تَقْتُلَهُ فَأَمِّنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هُوَ آمِنٌ". فَخَرَجَتْ أُمُّ حَكِيمٍ فِي طَلَبِهِ فَأَدْرَكَتْهُ وَقَدِ انْتَهَى إِلَى سَاحِلٍ مِنْ سَوَاحِلِ تُهَامَةَ فَجَعَلَ نُوتِيُّ السَّفِينَةِ يَقُولُ لَهُ: أخلص! قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ قَالَ عِكْرِمَةُ: مَا هَرَبْتُ إِلا مِنْ هَذَا.

стр. 111

فَجَاءَتْ أُمُّ حَكِيمٍ عَلَى هَذَا مِنَ الأَمْرِ فَجَعَلَتْ تَقُولُ: يَا ابْنَ عَمِّ! جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَفْضَلِ النَّاسِ وَأَبَرِّ النَّاسِ وَخَيْرِ النَّاسِ لا تُهْلِكْ نَفْسَكَ! وَقَالَتْ: إِنِّي قَدِ اسْتَأْمَنْتُ لَكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَنْتِ فَعَلْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ أَنَا كَلَّمْتُهُ فَأَمَّنَكَ فَرَجَعَ مَعَهَا. قَالَ: وَجَعَلَ عِكْرِمَةُ يَطْلُبُ امْرَأَتِهِ لِيُجَامِعُهَا فَتَأْبَى عَلَيْهِ وَتَقُولُ: إِنَّكَ كَافِرٌ وَأَنَا مُسْلِمَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّ أَمْرًا مَنَعَكِ مِنِّي لأَمْرٌ كَبِيرٌ. فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عِكْرِمَةَ وَثَبَ إِلَيْهِ وَمَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رِدَاءٌ فَرَحًا بِعْكِرِمَةَ. ثُمَّ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَقَفَ عِكْرِمَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ مُتَنَقِّبَةٌ ثُمَّ قَالَ عِكْرِمَةُ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أن لا إله إلا الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَلِّمْنِي خَيْرَ شَيْءٍ أَقُولُهُ فَقَالَ: "تَقُولُ أَشْهَدُ أن لا إله إلا الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ". فَقَالَ عِكْرِمَةُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "تَقُولُ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأُشْهِدُ مَنْ حَضَرَ أَنِّي مُسْلِمٌ مُهَاجِرٌ".فَقَالَ عِكْرِمَةُ ذَلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تَسْأَلْنِي الْيَوْمَ شَيْئًا أُعْطِيهِ أَحَدًا إِلا أَعْطَيْتُكُهُ". فَقَالَ عِكْرِمَةُ: فَإِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِي كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَيْتُكُهَا أَوْ مَسِيرٍ أَوْضَعْتُ فِيهِ أَوْ مَقَامٍ لَقِيتُكَ فِيهِ أَوْ كَلامٍ قُلْتُهُ فِي وَجْهِكَ أَوْ أَنْتَ غَائِبٌ عَنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَانِيهَا وَكُلَّ مَسِيرٍ سَارَ فِيهِ إِلَي مَوْضِعًا يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمَسِيرِ إِطْفَاءَ نُورِكَ وَاغْفِرْ لَهُ كُلَّ مَا نَالَ مِنِّي مِنْ عِرْضٍ فِي وَجْهِي أَوْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهُ". فَقَالَ عِكْرِمَةُ: رَضِيتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لا أَدَعُ نَفَقَةً كُنْتُ أُنْفِقُهَا فِي صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلا أَنْفَقْتُ ضِعْفَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا قتال كُنْتُ أُقَاتِلُ فِي صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلا أَبْلَيْتُ ضِعْفَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أَجْتَهِدُ فِي الْقِتَالِ حَتَّى أُقْتَلَ. قَالَ: فَمَا زَالَ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى قُتِلَ ﵀. وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَرْمُوكِ تَرَجَّلَ عِكْرِمَةُ فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: لا تَفْعَلْ فَإِنَّ مُصَابَكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَدِيدٌ فَقَالَ: دَعْنِي يَا خَالِدُ! فَإِنَّهُ كَانَتْ لَكَ سَابِقَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَاتَلَ قِتَالا شَدِيدًا حَتَّى قُتِلَ فَوُجِدَ بِهِ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ مِنْ بَيْنِ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةِ وَرَمْيَةٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ: اسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ

стр. 112

وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَأَتَوْا بِمَاءٍ وَهُمْ صَرْعَى فَتَدَافَعُوهُ كُلَّمَا دُفِعَ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ قَالَ: اسْقِ فُلانًا حَتَّى مَاتُوا وَلَمْ يَشْرَبُوهُ. قَالَ: طَلَبَ الْمَاءَ عِكْرِمَةُ فَنَظَرَ إِلَى سُهَيْلٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: ادْفَعْهُ إِلَيْهِ فَنَظَرَ إِلَى الْحَارِثِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: ادْفَعْهُ إِلَيْهِ فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ حَتَّى مَاتُوا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

стр. 113

٥٣ – [توبة سهيل بن عمرو والحارث بن هشام ﵄] ويروى عن الحسن قال: حضر الناس باب عمر بن الخطاب ﵁ وفيهم سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن الحارث وأولئك الشيوخ فخرج آذنه فجعل يأذن لأهل بدر لصهيب وبلال وأهل بدر وكان يحبهم وكان قد أوصى بهم. فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم إنه ليؤذن لهؤلاء العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا. فقال سهيل - قال الحسن: ويا له من رجل ما كان أعقله! - أيها القوم قد أرى الذي في وجوهكم فإن كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم دعي القوم ودعيتم فأسرعوا وأبطأتم أما والله لما سبقوكم به من الفضل أشد عليكم فوتا من بابكم هذا الذي تتنافسون عليه أيها القوم! إن هؤلاء قد سبقوكم بما ترون ولا سبيل لكم إلى ما سبقوكم إليه فانظروا هذا الجهاد فالزموه عسى أن يرزقكم الله الشهادة ثم نفض ثوبه فقام فلحق بالشام. وخرج بأهله إلا بنته هندا فماتوا كلهم إلا هندا وفاختة بنت عتبة بن سهيل وقتل سهيل شهيدا باليرموك. فقدم بفاختة على عمر. - وكان الحارث بن هشام خرج بأهله فلم يرجع منهم إلا ولده عبد الرحمن - فقال عمر: زوجوا الشريد الشريدة. وأقطعهما عمر بالمدينة خطة وأوسع لهما فقيل له: أكثرت لهما فقال: عسى الله أن ينشر منهما ولدا كثيرا رجالا ونساء فولد لهما أبو بكر وعمر وعثمان وعكرمة وخالد ومخلد.

стр. 114

فأبو بكر أحد الفقهاء السبعة فقهاء المدينة وكان يدعى: راهب قريش. وروى ابن المبارك عن الأسود بن شيبان عن نوفل بن [أبي] عقرب قال: خرج الحارث بن هشام من مكة فجزع أهل مكة جزعا شديدا فلم يبق أحد يطعم الطعام إلا خرج معه يشيعه حتى إذا كان بأعلى البطحاء أو حيث شاء الله من ذلك وقف ووقف الناس فقال: يا أيها الناس إني والله ما خرجت رغبة بنفسي عن أنفسكم ولا اختيار بلد على بلدكم ولكن كان هذا الأمر فخرجت فيه رجال من قريش والله ما كانوا من ذوي أنسابها ولا في بيوتها فأصبحنا والله ولو أن جبال مكة ذهبا أنفقناها في سبيل الله ما أدركنا يوما من أيامهم والله لئن فاتونا في الدنيا لنلتمس أن نشاركهم في الآخرة فاتقى الله امرؤ فتوجه إلى الشام واتبعه ثقله فيقال: إنه قتل يوم اليرموك ﵀.

стр. 115

٥٤ – [توبة الأنصار ﵃] أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ النَّقُّورِ قَالَ: أنا أَبُو طَالِبٍ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْيُوسُفِيُّ أنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْمُذْهِبِ أنا أبو بكر القطيعي ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ثَنَا أَبِي ثنا عَارِمٌ ثنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ ثنا السَّمِيطُ السَّدُوسِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: فَتَحْنَا مَكَّةَ ثُمَّ إِنَّا غَزَوْنَا حُنَيْنًا فَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ بِأَحْسَنِ صُفُوفٍ رَئِيتُ أَوْ رَأَيْتُ قَالَ: فَلَمْ نَلْبَثْ أَنِ انْكَشَفَتْ خَيْلُنَا وَفَرَّتِ الأَعْرَابُ وَمَنْ تَعْلَمُ مِنَ النَّاسِ. قَالَ: فَنَادَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! يَا لَلأَنْصَارِ! يَا لَلأَنْصَارِ! " قَالَ: قُلْنَا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ مَا أَتَيْنَاهُمْ حَتَّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ. قَالَ: فَقَبَضْنَا ذَلِكَ الْمَالَ قَالَ: فَنَزَلْنَا فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي الرَّجُلَ الْمِائَةَ وَيُعْطِي الرَّجُلَ [المائة] [أحمد ٣/١٥٧] . قَالَ: فَتَحَدَّثَتِ الأَنْصَارُ بَيْنَهَا: أَمَّا مَنْ قَاتَلَهُ فَيُعْطِيهِ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُقَاتِلْهُ فَلا يُعْطِيهِ قَالَ: فَرُفِعَ الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِسَرَاةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "لا يَدْخُلَنَّ عَلَيَّ إِلا أَنْصَارِيٌّ". قَالَ: فَدَخَلْنَا حَتَّى مَلأْنَا الْقُبَّةَ. فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! مَا حَدِيثٌ أَتَانِي؟ " قَالُوا: مَا أَتَاكَ

стр. 116

يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ حَتَّى تُدْخِلُوهُ بُيُوتَكُمْ؟ " قَالُوا: رَضِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَخَذَ النَّاسُ شِعْبًا وَأَخَذَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لأَخَذْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ" قَالُوا: رَضِينَا يا رسول الله. [البخاري ٣١٤٧, مسلم ١٣٦, أحمد ٣/١٥٧ – ١٥٨, الترمذي ٣٩٠١] . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بُنْ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ قَالَ: بَلَغَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الأَنْصَارَ قَدْ قَالَتْ. قَالَ: فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ: "أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضَلالا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ " قَالُوا: بَلَى! قَالَ: "أَلَمْ أَجِدْكُمْ عَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهَ بِي" قَالُوا: بَلَى. قَالَ: "أَلَمْ أَجِدْكُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بِي؟ " قَالُوا: بَلَى. قَالَ: "أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ فَصَدَقْتُمْ جِئْتَنَا طَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنٌّ قَالَ: "وَلَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ: قَدْ جِئْتَنَا مَخْذُولا فَنَصَرْنَاكَ" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنٌّ قَالَ: "وَلَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ: جِئْتَنَا عَائِلا فَآسَيْنَاكَ" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنٌّ. قَالَ: "أَفَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَنْقَلِبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَنْقَلِبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ " قَالُوا: بَلَى رَضِينَا قَالَ: "وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ سَلَكُوا وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهُمْ وَلَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءًا مِنَ الأَنْصَارِ النَّاسُ دِثَارٌ وَالأَنْصَارُ شِعَارٌ".

стр. 117

٥٥ – [توبة أبي محجن الثقفي ﵁] أخبرنا الرئيس العالم الأديب أبو العز محمد بن محمد بن مواهب بن الخراساني قال: أنا أبو غالب محمد بن عبد الواحد القزاز أنا أبو الحسن علي بن عمر البرمكي وأبو الحسين بن النقور قالا: أنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص أنا أبو بكر أحمد بن عبد الله بن سيف أنا أبو عبيدة السري بن يحيى أنا شعيب بن إبراهيم قال: أنبأ سيف بن عمر التميمي عن محمد وطلحة وابن مخراق وزياد قالوا: لما اشتد القتال بالسواد - يعني في القادسية - وكان أبو محجن قد حبس وقيد فهو في القصر فأتى سلمى بنت حفصة امرأة سعد فقال: يا بنت آل

стр. 118

حفصة! هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخلين عني وتعيرينني البلقاء فلله علي إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في قيدي وإن أصبت فما أكثر من أفلت فقالت: ما أنا وذاك؟ فرجع يوسف في قيوده ويقول: كفى حزنا أن تردي الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا علي وثاقيا إذا قمت عناني الحديد وغلقت ... مصاريع دوني قد تصم المناديا وقد كنت ذا مال كثير وإخوة ... فقد تركوني واحداً لا أخاليا ولله عهد لا أخيس بعهده ... لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا فقالت سلمى: إني استخرت الله ورضيت بعهدك. فأطلقته. فاقتاد الفرس فأخرجها من باب القصر فركبها ثم دب عليها حتى إذا كان بحيال الميمنة كبر ثم حمل على ميسرة القوم يلعب برمحه وسلاحه بين الصفين. ثم رجع من خلف المسلمين إلى الميسرة فكبر على ميمنة القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه. ثم رجع خلف المسلمين إلى القلب فبدر أمام الناس فحمل على القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه وكان يقصف الناس ليلتئذ قصفا منكرا وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروه من النهار. فقال بعضهم: أوائل أصحاب هاشم أو هاشم نفسه وقال بعضهم: إن كان الخضر يشهد الحروب فنظن صاحب البلقاء الخضر وقال: بعضهم والله لولا أن الملائكة لا تباشر لقلت: ملك بيننا ولا يذكره الناس ولا يأبهون له لأنه بات في محبسه. وجعل سعد يقول: والله لولا محبس أبي محجن لقلت إن هذا أبو محجن وهذه البلقاء. فلما انتصف الليل تحاجز الناس وتراجع المسلمون وأقبل أبو محجن حتى دخل من حيث خرج فوضع عن نفسه ودابته وأعاد رجليه في قيديه. وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ أبو محجن الثقفي لايزال يُجْلَدُ فِي الْخَمْرِ فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِمْ سَجَنُوهُ وَأَوْثَقُوهُ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْقَادِسِيَّةِ فَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَصَابُوا فِي الْمُسْلِمِينَ.

стр. 119

فَأَرْسَلَ إِلَى أُمِّ وَلَدِ سَعْدٍ أَوِ امْرَأَةِ سَعْدٍ: إِنَّ أَبَا مِحْجَنٍ يَقُولُ لَكِ: إِنْ خَلَّيْتِ سَبِيلَهُ وَحَمَلْتِهُ عَلَى هَذَا الْفَرَسِ وَدَفَعْتِ إِلَيْهِ سِلاحًا لَيَكُونَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَرْجِعُ إِلَيْكَ إِلا أَنْ يُقْتَلَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: كَفَى حَزَنًا أَنْ تَلْتَقِي الْخَيْلُ بِالْقَنَا ... وَأُتْرَكُ مشدودا علي وثاقيا إذا قمت عَنَّانِي الْحَدِيدُ وَغُلِّقَتْ ... مَصَارِيعُ مِنْ دُونِي تُصِمُّ الْمُنَادِيَا فَحَلَّتْ عَنْهُ قُيُودَهُ وَحُمِلَ عَلَى فَرَسٍ كَانَ فِي الدَّارِ وَأُعْطِيَ سِلاحًا. ثُمَّ خَرَجَ يَرْكُضُ حَتَّى لَحِقَ بِالْقَوِم فَجَعَلَ لا يَزَالُ يَحْمِلُ عَلَى رَجُلٍ فَيَقْتُلُهُ وَيَدُقُّ صُلْبَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ سَعْدٌ فَجَعَلَ يَتَعَجَّبُ وَيَقُولُ: مَنْ ذَاكَ الْفَارِسُ؟. قَالَ: فَلَمْ يَلْبَثُوا إِلا يَسِيرًا حَتَّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ وَرَجَعَ أَبُو مِحْجَنٍ وَرَدَّ السِّلاحَ وَجَعَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْقُيُودِ كَمَا كَانَ. فَجَاءَ سَعْدٌ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ؟ فَجَعَلَ يُخْبِرُهَا وَيَقُولُ: لَقِينَا وَلَقِينَا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ رَجُلا عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ لَوْلا أَنِّي تَرَكْتُ أَبَا مِحْجَنٍ فِي الْقُيُودِ لَقُلْتُ: إِنَّهَا بَعْضُ شَمَائِل أَبِي مِحْجَنٍ. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لأَبُو مِحْجَنٍ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ كَذَا وَكَذَا فَقَصَّتْ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ. فَدَعَا بِهِ فَحَلَّ قُيُودَهُ وَقَالَ: لا نَجْلِدُكَ عَلَى الْخَمْرِ أَبَدًا قَالَ أَبُو مِحْجَنٍ: وَأَنَا وَاللَّهِ لا أَشْرَبُهَا أَبَدًا كُنْتَ آنَفُ أَنْ أَدَعَهَا مِنْ أَجْلِ جَلْدِكُمْ. قَالَ: فَلَمْ يَشْرَبْهَا بَعْدَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: قَالَ أَبُو مِحْجَنٍ: قَدْ كُنْتُ أَشْرَبُهَا إِذْ يُقَامُ عَلَيَّ الْحَدُّ وَأَطْهُرُ مِنْهَا فَأَمَّا إِذْ بَهْرَجَتْنِي فَوَاللَّهِ لا أَشْرَبُهَا أَبَدًا. وكان أبو محجن أسلم حين أسلمت ثقيف وسمع من النبي ﷺ وروى عنه واسمه مالك وقيل: عبد الله بن حبيب وقيل: اسمه كنيته.

стр. 120

٥٦ – [توبة طليحة بن خويلد ﵁] أخبرنا أبو منصور جعفر بن عبد الله بن الدامغاني أنا أبو الحسين المبارك بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصَّيْرَفِيُّ أنا أبو منصور بن السواق أنا أبو القاسم إبراهيم بن أحمد الخرقي أنا أبو بكر أحمد بن الحسين بن سفيان أنا أبو جعفر أحمد بن

стр. 121

عبيد بن ناصح أنا محمد بن [عمر] الواقدي وذكر أمر طليحة بن خويلد حين تنبأ وقتاله إلى أن كسر عسكره. قال: فحدثني موسى بن محمد إبراهيم التميمي عن أبيه قال: لما رأى طليحة أن الناس يقتلون ويؤسرون أعد فرسه وهيأ امرأته عنده فوثب على فرسه وحمل امرأته فنجا بها وقال: من استطاع منكم أن يفعل كما فعلت فليفعل. ثم هرب حتى قدم الشام فأقام عند بني جفنة الغسانيين حتى فتح الله أجنادين وتوفي أبو بكر. فقدم في خلافة عمر مكة محرما فلما رآه عمر قال: يا طليحة! لا أحبك بعد قتلك الرجلين الصالحين: عكاشة وثابت بن أقرم - وكان قتلهما هو وأخوه - قال: يا أمير المؤمنين! رجلان أكرمهما الله بيدي ولم يهني بأيديهما وما كل البيوت بنيت على الحب ولكن صفحة جميلة فإن الناس يتصافحون على الشنآن. وأسلم إسلاما صحيحا ولم يغمص عليه في إسلامه. وقال: يعتذر ويذكر ما كان منه: ندمت على ما كان من قتل ثابت ... وعكاشة الغنمي ثم ابن معبد وأعظم من هاتين عندي مصيبة ... رجوعي عن الإسلام فعل التعمد وتركي بلادي والحوادث جمة ... طريدا وقدماً كنت غير مطرد فهل يقبل الصديق أني مراجع ... ومعط بما أحدثت من حدث يدي وأني من بعد الضلالة شاهد ... شهادة حق لست فيها بملحد بان إله الناس ربي وأنني ... ذليل وأن الدين دين محمد قال الواقدي: وحدثني محمد بن يعقوب أن طليحة خرج غازيا هو وأصحابه يريدون الروم فركبوا البحر فبينما هم ملججين فيه إذ ناداهم قادس من تلك القوادس فيه ناس من الروم فقالوا لهم: إن شئتم أن تقفوا لنا حتى نثب في سفينتكم وإن شئتم وقفنا لكم حتى تثبوا علينا في سفينتنا. قال طليحة لأصحابه: ما يقولون؟ فأخبروه فقال طليحة: لأضربنكم بسيفي ما استمسك في يدي أو لتقربن سفينتنا إليهم قال: فدنا القوم بعضهم من بعض. قال طليحة لأصحابه: اقذفوني في سفينتهم فرموا به في سفينتهم فغشيهم

стр. 122

بسيفه حتى تطايروا منه فغرق من غرق واستسلم من استسلم فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأعجبه. وذكر سيف بن عمر عن أبي عمرو عن أبي عثمان النهدي قال: أخرج سعد طليحة في خمسة وعمرو بن معدي كرب في خمسة - يعني عيونا له - صبيحة قدم رستم الجالينوس وذا الحاجب فرجع عمرو وأصحابه وأصحاب طليحة لما رأوا كثرة عدوهم. ومضى طليحة حتى دخل عسكر رستم وبات فيه يجوسه فلما أدبر الليل خرج وقد أتى أفضل من توسم في ناحية العسكر فإذا فرس لم ير في خيل القوم مثله وفسطاط أبيض لم ير مثله فانتضى سيفه فقطع مقود الفرس فركبه وخرج يعدو به. ونذر به الرجل والقوم فركبوا الصعبة والذلول في طلبه فأصبح وقد لحقه فارس فلما غشيه وبوأ له الرمح ليطعنه عدل طليحة فرسه فندر الفارسي بين يديه فكر عليه طليحة فقصم ظهره بالرمح ثم لحقه آخر ففعل به مثل ذلك ثم لحق به آخر ففعل به مثل ذلك فلما كر عليه طليحة عرف أنه قاتله فاستأسر فأمره طليحة أن يركض بين يديه ففعل حتى غشيا عسكر المسلمين وهم على تعبئة فأفزع الناس وجوزوه إلى سعد فأخبره بما صنع. وجيء بالترجمان فأقيم بين يدي سعد والفارسي. فقال الفارسي: أخبركم عن صاحبي هذا قبل أن أخبركم عما قبلي باشرت الحروب وغشيتها وسمعت بالأبطال ولقيتها منذ أنا غلام إلى أن بلغت ما ترى فلم أسمع بمثل هذا أن رجلا قطع عسكرين لا تجترىء عليهما الأبطال إلى عسكر فيه سبعون ألفا يخدم الرجل منهم الخمسة والعشرة إلى ما دون ذلك فلم يرض أن يخرج كما دخل حتى سلب فارس الجند وهتك أطناب بيته فأنذره وأنذرنا به فأدركه فارس الناس يعدل بألف فارس فقتله ثم أدركه الثاني وهو نظيره فقتله ثم أدركته ولا أظنني خلفت بعدي من يعدلني وأنا الثائر بالقتيلين وهما ابنا عمي فرأيت الموت فاستأسرت. ثم أخبره عن أهل فارس أن الجند عشرون ومائة ألف وأسلم الرجل. وعاد طليحة وقال: والله لا تغلبون ما دمتم على ما أرى من الوفاء والصدق والإصلاح فكان من أهل البلاء يومئذ.

стр. 123

ذكر التوابين من ملوك هذه الأمة ٥٧ – [توبة ذي الكلاع] ذكر محمد بن أحمد بن البراء في كتاب الروضة أنا محمد بن الرصافي ثنا سليمان بن معبد ثنا سعيد بن عفير المصري ثنا علوان بن داود عن رجل من قومه قال: بعثني أهلي في الجاهلية إلى ذي الكلاع بهدية فأقمت ببابه سنة لا أصل إليه ثم اطلع اطلاعة من قصره فلم يبق حول قصره أحد إلا خر له ساجدا ثم أمر بهديته فقبلت ثم رأيته في الإسلام قد اشترى لحما بدرهم وهو على فرس قد سمط اللحم على فرسه وهو يقول: أف للدنيا إذا كانت كذا ... كل يوم أنا منها في أذى ولقد كنت إذا ما قيل: من ... أنعم الناس معاشا قيل: ذا ثم بدلت بعيشي شقوة ... حبذا هذا شقاء حبذا وَرَوَى ابْنُ دُرَيْدٍ عَنِ الرِّيَاشِيِّ عَنِ الأَصْمَعِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَاتَبَ ذَا الْكَلاعِ مِنْ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ عَلَى يَدِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلامِ وَكَانَ قَدِ اسْتَعْلَى أَمْرُهُ حَتَّى ادَّعَى الرَّبُوبِيَّةَ وَأُطِيعَ حَتَّى مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ عَوْدَةِ جَرِيرٍ. وَأَقَامَ ذُو الْكَلاعِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إِلَى أَيَّامِ عُمَرَ ثُمَّ رَغِبَ فِي الإِسْلامِ فَوَفَدَ عَلَى عُمَرَ وَمَعَهُ ثَمَانِيَةُ آلافِ عَبْدٍ فَأَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ وَأَعْتَقَ مِنْ عَبِيدِهِ أَرْبَعَةَ

стр. 124

آلافٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا ذَا الْكَلاعِ! بِعْنِي مَا بَقِيَ مِنْ عَبِيدِكَ حَتَّى أُعْطِيَكَ ثُلُثَ أثمانهم هاهنا وَثُلُثًا بِالْيَمَنِ وَثُلُثًا بِالشَّامِ قَالَ: أَجِّلْنِي يَوْمِي هَذَا أُفَكِّرُ فِيمَا قُلْتَ. وَمَضَى إِلَى مَنْزِلِهِ فَأَعْتَقَهُمْ جَمِيعًا فَلَمَّا غَدَا عَلَى عُمَرَ قَالَ لَهُ: مَا رَأْيُكَ فِيمَا قُلْتُ لَكَ فِي عَبِيدِكَ؟ قَالَ: قَدِ اخْتَارَ اللَّهُ لِي وَلَهُمْ خَيْرًا مِمَّا رَأَيْتَ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: هُمْ أَحْرَارٌ لِوَجْهِ اللَّهِ قَالَ: قَدْ أَصَبْتَ وَاللَّهِ يَا ذَا الْكَلاعِ. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لِي ذَنْبٌ مَا أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُهُ لِي قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَوَارَيْتُ عَمَّنْ يَتَعَبَّدُ لِي ثُمَّ أَشْرَفْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكَانٍ عَالٍ فَسَجَدَ لِي زُهَاءُ مِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ فَقَالَ عُمَرُ: التَّوْبَةُ بِالإِخْلاصِ وَالإِنَابَةُ بِالإِقْلاعِ يُرْجَى بِهِمَا مَعَ رَأْفَةِ اللَّهِ الْغُفْرَانُ قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] .

стр. 125

٥٨ – [توبة أمير وتاجر] أخبرنا الشيخ أبو الفرج أنا أبو القاسم هبة الله بن أحمد قال: أنا أبو بكر محمد بن علي الخياط أنا أحمد بن محمد بن العلاف ثنا الحسين بن صفوان ثنا أبو بكر القرشي حدثني محمد بن الحسين أخبرني أبو عمر العمري حدثني عبيد الله بن صدقة بن مرداس البكري عن أبيه قال: نظرت إلى ثلاثة أقبر على شرف من الأرض مما يلي بلاد أنطاكية فإذا على أحدها مكتوب: وكيف يلذ العيش من هو عالم ... بأن إله الخلق لا بد سائله فيأخذ منه ظلمه لعباده ... ويجزيه بالخير الذي هو فاعله وإذا على القبر الثاني: وكيف يلذ العيش من كان موقنا ... بأن المنايا بغتة ستعاجله فتسلبه ملكا عظيما ونخوة ... وتسكنه البيت الذي هو آهله وإذا على القبر الثالث إلى جنبهما: وكيف يلذ العيش من كان صائرا ... إلى جدث تبلي الشباب مناهله ويذهب رسم الوجه من بعد صونه ... سريعا ويبلى جسمه ومفاصله وإذا هي قبور مسنمة على قدر واحد مصطفة.

стр. 126

فقلت لشيخ جلست إليه: لقد رأيت في قريتكم عجبا قال: وما رأيت؟ فقصصت عليه قصة القبور قال: فحديثهم أعجب مما رأيت على قبورهم. قال: فقلت: حدثني. قال: كانوا ثلاثة إخوة أمير يصحب السلطان ويؤمر على المدائن والجيوش وتاجر موسر مطاع في خاصته وزاهد قد تخلى لنفسه وتفرد لعبادته. قال: فحضرت أخاهم العابد الوفاة فاجتمع عنده أخواه وكان الذي يصحب السلطان منهم قد ولي بلادنا هذه أمره عليها عبد الملك بن مروان وكان ظالما غشوما متعسفا فاجتمعا عند أخيهما لما احتضر فقالا له: أوص قال: لا والله ما لي من مال فأوصي فيه ولا لي على أحد دين فأوصي به ولا أخلف من الدنيا شيئا فأسلبه. فقال له: أخوه ذو السلطان: أي أخي! قل لي ما بدا لك فهذا مالي بين يديك فأوص منه بما أحببت وأنفذ منه ما بدا لك واعهد إلي بما شئت قال: فسكت عنه. فقال: أخوه التاجر: أي أخي! قد عرفت مكسبي وكثرة مالي فلعل في قلبك غصة من الخير لم تكن تبلغها إلا بالإنفاق فيها فهذا مالي بين يديك فاحتكم فيه فما أحببت ينفذ لك أخوك. فأقبل عليهما فقال: لا حاجة لي في مالكما ولكني سأعهد إلكما عهدا فلا تخالفا عهدي قالا: اعهد قال: إذا مت فغسلاني وكفناني وادفناني على نشز من الأرض واكتبا على قبري: وكيف يلذ العيش من هو عالم ... بأن إله الخلق لا بد سائله فيأخذ منه ظلمه لعباد ... ويجزيه بالخير الذي هو فاعله فإذا أنتما فعلتما ذلك فأتياني كل يوم مرة لعلكما أن تتعظا. قال: ففعلا ذلك لما مات قال: وكان أخوه يركب في جنده حتى يقف على القبر فينزل فيقرأ ما عليه ويبكي. فلما كان في اليوم الثالث جاء كما كان يجيء مع الجند فنزل فبكى كما كان يبكي فلما أراد أن ينصرف سمع هدة من داخل القبر كاد ينصدع لها قلبه فانصرف مذعوراً فزعا. ً فلما كان الليل رأى أخاه في منامه فقال: أي أخي! ما الذي سمعت من قبرك؟ قال: تلك هدة المقمعة قيل لي: رأيت مظلوما فلم تنصره.

стр. 127

قال: فأصبح مهموما فدعا أخاه وخاصته وقال: ما أرى أخي أراد بما أوصانا أن نكتب على قبره غيري وإني أشهدكم أني لا أقيم بين ظهرانيكم أبدا قال: فترك الإمارة ولزم العبادة وكتب إلى عبد الملك بن مروان في ذلك فكتب أن خلوه وما أراد. فكان إنما يأوي الجبال والبراري حتى حضرته الوفاة في هذا الجبل وهو مع بعض الرعاة فبلغ ذلك أخاه فأتاه فقال: أي أخي! ألا توصي قال: بم أوصي؟ ما لي من مال فأوصي به ولكن أعهد إليك عهدا إذا أنا مت فبوأتني قبري فادفني إلى جنب أخي واكتب على قبري: وكيف يلذ العيش من كان موقنا ... بأن المنايا بغتة ستعاجله فتسلبه ملكا عظيما ونخوة ... وتسكنه القبر الذي هو آهله ثم تعاهدني ثلاثا فادع لي لعل الله أن يرحمني. قال: فمات ففعل به أخوه ذلك فلما كان اليوم الثالث من إتيانه إياه فدعا له وبكى عند قبره فلما أراد أن ينصرف سمع وجبة من القبر كادت تذهل عقله فرجع متقلقلا. فلما كان من الليل إذا بأخيه في منامه قد أتاه قال ذلك الرجل: فلما رأيت أخي وثبت إليه فقلت: أي أخي! أتيتنا زائرا؟ قال: هيهات أخي! بعد المزار واطمأنت بنا الديار قلت: أي أخي! كيف أنت؟ قال: بخير ما أجمع التوبة لكل خير! قال: قلت: فكيف أخي؟ قال: ذلك مع الأئمة الأبرار قال: قلت: فما أمرنا قبلكم؟ قال: من قدم شيئا من الدنيا والآخرة وجده فاغتنم وجدك قبل فقرك. قال: فأصبح أخوه معتزلا للدنيا قد انخلع منها ففرق ماله وقسم رباعه وأقبل على طاعة الله تعالى قال: ونشأ له ابن كأهيأ الشباب وجها وجمالا فأقبل على التجارة حتى بلغ منها وحضرت أباه الوفاة فقال له ابنه: يا أبت ألا توص؟ قال: والله يا بني! ما لأبيك مال فيوصي فيه ولكني أعهد إليك عهدا إذا أنا مت فادفني مع عمومتك واكتب على قبري هذين البيتين: وكيف يلذ العيش من هو صائر ... إلى جدث تبلي الشباب منازله ويذهب رسم الوجه من بعد صونه ... سريعا ويبلى جسمه ومفاصله فإذا فعلت ذلك فتعاهدني بنفسي ثلاثا فادع لي.

стр. 128

ففعل الفتى ذلك فلما كان اليوم الثالث سمع من القبر صوتا اقشعر له جلده وتغير له لونه فرجع منه محموما إلى أهله. فلما كان من الليل أتاه أبوه في منامه فقال له: أي بني! أنت عندنا عن قليل والأمر بآخره والموت أقرب من ذلك فاستعد لسفرك وتأهب لرحيلك وحول جهازك من المنزل الذي أنت عنه ظاعن إلى المنزل الذي أنت فيه مقيم ولا تغتر بما اغتر به المبطلون قبلك من طول آمالهم فقصروا عن أمر معادهم فندموا عند الموت أشد الندامة وأسفوا على تضييع العمر أشد الأسف فلا الندامة عند الموت تنفعهم ولا الأسف على التقصير أنقذهم من شر ما وافى به المغبونون مليكهم يوم القيامة أي بني فبادر ثم بادر ثم بادر. قال عبيد الله بن صدقة: قال الشيخ الذي حدثني بهذا الحديث: فدخلت على هذا الفتى صبيحة ليلته من هذه الرؤيا فقصها علينا وقال: ما أرى الأمر إلا كما قال: أبي ولا أرى الموت إلا قد أظلني قال: فجعل يفرق ماله ويقضي ما عليه من الدين ويستحل خلطاءه ومعامليه ويحللهم ويسلم عليهم ويودعهم ويودعونه كهيئة رجل قد أنذر بأمر فهو يتوقعه. وكان يقول: قال أبي: فبادر ثم بادر ثم بادر فهذه ثلاث فهي ثلاث ساعات قد مضت فليست بها أو ثلاثة أيام وأنى لي بها أو ثلاثة أشهر وما أراني أدركها أو ثلاث سنين فهو أكثر من ذلك وما أحب أن يكون ذلك كذلك. قال: فلم يزل يعطي ويقسم ويتصدق ثلاثة أيام حتى إذا كان في آخر اليوم الثالث من صبيحة هذه الرؤيا دعا أهله وولده فودعهم وسلم عليهم ثم استقبل القبلة فمدد نفسه وأغمض عينيه وتشهد شهادة الحق ثم مات رحمه الله تعالى. قال: فمكث الناس حينا ينتابون قبره من الأمصار فيصلون عليه.

стр. 129

٥٩ – [توبة ملك من ملوك البصرة] وأنبأنا المبارك بن علي أنا هبة الله بن أحمد الجريري أنا أبو طالب العشاري أنا محمد بن عبد الله الدقاق أنا الحسن بن صفوان قال: أنا ابن أبي الدنيا قال: حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني سليمان بن أيوب قال: سمعت عباد بن عباد المهلبي يقول:

стр. 130

إن ملكا من ملوك أهل البصرة تنسك ثم مال إلى الدنيا والسلطان فبنى دارا وشيدها وأمر بها ففرشت له ونجدت واتخذ مائدة وصنع طعاما ودعا الناس فجعلوا يدخلون عليه ويأكلون ويشربون وينظرون إلى بنيانه ويعجبون من ذلك ويدعون له ويتفرقون. قال: فمكث بذلك أياما حتى فرغ من أمر الناس ثم جلس ونفر من خاصة إخوانه فقال: قد ترون سروري بداري هذه وقد حدثت نفسي أن أتخذ لكل واحد من ولدي مثلها فأقيموا عندي أياما أستمتع بحديثكم وأشاوركم فيما أريد من هذا البناء لولدي. فأقاموا عنده أياما يلهون ويلعبون ويشاورهم كيف يبني لولده وكيف يريد أن يصنع فبينا هم ذات ليلة في لهوهم ذلك إذ سمعوا قائلا من أقاصي الدار: يا أيها الباني والناسي منيته ... لا تأملن فإن الموت مكتوب على الخلائق إن سروا وإن فرحوا ... فالموت حتف لذي الآمال منصوب لا تبنين ديارا لست تسكنها ... وراجع النسك كيما يغفر الحوب قال: ففزع لذلك وفزع أصحابه فزعا شديدا وراعهم ما سمعوا من ذلك. فقال: لأصحابه: هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم قال: فهل تجدون ما أجد؟ قالوا: وما تجد؟ قال: أجد والله مسكة على فؤادي وما أراها إلا علة الموت قالوا: كلا بل البقاء والعافية. قال: فبكى ثم أقبل عليهم فقال: أنتم أخلائي وإخواني فماذا لي عندكم؟ قالوا: مرنا بما أحببت من أمرك قال: فأمر بالشراب فأهريق ثم أمر بالملاهي فأخرجت ثم قال: اللهم! إني أشهدك ومن حضرني من عبادك أني تائب إليك من جميع ذنوبي نادم على ما فرطت في أيام مهلتي وإياك أسأل إن أقلتني أن تتم نعمتك علي بالإنابة إلى طاعتك وإن أنت قبضتني إليك أن تغفر لي ذنوبي تفضلا منك علي. واشتد به الألم فلم يزل يقول: الموت والله! الموت والله! حتى خرجت نفسه فكان الفقهاء يرون أنه مات على توبة.

стр. 131

٦٠ – [توبة ملك من ملوك البصرة وجاريته] وروي عن مالك بن دينار ﵀ أنه كان يوما ماشيا في أزقة البصرة فإذا هو بجارية من جواري الملوك راكبة ومعها الخدم فلما رآها مالك نادى أيتها الجارية! أيبيعك مولاك! قالت: كيف قلت يا شيخ؟ قال: أيبيعك مولاك؟ قالت: ولو باعني كان مثلك يشتريني؟ قال: نعم وخيرا منك. فضحكت وأمرت أن يحمل إلى دارها فحمل فدخلت إلى مولاها فأخبرته فضحك وأمر أن يدخل إليه فدخل فألقيت له الهيبة في قلب السيد فقال: ما حاجتك؟ قال: بعني جاريتك قال: أو تطيق أداء ثمنها؟. قال: فثمنها عندي نواتان مسوستان فضحكوا وقالوا: كيف كان ثمنها عندك هذا؟. قال: لكثرة عيوبها قالوا: وما عيوبها؟. قال: إن لم تتعطر زفرت وإن لم تستك بخرت وإن لم تمتشط وتدهن قملت وشعثت وإن تعمر عن قليل هرمت ذات حيض وبول وأقذار جمة ولعلها لا تودك إلا لنفسها ولا تحبك إلا لشغفها بك لا تفي بعهدك ولا تصدق في ودك ولا يخلف عليها أحد من بعدك إلا رأته مثلك وأنا آخذ بدون ما سألت في جاريتك من الثمن جارية خلقت من سلالة الكافور لو مزج بريقها أجاج لطاب ولو دعي بكلامها ميت لأجاب ولو بدا معصمها للشمس لأظلمت دونه ولو بدا في الليل لسطع نوره ولو واجهت الآفاق بحليها وحللها لتزخرفت نشأت بين رياض المسك والزعفران وقصرت في أكنان النعيم وغذيت بماء التسنيم فلا تخلف عهدها ولا يثبدل ودها فأيهما أحق برفعة الثمن؟. قال: التي وصفت. قال: فإنها الموجودة الثمن القريبة المخطب. قال: فما ثمنها رحمك الله؟. قال: اليسير المبذول أن تفرغ ساعة في ليلك فتصلي ركعتين تخلصهما لربك وأن يوضع طعامك فتذكر جائعك فتؤثر الله على شهوتك وأن ترفع عن الطريق حجرا أو قذرا وأن تقطع أيامك با لبلغة وترفع همتك عن دار الغفلة

стр. 132

فتعيش في الدنيا بعز القنوع وتأتي غدا إلى موقف الكرامة آمنا وتنزل غدا في الجنة مخلدا. فقال الرجل: يا جارية! أسمعت ما قال: شيخنا هذا؟ قالت: نعم قال: أفصدق أم كذب؟ قالت: بل صدق وبر ونصح. قال: فأنت إذا حرة لوجه الله وضيعة كذا وكذا صدقة عليك وأنتم أيها الخدام أحرار وضيعة كذا وكذا لكم وهذه الدار بما فيها صدقة مع جميع مالي في سبيل الله ثم مد يده إلى ستر خشن كان على بعض أبوابه فاجتذبه وخلع جميع ما كان عليه واستتر به. قالت الجارية: لا عيش لي بعدك يا مولاي! فرمت بكسوتها ولبست ثوبا خشنا وخرجت معه فودعهما مالك ودعا لهما وأخذ طريقا وأخذا غيره. فتعبدا جميعا حتى جاء الموت فنقلهما على حال العبادة - رحمة الله عليهما.

стр. 133

٦١ – [توبة أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان] أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقي قال: أنا محمد بن أبي نصر الحميدي قال: أنا الخضر بن ميمون البابي أنا أبو بكر أحمد بن عمر البزاز أنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز ثنا علي بن الحسن بن الربيع ثنا أبو علي الحسن بن يزيد الدقاق عن يعقوب بن إسحاق قال: سمعت إبراهيم بن الجنيد قال: نا مموس القطان ثنا أحمد بن محمد ثنا أبو علي ثنا محمد بن علي الزعفراني قال: سمعت أحمد بن رياح الكاتب يحكي عن الهيثم بن عدي عن مروان بن محمد قال: دخلت عزة صاحبة كثير على أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر فقالت: لها يا عزة! ما معنى قول كثير: قضى كل ذي دين علمت غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها ما هذا الدين الذي يذكره؟ قالت: اعفيني قالت: لا بد من إعلامك إياي فقالت: عزة كنت وعدته قبلة فأتاني لينتجزها فتحرجت عليه ولم أف له. فقالت لها أم البنين: أنجزيها منه وعلي إثمها.

стр. 134

ثم راجعت نفسها فاستغفرت الله وأعتقت لكلمتها هذه أربعين رقبة. وكانت إذا ذكرت ذلك بكت حتى تبل خمارها وتقول: يا ليتني خرس لساني عندما تكلمت بها! وتعبدت عبادة ذكرت بها في عصرها من شدة اجتهادها فرفضت فراش المملكة تحيي ليلها. وكانت كل جمعة تحمل على فرس في سبيل الله وكانت تبعث إلى نسوة عابدات يجتمعن عندها ويتحدثن فتقول: أحب حديثكن فإذا قمت إلى صلاتي لهوت عنكن. وكانت تقول: البخيل كل البخيل من بخل على نفسه بالجنة وكانت تقول: جعل لكل إنسان نهمة في شيء وجعلت نهمتي في البذل والإعطاء والله للعطية والصلة والمواصلة في الله أحب إلي من الطعام الطيب على الجوع والشراب البارد على الظمأ وهل ينال الخير إلا بالاصطناع؟. وكانت على مذهب جميل حتى توفيت رحمها الله تعالى.

стр. 135

٦٢ – [توبة غضيض أمة هشام بن عبد الملك] قال مموس: وحدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ثنا القاسم بن جعفر ثنا علي بن حجر الواسطي قال: حدثني عيسى بن الفضل بن موسى أنه سمع إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن الهاشمي عن أبيه عن سليمان بن خالد: أن هشام بن عبد الملك ذكرت له ربيبة لبعض عجائز الكوفة موصوفة مشهورة ببارع الجمال فائقة الحسن والكمال قارئة لكتاب الله راوية للأشعار مع عقل وأدب فأمر أن يبرد إلى والي الكوفة أن تبتاع له بحكم مولاتها ويعجل حملها إليه وبعث في ذلك خادما. فلما ورد الكتاب على الوالي بعث إلى العجوز فابتاع منها الربيبة بمائتي ألف درهم وحديقة نخل تستغل منها كل سنة خمسمائة مثقال. وجهز الجارية وحملها إلى هشام وفرغ لها مقصورة مفردة أنزلها فيها مع وصائف وأمر لها بأنواع اللباس وفاخر الحلي والفرش. فبينا هو ذات يوم قد خلا بها في مستشرف قد أعدت فيه الفرش والطيب فتذاكرا فيه طرائف الأخبار وبلاغة الآثار فازداد بها سرورا واجتمعت مسرته,

стр. 136

فإذا صوارخ فاستشرف هشام فإذا بجنازة معها فئام من الناس ووراء الجنازة نسوة صارخات ونادبة فيما بينهن تقول: بأبي المحمول على الأعواد المنطلق به إلى الأموات المخلى في قبره فريدا والمكون في لحده غريبا ليت شعري أيها المنقول! أنت ممن يناشد حملته؟ أسرعوا بي! أم أنت ممن يناشدهم: ارجعوا بي! إلى م تقدموني؟. قال: فأهملت عينا هشام دموعا فلها عن لذته وجعل يقول: كفى بالموت واعظا فقالت غضيض: قد قطعت نياط قلبي هذه النادبة. قال هشام: الأمر جد فنادى الخادم فنزل عن مستشرفه فمضى. فأغفت غضيض في مجلسها فأتاها آت في منامها وقال لها: أنت المفتنة بجمالك والملهية بدلالك! كيف أنت إذا نقر في الناقور وبعثرت القبور وخرجوا منها إلى النشور وقوبلوا بالأعمال التي قدموها؟. فاستيقظت مرتاعة وراحت من شرابها فنادت بعض وصائفها ودعت بماء فاغتسلت وألقت عنها لباسها وحليها وتدرعت بمدرعة صوف وحزمت وسطها بخيط وتناولت عصا وألقت في عنقها جرابا. واقتحمت مجلس هشام فلما رآها أنكرها فنادت: أنا غضيض أمتك أتاني النذير فقرع مسامعي وعيده وقد قضيت مني وطرا وقد أتيتك لتعتقني من رق الدنيا. فقال هشام: شتان ما بين الطربين وأنت في طربك اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى قال: أي موضع تقصدين؟ قالت: أؤم بيت الله الحرام قال: انطلقي فلا سبيل لأحد عليك. فخرجت من دار الخلافة زاهدة في الدنيا راغبة في الآخرة سائحة على وجهها حتى بلغت مكة وأقامت مجاورة صائمة قائمة تعود على نفسها بالغزل في قوتها فإذا أمست طافت ثم تدخل الحجر وتقول: يا ذخري أنت عدتي لا تقطع رجائي وأنلني مناي وأحسن منقلبي وأجزل عطائي. فلم تزل في الاجتهاد حتى غير مر الجديدين الليل والنهار بشرتها وطول القيام جسمها وكثرة البكاء عينيها وأقرح المغزل بنانها حتى توفيت - رحمة الله عليها - على ذلك.

стр. 137

٦٣ – [توبة الأمير حميد بن جابر] أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقي أنا أحمد بن أحمد أنا أحمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثني إبراهيم بن نصر أنا جعفر بن محمد بن نصير قال: حدثني إبراهيم بن بشار قال: كنت يوما مارا مع إبراهيم - يعني بن أدهم - في صحراء فأتينا على قبر مسنم فترحم عليه وبكى فقلت قبر من هذا فقال: هذا؟ قبر حميد بن جابر أمير هذه المدن كلها كان غرقا في بحار الدنيا فأخرجه الله تعالى منها واستنقذه. ولقد بلغني أنه سر يوما بشيء من ملاهي ملكه ودنياه وغروره وفتنته ثم نام في مجلسه ذلك مع من يخصه من أهله فرأى في منامه رجلا واقفا على رأسه بيده كتاب فناوله ففتحه فإذا فيه كتاب بالذهب مكتوب: لا تؤثرن فانيا على باق ولا تغترن بملكك وقدرتك وسلطانك وخدمك وعبيدك ولذاتك وشهواتك فإن الذي أنت فيه جسيم لولا أنه عديم وهو ملك لولا أن بعده هلك وهو فرح وسرور لولا أنه لهو وغرور وهو يوم لو كان يوثق له بغد فسارع إلى أمر الله تعالى فإن الله تعالى قال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] . قال: فانتبه فزعا وقال: هذا تنبيه من الله – وموعظة. فخرج من ملكه لا يعلم به وقصد هذا الجبل فتعبد فيه فلما بلغني قصته وحدثت بأمره قصدته فسألته فحدثني ببدء أمره وحدثته ببدء أمري فما زلت أقصده حتى مات ودفن هاهنا فهذا قبره ﵀.

стр. 138

٦٤ – [توبة إبراهيم بن أدهم] أخبرنا محمد أنا أحمد ثنا إبراهيم بن عبد الله بن إسحاق ثنا محمد بن إسحاق السراج قال: سمعت إبراهيم بن بشار خادم إبراهيم بن أدهم يقول -: قلت: يا أبا إسحاق! كيف كان أوائل أمرك؟ قال: كان أبي من أهل "بلخ" - وكان من ملوك خراسان - وحبب إلينا الصيد فخرجت راكبا فرسي وكلبي معي فبينما أنا كذلك ثار أرنب أو ثعلب فحركت فرسي فسمعت نداء من

стр. 139

ورائي: ليس لذا خلقت ولا بذا أمرت! فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أر أحدا فقلت: لعن الله إبليس! ثم حركت فرسي فأسمع نداء أجهر من ذلك يا إبراهيم ليس لذا خلقت ولا بذا أمرت! فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلا أرى أحدا فقلت: لعن الله إبليس! ثم حركت فرسي فأسمع نداء من قربوس سرجي: يا إبراهيم! ما لذا خلقت ولا بذا أمرت! فوقفت. فقلت: أنبهت أنبهت جاءني نذير من رب العالمين والله لا عصيت الله بعد يومي هذا ما عصمني ربي. فرجعت إلى أهلي ثم جئت إلى أحد رعاة أبي فأخذت منه جبة وكساء وألقيت ثيابي إليه ثم أقبلت إلى العراق أرض ترفعني وأرض تضعني حتى وصلت إلى العراق فعملت بها أياما فلم يصف لي منها - يعني الحلال - فسألت بعض المشايخ فقال لي: إذا أردت الحلال فعليك ببلاد الشام. فصرت إلى بلاد الشام فسرت إلى مدينة يقال لها: المنصورة وهي المصيصة فعملت بها أياما فلم يصف لي شيء من الحلال فسألت بعض المشايخ فقالوا لي: إن أردت الحلال الصافي فعليك بطرسوس فإن فيها المباحات والعمل الكثير. فتوجهت إلى طرسوس فعملت بها أياما أنظر البساتين وأحصد الحصاد فبينا أنا قاعد على باب البحر جاءني رجل فاكتراني أنظر له بستانه فكنت في البستان أياما كثيرة فإذا أنا بخادم قد أقبل ومعه أصحابه فقعد في مجلسه ثم صاح: يا ناطور! فقلت: هو ذا أنا فقال: اذهب فأتنا بأكبر رمان تقدر عليه وأطيبه فذهبت فأتيته بأكبر رمان فأخذ الخادم رمانة فكسرها فوجدها حامضة فقال: يا ناطور أنت في بستاننا منذ كذا وكذا تأكل فاكهتنا وتأكل رماننا ولا تعرف الحلو من الحامض؟. قال إبراهيم: قلت: والله ما أكلت من فاكهتك شيئا ولا أعرف الحلو من الحامض فأشار الخادم إلى أصحابه فقال: أما تسمعون كلام هذا؟ أتراك لو أنك إبراهيم بن أدهم ما زاد على هذا!؟ فانصرف فلما كان من الغد ذكر صفتي في المسجد فعرفني بعض الناس فجاء الخادم ومعه عنق من الناس فلما رأيته قد أقبل مع الناس اختفيت خلف الشجر والناس داخلون فاختلطت معهم وهم داخلون وأنا خارج هارب. فهذا كان أوائل أمري وخروجي من طرطوس إلى بلاد الرمال.

стр. 140

[إبراهيم بن أدهم والشيخ الحاج] أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ النقور قال: أنا أبو القاسم علي بن أحمد بن بيان أنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ بِشْرَانَ أنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجري ثنا أبو الفضل العباس بن يوسف الشكلي قال: ثنا إبراهيم بن زياد المقرىء ثنا عبد الله بن الفرج قال: حدثني إبراهيم بن أدهم بابتدائه كيف كان قال: كنت يوما في مجلس لي له منظرة إلى الطريق فإذا أنا بشيخ عليه أطمار وكان يوما حاراً فجلس في فيىء القصر ليستريح. فقلت للخادم: اخرج إلى هذا الشيخ فأقرئه مني السلام وسله أن يدخل إلينا فقد أخذ بمجامع قلبي فخرج إليه فقام معه فدخل إلي فسلم فرددت ﵇ واستبشرت بدخوله وأجلسته إلى جنبي وعرضت عليه الطعام فأبى أن يأكل فقلت له: من أين أقبلت؟ فقال: من وراء النهر فقلت: أين تريد؟ قال: الحج إن شاء الله تعالى قال: وكان ذلك في أول يوم من العشر أو الثاني فقلت في هذا الوقت؟ فقال: بل يفعل الله ما يشاء. فقلت: الصحبة فقال: إن أحببت ذلك حتى إذا كان الليل قال: لي قم فلبست ما يصلح للسفر وأخذ بيدي. وخرجنا من "بلخ" فمررنا بقرية لنا فلقيني رجل من الفلاحين فأوصيته ببعض ما أحتاج إليه فقدم إلينا خبزا وبيضا وسألنا أن نأكل فأكلنا وجاء بماء فشربنا. وقال لي: بسم الله قم فأخذ بيدي فجعلنا نسير وأنا أنظر إلى الأرض تجذب من تحتنا كأنها الموج. فمررنا بمدينة بعد مدينة فجعل يقول: هذه مدينة كذا هذه مدينة كذا هذه "الكوفة" ثم قال: الموعد هاهنا في مكانك هذا في الوقت من الليل حتى إذا كان الوقت إذا به قد أقبل فأخذ بيدي وقال: بسم الله قال: فجعل يقول: هذا منزل كذا هذا منزل كذا وهذه "فيد" وهذه المدينة وأنا أنظر إلى الأرض تجذب من تحتنا كأنها الموج. فصرنا إلى قبر رسول اللَّهِ ﷺ فزرناه ثم فارقني وقال: الموعد في الوقت من الليل في المصلى حتى إذا كان الوقت خرجت فإذا به في المصلى.

стр. 141

فأخذ بيدي ففعل كفعله في الأولى والثانية حتى أتينا مكة في الليل ففارقني فقبضت عليه وقلت الصحبة فقال: إني أريد الشام فقلت أنا معك فقال: لي إذا انقضى الحج فالموعد هاهنا عند زمزم. حتى إذا انقضى الحج إذا به عند زمزم. فأخذ بيدي فطفنا بالبيت ثم خرجنا من مكة ففعل كفعله الأول والثاني والثالث فإذا نحن ببيت المقدس فلما دخل المسجد قال لي: عليك السلام! أنا على المقام - إن شاء الله - هاهنا ثم فارقني فما رأيته بعد ذلك ولا عرفني اسمه. قال إبراهيم: فرجعت إلى بلدي فجعلت أسير سير الضعفاء منزلا بعد منزل حتى رجعت إلى " بلخ " فكان ذلك أول أمري.

стр. 142

[إبراهيم بن آدم والبحر الهائج] قال الشكلي: حدثنا علي بن سعيد قال: ثنا إبراهيم بن بشار قال: ركبنا البحر مع إبراهيم بن أدهم فبينا نحن نسير بريح طيبة وكانت مراكب كثيرة فعصفت ريح شديدة على المراكب فتقطعت وإبراهيم ملتف في عباءة مستلق فجاء أهل المركب إليه فقالوا: يا هذا!! ما ترى ما نحن فيه وأنت مستلق غير مكترث؟ فجلس وهو يقول: لا أفلح من لم يكن استعد لمثل هذا اليوم! ثم حرك شفتيه وإذا هاتف ينادي من اللجة: تخافون وفيكم إبراهيم بن أدهم؟ أيها الريح والبحر الهائج اسكنا بإذن الله فسكن البحر وذهبت الريح حتى صار البحر كأنه دف يعني لوح خشب.

стр. 143

٦٥ – [توبة شقيق البلخي] أخبرنا أبو الفتح بن عبد الباقي قال: ثنا أبو الفضل الحداد أنا أبو نعيم الحافظ ثنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي ثنا عباس بن أحمد الشاشي ثنا أبو عقيل الرصافي ثنا أحمد بن عبد الله الزاهد قال: قال: علي بن محمد بن شقيق: كان لجدي ثلثمائة قرية: ولم يكن له يوم مات كفن يكفن فيه قدمه كله

стр. 144

بين يديه قال: وكان خرج إلى بلاد الترك لتجارة - وهو حدث - إلى قوم يقال لهم: الخلوخية يعبدون الأصنام فدخل إلى بيت أصنامهم وعالمهم قد حلق رأسه ولحيته ولبس ثيابا حمرا أرجوانية فقال له شقيق: إن هذا الذي أنت فيه باطل ولهؤلاء ولك ولهذا الخلق خالق صانع ليس كمثله شيء له الدنيا والآخرة قادر على كل شيء رازق كل شيء. فقال له الخادم: ليس يوافق قولك فعلك فقال له شقيق: كيف ذلك؟ قال: زعمت أن لك خالقا قادرا على كل شيء وقد تعنيت إلى هاهنا لطلب الرزق ولو كان كما تقول كان الذي يرزقك هاهنا يرزقك ثم فتربح العناء. قال شقيق: فكان سبب زهدي كلام التركي فرجع فتصدق بجميع ما ملك وطلب العلم.

стр. 145

٦٦ – [عبد الله بن مرزوق] وروي أبو سعيد بإسناد له أن عبد الله بن مرزوق كان مع المهدي في دنيا واسعة فشرب ذات يوم على لهو وسماع فلم يصل الظهر والعصر والمغرب وفي كل ذلك تنبهه جارية حظية عنده. فلما جاز وقت العشاء جاءت الجارية بجمرة فوضعتها على رجله فانزعج وقال: ما هذا؟ قالت: جمرة من نار الدنيا فكيف تصنع بنار الآخرة؟. فبكى بكاء شديدا ثم قام إلى الصلاة. ووقع في نفسه مما قالت: الجارية فلم ير شيئا ينجيه إلا مفارقة ما هو فيه من ماله. فأعتق جواريه وتحلل من معامليه وتصدق بما بقي حتى صار يبيع البقل وتبعته على ذلك الجارية. فدخل عليه سفيان بن عيينة وفضيل بن عياض فوجدا تحت رأسه لبنة وليس تحته شيء فقال له سفيان إنه لم يدع أحد لله شيئا إلا عوضه الله منه بدلا فما عوضك مما تركت له؟. قال: الرضى بما أنا فيه.
следующие страницы →