← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11317

التوابين لابن قدامة

ابن قدامة

Полный текст (284 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فأخذ بيدي ففعل كفعله في الأولى والثانية حتى أتينا مكة في الليل ففارقني فقبضت عليه وقلت الصحبة فقال: إني أريد الشام فقلت أنا معك فقال: لي إذا انقضى الحج فالموعد هاهنا عند زمزم. حتى إذا انقضى الحج إذا به عند زمزم. فأخذ بيدي فطفنا بالبيت ثم خرجنا من مكة ففعل كفعله الأول والثاني والثالث فإذا نحن ببيت المقدس فلما دخل المسجد قال لي: عليك السلام! أنا على المقام - إن شاء الله - هاهنا ثم فارقني فما رأيته بعد ذلك ولا عرفني اسمه. قال إبراهيم: فرجعت إلى بلدي فجعلت أسير سير الضعفاء منزلا بعد منزل حتى رجعت إلى " بلخ " فكان ذلك أول أمري.

стр. 142

[إبراهيم بن آدم والبحر الهائج] قال الشكلي: حدثنا علي بن سعيد قال: ثنا إبراهيم بن بشار قال: ركبنا البحر مع إبراهيم بن أدهم فبينا نحن نسير بريح طيبة وكانت مراكب كثيرة فعصفت ريح شديدة على المراكب فتقطعت وإبراهيم ملتف في عباءة مستلق فجاء أهل المركب إليه فقالوا: يا هذا!! ما ترى ما نحن فيه وأنت مستلق غير مكترث؟ فجلس وهو يقول: لا أفلح من لم يكن استعد لمثل هذا اليوم! ثم حرك شفتيه وإذا هاتف ينادي من اللجة: تخافون وفيكم إبراهيم بن أدهم؟ أيها الريح والبحر الهائج اسكنا بإذن الله فسكن البحر وذهبت الريح حتى صار البحر كأنه دف يعني لوح خشب.

стр. 143

٦٥ – [توبة شقيق البلخي] أخبرنا أبو الفتح بن عبد الباقي قال: ثنا أبو الفضل الحداد أنا أبو نعيم الحافظ ثنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي ثنا عباس بن أحمد الشاشي ثنا أبو عقيل الرصافي ثنا أحمد بن عبد الله الزاهد قال: قال: علي بن محمد بن شقيق: كان لجدي ثلثمائة قرية: ولم يكن له يوم مات كفن يكفن فيه قدمه كله

стр. 144

بين يديه قال: وكان خرج إلى بلاد الترك لتجارة - وهو حدث - إلى قوم يقال لهم: الخلوخية يعبدون الأصنام فدخل إلى بيت أصنامهم وعالمهم قد حلق رأسه ولحيته ولبس ثيابا حمرا أرجوانية فقال له شقيق: إن هذا الذي أنت فيه باطل ولهؤلاء ولك ولهذا الخلق خالق صانع ليس كمثله شيء له الدنيا والآخرة قادر على كل شيء رازق كل شيء. فقال له الخادم: ليس يوافق قولك فعلك فقال له شقيق: كيف ذلك؟ قال: زعمت أن لك خالقا قادرا على كل شيء وقد تعنيت إلى هاهنا لطلب الرزق ولو كان كما تقول كان الذي يرزقك هاهنا يرزقك ثم فتربح العناء. قال شقيق: فكان سبب زهدي كلام التركي فرجع فتصدق بجميع ما ملك وطلب العلم.

стр. 145

٦٦ – [عبد الله بن مرزوق] وروي أبو سعيد بإسناد له أن عبد الله بن مرزوق كان مع المهدي في دنيا واسعة فشرب ذات يوم على لهو وسماع فلم يصل الظهر والعصر والمغرب وفي كل ذلك تنبهه جارية حظية عنده. فلما جاز وقت العشاء جاءت الجارية بجمرة فوضعتها على رجله فانزعج وقال: ما هذا؟ قالت: جمرة من نار الدنيا فكيف تصنع بنار الآخرة؟. فبكى بكاء شديدا ثم قام إلى الصلاة. ووقع في نفسه مما قالت: الجارية فلم ير شيئا ينجيه إلا مفارقة ما هو فيه من ماله. فأعتق جواريه وتحلل من معامليه وتصدق بما بقي حتى صار يبيع البقل وتبعته على ذلك الجارية. فدخل عليه سفيان بن عيينة وفضيل بن عياض فوجدا تحت رأسه لبنة وليس تحته شيء فقال له سفيان إنه لم يدع أحد لله شيئا إلا عوضه الله منه بدلا فما عوضك مما تركت له؟. قال: الرضى بما أنا فيه.

стр. 146

٦٧ – [جعفر بن حرب] وذكر أبو القاسم التنوخي عن أبيه أن جعفر بن حرب كان يتقلد كبار الأعمال للسلطان وكانت نعمته تقارب نعمة الوزارة في غاية الوفور ومنزلته بحالها في الجلالة فسمع رجلا يقرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦] . فصاح: اللهم بلى فكررها دفعات وبكى. ثم نزل عن دابته ونزع ثيابه ودخل إلى دجلة واستتر بالماء ولم يخرج منه حتى فرق جميع ماله في المظالم التي كانت عليه وردها وتصدق بالباقي. فاجتاز رجل فرآه في الماء قائما - وسمع بخبره - فوهب له قميصا ومئزرا فاستتر بهما وخرج وانقطع إلى العلم والعبادة حتى مات.

стр. 147

٦٨ – [توبة هارون الرشيد] أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ثنا حَمَدٌ قَالَ: أَنْبَأَ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ: أَنْبَأَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَنْبَأَ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلابِيُّ ثنا أَبُو عُمَرَ الْجَرْمِيُّ النَّحْوِيُّ ثنا الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: حَجَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونُ الرَّشِيدُ فَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ بِمَكَّةَ إِذْ سَمِعْتُ قَرْعَ الْبَابِ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَخَرَجْتُ مُسْرِعًا فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ لأَتَيْتُكَ فَقَالَ: وَيْحَكَ قَدْ خَطَرَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ فَانْظُرْ لِي رَجُلا أسأله فقلت: هاهنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فَقَالَ: امْضِ بِنَا إِلَيْهِ فَأَتَيْنَاهُ فَقَرَعْتُ الْبَابَ فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ قُلْتُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَخَرَجَ مُسْرِعًا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ لأَتَيْتُكَ فَقَالَ لَهُ: خُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ - رَحِمَكَ اللَّهُ - فَحَدَّثَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ لَهُ: عَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: اقْضِ دَيْنَهُ. فَلَمَّا خَرَجْنَا قَالَ: مَا أَغْنَى عَنِّي صَاحِبُكَ شَيْئًا انْظُرْ لِي رَجُلا أَسْأَلُهُ فَقُلْتُ: هاهنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ فَقَالَ: امْضِ بِنَا إِلَيْهِ فَأَتَيْنَاهُ فَقَرَعْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَخَرَجَ مُسْرِعًا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ لأَتَيْتُكَ قَالَ: خُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ - رَحِمَكَ اللَّهُ -

стр. 148

فَحَادَثَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: يَا عَبَّاسِيُّ! اقْضِ دَيْنَهُ. ثُمَّ انْصَرَفْنَا فَقَالَ لِي: مَا أَغْنَى عَنِّي صَاحِبُكَ شَيْئًا انْظُرْ لِي رَجُلا أسأله قلت: هاهنا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ فَقَالَ: امْضِ بِنَا إِلَيْهِ فَأَتَيْنَاهُ وَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَتْلُو آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ يُرَدِّدُهَا قَالَ: اقْرَعِ الْبَابَ فَقَرَعْتُهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا قُلْتُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: مَا لِي وَلأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَمَا عَلَيْكَ طَاعَتُهُ؟ فَنَزَلَ فَفَتَحَ الْبَابَ ثُمَّ ارْتَقَى إِلَى الْغُرْفَةِ فَأَطْفَأَ السِّرَاجَ ثُمَّ الْتَجَأَ إِلَى زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْبَيْتِ. فَدَخَلْنَا فَجَعَلْنَا نَجُولُ عَلَيْهِ بِأَيْدِينَا فَسَبَقَتْ كَفُّ هَارُونَ قَبْلِي إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا لَهَا مِنْ كَفٍّ مَا أَنْعَمَهَا وَأَلْيَنَهَا إِنْ نَجَتْ غَدًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَيُكَلِّمَنَّهُ اللَّيْلَةَ بِكَلامٍ نَقِيٍّ مِنْ قَلْبٍ نَقِيٍّ فَقَالَ لَهُ: خُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ - رَحِمَكَ اللَّهُ -. فَقَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلافَةَ دَعَا سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ ورجاء بن حيوة فقال له: م قَدِ ابْتُلِيتُ بِهَذَا الْبَلاءِ فَأَشِيرُوا عَلَيَّ فَعَدَّ الْخِلافَةَ بَلاءً وَعَدَدْتَهَا أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ نِعْمَةً؟!. فَقَالَ لَهُ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فَصُمْ عَنِ الدُّنْيَا وَلْيَكُنْ إِفْطَارُكَ مِنْهَا الْمَوْتَ. وَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فَلْيَكُنْ كَبِيرُ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَكَ أَبًا وَأَوْسَطُهُمْ عِنْدَكَ أَخًا وَأَصْغَرُهُمْ عِنْدَكَ وَلَدًا فَوَقِّرْ أَبَاكَ وَأَكْرِمْ أَخَاكَ وَتَحَنَّنْ عَلَى وَلَدِكَ. وَقَالَ لَهُ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ: إِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فَأَحِبَّ لِلْمُسْلِمِينَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَاكْرَهْ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ ثُمَّ مُتْ إِذَا شِئْتَ وَإِنِّي لأَقُولُ لَكَ هَذَا وَإِنِّي لأَخَافُ عَلَيْكَ أَشَدَّ الْخَوْفِ فِي يَوْمٍ تَزِلُّ فِيهِ الأَقْدَامُ! فَهَلْ مَعَكَ - رَحِمَكَ اللَّهُ - مِثْلَ هَؤُلاءِ مَنْ يُشِيرُ عَلَيْكَ أَوْ يَأْمُرُكَ بِمِثْلِ هَذَا؟. فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ. فَقُلْتُ: لَهُ ارْفِقْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قال: يا ابن أُمِّ الرَّبِيعِ تَقْتُلُهُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ وَأَرْفِقُ بِهِ أَنَا؟. ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: زِدْنيِ رَحِمَكَ اللَّهُ. فَقَالَ: بَلَغَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ عَامِلا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ شَكَى إِلَيْهِ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: يَا أَخِي اذْكُرْ طُولَ سَهَرِ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ مَعَ خُلُودِ

стр. 149

الأَبَدِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَطْرُدُ بِكَ إِلَى بَابِ الرَّبِّ نَائِمًا وَيَقْظَانَ وَإِيَّاكَ أَنْ يَنْصَرِفَ بِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَيَكُونُ آخِرُ الْعَهْدِ وَمُنْقَطَعُ الرَّجَاءِ. قَالَ: فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ طَوَى الْبِلادَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: مَا أَقْدَمَكَ؟ قَالَ: خَلَعْتَ قَلْبِي بِكِتَابِكَ لا وَلَيْتُ لَكَ وِلايَةً حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ. فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ لَهُ: زِدْنِي - رَحِمَكَ اللَّهُ -. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الْعَبَّاسَ عَمَّ الْمُصْطَفَى ﷺ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: أَمِّرْنِي فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ النَّبِيِّ نَفْسٌ تُنَجِّيهَا خَيْرٌ مِنْ إِمَارَةٍ لا تُحْصِيهَا إِنَّ الإِمَارَةَ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا تتأمرن على أحد فافعل". [البخاري ٤١٤٨, مسلم ١٨٢٦] قَالَ: فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ لَهُ: زِدْنِي - رَحِمَكَ اللَّهُ -. قَالَ: يَا حَسَنَ الْوَجْهِ أَنْتَ الَّذِي يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْ هَذَا الْخَلْقِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقِيَ هَذَا الْوَجْهَ مِنَ النَّارِ فَافْعَلْ وَإِيَّاكَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِي وَفِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِرَعِيَّتِكَ فَإِنَّ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَصْبَحَ لَهُمْ غَاشًّا لم يرح رائحة الجنة". [البخاري ٧١٥١, مسلم ١٤٢, أحمد ٥/٢٥] . فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ: عَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ دَيْنٌ لِرَبِّي لَمْ يُحَاسِبْنِي عَلَيْهِ فَالْوَيْلُ لِي إِنْ سَاءَلَنِي وَالْوَيْلُ لِي إِنْ نَاقَشَنِي وَالْوَيْلُ لِي إِنْ لَمْ أُلْهَمْ حُجَّتِي. قَالَ: فَقَالَ: إِنَّمَا أَعْنِي مِنْ دَيْنِ الْعِبَادِ. قَالَ: إِنَّ رَبِّي لَمْ يَأْمُرْنِي بِهَذَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُصَدِّقَ وَعْدَهُ وَأُطِيعَ أَمْرَهُ فَقَالَ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ الذاريات: ٥٦ – ٥٨] . فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ أَلْفُ دِينَارٍ خُذْهَا فَأَنْفِقْهَا وَتَقَوَّ بِهَا عَلَى عِبَادَةِ رَبِّكَ فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! أَنَا أَدُلُّكَ عَلَى النَّجَاةِ وَأَنْتَ تُكَافِينِي بِمِثْلِ هَذَا؟ - سَلَّمَكَ اللَّهُ وَوَفَّقَكَ - ثُمَّ صَمَتَ فَلَمْ يُكَلِّمْنَا. فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ فَلَمَّا أَنْ صِرْنَا عَلَى الْبَابِ قَالَ لِي هَارُونُ: يَا عَبَّاسِيُّ! إِذَا دَلَلْتَنِي عَلَى رَجُلٍ فَدُلَّنِي عَلَى مِثْلَ هَذَا هَذَا سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ. قَالَ غَيْرُ أَبِي عُمَرَ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ فَقَالَتْ: يَا هَذَا قَدْ تَرَى سُوءَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ ضِيقِ الْحَالِ فَلَوْ قَبِلْتَ هَذَا الْمَالَ تَفَرَّجْنَا بِهِ؟! قَالَ: مِثْلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانَ لَهُمْ بَعِيرٌ يَأْكُلُونَ مِنْ كَسْبِهِ فَلَمَّا كَبِرَ نَحَرُوهُ وَأَكَلُوا لَحْمَهُ.

стр. 150

فَلَمَّا سَمِعَ هَارُونَ الْكَلامَ قَالَ: نَرْجِعُ فَعَسَى أَنْ يَقْبَلَ الْمَالَ قَالَ: فَدَخَلَ فَلَمَّا عَلِمَ فُضَيْلٌ خَرَجَ فَجَلَسَ عَلَى تُرَابٍ فِي السَّطْحِ عَلَى بَابِ الْغُرْفَةِ وَجَاءَ هَارُونُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ فَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ فَلَمْ يُجِبْهُ. فَبَيْنَا نَحْنَ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: يَا هَذَا! قَدْ آذَيْتَ الشَّيْخَ مُنْذُ اللَّيْلَةَ فَانْصَرِفْ - رَحِمَكَ اللَّهُ - قَالَ: فَانْصَرَفْنَا.

стр. 151

٦٩ – [توبة ابن هارون الرشيد] قرأت على الشيخ الصالح أبي المكارم المبارك بن محمد بن المعمر البادرائي أخبركم أبو غالب بن أحمد الباقلاني وقرىء على أبي القاسم هبة الله بن الحسن بن هلال الدقاق وأنا أسمع أخبركم أبو طاهر عبد الملك بن أحمد السيوري قالا: أنبأ أبو القاسم بن بشران أنبأ أبو بكر الآجري قال: سمعت أبا بكر بن أبي الطيب يقول: بلغنا عن عبد الله بن الفرج العابد قال: احتجت إلى صانع يصنع لي شيئاً من أمر الروز جاريين فأتيت السوق فإذا بأواخرهم شاب مصفر بين يديه زنبيل كبير ومر وعليه جبة صوف ومئزر صوف فقلت له: تعمل؟ قال: نعم قلت بكم؟ قال: بدرهم ودانق. فقلت له: قم حتى تعمل قال: على شريطة قلت: ما هي؟ قال: إذا كان وقت الظهر فأذن المؤذن خرجت فتطهرت وصليت في المسجد جماعة ثم رجعت فإذا كان وقت العصر فكذلك فقلت: نعم. فقام معي فجئنا المنزل فوافقته على ما ينقله من موضع إلى موضع فشد وسطه وجعل يعمل ولا يكلمني بشيء حتى أذن المؤذن الظهر فقال: يا عبد الله! قد أذن المؤذن قلت: شأنك فخرج فصلى فلما رجع عمل أيضا عملا جيدا إلى العصر فلما أذن المؤذن قال لي: يا عبد الله! قد أذن المؤذن قلت: شأنك فخرج فصلى العصر ثم رجع. فلم يزل يعمل إلى آخر النهار فوزنت له أجرته وانصرف. فلما كان بعد أيام احتجنا إلى عمل فقالت لي زوجتي: اطلب لنا ذاك الصانع الشاب فإنه قد نصحنا في عملنا فجئت السوق فلم أره فسألت عنه فقالوا: تسأل عن ذاك المصفر المشؤوم الذي لا نراه إلا من سبت إلى سبت لا يجلس إلا وحده في آخر الناس؟ قال: فانصرفت.

стр. 152

فلما كان يوم السبت أتيت السوق فصادفته فقلت: تعمل؟ فقال: قد عرفت الأجرة والشرط قلت: أستخير الله تعالى. فقام فعمل على النحو الذي كان يعمل قال: فلما وزنت له الأجرة زدته فأبى أن يأخذ الزيادة وفألححت عليه فضجر وتركني ومضى فغمني ذلك فاتبعته وداريته حتى أخذ أجرته فقط. فلما كان بعد مدة احتجنا أيضا إليه فمضيت في يوم السبت فلم أصادفه فسألت فقيل لي هو عليل وقال: لي من يخبر أمره إنما كان يجيء إلى السوق من سبت إلى سبت يعمل بدرهم ودانق ويتقوت كل يوم بدانق وقد مرض. فسألت عن منزله فأتيته وهو في بيت عجوز فقلت لها هنا الشاب الروز جاري؟ فقالت: هو عليل منذ أيام فدخلت عليه فوجدته لما به وتحت رأسه لبنة فسلمت عليه وقلت: لك حاجة؟ قال نعم إن قبلت قلت: أقبل إن شاء الله. قال: إذا مت فبع هذا المر واغسل جبتي هذه الصوف وهذا المئزر وكفني بهما وافتق جيب الجبة فإن فيها خاتما وانظر يوم يركب هارون الرشيد فقف له في موضع يراك فكلمه وأره الخاتم فإنه سيدعو بك فسلم إليه الخاتم ولا يكون هذا إلا بعد دفني قلت: نعم. فلما مات فعلت به ما أمرني ثم نظرت اليوم الذي يركب فيه الرشيد فجلست له على الطريق فلما مر ناديته: يا أمير المؤمنين! لك عندي وديعة ولوحت بالخاتم فأمر بي فأخذت وحملت حتى أدخلت إلى داره ثم دعاني ونحى جميع من عنده وقال: من أنت؟ قلت عبد الله بن الفرج فقال: هذا الخاتم من أين لك؟ فحدثته قصة الشاب فجعل يبكي حتى رحمته. فلما أنس إلي قلت: يا أمير المؤمنين! من هو منك؟ قال: ابني. قلت كيف صار إلى هذه الحال؟. قال: ولد لي قبل أن أبتلى بالخلافة فنشأ نشوءا حسنا وتعلم القرآن والعلم فلما وليت الخلافة تركني ولم ينل من دنياي شيئا فدفعت إلى أمه هذا الخاتم - وهو ياقوت يسوى مالا كثيرا - فدفعته إليها وقلت تدفعين هذا إليه - وكان برا بأمه - وتسألينه أن يكون معه فلعله أن يحتاج إليه يوما من الأيام فينتفع به وتوفيت أمه فما عرفت له خبرا إلا ما أخبرتني به أنت. ثم قال: إذا كان الليل اخرج معي إلى قبره فلما كان الليل خرج وحده

стр. 153

معي يمشي حتى أتينا قبره فجلس إليه فبكى بكاء شديدا فلما طلع الفجر قمنا فرجع. ثم قال: تعاهدني في الأيام حتى أزور قبره فكنت أتعاهده في الليل فنخرج حتى نزوره ثم نرجع. قال: عبد الله بن الفرج: ولم أعلم أنه ابن الرشيد حتى أخبرني الرشيد أنه ابنه أو كما قال: ابن أبي الطيب.

стр. 154

٧٠ – [توبة علي بن المأمون, والمأمون] وذكر إبراهيم بن الجنيد في كتاب زهد الملوك بإسناده عن صالح بن عبد العزيز قال: أخبرني عمي عبد الحميد بن محمد: أن المأمون كان يجد بابنه علي وجدا شديدا ويقدمه على جميع أولاده وكان من أحسن الناس وأجملهم مع أدب وفصاحة. قال عبد الحميد: وكنت إذا دخلت الدار أميل إليه فأسلم عليه فأرى معه حياء وبشاشة ولا أرى فيه كبرا ولا عزا يضاحك خدمه ويلاطف جلساءه ثم أسخى من رأت عيناي وأحسنه خلقا وأطيبه نفسا وكنت إذا رأيته لا أكاد أصرف وجهي عنه من حسنه وجماله. وكان سبب تزهده فيما أخبرني به شاكر مولاه قال: كان في يوم صائف شديد الحر له سموم في قبة الجيش فأتاه يمن الخادم فقال: يا سيدي! أمير المؤمنين يدعوك قد دعا بطعامه وهو ينتظرك قال: ويحك! الحر شديد ويؤذيني وأكره الخروج فارجع فأعلمه أنك وجدتني نائما فمضى فلم يكن بأسرع من أن رجع فقال: قد قال: ادخل عليه ونبهه - وكان لا يصبر عنه ساعة - فقام وهو كاره فحضر الطعام. ثم قعد أمير المؤمنين للشراب مع ندمائه فقام علي وخرج من المجلس وكان لا يشرب شيئا من الأنبذة فانصرف إلى قصره وأمر أن يفرش له في بعض مستشرفه على دجلة وألقى فيه الماء والثلج والخلاف وقعد على سرير عليه غلالة ينظر إلى الناس وإلى دجلة ودعا بقيانه وندمائه. فبينا هو كذلك إذ نظر إلى حمال قد أقبل عند الزوال عليه دراعة صوف بيضاء بالية بلا قميص تحتها ولا سراويل عليه وقد شد على رجليه خرقا من

стр. 155

الحر ولبس نعلين متخرقين وعلى رأسه خرقة وعلى عنقه كرزنه وطبقه فأتى دجلة وقعد في بعض السفن والأمير ينظر إليه مستشرف عليه لا يصرف بصره عنه فوضع طبقه وكرزنه وخلع نعليه وألقى الخرق عن رجليه ودنا من دجلة وغسل يديه ورجليه وانصرف إلى موضعه فأخرج جرابا له ففتحه وأخرج منه كسرا يابسة مختلفة الألوان وأخرج منه قصعة خشب فغسل قصعته وجعل فيها ماء وألقى تلك الكسر في الماء الذي في القصعة ثم أخرج صرة ففتحها وأخرج منها ملحا فنثره على الخبز وقليل سعتر وتركها مقدار ما بل الكسر ثم تربع على الرمل وسمى الله ﵎ وأكل أكل رجل يشتهي الطعام وهو مع ذلك يشكر الله تعالى والأمير عيناه إليه حتى فرغ وغسل القصعة فردها إلى جرابه مع كسيرات بقيت وشد خرقة الملح ودنا من الشط فاغترف بكفيه من الماء وقال: يا سيدي ومولاي! لك الحمد على هذه النعمة التي تفضلت بها علي فلك الحمد على أياديك عندي فلك الحمد ولك الشكر. ثم وضع رأسه على كرزنه وتمدد على الرمل ساعة ثم قام فتهيأ للصلاة وقام يصلي للزوال. فقال الأمير للغلمان الوقوف عنده: ليذهب بعضكم إلى الرجل القائم المصلي فيأتيني به مع طبقه وكرزنه ولا يرعبه وعليه باللطف حتى يأتيني به. فمضى بعض الغلمان فأتاه فأقام عنده حتى سلم ثم قال له: قم معي حتى تحمل لي متاعا من قصر الأمير فقال: اطلب غيري فإني متعوب البدن قال: الموضع قريب والحمل خفيف قال: يا حبيبي! قد عرفت ذلك وأنت تصيب غيري فاعفني فإني أكره دخول الدار قال: لا بد منه فإن قمت وإلا أقمت وغلظ له في الكلام فقام الرجل وألقى كرزنه في عنقه وحمل الطبق وقرأ ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء: ١٩] . فأدخله الغلام القصر ثم أصعده حتى أوقفه بين يدي الأمير على هيئته فأمره بالقعود فقال له الندماء: أيها الأمير! من هذا حتى تأمره بالقعود مع وسخه ونجاسته؟ قال: اسكتوا. ثم قال: من أهلها أنت؟ قال: نعم قال: ما صناعتك؟ قال: ما ترى الحمل قال: وكم عيالك؟ قال: نحن عيال الله لي والدة عجوز مقعدة وأخت عمياء زمنة قال: فأهل وولد؟ قال: مالي أهل ولا ولد. قال: فكم يكون الكسب؟ قال: على قدر ما أرزق إلا أنه لا ينصرم يوم

стр. 156

إلا ونحن في كفاية من فضل الله تعالى قال: فتطيق الحمل كل يوم؟ قال: إذا صليت الفجر خرجت فتعرضت للرزق إلى وقت الزوال ثم أتفرغ لنفسي إلى فراغي من صلاة العصر وأجم نفسي من العصر إلى الليل قال: أفليس تكون بالليل جماما؟ قال: إن أجممت نفسي بالليل تركني فقيرا يوم القيامة. ففطن لها علي فقال: إني رأيتك تأكل وحدك كيف لا تأكل مع والدتك وأختك؟ قال: إنهما يصومان فأجعل عشائي مع فطرهما. قال: أخرج الكسر ففتح جرابه فأخرج منه كسرا يابسة أسود وأحمر وأبيض فنظر إليها الأمير ساعة يتأملها متفكرا ثم قال: يا شاكر إيتني بخمسة آلاف درهم صحاح فأدفعها إليه ليصلح بها حاله. قال: أيها الأمير! أنا غني عنها لا حاجة لي فيها فجهد به على أن يأخذها فأبى. يتني بخمسة آلاف درهم صحاح فأدفعها إليه ليصلح بها حاله قال: أيها الأمير! أنا غني عنها لا حاجة لي فيها فجهد به على أن يأخذها فأبى. قال الأمير: فلي إليك حاجة قال: ما حاجة مثلك إلى مثلي؟ قال: في حاجة مهمة فأخذ بيده فأدخله بعض غرفه وخلا معه وقال: هذا! قد عرفت حالي وقصتي وموضعي وما أنا فيه من هذا الملك نعيم الدنيا ولذاتها فادع الله ﵎ أن يزهدني في الدنيا يرغبني في الآخرة. فقال له: الحمال يا حبيبي! مالي عند الله من المنزلة أدعوه إلا أن بعض الحكماء يقول: من خاف شيئا أدلج افرض إلى نفسك كل يوم وساعة شيئا معلوما من خصال الخير فإنك إذا فعلت لك جاءتك العزيمة بالعون من الله تعالى على ذلك ولا تؤخر عمل يومك لغد ولا تكلف نفسك ما لا طاقة لها به وأكثر ذكر الموت فإن ذكره يكثر القليل ويقلل الكثير وعليك بتقوى الله تعالى وطاعته واجتناب معاصيه ثم رفع يديه وطأطأ رأسه ودمعت عيناه وقال: يا من رفع السماء بقوته ودحا الأرض بمشيئته وخلق الخلائق بإرادته واستوى على العرش بقدرته يا مالك الملك وجبار الجبابرة وإله العالمين ومالك يوم الدين! أسألك برحمتك وجودك وقدرتك أن تخرج حب الدنيا من قلب عبدك عبد الله علي وتوفقه لطاعتك من الأعمال التي تقر به إلى مرضاتك وتجنبه معاصيك وتختم لنا وله برضوانك وعفوك يا أرحم الراحمين. قال: فدمعت عينا علي وبكى فأكثر. ثم قال للحمال: لو قبلت منا شيئا! قال: لا أريده وحاجتي أن تعجل سراحي. فأمره بالخروج فخرج الحمال.

стр. 157

وانصرف الأمير إلى موضعه وهو متفكر قد ذهب نشاطه ثم التفت إلى ندمائه فقال: يا قوم! لو شهدتم طعام أمير المؤمنين ورأيتم ما يرفع ويوضع من صنوف الأطعمة ثم جعل يصف ذلك الطعام ثم قال: لو رأيتم الطعام الذي يخبز قد تنوق في بياضه وجودته وطحنه ثم ينخل بالشعر ثم ينخل بالكرابيس ثم ينخل بالحرير حتى يبقى مخه فقط توقد ناره بالقصب فإذا سكن وهجه بخر التنور بالعود القماري وخبز بصنوف الطعام - ثم وصف ما يتخذ له من صنوف الألوان من الحار والبارد والرطب واليابس والحلو وغير ذلك - وهذا الحمال طعامه ما قد رأيتم ومائدته طبق من سعف النخل ثم طأطأ رأسه وجعل ينكت بأصبعه على الحصير ساعة. ثم قال: يا غلام! ائت منيبا خازن الكتب فمره يخرج لي سيرة عمر بن الخطاب ﵁. فأتاه به فجعل ينظر فيه فقال: اسمعوا ما كان طعام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: عراق لحم الإبل مطبوخ بماء وملح وأقراص من شعير غير منخول فقيل له يا أمير المؤمنين! لو أكلت غير هذا الطعام فقد وسع الله على المسلمين فقال: هاه! إن الله ﵎ عير قوما بأكلهم بقوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ . [الأحقاف ٢٠] . فجعل يصف لهم سيرة عمر بن الخطاب ﵁ وتدمع عيناه. فلما فرغ قال: يا غلام! قل لمنيب يخرج لي سيرة عمر بن عبد العزيز. فأخرج إليه فجعل ينظر فيه ويصف لندمائه ثم قال: أبعد الله بطنا يعقب صاحبه ندما يوم الحسرة في عرصة القيامة. هذا عبد الله بن عمر - زين أبناء الصحابة - اشتهى عنبا فلم يذقه. هذا سعيد بن المسيب - زين التابعين - يقول: ليت أن الله جعل رزقي في مص حصاة فقد استحييت من كثرة الاختلاف إلى الحش. هذا الربيع بن - خيثم اشتهى خبيصا فلم يذقه. هذا مالك بن دينار هذا فلان هذا فلان فجعل يذكر وتدمع عيناه. ثم قال: ترى القوم لم يشتهوا طيب الطعام؟! ولكنهم زهدوا عن الفاني للباقي وباعوا القليل بالكثير وصبروا في دنياهم فنالوا الذي طلبوا خرجوا من الدنيا خماصا جياعا حفاة عراة فلم تأكل الأرض منهم شحما ولا لحما بليت الجلود على العظام والعروق.

стр. 158

ثم أخرج ساعدا كأنه قضيب فضة مستديرة شحما ولحما فقال: إن هذا الساعد مع هذا البدن ربي بالأطعمة والأشربة التي وصفت لكم من الطعام والشراب ليبلى في التراب كما يبلى ساعد الحمال. ثم أرسل عينيه فبكى فأكثر البكاء ونحن قيام على رأسه. ثم قال: يا غلام! ارفع هذه الآلة قبحها الله فما أموتها للقلوب وأضرها وأذلها فرفعت وصرف الندماء والخدم والغلمان. وبقي وحده متفكرا لا يأذن لأحد عليه حتى إذا مضى بعض الليل ناداني: يا شاكر! قلت: لبيك أيها الأمير! قال: دونك الخزائن فاحفظها مع جميع ما في الدار فإني منطلق إلى سيدي - وأنا أظن أنه يعني بسيده أباه -. فخرج علي وعليه إزار قد أخذه على رأسه ونعل طاق قد وضعها في رجله وقال: لا يتبعني منكم أحد بشمع فخرج ومعه غلام صغير وتخلف عنه الخدم والغلمان. فلما أصبحنا افتقدنا الغلام إلى ارتفاع النهار فجاء الغلام فسألته عنه فقال: لم يدخل دار أمير المؤمنين ولكنه أخذ نحو الدجلة وقال لي: قف موضعك هذا لا تبرح فلا أدري أين ذهب إلا أنه دنا من ملاح فناوله دنانير وقال: لي حاجة مهمة بواسط فتعجل بي وهو لا يعرفه فأدخله الزورق ومضى به إلى "واسط". ثم لم يقم بـ "واسط" حتى خرج إلى البصرة وتنكر ولبس الخشن على ذلك الجلد النقي واشترى طبقا كهيئة ما رأى من زي الحمال وجعل الطبق على عاتقه يعمل على مقدار قوته يحمل على رأسه بالقطع والكسر لا يرد ما أعطى بالنهار صائم يحمل على رأسه وبالليل قائم يصلي يمشي حافيا حتى تقطعت رجلاه يبيت في المساجد يتخللها كي لا يفطن به. فلم يزل كذلك يعمل ويعبد ربه سنين. وأمير المؤمنين لما وقف على أمره كتب في جميع الآفاق إلى العمال في كل بلدة أن يطلب وتوضع عليه العيون فلم يوقف على أمره. قال: فمرض في بعض المساجد وتغيرت حاله فلما اشتدت به العلة دخل بعض الخانات بالبصرة فاكترى غرفة وألقى نفسه على بارية فلما أيس من نفسه دعا صاحب الخان فناوله خاتمه ورقعة مختومة فقال: يا هذا! إذا أنا قضيت نحبي فاخرج إلى صاحبكم - يعني الوالي - فأره خاتمي وعرفه موضعي وناوله هذه الرقعة. فمات ﵀ فلما قضى سجاه وخرج نحو باب الأمير فنادى:

стр. 159

النصيحة فأدخل فأراه الخاتم فلما نظر إليه الوالي عرفه وقال: ويحك أين صاحب الخاتم؟ قال: في الغرفة في الخان ميت وناوله الرقعة مختومة مكتوبا عليها: لا يفكها إلا المأمون أمير المؤمنين. فركب الأمير حتى أتى الخان وحوله إلى قصره وطلى عليه الكافور والمسك والعنبر ولفه في قباطي مصر وحمله في الماء إلى المأمون وكتب إليه يعرفه قصته وأنه وجده في غرفة على بارية في بعض الخانات ما تحته مهاد ولا عنده باكية مسجى مغمض العينين مستنير الوجه طيب الرائحة. قال: وبعث إليه خاتمه ورقعته. فلما وصل كتابه إلى أمير المؤمنين وأدخل [علي] عليه قام فكشف عن وجهه وانكب عليه يقبله ويبكي. ووقعت الصيحة والضجيج في الدار. ثم فك الرقعة فإذا فيها مكتوب بخطه: يا أمير المؤمنين! اقرأ سورة الفجر إلى رابع عشرة آية فاعتبر بها واعلم أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. ثم أمر المأمون فغسل وكفن وأخرج ليدفن والمأمون يمشي حتى صلى عليه فلما وضع في حفرته أمر الخدم فقال: اخرجوا من القبر ثم اطلع في القبر فقال: يا بني! رحمك الله وأعطاك أمنيتك ورجاءك إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تعالى قد أسعدك ونفعني بك فنعم الولد كنت جمع الله بينك وبين ابن عمي المصطفى ﷺ ورزقني الصبر عليك. ثم قال: سوؤا عليه فدخل الخدم فأطبقوا عليه ألواحه ثم قال: أهيلوا عليه التراب وهو واقف يصيبه الغبار والخدم قيام معهم المناديل يردون عنه الغبار فقال: إليكم عني! يبلى علي في التراب وتردون عني الغبار؟. ثم قال: اللهم! ثبته بالقول الثابت وأشهدك أني راض عنه يا أرحم الراحمين - والرقعة في يده لا يضعها -. فدعا محمد بن سعد الترمذي فأمره أن يقرأ سورة الفجر فجعل يقرأ والمأمون يبكي حتى بلغ ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] فأمسك. فتصدق عنه بألف ألف درهم وأمر بعرض السجون وأطلق عنهم وكتب إلى العمال بإنصاف الرعية ورد المظالم ونزع عن أمور كثيرة وبقي بعده لا يذكره إلا بكى وهو مكروب لا يرتاح للذة ولا لشهوة وينتاب مجلسه الفقهاء يبصرونه ويعظونه. فما زالت هذه حاله حتى مات ﵀.

стр. 160

٧١ – [توبة موسى بن محمد بن سليمان الهاشمي] قال عبد الحميد بن محمد: وسمعت محمد بن السماك يقول: إن موسى ابن سليمان الهاشمي كان من أنعم بني أبيه عيشا وأرخاه بالا يعطي نفسه شهوتها من صنوف اللذات في المأكل والمشرب والملبس والطيب والجواري والغلمان ليست له فكرة ولا همة إلا فيما هو من عيشه ولذته. وكان شابا جميلا وجهه كاستدارة القمر في صفاء مع بياض وملاحة مشربا حمرة شديد سواد الشعر جعدا أقنى الأنف أكحل العينين أدعج مثل عين الظبية يسحر بعينيه الناظر إليه طويل الأشفار مقرون الحاجبين كأنما خطا بالقلم صغير الفم رقيق الشفتين أبلج الثنايا مفلج الأسنان فصيح اللسان حلو الكلام خافض الصوت. وكانت نعمة الله عليه سابغة يستغل من ضياعه وعقاره ومما أقطعه من الضياع ويجري عليه من الرزق كل حول نحوا من ثلاثة آلاف ألف وثلثمائة ألف يصرف هذا كله فيما هو فيه من النعيم. وقد أعجبته نفسه وشبابه ودنياه المواتيه له في جميع ما يشتهي. وكان له مستشرف عال يقعد فيه العشيات يشرف على الناس له أبواب مشرعة إلى الجادة وأبواب مشرعة إلى بساتينه قد ضرب فيه قبة عاج مخروطة من أنياب الفيل مضببة بالفضة قد طلي بالذهب وغشي القبة بالديباج الأخضر وحشاه بالخز المندوف. وعلق من القبة سلسلة ذهب منظومة بالجواهر واللؤلؤ تضيء القبة من الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر والعقيق الأصفر كل حبة كالجوزة. وعلق على الأبواب المشرعة الستور المضربة الموشاة المنسوجة بالذهب ووضع حول القبة ثلاثين شمعة في ثلاثين طستا من فضة وزن كل طست ألف درهم على كل خمس طسوت غلام قائم بيده مقطعة من ذهب من مائة مثقال عليهم من أنواع الثياب والمناطق المرصعة بالجواهر. وعلق على كل باب - خارج من الشباكات - قناديل بسلاسل الفضة وجعل دهنها الزئبق الخالص. وهو على سرير عليه غلالة قصب معلم منسوج وعلى رأسه عمامة مكللة

стр. 161

باللآليء ومعه في القبة ندماؤه وإخوانه والمجامر منصوبة لا ترفع على البخور وقد وقف على رأسه الخدم بأيديهم المراوح والمذاب والقينات بحذائه في مجلس خارج من القبة يراهن. فإذا نظر عن يمينه رأى نديما قد اصطفاه وأنس بمادثته وإن نظر عن يساره رأى أخا وصفيا قد واده واجتباه وإن رفع طرفه نظر إلى خدم قيام قد اختارهم وإن رمى بطرفه إلى حواشيه رأى مطربيه وقيانه كلهم يفدونه أسماعهم مصغية إليه وأعينهم قبله لا يشتغلون بغيره فإن تكلم سكتوا وإن قام قاموا إذا اشتهى سماع القيان نظر نحو الستارة وإن أراد سكوتهم أومأ بيده إلى الستارة فأمسكوا قد عرفوا ذلك منه. هذا دأبه إلى أن يذهب الليل ويذهب عقله فيخرج الندماء ويخلو مع الوصفاء. فإذا أصبح اشتغل بالنظر إلى اللعابين بين يديه بالشطرنج والنرد لا يذكر بين يديه موت ولا سقم ولا مرض ولا شيء فيه ذكر الغم إلا ذكر الفرح والسرور والنوادر التي يضحك منها. ويطرف كل يوم بأنواع الطيب والشمامات ما يكون في أوانه حتى مضت له سبع وعشرون سنة. فبينا هو ذات يوم في قبته وقد مضى بعض الليل إذ سمع نغمة من حلق ندي شجي خلاف ما يسمع من مطربيه فأخذت بمجامع بقلبه ولها عما كان فيه. فأومأ إليهم أن أمسكوا وأخرج رأسه من بعض تلك الشباكات المشرعة إلى الجادة يتسمع الذي وقع بقلبه فإذا النغمة ربما سمعها وربما خفيت فصاح بغلمانه: اطلبوا صاحب هذا الصوت! وكان قد عمل فيه الشراب. فخرج الغلمان يطوفون فإذا هم بشاب نحيل الجسم دقيق العنق مصفر اللون ذابل الشفتين شعث الرأس قد لصق بطنه بظهره عليه طمران ما يتوارى بغيرهما حافي القدمين قائم في بعض المساجد يناجي ربه تعالى. فأخرجوه من المسجد وانطلقوا به لا يكلمونه حتى أوقفوه بين يديه. فنظر إليه فقال: من هذا؟ قالوا: صاحب النغمة التي سمعت قال: أين أصبتموه؟ قالوا: في المسجد قائما يصلي ويقرأ فقال: أيها الشاب! ما كنت تقرأ؟ قال: كلام الله قال: فأسمعني بتلك النغمة فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [المطففين: ١٣] إلى قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾

стр. 162

[المطففين: ٢٨] أيها المغرور إنها خلاف مجلسك ومستشرفك وفرشك إنها أرائك مفروشة بفرش مرفوعة: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ الرحمن: ٥٢] ﴿عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] يشرف ولي الله منها على عينين تجريان في جنتين ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] إلى قوله: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦] ﴿فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: ٣٥] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] ﴿فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٧ - ٤٨] ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج: ١١] إلى قوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: ١٨] في جهد جهيد وعذاب شديد ومقت من رب العالمين ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ الحجر: ٢٨] . فقام الهاشمي من مجلسه وعانق الشاب وبكى وصاح بندمائه: انصرفوا عني وخرج إلى صحن داره وقعد على حصير مع الشاب ينوح ويبكي على شبابه ويندب نفسه والشاب يعظه إلى أن أصبح وقد عاهد الله أن لا يعود إلى معصية أبدا. فلما أصبح أظهر توبته ولزم المسجد والعبادة وأمر بالذهب والفضة والجواهر والملابس فبيعت كلها وتصدق بها وقطع الإجراء عن نفسه ورد الضياع المقطعة وباع ضياعه وعبيده وجواريه وأعتق من اختار العتق وتصدق به كله ولبس الصوف الخشن وأكل الشعير وكان يحيى الليل ويصوم النهار. حتى كان ينتابه الصالحون والأخيار ويقولون له: ارفق بنفسك فإن المولى كريم يشكر اليسير ويثيب على الكثير فيقول: يا قوم! أنا أعرف بنفسي إن جرمي عظيم عصيت مولاي بالليل والنهار ويبكي ويكثر البكاء. ثم خرج حاجا على قدميه حافيا ما عليه إلا خيشة وما معه إلا ركوة وجراب حتى قدم مكة وقضى حجه وأقام بها. وكان يدخل الحجر بالليل ينوح على نفسه ويقول: سيدي! لم أراقبك في خلواتي سيدي! ذهبت شهواتي وبقيت تبعاتي فالويل لي يوم ألقاك والويل كل الويل من صحيفتي إذا نشرت مملوءة من فضائحي وخطاياي بل حل بي الويل من مقتك إياي وتوبيخك لي في إحسانك إلي ومقابلة نعمتك بالمعاصي؛

стр. 163

وأنت مطلع على أفعالي سيدي! إلى من أهرب إلا إليك وإلى من التجئ إلا إليك؟ سيدي! إني لا أستأهل أن أسألك الجنة بل أسألك بجودك وكرمك وتفضلك أن تغفر لي وترحمني فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة. قال محمد بن السماك: فبينا أنا ذات ليلة في الطواف إذ سمعت نغمته ونوحه وبكاءه فحركني وأقلقني فقطعت الطواف ودخلت الحجر وأنا لا أثبته فقلت له: حبيبي! من أنت؟ فإني أراك صغير السن قريح القلب مكروبا مغموما حزين النوح كثير الدموع فما القصة؟ فإني حامل الخطيئة مع شيبتي صاحب ذنوب. فنظر إلي فعرفني فقال: ألست الواعظ لي وأنا منهمك في ضلالتي سكران في حيرتي لا أقبل عليك بوجهي؟ أنا موسى بن محمد بن سليمان بن علي الذي رأيتني بالبصرة. فأصابتني من قوله دهشة فدنوت منه فعانقته وقبلت بين عينيه وقلت: بأبي أنت أبو القاسم! ما القصة؟. فأخبرني قال: استر أمري فلا أحب - رحمك الله - أن أعرف وأعلم إن المولى المنعم المتفضل المحسن أنبهني من غفلتي وبصرني بعيب نفسي فتركت جميع ما كنت فيه مما رأيت وأقبلت إلى ربي فهل تراه يقبلني؟ فإني خائف أن يكون قد صرف وجهه عني. قال: فأبكاني كلامه وقلت: حبيبي! أبشر فقد بلغني أنه ما من شيء أحب إلى الله ﵎ من شاب تائب. فلما أن سمعها أراد أن يضبط نفسه من البكاء وخاف أن يجتمعوا عليه إذا سمعوا بكاءه. فقام وهو يقول: أيها الطبيب! اتبعني فتبعته حتى خرج من باب الحناطين وهو يمشي ويلتفت إلي وقد أمسك على بطنه حتى انتهى إلى باب ثم دخل وأدخلني معه وأصعدني غرفة وقعد وقال: ما زلت متشوقا إلى لقائك لتداوي قرحي بمرهم كلامك. فقلت له: يا أبا القاسم! قد أسعدك بلطفه إله العالمين فأنبهك من رقدة الغافلين فأشكره على توفيقه إياك وكن من الشاكرين وبما أنعم عليك فكن من الحامدين فإن الله تعالى معوضك برحمته أفضل مما تركت له من مخافته أبا القاسم! اجعل الموت نصب عينيك واعلم أن بين يديك عقبة عليها المسلك

стр. 164

غدا لا يقطعها إلا الورعون عن محارم الله تعالى وقناطر لا يجوزها إلا المخفون من المظالم يتردى منها في نار ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاًْ﴾ [الكهف: ٢٩] فكن على عدة وأعد الجواب فإنك قادم لا محالة وعلى من القدوم؟ على أحكم الحاكمين والعدل الذي لا يجوز وديان يوم الدين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وهو منصت يسمع ثم أطرق شبه المفكر فتوهمت أنه لا يعلم ما أقول فقمت من عنده وخرجت. فلما أصبحت تصرفت في حوائجي فلما دخل وقت الظهر وأنا في الطواف وإذا الناس يتعادون نحو باب الصفا قلت: ما الخبر؟ قالوا: جنازة غريب فخرجت وصليت عليه. وضرب على قلبي فصرت من فوري إلى تلك الدار فسألت عنه فقالوا: آجرك الله! ألم تشهد جنازته؟ قلت إنا لله وإنا إليه راجعون سبحان الفعال لما يريد. قالوا: ألست صاحبه البارحة؟ قلت نعم قالوا: إنك لما خرجت لم يزل يقول: فؤادي! فؤادي! ذنبي! ذنبي! إلى أن مضى عامة الليل وهو يبكي ثم سكن فلما أصبح أنبهناه للصلاة فإذا هو قد فارق الدنيا لم يشهد خروج روحه أحد ولم يغمض. قلت لهم: عرفتموه؟ قالوا: لا كان غريبا من الحاج نزل عندنا ما رأينا ولا سمعنا بمثله ليله قائم يصلي وينوح على نفسه كأن ذنوب العباد هو المطالب بها لا يوقف على كسبه ومطعمه ولا يقبل بر أحد. قلت: كم له منذ نزل عندكم؟ قالوا: حجتين قلت: معرفة الله خير من معرفتكم إياه.

стр. 165

٧٢ – [توبة جعفر البرمكي] قال عبد الحميد: كنت في مجلس جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك أعرض عليه متاع مصر وهو في قبة من عاج مركب قد غشاها بملحم إذ دخل عليه محمد بن السماك فقال: أسمعني بعض كلامك - يرحمك الله -. فقال: يا أبا الفضل! لا أحدثك عن الماضين ولا عن الملوك السابقة ولا

стр. 166

الأكاسرة ولكن أخبرك بما شهدت وعاينت منذ أعوام من ابن عم لأمير المؤمنين موسى بن محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس وحدثه في هذا الحديث. فرأيت جعفرا جعل يبكي ويكثر البكاء ويقول: هذا كله من توفيق الله تعالى إياه وسعادته له اللهم فكما أسعدته بطاعتك ووفقته لرضاك وعصمته حتى نال ذلك كله بإرادتك وفقنا للعمل الصالح برحمتك واختم لنا بعفوك ومغفرتك يا أرحم الراحمين. ثم إنه في مجلسه ذلك تصدق بمائة ألف على أهل الحاجة والمسكنة. فما لبث بعد ذلك إلا القليل حتى غضب عليه هارون أمير المؤمنين وأمر بقتله وأن يجعل أرباعا ويصلب ففعل به ذلك. فكان يرجى لجعفر ذلك الدعاء لعل الله تعالى استجاب له لأنه مثل به. وكان كثير الصنائع المحمودة معطيا للمال قاضيا للحوائج حسن العشرة عارفا بحق الإخوان ﵀.

стр. 167

٧٣ – [توبة جارية من بنات الكبار] أخبرنا أبو الفتح محمد أنبأ أبو الفضل المقرىء أنبأ أبو نعيم أخبرني جعفر بن محمد بن نصير في كتابه قال: سمعت الجنيد بن محمد يقول: كان أبو شعيب البراثي أول من سكن براثى في كوخ يتعبد فيه فمرت بكوخه جارية من بنات الكبار كانت ربيت في قصور الملوك. فنظرت إلى أبي شعيب فاستحسنت حاله وما كان عليه فصارت كالأسير له فعزمت على التجرد من الدنيا والاتصال بأبي شعيب. فجاءت إليه وقالت: أريد أن أكون لك خادمة فقال لها: إن أردت ذلك فغيري من هيئتك وتجردي عما أنت فيه حتى تصلحي لما أردت. فتجردت عن كل ما تملكه ولبست ثياب النساك وحضرته فتزوجها. فلما دخلت الكوخ رأت قطعة خصاف في مجلس أبي شعيب تقيه الندى. فقالت: ما أنا بمقيمة فيها حتى تخرج ما تحتك لأني سمعتك تقول: إن الأرض تقول: يا ابن آدم! تجعل اليوم بيني وبينك حجابا وأنت غدا في بطني؟ فما كنت لأجعل بيني وبينها حجابا.

стр. 168

فأخذ أبو شعيب الخصاف فرمى بها. فمكثت معه سنين كثيرة تتعبد أحسن عبادة وتوفيا على ذلك متعاونين.

стр. 169

٧٤ – [توبة الواثق بالله وابنه المهتدي بالله] أخبرنا الشيخ الإمام العالم أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي قال: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز وأبو السعود أحمد بن علي بن المجلي قالا: أنا أحمد بن علي بن ثابت أنا محمد بن أحمد بن رزق أنا أحمد بن سندي الحداد قال: قرىء على أحمد بن المنيع وأنا أسمع قيل له: أخبركم صالح بن علي بن يعقوب الهاشمي قال: حضرت المهتدي بالله أمير المؤمنين وجلس للنظر في أمور المظلومين في دار العامة فنظرت إلى قصص الناس تقرأ عليه من أولها إلى آخرها فيأمر بالتوقيع عليها وينشأ الكتاب عليها وتحرر وتختم وترفع إلى صاحبها بين يديه فسرني ذلك واستحسنت ما رأيت. فجعلت أنظر إليه ففطن ونظر إلي فغضضت عنه حتى كان ذلك مني ومنه مرارا ثلاثا: إذا نظر غضضت وإذا شغل نظرت. فقال لي: يا صالح. قلت لبيك يا أمير المؤمنين. وقمت قائما فقال: في نفسك منا شيء تريد - أو قال: تحب - أن تقوله؟ قلت: نعم يا سيدي! فقال لي: عد إلى موضعك فعدت حتى إذا قام قال: للحاجب: لا يبرح صالح. فانصرف الناس ثم أذن لي فدخلت فدعوت له فقال لي: اجلس فجلست. فقال: يا صالح تقول لي ما دار في نفسك أو أقول أنا ما دار في نفسي أنه دار في نفسك؟. قلت: يا أمير المؤمنين! ما تعزم عليه وتأمر به. قال: أقول أنا: إنه دار في نفسي أنك استحسنت ما رأيت منا فقلت: أي خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول: القرآن مخلوق؟ فورد على قلبي أمر عظيم ثم قلت: يا نفس هل تموتين قبل أجلك؟ وهل تموتين إلا مرة؟ وهل يجوز الكذب في جد أو هزل؟. فقلت: يا أمير المؤمنين! ما دار في نفسي إلا ما قلت.

стр. 170

ثم أطرق مليا وقال: ويحك! اسمع مني ما أقول فوالله لتسمعن الحق فسري عني فقلت: يا سيدي! ومن أولى بقول الحق منك وأنت خليفة رب العالمين وابن عم سيد المرسلين؟. فقال: ما زلت أقول: إن القرآن مخلوق صدرا من أيام الوثائق حتى أقدم أحمد بن أبي داود علينا شيخا من أهل الشام من أهل أذنة. فأدخل الشيخ على الواثق مقيدا وهو جميل الوجه تام القامة حسن الشيبة فرأيت الواثق قد استحيى منه. ورق له فما زال يدنيه ويقربه حتى قرب منه. فسلم الشيخ فأحسن ودعا فأبلغ فقال له الواثق: اجلس فجلس فقال له: يا شيخ! ناظر ابن أبي داود على ما يناظرك عليه. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ابن أبي داود يصبي ويضعف عن المناظرة فغضب الواثق وعاد مكان الرقة غضبا عليه قال الواثق: أبو عبد الله بن أبي دواد يصبى ويضعف عن مناظرتك أنت؟! فقال الشيخ: هون عليك يا أمير المؤمنين ما بك فائذن في مناظرته. فقال الواثق: ما دعوتك إلا للمناظرة. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين! إن رأيت أن تحفظ علي وعليه ما نقول. قال: أفعل. قال الشيخ: يا أحمد! أخبرني عن مقالتك هذه أهي مقالة واجبة داخلة في عقد الدين فلا يكون الدين كاملا حتى يقال: فيه بما قلت؟. قال: نعم. قال: الشيخ: يا أحمد! أخبرني عن رسول الله ﷺ حِينَ بعثه الله إلى عباده هل ستر شيئا مما أمره الله به في أمر دينهم؟. قال: لا. فقال الشيخ: فدعا رسول اللَّهِ ﷺ الأمة إلى مقالتك هذه؟. فسكت أبي دؤاد. فقال الشيخ: تكلم فسكت. فالتفت إلى الواثق فقال: يا أمير المؤمنين واحدة فقال الواثق: واحدة. فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن الله حين أنزل القرآن على رسول الله ﷺ فَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ

стр. 171

الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣] هل كان الله تعالى الصادق في إكمال دينه أو أنت الصادق في نقصانه حتى يقال فيه بمقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: أجب يا أحمد فلم يجب. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين اثنتان فقال الواثق اثنتان. فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه هل علمها رسول الله ﷺ أم جهلها؟. فقال ابن أبي دؤاد: علمها. قال: فدعا الناس إليها؟ فسكت. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ثلاث فقال الواثق: ثلاث. فقال الشيخ: يا أحمد فاتسع لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أن علمها وأمسك عنها كما زعمت ولم يطالب أمته بها؟. قال: نعم قال الشيخ: واتسع لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب -﵃؟. قال ابن أبي دؤاد: نعم. فأعرض الشيخ عنه وأقبل على الواثق فقال: يا أمير المؤمنين! قد قدمت القول: إن أحمد يصبي ويضعف عن المناظرة يا أمير المؤمنين! إن لم يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة بما زعم هذا أنه اتسع لرسول الله ﷺ ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي فلا وسع الله على من لم يتسع له ما اتسع لهم. فقال الواثق: نعم إن لم يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله ﷺ ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي فلا وسع الله علينا اقطعوا قيد الشيخ! فلما قطع القيد ضرب الشيخ بيده إلى القيد حتى يأخذه فجاذبه الحداد عليه. فقال الواثق: دع الشيخ يأخذه! فأخذه فوضعه في كمه. فقال له الواثق: يا شيخ! لم جاذبت الحداد عليه؟. قال: لأني نوديت أن أتقدم إلى من أوصي إليه إذا أنا مت أن يجعله بيني وبين كفني حتى أخاصم به هذا الظالم عند الله يوم القيامة وأقول: يا رب! سل عبدك هذا لم قيدني وروع أهلي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك علي وبكى الشيخ وبكى الواثق وبكينا.

стр. 172

ثم سأله الواثق أن يجعله في حل وسعة بما ناله. فقال الشيخ: والله يا أمير المؤمنين لقد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكراما لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذ كنت رجلا من أهله. فقال الواثق: لي إليك حاجة فقال الشيخ: إن كانت ممكنة فعلت فقال له الواثق: تقيم قبلنا فننتفع بك وتنتفع بنا. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين! إن ردك إياي إلى الموضع الذي أخرجني عنه هذا الظالم أنفع لك من مقامي عليك وأخبرك بما في ذلك: أصير إلى أهلي وولدي فأكف دعاءهم عليك فقد خلفتهم على ذلك. فقال له الواثق: فتقبل منا صلة تستعين بها على دهرك؟ فقال: يا أمير المؤمنين! لا تحل لي أنا عنها غني وذو مرة سوي. فقال: سل حاجة فقال: أو تقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال نعم قال: تأذن أن يخلى لي السبيل الساعة إلى الثغر. قال: قد أذنت لك فسلم وخرج. قال المهتدي بالله: فرجعت عن هذه المقالة وأظن أن الواثق رجع عنها منذ ذلك الوقت.

стр. 173

ذكر سبب توبة جماعة من الأمة رحمة الله عليهم ٧٥ – [توبة حبيب أبي محمد] أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقي أنبأ أبو الفضل أحمد بن أحمد الحداد أنبأ أبو نعيم الحافظ قال: كان سبب إقبال حبيب أبي محمد على الآجلة وانتقاله عن العاجلة حضوره مجلس الحسن فوقعت موعظته في قلبه فخرج عما كان يتصرف فيه ثقة بالله ومكتفيا بضمانه فاشترى نفسه من الله فتصدق بأربعين ألف درهم في أربع دفعات: تصدق بعشرة آلاف درهم في أول النهار فقال: يا رب! قد اشتريت نفسي منك بهذا ثم أتبعها بعشرة آلاف أخرى فقال: هذه شكرا لما وفقتني له ثم أخرج عشرة آلاف أخرى فقال: يا رب! إن لم تقبل مني الأولى والثانية فأقبل مني هذه ثم تصدق بعشرة آلاف أخرى فقال: يا رب! إن قبلت مني الثالثة فهذه شكراً لها.

стр. 174

فسمع زاذان قوله فقال: من كان هذا؟ قالوا: عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله ﷺ قَالَ: وأي شيء قال؟ قالوا: إنه قال: ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله تعالى. فقام وضرب بالعود على الأرض فكسره ثم أسرع فأدركه وجعل المنديل في عنق نفسه وجعل يبكي بين يدي عبد الله بن مسعود فاعتنقه عبد الله بن مسعود وجعل يبكي كل واحد منهما. ثم قال عبد الله: كيف لا أحب من قد أحبه الله فتاب إلى الله من ذنوبه. ولازم عبد الله بن مسعود حتى تعلم القرآن وأخذ حظا من العلم حتى صار إماما في العلم وروي عن عبد الله بن مسعود وسلمان وغيرهما.

стр. 175

٧٦ – [توبة زاذان الكندي] وروي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه مر ذات يوم في موضع من نواحي الكوفة فإذا فتيان فساق قد اجتمعوا يشربون وفيهم مغن يقال له: زاذان يضرب ويغني وكان له صوت حسن فلما سمع ذلك عبد الله قال: ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله. وجعل الرداء على رأسه ومضى.

стр. 176

٧٧ – [توبة مالك بن دينار] وروي عن مالك بن دينار أنه سئل عن سبب توبته فقال: كنت شرطيا وكنت منهمكا على شرب الخمر ثم إنني اشتريت جارية نفيسة ووقعت مني أحسن موقع فولدت لي بنتا فشغفت بها فلما دبت على الأرض ازدادت في قلبي حبا وألفتني وألفتها. قال: فكنت إذا وضعت المسكر بين يدي جاءت إلي وجاذبتني عليه وهرقته من ثوبي. فلما تم لها سنتان ماتت فأكمدني حزنها. فلما كانت ليلة النصف من شعبان وكانت ليلة الجمعة بت ثملا من الخمر ولم أصل فيها عشاء الآخرة فرأيت فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت ونفخ في الصور وبعثرت القبور وحشر الخلائق وأنا معهم فسمعت حسا من ورائي فالتفت فإذا أنا بتنين أعظم ما يكون أسود أزرق قد فتح فاه مسرعا نحوي. فمررت بين يديه هاربا فزعا مرعوبا فمررت في طريقي بشيخ نقي الثوب طيب الرائحة فسلمت عليه فرد السلام فقلت: أيها الشيخ! أجرني من هذا التنين أجارك الله فبكى الشيخ وقال لي: أنا ضعيف وهذا أقوى مني وما أقدر عليه ولكن مر وأسرع فلعل الله أن يتيح لك ما ينجيك منه.

стр. 177

فوليت هاربا على وجهي فصعدت على شرف من شرف القيامة فأشرفت على طبقات النيران فنظرت إلى هولها وكدت أهوي فيها من فزع التنين فصاح بي صائح: ارجع فلست من أهلها! فاطمأننت إلى قوله ورجعت. ورجع التنين في طلبي فأتيت الشيخ فقلت: يا شيخ سألتك أن تجيرني من هذا التنين فلم تفعل فبكى الشيخ وقال: أنا ضعيف ولكن سر إلى هذا الجبل فإن فيه ودائع المسلمين فإن كان لك فيه وديعة فستنصرك. قال: فنظرت إلى جبل مستدير من فضة وفيه كوى مخرمة وستور معلقة على كل خوخة وكوة مصراعان من الذهب الأحمر مفصلة باليواقيت مكوكبة بالدر على كل مصراع ستر من الحرير فلما نظرت إلى الجبل وليت إليه هاربا والتنين من ورائي حتى إذا قربت منه صاح بعض الملائكة: ارفعوا الستور وافتحوا المصاريع وأشرفوا! فلعل لهذا البائس فيكم وديعة تجيره من عدوه فإذا الستور قد رفعت والمصاريع قد فتحت فأشرف علي من تلك المخرمات أطفال بوجوه كالأقمار وقرب التنين مني فتحيرت في أمري. فصاح بعض الأطفال: ويحكم أشرفوا كلكم فقد قرب منه عدوه. فأشرفوا فوجا بعد فوج وإذا أنا بابنتي التي ماتت قد أشرفت علي معهم فلما رأتني بكت وقالت: أبي والله ثم وثبت في كفة من نور كرمية السهم حتى مثلت بين يدي فمدت يدها الشمال إلى يدي اليمنى فتعلقت بها ومدت يدها اليمنى إلى التنين فولى هاربا. ثم أجلستني وقعدت في حجري وضربت بيدها اليمنى إلى لحيتي وقالت: يا أبت ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] . فبكيت وقلت: يا بنية! وأنتم تعرفون القرآن؟ فقالت: يا أبت! نحن أعرف به منكم. قلت: فأخبريني عن التنين الذي أراد أن يهلكني قالت: ذلك عملك السوء قويته فأراد أن يغرقك في نار جهنم. قلت فأخبريني عن الشيخ الذي مررت به في طريقي قالت: يا أبت! ذلك عملك الصالح أضعفته حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء. قلت: يا بنية! وما تصنعون في هذا الجبل؟ قالت: نحن أطفال المسلمين قد أسكنا فيه إلى أن تقوم الساعة ننتظركم تقدمون علينا فنشفع لكم.

стр. 178

قال مالك: فانتبهت فزعا وأصبحت فأرقت المسكر وكسرت الآنية وتبت إلى الله وهذا كان سبب توبتي.

стр. 179

٧٨ – [توبة داود الطائي] أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن السلمي أنبأ أبو القاسم الحسيني أنبأ رشأ بن نظيف المقرىء أنبأ الحسن بن إسماعيل أنبأ أحمد بن مروان ثنا محمد بن حاتم البغدادي قال: سمعت الحماني يقول: كان بدء توبة داود الطائي أنه دخل المقبرة فسمع امرأة عند قبر وهي تقول: مقيم إلى أن يبعث الله خلقه ... لقاؤك لا يرجى وأنت قريب تزيد بلى في كل يوم وليلة ... وتسلى كما تبلى وأنت حبيب وقال أبو نعيم: قدم داود من السواد ولا يفقه فلم يزل يتعلم ويتعبد حتى ساد أهل الكوفة. وقال يوسف بن أسباط: ورث داود عشرين دينارا فأكلها في عشرين سنة. قال أبو نعيم: كان داود يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز. وقال: بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية. ودخل إليه يوما رجل فقال: إن في سقف بيتك جذعا قد انكسر فقال: يا ابن أخي! إني في هذا البيت منذ عشرين سنة ما نظرت إلى السقف وكانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام.

стр. 180

٧٩ – [توبة الفضيل بن عياض] أنبأنا الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي أنا عبد الرحمن بن أبي غالب أنا أحمد بن علي قال: أخبرني الحسن بن علي بن محمد الواعظ ثنا محمد بن العباس قال: أنبأ علي بن الحسين بن حرب ثنا إبراهيم بن الليث النخشبي ثنا علي بن خشرم قال: أخبرني رجل من جيران الفضيل بن عياض قال:
следующие страницы →