وبلاءه والغزو: أصله الطلب يقال ما مغزاك من هذا الامر أي ما مطلبك منه وسمى الغازي غازيا لطلبه العدو وجمع الغازي غزاه وغزى على فعيل وغزى على فعيل وقد اغزى الرجل غيره بماله ونفقته إذا جهزه واغزاه إذا حمله على الغزو ويقال للناقه التي تلقح آخر الابل وتنتج آخرهن مغزيه لا تحمل صاحبها وقت النتاج على لبن غيره. اوالسريه: سميت سريه لانها تستخفي في قصدها فتسري ليلا وهي فعليه بمعنى فاعله يقال سرى الرجل بالليل واسرى لغتان ولا يكون السرى الا بالليل..
ولما حمل إلى عمر ﵁ كنوز كسرى نظر اليهم فقال اللهم اني اعوذ بك أن اكون مستدرجا فاني اسمعك تقول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ "١".
قيل في تفسير قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ . أي سنأخذهم قليلا قليلا ولا نباغتهم وأصله من درج الغلام يدرج إذا مشى قليلا أول ما يمشي وقال أبو الهيثم امتنع فلان من كذا وكذا حتى جاء فلان فاستدرجه أي خدعه حتى حمله على أن درج في ذلك كما يدرج الصبي إذا دب واستدرجت الريح الحصى إذا هبت بها حتى صيرتها تدرج على وجه الأرض من غير أن ترفعه يقال درجت الريح بالحصى واستدرجته وفيه وجه آخر وهو أن يجعل الاستدراج من الادراج وهي الطي يقال ادرجت الثوب ادراجا يطوى على وجهه فكأن الكافر إذا عصى ربه واغتبط بما هو فيه فتح الله عليه الدنيا وزينتها وطوى عنه خبر عاقبته وما اعد له من عقوبه فأخلد إلى الدنيا وسكن اليها ونسي الاخره وهو مسوق إلى اجله فطوى عنه خبر انقضاء مدته فذلك استدراجه.
قال الشافعي: "وانفق عمر ﵁ على أهل الرماده حتى احيوا".الرماده: سنه مجاعه كانت في خلافة عمر لقبت الرماده لما رمد فيها من الناس والحيوان أي هلك والرمد الهلاك يقال: رمد
стр. 177
القوم وارمدوا إذا هلكوا وقال أبو وجزه"١":
صببت عليكم حاصبي فتركتكم ... كاصرام عاد حين جللها الرمد"٢".
الرمد: الهلاك.
وقوله: "حتى أحيوا" يقال للقوم إذا غيثوا ومطروا قد حيوا وذلك إذا عاشوا بالحيا وهو المطر فإذا اردت أن مواشيهم عاشت بالحيا وسمنت قيل احيوا.
قال الشافعي: قال الله : ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ "٣". أما الشعوب والقبائل فقد مر تفسيرها والمعنى انا خلقناكم من آدم وحواء وكلكم بنو أب واحد وام واحده اليهما ترجعون في انسابكم. ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ "٣" يقول لم نجعلكم كذلك لتتفاخروا بآبائكم الذين موضوا في الشعوب والقبائل وإنما جعلناكم كذلك لتتعارفوا أي ليعرف بعضكم بعضا وقرابته منه وتوارثه بتلك القرابه ولما لكم من معرفة القبائل من المصالح في معاقلكم، ثم قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ أي ان أرفعكم منزلة عند الله أتقاكم، وفي هذه الآية نهى عن التفاخر بالانساب وحض على معرفتها ليستعان بها على حيازة المواريث ومعرفة العواقل في الديات والله اعلم.
وذكر الشافعي ﵀ أن معنى قوله: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ أي ليتعارف الناس في الحروب وغيرها فتخف المئونه عليهم باجتماعهم. قال أبو منصور: وما قاله الشافعي داخل في مصالح التعارف ولا يخرج منها ما قدمنا ذكره.
стр. 178
وذكر الشافعي بني أسد بن عبد العزى وانهم من المطيبين وقال بعضهم هم حلفاء من الفضول.
قال أبو منصور: روى الزهرى عن محمد بن جبير بن مطعم عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن النبي ﷺ انه قال: "شهدت حلف المطيبين وما احب أن انكثه وان لي به حمر النعم" ١
قال شمر: سمعت ابن الاعرابي يقول المطيبون هم خمس قبائل عبد مناف كلها وزهره واسد بن عبد العزى وتيم والحارث بن فهر.
قال: والاحلاف خمس قبائل عبد الدار وجمح وسهم ومخزوم وعدى بن كعب سموا بذلك لان بني عبد مناف لما ارادوا اخذ ما في ايدي بني عبد الدار من الحجابه والرفاده"٢" واللواء والسقايه وابت بنو عبد الدار عقد كل قوم علىامرهم حلفا مؤكدا على الا يتخاذلوا فاخرجت بنو عبد مناف جفنه مملوءة طيبا فوضعوها لاحلافهم عند الكعبه ثم غمس القوم ايديهم فيها وتعاقدوا ثم مسحوا الكعبه بايديهم توكيدا فسموا المطيبين وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤهم حفا آخر مؤكدا على الا يتخاذلوا فسموا الاحلاف وقال الكميت يذكرهم:
نسبا في المطيبين وفي الاحلاف ... حل الذؤابه الجمهورا"٣
وقال غير ابن الاعرابي حلف المطيبين وحلف الفضول واحد وسمي ذلك الحلف حلف الفضول لأنه قام به رجال من جرهم اسم كل واحد منهم الفضل وهم الفضل بن الحارث والفضل بن وداعه والفضل بن فضاله والفضول جمع فضل كما يقال سعد وسعود.
стр. 179
باب قسم الصدقات
قال أبو منصور: ذكر الشافعي ﵀ قول أبي بكر ﵁: "لو منعوني عناقا مما ادوا إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها" وفي حديث اخر: "لو منعوني عقالا"١ فاما العناق: من اولاد المعزى فهي الأنثى التي لم تستكمل سنه ولم تجدع وجمعها عنوق ومن رواة عقالا فله معنيان أحدهما أن العقال في كلامهم صدقه عام يقال اخذ منا عقال هذا العام أي اخذ منا صدقة عامنا على مواشينا وقال عمرو بن العداء في ذلك:
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا ... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟ "٢"
والمعنى الثاني في العقال أن المصدق كان إذا اخذ فريضة من الإبل أخذ من صاحب الإبل عقالها ليعقلها به وقت نزوله لأنها إن لم تعقل نزعت إلى الافها فرجعت اليها فذكر العقال تقليلا لما يقاتل عليه توكيدا.
وذكر الشافعي آية الصدقات وفسر الاصناف الثمانيه تفسيرا مقنعا غير اني رأيت أن اذكر ما قال فيها أهل اللغة لتزداد بما فسروه بصيره، سمعت أبو الفضل المنذري يقول سمعت ابا العباس أحمد بن يحيى ثعلبا وسئل عن تفسير الفقير والمسكين فقال قال أبو عمرو بن العلاء رواه عنه الاصمعي الفقير الذي له ما يأكل والمسكين الذي ليس له شيء وانشد للراعي:
اما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد"٣"
стр. 180
فجعل له حلوبة وسماه فقيرا.
قال: وأخبرني الحسين بن فهم عن محمد بن سلام عن يونس قال الفقير الذي يكون له بعض ما بقيمه والمسكين الذي لا شيء له وقال يونس قلت لاعرابي مرة أفقير أنت فقال لا والله بل مسكين.
قال: وسمعت أبا الهيثم يقول كأن الفقير سمى فقيرا لزمانه تصيبه مع حاجة شديدة تمنعه الزمانه عن الكسب قال ويقال اصابته فاقره أي نازله فقرت فقاره وهو خرز ظهره قال والزمانه كل داء ملازم يزمن الإنسان فيمنعه عن الكسب كالعمى والاقعاد وشلل اليدين قال وقد يسمى الأخرس الأصم زمنا وقد
يكتسب وهو غير سوى قال الله : ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾ "١" قالوا من غير خرس والأخرس ليس يسوى وأنشد بعضهم في الفقير:
لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل"٢"
لبد: آخر نسور لقمان وجعل لقمان بن عاد عمر سبعة نسور ولبد آخر نسوره وأراد بالفقير المكسور الفقار يضرب مثلا لكل ضعيف لا ينفذ في الأمور.
قال أبو منصور: وقد تعوذ النبي ﷺ من الفقر ودعا فقال: "اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين".٣
وقد يكون المسكين في هذا الحديث المتواضع المخبت لان المسكنة مفعلة من السكون يقال تمسكن الرجل لربه إذا تواضع وخشع وكان النبي ﷺ يتعوذ من الفقر المرب وهو الفقر اللازم الذي لا يفارقه من أرب بالمكان إذا أقام
стр. 181
به. وفي القرآن ما يدل على أن المسكين قد يكون له الشيء اليسير قال الله : ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ "١". سماهم الله مساكين ولهم سفينه لها قيمة.
وأنشد أحمد بن يحيى قال أنشدني ابن الاعرابي:
هل لك في أجر عظيم تؤجره ... تغيت مسكينا قليلا عسكره
عشر شياه سمعه وبصره ... قد حدث النفس بمصر يحضره
يخاف أن يلقاه نسر ينسره"٢"
ينسره يضربه بمنسره قال ابن الاعرابي عسكره جماعه ماله فسمى نفسه مسكينا وله بلغه وهي السياه العشر. قال أبو منصور: فهذه جمله ما قاله أهل اللغة في الفرق بينهما والذي عندي فيهما أن الفقير والمسكين تجمعهما الحاجه وان كان لهما ما يتقوتانه إما لكثرة عيال أو قلة ما بايديهما والفقر اشدهما حالا لأنه مأخوذ من الفقر وهو كسر الفقار وهو فعيل بمعنى مفعول فكأن الفقير لا ينفك من زمانه اقعدته عن التصرف مع حاجته وبها سمى فقيرا لأنه غاية الحاجه الا يكون له مال ولا يكون سوى الجوارح مكتسبا والعرب تقول للداهيه الشديده فاقره وجمعها فواقر وهي التي تكسر الفقار قال الله : ﴿ظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ "٣".
قال الشافعي: ﵀ "اذا كان العدو بموضع منتاط لا تناله الجيوش الا بمئونه عظيمه".المنتاط البعيد وفي الحديث "اذا انتاطت المغازي" أي بعدت واصله من النوط وهي التعليق وقال الاصمعي يقال رماه الله بالنيط وهو الموت يقال انتاط وانتطى إذا بعد وهذا على القلب والنطى البعيد اصله نيط فقلب كما قالوا اعتام واعتمى وانتاق وانتقى إذا اختار. وقال خول الله تعالى المسلمين اموال المشركين. أي غنمهم واعطاهم اياها وقال أبو اسحاق النحوي في قول الله : ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً
стр. 182
إِلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ "١". قال: ﴿خَوَّلَهُ﴾ أعطاه ذلك تفضلا منه وكل من أعطى شيئا على غير جزاء فقد خول ويقال لخدم الرجل خوله لأنهم من عطاء الله .
قال: "والغارمون صنفان: صنف أدانوا في مصلحة معاشهم وصنف أدانوا في صلاح ذات بين".دانوا أي استدانوا يقال للذي ركبه الدين دائن ومديون وصلاح ذات البين صلاح حاله الوصل بعد المباينه والبين يكون فرقه ويكون وصلا وهو ها هنا بمعنى الوصل ومنه قوله : ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ "٢". أي تقطع وصلكم وقولهم في الدعاء: "اللهم اصلح ذات البين" أي اصلح الحال التي بها يجتمع المسلمون.
وقال الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ "٣". قال الزجاج حقيقة وصلكم قال والبين الوصل وقال ثعلب أراد الحاله التي للبين ولذلك أنث فقال ذات يقال اتيته ذات ليله وكذلك اتيته ذات العشاء أي الساعه التي فيها العشاء. قال الأزهري ﵀ فيما املى ها هنا ذات تأنيث ذا وذا اشاره إلى شيء متراخ عنك وذات اشاره إلى شيء مؤنثه ثم يكنى بذات عن حقيقة الشيء وغايته وهو معنى قول المتكلمين الصفات الذاتيه وهذا على قول من يجعل بعض الصفات غير ذاتيه وهي عندنا كلها ذاتيه ليس منها شيء محدثا وقول العرب لقيته ذات العشاء أي الساعه التي فيها العشاء.
وأما حديث قبيصه بن المخارق أن النبي ﷺ قال: "حرمت المسألة الا في الثلاث رجل تحمل بحمالة ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فيسأل ورجل اصابته فاقه فشهد له ثلاثه من ذوي الحجى أن به فاقه".٤فاما تحمل الحماله فانه في الحرب تكون بين فريقين تقع فيها الدماء والجراحات فيتحملها رجل ليصلح بذلك بينهم ويحقن دماءهم فيسأل فيها حتى يؤديها والعرب تسمي الذين يتحملون الحماله الجمه واصل الحماله الكفاله والحميل الكفيل. وأما الجائحه فهي المصيبه تحل بالرجل في ماله فتجتاحه كله حتى لا يبقى له شيء فإذا كان للرجل زرع أو ثمر نخل أو كرم فاصابتها عاهه اذهبتها فهي جائحة أما أن
стр. 183
ينقطع عنها الماء فيتعذر سقيها فتفسد أو يصيبها حر مفرط أو صر مفسد فيهلكها كل ذلك من الجوائح.
وقوله: "حتى يصيب سدادا من عيش".أي يصيب مالا يسد خلته وكذلك سداد القاروره بالكسر وسداد الثغر سده بالخيل والرجل ليمنعوا العدو من أن يهجم على المسلمين قبله وأما السداد بالفتح فهو الاصابه في المنطق والتدبير والرأي.
وأما الحديث الآخر: "تحل المسأله في الفتق"، والفتق هو الحرب تقع فيها الدماء والجراحات يقال وقع بينهم فتق عظيم، وجعل الشافعي احد معنبي الغارمين في آية الصدقات الذين تحملوا الحمالات فغرموا مغارمها.
قال الشافعي: "وتفض جميع السهمان على اهلها".أي تفرق عليهم والفض اصله الكسر وانفض القوم إذا تفرقوا.
وقوله: "فان الفقراء يغترقون سهمهم كفافا يخرجون به من حد الفقر إلى حد الغنى اعطوه". يغترفونه: أي يستوعبونه كله كفافا أي لا يبقى منه شيء ولكنه على قدر ما يخرجهم من حد الققر إلى ادنى الغنى يقال لفلان كفاف من العيش أي مقدار ما يتبلغ به فيكفيه عن السؤال والحاجه إلى الناس. والاغتراف افتعال من الغرق وهو بمعنى يستغرقون السهم حتى يغرق في حاجتهم فيذهب ويهلك ومنه قول ابن الخطيم في جارية فاترة الطرف:
تغترق الطرف وهي لاهية ... كأنما شف وجهها نزف."١"
قال الشافعي: ﵀ "ويعطى الغازي الحموله والسلاح".اراد بالحموله الظهر الذي يركبه ويحمل عليه زاده واداته والحموله من الابل ما يحمل عليها.
وقوله: "ولو كانوا من باديتهم بالطرف وكانوا الزم له قسم بينهم"
اراد بالطرف من باديتهم اقصى ناحيه منها وجمع الطرف اطراف.
وقوله: "واذا استوى في القرب أهل نسبهم وعدى قسمت على أهل نسبهم
стр. 184
دون العدى وان كان العدى اقرب منهم دارا وكان أهل نسبهم على سفر تقصر فيه الصلاة قسمت على العدى". والعدى هم الذين لا قرابه بينهم وبين هؤلاء الذين جاوروهم، وأهل نسبهم ذوو القرابات فان جمع الجوار ذو القرابه والعدى قسمت على ذوي القرابه لان لهم حقين حق القرابه وحق الجوار، فان كان العدى الذين لا قربة لهم مجاورين لهم وذوو القرابه لا يجاورونهم فالعدى احق لجوارهم"١"
والنعجه: المذهب في طلب الكلأ وإذا نزلت البوادي على اعداد المياه فهم حاضره ومنازلهم محاضرهم فإذا احتملوا عن المحاضر وتتبعوا مساقط الغيث في الباديه فهم منتجعون وناجعون ومنازلهم التي في النجعه مناجعهم ومقام أهل الباديه على اعداد المياه والمحاضر اقل السنه وإنما يقيمون علهيا شهورالقيظ واكثرها اربعه اشهر ثم يبدون منتوين المناجع يشربون الكرع من الغدران والدحلان والكرع ماء السماء وإذا ابطأ عليهم الغيث ارتووا من اعداد المياه لشفاههم وخيلهم وارادوا إبلهم ما بين الخمس والعشر وهذا لاصحاب النعم، فان كانوا شاويين فمقامهم أكثر السنه على الماء العد فإذا كثرت الامطار وامتلأت التناهى وامرعت البلاد بدوا حينئذ وذلك لأنهم لا روايا لهم يرتوون بها فيتهيأ لهم المقام في المناجع البعيدة عن الماء وتعجز شاؤهم عن ورود الماء البعيد الا ترى النبي ﷺ وكيف خص الإبل بأن معها حذاءها وسقاءها فتبدى الشاويين اقل السنه ومحضر النعميين الماء أقل السنه لما أعلمتك.
وقول الشافعيه: "وآل محمد ﷺ الذين جعل لهم الخمس عوضا من الصدقه المفروضه هم أهل الشعب وهم صليبه بني هاشم وبني المطلب".
اراد باهل الشعب الذين ينزلون شعب مكه وهم قريش البطاح والذين ينزلون في غير شعب مكة يقال لهم قريش الظاهرة. والظاهرة البادية وأهل الشعب هم حاضره لا يبرحون الشعب وروى عن معاذ انه قال: "ايما رجل انتقل
стр. 185
من مخلاف عشيرته إلى مخلاف غير عشيرته فصدقته إلى مخلاف عشيرته".
المخاليف لاهل اليمن كالرساتيق لنا واحدها مخلاف وهي قرى مجتمعه يجمعها اسم المخلاف ولكل قريه اهلون على حده.
وقوله: "وهم فوضى مختلطون". يقال متاعهم بينهم فوضى ونعمهم فوضى إذا كانت مختلطه.
وقوله: "حيث كانت الحاجه أكثر فهم به أسعد" أي احق وأولى.
والابل الجلة المسان العظام مثل البزل والربع والسدس فأما بنات اللبون والحقاق فليست من الجلة.
стр. 186
باب في النكاح
قال الشافعي: ﵀ "واحب للرجل والمرأة أن يتزوجا إذا تاقت انفسهما اليه"
أي نزعت انفسهما إليه واشتهته. وذكر الله : ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ "١".وهن اللواتي لا يرجون نكاحا والواحده قاعد بغير هاء وهي التي قعدت عن الزوج أي لا تريده ولا ترجوه وقيل القواعد اللاتي قعدن عن الحيض.
وقوله تعالي: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ "٢". أي لا يبدين الزينه الباطنه نحو المخنقه والخلخال والدملج"٣" والسوار والذي يظهرن الثياب والوجه. وقوله تعالي: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ "٢".كانت المرأة ربما اجتازت وفي رجلها الخلخال والجلاجل فضربت برجلها ليعلم انها ذات خلخال وزينه فنهيت عن ذلك لأنه يحرك الشهوه واسماعها صوته بمنزله ابدائه.
وقال: لما ذكرت عائشه ﵂: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" ٤ وفي ذلك دلالات منها أن للولى شركه في البضع لا يتم النكاح الا به ما لم يعضلها.
قال أبو العباس أحمد بن يحيى اختلف الناس في البضع فقال قوم هو الفرج نفسه وقال قوم هو الجماع نفسه.
قال أبو منصور: وقوله: "ما لم يعضلها" أي ما لم يمنعها عن التزويج يقال عضل الرجل ايمه إذا منعها من النكاح الذي أباحه الله لها.
стр. 187
وقول النبي ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها" ١، أحق في كلام العرب له معنيان:
أحدهما: استيعاب الحق كله كقولك فلان أحق بماله من غيره أي لا حق لاحد فيه سواه.
والثاني: على ترجيح الحق وإن كان للآخر فيه نصيب وهو معنى حديث النبي ﷺ جعلها أحق بنفسها في الا يفتات عليها الولي فيزوجها دونها ولم ينف هذا اللفظ حق الولي بأنه هو الذي يعقد عليها وينظر لها وهذا كقولك فلان احسن وجها من فلان وليس في هذا نفي حسن الوجه عن الاخر ولكنه على وجهه التفضيل والترجيح.
وقوله: "أمر نعيما أن يؤامر أم ابنته" أي يشاورها.
قال الشافعي: "ولو اذن لعبده أن يتزوج حره بالف درهم فتزوجها وضمن لها السيد الالف لزمه لها الالف". قال: "فان باعها زوجها قبل الدخول بتلك الالف بعينها فالبيع باطل من قبل إن عقد البيع والفسخ وقعا معا".
اراد إن باع السيد هذا العبد منها بالالف الذي تزوجته عليه بطل البيع لان عقد البيع وفسخه وقعا معا فاقام الالف واللام مقام الكنايه وذلك أن الثمن بطل للفراق الذي وقع قبل الدخول وإذا بطل الثمن بطل البيع ولم يرد بقوله والفسخ فسخ النكاح لان النكاح منعقد بحاله لانها لم تملكه.
واما قوله: "ولو باعها اياه بالف لا بعينها كان البيع جائزا وعليها الثمن والنكاح مفسوخ من قبلها وزمن قبل السيد". أراد به باعها اياه بالف في ذمتها لا بالف المهر الذي تزوجته عليه فجاز البيع لان الثمن لم يبطل لأنه في الذمه وانسفخ النكاح في هذا الوجه لجواز البيع وملكها اياه. وقال يحضر السلطان اقرب ولاتها ويقول هل تنقمون شيئا، أي هل تكرهون شيئا أي هل تكرهون شيئا من نقص كفاءة وغيرها يقال نقمت منه كذا وكذا أي بلغت مني الكراهة لفعله منتهاه.
стр. 188
قال: "فان كان الابن مجبوبا أو مخبولا رد نكاحه".والمخبول: الذي ذهبت اعضاؤه وبطلت بلقوه أو فالج أو قطع أو شلل والمجبوب الذي قطع مذاكيره والمعتوه الذي لا يميز له ولا عقل بمنزلة المجنون.
قال: "وزوجت عائشه بنت عبد الرحمن بن ابي بكر وهو غائب فقال: امثلي يفتات عليه في بناته".يفتات يفتعل من الفوت وهو السبق ومعناه لا يستبد بالرأي في تزويجها دونه فيسبق إلى تزويجها. وفي الحديث أن رجلا تفوت على ابيه في ماله فاتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: "اردد على ابنك ماله فانما هو سهم من كنانتك". ومعنى تفوت على ابيه اي سبقه واذنه بالاحتكام في ماله والاحداث فيه قبل أن اونس منه رشده فامر النبي ﷺ الاب برد ما فعل الابن دونه. وقال أبو عبيد في قوله: "امثلي يفتات عليه في بناته"، أي افات بهن وكل من احدث دونك شيئا فقد فاتك وانشد:
فان الصبح منتظر قريب ... وانك بالملامه لن تفاتي"١".
أي لن تستبقي يخاطب امرأته وكانت قد سلطت عليه بلسانها ليلا حتى اضجرته فامرها بالكف إلى أن تصبح.
واحسن ما جاء في تأويل حديث عائشه ﵂ وتزويجها ابنه عبد الرحمن دونه أن عائشه كان رأيها أن الولى الاقرب إذا غاب فللولى الابعد أن يزوج وانها احضرت اخا هذه الجاريه فعقد عليها وعائشه حاضره وبامرها كان العقد فنسب التزويج اليها، ودل على هذا ما رواه ابن جريج عن القاسم بن محمد أو غيره قال كانت عائشه إذا هوى الفتى من أهل بيتها فتاه من أهل بيتها احضرت الولى وخطبت ثم قالت للولي زوج فان النساء لا يلين من العقد شيئا فإذا صح هذا التأويل لم تهن روايتها عن النبي ﷺ : "ايما امرأة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل". فان قال قائل فان الشافعي لا يجيز نكاح الولى الابعد إذا كان الاقرب غائبا. قيل: هذا موضع اجتهاد وعائشه اجتهدت رأيها فرأت ما فعلت وخالفها غيرها من
стр. 189
الفقهاء في هذه المسأله فمال إليه الشافعي.
قال الشافعي: "ولا يتسرى العبد"، أي لا يشترى أمة ليطئها كما يفعل الحر واصل يتسرى يتسرر فكثرت الراءات فقلبت احداها ياء كما قالوا تظنيت من الظن والاصل تظننت في حروف كثيره قد ذكرتها فيما تقدم.
والسريه: فعليه من السر وهو الجماع قال الله : ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ "١". وقيل للجماع سر لأنه في السر يكون وغيروا الحرف لما نسبوا فقالوا سريه ولم يقولوا سريه لانهم خصوا الامه بهذا الاسم فولدوا لها لفظا فرقوا به بين المرأة التي تنكح وبين الامه التي تتخذ للجماع كما قالوا للرجل الذي اتى عليه الدهر دهري ليفرقوا بين الشيخ والمعطل وكان أبو الهيثم يقول السر السرور فقالوا لها سريه لانها سرور مالكها وهذا احسن القولين والقول الأول أكثر.
قال الشافعي: "وإن طلب زوج امته أن يبوئها معه بيتا لم يكن ذلك عليه". ومعنى يبوئها معه أي ينزلها معه بيتا يسكنانه يقال تبوأ فلان بيتا أو دارا إذا اتخذ دارا للسكنى والنزول فيها واصل هذا من المباءه وهو المنزل قاله الاصمعي ومباءة الابل مأواها الذي تأوى إليه بالليل وتبرك فيه.
وقوله: "وإن لم يحبلها فعليه عقرها". العقر للامه بمنزلة مهر المثل للحره في النكاح الفاسد. قال وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إن امرأتي لا ترد يد لامس قال: "طلقها"٢. أراد انها لا ترد عن نفسها كل من أراد أن يجامعها فكنى عن الجماع باللمس كما يكنون عنه بالمس والمسيس.
قال الشافعي: "وإن تزوج امرأه ثم طلقها قبل أن يدخل بها لم تحل له امها لانها مبهمه وحلت له ابنتها لانها من الربائب". يذهب كثير من الناس إلى انه قيل لها مبهمه لأنه ابهم امرها فلم يبين ايهن امهات اللاتي دخل بهن أو امهات اللاتي لم يدخل بهن
стр. 190
أو أمهات اللاتي لم يدخل بهن فلما وقع هذا الابهام لم تحل وهذا غلط وليس معنى الابهام فيها بمعنى الاشكال وإنما المبهمات من النساء اللاتي حرمن بكل حال فلا يحللن ابدا كالامهات والبنات والاخوات والعمات والخالات وبنات الاخ وبنات الاخت فهذا يسمى التحريم المبهم لأنه تحريم من كل جهه كالفرس البهيم الذي لا شيه فيه وهو المصمت الذي له لون واحد وكذلك المبهمات من النساء من اللاتي لا يحللن ولهن حكم واحد. فاما أم امرأ لم يدخل بها زوجها فظاهرها الابهام لان الله لم يشترط فيها غير التحريم حين قال: ﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ . وإنما الشرط في الربائب، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الام إذا لم يدخل بالبنت يحل نكاحها وان الشرط الذي في آخر الآية ينتظم الربائب والامهات فاباح نكاح الامهات إذا لم يكن ازواج بناتهن دخلوا بالبنات وابى ذلك أكثر أهل العلم والمفتون في البلدان ورد أهل العربيه ذلك وقالوا إن الخبرين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحدا لا يجيز النحويون مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات ولهذا شرح يطول وصفه وفيما ذكرناه مقنع.
وقوله تعالي: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ "١". من المبهمات وحليله بمعنى محله في قول بعضهم وبعضهم يقول سميت حليله لانها تحال حليلها فهما فعيلان بمعنى مفاعلان كما قيل لها قعيده لانها تقاعده ورفيقه لانها ترافقه.
قال الشافعي: "جعل الله النكاح الحلال نسبا وصهرا وأوجب به حقوقا". قال الفراء في قول الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾ "٢". فاما النسب فهو النسب الذي لا يحل نكاحه وأما الصهر فهو الذي يحل نكاحه كبنات العم والخال وما اشبههن من القرابه التي يحل تزويجها ورد على الفراء قوله وخطئ فيما ذهب اليه.
قال ابن عباس: حرم الله النساء سبعا نسبا وسبعا صهرا.
стр. 191
فأما النسب فقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ... ﴾ "١". إلى قوله: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ "١". وهن سبع. وأما الصهر فقوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ "١". ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ "١" فهؤلاء ست والسابعه قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ "٢". فهؤلاء سبعة.
الصهر، والأصهار من النسب فلا يجوز تزوجهن كما لا يجوز تزوج ذات النسب والصهر اسم يشتمل على قرابات النساء ذوات المحارم وذوي المحارم مثل ابويها واخواتها وعماتها وخالاتها وبنات اخواتها واعمامها واخوالها هؤلاء اصهار زوجها من كان من قبل الزوج من ذوي قرابته المحارم فهم اصهار المرأة والمنصوص بالتحريم منهم من ذكره الله تعالى.
قال الشافعي: "ويجبر امرأته الذميه على التنظيف والاستحداد".
الاستحداد أخذها شعر عانتها مأخوذ من الحديدة التي تحتلق بها.
وقوله: "لانه يجد طولا لحره". الطول: الفضل وأراد انه يجد من المال ما يصدق به حره، وقول الشاعر:
كذبت لقد اصبى على المرء عرسه ... وأمنع عرسي أن يزن بها الخالى"٣"
أي أحملها على أن تصبو إلى وتميل الىهواي وعرسه امرأته أن يزن بها الخالى أي يتهم بها الرجل العزب يقال أزننته بسوء أي اتهمته.
وقوله: "اما أبو جهنم فلا يرفع عصاه عن عاتقه"٤ وروى في
стр. 192
حديث آخر أنه أوصى رجلا في أهله فقال: "أنفق على أهلك من طولك ولا ترفع عصاك عن أهلك".قال أبو عبيد: لم يرد العصا التي يضرب بها ولا امر احدا بذلك وإنما تقدم إليه بمنعها عن الفساد ويقال للرجل إذا كان رفيقا حسن السياسه لما ولى أنه للين العصا وأنشد:
عليه شريب وادع لين العصا ... يساحلها جماته وتساجله"١"
والعصا توضع موضع الاجتماع والائتلاف ومنه قيل للخوارج شقوا عصا المسلمين أي فرقوا جماعتهم ويقال للرجل إذا اطمأن واقام بالمكان قد ألقى عصاه.
وأما قول النبي ﷺ لفاطمة في أبي جهم خاطبها: "لا يرفع عصاه عن عاتقه". فمعناه انه شديد على اهله خشن الجانب في معاشرتهن مستقص عليهن في باب الغيرة والله اعلم.
ذكر قول الله : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ ٢ ولم يفسره والعنت في اللغة: المشقة الشديدة بقال: أكمة عنوت إذا كانت شاقة قال المبرد: العنت هاهنا الهلاك المعنى: ذلك لمن خشي أن تحمله الشهوة على مواقعة الزنا فيهلك في ذلك بالحد في الدنيا والاثم العظيم ولكن ذا العشق يلقى عنتا وقال الفراء هو الفجور هاهنا قال الأزهري: والآية نزلت فيمن لم يستطع طولا أي فضل ما ينكح به حرة فله أن ينكح أمة، ثم قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ ٢ وهذا يدل على أن من لم يخش العنت لم يحل له أن ينكح الأمة، وإذا شق على الرجل العزبة وغلبته الشهوة ولم يجد ما يتزوج به حرة فله أن ينكح أمة لأن غلبة الشهوة واجتماع الماء في الصلب ربما أديا إلى العلة الصعبة التي تكون سببا للموت والله أعلم.
ذكر الشافعي عن النبي ﷺ أن رجلا سأله عن اتيان النساء فقال: "في
стр. 193
أي الخربتين؟ أو في الخصفتين وقد روى في أي الخرزتين" ١ أراد بخربتيها: مسلكيها واصل الخربه عروة المزاده شبه الثقب بها وأما الخرزه: فهو الثقب الذي يثقبه الخراز بسراده ليخرزه كنى به عن المأتى وكذلك الخصفتان من قولك خصفت الجلد على الجلد إذا خرزته عليه مطارقا والسراد يقال له المخصف وقال والشغار أن ينكح الرجل رجلا حريمته التي يلي امرها على أن ينكحه الاخر حريمه له.
وأخبرني أبو الفضل عن أحمد بن يحيى أن اصله من شغر الكلب برجله إذا رفع رجله فبال معناه أي رفعت له رجلي عما أراد فأعطيته اياه ورفع رجله عما اردت فأعطانيه.
وحكى الأصمعي عن أبي عمرو بن أبي العلاء أنه قال كنت سئلت عن حرف فأخطأت فيه لو ضربت بسوط كان اهون على منه حتى إذا كثر علي شعرت برجلي أي رفعت رجلي عنه وتركته.
المتعه: في النكاح المنهى عنه. سميت متعه لانتفاع المرأة بما يعطيها الرجل وانتفاعه منها بقضاء حاجته وشهوته
وتأول بعض الروافض قول الله : ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ٢ انه في المتعه التي اجمع أهل العلم على تحريمها.
ومعنى قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ ٢ فما نكحتموه منهن على الشريطه التي جرت في الآية آية الاحصان أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين أي عاقدين التزويج فما استمتعتم به منهن أي فما انتفعتم به منهن على عقد التزويج الذي جرى ذكره فآتوهن أجورهن أي مهورهن فان استمتع بالدخول بها اتم لها المهر وان استمتع بالعقد آتاها نصف المهر وكل ما انتفع به من شيء فهو متاع قال الله : ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي اعطوهن ما ينتفعن به.
стр. 194
وروى الشافعي بإسناد له عن ابن عباس أنه قال: أربع لا يجزن في النكاح الا أن تسمى الجنون والجذام والبرص والقرن ورواه غيره أربع لا يجزن في بيع ولا نكاح الا أن تسمى البرصاء والمجنونه والمجذومه والعفلاء قال شمر قال ابن الاعرابي العفل نبات لحم ينبت في قبل المرأة وهو القرن وانشد:
ما في الدوائر من رجلي من عقل ... عند الرهان وما اكوى من العفل ...
والدوائر عيوب تكون بالبهائم ثم كأن هذا القائل تكلم عن لسان
البهائم قال أبو عمرو الشيباني والقرن في الناقه مثل العفل في المرأة والعفلاء والقرناء واحد والعفل شيء مدور يخرج من الفرج قال والعفل لا يكون في الابكار انما يصيب المرأة بعد ما تلد
قال الشافعي: والقرن هو المانع للجماع. وأما العفلاء فهو من العفل وهو اللحم الزائد في الفرج حتى يرتتق فلا ينفذ فيه الذكر وهي الرتقاء ايضا وهي المتلاحمه. واصل العفل شحم خصيتي الكبس وما حوله قال بشر بن ابي خازم يصف رجلا بالسمن ويذمه
جزيز القفا شبعان يربص حجره ... حديث الخصاء وارم العفل معبر١
شبهه بتيس قد جز قفاه لسمنه وترك عليه شعر سائر جسده والمعبر الذي ترك عليه شعره سنوات وقال بعضهم العفل ورم يكون في اللحمه التي تكون بين مسلكي المرأة يتضيق عنها فرجها حتى لا ينفذ فيه الذكر
قال الشافعي: والجنون والخبل الذي لا يكون معهما تأدية حق. وروى ثعلب عن سلمه عن الفراء انه قال الخبل الجن والخبل الجنون والخبل جودة الحمق بلا جنون مثقل في جميعه الخبل
والعنين سمي عنينا لان ذكره يعن أي يعترض إذا أراد ايلاجه والعنن الاعتراض يقال عنن الرجل عن امرأته وقال أبو الهيثم افادنيه عنه المنذري سمى العنين عنينا لأنه يعن لقبل المرأة من عن يمينه وشماله فلا يقصده قال ويقال وعن ولى الرجل يعن إذا اعترض لك من احد جانبيك من يمينك وعن شمالك بمكروه يقال عن له يعن عنا وعننا والعن المصدر والعنن اسم الموضع الذي يعن في العنان.
стр. 195
وسمي العنان من اللجام عنانا لأنه يعترضه من ناحيته ولا يدخل فيه منه شيء
والمجبوب: الذي قد جب ذكره أي قطع أصله والمعصوب: الذي يشد بالقد حتى يسقط والسلول: الذي سل انثياه فإذا رضت انثياه فهو موجوء وهو الوجاء ممدود فإذا نزعت الخصيتان نزعا خصى وبصى.
قال الشافعي: إذا اصاب الحر البالغ امرأته أو اصيبت الحره البالغه بنكاح فهو احصان في الاسلام والشرك.
قال أبو منصور: واصل الاحصان المنع يقال: حصنت المرأة فهي حاصن وحصان واحصنت فرجها ونفسها فهي محصنه إذا منعت نفسها من الفجور وحصنت الشيء واحصنته إذا منعته ومدينة حصينه أي ممنوعه ودرع حصينه لا ينكى فيها السلاح. ويقال للمراة ذات الزوج: محصنه لان زوجها قد احصنها وللعفيفه محصنه لان عفتها قد أحصنتها عن الفجور ويقال للحرة: محصنه لان حريتها منعتها عن البغاء الذي تقدم عليه البغي وهي الامه الفاجره وقول الله : ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ ١ أي متزوجين غير زناه.
وقول تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ هن ذوات الازواج وهي العفائف.
ومن قرأ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ بكسر الصاد ذهب إلى انهن اسلمن فحصن فروجهن.
قال الشافعي: ﵀ فان اصدق امرأه نخلا وسلمه اليها ثم طلقها قبل الدخول بها والنخل مطلعه فاراد اخذ نصفها بالطلع لم يكن له ذلك فان شاءت المرأة أن تدفع إليه نصف النخل لم يكن له الا ذلك الا أن ترقل النخيل وتصير قحاما فلا يلزمه اخذها٢ معنى قوله ترقل أي تصير طوالا يقال للنخله إذا طالت جدا وذلك عند هرمها رقله وجمعها رقل ورقال وهي الصوادي والسحق والظريف واحدتها صاديه وسحوق وظريفه قال كثير:
стр. 196
حزيت لي بحزم فيدة تحدى ... كاليهودي من نطاة الرقال
حزيت يعني الظعن أي رفع شخوصها وقوله كاليهودي أي كنخل اليهودي الرقال من نخيل نطاة وهي عين بخيبر عليها نخيل.
وقوله: وتصير قحاما: يعني النخل أي تكبر فيقل سعفها ويدق اسفلها والقحم الشيخ الكبير
قال ولو جعل الزوج ثمر النخل في قوارير وجعل عليها صقرا من صقر نخلها كان له اخذه ونزعه من القوارير والصقر ما سال من الرطب نيئا كالعسل يصب على التمر الجيد يجعل في القوارير يتربى بذلك الصقر ويشتد بحلاوته وأما الرب فهو الدبس المطبوخ بالنار.
واذا تزوج الرجل المرأة البالغه الثيب المالكه لامرها برضاها بغير مهر فهو التفويض سمي تفويضا لان المرأة فوضت امرها إليه واجازت فعله وقوله في مهر مثل المرأة ينظر جمالها وصراحتها صراحة نسبها أن تكون عربيه خالصه لا هجنه فيها ولا اقراف فالصريح ابن عربيين والهجين: الذي ولدته امة وابوه عربي والفلنقس الذي ابوه مولى وأمه عربيه وهذا قول شمر ورده عليه أبو الهيثم فقال الفلنقس الذي ابواه عربيان وجدتاه من قبل أبيه وأمه امتان والمذرع: الذي امه اشرف من ابيه والمقرف: الذي دانى الهجنه من قبل ابيه
وقول الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ١ نزلت في المرأة تطلق قبل الدخول بها فلها نصف ما سمى لها الزوج من الصداق الا أن يعفون يعني النساء أي يتفضلن فيتركن للازواج النصف الذي وجب لهن أو يعفو الزوج أي يتفضل فيتم للمرأه جميع الصداق تطوعا وكل ما تطوعت به متفضلا فهو عفو يستوي فعل جماعة النساء وجماعة الرجال يعفون فتقول للنساء يعفون وللرجال يعفون والاصل في الرجل يعفوون فحذفت احدى الواوين استثقالا للجمع بينهما
وان كانت المرأة نضوا فامتنعت من الدخول على الزوج، أي كانت مهزوله قليلة اللحم.
стр. 197
قال ولو أفضاها فلم تلتئم فعليه ديتها افضاها: أي صير مسلكيها شيئا واحدا حتى التقيا وهي المفضاه والشريم والاتوم وقوله لم تلتئم أي لم تبرأ ولم تلتحم.
وقوله حتى: تبرأ برءا إن عاد لم ينكأها
أي لم يقرحها يقال نكأت القرحه إذا قرفتها حتى تستقرح ومنه قوله:
إن نكأ القرح بالقرح أوجع
قال: الوليمة التي تعرف طعام العرس ثم قال وكل دعوة على املاك أو نفاس أو ختان أو حادث سرور ودعي اليها الناس فاسم الوليمه يقع عليها قال أبو عبيد سمعت ابا زيد يقول سمى الطعام الذي يصنع عند العرس الوليمه وحكي ثعلب عن ابن الاعرابي قال اولم الرجل إذا اجتمع عقله وخلقه قال واصل الولمه تمام الشيء واجتماعه قال ويقال للقيد ولم قال أبو منصور: فسمي طعام العرس وليمه لاجتماع الرجل وامرأته
واخبرني المنذري عن ثعلب عن سلمه عن الفراء قال الخرس طعام الولاده والذي يسوى للنفساء نفسها خرسه والعقيقه للصبي والعذيره للختان والشنداخى طعام البناء وكل طعام صنع لدعوة فهو مأدبه والنقيعه طعام القادم من السفر قال أبو زيد النقيعه طعام الاملاك والاملاك التزويج يقال املكنا فلانا أي زوجناه فملك أي تزوج والنشوز: كراهة احد الزوجين معاشرة صاحبه يقال نشزت المرأة ونشصت ونشز الرجل ونشص مأخوذ من النشز وهو ما ارتفع من الأرض
وقوله : ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ ١ أو في النوم معهن فانهن إن كن يحببن ازواجهن شق عليهن الهجران في المضاجع وان كن مبغضات لأزواجهن وافقهن ذلك فكان ذلك دليلا على نشوزهن.
وقوله: ذئر النساء على أزواجهن أي اجترأن عليهن فأظهرن العصيان لهم وقال عبيد:
стр. 198
ولقد أتانا عن تميم أنهم ... ذئروا لقتلى عامر وتغضبوا ١
والشقاق بين الزوجين مخالفة كل واحد منهما صاحبه مأخوذ من الشق وهو الناحيه كأن كل واحد منهما قد صار في ناحيه وقيل للعداوه شقاق لهذا المعنى.
قال الأزهري: وسمى الله تعالى الخلع في القرآن افتداء وما تفتدى به المرأة من مالها فدية يقال فديت فلانا بأبي وأمي وفديته بمالي قال الله : ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ٢ وفاديت الاسير بالالف إذا دفعت اسيرا من المشركين واخذت اسيرا من المسلمين وفديته بمالي أي اشتريته وخلصته وإنما قالت العرب في افتداء المرأة من زوجها بمالها اختلعت اختلاعا وقد خلعها زوجها لان المرأة جعلت لباسا لزوجها والزوج لباسا لها ومن ذلك يقول الرجل للمرأه شاعريني أي باشريني حتى يكون كل واحد منا شعارا لصاحبه والشعار الثوب الذي يلي الجسد قال الله : ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ٣ فإذا فارق الرجل امرأته على عوض يصل إليه منها فكأنه خالع للباسها عن لباسه أي بدنها عن بدنه فسمي خلعا لهذا المعنى والله اعلم.
واذا قلت ابتنى معناه اقطعني منك. فالبت: القطع يقال: طلقها فبت طلاقها وقد تبتها الواحده والثلاث الا أن ظاهر البته الثلاث لأنه القطع الذي لا رفاء له ولا رفع والواحده تبت بانقضاء العدة.
وقوله: أبنى أي اجعلني بائنه منك مفارقه لك بالطلاق.
ومعنى قوله: بارئيني: أي أبرأ مني وأبرأ منك فلا يكون بيننا عصمة
стр. 199
نكاح. ويقال: زئيم الام الولد فدرت عليه أي عطفت فنزل لبنها ورئم الولد امه إذا الفها وهو الرأم والرئمان واستمرأ الولد لبن امه إذا نجع فيه لبنها فصلح حاله عليه والسراح اسم وضع موضع المصدر قال الله : ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ ١ أي شلوهن محليات٢ فيسرحن سروحا ويقال سرحت الماشيه بالغداه اسرحها سرحا فسرحت إذا ارسلتها ترعى قال الله : ﴿حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ٣ والسرح ما رعى من المال وهي السارحه يقال طلقت المرأة فطلقت واطلقت الناقه من العقال فطلقت هذا الكلام الجيد ويجوز طلقت في الطلاق والاجود طلقت ومن طلقت وهو وجع الولاده طلقت طلقا وطلقت البلاد إذا تركتها، قال الشاعر:
مراجع نجد بعد فرك وبغضه ... مطلق بصرى اشعث الرأس جافلة٤
يقال: جفل رأسه إذا شعث وتفرق وانتشر شعره وخلية من كنايات الطلاق ومعناها أنها خلت منه وخلا منها فهي خلية فعليه بمعنى فاعله ويقال خلا الرجل على بعض الطعام إذا اقتصر عليه وخلا عليه الطعام وقال الراعي يصف ناقة:
رعته اشهرا وخلا عليها ... فطار النى فيها واستغارا٥
أي اكتنز مأخوذ من قولك اغرت الحبل إذا شددت فتله فاستغار أي اشتدت غارته ومعنى بريه انها برئت منه وبرئ منها.
واذا قال لها: أنت على حرام. فمعناه انها ممنوعة منه وحرام في الأصل مصدر فلذلك وضع موضع محرمه كما يقال رجل حرام أي محرم وأنت بائن بغير هاء كما قالوا طالق أي بنت منى وفارقتني والبين الفراق.
стр. 200
وقوله: البتة بدعة فدينوه قال شمر: دينوه أي ملكوه أمره من قولك دنته أي ملكت أمره وقال الحطيئة يهجو أمه:
لقد دينت امر بنيك حتى ... تركتهم ادق من الطحين١
يعني ملكت ويقال معنى قوله دينوه أي قلدوه امر دينه والاول اصح
وقولهم حبلك على غاربك
كان أهل الجاهليه يطلقون بها وبقولهم اذهبي فلا انده سربك فاما قولهم حبلك على غاربك فاصله أن يفسح خطامه عن انفه ويلقى طرف الخطام على غاربه وهو مقدم سنام البعير ويسيب في المراعى لأنه إذا ترك مخطوما لم يهنأه المرتع وأما قولهم اذهبي فلا انده سربك فالنده الزجر والنهي والسرب ما رعي من المال يقول لا ارعى ابلك ولا اردها عن مرتع تريده لانك لست لي بزوج فاذهبي مع مالك حيث شئت.
قال الشافعي: في كتاب الرجعة إذا قال لامرأته أفلحي واستفحلي واغربي واشربي يريد به طلاقا كان طلاقا
ومعنى افلحي واستفلحي أي فوزي بامرك واستبدي بامرك فقد ملكت نفسك ومعنى اغربي أي تباعدي ومعنى اشربي وذوقي هما حرفان يوضعان موضع المساءه والتبكيت قال الله : ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ ٢ وأنشدني بعض مشايخنا عن حرمله أن الشافعي انشده:
اشرب بكأس كنت تسقى بها ... أمر في الحلق من العلقم
قال الشافعي: ولو قال لها اسقيني أو اطعميني أو زوديني لم يكن طلاقا وإن أراد به الطلاق لأنه لا يشبه الطلاق قال الشافعي: ولو قال أنت طالق إذا لم اطلقك أو متى ما لم اطلقك فسكت مدة يمكنه فيه الطلاق طلقت ولو كان قال إن لم اطلقك لم يحنث حتى انه لا يطلقها الا بموته أو بموتها ومعنى إذ في كلام العرب وقت لما مضى وإذا لم يستقبل،
стр. 201
وربما وضع إذا موضع إذ واذ موضع إذا لمقاربة ما بينهما وأما إن فهي كلمه مجازاه محضه ويمتد امرها وتقتضي الشرط فلذلك فرق بين إذ وإن.
وقال أبو يوسف ومحمد مثل قوله في إذا ووافقه أبو حنيفه في إن فجعله ممدودا وقال إن عنى باذ إن فالقول قوله: وسأل البردعي ثعلبا فقال إذا قال لامرأته إن دخلت الدار إن كلمت اخاك فأنت طالق متى تطلق قال إذا فعلتهما جميعا قال لم قال لأنه جاء بشرطين قال له فإذا قال لها انت طالق إن احمر البسر. قال هذه مسألة محال لان البسر لا بد أن يحمر فالشرط باطل قال فإذا قال انت طالق إذا احمر البسر قال هذا شرط صحيح تطلق إذا احمر البسر.
قال أبو منصور: ففرق ثعلب بين إن وإذا كما ترى.
قال الشافعي: قال الله في المطلقات: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ ١. وقال: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ ٢.
قال: فدل سياق الكلامين على افتراق البلوغين فأحدهما مقاربه بلوغ الاجل فله امساكها أو تركها فتسرع بالطلاق المتقدم قال والبلوغ الاخر انقضاء الاجل.
ورد بعض الناس هذا عليه فقال: معنى قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ : أي امسكوهن بنكاح جديد أو سرحوهن أي اتركوهن مسرحات وانكر أن يكون للبلوغ معنيان على ما وجههما الشافعي والذي قاله الشافعي: صحيح معروف في كلام العرب سمعتهم يقولون وهم يسيرون بالليل: سيروا فقد اصبحتم وبينهم وبين الصبح وانفجاره بون بائن ومعناه قاربتم انفجاره ومن هذا قول الشماخ يصف ناقه وكلالها:
стр. 202
وتشكو بعين ما أكل ركابها ... وقيل المنادي أصبح القوم ادلجى١
فأمرهم بالإدلاج وهو سير الليل وهو يقول: أصبح القوم ومعناه قرب صباحهم
والرجعة بعد الطلاق أكثر ما يقال بالكسر والفتح جائز رجعه ويقال جاءتني رجعة الكتاب ورجعانه أي جوابه
وفلان يؤمن بالرجعه بالفتح لا غير يعني بالرجوع إلى الدنيا ويقال باع فلان ابله فارتجع منها رجعة صالحه بالكسر أي اشترى غير ما باع وقال الكميت يصف الاثافي:
جرد جلاد معطفات على ال ... اوراق لا رجعة ولا جلب
أي ليست بمرتجعه بدل ابل اخرى ولا هي مجلوبه للبيع باب المطلقه ثلاثا
وذكر الحديث: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" ٢. العسيله كنايه عن لذاذة الجماع فكل من جامع حتى يلتقي الختانان فقد ذاق واذاق العسيله وسمعت ابا الفضل يحكي عن أحمد ابن يحيى قال انما صغر العسيله بالهاء لأنه جعلها قطعه منها ومنه كما يقال كنا في لحمه ونبيذه وعسله فجعل البضعه منه ومنها
في حلاوته ولذاذته إذا التقيا كالعسل وقال غيره انت العسيله لان العسل يذكر ويؤنث وهذا قول القتيبي والقول ما قاله ثعلب والايلاء مصدر إلى يؤلى إذا حلف وهي الاليه والالوه والالوه والالوه ومعنى التربص في الآية الانتظار وظاهر الآية يدل على أن ايلاءه الا يجامعها لم يكن طلاقا وانه جعل له انتظار تمام اربعة اشهر لا يطالب فيها بالفيء فلم تطلق المرأة ولم يطلق الزوج ولا نوى طلاقا ولم تملك امرها وقد جعل إلى زوجها عزيمة الطلاق ولما يطلق والذي يقول عزيمة الطلاق انقضاء اربعة اشهر من يوم إلى فإن كانت النيه طلاقا دل عليها انقضاء اربعة اشهر فينبغي أن تعتد من يوم إلى وهذا خارج من اللسان وظاهر التنزيل ويقال ائتلى وتألى إذا حلف قال الله : ﴿وَلا يَأْتَلِ
стр. 203
أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ ١ وقال ﷺ : "من يتأل على الله يكذبه" ٢ فائتلى افتعل من الألية وتألى تفعل منها والفيء هو الرجوع إلى الجماع الذي حلف الا يفعله.
والعزم على الطلاق أن يعزم عليه بقلبه فيمضيه بلسانه ولا يكون طلاق بالنية دون فعل اللسان أبدا.
стр. 204
باب الظهار
قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ ١ معنى يظاهرون ويتظاهرون واحد إذا ادغمت التاء في الظاء فصيرتا ظاء مشددة فقيل يظاهرون واصل الظهار مأخوذ من الظهر وخصوا الظهر دون البطن والفخذ والفرج وهي اولى بالتحريم لان الظهر موضع الركوب والمرأة مركوبه إذا غشيت فكأنه إذا قال أنت علي كظهر أمي أراد ركوبك للنكاح حرام علي كركوب أمي للنكاح فأقام الظهر مقام الركوب لأنه مركوب وأقام الركوب مقام النكاح لأن الناكح راكب وهذا من استعارات العرب في كلامها.
وأما قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ فقد اختلف أهل العلم في تفسيره فمنهم من قال أن الظهار كان طلاق أهل الجاهليه فنهوا في الإسلام عن الطلاق باللفظ الجاهلي وأوجب عليهم الكفارة إن طلقوا بالظهار.
ومعنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ في الجاهليه من الظهار وهذا حسن وكلام مستقيم ولكن سياق الكلام يدل على غير هذا وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ ولم يقل: والذين كانوا يظاهرون من نسائهم ثم يعودون.
ومعنى الكلام والله اعلم والذين يظاهرون منكم يا معشر المسلمين من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة فأوجب الكفارة بالظهار المبتدأ في الاسلام والعود لما قالوا
واختلف الناس في العود فمنهم من قال إذا جامع فقد عاد لما حرم وعليه الكفارة والله تعالى أمر بالتكفير قبل الجماع فهو ناقض لما تأول غير مستقيم فيه الا أن يكون العود لما قال غير الجماع وهو ما قال الشافعي: ﵀ من أن الظهار من المظاهر تحريم بالقول باللسان والعود لما قال امساك المرأة لأنه رجوع إلى ما حرم بالقول ويعودون لما قالوا وإلى
стр. 205
ما قالوا واحد بمعناه الرجوع إلى ما قالوا من التحريم بالظهار بأن يمسك المرأة ولا يطلقها والتأويل الرجوع إلى ما حرموا وقال بعض الناس انه إذا ظاهر لم تجب الكفارة حتى يقول ثانية انت علي كظهر امي وهذا قول من لا يعرف العربيه ولا يعرج عليه وفيه قول الاخفش وهو أن يجعل لما قالوا من صله فتحرير رقبه والمعنى عنده والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون فتحرير رقبه لما قالوا أي من اجل ما قالوا ويجعل لما قالوا مقدما معناه التأخير وهذا القول جائز في اللغة الا أن فيه استكراها للتقديم والتأخير الذي يقع فيه.
وقوله : ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ١ فيه إضمار أي فعليهم تحرير رقبة وكأن الظهار من طلاق أهل الجاهليه فأمر المسلمون بالا يطلقوا نساءهم بهذا اللفظ وابيح لهم تخليتهن باسم الطلاق والفراق والسراح واعلموا أن من طلق بلفظ الظهار في الاسلام فهو محرم لها بلا طلاق يقع عليها فإن اتبع الظهار طلاقا فقد طلق كما امره الله ولا شيء عليه وان امسكها ولم يطلقها لزمه لتحريمه اياها الكفارة للاثم الذي ركبه في تحريمه اياها بلفظ الظهار المنهى عنه.
وقوله : ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ١
الذين بالابتداء وخبره فعليهم تحرير رقبه ولم يذكر عليهم لان في الكلام دليلا عليه وقوله من قبل أن يتماسا كناية عن الجماع.
стр. 206
باب اللعان
قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ ١ معناه والذين يرمون بالزنا.
وقوله : ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ ١ ويقرأ اربع شهادات بالنصب فمن رفع اربع فقوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ ابتداء واربع غير الابتداء الذي قبله وهو قوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ ويكونان معا يسدان مسد خير الابتداء الاول وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ . ومن نصب اربع فالمعنى فعليهم أن يشهد احدهم اربع شهادات بالله وان شئت قلت انه على معنى والذي يدرأ عنهم العذاب أن يشهد احدهم اربع شهادات بالله ومعنى الشهادات: الايمان. وإنما قيل لهذا لعان لما عقب الايمان من اللعنه والغضب إن كانا كاذبين واصل اللعن الطرد والابعاد يقال لعنه الله أي باعده الله. قال الشماخ:
ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين٢
أي الطريد المبعد والتعن الرجل إذا لعن نفسه من تلقاء نفسه فقال عليه لعنة الله إن كان كاذبا والتلاعن واللعان لا يكونان الا من اثنين يقال لاعن امرأته لعانا وملاعنه وقد تلاعنا والتعنا بمعنى واحد وقد لاعن الامام بينهما فتلاعنا ورجل لعنه إذا كان يلعن الناس كثير ورجل لعنه بسكون العين إذا كان يلعنه الناس وقول النبي ﷺ : "اتقوا الملاعن واعدوا النبل" ٣ أي اتقوا الطرقات والقعود عليها للتحدث سميت ملاعن اللعن المادة من قعد عليها وأحدث فيها.
стр. 207
قال الشافعي: وأصمتت امامة بنت أبي العاص أي أصابتها سكته اعتقل منها لسانها وذلك الداء يقال له السكات والصمات.
وقوله ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" ١، معناه الولد لصاحب الفراش سميت المرأة فراشا لأن زوجها يفترشها فتكون تحته وهو فوقها كما يفترش فراشه الذي يبيت عليه وقول الله : ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ ٢ أراد والله اعلم وذوات فرش مرفوعه والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ٣ أراد انا أنشأنا ذوات الفرش المرفوعه التي تقدم ذكرها.
وقوله: "وللعاهر الحجر" أي وللزاني الذي ليس بصاحب الفراش الخيبه لا شيء له في الولد وليس معنى الحجر الرجم انما هو كقولهم له التراب أي الخيبه وكذلك قوله: بفيه الكثكث٤ والاثلب يقال عهر فلان بفلانه إذا زنى بها والزانيه يقال لها العيهره وهي العاهره والمعاهره والمسافحه والبغى والخريع والمومسه كل هذا من اسماء الفاجرة.
وسمى الزنى سفاحا لاباحة الزانيين ما امرا بتحصينه ومنعه وتصييرهما اياه كالماء المسفوح والشيء المصبوب ومن قال إن الزنى سفاحا لسفح لزانيين نطفتيهما فقد ابطل لان المتناكحين يسفحانها يسفحها الزانيان والقول الاول قول أحمد بن يحيى ثعلب.
وقوله: لزمهم الا يجيزوا لعان الاعميين البخيقين. البخيق: الذي عور عينه حتى لا يظهر شيء من الحدقه وقد بخق يبخق بخقا فهو ابخق قال رؤبه
وما بعينيه غوائر البخق
стр. 208
وقوله: إن جاءت به أسحم أدعج. الدعج والدعجه: شدة سواد العين واللون ورجل ادعج وامرأة دعجاء.
وفي الحديث: "إن جاءت به اثييج حمش الساقين فهو لزوجها وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين فهو للذي رميت به". الاثييج: تصغير الاثبج وهو الناتئ الثبج والثبج ما بين الكاهل ووسط الظهر. والحمش: الدقيق الساقين والاورق: الذي لونه بين السواد والغبره قال أبو عمرو وابن الاعرابي الاورق من كل شيء الذي يضرب لونه إلى السواد الا الإنسان فإن الاوراق الاسمر من بني ادم والورقه السمره والخدلج: الغليظ الساقين والجمالي: العظيم الخلق شبه بالجمل ويقال ناقه جماليه إذا اشبهت الفحول في عظم الخلق. ومنه قول الاعشى يصف ناقه
جماليه تغتلي بالرداف ... اذا كذب الاثمات الهيجرا١
وفي الحديث: "ان جاءت به كأنه وحرة" ٢
الوحره من حشرات الأرض تشبه الحرباء حمراء كالعظاءه وبها شبه وحر الصدر
وقوله: احذري أن تبوئي بغضب من الله، معناه احذري أن ترجعي بغضب من الله وقال أبو عبيده باء فلان بذنب إذا احتمله وصار عليه قال ويكون باء بكذا إذا اقر به قال الله : ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ ٣ يقال زنا في الجبل يزنا زنئا إذا صعد فيه وقالت امرأة من العرب ترقص بنيا لها
اشبه ابا امك أو اشبه حمل ... ولا تكونن كهلوف وكل
стр. 209
يصبح في مضجعه قد انجدل ... وارق إلى الخيرات زنئا في الجبل١
حمل: اسم رجل والهلوف: الرجل الجافي الخلق والوكل الضعيف انجدل سقط إلى الجداله وهي الارض.
يقال: زنى يزني من الزنى مقصور وقد مده بعض الشعراء
ويقال زنا عليه إذا ضيق عليه مهموزه مثقله الزناء الضيق وربما ترك فيه الهمز وانشد ابن الاعرابي:
لا هم أن الحارث بن جبله ... زنا على ابيه ثم قتله
وركب الشادخه المحجله٢
يعني الفضيحه ذات الشهره أراد زنا فخفف الهمزه وقال العجلاني حين قذف امرأته ما قربتها مذ عفار النخل وهو اصلاح النخل وتلقيحها وقد عفروا نخلهم يعفرون قرب يقرب بكسر الماضي قال الله : ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ٣ وأما قرب المكان يقرب فبرفع الراء قال الشافعي: وإذا زعم الزوح انه راها تزني فبين انها قد وترته في
стр. 210
نفسه بأعظم من أن تأخذ ماله وتشتم عرضه لما يبقى عليه من العار في نفسه وولده منها
معنى وترته في نفسه أي نقصته في نفسه بما الزمته من العار ومنه قول الله : ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ ١ أي لن ينقصكم ووتره حقه إذا نقصته.
ومعنى قوله ﷺ : "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر اهله وماله" ٢ أي نقص أهله وماله
وأصل هذا من الوتر وهو ان يجنى الرجل على الرجل جنايه فيقتل له قتيلا أو يذهب بماله واهله وولده.
قال الشافعي: وقد متع الله من قضى بعذابه ثلاثا. أراد قول الله : ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ثلاثة ايام﴾ ٣ معناه أنتفعوا بالبقاء والمهله في داركم ثلاثة أيام وأصل المتاع المنفعة.
стр. 211
باب العدد
قال الله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ١ فجعل الشافعي ﵀ القروء الاطهار واحتج فيه بما روى عن عائشه وابن عمر وزيد بن ثابت ﵃ وباللسان وما ذكره من حججه قال أبو منصور: من جعل القروء من قولك قرأت الناقه أي حملت كما قال عمرو بن كلثوم:
هجان اللون لم تقرأ جنينا ٢
وكما قال حميد بن ثور
اراها غلاماها الخلا فتشذرت ... مراحا ولم تقرأ جنينا ولا دما٣
أي لم تحمل علقه ولا جنينا فقد جعل القرء طهرا وكذلك المرأة إذا طهرت حملت الدم الذي يرخيه الرحم فجمعته فسمى الطهر قرءا ذات الرحم الدم وجعل الاعشى الاقراء اطهارا في شعره حيث يقول:
مورثة مالا في الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا٤
فهذا هو الاكثر في كلام العرب واشعار المشهورين من الشعراء
ومن جعل الاقراء حيضا ذهب بها إلى الوقت يقال هبت الريح لقرئها وقارئها أي لوقت مهبها فجعل القرء حيضا لأنه يجيء لوقته واحتج بالحديث المروى عن
стр. 212
النبي ﷺ : "دعي الصلاة ايام أقرائك أي ايام حيضك" ١.
وأخبرني المنذري عن ابن فهيم عن محمد بن سلام عن يونس بن حبيب انه سأله عن ثلاثة قروء فاختار الاطهار وقال أبو عبيد الاقراء من الاضداد في كلام العرب تكون الحيض وتكون الاطهار وقال أبو عبيده القرء يصلح للحيض والطهر قال واظنه من أقرأت النجوم إذا غابت وذكر عن ابي عمرو ابن العلاء قال القرء الوقت وهو يصلح للحيض ويصلح للطهر قال ويقال هذا قارئ الرياح لوقت هبوبها وأنشد:
شنئت العقر عقر بني شليل ... اذا هبت لقارئها الرياح٢
والذي عندي من حقيقة اللغة أن القرء هو الجمع وان قولهم قريت الماء في الحوض وان كان قد الزم الياء فهو بمعنى جمعت والقرء اجتماع الدم في البدن وإنما يكون ذلك في الطهر وقد يجوز أن يكون اجتماعه في الرحم وكلاهما حسن ليس بخارج عن مذاهب الفقهاء فإن كانت الاقراء تكون طهرا كما قال أهل الحجاز فإن الكتاب والسنه يدلان على انه اريد بها الاطهار لان الله قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ٣ وامر النبي ﷺ ابن عمر أن يطلق امرأته حين تطهر حتى يكون مطلقا للعده كما امر الله . واخبرني المنذري عن ابي الهيثم انه قال القرء والعده والاجل في كلام العرب واحد وهذا الذي قاله أبو الهيثم صحيح بدلالة الكتاب والسنه واللغة المعروفه عند العرب فإن قال قائل انما امر النبي ﷺ ابن عمر أن يطلق امرأته في طهرها لان المرأة لا تستوعب الحيضه الاولى من حيضها حتى يتقدمها طهر وامر الله بثلاثة قروء ولفظ الثلاثه يوجب استيعاب القروء بكاملها ومن جعل ذلك الطهر قرءا فقد خالف الكتاب وما توجبه اللغة من استيعاب
стр. 213
القروء الثلاثة لان المعتدة على قوله تعتد بقرأين كاملين وبعض قرء قال ولا يشبه قوله: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ قوله: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ لان لفظ العدد يقتضي الكمال ولو قال ثلاثة اشهر كانت كوامل.
فالجواب لما قال هذا القائل أن أهل النحو والعربيه من الكوفيين والبصرين اجمعوا أن الاوقات خاصه وان حصرت بالعدد جائز فيها ذهاب البعض وذلك كقولك له اليوم ثلاثة ايام مذ لم اره وإنما هو يومان وبعض الثالث وكذلك تقوم له اليوم يومان مذ لم اره وإنما هو يوم وبعض يوم وهذا غير جائز في غير المواقيت.
وقال الفراء في كتابه في معاني القران واعرابه في قول الله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ١ قال وهي شوال وذو القعده وعشر من ذي الحجة.
قال وإنما جاز أن يقال اشهر وإنما هو شهران وعشر من ثالث لان العرب إذا كان الوقت الشيء جعلوه.
بالتسميه للثلاثه وللاثنين إن كانا كما قال الله : ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾ ٢ وإنما يتعجل في يوم ونصف وكذلك هو في اليوم الثالث من ايام التشريق ليس فيها شيء تام قال وكذلك تقول له اليوم يومان مذ لم اره وإنما هو يوم وبعض آخر قال وهذا ليس بجائز في غير المواقيت لان العرب قد تفعل الفعل في اقل من ساعه ثم يوقعونه على اليوم وعلى العام والليالي والأيام والايام فيقال زرته العام وأتيتك اليوم.
قال أبو منصور: فأرى الفراء لم يفرق بين الأشهر المتعريه من العدد وبين الثلاثه والأثنين وعلى هذا قول أهل النحو وهو قول الشافعي ﵀ وكان ابن داود ادخل على الشافعي في الثلاثة الاشهر ما قدمت ذكره وخالفه أهل اللغة فخطئوه فيما ذهب إليه وقول الشافعي بحمد الله صحيح من جهة اللغة وجهة الكتاب
стр. 214
والسنة ولو لم يكن فيه الا ما قالت عائشة ﵂: أتدرون ما الاقراء؟ إنما هي الاطهار لكان في قولها كفايه لان الاقراء منأمر النساء وكانت ﵂ من العربيه والفقه بحيث برزت على أكثرأصحاب رسول الله ﷺ حفظا وعلما وبيانا وفهماأنار الله برهانها ولقاها واباها رضوانه ومغفرته قال الشافعي: ولا تنكح المرتابه وان أوفت عدتها لانها لا تدري ما عدتها وان نكحت لم نفسخ ووقفنا أمرها فإن برئت من الحمل فهو ثابت وقد أساءت وإن وضعت بطل النكاح.
قال أبو منصور: أراد بالمرتابه: التي طلقت فشكت في حملها وحاضت في ذلك ثلاث حيض وهي مع ذلك مرتابه بالحمل فليس لها أن تنكح ما لم تدر ما عدتها لانها إن كانت حاملا فعدتها وضع الحمل وان لم تكون حاملا فعدتها الاقراء فما لم تستيقن البراءه من الحمل لم تتزوج.
واما قول الله : ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ ١ فهذا الارتياب غير الارتياب الذي قدمنا ذكره وقال أهل التفسير أنهم سألوا فقالوا قد عرفنا عدة التي تحيض فما عدة التي لا تحيض والتي لم تحض بعد فقيل لهم إن ارتبتم أي إذا ارتبتم فعدتهن ثلاثة اشهر والارتياب على هذا السؤال للمستفتين، وقال مالك وقد روى عن عمر ﵁ نزل هذا في المرأة ينقطع عنها الحيض وكانت ممن يحيض مثلها فعدتها ثلاثة اشهر وذلك بعد أن تمكث تسعة اشهر بمقدار الحمل ثم تعتد بعد ذلك ثلاثة اشهر فإن حاضت في هذه الثلاثه اتمت ثلاث حيض والا فقد انقضت عدتها ولها أن تتزوج.
وقول أهل التفسير أنها نزلت في التي لا تحيض من صغر أو كبر أصوب وبظاهر القران أشبه والله اعلم.
والاستبراء للأمة بحيضة إنما هو طلب براءتها من الحمل فإذا حاضت
стр. 215
علم أنها برئت من الحمل الا أن يقع ارتياب بالحمل لعلامه تظهر من حركه في البطن مع الحيض فحينئذ تؤمر بالاحتياط والا تتزوج حتى تستيقن البراءه من الحمل.
واحداد المتوفى عنها زوجها هو منعها نفسها من الزينه والطيب وكل من منعته من شيء فقد حددته ومنه الحدود بين الارضين والحدود التي أنزل الله تنكيلا للجانين وقيل للبواب حداد لمنعه الناس من الدخول. قال الشافعي: وتنتوي البدويه حيث ينتوي أهلها لان سكنى أهل الباديه أنما هي سكنى مقام غبطه وظعن غبطه١ وانتواؤها انتقالها مع أهلها إذا انتجعوا مرعى بعد مرعى يقال: حدت المرأة واحدت فهي حاد ومحد بغير هاء.
روى الشافعي في كتاب العدد في حديث عن مالك باسناد له أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينيها افتكحلهما؟ فقال النبي ﷺ : "لا مرتين أو ثلاثا انما هي أربعة أشهر وعشرا وقد كانت أحداكن في الجاهليه ترمي بالبعرة على رأس الحول" قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ قالت لزينب: كانت المراة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولم تمس طيبا حتى تمر بها سنه ثم تؤتى بدابة فتقبص به فقلما تقبص بشيء الا مات٢. قال أبو منصور: هكذا رواه الشافعي٣ تقبص بالباء والصاد.
قال الشافعي: الحفش البيت الصغير الذليل من الشعر والبناء وغيره والقبص أن تأخذ من الدابه موضعا باطراف اصابعها والقبض الاخذ بالكف كلها