← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11317

التوابين لابن قدامة

ابن قدامة

Полный текст (284 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال: ما أعلمه إلا شيئا أذكره فإن كان ذنبا رجعت قال: ما هو؟ قال: مررت في طريق فإذا باب حجرة مفتوح فلمحت بعيني هذه الذاهبة شخصا لا أعلم ما هو فقلت لعيني: أنت من بين بدني سارعت إلى الخطيئة لا تصحبيني بعدها! فأدخلت أصبعي فقلعتها فإن كان هذا ذنبا رجعت. فقال موسى: ليس هذا ذنبا. قال له: استسق يا برخ فقال: قدوس قدوس ما عندك لا ينفذ وخزائنك لا تفنى وأنت بالبخل لا ترمى فما هذا الذي لا تعرف به؟ اسقنا الغيث الساعة الساعة. قال: فانصرفا يخوضان الوحل.

стр. 72

٣٢ – [توبة العبد العاصي] وروي أنه لحق بني إسرائيل قحط على عهد موسى ﵇ فاجتمع الناس إليه فقالوا: يا كليم الله! ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث فقام معهم وخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفا أو يزيدون فقال موسى ﵇: إلهي! اسقنا غيثك: وانشر علينا رحمتك وارحمنا بالأطفال الرضع والبهائم الرتع والمشايخ الركع فما زادت السماء إلا تقشعا والشمس إلا حرارة. فقال موسى: إلهي إن كان قد خلق جاهي عندك فبجاه النبي الأمي محمد ﷺ الذي تبعثه في آخر الزمان! فأوحى الله إليه: ما خلق جاهك عندي وإنك عندي وجيه ولكن فيكم عبد يبارزني منذ أربعين سنة بالمعاصي فناد في الناس حتى يخرج من بين أظهركم فبه منعتكم. فقال: موسى: إلهي وسيدي! أنا عبد ضعيف وصوتي ضعيف فأين يبلغ وهم سبعون ألفا أو يزيدون؟ فأوحى الله إليه: منك النداء ومني البلاغ. فقام مناديا وقال: يا أيها العبد العاصي الذي يبارز الله منذ أربعين سنة! اخرج من بين أظهرنا فبك منعنا المطر. فقام العبد العاصي فنظر ذات اليمين وذات الشمال فلم ير أحدا خرج فعلم أنه المطلوب فقال في نفسه: إن أنا خرجت من بين هذا الخلق افتضحت على رؤوس بني إسرائيل وإن قعدت معهم منعوا لأجلي فأدخل رأسه في ثيابه

стр. 73

نادما على فعاله وقال: إلهي وسيدي! عصيتك أربعين سنة وأمهلتني وقد أتيتك طائعا فاقبلني فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القرب. فقال موسى: إلهي وسيدي! بماذا سقيتنا وما خرج من بين أظهرنا أحد؟ فقال: يا موسى! سقيتكم بالذي به منعتكم. فقال موسى: إلهي! أرني هذا العبد الطائع فقال: يا موسى! إني لم أفضحه وهو يعصيني أأفضحه وهو يطيعني؟! يا موسى إني أبغض النمامين أفأكون نماما؟!.

стр. 74

٣٣ – [توبة شاب مسرف على نفسه] وعن وهب بن منبه قال: كان في زمن موسى ﵇ شاب عات مسرف على نفسه فأخرجوه من بينهم لسوء فعله فحضرته الوفاة في خربة على باب البلد فأوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: إن وليا من أوليائي حضره الموت فاحضره وغسله وصل عليه وقل لمن كثر عصيانه يحضر جنازته لأغفر لهم واحمله إلي لأكرم مثواه. فنادى موسى في بني إسرائيل فكثر الناس فلما حضروه عرفوه فقالوا: يا نبي الله! هذا هو الفاسق الذي أخرجناه فتعجب موسى من ذلك فأوحى الله إليه: صدقوا وهم شهدائي إلا أنه لما حضرته الوفاة في هذه الخربة نظر يمنة ويسرة فلم ير حميما ولا قريبا ورأى نفسه غريبة وحيدة ذليلة فرفع بصره إلي وقال: إلهي! عبد من عبادك غريب في بلادك لو علمت أن عذابي يزيد في ملكك وعفوك عني ينقص من ملكك لما سألتك المغفرة وليس لي ملجأ ولا رجاء إلا أنت وقد سمعت فيما أنزلت أنك قلت: إني أنا الغفور الرحيم فلا تخيب رجائي يا موسى! أفكان يحسن بي أن أرده وهو غريب على هذه الصفة وقد توسل إلي بي وتضرع بين يدي؟! وعزتي سألني في المذنبين من أهل الأرض جميعا لوهبتهم له لذل غربته يا موسى! أنا كهف الغريب وحبيبه وطبيبه وراحمه.

стр. 75

٣٤ – [توبة رجلين من بني إسرائيل] أخبرتنا شهدة ابنة أحمد بن الفرج الأبري قالت: أنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة أنا أبو الحسن محمد بن عبيد الله الحنائي أنا ابن السماك أنا أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم الختلي أنا علي بن مسلم ثنا سيار ثنا جعفر ثنا مالك بن دينار عن معبد الجهني عن أبي العوام سادن بيت المقدس عن كعب الأحبار قال: انطلق رجلان من بني إسرائيل إلى مسجد من مساجدهم فدخل أحدهما وجلس الآخر خارجا فجعل يقول: ليس مثلي يدخل بيت الله وقد عصيت الله فكتب صديقا. قال: وأصاب رجل من بني إسرائيل ذنبا فحزن عليه وجعل يجيء ويذهب ويجيء ويقول: بم أرضي ربي؟ بم أرضي ربي؟ فكتب صديقا.

стр. 76

٣٥ – [توبة عاص من العصاة] أخبرنا الشيخ أبو الفرج فيما كتب إلي به أنا عبد الملك بن أبي القاسم أنا محمد بن علي بن عمير أنا محمد بن محمد بن عبد الله القاضي ثنا محمد بن أحمد المرواني قال: حدثني محمد بن المنذر أنا الربيع بن سليمان أنا عبد الله بن وهب قال: حدثني ابن زيد عن ربيعة بن عثمان التيمي قال: كان رجل على معاصي الله تعالى ثم إن الله أراد به خيرا وتوبة فقال لزوجته: إني لملتمس شفيعا إلى الله تعالى. فخرج إلى الصحراء فجعل يصيح: يا سماء اشفعي لي يا جبال اشفعي لي يا أرض اشفعي لي يا ملائكة اشفعي لي. فأدركه الجهد فخر مغشيا عليه فبعث الله إليه ملكا فأجلسه ومسح رأسه وقال له: أبشر فقد قبل الله توبتك. قال: رحمك الله! من كان شفيعي إلى الله ؟ قال: خشيتك شفعت لك إلى الله تعالى.

стр. 77

٣٦ – [توبة الخارج من القرية الظالمة] أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ يَحْيَى بْنُ ثَابِتٍ أنا طِرَادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيُّ أنا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أنا مَعْمَرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ قَرْيَتَانِ إِحْدَاهُمَا صَالِحَةٌ وَالأُخْرَى ظَالِمَةٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْقَرْيَةِ الظَّالِمَةِ يُرِيدُ الْقَرْيَةَ الصَّالِحَةَ فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ فَاخْتَصَمَ فِيهِ الْمَلَكُ وَالشَّيْطَانُ فَقَالَ الشَّيْطَانُ: وَاللَّهِ مَا عَصَانِي قَطُّ! فَقَالَ الْمَلَكُ: إِنَّهُ خَرَجَ يُرِيدُ التَّوْبَةَ! فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا أَنْ يُنْظَرَ إِلَى أَيِّهِمَا هُوَ أَقْرَبُ فَوَجَدُوهُ أَقْرَبُ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ.

стр. 78

٣٧ – [توبة من قتل مائة نفس] أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّقُّورِ أنا أَبُو طَالِبٍ الْيُوسُفِيُّ أنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْمُذْهِبِ أنا أَبُو بَكْرٍ الْقَطِيعِيُّ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ثَنَا أَبِي ثنا يَزِيدُ ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ثنا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لا أُحَدِّثُكُمْ إِلا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي: "أَنَّ عَبْدًا قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَعَرَضَتْ لَهُ التَّوْبَةُ فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: بَعْدَ قَتْلِ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ نَفْسًا؟!. قَالَ: فَانْتَضَى سَيْفَهُ فَقَتَلَهُ بِهِ فَأَكْمَلَ بِهِ الْمِائَةَ. ثُمَّ عَرَضَتْ لَهُ التَّوْبَةُ فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ اخْرُجُ مِنَ الْقَرْيَةِ الْخَبِيثَةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ [قَرْيَةِ كَذَا وَكَذَا فَاعْبُدْ رَبَّكَ فِيهَا قَالَ: فَخَرَجَ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ] فَعَرَضَ لَهُ أَجَلُهُ فِي الطَّرِيقِ. قَالَ: فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلائِكَةُ الْعَذَابِ قَالَ: فَقَالَ إِبْلِيسُ: أَنَا أَوْلَى بِهِ إِنَّهُ لَمْ يَعْصِنِي سَاعَةً قَطُّ قَالَ: فَقَالَتْ: مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: إِنَّهُ خَرَجَ تَائِبًا".

стр. 79

قَالَ هَمَّامٌ: فَحَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عن بكر بن عبد الله الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: فَبَعَثَ اللَّهُ – [لَهُ] مَلَكًا فَاخْتَصَمُوا إِلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ قَتَادَةَ قَالَ: فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى أَيُّ الْقَرْيَتَيْنِ كَانَ أَقْرَبَ إِلَيْهَا فَأَلْحِقُوهُ بِأَهْلِهَا. قَالَ قَتَادَةُ: فَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ أَنَّهُ لَمَّا عَرَفَ الْمَوْتَ احْتَفَزَ بِنَفْسِهِ فَقَرَّبَ اللَّهُ مِنْهُ الْقَرْيَةَ الصَّالِحَةَ وَبَاعَدَ مِنْهُ الْقَرْيَةَ الْخَبِيثَةَ فَأَلْحَقُوهُ بِأَهْلِ القرية الصالحة. [أحمد ٣/٢٠, ابن ماجة ٢٦٢٢ البخاري ٣٤٧٠ مسلم ٢٧٦٦] .

стр. 80

٣٨ – [توبة لص من بني إسرائيل] أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقي أنا أبو الفضل أحمد بن أحمد الحداد أنا أحمد بن عبد الله بن إسحاق ثنا أبو محمد بن حيان ثنا أحمد بن الحسين ثنا أحمد بن إبراهيم حدثني محمد بن يزيد بن خنيس عن وهيب بن الورد قال: بلغنا أن عيسى ﵇ مر هو ورجل من بني إسرائيل من حواريه بلص في قلعة له فلما رآهما اللص ألقى الله في قلبه التوبة قال: فقال لنفسه: هذا عيسى بن مريم ﵇ روح الله وكلمته وهذا حواريه ومن أنت يا شقي؟ لص بني إسرائيل! قطعت الطريق وأخذت الأموال وسفكت الدماء! ثم هبط إليهما تائبا نادما على ما كان منه. فلما لحقهما قال لنفسه: تريد أن تمشي معهما؟ لست لذلك بأهل امش خلفهما كما يمشي الخطاء المذنب مثلك! قال: فالتفت إليه الحواري فعرفه فقال في نفسه: انظر إلى هذا الخبيث الشقي ومشيه وراءنا قال: فاطلع الله على ما في قلوبهما من ندامته وتوبته ومن ازدراء الحواري إياه وتفضيله نفسه عليه. قال: فأوحى الله تعالى إلى عيسى بن مريم أن مر الحواري ولص بني إسرائيل أن يأتنفا العمل جميعا أما اللص فقد غفرت له ما قد مضى لندامته وتوبته وأما الحواري فقد حبط عمله لعجبه بنفسه وازدرائه هذا التواب.

стр. 81

٣٩ – [توبة ثلاث بنات من البغايا وغواة قرية] أخبرنا المبارك بن علي أنا أحمد بن الحسين بن قريش أنا إبراهيم بن عمر البرمكي أنا أبو بكر محمد بن زكريا الدقاق ثنا عبد الله بن سليمان ثنا عبد الملك بن محمد بن عبد الله ثنا ابن عائشة ثنا سعيد بن عامر قال: حدثني حسن أبو جعفر قال: كان لقمان الحبشي عبدا لرجل جاء به إلى السوق يبيعه قال: فكان كلما جاء إنسان يشتريه قال: له لقمان ما تصنع بي؟ فيقول: أصنع بك كذا وكذا قال: حاجتي إليك أن لا تشتريني حتى جاء رجل فقال: ما تصنع بي؟ قال: أصيرك بوابا على بابي قال: أنت اشترني قال: فاشتراه وجاء به إلى داره. قال: وكان لمولاه ثلاث بنات يبغين في القرية وأراد أن يخرج إلى ضيعة له فقال له: إني قد أدخلت إليهن طعامهن وما يحتجن إليه فإذا خرجت فاغلق الباب واقعد من ورائه ولاتفتحه حتى أجيء. قال: فقلن له: افتح الباب! فأبى عليهن فشججنه فغسل الدم وجلس. فلما قدم سيده لم يخبره. ثم عاد مولاه بعد للخروج فقال: إني قد أدخلت إليهن ما يحتجن إليه فلا تفتحن الباب. فلما خرج خرجن إليه فقلن له: افتح الباب فأبى فشججنه ورجعن فجلس فلما أن جاء مولاه لم يخبره بشيء. قال: فقالت الكبيرة: ما بال هذا العبد الحبشي أولى بطاعة الله مني؟ والله لأتوبن! قال: فتابت. فقالت الصغرى: ما بال هذا العبد الحبشي وهذه الكبرى أولى بطاعة الله مني؟ والله لأتوبن فتابت. فقالت الوسطى: ما بال هاتين وهذا العبد الحبشي أولى بطاعة الله مني؟ والله لأتوبن فتابت. قال: فقال غواة القرية: ما بال هذا العبد الحبشي وبنات فلان أولى بطاعة الله منا؟ فتابوا إلى الله وكانوا عوابد القرية.

стр. 82

٤٠ – [توبة صاحب فاحشة] أخبرنا أبو منصور جعفر بن الدامغاني: أنا محفوظ بن أحمد الكلوذاني أنا أبو علي الجازري أنا المعافى بن زكريا الجريري ثنا الحسين بن القاسم الكوكبي ثنا أبو يوسف يعقوب بن إسحاق القاضي ثنا يحيى بن صالح الوحاظي ثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد الحضرمي عن كعب الأحبار: أن رجلا من بني إسرائيل أتى فاحشة فدخل نهرا يغتسل فيه فناداه الماء: يا فلان! أما تستحيي؟ ألم تتب من هذا الذنب وقلت: إنك لا تعود فيه؟! فخرج من الماء فزعا وهو يقول: لا أعصي الله. فأتى جبلا فيه اثنا عشر رجلا يعبدون الله فلم يزل معهم حتى قحط موضعهم. فنزلوا يطلبون الكلأ فمروا على ذلك النهر فقال لهم الرجل: أما أنا فلست بذاهب معكم قالوا: لم قال: لأن ثم من قد اطلع مني على خطيئة فأنا أستحيي منه أن يراني. فتركوه ومضوا فناداهم النهر يا أيها العباد! ما فعل صاحبكم؟ قالوا: زعم أنه له هاهنا من قد اطلع منه على خطيئة فهو يستحيي منه أن يراه. قال: يا سبحان الله! إن أحدكم يغضب على ولده أو على بعض قراباته فإذا تاب ورجع إلى ما يحب أحبه وإن صاحبكم قد تاب ورجع إلى ما أحب فأنا أحبه فأتوه فأخبروه واعبدوا الله على شاطئي. فأخبروه فجاء معهم فأقاموا يعبدون الله زمانا ثم إن صاحب الفاحشة توفي فناداهم النهر: يا أيها العباد والعبيد الزهاد غسلوه من مائي وادفنوه على شاطئي حتى يبعث يوم القيامة من قربي ففعلوا ذلك به وقالوا: نبيت ليلتنا هذه على قبره نبكي فإذا أصبحنا سرنا. فباتوا على قبره يبكون فلما جاء وجه السحر غشيهم النعاس فأصبحوا وقد أنبت الله على قبره اثنتي عشرة سروة وكان أول سرو أنبته الله على وجه الأرض. فقالوا: ما أنبت الله هذا الشجر في هذا المكان إلا وقد أحب الله عبادتنا فيه فأقاموا يعبدون الله على قبره كلما مات رجل دفنوه إلى جانبه فماتوا بأجمعهم. قال كعب: فكان بنو إسرائيل يحجون إلى قبورهم.

стр. 83

أخبار التائبين من أصحاب رسول اللَّهِ ﷺ ٤١ – [توبة أبي خيثمة ﵁ -] أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ الْمَوْصِلِيُّ أنا أَبُو الْحُسَيْنِ الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصَّيْرَفِيُّ أنا أبو الحسن محمد بن عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَاذَانَ أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغَلِّسِ أنا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأَمَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: تَخَلَّفَ أَبُو خَيْثَمَةَ - أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ حَتَّى إِذَا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ أَبُو خَيْثَمَةَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ فِي عَرِيشَيْنِ لَهُ فِي حَائِطٍ لَهُمَا قَدْ رَشَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا وَبَرَّدَتْ لَهُ فِيهِ مَاءً وَهَيَّأَتْ لَهُ طَعَامًا. فَلَمَّا دَخَلَ قَامَ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ يَنْظُرُ ثُمَّ قَالَ: رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الضِّحِّ وَالرِّيحِ وَالْحَرِّ - يَعْنِي بِالضِّحِّ: الشَّمْسَ - وَأَبُو خَيْثَمَةَ فِي ظِلٍّ وَمَاءٍ بَارِدٍ وَطَعَامٍ مُهَيَّأٍ وَامْرَأَةٍ حَسْنَاءَ مَا هَذَا بِالنَّصَفِ! وَاللَّهِ لا أَدْخُلُ عَرِيشَ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَتَّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهَيِّئَا لِي زَادًا فَفَعَلَتَا ثُمَّ قَدِمَ نَاضِحَهُ فَارْتَحَلَهُ ثُمَّ خَرَجَ فِي طَلَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَدْرَكَهُ حِينَ نَزَلَ تَبُوكَ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ أَدْرَكَ أَبَا خَيْثَمَةَ عُمَيْرَ بْنَ وهب الجمحي في الطريق يطلب رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَتَرَافَقَا حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْ تَبُوكَ قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ لِعُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ: إِنَّ

стр. 84

لِي ذَنْبًا فَلا عَلَيْكَ أَنْ تُخَلِّفَ عَنِّي حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَفَعَلَ ثُمَّ سَارَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِتَبُوكَ. فَلَمَّا طَلَعَ قَالَ النَّاسُ: هَذَا رَاكِبٌ مُقْبِلٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ" فَلَمَّا دَنَا قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا وَاللَّهِ أَبُو خَيْثَمَةَ. فَلَمَّا أَنَاخَ سَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوْلَى لَكَ أَبَا خَيْثَمَةَ" ثُمَّ أَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ لَهُ: خَيْرًا وَدَعَا له.

стр. 85

٤٢ – [توبة مخشي بن حمير] قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ مِخْشَنُ بْنُ حِمْيَرَ رَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ حَلِيفٌ لِبَنِي سَلَمَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى تَبُوكَ قَالَ: أَتَحْسَبُونَ قِتَالَ بَنِي الأَصْفَرِ كَقِتَالِ غَيْرِهِمْ؟ وَاللَّهِ لَكَأَنَّا غَدًا مُقْرَنُونَ فِي الْحِبَالِ فَأَطْلَعَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ عَلَيْهِمْ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : يَعْتَذِرُونَ. وَقَالَ: مِخْشَنُ بْنُ حِمْيَرَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَعَدَ بِي اسْمِي وَاسْمُ أَبِي فَعَفَا اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٦٨] قَالَ: وَهِيَ الطَّائِفَةُ الَّتِي عَفَا عنها فمسي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حِمْيَرَ قَالَ: وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُقْتَلَ شَهِيدًا لا يُعْلَمُ مَكَانُهُ فَأُصِيبَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أَثَرٌ.

стр. 86

٤٣ - [توبة كعب بن مالك ﵁] أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ محمد بن عبد الباقي أنا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى الْمَكِّيُّ أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ يُوسُفَ الأَصْفَهَانِيُّ أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ ابْنُ الْبَغَوِيِّ أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ إِلا بَدْرًا وَلَمْ يُعَاتِبِ النَّبِيُّ ﷺ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ إِنَّمَا خَرَجَ يُرِيدُ الْعِيرَ فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ مُغَوِّثِينَ لِعِيرِهِمْ فَالْتَقَوْا عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 87

وَلَعَمْرِي إِنَّ أَشْرَفَ مَشَاهِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ لَبَدْرٌ وَمَا أُحِبُّ أَنِّي كُنْتُ شَهِدْتُهَا مَكَانَ بَيْعَتِي لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حَيْثُ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلامِ. ثُمَّ لَمْ أَتَخَلَّفْ بَعْدُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا حَتَّى إِذَا كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ وَهِيَ آخِرُ غَزَاةٍ غَزَاهَا وَآذَنَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ بِالرَّحِيلِ وَأَرَادَ أَنْ يَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ وَذَلِكَ حِينَ طَابِتِ الظِّلالُ وَطَابَتِ الثِّمَارُ وَكَانَ قَلَّمَا أَرَادَ غَزْوَةً إِلا وَرَّى بِغَيْرِهَا وَكَانَ يَقُولُ: "الْحَرْبُ خَدْعَةٌ" إِلا غَزْوَةَ تَبُوكَ فَإِنَّهُ جَلَّى لِلنَّاسِ أَمْرَهُمْ فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنْ يَتَأَهَّبَ النَّاسُ أُهْبَتَهُ وَأَنَا أَيْسَرُ مَا كُنْتُ قَدْ جَمَعْتُ رَاحِلَتَيْنِ وَأَنَا أَقْدَرُ شَيْءٍ فِي نَفْسِي عَلَى الْجِهَادِ وَخِفَّةِ الْحَاذِ وَأَنَا فِي ذَلِكَ أُصْغِي إِلَى الظِّلالِ وَطِيبِ الثِّمَارِ. فَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَادِيًا بِالْغَدَاةِ وَذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسَ فَأَصْبَحَ غَادِيًا فَقُلْتُ: أَنْطَلِقُ غَدًا إِلَى السُّوقِ فَأَشْتَرِي جَهَازِي ثُمَّ أَلْحَقُ بِهِمْ فَانْطَلَقْتُ إِلَى السُّوقِ مِنَ الْغَدِ فَعَسُرَ عَلَيَّ بَعْضُ شَأْنِي فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: أَرْجِعُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَلْحَقُ بِهِمْ فَعَسُرَ عَلَيَّ بَعْضُ شَأْنِي أَيْضًا فَقُلْتُ: أَرْجِعُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى أُلْبِسَ بِي الذَّنْبُ وَتَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ وَأَطُوفُ بِالْمَدِينَةِ فَيُحْزِنُنِي أَنِّي لا أَرَى أَحَدًا تَخَلَّفَ إِلا رَجُلا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي النِّفَاقِ وَكَانَ لَيْسَ أَحَدٌ تَخَلَّفَ إِلا رَأَى أَنَّ ذَلِكَ سَيُخْفَى لَهُ وَكَانَ النَّاسُ كَثِيرًا لا يَجْمَعُهُمْ دِيوَانٌ وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلا. وَلَمْ يَذْكُرْنِي النَّبِيُّ ﷺ حتى بلغ تبوكاً قَالَ: "مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟ " قَالَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي: خَلَّفَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ! فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ! وَاللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلا خَيْرًا قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذَا هُمْ بِرَجُلٍ يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ" فَإِذَا هُوَ أَبُو خَيْثَمَةَ. فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ وَقَفَلَ وَدَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ جَعَلْتُ أَتَذَكَّرُ بِمَاذَا أَخْرُجُ بِهِ مِنْ سَخَطِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي حَتَّى إِذَا قِيلَ: النَّبِيُّ ﷺ هُوَ مُصْبِحُكُمْ غَدًا بِالْغَدَاةِ زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ وَعَرَفْتُ أَنِّي لا أَنْجُو إِلا بِالصِّدْقِ. فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ ضُحًى فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ - وَكَانَ إِذَا جَاءَ مِنْ سَفَرٍ فَعَلَ

стр. 88

ذَلِكَ: دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فَجَعَلَ يَأْتِيهِ مَنْ تَخَلَّفَ فَيَحْلِفُونَ لَهُ وَيَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ فَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ وَيَقْبَلُ عَلانِيَتَهُمْ وَيَكِلُ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ . فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فَلَمَّا رَآنِي تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ فَجِئْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: "أَلَمْ تَكُنِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ " فَقُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ: "فَمَا خَلَّفَكَ؟ " فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَوْ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ غَيْرِكَ جَلَسْتُ لَخَرَجْتُ مِنْ سَخَطِهِ عَلَيَّ بِعُذْرٍ وَلَقَدْ أُوتِيتُ جَدَلًا وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنِّي إِنْ أَخْبَرْتُكَ الْيَوْمَ بِقَوْلٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ وَهُوَ حَقٌّ فَإِنِّي أَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللَّهِ وَإِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثًا تَرْضَى عَنِّي فِيهِ وَهُوَ كَذِبٌ أَوْشَكَ اللَّهُ أَنْ يُطْلِعَكَ عَلَيَّ وَاللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَيْسَرَ وَلا أَخَفَّ حَاذًا مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. قَالَ: "أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَكُمُ الْحَدِيثَ فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ". فَقُمْتُ فَثَارَ عَلَى إِثْرِي أُنَاسٌ مِنْ قَوْمِي يُؤَنِّبُونَنِي فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُكَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَطُّ قَبْلَ هَذَا فَهَلا اعْتَذَرْتَ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ بِعُذْرٍ يَرْضَى عَنْكَ فِيهِ! وَكَانَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَيَأْتِي مِنْ وَرَاءِ ذَنْبِكَ وَلَمْ تُقِفْ نَفْسَكَ مَوْقِفًا لا تَدْرِي مَاذَا يُقْضَى لَكَ فِيهِ فَلَمْ يَزَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّى هَمَمْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي. فَقُلْتُ هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ غَيْرِي؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَهُ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ وَمَرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ فَذَكَرُوا رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا لِي فِيهِمَا أُسْوَةٌ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لا أَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي هَذَا أَبَدًا وَلا أُكَذِّبُ نَفْسِي. قَالَ: وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ عَنْ كَلامِنَا أَيُّهَا الثَّلاثَةُ قَالَ: فَجَعَلْتُ أَخْرُجُ إِلَى السُّوقِ فَلا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ وَتَنَكَّرَ لَنَا النَّاسُ حَتَّى مَا هُمْ بِالَّذِينَ نَعْرِفُ وَتَنَكَّرَتْ لَنَا الْحِيطَانُ حَتَّى مَا هِيَ بِالْحِيطَانِ الَّتِي نَعْرِفُ وَتَنَكَّرَتْ لَنَا الأَرْضُ حَتَّى مَا هِيَ بِالأَرْضِ الَّتِي نَعْرِفُ وَكُنْتُ أَقْوَى أَصْحَابِي فَكُنْتُ أَخْرُجُ وَأَطُوفُ فِي السُّوقِ وَآتِي الْمَسْجِدَ فَأَدْخُلُ وَآتِي النَّبِيَّ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَأَقُولُ: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِالسَّلامِ؟ إِذَا قُمْتُ أُصَلِّي إِلَى السَّارِيَةِ فَأَقْبَلْتُ قَبْلَ صَلاتِي نَظَرَ إِلَيَّ بِمُؤَخِّرِ عَيْنَيْهِ وَإِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ أَعْرَضَ عَنِّي. قَالَ: وَاسْتَكَانَ صَاحِبَايَ فَجَعَلا يَبْكِيَانِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَلا يُطْلِعَانِ رؤوسهما. فَبَيْنَمَا أَنَا أَطُوفُ فِي السُّوقِ إِذَا رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ جَاءَ بِطَعَامٍ لَهُ يَبِيعُهُ يَقُولُ:

стр. 89

مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ فَأَتَانِي بِصَحِيفَةٍ مِنْ مَلِكٍ غَسَّانَ فَإِذَا فِيهَا: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنْ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَأَقْصَاكَ وَلَسْتَ بِدَارِ مَضْيَعَةٍ وَلا هَوَانٍ فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ. قَالَ: فَقُلْتُ: هَذَا أَيْضًا مِنَ الْبَلاءِ وَالشَّرِّ فَأَسْجَرْتُ لَهَا التَّنُّورَ وَأَحْرَقْتُهَا. فَلَمَّا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً إِذَا رَسُولٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ أَتَانِي فَقَالَ: "اعْتَزِلِ امْرَأَتَكَ" فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا؟ قَالَ: "لا وَلَكِنْ لا تَقْرَبْهَا". وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَعِيفٌ فَهَلْ تَأْذَنَ لِي أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ وَلَكِنْ لا يَقْرَبَنَّكِ" قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ لِشَيْءٍ مَا زَالَ مُكْتَئِبًا يَبْكِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا طَالَ عَلَيَّ الْبَلاءُ اقْتَحَمْتُ عَلَى أَبِي قَتَادَةَ حَائِطَهُ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَقُلْتُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا أَبَا قَتَادَةَ! أَتَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ ثُمَّ قُلْتُ أَيْضًا يَا أَبَا قَتَادَةَ! أَتَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ ثُمَّ قُلْتُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا أَبَا قَتَادَةَ! أَتَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَلَمْ أَمْلِكْ نَفْسِي أَنْ بَكَيْتُ ثُمَّ اقْتَحَمْتُ الْحَائِطَ خَارِجًا. حَتَّى إِذَا مَضَتْ خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ عَنْ كَلامِنَا صَلَّيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا صَلاةَ الْفَجْرِ ثُمَّ جَلَسْتُ وَأَنَا فِي الْمَنْزِلَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ إِذْ سَمِعْتُ نِدَاءً مِنْ ذُرْوَةِ سَلْعٍ: أَبْشِرْ يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ! فَخَرَرْتُ سَاجِدًا وَعَرَفْتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَاءَ بِالْفَرَجِ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ يَرْكُضُ عَلَى فَرَسٍ يُبَشِّرُنِي فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنْ فَرَسِهِ فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ أَعْطَيْتُهُ ثَوْبِي بِشَارَةً وَلَبِسْتُ ثَوْبَيْنِ آخَرَيْنِ قَالَ: وَكَانَتْ تَوْبَتُنَا نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُلُثَ اللَّيْلِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَلا نُبَشِّرُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ؟ قَالَ: "إِذًا يَحْطِمَكُمُ النَّاسُ وَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ". قَالَ: وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي تَحْزَنُ بِأَمْرِي فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَوْلَهُ الْمُسْلِمُونَ وَهُوَ يَسْتَنِيرُ كَاسْتِنَارَةِ الْقَمَرِ وَكَانَ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ فَجِئْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: "أَبْشِرْ يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ" قَالَ: قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمِنْ عِنْدِ اللَّهِ

стр. 90

أَمْ مِنْ عِنْدِكَ؟ قَالَ: "بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ" ثَمَّ تَلا عَلَيْهِمْ ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٨] : قَالَ: وَفِينَا نزلت: ﴿تَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ . [التوبة: ١١٩] . قَالَ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لا أُحَدِّثَ إِلا صِدْقًا وَأَنْ أَتَخَلَّعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَقَالَ: "أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ قَالَ: فَمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ نِعْمَةً بَعْدَ الإِسْلامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ صَدَقْتُهُ أَنَا وَصَاحِبَايَ أَنْ لا نَكُونَ كَذَبْنَاهُ فَهَلَكْنَا كَمَا هَلَكُوا وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ لا يَكُونَ ابْتَلَى اللَّهُ أَحَدًا فِي الصِّدْقِ مِثْلَ الَّذِي ابْتَلانِي مَا تَعَمَّدْتُ لِكَذْبَةٍ بَعْدُ وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيَ. [البخاري ٢٧٥٧ مسلم ٢٧٦٩ أبو داود ٢٠٢٢ الترمذي ٣١٠٢ ابن ماجة ١٣٩٣] .

стр. 91

٤٤ – [توبة أبي لبابة ﵁] قال الزهري: وكان أبو لبابة ممن تخلف عن النبي ﷺ فِي غزوة تبوك فربط نفسه بسارية ثم قال: والله لا أحل نفسي منها ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي. فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا حتى كاد يخر مغشيا عليه ثم تاب الله عليه فقيل له: قد تيب عليك فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ هُوَ الذي يحلني بيده. قال: فجاء النَّبِيُّ ﷺ فحله بيده ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله! إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله قال: "يجزئك الثلث يا أبا لبابة". أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ سَعْدُ اللَّهِ بْنُ نَجَا بْنِ الْوَادِيِّ أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي أنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ أنا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ أَبِي حَيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ الْبَلْخِيِّ أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ قَالَ: فَحَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أَرْسَلَتْ قُرَيْظَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُرْسِلَنِي إِلَيْهِمْ - حِينَ اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحَصْرَ - دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "اذْهَبْ إِلَى

стр. 92

حُلَفَائِكَ فَإِنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَيْكَ مِنْ بَيْنِ الأَوْسِ". قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ وَقَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ فَهَشُّوا إِلَيَّ وَقَالُوا: يَا أَبَا لُبَابَةَ! نَحْنُ مَوَالِيكَ دُونَ النَّاسِ كُلِّهِمْ فَقَامَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ فَقَالَ: أَنَا بَشِيرٌ! قَدْ عَرَفْتَ مَا صَنَعْنَا فِي أَمْرِكَ وَأَمْرِ قَوْمِكَ يَوْمَ الْحَدَائِقِ وَيَوْمَ بُعَاثٍ وَكُلُّ حَرْبٍ كُنْتُمْ فِيهَا وَقَدِ اشْتَدَّ عَلَيْنَا الْحِصَارُ وَهَلَكْنَا وَمُحَمَّدٌ يَأْبَى أَنْ يُفَارِقَ حِصْنَنَا حَتَّى نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِهِ فَلَوْ زَالَ عَنَّا لَحِقْنَا بِأَرْضِ الشَّامِ أَوْ خَيْبَرَ وَلَمْ نُكْثِرْ عَلَيْهِ جَمْعًا أَبَدًا فَمَا تَرَى فَإِنَّا قَدِ اخْتَرْنَاكَ عَلَى غَيْرِكَ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ أَبَى إِلا أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِهِ قَالَ: نَعَمْ فَانْزِلُوا وَأَوْمَأَ إِلَى حَلْقِهِ: فَهُوَ الذَّبْحُ. قَالَ: فندمت فاسترجعت فقال: كعب: مالك يَا أَبَا لُبَابَةَ؟ فَقُلْتُ: خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَنَزَلْتُ وَإِنَّ لِحْيَتِي لَمُبْتَلَّةٌ بِالدُّمُوعِ وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَ رُجُوعِي إِلَيْهِمْ حَتَّى أَخَذْتُ مِنْ وَرَاءِ الْحِصْنِ طَرِيقًا آخَرَ حَتَّى أَتَيْتُ الْمَسْجِدَ فَارْتَبَطْتُ وَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَابِي وَمَا صَنَعْتُ فَقَالَ: "دَعُوهُ حَتَّى يُحْدِثُ اللَّهُ فِيهِ مَا يَشَاءُ لَوْ كَانَ جَاءَنِي اسْتَغْفَرْتُ لَهُ فَأَمَّا إِذْ لَمْ يَأْتِنِي وَذَهَبَ فَدَعُوهُ". قَالَ: فَحَدَّثَنِي مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: وَارْتَبَطَ أَبُو لُبَابَةَ سَبْعًا فِي حَرٍّ شَدِيدٍ لا يَأْكُلُ وَلا يَشْرَبُ وَقَالَ: لا أَزَالُ هَكَذَا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا أَوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى يُسْمَعَ الصوت من الجهد ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بُكْرَةً وَعِشِيَّةً ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَنُودِيَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَابَ عَلَيْكَ وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ لِيُطْلِقَ عَنْهُ رِبَاطَهُ فَأَبَى أَنْ يُطْلِقَهُ عَنْهُ أَحَدٌ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَحَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحِلُّ رِبَاطَهُ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيَرْفَعُ صَوْتَهُ يُكَلِّمُهُ وَيُخْبِرُهُ بِتَوْبَتِهِ وَمَا يَدْرِي كَثِيرًا مِمَّا يَقُولُ لَهُ مِنَ الْجَهْدِ وَالضَّعْفِ. وَلَقَدْ كَانَ الرِّبَاطُ حَزَّ فِي ذِرَاعِهِ وَكَانَ مِنْ شَعْرٍ وَكَانَ يُدَاوِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ دَهْرًا.

стр. 93

٤٥ - توبة أبي هريرة ﵁ عن فتواه في امرأة زانية وقرأت في تنبيه الغافلين عن أبي هريرة قال: خرجت ذات ليلة بعد

стр. 94

ما صليت العشاء مع رسول اللَّهِ ﷺ فإذا أنا بامرأة متنقبة قائمة على الطريق فقالت: يا أبا هريرة! إني قد ارتكبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة؟ فقلت: وما ذنبك؟ قالت: إني زنيت وقتلت ولدي من الزنا. فقلت لها: هلكت - وأهلكت والله مالك من توبة. فشهقت شهقة خرت مغشيا عليها ومضت. فقلت في نفسي: أفتي ورسول الله ﷺ بين أظهرنا؟ فلما أصبحت غدوت إلى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقلت: يا رسول الله! إن امرأة استفتتني البارحة بكذا وكذا فقال: رسول الله ﷺ : "إنا لله وإنا إليه راجعون! أنت والله هلكت وأهلكت أين كنت عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان: ٦٨ – ٧٠] "؟!.. قال: فخرجت من عند رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأنا أعدو في سكك المدينة وأقول: من يدلني على امرأة استفتتني البارحة كذا وكذا؟ والصبيان يقولون: جن أبو هريرة! حتى إذا كان الليل لقيتها في ذلك الموطن فأعلمتها بقول رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأن لها التوبة فشهقت شهقة من السرور وقالت: إن لي حديقة وهي صدقة للمساكين لذنبي.

стр. 95

٤٦ – [توبة ثعلبة بن عبد الرحمن ﵁] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الصَّالِحُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ النَّقُّورِ أنا أبو الحسن علي بن مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلافِ أنا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ بِشْرَانَ أنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ السَّامَرِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الأُطْرُوشُ ثنا سُلَيْمُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْمُنْكَدِرِ بْنِ مُحَمَّدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَسْلَمَ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: وَكَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَيَخِفُّ لَهُ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ فِي حَاجَةٍ لَهُ فَمَرَّ بِبَابِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَرَأَى امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ تَغْتَسِلُ وَخَافَ أَنْ يَنْزِلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا صَنَعَ فَخَرَجَ هَارِبًا عَلَى وَجْهِهِ.

стр. 96

فَأَتَى جِبَالا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَوَلَجَهَا. فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَإِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ نَزَلَ عَلَى النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ وَيَقُولُ لَكَ: إِنَّ رَجُلا مِنْ أُمَّتِكَ بَيْنَ هَذِهِ الْجِبَالِ يَتَعَوَّذُ بِي فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : "يَا عُمَرُ وَيَا سَلْمَانُ! انْطَلِقَا فَأْتِيَانِي بِثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ". فَخَرَجَا مِنْ أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ فَلَقِيَا رَاعِيًا مِنْ رُعَاةِ الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ: ذُفَافَةُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ لَكَ عِلْمٌ بِشَابٍّ بَيْنَ هَذِهِ الْجِبَالِ يُقَالُ لَهُ: ثَعْلَبَةُ؟ قَالَ: لَعَلَّكَ تُرِيدُ الْهَارِبَ مِنْ جَهَنَّمَ فَقَالَ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ بِأَنَّهُ هَارِبٌ مِنْ جَهَنَّمَ؟ قَالَ: لأَنَّهُ إِذَا كَانَ جَوْفُ اللَّيْلِ خَرَجَ عَلَيْنَا مِنْ بَيْنِ هَذِهِ الْجِبَالِ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ وَهُوَ يُنَادِي: يَا لَيْتَكَ قَبَضْتَ رُوحِي فِي الأَرْوَاحِ وَجَسَدِي فِي الأَجْسَادِ وَلَمْ تُجَرِّدْنِي لِفَصْلِ الْقَضَاءِ! فَقَالَ عُمَرُ: إِيَّاهُ نُرِيدُ فَانْطَلَقَ بِهِمَا. فَلَمَّا كَانَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ خَرَجَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنَ تِلْكَ الْجِبَالِ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ وَهُوَ يُنَادِي: يَا لَيْتَكَ قَبَضْتَ رُوحِي فِي الأَرْوَاحِ وَجَسَدِي فِي الأَجْسَادِ وَلَمْ تُجَرِّدْنِي لِفَصْلِ الْقَضَاءِ. قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهِ عُمَرُ فَاحْتَضَنَهُ فَقَالَ: يَا عُمَرُ! هَلْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَنْبِي؟ قَالَ: لا عِلْمَ لِي إِلا أَنَّهُ ذَكَرَكَ بِالأَمْسِ فَأَرْسَلَنِي وَسَلْمَانَ فِي طَلَبِكَ. قَالَ: يَا عُمَرُ! لا تُدْخِلْنِي عَلَيْهِ إِلا وَهُوَ فِي الصَّلاةِ فَابْتَدَرَ عُمَرُ وَسَلْمَانُ الصَّفَّ فَلَمَّا سَمِعَ ثَعْلَبَةُ قِرَاءَةَ النَّبِيُّ ﷺ خَرَّ مُغْشِيًا عَلَيْهِ. فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "يَا عُمَرُ! يَا سَلْمَانُ! مَا فَعَلَ ثَعْلَبَةُ؟ " قَالا: هَا هوذا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَرَّكَهُ فَانْتَبَهَ. فَقَالَ لَهُ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا غَيَّبَكَ عَنِّي؟ " قَالَ: ذَنْبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "أَفَلا أَدُلُّكَ عَلَى آيَةٍ تَمْحُو الذُّنُوبَ وَالْخَطَايَا؟ " قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "قُلْ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ . [البقرة: ٢٠١] ". قَالَ: ذَنْبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْظَمُ قَالَ: "بَلْ كَلامُ اللَّهِ أَعْظَمُ". ثُمَّ أَمَرَهُ بِالانْصِرَافِ إِلَى مَنْزِلِهِ. فَمَرِضَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ إِنَّ سَلْمَانَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ لَكَ فِي ثَعْلَبَةَ فَإِنَّهُ لِمَا بِهِ قَدْ هَلَكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُومُوا بِنَا إِلَيْهِ". فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَأَخَذَ رَأْسَهُ فوضعه عن حجره فأزال رأسه عن حجر

стр. 97

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: "لِمَ أَزَلْتَ رَأْسَكَ عَنْ حِجْرِي؟ " قَالَ: لأَنَّهُ مَلآنٌ مِنَ الذُّنُوبِ قَالَ: "مَا تَشْتَكِي؟ " قَالَ: مِثْلَ دَبِيبِ النَّمْلِ بَيْنَ عَظْمِي وَلَحْمِي وَجِلْدِي قَالَ: "مَا تَشْتَهِي؟ " قَالَ: مَغْفِرَةَ رَبِّي قَالَ: فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ وَيَقُولُ لَكَ: لَوْ أَنَّ عَبْدِي هَذَا لَقِيَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطِيئَةً لَقِيتُهُ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً قَالَ: فَأَعْلَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: فَصَاحَ صَيْحَةً فمات.

стр. 98

٤٧ – [توبة عمرو مالك الرؤاسي ﵁] أخبرنا محمد بن عبد الباقي أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ ثنا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ طَارِقٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ الرَّؤَاسِيِّ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ أَغَارَ هُوَ وَقَوْمٌ مِنْ بَنِي كِلابٍ عَلَى قَوْمٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ فَقَتَلُوا فِيهِمْ وَعَبَثُوا بِالنِّسَاءِ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَعَا عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ. فَبَلَغَ ذَلِكَ مَالِكًا فَغَلَّ يَدَهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ارْضَ عَنِّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ دَارَ إِلَيْهِ فَقَالَ: ارْضَ عَنِّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: ارْضَ عَنِّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى لَيَتَرَضَّى فَيَرْضَى. فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "تُبْتَ مِمَّا صَنَعْتَ وَاسْتَغْفَرْتَ اللَّهَ؟ " قَالَ: نَعَمْ قَالَ: "اللَّهُمَّ! تُبْ عَلَيْهِ وَارْضَ عَنْهُ".

стр. 99

٤٨ – [تَوْبَةَ غَنِيٍّ مِنْ أَغْنِيَاءِ الصَّحَابَةِ] أخبرنا الإمام أبو الحسن المقرىء أنا أَبُو طَالِبٍ الْيُوسُفِيُّ أنا أبو علي التميمي أنا أبو بَكْرٍ الْقَطِيعِيُّ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ثنا يَزِيدُ أنا أَبُو الأَشْهَبِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَيْمَنَ مَوْلَى كَعْبِ بْنِ سَوْرٍ - قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ رَجُلٍ مِنَ الأَغْنِيَاءِ فَكَأَنَّهُ قَبَضَ مِنْ ثِيَابِهِ عَنْهُ.

стр. 100

وَتَغَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا فُلانُ! أَخَشِيتَ أَنْ يَعْدُوَ غِنَاكَ عَلَيْهِ أَوْ أَنْ يَعْدُوَ فَقْرُهُ عَلَيْكَ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أشر الْغِنَى؟. قَالَ: "نَعَمْ إِنَّ غِنَاكَ يَدْعُوكَ إِلَى النَّارِ وَإِنَّ فَقْرَهُ يَدْعُوهُ إِلَى الْجَنَّةِ". قَالَ: فَمَا يُنْجِينِي مِنْهُ؟ قَالَ: "تُوَاسِيهِ مِنْهُ" قَالَ: إِذًا أَفْعَلُ فَقَالَ الآخَرُ: لا أَرَبَ لِي فِيهِ قَالَ: "فَاسْتَغْفِرْ لأَخِيكَ وَادْعُ لَهُ".

стр. 101

٤٩ – [توبة أبي سفيان بن الحارث ﵁] أَخْبَرَنَا سَعْدُ اللَّهِ بْنُ نَجَا أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ أنا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ أَبِي حَيَّةَ أنا مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الْبَلْخِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ وَغَيْرِهِ قَالَ: كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ أَخًا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْهُ حَلِيمَةُ وَكَانَ يَأْلَفُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ لَهُ تِرْبًا. فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَادَاهُ عَدَاوَةً لم يعاد أحد قَطُّ مِثْلَهَا وَهَجَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ فَمَكَثَ عِشْرِينَ سَنَةً عَدُوًّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَهْجُو الْمُسْلِمِينَ وَيَهْجُونَهُ وَلا يَتَخَلَّفُ عَنْ مَوْضِعٍ تَسِيرُ فِيهِ قُرَيْشٌ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَلْقَى فِي قَلْبِهِ الإِسْلامَ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: مَنْ أَصْحَبُ وَمَعَ مَنْ أَكُونُ؟ قَدْ ضَرَبَ الإِسْلامُ بِجِرَانِهِ فَجِئْتُ زَوْجَتِي وَوَلَدِي فَقُلْتُ: تَهَيَّئُوا لِلْخُرُوجِ فَقَدْ أَظَلَّ قُدُومُ مُحَمَّدٍ قَالُوا: قَدْ آنَ لَكَ أَنْ تُبْصِرَ أَنَّ الْعَرَبَ وَالْعَجَمَ قَدْ تَبِعَتْ مُحَمَّدًا وَأَنْتَ مُوضِعٌ فِي عَدَاوَتِهِ وَكُنْتَ أَوْلَى النَّاسِ بِنَصْرِهِ. فَقُلْتُ لِغُلامِي مَذْكُورٍ: عَجِّلْ بِأَبْعِرَةٍ وَفَرَسٍ قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى نَزَلْنَا الأَبْوَاءَ وَقَدْ نَزَلَتْ مُقَدِّمَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الأَبْوَاءَ فَتَنَكَّرْتُ وَخِفْتُ أَنْ أُقْتَلَ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَذَرَ دَمِي. فَخَرَجْتُ عَلَى قَدَمِي نَحْوًا مِنْ مِيلٍ وَأَقْبَلَ النَّاسُ رُسَلا رُسَلا فَتَنَحَّيْتُ فَرَقًا مِنْ أَصْحَابِهِ. فَلَمَّا طَلَعَ فِي مَوْكِبِهِ تَصَدَّيْتُ لَهُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَلَمَّا مَلأَ عَيْنَيْهِ مِنِّي أَعْرَضَ

стр. 102

عَنِّي بِوَجْهِهِ إِلَى النَّاحِيَةِ الأُخْرَى فَتَحَوَّلْتُ إِلَى نَاحِيَةِ وَجْهِهِ الأُخْرَى فَأَعْرَضَ عَنِّي مِرَارًا فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ وَقُلْتُ: أَنَا مَقْتُولٌ قَبْلَ أَنْ أَصِلَ إِلَيْهِ! وَأَتَذَكَّرُ بِرَّهُ وَرَحِمَهُ فَيُمْسِكُ ذَلِكَ مِنِّي وَقَدْ كُنْتُ لا أَشُكُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ سَيَفْرَحُونَ بِإِسْلامِي فَرَحًا شَدِيدًا لِقَرَابَتِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ إِعْرَاضَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِّي أَعْرَضُوا عَنِّي جَمِيعًا فَلَقِيَنِي ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ مُعْرِضًا عَنِّي وَنَظَرْتُ إِلَى عُمَرَ يُغْرِي بِي رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ لِي: يَا عَدُوَّ اللَّهِ! أَنْتَ الَّذِي كُنْتَ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَتُؤْذِي أَصْحَابَهُ قَدْ بَلَغْتَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فِي عَدَاوَتِهِ فَرَدَدْتُ بَعْضَ الرَّدِّ عَنْ نَفْسِي وَاسْتَطَالَ عَلَيَّ وَرَفَعَ صَوْتَهُ حَتَّى جَعَلَنِي فِي مِثْلِ الْحَرَجَةِ مِنَ النَّاسِ يُسِرُّونَ بِمَا يُفْعَلُ بِي. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَمِّي الْعَبَّاسِ فَقُلْتُ: يَا عَمِّ! قَدْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَفْرَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِسْلامِي لِقَرَابَتِي وَشَرَفِي وَقَدْ كَانَ مِنْهُ مَا رَأَيْتَ فَكَلِّمْهُ فِيَّ لِيَرْضَى عَنِّي قَالَ: لا وَاللَّهِ لا أُكَلِّمُهُ كَلِمَةً أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي رَأَيْتُ إِلا أَنْ أَرَى وَجْهًا إِنِّي أُجِلُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَهَابُهُ. فَقُلْتُ: يَا عَمِّ! إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ قَالَ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: فَلَقِيتُ عَلِيًّا فَكَلَّمْتُهُ فَقَالَ: لِي مِثْلَ ذَلِكَ. فَرَجَعْتُ إِلَى الْعَبَّاسِ فَقُلْتُ: يَا عَمِّ! فَكُفَّ عَنِّي الرَّجُلَ الَّذِي يَشْتِمُنِي قَالَ: صِفْهُ لِي فَقُلْتُ: هُوَ رَجُلٌ آدَمُ شَدِيدُ الأُدْمَةِ قَصِيرٌ دَحْدَاحٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ شَحَّةٌ قَالَ: ذَاكَ نُعَيْمَانُ بْنُ الْحَارِثِ النَّجَّارِيُّ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا نُعَيْمَانُ! إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَابْنُ أَخِي وَإِنْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاخِطًا عَلَيْهِ فَسَيَرْضَى عَنْهُ فَكُفَّ عَنْهُ فَبَعْدُ لأْيٍ مَا كُفَّ وَقَالَ: لا أُعْرِضُ لَهُ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَخَرَجْتُ فَجَلَسْتُ عَلَى بَابِ مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى رَاحَ إِلَى الْجُحْفَةِ وَهُوَ لا يُكَلِّمُنِي وَلا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَجَعَلْتُ لا يَنْزِلُ مَنْزِلا إِلا أَنَا عَلَى بَابِهِ وَمَعِي ابْنِي جَعْفَرٌ قَائِمٌ فَلا يَرَانِي إِلا أَعْرَضَ عَنِّي. فَخَرَجْتُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ حَتَّى شَهِدْتُ مَعَهُ فَتْحَ مَكَّةَ وَأَنَا فِي خَيْلِهِ الَّتِي تُلازِمُهُ حَتَّى نَزَلَ الأَبْطَحَ فَدَنَوْتُ مِنْ بَابِ قُبَّتِهِ فَنَظَرَ إِلَيَّ نَظَرًا هُوَ أَلْيَنُ مِنْ ذَلِكَ النَّظَرِ الأَوَّلِ وَرَجَوْتُ أَنْ يَبْتَسِمَ. وَدَخَلَ عَلَيْهِ نِسَاءُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَدَخَلَتْ مَعَهُنَّ زَوْجَتِي فَرَقَّقَتْهُ عَلَيَّ. وَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَأَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ لا أُفَارِقُهُ عَلَى حَالٍ حَتَّى خَرَجَ إِلَى هَوَازِنَ فَخَرَجْتُ مَعَهُ وَقَدْ جُمِعَتِ الْعَرَبُ جَمْعًا لَمْ تُجْمَعْ مِثْلَهُ قَطُّ وَخَرَجُوا

стр. 103

بِالنِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ وَالْمَاشِيَةِ فَلَمَّا لَقِيتُهُمْ قُلْتُ: الْيَوْمَ يُرَى أَثَرِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلُوا الْحَمْلَةَ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦] . وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ وَجَرَّدَ سَيْفَهُ فَاقْتَحَمْتُ عَنْ فَرَسِي وَبِيَدِي السَّيْفُ صَلْتًا قَدْ كَسَرْتُ جَفْنَهُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي أُرِيدُ الْمَوْتَ دُونَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيَّ. وَأَخَذَ الْعَبَّاسُ بِلِجَامِ الْبَغْلَةِ فَأَخَذْتُ بِالْجَانِبِ الآخَرِ فَقَالَ: "مَنْ هَذَا؟ " فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَخُوكَ وَابْنُ عَمِّكَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ فَارْضَ عَنْهُ أَيْ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "قَدْ فَعَلْتُ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَانِيهَا" فَأَقْبَلَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: "أَخِي لَعَمْرِي". ثُمَّ أَمَرَ الْعَبَّاسَ فَقَالَ: نَادِ يَا أَصْحَابِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ يَا أَصْحَابِ السَّمُرَةِ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ يَا لَلأَنْصَارِ يَا لَلْخَزْرَجِ فَأَجَابُوا: لَبَّيْكَ دَاعِيَ اللَّهِ. وَكَرُّوا كَرَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ قَدْ حَطَّمُوا الْجُفُونَ وَشَرَعُوا الرِّمَاحَ وَخَفَضُوا عَوَالِيَ الأَسِنَّةِ وَأَرْقَلُوا إِرْقَالَ: الْفُحُولِ. فَرَأَيْتُنِي وَإِنِّي لأَخَافُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شُرُوعَ رِمَاحِهِمْ حَتَّى أَحْدَقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "تَقَدَّمْ فَضَارِبِ الْقَوْمَ" فَحَمَلْتُ حَمْلَةً أَزَلْتُهُمْ عَنْ مَوْضِعِهِمْ وَتَبِعَنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُدُمًا فِي نُحُورِ الْقَوْمِ مَا يَأْلُو مَا تَقَدَّمَ فَمَا قَامَتْ لَهُمْ قَائِمَةٌ حَتَّى طَرَدْتُهُمْ قَدْرَ فَرْسَخٍ وَتَفَرَّقُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ. وَرُوِيَ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يؤمئذ وَمَا مَعَهُ إِلا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ فَأَتَيْتُهُ حَتَّى أَخَذْتُ بِحَكَمَةِ بَغْلَتِهِ وَكُنْتُ رَجُلا صَيِّتًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَبَّاسُ! اصْرُخْ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ". فَنَادَيْتُ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ قَالَ: فَأَقْبَلُوا كَأَنَّهُمُ الإِبِلُ إِذَا حَنَّتْ إِلَى أَوْلادِهَا يَقُولُونَ: يَا لَبَّيْكَ! يَا لَبَّيْكَ!. وَرُوِيَ أَنَّهُمْ عَطَفُوا عَطْفَةَ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلادِهَا قَدْ شَرَعُوا الرِّمَاحَ حَتَّى إِنِّي لأَخَافُ عَلَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رِمَاحَهُمْ أَشَّدَ مِنْ خَوْفِي رِمَاحَ الْمُشْرِكِينَ يَؤُمُّونَ الصَّوْتَ يَقُولُونَ: يَا لَبَّيْكَ! يَا لَبَّيْكَ!. قَالَ: وَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ وَهُوَ مُقَنَّعٌ بِالْحَدِيدِ وَهُوَ آخِذٌ بِثَغْرِ بَغْلَةِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "مَنْ هَذَا؟ " قَالَ: ابْنُ أُمِّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَيُقَالُ إِنَّهُ قَالَ: أَخُوكَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ.

стр. 104

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ أَخِي نَاوِلْنِي حَصًى مِنَ الأَرْضِ" فَنَاوَلْهُ فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ وَقَالَ: "شَاهَتِ الْوُجُوهُ" فَمَرَّتْ كَأَنَّهَا عَنَانَةٌ فَدَخَلَتْ فِي أَعْيُنِهِمْ كُلِّهِمْ فَانْهَزَمُوا. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَرَّ عَلَيْنَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ فَقَالَ: لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلُمِّي يَا عَائِشَةُ حَتَّى أُرِيَكِ ابْنَ عَمِّي الشَّاعِرَ الَّذِي كَانَ يَهْجُونِي أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَآخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهُ لا يُجَاوِزُ طَرَفُهُ شِرَاكَ نَعْلِهِ". وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حَيَاءً مِنْهُ. وَقَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: لا تَبْكُوا عَلَيَّ فَمَا تَنَطَّفْتُ بِخَطِيئَةٍ مُنْذُ أَسْلَمْتُ. وَبَكَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَثِيرًا وَرَثَاهُ فَقَالَ: أَرَقْتُ وَبَاتَ لَيْلِي لا يَزُولُ ... وَلَيْلُ أَخِي الْمُصِيبَةُ فِيهِ طُولُ وَأَسْعَدَنِي الْبُكَاءُ وَذَاكَ فِيمَا ... أُصيبَ الْمُسْلِمُونَ به قليل لقد عظمت مصيبنا وَجَلَّتْ ... عَشِيَّةَ قِيلَ قَدْ قُبِضَ الرَّسُولُ فَأَضْحَتْ أَرْضُنَا مِمَّا عَرَاهَا ... تَكَادُ بِنَا جَوَانِبُهَا تَمِيلُ فَقَدْنَا الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيلَ فِينَا ... يَرُوحُ بِهِ وَيَغْدُو جِبْرَئِيلُ وَذَاكَ أَحَقُّ مَا سَالَتْ عَلَيْهِ ... نُفُوسُ النَّاسِ أَوْ كَادَتْ تَسِيلُ نَبِيٌّ كَانَ يَجْلُو الشَّكَّ عَنَّا ... بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ وَمَا يَقُولُ وَيَهْدِينَا فَلا يُخْشَى عَلَيْنَا ... ضَلالا وَالرَّسُولُ لَنَا دَلِيلُ أَفَاطِمُ إِنْ جَزَعَتْ فَذَاكَ عُذْرُ ... وَإِنْ لَمْ تَجْزَعِي فَهُوَ السَّبِيلُ فَقَبْرُ أَبِيكِ سَيِّدُ كُلِّ قَبْرٍ ... وَفِيهِ سَيِّدُ النَّاسِ الرَّسُولُ

стр. 105

٥٠ – [توبة عبد الله بن الزبعري ﵁] وهرب يوم الفتح هبيرة بن أبي وهب المخزومي زوج أم هانىء بنت أبي طالب وعبد الله بن الزبعري إلى نجران وكانا شاعرين يهجوان المسلمين. ويقال: إن ابن الزبعري أشعر شعراء قريش فأرسل حسان بن ثابت أبياتا يريد بها ابن الزبعري أنشدنيها ابن أبي الزناد:

стр. 106

لا تعد من رجلا أحلك بغضه ... نجران في عيش أحذ لئيم بليت قناتك في الحروب فألفيت ... خمانة جوفاء ذات وصوم غضب الإله على الزبعري وابنه ... وعذاب سوء في الحياة مقيم فلما جاءه شعر حسان تهيأ للخروج فقال له هبيرة: أين تريد يا ابن عمي؟ قال: أردت والله محمدا قال: أتريد أن تتبعه؟ قال: إي والله! قال هبيرة: يا ليت أني رافقت غيرك! والله ما ظننت أنك تتبع محمدا أبدا؟. قال ابن الزبعري: فعلى أي شيء تقيم مع بني الحارث ابن كعب - وأترك ابن عمي وخير الناس وأبره - ومع قومي وداري؟. فانحدر ابن الزبعري حتى جاء رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو جالس في أصحابه. فلما نظر رسول الله ﷺ إليه قال: "هذا ابن الزبعري ومعه وجه فيه نور الإسلام" فلما وقف عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال: السلام عليك يا رسول الله! شهدت أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله والحمد لله الذي هداني للإسلام لقد عاديتك وأجلبت عليك وركبت البعير والفرس ومشيت على قدمي في عداوتك ثم هربت منك إلى نجران وأنا أريد أن لا أقرب الإسلام أبدا ثم أرادني الله منه بخير وألقاه في قلبي وحببه إلي وذكرت ما كنت فيه من الضلالة واتباع ما لا ينفع ذا عقل من حجر يعبد ويذبح له لا يدري من يعبده ومن لا يعبده قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الحمد لله الذي هداك للإسلام إن الإسلام يجب ما كان قبله". وقال: ابن الزبعري حين أسلم: منع الرقاد بلابل وهموم ... والليل معتلج الرواق بهيم مما أتاني أن أحمد لامني ... فيه فبت كأنني محموم يا خير من حملت على أوصالها ... عيرانة سرح اليدين غشوم إني لمعتذر إليك من الذي ... أسديت إذ أنا في الضلال أهيم أيام تأمرني بأغوى خطة ... سهم وتأمرني بها مخزوم فاليوم آمن بالنبي محمد ... قلبي ومخطىء هذه محروم مضت العداوة وانقضت أسبابها ... ودعت أواصر بيننا وحلوم

стр. 107

فاغفر فدى لك والدي كلاهما ... زللي فإنك راحم مرحوم وعليك من علم المليك علامة ... نور أغر وخاتم مختوم أعطاك بعد محبة برهانه ... شرفا وبرهان الإله عظيم ولقد شهدت بأن دينك صادق ... حق وأنك في العباد جسيم والله يشهد أن أحمد مصطفى ... متقبل في الصالحات كريم قرم تفرع في الذرى من هاشم ... فرع تمكن في الذرى وأروم

стр. 108

٥١ – [توبة هبار بن الأسود ﵁] قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ أَبِي يَاسِرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ: قَالَ: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ هَبَّارًا - يَعْنِي ابْنَ الأَسْوَدِ - قَطُّ إِلا تَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَلا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً قَطُّ إِلا قَالَ: "إِنْ ظَفِرْتُمْ بِهَبَّارٍ فَاقْطَعُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ اضْرِبُوا عُنُقَهُ" وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَطْلِبُهُ وَأَسْأَلُ عَنْهُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ لَوْ ظَفِرْتُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَتَلْتُهُ ثُمَّ طَلَعَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جَالِسٌ فَجَعَلَ يَعْتَذِرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ فِي مَسْجِدِهِ مُنْصَرَفُهُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ فَطَلَعَ هَبَّارُ بْنُ الأَسْوَدِ فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَيْهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَبَّارُ بْنُ الأَسْوَدِ. قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ رَأَيْتُهُ". فَأَرَادَ بَعْضُ الْقَوْمِ الْقِيَامَ إِلَيْهِ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "أَنِ اجْلِسْ" فَوَقَفَ عَلَيْهِ هَبَّارٌ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَشْهَدُ أَنَّ لا إله إلا الله وأنك رَسُولُ اللَّهِ وَلَقَدْ هَرَبْتُ مِنْكَ فِي الْبِلادِ فَأَرَدْتُ اللُّحُوقَ بِالأَعَاجِمِ ثُمَّ ذَكَرْتُ عَائِدَتَكَ وَفَضْلَكَ وَبِرَّكَ وَصَفْحَك عَمَّنْ جَهَلَ عَلَيْكَ وَكُنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْلَ شِرْكٍ فَهَدَانَا اللَّهُ بِكَ وَأَنْقَذَنَا بِكَ مِنَ الْهَلَكَةِ فَاصْفَحْ عَنْ جَهْلِي وَعَمَّا كَانَ يَبْلُغُكَ مِنِّي فَإِنِّي مُقِرٌّ بَسَوْأَتِي مُعْتَرِفٌ بِذَنْبِي. قَالَ الزُّبَيْرُ: وَقَالَ: فَقَدْ كُنْتُ موضعا فِي سبك وأذاك وَكُنْتُ مَخْذُولا وَقَدْ بَصَّرَنِي اللَّهُ وَهَدَانِي للإِسْلامِ قَالَ الزُّبَيْرُ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّهُ لَيُطَاطِئُ رَأْسَهُ مِمَّا يَعْتَذِرُ هَبَّارٌ وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ وَالإِسْلامُ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ".

стр. 109

وَكَانَ لسنا وَكَانَ - يَعْنِي بَعْدَ ذَلِكَ - يَسُبُّ حَتَّى يَبْلُغَ مِنْهُ فَلا يَنْتَصِفُ فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِلْمُهُ وَمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مِنَ الأَذَى فَقَالَ: "يَا هَبَّارُ! سُبَّ مَنْ سَبَّكَ".

стр. 110

٥٢ – [توبة عكرمة بن أبي جهل ﵁] وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأَمَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ثنا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السُّبَيْعِيُّ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ قَالَ عِكْرِمَةُ: وَاللَّهِ لا أَسْكُنُ أَرْضًا أَرَى فِيهَا قَاتِلَ أَبِي الْحَكَمِ! فَانْطَلَقَ يَرْكَبُ الْبَحْرَ وَعَمَدَ خَتَنُهُ أَبُو امْرَأَتِهِ فَأَمَرَ زَوْجَتَهُ فَتَعَصَّبَتْ ثُمَّ تَلَقَّتْهُ فَقَالَتْ: أَيْنَ تَذْهَبُ يَا سَيِّدَ فِتْيَانِ قُرَيْشٍ؟ تَذْهَبُ إِلَى أَرْضٍ لا تُعْرَفُ بِهَا؟ فَأَبَى أَنْ يُطِيعَهَا. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ أَسْلَمَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ وَأَسْلَمَتْ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ امْرَأَةُ عِكْرِمَةَ فِي عَشْرِ نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَتَيْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِالأَبْطَحِ فَبَايَعْنِهِ فَدَخَلْنَ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ زَوْجَتَاهُ وَابْنَتُهُ فَاطِمَةُ وَنِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الْمُطِّلَبِ فَتَكَلَّمَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَظْهَرَ الدِّينَ الَّذِي اخْتَارَ لِنَفْسِهِ لَتَمَسُّنِي رَحِمُكَ يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي امْرَأَةٌ مُؤْمِنَةٌ بِاللَّهِ مُصَدِّقَةٌ ثُمَّ كَشَفَتْ عَنْ نِقَابِهَا فَقَالَتْ: هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ. فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَرْحَبًا بِكِ" فَقَالَتْ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ خِبَائِكِ وَلَقَدْ أَصْبَحْتُ وَمَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ خِبَائِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَزِيَادَةُ أَيْضًا". ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِنَّ الْقُرْآنَ وَبَايَعَهُنَّ. ثُمَّ قَالَتْ أُمُّ حَكِيمٍ امْرَأَةُ عِكْرِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ هَرَبَ عِكْرِمَةُ مِنْكَ إِلَى الْيَمَنِ وَخَافَ أَنْ تَقْتُلَهُ فَأَمِّنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هُوَ آمِنٌ". فَخَرَجَتْ أُمُّ حَكِيمٍ فِي طَلَبِهِ فَأَدْرَكَتْهُ وَقَدِ انْتَهَى إِلَى سَاحِلٍ مِنْ سَوَاحِلِ تُهَامَةَ فَجَعَلَ نُوتِيُّ السَّفِينَةِ يَقُولُ لَهُ: أخلص! قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ قَالَ عِكْرِمَةُ: مَا هَرَبْتُ إِلا مِنْ هَذَا.
следующие страницы →