← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11317

التوابين لابن قدامة

ابن قدامة

Полный текст (284 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٧٧ – [توبة مالك بن دينار] وروي عن مالك بن دينار أنه سئل عن سبب توبته فقال: كنت شرطيا وكنت منهمكا على شرب الخمر ثم إنني اشتريت جارية نفيسة ووقعت مني أحسن موقع فولدت لي بنتا فشغفت بها فلما دبت على الأرض ازدادت في قلبي حبا وألفتني وألفتها. قال: فكنت إذا وضعت المسكر بين يدي جاءت إلي وجاذبتني عليه وهرقته من ثوبي. فلما تم لها سنتان ماتت فأكمدني حزنها. فلما كانت ليلة النصف من شعبان وكانت ليلة الجمعة بت ثملا من الخمر ولم أصل فيها عشاء الآخرة فرأيت فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت ونفخ في الصور وبعثرت القبور وحشر الخلائق وأنا معهم فسمعت حسا من ورائي فالتفت فإذا أنا بتنين أعظم ما يكون أسود أزرق قد فتح فاه مسرعا نحوي. فمررت بين يديه هاربا فزعا مرعوبا فمررت في طريقي بشيخ نقي الثوب طيب الرائحة فسلمت عليه فرد السلام فقلت: أيها الشيخ! أجرني من هذا التنين أجارك الله فبكى الشيخ وقال لي: أنا ضعيف وهذا أقوى مني وما أقدر عليه ولكن مر وأسرع فلعل الله أن يتيح لك ما ينجيك منه.

стр. 177

فوليت هاربا على وجهي فصعدت على شرف من شرف القيامة فأشرفت على طبقات النيران فنظرت إلى هولها وكدت أهوي فيها من فزع التنين فصاح بي صائح: ارجع فلست من أهلها! فاطمأننت إلى قوله ورجعت. ورجع التنين في طلبي فأتيت الشيخ فقلت: يا شيخ سألتك أن تجيرني من هذا التنين فلم تفعل فبكى الشيخ وقال: أنا ضعيف ولكن سر إلى هذا الجبل فإن فيه ودائع المسلمين فإن كان لك فيه وديعة فستنصرك. قال: فنظرت إلى جبل مستدير من فضة وفيه كوى مخرمة وستور معلقة على كل خوخة وكوة مصراعان من الذهب الأحمر مفصلة باليواقيت مكوكبة بالدر على كل مصراع ستر من الحرير فلما نظرت إلى الجبل وليت إليه هاربا والتنين من ورائي حتى إذا قربت منه صاح بعض الملائكة: ارفعوا الستور وافتحوا المصاريع وأشرفوا! فلعل لهذا البائس فيكم وديعة تجيره من عدوه فإذا الستور قد رفعت والمصاريع قد فتحت فأشرف علي من تلك المخرمات أطفال بوجوه كالأقمار وقرب التنين مني فتحيرت في أمري. فصاح بعض الأطفال: ويحكم أشرفوا كلكم فقد قرب منه عدوه. فأشرفوا فوجا بعد فوج وإذا أنا بابنتي التي ماتت قد أشرفت علي معهم فلما رأتني بكت وقالت: أبي والله ثم وثبت في كفة من نور كرمية السهم حتى مثلت بين يدي فمدت يدها الشمال إلى يدي اليمنى فتعلقت بها ومدت يدها اليمنى إلى التنين فولى هاربا. ثم أجلستني وقعدت في حجري وضربت بيدها اليمنى إلى لحيتي وقالت: يا أبت ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] . فبكيت وقلت: يا بنية! وأنتم تعرفون القرآن؟ فقالت: يا أبت! نحن أعرف به منكم. قلت: فأخبريني عن التنين الذي أراد أن يهلكني قالت: ذلك عملك السوء قويته فأراد أن يغرقك في نار جهنم. قلت فأخبريني عن الشيخ الذي مررت به في طريقي قالت: يا أبت! ذلك عملك الصالح أضعفته حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء. قلت: يا بنية! وما تصنعون في هذا الجبل؟ قالت: نحن أطفال المسلمين قد أسكنا فيه إلى أن تقوم الساعة ننتظركم تقدمون علينا فنشفع لكم.

стр. 178

قال مالك: فانتبهت فزعا وأصبحت فأرقت المسكر وكسرت الآنية وتبت إلى الله وهذا كان سبب توبتي.

стр. 179

٧٨ – [توبة داود الطائي] أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن السلمي أنبأ أبو القاسم الحسيني أنبأ رشأ بن نظيف المقرىء أنبأ الحسن بن إسماعيل أنبأ أحمد بن مروان ثنا محمد بن حاتم البغدادي قال: سمعت الحماني يقول: كان بدء توبة داود الطائي أنه دخل المقبرة فسمع امرأة عند قبر وهي تقول: مقيم إلى أن يبعث الله خلقه ... لقاؤك لا يرجى وأنت قريب تزيد بلى في كل يوم وليلة ... وتسلى كما تبلى وأنت حبيب وقال أبو نعيم: قدم داود من السواد ولا يفقه فلم يزل يتعلم ويتعبد حتى ساد أهل الكوفة. وقال يوسف بن أسباط: ورث داود عشرين دينارا فأكلها في عشرين سنة. قال أبو نعيم: كان داود يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز. وقال: بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية. ودخل إليه يوما رجل فقال: إن في سقف بيتك جذعا قد انكسر فقال: يا ابن أخي! إني في هذا البيت منذ عشرين سنة ما نظرت إلى السقف وكانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام.

стр. 180

٧٩ – [توبة الفضيل بن عياض] أنبأنا الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي أنا عبد الرحمن بن أبي غالب أنا أحمد بن علي قال: أخبرني الحسن بن علي بن محمد الواعظ ثنا محمد بن العباس قال: أنبأ علي بن الحسين بن حرب ثنا إبراهيم بن الليث النخشبي ثنا علي بن خشرم قال: أخبرني رجل من جيران الفضيل بن عياض قال:

стр. 181

كان الفضيل يقطع الطريق وحده فخرج ذات ليلة ليقطع الطريق فإذا هو بقافلة قد انتهت إليه ليلا فقال: بعضهم لبعض: اعدلوا بنا إلى هذه القرية فإن أمامنا رجلا يقطع الطريق يقال له: الفضيل. قال: فسمع الفضيل فأرعد فقال: يا قوم! أنا الفضيل جوزوا والله لأجتهدن أن لا أعصي الله أبدا فرجع عما كان عليه. وروي من طريق أخرى أنه أضافهم تلك الليلة وقال: أنتم آمنون من الفضيل وخرج يرتاد لهم علفا ثم رجع فسمع قارئا يقرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ الحديد﴾ [الحديد: ١٦] قال: بلى والله قد آن فكان هذا مبتدأ توبته. وقال إبراهيم بن الأشعث: سمعت فضيلاً ليلة وهو يقرأ سورة محمد ﷺ ويبكي ويردد هذه الآية ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] وجعل يقول: ونبلو أخباركم! ويردد ويقول: وتبلو أخبارنا إن بلوت أخبارنا فضحتنا وهتكت أستارنا إن بلوت أخبارنا أهلكتنا وعذبتنا. وسمعته يقول: تزينت للناس وتصنعت لهم وتهيأت لهم ولم تزل ترائي حتى عرفوك فقالوا: رجل صالح! فقضوا لك الحوائج ووسعوا لك في المجلس وعظموك خيبة لك ما أسوأ حالك إن كان هذا شأنك. وسمعته يقول: إن قدرت أن لا تعرف فافعل وما عليك أن لا تعرف وما عليك إن لم يثن عليك وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت عند الله محمودا.

стр. 182

٨٠ – [توبة علي بن الفضيل بن عياض] أخبرنا الحافظ أبو موسى محمد بن أبي بكر الأصبهاني في كتابه أنا عبد الرزاق بن محمد بن الشرابي أنا سعيد بن محمد بن سعيد الولي أنا علي بن أحمد بن علي الواقدي أنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى قال: سمعت أبي يقول: سمعت محمد بن إسحاق السراج يقول: سمعت محمد بن خلف يقول: حدثني يعقوب بن يوسف قال: كان الفضيل بن عياض إذا علم أن ابنه عليا خلفه - يعني في الصلاة - مر

стр. 183

ولم يقف ولم يخوف وإذا علم أنه ليس خلفه تنوق في القرآن وحزن وخوف فظن يوما أنه ليس خلفه فأتى على ذكر هذه الآية: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] . قال: فخر علي مغشيا عليه فلما علم أنه خلفه وأنه قد سقط تجوز في القراءة فذهبوا إلى أمه فقالوا: أدركيه فجاءت فرشت عليه ماء فأفاق. فقالت لفضيل: أنت قاتل هذا الغلام علي. فمكث ما شاء الله فظن أنه ليس خلفه فقرأ: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] . فخر ميتا وتجوز أبوه في القراءة وأتيت أمه فقيل لها: أدركيه فجاءت فرشت عليه ماء فإذا هو ميت ﵀.

стр. 184

٨١ – [توبة بشر بن الحارث الحافي] أخبرنا محمد بن عبد الباقي أنا حمد بن أحمد قال: سمعت عبد الله بن محمد بن جعفر يقول: سمعت عبد الله بن محمد يقول: سمعت محمد بن [داود] الدينوري يقول: [سمعت محمد بن الصلت يقول:] . سمعت بشر بن الحارث وسئل: ما كان بدء أمرك لأن اسمك بين الناس كأنه اسم نبي؟. قال: هذا من فضل الله وما أقول لكم؟ كنت رجلا عيارا صاحب عصبية فجزت يوما فإذا أنا بقرطاس في الطريق فرفعته فإذا فيه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فمسحته وجعلته في جيبي. وكان عندي درهمان ما كنت أملك غيرهما فذهبت إلى العطارين فاشتريت بهما غالية ومسحته في القرطاس. فنمت تلك الليلة فرأيت في المنام كأن قائلا يقول: يا بشر بن الحارث! رفعت اسمنا عن الطريق وطيبته لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة! ثم كان ما كان. وحكي أن بشرا كان في زمن لهوه في داره وعنده رفقاؤه يشربون ويطيبون فاجتاز بهم رجل من الصالحين فدق الباب فخرجت إليه جارية فقال: صاحب هذه الدار حر أو عبد؟ فقالت: بل حر! فقال: صدقت لو كان عبدا لاستعمل أدب العبودية وترك اللهو والطرب.

стр. 185

فسمع بشر محاورتهما فسارع إلى الباب حافيا حاسرا وقد ولى الرجل فقال للجارية: ويحك! من كلمك على الباب فأخبرته بما جرى فقال: أي ناحية أخذ الرجل؟ فقالت: كذا. فتبعه بشر حتى لحقه فقال له: يا سيدي! أنت الذي وقفت بالباب وخاطبت الجارية؟ قال: نعم قال: أعد علي الكلام فأعاده عليه فمرغ بشر خديه على الأرض وقال: بل عبد! عبد! ثم هام على وجهه حافيا حاسرا حتى عرف بالحفاء. فقيل له: لم لا تلبس نعلا قال: لأني ما صالحني مولاي إلا وأنا حاف فلا أزول عن هذه الحالة حتى الممات.

стр. 186

٨٢ – [توبة عشرة فتيان وعشرة أحداث] أنبأنا الشيخ أبو الفرج قال: أنا محمد بن عبد الله بن حبيب أنا علي بن عبد الله بن أبي صادق ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن باكويه قال: حدثني مفرج بن الحسين الصعيدي قال: حدثتني فاطمة بنت أحمد - أخت أبي علي الروذباري - قالت: كان ببغداد عشرة فتيان معهم عشرة أحداث فوجهوا واحدا من الأحداث في حاجة لهم فأبطأ فحردوا عليه فجاء وهو يضحك وبيده بطيخة فقالوا له: تبطىء وتجيء وأنت تضحك؟!. فقال: جئتكم بأعجوبة وضع بشر يده على هذه البطيخة فاشتريتها بعشرين درهما فأخذ كل واحد منهم يقبلها ويضعها على عينه. فقال واحد منهم: بأي شيء بلغ بشر هذه المرتبة؟ فقالوا: بالتقوى: فقال: هو يشهدكم أنه تائب إلى الله تعالى فقال القوم كلهم مثله. ويقال: إنهم خرجوا إلى طرسوس فاستشهدوا كلهم - رحمة الله عليهم.

стр. 187

٨٣ – توبة رجل عن طغيانه] أنبأنا الإمام الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي قال: أنا أبو الحسين بن الطيوري أنا أبو القاسم عبد العزيز بن أحمد بن الفضل أنا أبو

стр. 188

الحسن علي بن عبد الله بن الحسن بن جهضم ثنا علي بن هارون ثنا محمد بن مخلد قال: حدثني أبو الفتح بن مخرق قال: تعلق رجل بامرأة من بنات الشام فتعرض لها بيده سكين لا يدنو منه أحد إلا عقره وكان الرجل شديد البدن فبينا الناس كذلك والمرأة تصيح من يده إذ مر بشر بن الحارث فدنا منه وحك كتفه بكتف الرجل فوقع الرجل إلى الأرض ومضى بشر. فدنوا من الرجل وهو يرشح عرقا كثيرا ومضت المرأة بحالها فسألوه: ما حالك؟ فقال: ما أدري ولكني حاكني شيخ وقال: إن الله ناظر إليك وإلى ما تعمل! فضعفت لقوله قدمي وهبته هيبة شديدة لا أدري - من ذاك الرجل. فقالوا له: ذاك بشر بن الحارث. فقال: واسوءتاه! كيف ينظر إلي بعد اليوم؟ وحم الرجل من يومه ومات اليوم السابع.

стр. 189

٨٤ – [توبة تاجر من تجار بغداد من الوقيعة في الناس] أنبأنا محمد قال: أنا أحمد قال: أخبرني محمد بن خفيف فيما كتب إلي قال: حدثني عبد الله بن الفضل حدثني أبو عبد الله القاضي قال: حدثني أبي قال: كان عندنا ببغداد رجل من التجار صديق لي وكان كثيرا ما أسمعه يقع في الصوفية قال: فرأيته بعد ذلك يصحبهم وأنفق عليهم جميع ما ملك. قال: فقلت له: أليس كنت تبغضهم؟ قال: فقال لي: ليس الأمر على ما توهمت قلت له: كيف؟ قال: صليت الجمعة يوما من الأيام وخرجت فرأيت بشرا الحافي يخرج من المسجد مسرعا. قال: فقلت في نفسي: انظر إلى هذا الرجل الموصوف بالزهد ليس يستقر في المسجد! قال: فتركت حاجتي فقلت: انظر أين يذهب. قال: فتبعته فرأيته تقدم إلى الخباز واشترى بدرهم خبز الماء قال: قلت انظر إلى هذا الرجل يشتري خبز الماء! قال: فتقدم إلى الشواء فأعطاه درهما وأخذ شواء فزادني عليه غيظا. ً قال: وتقدم إلى الحلاوي واشترى فالوذجا بدرهم.

стр. 190

فقلت في نفسي: والله لأنغصن عليه حين يجلس ويأكل. قال: فخرج إلى الصحراء وأنا أقول: يريد الخضرة والماء. قال: فما زال يمشي إلى العصر وأنا خلفه قال: فدخل قرية وفي القرية مسجد وفيه مريض قال: فجلس عند رأسه وجعل يلقمه. قال: فقمت لأنظر القرية قال: فبقيت ساعة ثم رجعت فقلت للعليل: أين بشر؟ قال: ذهب إلى بغداد قال: فقلت وكم بيني وبين بغداد؟ فقال: أربعون فرسخا فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! أيش عملت بنفسي وليس معي ما أكتري ولا أقدر على المشي قال: اجلس حتى يرجع. فجلست إلى الجمعة القابلة. قال: فجاء بشر في ذلك الوقت ومعه شيء يأكل المريض فلما فرغ قال: له العليل: يا أبا نصر! هذا رجل صحبك من بغداد وبقي عندي منذ الجمعة فرده. قال: فنظر إلي كالمغضب وقال: لم صحبتني؟ قال: فقلت: أخطأت قال لي: قم امش. قال: فمشيت إلى قرب المغرب قال: فلما قربنا قال لي: أين محلتك من بغداد؟ قلت: في موضع كذا قال: اذهب ولا تعد. قال: فتبت إلى الله وصحبتهم وأنا على ذلك.

стр. 191

٨٥ – [توبة أبي عبد رب] أخبرنا محمد قال: ثنا حمد أنا أحمد ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد ثنا الحسن بن محمد ثنا أبو زرعة ثنا إبراهيم بن العلاء بن الضحاك ثنا الوليد بن مسلم عن ابن جابر. أن أبا عبد رب كان من أكثر أهل دمشق مالا فخرج إلى أذربيجان في تجارة فأمسى إلى جانب مرج ونهر فنزل به. قال أبو عبد رب: فسمعت صوتا يكثر حمد الله في ناحية من المرج فاتبعته فوافيت رجلا في حفير من الأرض ملفوفا في حصير فسلمت عليه وقلت: من أنت يا عبد الله؟. قال: رجل من المسلمين قال: قلت ما حالك هذه؟.

стр. 192

قال: حال نعمة يجب علي حمد الله فيها قال: قلت: كيف وإنما أنت في حصير؟. قال: ومالي لا أحمد الله أن خلقني فأحسن خلقي وجعل مولدي ومنشئي في الإسلام وألبسني العافية في أركاني وستر علي ما أكره ذكره أو نشره؟! فمن أعظم نعمة ممن أمسى في مثل ما أنا فيه؟. قال: قلت: رحمك الله! إن رأيت أن تقوم معي إلى المنزل فإنا نزول على النهر قال: ولمه؟ قلت: لتصيب من الطعام ولنعطيك ما يغنيك عن لبس الحصير. قال: ما بي حاجة. قال الوليد: فحسبت أنه قال: إن لي في أكل العشب كفاية عما قال أبو عبد رب. قال: فأردته على أن يتبعني فأبى قال: ما لي به من حاجة. قال أبو عبد رب: فانصرفت وقد تقاصرت إلي نفسي ومقتها أني لم أخلف بدمشق رجلا في الغنى يكاثرني وأنا ألتمس الزيادة فيه وقلت: اللهم! إني أتوب إليك من سوء ما أنا فيه. قال: فبت ولم يعلم إخواني بما قد أجمعت به فلما كان من السحر رحلوا كنحو من رحيلهم فيما مضى وقدموا إلي دابتي فركبتها وصرفتها إلى دمشق وقلت: ما أنا بصادق التوبة إن أنا مضيت في متجري هذا فسألني القوم فأخبرتهم وعاتبوني على المضي فأبيت. قال ابن جابر: فلما قدم تصدق بصامت ماله وتجهز به في سبيل الله. قال: ابن جابر: فحدثني بعض إخواني قال: ما كست صاحب عباءة في عباءة أعطيته ستة وهو يقول: سبعة فلما أكثرت قال: ممن أنت؟ قلت: من أهل دمشق قال: ما تشبه شيخا وفد علي أمس يقال له: أبو عبد رب اشترى مني سبعمائة كساء بسبعة سبعة ما سألني أن أضع له درهما فسألني أن أحملها له فبعثت أعواني فما زال يفرقها بين فقراء الجيش فما دخل إلى منزله منها بكساء. قال ابن جابر: وباع عقدة وتصدق بها وباع داره بمال عظيم وفرقه وكان مع ذلك موته فما وجدوا منها إلا قدر ثمن الكفن. وكان يقول: والله لو أن نهركم هذا - يعني بردى - سال ذهبا وفضة من

стр. 193

شاء خرج إليه فأخذ منه ما خرجت إليه ولو قيل: من مس هذا العمود مات لسرني أن أقوم إليه شوقا إلى الله وإلى رسوله.

стр. 194

٨٦ – [توبة القعنبي] أنبأنا الإمام أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي قال: أنا أبو علي أحمد بن محمد بن أحمد البرداني أنا الحسن بن أحمد بن عبد الله المقرىء أنا هلال بن محمد الحفار ثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن الصباح البزاز قال: لم يرو القعنبي عن شعبة غير هذا الحديث الواحد وله شرح: حدثني بعض القضاة عن بعض ولد القعنبي بالبصرة قال: كان أبي يشرب النبيذ ويصحب الأحداث فدعاهم يوما وقد قعد على الباب ينتظرهم فمر شعبة على حماره والناس خلفه يهرعون. فقال: من هذا؟ قيل: شعبة. قال: وأيش شعبة؟ قالوا: محدث. فقام إليه وعليه إزار أحمر فقال له: حدثني فقال له: ما أنت من أصحاب الحديث فأحدثك فأشهر سكينه وقال: تحدثني أو أجرحك؟. فقال له: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ" [أحمد ٤/١٢١ – ١٢٢, البخاري ٣٤٨٣ – ٣٤٨٤, أبو داود ٤٧٩٧, ابن ماجة ٤١٨٣] . فَرَمَى سِكِّينَهُ وَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَقَامَ إِلَى جَمِيعِ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الشَّرَابِ فَهَرَاقَهُ وَقَالَ لأُمِّهِ: السَّاعَةَ أَصْحَابِي يَجِيئُونَ فَأَدْخِلِيهِمْ وَقَدِّمِي الطَّعَامَ إِلَيْهِمْ فَإِذَا أَكَلُوا فَخَبِّرِيهِمْ بِمَا صَنَعْتُ بِالشَّرَابِ حَتَّى يَنْصَرِفُوا. وَمَضَى مِنْ وَقْتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَزِمَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فَأَثَرَ عَنْهُ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَقَدْ مَاتَ شُعْبَةُ فَمَا سَمِعَ مِنْهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ.

стр. 195

٨٧ – [توبة عكبر الكردي] قرأت في "الملتقط" عن بشر بن الحارث الحافي أنه قال: اعترضت عكبر

стр. 196

الكردي فقلت له: أيش كان أصل رجوعك إلى الله تعالى؟ فقال: كنت في بعض الدحال أقطع الطريق وكان فيها ثلاث نخلات نخلة منهن لا تحمل وإذا بعصفور يأخذ من حمل النخلة التي تحمل رطبة فيدعها في التي لا تحمل. فلم أزل أعد عليه عشر مرار فخطر بقلبي: قم وانظر! فنهضت فإذا في رأس النخلة حية عمياء - يعني وهو يضع الرطبات في فيها. فبكيت وقلت: سيدي! هذه حية قد أمر نبيك بقتلها أعميتها وأقمت لها عصفورا يقوم لها بالكفاية وأنا عبدك أقر بأنك واحد أقمتني لقطع الطريق وإخافة السبيل؟!. فوقع في قلبي: يا عكبر! بابي مفتوح. فكسرت سيفي ووصعت التراب على رأسي وصحت: الإقالة الإقالة فإذا بهاتف يقول: قد أقلناك قد أقلناك. فانتبه رفقاتي فقالوا: ما لك؟ قد أزعجتنا! فقلت: كنت مهجورا وقد صولحت. فقالوا: ونحن أيضا كنا مهجورين وقد صولحنا. فرمينا ثيابنا وأحرمنا كلنا فما زلنا كذلك ثلاثة أيام نصيح ونبكي ونحن سكارى حيارى. فوردنا اليوم الثالث على قرية وإذا بامرأة عمياء جالسة على باب القرية فقالت: فيكم عكبر الكردي؟ فقال أحدنا: نعم لك حاجة؟ قالت: نعم لي ثلاث ليال أرى النبي ﷺ في النوم وهو يقول: أعط عكبر الكردي ما خلفه ولدك فأخرجت لنا ستين شقة فائتزرنا ببعضها ودخلنا البادية إلى أن أتينا البيت.

стр. 197

٨٨ – [توبة صدقة بن سليمان الجعفري] وذكر ابن أبي الدنيا قال: حدثني محمد بن الحسين ثنا خالد بن عمرو القرشي ثنا صدقة بن سليمان الجعفري قال: كانت بي شرة سمجة فمات أبي فأبت وندمت على ما فرطت. ثم زللت زلة فرأيت أبي في المنام فقال: أي بني! ما كان أشد فرحي بك وأعمالك تعرض علي فنشبهها بأعمال الصالحين.

стр. 198

قال خالد: وكان بعد ذلك قد خشع ونسك وكنت أسمعه يقول في دعائه في السحر - وكان لنا جارا بالكوفة - اللهم أسألك إنابة لا رجعة فيها ولا حور يا مصلح الصالحين وهادي المضلين وراحم المذنبين.

стр. 199

٨٩ – [توبة ذي النون المصري] أَنْبَأَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ أَنَا مُحَمَّدُ بن عبد الله بن حبيب أنا علي بن عبد الله بْنِ أَبِي صَادِقٍ ثنا أَبُو عبد الله محمد بن عبد اللَّهِ بْنِ بَاكُوَيْهِ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلُّوَيْهِ قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: لَمَّا اسْتَأْنَسْتُ بِذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ قُلْتُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ! مَا كَانَ بَدْءُ شَأْنِكَ؟. قَالَ: كُنْتُ شَابًّا صَاحِبَ لَهْوٍ وَلَعِبٍ ثُمَّ تُبْتُ وَتَرَكْتُ ذَلِكَ وَخَرَجْتُ حَاجًّا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَمَعِي بُضَيْعَةٌ فَرَكِبْتُ فِي الْمَرْكَبِ مَعَ تُجَّارٍ مِنْ مِصْرَ وَرَكِبَ مَعَنَا شَابٌّ صَبِيحٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ يُشْرِقُ فَلَمَّا تَوَسَّطَنَا فَقَدَ صَاحِبُ الْمَرْكَبِ كِيسًا فِيهِ مَالٌ فَأَمَرَ بِحَبْسِ الْمَرْكَبِ فَفَتَّشَ مَنْ فِيهِ وَأَتْعَبَهُمْ فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الشَّابِّ لِيُفَتِّشُوهُ وَثَبَ وَثْبَةً مِنَ الْمَرْكَبِ حَتَّى جَلَسَ عَلَى أَمْوَاجِ الْبَحْرِ وَقَامَ لَهُ الْمَوْجُ عَلَى مِثَالِ سَرِيرٍ وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَرْكَبِ وَقَالَ: يَا مَوْلايَ! إِنَّ هَؤُلاءِ اتَّهَمُونِي وَإِنِّي أُقْسِمُ يَا حَبِيبَ قَلْبِي أَنْ تَأْمُرَ كُلَّ دَابَّةٍ فِي هَذَا الْمَكَانِ أَنْ تُخْرِجَ رَأْسَهَا وَفِي أَفْوَاهِهَا جَوْهَرٌ. قَالَ ذُو النُّونِ: فَمَا تَمَّ كَلامُهُ حَتَّى رَأَيْنَا دَوَابَّ الْبَحْرِ أَمَامَ الْمَرْكَبِ قَدْ أخرجت رؤوسها وَفِي فَمِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا جَوْهَرَةٌ تَتَلأْلأُ وَتَلْمَعُ. ثُمَّ وَثَبَ الشَّابُّ مِنَ الْمَوْجِ إِلَى الْبَحْرِ وَجَعَلَ يَتَبَخْتَرُ عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ وَيَقُولُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٤] حَتَّى غَابَ عَنْ بَصَرِي. فَهَذَا الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى السِّيَاحَةِ وَذَكَرْتُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : "لا يَزَالُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ ثَلاثُونَ قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ كُلَّمَا مَاتَ وَاحِدٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ واحداً". أحمد ٥/٣٢٢] .

стр. 200

٩٠ – [توبة سكران] قال ابن باكويه: وحدثنا بكران بن أحمد قال: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ:

стр. 201

كنت مع ذي النون المصري على شاطىء غدير فنظرت إلى عقرب أعظم ما يكون على شط الغدير واقفة فإذا بضفدع قد خرجت من الغدير فركبتها العقرب فجعلت الضفدع تسبح حتى عبرت. فقال ذو النون: إن لهذه العقرب لشأنا فامض بنا فجعلنا نقفوا أثرها فإذا رجل نائم سكران وإذا حية قد جاءت فصعدت من ناحية سرته إلى صدره وهي تطلب أذنه فاستحكمت العقرب من الحية فضربتها فانقلبت وانفسخت. ورجعت العقرب إلى الغدير فجاءت الضفدع فركبتها فعبرت. فحرك ذو النون الرجل النائم ففتح عينيه فقال: يا فتى! انظر مما نجاك الله: هذه العقرب جاءت فقتلت هذه الحية التي أرادتك. ثم أنشأ ذو النون يقول: يا غافلا والجليل يحرسه ... من كل سوء يدب في الظلم كيف تنام العيون عن ملك ... تأتيه منه فوائد النعم فنهض الشاب وقال: إلهي! هذا فعلك بمن عصاك فكيف رفقك بمن يطيعك؟ ثم ولى فقلت: إلى أين؟ قال: إلى البادية والله لا عدت إلى المدن أبدا!

стр. 202

٩١ – [توبة المرتعش] أنبأنا أبو علي ضياء بن أبي القاسم أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عبد الباقي أنا هناد بن إبراهيم قال: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت جدي يقول: كان المرتعش دهقان نيسابور يذكر بدء أمره: أنه كان جالسا على باب داره قال: فإذا أنا بشاب عليه مرقعة وعلى رأسه خرقة فأشار إلي متعرضا إشارة لطيفة فقلت في نفسي: شاب جلد صحيح الجسم ولم أرد عليه جوابه. فصاح الشاب صيحة هالتني وقال: أعوذ بالله مما خطر في سرك. قال المرتعش: فغشي علي فخرجت جارية لنا ورأتني واجتمع حولي خلق فما أفقت إلا بعد حين. فلما أفقت لم أر الشاب فتحسرت على ما كان مني.

стр. 203

فرأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في المنام وهو يقول: إن الله لا يجيب سؤال مانع سائله. قال المرتعش: فانتبهت وفرقت ما نالت يدي وخرجت فسمعت وفاة والدي وأخي بعد خمس عشرة سنة وما رجعت إلى نيسابور بعد ذلك. وصار الشاب يتبعني أحيانا فما فارقني ولا تفارقنا إلى اللقاء.

стр. 204

٩٢ – [توبة عبد الرحمن القس] أخبرنا أبو بكر أحمد بن المقرب بن الحسين الكرخي أنا طراد بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيُّ أنا أَبُو الحسين بن بشران أنا أبو علي بن صفوان أنا عبد الله بن محمد حدثني أبو زيد النميري قال: حدثني خلاد بن يزيد قال: سمعت شيوخنا من أهل مكة - منهم سليمان - يذكرون: أن القس كان عند أهل مكة من أحسنهم عبادة وأظهرهم تبتلا وأنه مر يوما بسلامة جارية كانت لرجل من قريش فسمع غناءها فوقف يستمع فرآه مولاها فقال: هل لك أن تدخل فتسمع؟ فتأبى عليه فلم يزل به حتى تسمح وقال: أقعدني في موضع لا أراها ولا تراني قال: أفعل. فدخل فتغنت فأعجبته فقال مولاها: هل لك أن أحولها إليك؟ فتأبى ثم تسمح فلم يزل يسمع غناءها حتى شغف بها وشغفت به وعلم ذلك أهل مكة. فقالت له يوما: أنا والله أحبك قال: وأنا والله أحبك قالت: وأحب أن أضع فمي على فمك قال: وأنا والله قالت: أحب أن ألصق صدري بصدرك وبطني ببطنك قال: وأنا والله. قالت: فما يمنعك؟ فوالله إن الموضع لخال قال: إني سمعت الله تعالى يقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] وأنا أكره أن تكون خلة ما بيني وبينك تؤول بنا إلى عداوة يوم القيامة. قالت: يا هذا! أتحسب أن ربي وربك لا يقبلنا إذا تبنا إليه؟ قال: بلى! ولكن لا آمن أن أفاجأ. ثم نهض وعيناه تذرفان فلم يرجع بعد وعاد إلى ما كان عليه من النسك.

стр. 205

٩٣ – [توبة أبي الحارث الأولاسي] وروى أبو سعيد قال: حكى بعض الزهاد قال: قال لي أبو الحارث الأولاسي: تدري كيف كان بدء أمر توبتي؟ فقلت لا. فقال: كنت شابا صبيحا وضيئا فبينا أنا في غفلتي رأيت عليلا مطروحا على قارعة الطريق فدنوت منه فقلت: هل تشتهي شيئا قال: نعم رمان فجئته برمان فلما وضعته بين يديه رفع بصره إلي وقال: تاب الله عليك. فما أمسيت حتى تغير قلبي عن كل ما كنت فيه من اللهو ولزمني خوف الموت. فخرجت عن جميع ما أملك وخرجت أريد الحج فكنت أسير بالليل وأختفي بالنهار مخافة الفتنة. فبينا أنا أسير بالليل إذا بقوم على الطريق يشربون فلما رأوني ذهلوا وأجلسوني وعرضوا علي الطعام والشراب فقلت: أحتاج إلى البول فأرسلوا معي غلاما ليدلني على الخلاء. فلما تباعدت عنهم قلت للغلام: انصرف فإني أستحي منك فانصرف. ووقعت في غابة فإذا أنا بسبع فقلت: اللهم إنك تعلم ما تركت ومن ماذا خرجت فاصرف عني شر هذا السبع. فولى السبع. ورجعت إلى الطريق فوصلت إلى مكة ولقيت بها من انتفعت بهم منهم إبراهيم بن سعد العلوي.

стр. 206

٩٤ – [توبة أبي الفضل محمد بن ناصر السلامي عن اعتقاد المبتدعة] قرأت على الشيخ أبي عبد الله مظفر بن أبي نصر البواب وابنه أبي محمد عبد الله بن مظفر ببغداد قلت لهما: حدثكما الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر السلامي قال: كنت أسمع الفقهاء من أصحاب الشافعي في "النظامية" يقولون: القرآن

стр. 207

معنى قائم بالذات والحروف والأصوات عبارات ودلالات على الكلام القديم القائم بالذات. فحصل في قلبي شيء من ذلك حتى صرت أقول بقولهم موافقة. وكنت إذا صليت أدعو الله تعالى أن يوفقني لأحب المذاهب والاعتقادات إليه فبقيت على ذلك مدة طويلة أقول: اللهم وفقني لأحب المذاهب إليك وأقربها عندك. فلما كان في أول ليلة من رجب سنة أربع وتسعين وأربعمائة رأيت في المنام كأني قد جئت إلى مسجد الشيخ أبي منصور محمد بن أحمد المقرىء الخياط في مسجد ابن جردة والناس على باب المسجد مجتمعون وهم يقولون: إن النبي ﷺ عند الشيخ أبي منصور. فدخلت المسجد وقصدت إلى الزاوية التي كان يجلس فيها الشيخ أبو منصور فرأيت الشيخ أبا منصور قد خرج من زاويته وجلس بين يدي شخص فما رأيت شخصا أحسن منه على نعت النبي ﷺ الذي وصف لنا وعليه ثياب ما رأيت أشد بياضا منها وعلى رأسه عمامة بيضاء والشيخ أبو منصور مقبل عليه بوجهه. فدخلت فسلمت فرد علي السلام ولم أتحقق من الراد علي لدهشتي برؤية النَّبِيُّ ﷺ وجلست بين أيديهما. فالتفت إلي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ من غير أن أسأله عن شيء أو أستفتحه بكلام أصلا وقال لي: "عليك بمذهب هذا الشيخ عليك بمذهب هذا الشيخ عليك بمذهب هذا الشيخ ثلاثا". قال: الحافظ أبو الفضل وأنا أقسم بالله ثلاثا وأشهد بالله ثلاثا لقد قال لي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثلاثا ويشير في كل مرة بيده اليمنى إلى الشيخ أبي منصور قال: فانتبهت وأعضائي ترعد فناديت والدتي رابعة بنت الشيخ أبي حكيم الخبري وحكيت لها ما رأيت. فقالت: يا بني! هذا منام وحي فاعتمد عليه. فلما أصبحت بكرت إلى الصلاة خلف الشيخ أبي منصور فلما صلينا الصبح قصصت عليه المنام فدمعت عيناه وخشع قلبه وقال لي: يا بني! مذهب الشافعي حسن فتكون على مذهب الشافعي في الفروع وعلى مذهب أحمد وأصحاب الحديث في الأصول.

стр. 208

فقلت له: أي سيدي! ما أريد أن أكون لونين! وأنا أشهد الله وملائكته وأنبياءه وأشهدك علي أني منذ اليوم لا أعتقد ولا أدين الله ولا أعتمد إلا على مذهب أحمد في الأصول والفروع. فقبل الشيخ أبو منصور رأسي وقال: وفقك الله فقبلت يده. وقال لي الشيخ أبو منصور: أنا كنت في ابتداء أمري شافعيا وكنت أتفقه على القاضي الإمام أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري وأسمع الخلاف عليه. فحضرت يوما عند الشيخ أبي الحسن علي بن عمر القزويني الزاهد الصالح لأقرأ عليه القرآن فابتدأت أقرأ عليه القرآن فقطع علي القراءة مرة أو مرتين ثم قال: قالوا وقلنا وقلنا وقالوا! فلا نحن نرجع إليهم ولا هم يرجعون إلى قولنا ورجعنا إلى عاداتنا فأي فائدة في هذا؟ ثم كرر علي هذا الكلام. فقلت في نفسي: والله ما عنى الشيخ بهذا أحدا غيري فتركت الاشتغال بالخلاف وقرأت مختصر أبي القاسم الخرقي على رجل كان يقرىء القرآن. قال الحافظ: ورأيت بعد ذلك ما زادني يقينا وعلمت أن ذلك تثبيت من الله لي وتعليم لأعرف حق نعمة الله علي وأشكره إذ أنقذني من اعتقاد البدعة إلى اعتقاد السنة والله المسؤول الخاتمة بالموت على الإسلام والسنة.

стр. 209

٩٥ – [توبة أبي الحسن الهرقاني عن مذهب المتكلمين] قال الحافظ أبو الفضل: وحدثني الشيخ الصالح أبو الحسن علي بن المختار بن علي الهرقاني قال: كان لي رفيق يعرف بمحمد بن خنيس يقرأ على أبي عبد الله القيرواني المتكلم شيئا من الكلام من كتاب ابن الباقلاني فوافقته في ذلك. فرأيت ليلة في منامي كأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ على سطح رباط الشيخ أبي سعد الصوفي وهو جالس وحوله حلقة دائرة فقلت لبعضهم: ما هذا الجمع؟ فقال لي: هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - أما تسلم عليه؟ فجئت ففضضت الحلقة ووقفت تلقاء وجهه وقلت: السلام عليك يا مولاي أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! فقال لي: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ورأيته وهو جالس مواز لرؤوس القيام

стр. 210

فبدأني وقال: تريد أن تعتقد؟ قلت: نعم يا مولاي فقال: عليك باعتقاد أحمد فقلت: السمع والطاعة. فلما جاءني رفيقي الذي كنت أسمع معه الكلام ومعه أصحاب له قالوا: تعال حتى نمضي إلى أبي عبد الله نقرأ عليه قلت: اليوم لي شغل. ثم إني اجتمعت بالشيخ أبي منصور في مسجد فقصصت عليه هذه الرؤيا فسر بها وقال: ادن مني فدنوت منه فقبل بين عيني وقال: أنت مراد ودعا بأصحابه وقال: اقصص عليهم الرؤيا فقصصت عليهم الرؤيا فقالوا: يجب عليه الشكر فقال الشيخ: أنا أفديه والشكر علي وأخرج ذهبا فاشترى به خبزا وتمرا ففرق على كل خاتم القرآن رغيفين ورطل تمر. ومن كان يحفظ البعض أعطاه رغيفا ونصف رطل تمر. قال: وقطعت المضي إلى القيرواني ثم اعتقدت من يومئذ اعتقاد أحمد بن حنبل وأصحاب الحديث وأنا أدين الله تعالى به إلى يوم القيامة.

стр. 211

أخبار جماعة من التوابين ٩٦ – [توبة منازل بن لاحق] أَنْبَأَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ حَمْزَةَ السُّلَمِيُّ فِي جَمَاعَةٍ قَالُوا: أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ المقرىء الأَصْبَهَانِيُّ أنا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الرَّقِّيُّ قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَطُوفُ مَعَ أَبِي حَوْلَ الْبَيْتِ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ وَقَدْ رَقَدَتِ الْعُيُونُ وَهَدَأَتِ الأَصْوَاتُ إِذْ سَمِعَ أَبِي هَاتِفًا يَهْتِفُ بِصَوْتٍ حَزِينٍ شَجِيٍّ وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَنْ يُجِيبُ دُعَا الْمُضْطَرِّ فِي الظُّلَمِ ... يَا كَاشِفَ الضُّرَّ وَالْبَلْوَى مَعَ السَّقَمِ قَدْ نَامَ وَفْدُكَ حَوْلَ الْبَيْتِ وَانْتَبَهُوا ... وَأَنْتَ عَيْنُكَ يَا قَيُّومُ لَمْ تَنَمِ هَبْ لِي بِجُودِكَ فَضْلَ الْعَفْوِ عَنْ جُرْمِي ... يَا مَنْ إِلَيْهِ أَشَارَ الْخَلْقُ فِي الْحَرَمِ إِنْ كَانَ عَفْوُكَ لا يدركه ذو سرف ... فمن يَجُودُ عَلَى الْعَاصِينَ بِالْكَرَمِ قَالَ: فَقَالَ أَبِي: يَا بُنَيَّ! أَمَا تَسْمَعُ صَوْتَ النَّادِبِ لِذَنْبِهِ الْمُسْتَقِيلِ لِرَبِّهِ؟ الْحَقْهُ فَلَعَلَّ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ. فَخَرَجْتُ أَسْعَى حَوْلَ الْبَيْتِ أَطْلُبُهُ فَلَمْ أَجِدْهُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْمَقَامِ وَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَقُلْتُ: أَجِبِ ابْنَ عَمِّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَوْجَزَ فِي صَلاتِهِ وَاتَّبَعَنِي.

стр. 212

فَأَتَيْتُ أَبِي فَقُلْتُ: هَذَا الرَّجُلُ يَا أَبَتِ. فَقَالَ لَهُ أَبِي: مِمَّنِ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مِنَ الْعَرَبِ قَالَ: وَمَا اسْمُكَ؟ قَالَ: مُنَازِلُ بْنُ لاحِقٍ. قَالَ: وَمَا شَأْنُكَ وَمَا قِصَّتُكَ؟ قَالَ: وَمَا قِصَّةُ مَنْ أَسْلَمَتْهُ ذُنُوبُهُ وَأَوْبَقَتْهُ عُيُوبُهُ فَهُوَ مُرْتَطِمٌ فِي بَحْرِ الْخَطَايَا. فَقَالَ لَهُ أَبِي: عَلَيَّ ذَلِكَ فَاشْرَحْ لِي خَبَرَكَ. قَالَ: كُنْتُ شَابًّا عَلَى اللَّهْوِ وَالطَّرَبِ لا أُفِيقُ عَنْهُ وَكَانَ لِي وَالِدٌ يَعِظُنِي كَثِيرًا وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ! احْذَرْ هَفَوَاتِ الشَّبَابِ وَعَثَرَاتِهِ فَإِنَّ لِلَّهِ سَطَوَاتٍ وَنَقَمَاتٍ مَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ وَكَانَ إِذَا أَلَحَّ عَلَيَّ بِالْمَوْعِظَةِ أَلْحَحْتُ عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ مِنَ الأَيَّامِ أَلَحَّ عَلَيَّ بِالْمَوْعِظَةِ فَأَوْجَعْتُهُ ضَرْبًا فَحَلَفَ بِاللَّهِ مُجْتَهِدًا لَيَأْتِيَنَّ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامِ فَيَتَعَلَّقُ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَيَدْعُو عَلَيَّ فَخَرَجَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَيْتِ فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: يَا مَنْ إِلَيْهِ أَتَى الْحُجَّاجُ قَدْ قَطَعُوا ... عُرْضَ الْمَهَامِهِ مِنْ قُرْبٍ وَمِنْ بُعْدِ إِنِّي أَتَيْتُكَ يَا مَنْ لا يُخَيِّبُ مَنْ ... يَدْعُوهُ مُبْتَهِلا بِالْوَاحِدِ الصَّمَدِ هَذَا مُنَازِلٌ لا يَرْتَدُّ عَنْ عُقَقِي ... فَخُذْ بِحَقِّي يَا رَحْمَانُ مِنْ وَلَدِي وشِلَّ مِنْهُ بِحَوْلٍ مِنْكَ جَانِبَهُ ... يَا مَنْ تَقَدَّسَ لَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَلِدِ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا اسْتَتَمَّ كَلامَهُ حَتَّى نَزَلَ بِي مَا تَرَى ثُمَّ كَشَفَ عَنْ شِقِّهِ الأَيْمَنِ فَإِذَا هُوَ يَابِسٌ. قَالَ: فَأُبْتُ وَرَجَعْتُ وَلَمْ أَزَلْ أَتَرَضَّاهُ وَأَخْضَعُ لَهُ وَأَسْأَلُهُ الْعَفْوَ عَنِّي إِلَى أَنْ أَجَابَنِي أَنْ يَدْعُوَ لِي فِي الْمَكَانِ الَّذِي دَعَا عَلَيَّ. قَالَ: فَحَمَلْتُهُ عَلَى نَاقَةٍ عُشَرَاءَ وَخَرَجْتُ أَقْفُو أَثَرَهُ حَتَّى إِذَا صِرْنَا بِوَادِي الأَرَاكِ طَارَ طَائِرٌ مِنْ شَجَرَةٍ فَنَفَرَتِ النَّاقَةُ فَرَمَتْ بِهِ بَيْنَ أَحْجَارٍ فَرَضَخَتْ رأسه فمات فدفتنه هُنَاكَ وَأَقْبَلْتُ آيِسًا وَأَعْظَمُ مَا بِي مَا أَلْقَاهُ مِنَ التَّعْيِيرِ أَنِّي لا أُعْرَفُ إِلا بِالْمَأْخُوذِ بِعُقُوقِ وَالِدَيْهِ. فَقَالَ لَهُ أَبِي: أَبْشِرْ فَقَدْ أَتَاكَ الْغَوْثُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَمَرَهُ فَكَشَفَ عَنْ شِقِّهِ بِيَدِهِ وَدَعَا لَهُ مَرَّاتٍ يُرَدِّدُهُنَّ فَعَادَ صَحِيحًا كَمَا كَانَ. وَقَالَ لَهُ أَبِي: لَوْلا أَنَّهُ قَدْ كَانَ سَبَقْتَ إِلَيْكَ مِنْ أَبِيكَ فِي الدُّعَاءِ لَكَ بِحَيْثُ دَعَا عَلَيْكَ لَمَا دَعَوْتُ لَكَ.

стр. 213

قَالَ الْحَسَنُ: وَكَانَ أَبِي يَقُولُ لَنَا: احْذَرُوا دُعَاءَ الْوَالِدَيْنِ! فَإِنَّ فِي دُعَائِهِمَا النَّمَاءُ وَالانْجِبَارُ وَالاسْتِئْصَالُ وَالْبَوَارُ.

стр. 214

٩٧ – [توبة امرأة من دومة الجندل عن عمل السحر] قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْمَعَالِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَخْبَرَكُمْ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَكْفَانِيُّ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَرْزَةَ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْفَقِيهُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ قَالَ: ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ثنا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ حدثني هشام ابن عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمَتِ امْرَأَةٌ مِنْ دُومَةِ الْجَنْدَلِ تَبْتَغِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ حَدَاثَةَ ذَلِكَ تَسْأَلُهُ عن شي دَخَلَتْ فِيهِ مِنْ أَمْرِ السِّحْرِ وَلَمْ تَعْمَلْ بِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ لِعُرْوَةَ: يَا ابْنَ أُخْتِي! فَرَأَيْتُهَا تَبْكِي حَتَّى إِنِّي لأَرْحَمُهَا تَقُولُ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْتُ كَانَ لِي زَوْجٌ فَغَابَ عَنِّي فَدَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزٌ فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: إِنْ فَعَلْتِ مَا آمُرِكِ بِهِ تَجْعَلِيهِ يَأْتِيكِ. فَلَمَّا أَتَانَا اللَّيْلُ جَاءَتْنِي بِكَلْبَيْنِ أَسْوَدَيْنِ فَرَكِبْتُ أَحَدَهُمَا وَرَكِبَتِ الآخَرَ وَلَمْ يَكُنْ كَشَيْءٍ حَتَّى وَقَفْنَا بـ "بابل" فَإِذَا بِرَجُلَيْنِ مُعَلَّقَيْنِ بِأَرْجُلِهِمَا فَقَالا: مَا جَاءَ بِكِ؟ فَقُلْتُ: أَتَعَلَّمُ السِّحْرَ فَقَالا: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرِي وَارْجَعِي فَأَبَيْتُ وَقُلْتُ: لا. قَالا: فَاذْهَبِي إِلَى ذَلِكَ التَّنُّورِ فَبُولِي فِيهِ. فَذَهَبْتُ فَفَزَعْتُ فَلَمْ أَفْعَلْ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمَا فَقَالا: أَفَعَلْتِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ فَقَالا: هَلْ رَأَيْتِ شَيْئًا؟ قُلْتُ: لَمْ أَرَ شَيْئًا فَقَالا لَمْ تَفْعَلِي! ارْجِعِيِ إِلَى بَلَدِكِ وَلا تَكْفُرِي فَأَبَيْتُ فَقَالا: اذْهَبْيِ إِلَى ذَلِكَ التَّنُّورِ فَبُولِي فِيهِ. ثُمَّ إِنِّي ذَهَبْتُ فَاقْشَعَرَّ جِلْدِي وَخُفْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَيْهِمَا فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ فَقَالا: مَا رَأَيْتِ؟ فَقُلْتُ: لَمْ أَرَ شَيْئًا فَقَالا: كَذَبْتِ لَمْ تَفْعَلِي فَارْجِعِي إِلَى بَلَدِكِ وَلا تَكْفُرِي فَإِنَّكِ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكِ. فَذَهَبْتُ فَبُلْتُ فِيهِ فَرَأَيْتُ فَارِسًا مُتَقَنِّعًا بِحَدِيدٍ خَرَجَ مِنِّي فَذَهَبَ فِي السَّمَاءِ وَغَابَ عَنِّي حَتَّى مَا أَرَاهُ وَجِئْتُهُمَا فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ فَقَالا: مَا رَأَيْتِ؟

стр. 215

قُلْتُ: رَأَيْتُ فَارِسًا مُتَقَنِّعًا بِحَدِيدٍ خَرَجَ مِنِّي فَذَهَبَ فِي السَّمَاءِ حَتَّى مَا أَرَاهُ. فَقَالا: صَدَقْتِ! ذَلِكَ إِيمَانُكِ خَرَجَ مِنْكِ اذْهَبِي. فَقُلْتُ لِلْمَرْأَةِ: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ شَيْئًا وَمَا قَالا لِي شَيْئًا. فَقَالَتْ: بَلَى! لَنْ تُرِيدِي شَيْئًا إِلا كَانَ خُذِي هَذَا الْقَمْحَ فَابْذُرِي فَبَذَرْتُ فَقُلْتُ: أَطْلَعِي فَأَطْلَعَتْ فَقُلْتُ: الْحَقِي فَلَحِقَتْ ثُمَّ قُلْتُ: افْرُكِي فَفَرَكَتْ فَقُلْتُ: ايْبِسِي فَيَبَسَتْ ثُمَّ قُلْتُ اطْحَنِي فَطَحَنَتْ ثُمَّ قُلْتُ: اخْبِزِي فَخَبَزَتْ. فَلَمَّا رَأَيْتُ أَنِّي لا أُرِيدُ شَيْئًا إِلا كَانَ سَقَطَ فِي يَدِي وَنَدَمْتُ وَاللَّهِ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا فَعَلْتُ شَيْئًا قَطُّ وَلا أَفْعَلُهُ أَبَدًا فَسَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدَاثَةَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمَ مُتَوَافِرُونَ فَمَا دَرَوْا مَا يَقُولُونَ لَهَا وَكُلُّهُمْ هَابَ وَخَافَ أَنْ يَفْتِيهَا بِمَا لا يَعْلَمُهُ إِلا أَنَّهُ قَدْ قَالَ لَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ - أَوْ بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ -: لَوْ كَانَ أَبَوَاكِ حَيَّيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا. قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: وَكَانَ هِشَامٌ يَقُولُ: إِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ وَرَعٍ وَخَشْيَةٍ مِنَ اللَّهِ وَبُعَدَاءَ مِنَ التَّكَلُّفِ وَالْجَرْأَةِ عَلَى اللَّهِ-. ثُمَّ يَقُولُ هِشَامٌ: وَلَوْ جَاءَتْنَا مِثْلُهَا لَوَجَدَتْ نَوْكَى أَهْلَ حُمْقٍ وَتَكَلُّفٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
следующие страницы →