Полный текст (294 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وقد عرف السيوطي تبعًا لأبي البركات الأنباري هذا القياس بأنه حملُ الفرع على الأصل بالعلة التي عُلِّق عليها الحكم في الأصل، ومثَّل له بحمل ما لم يُسمَّ فاعله، وهو النائب عن الفاعل في الرفع بعلة الإسناد، وبحمل المضارع يعني: عند خلوه من نوني التوكيد والنسوة على الاسم في الإعراب بعلة اعتوار أي: توارد المعاني عليه. وذكر الأنباري في الفصل الرابع عشر من (لمع الأدلة) أنه يُستدل على صحة العلة بشيئين: التأثير وشهادة الأصول، فأما التأثير فهو وجود الحكم لوجود العلة، وزواله لزوالها، وذلك مثل: أن يُدل على بناء الغايات كقبل وبعد على الضم باقتطاعها عن الإضافة، فإذا طولب المستدل بالدليل على صحة العلة قال: الدليل على صحتها التأثير، وهو وجود الحكم لوجودها، وهو البناء، وعدمه لعدمها. ألا ترى أنها قبل اقتطاعها -يعني: عن الإضافة- كانت معربة، فلما اقتطعت عن الإضافة صارت مبنية.
وأما شهادة الأصول بصحة العلة فمثل: أن يدل على بناء كيف، وأين، وأيان، ومتى؛ لتضمنها معنى الحرف، فإذا طولب المستدل بصحة هذه العلة قال: الدليل على صحة هذه العلة أن الأصول تشهد وتدل على أن كل اسم تضمن معنى الحرف؛ وجب أن يكون مبنيًّا، فإن قيل: ومن أين زعمتم أن الأصول تشهد أن كل اسم تضمن معنى الحرف وجب أن يُبنى؟ وقد أعربوا أيًّا مع تضمن معنى حرف الاستفهام كما تضمنت كيف وأخواتها؟ قيل: إنما بقوا أيًّا وحدها على إعرابها مع تضمن معنى الحرف؛ تنبيهًا على أن الأصل في الأسماء الإعراب، كما أنهم بقَّوا الفعل المضارع إذا اتصلت به نون التوكيد مع مشابهة الاسم الموجبة للإعراب على البناء، تنبيهًا على أن الأصل في الأفعال البناء، على أنهم قد قالوا: إنما أعربوها أي: أعربوا أيًّا حملًا على نظيرها ونقيضها، فنظيرها جزء، ونقيضها كل، وبنوا الفعل المضارع إذا اتصلت به نون التوكيد؛
стр. 107
لأن نون التوكيد أكدت فيه الفعلية، فردته إلى أصله وهو البناء على أن أيًّا جاءت شاذة في بابها، والشواذ لا تورد نقضًا على القواعد المطردة. ألا ترى أن الأصل في كل واوٍ تحركت وانفتح ما قبلها أن تُقلب ألفًا نحو: باب، ودار، وعصا، وقفا، والأصل فيها: بوب، ودور، وعصو، وقفو، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قُلبت ألفًا.
ولا يجوز أن يورد -يعني: أن يدخل في هذا الباب- القود والحوكة أيضًا؛ لشذوذه في بابه، فكذلك هنا، وأورد السيوطي ما ذكره أبو البركات الأنباري في الفصل الحادي والعشرين من (لمع الأدلة) من حديث عن اختلاف العلماء في وجوب إبراز المستدل وجه المناسبة والإخالة، وإظهارها عند مطالبة الخصم بذلك، أو عدم وجوب ذلك قال الأنباري: "اعلم أن العلماء اختلفوا في ذلك" يعني: في إبراز الإخالة والمناسبة عند المطالبة، وأوضح الأنباري أن العلماء قد انقسموا إزاء ذلك قسمين: فذهب قوم إلى أنه لا يجب إبراز الإخالة، وذهب آخرون إلى وجوب إبرازها، ولكل حجته ودليله، وقد بدأ أبو البركات الأنباري بسوق حكم القائلين بعدم الوجوب، وحجتهم، فذكر أن قومًا قالوا: لا يجب أي: لا يجب على المستدل إبراز المناسبة عند مطالبة خصمه بذلك، كأن يستدل المستدل على جواز تقديم خبر كان عليها فيقول: هي -أي: كان- فعل متصرف، فجاز تقديمه -أي: تقديم الخبر- عليها قياسًا على سائر الأفعال المتصرفة أي: في جواز تقديم مفعولاتها عليها لقوتها بالتصرف.
فإذا طالبه الخصم بوجه الإخالة والمناسبة بين كان وباقي الأفعال المتصرفة حتى يسوغ هذا الحمل، فلا يجب عليه إبراز ذلك. واستُدلَّ على عدم وجوب ذلك بأن المستدل أتى بالدليل بأركانه التي أثبتها علماء أصول النحو، وهي الأصل،
стр. 108
والفرع، والعلة الجامعة، فلا يبقى عليه إلا الإتيان بوجه الشرط، وهو الإخالة، وليس على المستدل بيان الشرط؛ بل يجب على المعترض بيان عدم الإخالة التي هي الشرط لصحة القياس. وذلك بأن يأتي بما يمنع المناسبة بين الحكم والوصف، ولو كلفنا المستدل أن يذكر الأسئلة، لكلفناه أن يستقلَّ بالمناظرة وحده، وأن يورد الأسئلة ويجيب عنها، وذلك لا يجوز؛ لأنه إلزام بما لا يتوقف عليه القياس.
وذهب قوم آخرون إلى وجوب إبراز الإخالة والمناسبة بين الأصل والفرع، وحجتهم في ذلك أن الدليل إنما يكون دليلًا إذا ارتبط به الحكم وتعلق به، وإنما يكون مرتبطًا ومتعلقًا به إذا بان وجه الإخالة، قال أبو البركات الأنباري معقبًا على رأي القائلين بوجوب إبراز الإخالة بحجة أن عدم وجوبها يُزيل الارتباط بين الدليل والحكم: "وأجيب بوجود الارتباط -يعني: بين الدليل والحكم- فإنه قد صرح بالحكم، فصار -أي: الحكم- بمنزلة ما قامت عليه البينة بعد الدعوى، فأما المطالبة بوجه الإخالة والمناسبة فمنزلة عدالة الشهود، فلا يجب ذلك على المدعي أي: لأنه عليه إحضار الشهود لا القدح فيهم، ولكن على الخصم أن يقدح في الشهود أي: فإذا قدح الخصم في الشهود فعلى المدعي حينئذ تزكيتهم، وإظهار عدالتهم. فكذلك لا يجب على المستدل إبراز الإخالة، وإنما على المعترض أن يقدح". انتهى ما أورده الأنباري من اختلاف العلماء في وجوب إبراز المناسبة، أو عدم وجوب ذلك.
ونحن نلحظ أن الأنباري قد رجح في هذا الخلاف الرأي الذي صدر به المسألة، وهو رأي القائلين بعدم الوجوب، وختم الخلاف بالرد على حجة القائلين بالوجوب، ففندها، وأيَّد رأي مخالفيهم وما ذهب إليه هو الصواب.
стр. 109
قياس الشبه
هذا المسلك هو السادس من مسالك العلة، وقد نقله السيوطي في (الاقتراح) ملخصًا عن كتاب (لمع الأدلة)، الفصل الخامس عشر؛ حيث بدأه أبو البركات الأنباري بتعريفه فقال: "اعلم أن قياس الشبه أن يُحمل الفرع على الأصل بضرب من الشبه، غير العلة التي عُلق عليها الحكم في الأصل"، وبهذا التعريف علمنا من بداية الأمر أن بين مسلك المناسبة والإخالة، وبين مسلك قياس الشبه اتفاقًا وافتراقًا، فأما الاتفاق بينهما فمن جهة أن كليهما حمل الفرع على الأصل، وأما الافتراق فلأن العلة التي في الفرع هي عين العلة التي عُلق عليها الحكم في الأصل في المناسبة والإخالة، أما في قياس الشبه فالعلة التي في الفرع غير العلة التي عُلق عليها الحكم في الأصل، وإنما هي بضرب من الشبه، وذلك مثل أن يُدل على إعراب الفعل المضارع أي: حملًا على إعراب الاسم الثابت بعلة المناسبة والإخالة، بأنه يتخصص بزمن معين بعد أن كان شائعًا في زمني الحال والاستقبال، ويخصص لأحدهما بالقرينة.
قال الأنباري: "وبيان ذلك أنك تقول: يقوم فيصلح للحال والاستقبال، فإذا أدخلت عليه السين اختص بالاستقبال، كما أنك تقول: رجل، فيصلح لجميع الرجال، فإذا أدخلت عليه الألف واللام فقلت: الرجل اختص برجل بعينه، فلما اختص هذا الفعل بعد شياعه، كما كان الاسم يختص بعد شياعه؛ فقد شابه الاسم، والاسم معرب، فكذلك ما شابهه أي: أن الفعل المضارع يدل على حدث شائع في زمنين هما الحال والاستقبال، وصالح لأن يتخصص لأحدهما بالقرينة ككلمة الآن، التي تخصصه للحال وما في معناها، ولام
стр. 110
الابتداء، ونفيه بليس أو ما، أو إن، أو ككلمة غد التي تخصصه للمستقبل، ومثلها بقية ظروف المستقبل ونواصب المضارع، واقتضاؤه طلبًا أو وعدًا، وسبقه بأداة ترج، أو سبقه بلو المصدرية، أو حرف تنفيس، واتصاله بنون التوكيد. كما أن الاسم يتخصص بعد شياعه أي: فإنه يكون شائعًا كرجل، ثم يتخصص بقرينة كالوصف، والألف واللام، والإضافة فيصير معينًا، فقد شابه الفعل المضارع الاسم في الشياع وصلاحية التخصص، فكان معربًا كالاسم لذلك.
والعلة الجامعة بين الفرع والأصل في هذا القياس هي الاختصاص بعد الشياع، أو أن يدل على إعراب المضارع بأنه يدخل عليه لام الابتداء كقوله : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل: ١٢٤) فكان معربًا كالاسم لذلك"، قال الأنباري: "أو أن يدل على إعرابه بأن تدخل عليه لام الابتداء كما تدخل على الاسم، والاسم معرب، فكذلك هذا الفعل" وبيانه أنك تقول: إن زيدًا لا يقوم، كما تقول: إن زيدًا لقائم، وقائم معرب، فكذلك ما قام مقامه. والعلة الجامعة بين الفرع والأصل في هذا القياس هي دخول لام الابتداء عليه، أو أن يُدل على إعراب المضارع بجريانه على لفظ اسم الفاعل في مطلق الحركات والسكون، وعدد الحروف، وتعيين الأصول والزوائد، كما في يضرب وضارب، ويكرم ومكرم، وينطلق ومنطلق، ويستخرج ومستخرج. فكذلك كان الفعل المضارع مضارعًا أي: مشابهًا للاسم في هذه الأشياء، فكان معربًا، والعلة الجامعة بين الفرع والأصل في هذا القياس هي جريانه على الاسم المعرب في حركاته وسكناته.
وختم الأنباري هذا الفصل بذكره أن قياس الشبه قياس صحيح يجوز التمسك به في الأصح كقياس العلة أي: كقياس المناسبة، لأن كلا القياسين يوجبان غلبة
стр. 111
الظن، ولأن مشابهة الفرع للأصل تقتضي أن يكون حكمه مثل حكمه، ولو لم يدل على جواز التمسك به إلا أن الصحابة تمسكوا به في المسائل الظنية، ولم يُنكر ذلك منهم منكر، ولا غيَّره مغير؛ لكان ذلك كافيًا.
مسلك الطرد
وهو المسلك السابع من مسالك العلة، وقد نقله السيوطي في (الاقتراح) ملخصًا عن (لمع الأدلة) الفصل السادس عشر، وقد صدره أبو البركات الأنباري بتعريف هذا المسلك، فأوضح أن الطرد هو الذي يوجد معه الحكم، وتفقد الإخالة في العلة. وانتقل إلى بيان موقف العلماء من حجيته، فذكر أنهم قد اختلفوا في كونه حجة على فريقين، فذهب قوم إلى أنه ليس بحجة؛ لأن مجرد الطرد لا يوجب غلبة الظن أي: بعلة جامعة بين الأصل والفرع، ألا ترى أنك لو علَّلت بناء ليس بكونها جامدة لا تتصرف؛ لاطراد البناء في كل فعل جامد لا يتصرف، وعللت إعراب الاسم الذي لا ينصرف بعدم الانصراف لاطراد الإعراب في كل اسم غير منصرف؛ لما كان ذلك الطرد يُغلِّب على الظن أن بناء ليس لعدم التصرف، ولا أن إعراب ما لا ينصرف لعدم الانصراف.
أي: أنك لو عللت بناء ليس بالجمود، وإعراب ما لا ينصرف بعدم الانصراف؛ لما جعل الطرد الظن غالبًا بما عللت، لاحتمال أن بناء ليس وإعراب ما لا ينصرف لأمر آخر غير ما عللت به، فتنتفي غلبة الظن؛ لأنا نعلم على سبيل اليقين أن ليس إنما بُني لأنه فعل، والأصل في الأفعال البناء، وأن ما لا ينصرف إنما أُعرب لأنه اسم، والأصل في الأسماء الإعراب، فكل منهما على أصل بابه.
وإذا ثبت بطلان هذه العلة مع اطرادها؛ عُلم أن مجرد الطرد لا يكتفى به أي: في القياس في نقل حكم الأصل للفرع ونحوه، فلا بد من إخالة أو شبه، ليحمل
стр. 112
الفرع على الأصل بواحد منهما. قالوا: ويدل على أن الطرد لا يكون علة أنه لو كان علة لأدَّى إلى الدور أي: لأدى إلى توقف الشيء على ما يتوقف عليه، ويُسمى الدور المصرح كما يتوقف ألف على باء، وبالعكس أو بمراتب، ويسمى الدور المضمر، كما يتوقف ألف على باء، وباء على جيم، وجيم على ألف، وكلاهما باطل، وما أدَّى إلى الباطل باطل، ألا ترى أنه إذا قيل له -أي: للمستدل مثلًا: ما الدليل على صحة دعواك؟ فيقول: أن أدعي أن هذه العلة علة في محل آخر، فإذا قيل له: وما الدليل على أنها علة في محل آخر؟ فيقول: دعواي على أنها علة في مسألتنا، فدعواه دليل على صحة دعواه أي: دعوى على أنها علة في محل آخر دليل على صحة دعواه في مسألتنا، وإثبات كل منهما موقوف على إثبات الآخر، وهذا هو الدور.
فإذا قيل له: وما الدليل على أنها علة في الموضعين جميعًا؟ فيقول: وجود الحكم معها في كل موضع دليل على أنها علة أي: لوجوده عند وجودها، وذلك هو شأن العلة. فإذا قيل له: فإن الحكم قد يوجد مع الشرط كما يوجد مع العلة أي: فيحتاج إلى الفرق، فما الدليل على أن الحكم ثبت بها -أي: بالعلة- في المحل الذي هو فيه؟ قال في (الفيض): "قوله: في المحل الذي هو، كذا في الأصول بتذكير الضمير، والظاهر أن يقال: هي -أي: العلة- فيه، وهو الفرع". أي: أن صحة تركيب السؤال السابق أن يقال له: فما الدليل على أن الحكم ثبت بها في المحل الذي هي فيه؟ أي: ما الدليل على أن حكم الأصل ثبت للفرع في الموضع الذي العلة في هذا الفرع؟ لأن شأن العلة أن يثبت بها الحكم في الفرع عند قيام علة الأصل في الفرع.
فيقول: كونها علة، فإذا قيل: وما الدليل على كونها علة؟ أي: وهلَّا كانت شرطًا وليست علة، فيقول: وجود الحكم معها في كل موضع وُجدت فيه،
стр. 113
يعني: وليس ذلك للشرط أي: شأن الشرط فقد المشروط عند فقده. أما عند وجوده فيجوز الوجود والعدم، فيصير الكلام دورًا أي: لأنه أثبت الحكم بها وأثبتها به. وخلاصة هذا المذهب: أن مجرد الطرد دون إخالة أو شبه ليس بحجة لأمرين؛ أولهما: أن مجرد الطرد لا يوجب غلبة الظن بعلة جامعة بين الأصل والفرع. والآخر: أن الطرد لا يكون علة؛ إذ لو كان علة لأدى إلى الدور، وذلك باطل، وما أدى إلى الباطل باطل. وقال آخرون: إن الطرد حجة، واستدلوا على ذلك بثلاثة أدلة:
الأول: قولهم: الدليل على صحة العلة اطرادها وسلامتها من النقض، وهذا موجود ها هنا. والثاني: ربما قالوا: عجز المعترض أي: عن الفرق بين الموضعين المطردة فيهما العلة دليل على صحة العلة أي: عجز المعترض على المستدل، عن إيجاد الفرق بين الموضعين اللذين ذكر المستدل أن العلة موجودة فيهما دليل على صحتها أي: لأنها لو لم تكن علة لهما؛ لأبدى المعترض فرقًا وما عجز عن ذلك. والثالث: ربما قالوا: الطرد نوع من القياس أي: لصدق تعريف القياس عليه، فوجب أن يكون حجة، كما لو كان فيه إخالة أو شبه أي: كغيره من أنواع القياس الصحيح.
وبهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام هذا الدرس هذا وبالله التوفيق.
стр. 114
الدرس: ٩ القوادح في العلة .
стр. 115
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع
(القوادح في العلة)
النقض
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه؛ أما بعد:
القوادح على وزن فواعل، فهو صيغة من صيغ منتهى الجموع -أي: الجمع الأقصى- ومما يطرد فيه هذا الجمع من المفردات ما كان صفة لمذكر غير عاقل كصاهل وصواهل، فهو جمع قادح والقادح اسم فاعل من القدح، وهو العيب في العِرض، وأُكال يقع في الشجر والأسنان والعفن، والصدع في العود، والسواد الذي يظهر في الأسنان. يقول جميل بثينة:
رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح
فالقوادح -إذن- هي العيوب التي تُصيب العلةَ النحويةَ، ويعترض بسببها على الاستدلال بالقياس، والتعبير عنها بالجمع الأقصى إشارة إلى كثرة هذه العيوب. ومن هنا افتتح السيوطي مبحثها بقوله: "منها"، وهذا تعبير يدل على عدم استيفائه إياها، واكتفائه بإيراد بعضها في ضوء ما أتى به ابن جني في (الخصائص) وأبو البركات الأنباري في (الإغراب في جدل الإعراب) و (لمع الأدلة). والقادح الأول كما رتبه السيوطي النقض: بالنون والقاف والضاد المعجمة، ومعناه في اللغة: الكسر والإبطاء، والمراد به هنا كما قال الأنباري في (الإغراب في جدل الإعراب) وجود العلة ولا حكم على مذهب مَن لا يرى تخصيص العلة، أي: على مذهب من لا يرى تخصيص العلة ببعض الأفراد لوجود اطرادها، فإذا وُجدت العلة وجد الحكم، فتخلفه عنها مع وجودها نقض لها.
قال الأنباري في (لمع الأدلة): "الأكثرون على أن الطرد شرط في العلة، أي: وإلا لم تكن علة؛ لفقد المشروط عند فقد شرطه، وذلك -أي: الطرد- المعتبر لتحقق العلة أن يوجد الحكم عند وجودها في كل موضع. يعني: أن يوجد الحكم
стр. 116
المعلل بها عند وجود العلة في كل موضع، فلا يتخلف عنها لدورانه عليها وجودًا وعدمًا، كرفع كل ما أسند إليه الفعل في كل موضع لوجود علة الإسناد، يعني: مثل رفع المسند إليه في الجملة الفعلية، سواء أكان فاعلًا أم نائبَ فاعل. لوجود علة الإسناد المقتضية للرفع عند وجودها، ونصب كل مفعول وقع فضلة؛ لأن المفعول به هو المراد عند الإطلاق كما قال ابن هشام في (مغني اللبيب) في الباب السابع في كيفية الإعراب، قال: إن كان المبحوث فيه مفعولًا عُين نوعه، فقيل: مفعول مطلق أو مفعول به أو لأجله أو معه أو فيه، وجرى اصطلاحهم على أنه إذا قيل مفعول وأطلق، لم يرد إلا المفعول به، لما كان أكثر المفاعيل دورًا في الكلام خففوا اسمه". انتهى.
لوجود علة وقوع الفعل عليه. أي: لأنه الذي يقع الفعل عليه. وكجر كل ما دخل عليه حرف الجر لوجود عامله، وكذلك وجود الجزم في كل ما دخل عليه حرف الجزم لوجود عامله. وإنما كان الطرد شرطًا -يعني: في العلة- لأن العلة العقلية لا تكون إلا مطردة. أي: والعلة النحوية هنا كالعلة العقلية. ولا خلاف في أن العلة العقلية لا تكون إلا مطردة، ولا يجوز أن يدخلها التخصيص فكذلك العلة النحوية؛ لأنها إذا خصصت ببعض أفراد المعلول كان تحكمًا وإلغاءً لغير مقتض. وقال قوم: ليس الطرد بشرط، فيجوز أن يدخلها التخصيص. أي: ويكفي العلة ثبوتها في الأعم الأغلب من الأفراد؛ لأنها دليل على الحكم بجعل جاعل أي: وهو الواضع للفن، فصارت بمنزلة الاسم العام الصادق على ما فوق الواحد من غير حصر في أنه لا يجب تعميمه عقلًا لجميع الأفراد، بل يجوز تخصيصه ببعضها؛ لأن عمومه ظاهري لا قطعي، فكما يجوز تخصيص الاسم العام فكذلك ما كان في معناه، أي: يجوز أيضًا تخصيص ما كان بمعنى الاسم
стр. 117
العام من العلة الجعلية بقصرها على بعض أفراده، وكما يجوز التمسك بالعموم المخصوص، فكذلك يجوز التمسك بالعلة المخصوصة.
قال السيوطي: "وعلى الأول -وهو جواز عدم التخصيص- قال الأنباري في (الجدل) ". أي: في (جدل الإعراب). مثال النقض: أن يقول المستدل: إنما بُنيت حَذام وقطام ورقاش، أي: كل ما كان علمًا مؤنثًا على وزن فَعال على الكسر في لغة الحجازيين مطلقًا، أي: سواء كان آخره راء كسقار، وهو اسم لماء من مياه العرب، ملحوظًا فيه التأنيث، أو اسم لبئر، وكَوَبار، وهو اسم لقبيلة، أو لا، كحذام وقطام ونحوهما، وأما التميميون فمنهم مَن أعربه إعرابَ ما لا ينصرف، ومنهم من فصل بين ما ختم بالراء فبناه على الكسر، وما ليس كذلك فأعربه إعرابَ ما لا ينصرف، لاجتماع ثلاث علل، وهي: التعريف والتأنيث والعدل، أي: إنما بُنيت هذه الأعلام المؤنثة التي على وزن فعال على الكسر؛ لاجتماع ثلاث علل فيها: التعريف والتأنيث والعدل، عن حاذمة وقاطمة وراقشة، أي: لتقدير هذه الأعلام معدولة عن وزن فاعلة؛ لأنها أعلام مؤنثة.
فنقول: هذا البناء المعلل بما ذُكِر ينتقض بأذربيجان أو أذربيجان، ففي نطقها قولان بفتح الهمزة والذال المعجمة وسكون الراء أَذَرْبِيجان، أو بفتح الهمزة وسكون الذال وفتح الراء وكسر الموحدة أَذْرِبيجان، بلد بنواحي العراق غربي أرمينيةَ، فإن فيه ثلاث علل وهي: العلمية والتأنيث والعجمة، بل أكثر، كأنه يشير إلى التركيب أيضًا؛ لأنه قيل: إنه مركب من أذربي وجان، وقد جعله ابن جني في (شرح اللمع) اسمًا ممنوعًا من الصرف لاجتماع خمسة موانع من الصرف فيه، وهي: التعريف والتأنيث والعجمة والتركيب وزيادة الألف والنون، ومع ذلك ليس بمبني، بل هو معرب غير منصرف، أي: فانتقضت
стр. 118
العلة التي هي اجتماع العلل بوجودها مع فقد الحكم الذي هو البناء في كلمة أذربيجان.
قال -أي: الأنباري: "والجواب عن النقض أن يمنع -أي: المعلل- مسألةَ النقض إن كان فيها مَنعه، أي: إن كان فيها احتمال منعه. بأن يمنع وجود العلة فيما نقضت فيه، أو يدفع النقض باللفظ أو بمعنى في اللفظ. فالجواب إذن بأحد ثلاثة أشياء فصلها بقوله: فالمنع مثل أن تقول: إنما جاز النصب في تابع المنادى المضموم في نحو: يا زيد الظريف؛ حملًا على الموضع، أي: على موضع المنادى إذ هو في محل نصب؛ لأنه وصف لمنادًى مفرد مضموم لفظًا منصوب محلًّا، فيقال: هذا ينتقض بقولهم: يا أيها الرجل، فإن الرجل وصف لمنادى مفرد مضموم، ولا يجوز فيه النصب، أي: لأنه غير مسموع، فالعلة وجدت وهي كون التابع وصفًا لمنادى مفرد مضموم دون الحكم، وهو جواز النصب. فنقول جوابًا عن النقض: لا نسلم أنه لا يجوز فيه النصب ويمنع -أي: ويدفع النقض- على مذهب من يرى جوازه، أي: مَن يرى جواز النصب في نعت هذا المنادى، كالمازني والزجاج؛ قياسًا على صفة غيره من المناديات المضمومة، فهما يجيزان أن يقال: يا أيها الرجل".
وقول الأنباري: "ويمنع" هو تفسير لقوله: "لا نسلم"؛ لأن هذه العبارة هي المعروفة بالمنع عند أهل المناظرة، أي: يمنع النقض، والدفع باللفظ مثل أن يقول في حد المبتدأ: كل اسم عريته -أي: جردته- من العوامل اللفظية لفظًا أو تقديرًا فيقال: هذا ينتقض بقولهم: إذا زيد جاءني أكرمته، فزيد قد تعرَّى عن العوامل اللفظية ومع هذا فليس بمبتدأ، أي: بل هو فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور، فيقول المعلل: قد ذكرت في الحد ما يدفع هذا النقض؛ لأني قلت: لفظًا أو تقديرًا، وهو -أي: زيد في المثال المذكور- إن تعرى لفظًا لم يتعر تقديرًا، فإن التقدير: إذا جاءني زيد جاءني، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، والدفع
стр. 119
بمعنى في اللفظ، مثل أن يقول: إنما ارتفع يكتب في نحو: مررت برجل يكتب؛ لقيامه مقامَ الاسم وهو كاتب، فيقول المعترض على المعلل: هذا ينتقض بقولك: مررت برجل كتب، فإنه -أي: كتب- فعل قد قام مقام الاسم وهو كاتب، وليس بمرفوع، فانتقضت العلة.
فتقول في الجواب: قيام الفعل مقام الاسم إنما يكون موجبًا للرفع إذا كان الفعل معربًا، وهو الفعل المضارع نحو: يكتب، وكتب فعل ماض، والفعل الماضي لا يستحق شيئًا من الإعراب أي: لا رفعًا ولا غيره، فلما لم يستحق شيئًا من جنس الإعراب، أي: لعدم وجود ما يقتضي الإعراب فيه وهو تعاور المعاني المختلفة على التركيب، مُنِعَ هذا الفعل الرفع الذي هو نوع منه -أي: من الإعراب- فكأنا قلنا: هذا النوع من الأفعال الذي هو المضارع المستحق للإعراب، قام مقام الاسم فوجب له الرفع، أي: وقوله: هذا النوع المستحق للإعراب لم يذكر في لفظ العلة، لكنه معنى موجود فيها، فلا يرد النقض بالفعل الماضي الذي لا يستحق شيئًا من الإعراب، فدفع النقض هنا كان بمعنى في اللفظ، أما على مذهب من يرى تخصيص العلة فإن النقض غير مقبول، أي: لأن العلة عنده مخصوصة بغير ما نقضت به.
تخلف العكس
ذكر السيوطي أن القادح الثاني من القوادح في العلة تخلف العكس، فقال: "ومنها -أي: من القوادح- تخلف العكس، بناء على أن العكس شرط في العلة، وهو رأي الأكثرين"، وهو -أي: العكس- كما قال الأنباري في (لمع الأدلة): "أن يعدم الحكم عند عدم العلة"، فمعنى تخلفه انتفاؤه، أي: كون العلة غير منعكسة مع أن العكس شرط فيها عند الأكثرين. ومن أمثلة العكس التي أوردها
стр. 120
السيوطي نقلًا عن الأنباري: كعدم رفع الفاعل لعدم إسناد الفعل إليه لفظًا أو تقديرًا، وعدم نصب المفعول لعدم وقوع الفعل عليه لفظًا أو تقديرًا.
ومع أبي البركات الأنباري حيث يقول: "وقولنا: تقديرًا؛ احتراز من نحو قولهم: إنِ الله أمكنني من فلان، وامرأ اتقى الله، فإنه وإن كان إسناد الفعل إلى الفاعل ووقوع الفعل على المفعول قد عدم لفظًا، إلا أنه قد وجد تقديرًا؛ لأن التقدير في قولهم: إنِ الله أمكنني من فلان: إن أمكنني الله أمكنني من فلان، فحذف الفعل الأول لفظًا وجعل الثاني تفسيرًا له، وعلى هذا التقدير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ (التوبة: ٦) أي: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك، فحذف الأول وجعل الثاني تفسيرًا له، والتقدير في قولهم: امرأً اتقى الله: رحم الله امرأً، فحذف الفعل لفظًا لدلالة الحال عليه، فالفعل ها هنا وإن عدم لفظًا فقد وجد تقديرًا، فلهذا المعنى قلنا: أو تقديرًا. وإنما وجب أن يكون العكس شرطًا في العلة؛ لأن هذه العلة مشبهة بالعلة العقلية، والعكس شرط في العلة العقلية، فكذلك ما كان مشبهًا بها.
وذهب بعضهم إلى أن العكس ليس بشرط في العلة -أي: في صحتها- ومعنى عدم العكس -أي: تخلف العكس- أنه لا يعدم الحكم -أي: لا يفقد- عند فقدها، أي: عند عدم العلة. فتخلف العكس هو وجود الحكم مع فقد العلة، وذلك نحو ما ذهب إليه بعض النحويين الكوفيين من أنه لا يعدم أي: لا يعدو نصب الظرف إذا وقع خبرًا عن المبتدأ نحو: زيد أمامك، من أنه منصوب بفعل محذوف غير مطلوب إظهاره، ولا مقدر وجوده، بل حذف الفعل واكتفي بالظرف منه وبقي منصوبًا بعد حذف الفعل لفظًا وتقديرًا على ما كان عليه من قبل حذف الفعل، أي: وبهذا المثال يعلم أنه وجد المعلول وهو نصب الظرف بغير علته وهو الفعل الناصب له.
стр. 121
وتمسكوا -أي: القائلون بأن العكس ليس بشرط في صحة العلة- في الدلالة على أن العكس ليس بشرط في العلة، بأن هذه العلة مشبهة بالدليل العقلي، والدليل العقلي يدل وجوده على وجود الحكم ولا يدل عدمه على عدم الحكم، فإن وجود العالم يدل على وجود الصانع، ولا يدل عدمه على عدمه". وأبطل أبو البركات الأنباري ما ذهب إليه أصحاب هذا الرأي الأخير، وأفسد دليلهم، فقال: "وهذا ليس بصحيح، وذلك أن الدليل لو تُصور عدمه لَعُدِمَ المدلول، فإن مدلول العالم العلم بالصانع مع نتيجة وجود العالم، والعالَم لن يُتصور خروجه عن أن يكون موجودًا في الوقت الذي كان موجودًا فيه، ولو تصور عدمه لعدم المدلول وهو العلم بالصانع، وإذا كان ذلك شرطًا في الدليل العقلي فكذلك ها هنا أي: كما قال الأولون".
عدم التأثير
القادح الثالث من القوادح في العلة: عدم التأثير؛ أي: عدم التأثير للوصف في الحكم، قال السيوطي: "وهو أن يكون الوصف لا مناسبة فيه". وقد نقل السيوطي هذا المبحث عن الأنباري في (لمع الأدلة) حيث قال الأنباري: "اعلم أن العلماء -أي: أكثرهم- ذهبوا إلى أنه لا يجوز إلحاقه على الإطلاق سواء كان لدفع نقض أو غيره، بل هو حشو في العلة لا يجوز تعليق الحكم به، أي: لا يجوز إلحاق الوصف بالعلة مع عدم المناسبة، بل يُعد حشوًا زائدًا يقدح في العلة، وذلك - أي: عدم تأثير الوصف- مثل أن يدل المستدل على ترك صرف حُبلى، فيقول: إنما امتنع هذا اللفظ من الصرف؛ لأنه في آخره ألف التأنيث المقصورة، أي: فوجب أن يكون غير منصرف كسائر ما في آخره ألف التأنيث المقصورة،
стр. 122
فَذِكْر المقصورة حشو؛ لأنه لا أثر له في العلة؛ لأن ألف التأنيث لم تستحق أن تكون سببًا مانعًا من الصرف لكونها مقصورةً، وإنما كانت مانعة من الصرف لكونها للتأنيث فقط.
ألا ترى أن ألف التأنيث الممدودة سبب مانع من الصرف كالألف المقصورة أي: لوجود المانع وهو التأنيث، فلو كان القصر معتبرا في منع الصرف ما مُنعت الممدودة، وإنما قام التأنيث بهما -أي: بالمقصورة والممدودة- مقام سببين بخلاف التاء للزومها، أي: للزوم ألف التأنيث الكلمة بخلافها، أي: بخلاف تاء التأنيث، ألا ترى أنه ليس لهم حُبل وحبلى كما لهم طلح وطلحة". وانتقل الأنباري إلى ذكر دليل القائلين بعدم جواز إلحاق الوصف بالعلة مع عدم المناسبة، فقال: "وتمسكوا في الدلالة على أنه لا يجوز إلحاقه -أي: إلحاق الوصف المذكور ونحوه بالعلة- وأنه حشو فيها، بأنه لا إخالةَ فيه ولا مناسبة، وإذا كان خاليًا عن الإخالة والمناسبة لم يكن دليلًا، أي: على الحكم المعلل به، وإذا لم يكن دليلًا لم يجز إلحاقه بالعلة، وإذا لحق بها كان حشوًا فيها أي: قادحًا فيها؛ لعدم تأثيره.
وذهب بعضهم إلى التفصيل بين أن يذكر الوصف دليلًا للحكم فلا يجوز، أو يذكر للنقض فيجوز، فذهبوا إلى أنه إذا ذكر -أي: الوصف- لدفع النقض -أي: للعلة فيما تخلف فيه الحكم عنها- لم يكن حشوًا في العلة، أي: لم يكن خاليًا عن الفائدة لتأثيره في الحكم". قال الأنباري: "وتمسكوا أي: الذين فصلوا في الدلالة على ذلك، أي: على أن الوصف المذكور لدفع نقض لا يعد حشوًا في العلة، بأن قالوا: الأوصاف في العلة تفتقر إلى شيئين؛ أحدهما: أن يكون لها تأثير، والثاني: أن يكون فيها احتراز، فكما لا يكون ما له تأثير حشوًا، فكذلك
стр. 123
لا يكون ما فيه احتراز حشوًا، أي: لما علمت أن الاحتراز من مطالب العلة كالتأثير". قال الأنباري معقبًا على ما قالوا: "وهذا ليس بصحيح؛ لأن ما له تأثير فيه تأثير واحتراز، فلوجود الشرطين جعل علةً، وما ذكر للاحتراز فقط فَقَدْ فُقِدَ فيه أحدُ الشرطين فلا يعتد به".
قال السيوطي: "وقال ابن جني في (الخصائص): قد يزاد في العلة صفة لضرب من الاحتياط، أي: لا للتأثير ولا للاحتراز. ولكن لضرب من الاحتياط، بحيث لو أُسقطت لم يقدح إسقاطها فيها، أي: لم يؤثر إسقاط الصفة في العلة. كقولهم في همز أوائل وهو جمع أول، وأصله: أوأل، من وأل أي: نجا؛ لأن النجاة في السبق، وقيل: أصله أأول، بفتح فسكون، من آل بمعنى: رجَعَ؛ لأن كل شيء يرجع إلى أوله، فهو أفعل بمعنى مفعول كأشهر وأحمد، فأبدلت الهمزة في الوجهين المذكورين واوا إبدالا شاذا، وقال الكوفيون: هو فَوْعل من وَوَل، فأبدلت الأولى همزةً، قال الرضي في (شرح الكافية): وتصريفه كتصريف أفعل التفضيل، واستعماله بـ"مِن" مبطلان لكونه فوعلًا"، انتهى.
قالوا في همز أوائل: أصله -أي: أصل أوائل-: أواول، أي: بواوين كما كانتا في المفرد، فلما اكتنفا أي: أحاط الألف واوان، وقربت الثانية منهما من الطرف، ولم يؤثر إخراج ذلك على الأصل تنبيهًا على غيره من المغيرات في معناه، أي: لم يعهد إبقاء ذلك على أصله من غير تغيير دلالةً على ما غير من غيره -كما سيأتي- وليس هناك ياء قبل الطرف، يعني: أنه جاء على مثال مفاعل وليس على مثال مفاعيل بياء قبل آخره، إذ لو وجدت هذه الياء لفظًا أو تقديرًا لمنعت من الإبدال كما ستعرف، وكانت الكلمة جمعًا، ثقل ذلك، فأبدلت الواو همزةً، فصار أوائل، أي: لأنه من مواضع إبدال كل من الواو
стр. 124
والياء همزة وجوبًا أن تقع إحداهما ثاني حرفي علة توسطتهما ألف الجمع الذي على مثال مفاعل، سواء أكان الحرفان المكتنفان لألف الجمع واوين كأوائل، وأصله أواول، أم ياءين كعيائل وهو جمع عَيِّل، بمعنى فقير، أو كثير العيال، من: عَال يعيل عيلًا وعيلةً وعيولًا، فأصل الجمع: عيايل، أم مختلفين كبوائع في جمع بائعة، وسيائد في جمع سيد، وأصلهما: بوايع وسياود، فهذه علة مركبة من خمسة أوصاف محتاج إليها في وجوب الإبدال، إلا الخامس، وهو كون الكلمة جمعًا، أي: فإنه لا حاجة إليه لتحقق الإبدال مع الأربعة الأول سواء كان مفردًا أو جمعًا. فقولك: ولم يؤثر ... إلى آخره، احتراز من نحو قوله:
تسمع من شُذّانها عواولا ... ....... ..... ........ ...... ...... .....
هذا القول رجز لم يعلم قائله، والشذان جمع شاذ، كشاب وشبان. قيل: والعواول جمع عِوَّال بكسر العين وتشديد الواو، مصدر عوَّل، أي: صاح، كما يقال: كذب كذابًا، وكأنه يصف دلوًا يتناثر منها الماء، أو منجنيقًا يتناثر منها الحجارة، قيل: وأصل العواول العواويل، فحذفت الياء للضرورة، والذي نراه أنه لا ياءَ مقدرةً في عواول، وليس أصلها عواويل، وحذفت الياء للضرورة كما قيل، إذ لو كان الأمر كذلك لاتفق هذا الشاهد مع ما بعده، وصارَا معًا بمنزلة شيء واحد لشاهد واحد، وصارت العلة مركبة من أربعة أشياء لا من خمسة كما ذكر السيوطي.
كما أن عبارة ابن جني: "ولم يؤثر ... " إلى آخره. لا تعين على هذا التخريج، وتوحي أن هذا الجزء من العلة المذكورة مغاير للذي بعده، وأقرب تفسير لذلك من وجهة نظرنا في ضوء ما ذكره ابن جني والسيوطي: أن عواول ليس جمع عِوال، وإنما هو جمع عائلة، وهو اسم فاعل لمؤنث على فاعلة من الفعل
стр. 125
الأجوف الواوي عالت تعول إذا صاحت، وكان هذا الجمع بمقتضى القياس يستحق الإبدال كصوائل وجوائل، ولكن أُوثِر إخراج هذا الجمع على أصله، أي: من غير إبدال؛ ليكون دلالةً على أصل ما غُير من غيره في نحوه كما قال ابن جني، وهذا هو الشاهد فيه. ويؤيد هذا التفسير أن شذان قد جاء في بعض نسخ (الخصائص) كما ذكر محققه -رحمه الله تعالى- بفتح الشين، وذكر (القاموس) وغيره من المعاجم اللغوية: أنه بالفتح والضم ما تفرق من الحصى وغيره، فربما يكون المعنى: أنك تسمع من ارتطام هذا الحصى المتفرق بعضه ببعض أصواتًا عاليةً تشبه ما عَلَا من الصياح. والله أعلم. وقولك: وليس هناك ياء مقدرة لئلا يلزمك نحو قوله: وكحل العينين بالعواور؛ لأن أصله عواوير، يخاطب الراجز، وهو جندل بن المثنى الطهوي أو العجاج امرأته بقوله:
غرك أن تباعدت أباعري ... وأن رأيت الدهر ذا الدوائر
حنى عظامي وأراه ثاغري ... وكحل العينين بالعواور
وتباعد الأباعر وهو جمع بعير كناية عن ترك السفر لكبره، أو عن فقره، فقلت أباعره، وقرب بعضها من بعض، وثاغر: كاسر ثغري أي: أسناني، والعواور جمع عوار بضم العين وتشديد الواو كرُمان، وهو القذى الذي في العين، أو الرمد الشديد، وأصل الجمع عواوير؛ لأن ألف الجمع الأقصى تأتي ثالثة فاصلة بين الواوين، إذ الواو المشددة في موضع العين بواوين، فالجمع على مثال مفاعيل، وكل ما كان على هذا الوزن من مثل هذا الجمع لا يُبدل حرف العلة الثاني منه همزة؛ لبعده عن الطرف؛ لأن الياء التي قبل الآخر جاءت مبعدة إياه عن ذلك، وقد نص العلماء على أن هذه الياء تمنع الإبدال سواء أكانت منطوقًا بها أم كانت مقدرةً، فالعبرة بما يقتضيه القياس لا بالمنطوق، وبناء على هذه القاعدة سَلِمَ الجمع في الرجز المذكور؛ عملًا بالقياس؛ لأن الجمع القياسي لعوار
стр. 126
هو العواوير، ولكن الراجز حذف الياء للضرورة، فهي في تقدير الموجودة.
وقولك: وكانت الكلمة جمعًا، غير محتاج إليه؛ لأنك لو لم تذكره لم يخل ذلك بالعلة، أي: لحصول الحكم وإن فُقدت الجمعية، ألا ترى أنك لو بَنيت من قُلت وبِعت واحدًا على فواعل أي: كعوارض وهو جبل ببلاد طيئ، وعليه قبر حاتم، أو أُفاعل أي: كأُباتر، وهو الذي يقطع رحمه أو الذي لا نسل له، لهمزتَ كما تهمز في الجمع، أي: لهمزت ذلك المفرد كما تهمز في الجمع، لكنه ذُكر -أي: ذكر وصف الجمع مع التعليل- تأنيثًا. عبارة ابن جني في (الخصائص): "فَذِكْرك الجمع في أثناء الحديث إنما زدت الحال به أنسًا". انتهى.
من حيث كان الجمع في غير هذا، أي: في غير هذا الوزن مما يدعو إلى قلب الواو ياء في نحو: حُقي ودلي، أي: في جمع حَقو وحِقو بفتح الحاء وكسرها، وهو الخاصرة، ودلو، وقد وقعت الواو فيهما لامًا لجمع على فعول، فأصلهما: حقوو ودلوو، بواوين، أولاهما واو الجمع، والثانية لام الكلمة، فتقلب الثانية منهما ياءً؛ استثقالًا لاجتماع واوين مع ثقل الجمعية، وقبلهما ضمتان. وفي الطرف الذي يتطلع إلى التخفيف ثم تقلب الأولى ياء؛ لاجتماعها ساكنة مع الواو، ثم تدغم الياء في الياء، ثم تقلب الضمة قبل الياء المشددة كسرةً؛ لمناسبة الياء، وهذا هو قدر واجب. أما إتباع الفاء للعين في الكسر فجائز حسن. فذُكر هنا -أي: ذكر في أوائل- قيد الجمع في أوصاف العلة؛ تأكيدًا لا وجوبًا، أي: لما علمت أن ذلك الوزن يقتضي القلب مطلقًا، وأن الجمع مما يدعو إليه. قال -أي: ابن جني في (الخصائص): "ولا يجوز زيادة صفة لا تأثير لها أصلًا البتة، كقولك في رفع طلحة من نحو: جاءني طلحة، إنه لإسناد الفعل إليه، أي: وهذه هي العلة الصحيحة، ولأنه مؤنث وعَلَم، فَذِكْر التأنيث والعلمية لغو لا فائدةَ له". انتهى. أي: قدر زائد خال عن الفائدة.
стр. 127
القول بالموجب
الموجب -بفتح الجيم- ما يقتضيه الدليل، أو هو المسبب، وبكسرها: الدليل نفسه، أو السبب، وقد ذكر السيوطي نقلًا عن أبي البركات الأنباري قوله في (جدل الإعراب) معرفًا بالقول الموجب في اصطلاح علماء الأصول: "وهو أن يسلِّم للمستدل -أي: الخَصم- ما اتخذه موجبًا للعلة مع استبقاء الخلاف، أي: في المتنازع فيه، ومتى توجه -أي: الخلاف- في عموم الصور المختلف فيها كان المستدل منقطعًا، فإن توجه في بعض السور مع عموم العلة، لم يعدَّ منقطعًا. أي: لعموم علته لذلك وإن اختلف فيه، أي: في هذا العموم".
وضَرَبَ مثلًا لذلك، فقال: "مثل أن يستدل البصري على جواز تقديم الحال على عاملها الفعل المتصرف". هذه عبارة السيوطي. وعبارة الأنباري: "مثل أن يستدل البصري على جواز تقديم الحال على العامل في الحال إذا كان العامل فيها فعلًا متصرفًا، وذو الحال -أي: وصاحب الحال- اسمًا ظاهرًا، نحو: راكبًا جاء زيد، فراكبًا حال، وجاء فعل ماض، وزيد فاعل، فالعامل في الحال -وهو جاء- فعل متصرف، فيكون عمله قويًّا، فيجوز تقديم الحال عليه، ولذلك قيل: راكبًا جاء زيد". قال ابن مالك:
والحال إن ينصب بفعل صرفا ... أو صفة أشبهت المصرفا
فجائز تقديمه كمسرعًا ... ذا راحل ومُخلصًا زيد دَعَا
ابن مالك أتى في البيت الثاني بمثالين؛ المثال الأول: تقدمت فيها الحال والعامل في الحال لفظ راحل، وهو صفة متصرفة؛ لأنها اسم فاعل،
стр. 128
والمثال الثاني: مخلصًا زيد دعا، تقدم الحال، والعامل فعل متصرف وهو دعا، فشمل النوعين، فيقول -أي: البصري: جواز تقديم معمول الفعل المتصرف ثابت في غير الحال، يعني: في نحو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ (الضحى: ٩) فـ ﴿الْيَتِيمَ﴾ مفعول مقدم، وقد تقدم على عامله المتصرف، ونحو قوله : ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ (البقرة: ٨٧) ﴿فَفَرِيقًا﴾ مفعول به مقدم، وقد تقدم على عامله الفعلي المتصرف، وما لا يحصَى من المفاعيل، فكذلك في الحال، أي: كغيره من المنصوبات.
فيقول له الكوفي: أنا أقول بموجبه، فإن الحال يجوز تقديمها عندي إذا كان ذو الحال مضمرًا، أي: إذا كان صاحب الحال مضمرًا، نحو: راكبًا جئتُ، فراكبًا حال، وقد تقدمت على العامل، لكن صاحب الحال هنا مضمر وليس اسمًا ظاهرًا، وهو الضمير: تاء الفاعل، دونما إذا كان صاحب الحال مظهرًا. لماذا؟ لئلا يؤدي ذلك إلى الإضمار قبل الذكر، أي: وذلك عندي -أنا الكوفي- ممنوع. والجواب: أن يقدر العلة على وجه لا يمكنه القول بالموجب، بأن يقول: عنيت به ما وقع الخلاف فيه، وعرفته بالألف واللام، فتناوله وانصرف إليه.
وبهذا نكون قد وصلنا إلى ختام هذا الدرس هذا وبالله التوفيق.
стр. 129
الدرس: ١٠ تابع القوادح في العلة .
стр. 130
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العاشر
(تابع القوادح في العلة)
فساد الاعتبار
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه؛ أما بعد:
المراد بفساد الاعتبار: فساد الاعتبار للعلة في الحكم، وذلك عند مخالفة القياس للنص، وعرَّفه السيوطي في (الاقتراح) نقلًا عما ورد في الفصل التاسع في (الإغراب في جدل الإعراب) لأبي البركات الأنباري: بأنه الاستدلال بالقياس في مقابلة النص عن العرب، ومثاله: أن يستدل البصري على أن ترك صرف ما لا ينصرف لا يجوز في ضرورة الشعر؛ بأن الأصل في الاسم الصرف، فلو جوزنا ترك صرف ما ينصرف، لأدى ذلك إلى أن نرده عن الأصل إلى غير أصل، فوجب ألا يجوز قياسًا على مد المقصور، فإنه ممنوع، فيقول له المعترض عليه في استدلاله وتعليله أي: ممن يجوزون تركَ صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر، وهم الكوفيون وبعض البصريين: هذا استدلال منك بالقياس في مقابلة النص عن العرب، وهو -أي: القياس في مقابلة النص- لا يجوز، فإنه -أي: الحال والشاذ- قد ورد النص عنهم -أي: عن العرب- في أبيات تركوا فيها صرف المنصرف للضرورة، وذلك في كثير من أشعارهم، وإذا ثبت النقل عنهم في ورود المدعَى، فلا اعتبارَ للقياس ولا التفات إليه. ومن هذه الأبيات التي تشهد لذلك وأوردها الأنباري في (الإغراب) و (الإنصاف) قول حسان ﵁:
نصروا نبيهم وشدوا أزره ... بحُنين يوم تواكل الأبطال
فحنين: اسم واد بين مكة والطائف كانت به وقعة بين المسلمين والكفار، وذكره الله في كتابه فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ (التوبة: ٢٥) وقد أجمع القُراء على صرفه في الآية الكريمة. وقول الأخطل التغلبي من كلمة يمدح فيها سفيان بن الأبيرد:
стр. 131
طلب الأزارقَ بالكتائب إذ هَوَت ... بشبيب غائلة الثغور غدور
الأزارق: أصله الأزارقة، جمع أزرقي، وهو المنسوب إلى رأس الخوارج نافع بن الأزرق، وشبيب هو شبيب بن يزيد الشيباني من الخوارج كذلك، والشاهد في قوله: "بشبيب" حيث منعه من الصرف مع أنه ليس فيه إلا العلمية، وهي وحدها لا تقتضي منعه من الصرف، ومع ذلك فقد منعه للضرورة. وقول أبي دهبل وهب بن زمعة الجمحي:
أنا أبو دهبل وهب لوهب ... من جُمح والعز فيهم والحَسَب
فترك صرف "دهبل" وهو منصرف، وقد جاء في (الإنصاف) في المسألة السبعين كثير من الأبيات مع هذه الأبيات، وقد رجح الأنباري في (الإنصاف) مذهب الكوفيين والأخفش والفارسي ومَن تبعهم؛ لكثرة النقل الذي خرج عن حد الشذوذ. ورجحه ابن مالك في (الكافية الشافية) فقال:
وبعضهم أجازه اختيارًا ... وليس بدعًا فدع الإنكار
وقال في (الألفية):
ولاضطرار أو تناسب صرف ... ذو المنع والمصروف قد لا ينصرف
ومع ذلك فقد ناقش الأنباري هذه المسألة هنا مناقشة أصولية؛ لأنه بصدد بيان سبل الحجاج وطرائق الاستدلال، فقال في (الإغراب): "والجواب -أي: من طرف المستدل بالقياس، وهو هنا البصري- أن تتكلم عليه -أي: أن ترد عليه- أيها المستدل بالقياس بما هيأت أي: بما بينت أنا لك من الاعتراضات على النقل. وتبين أن ما توهمه معارضًا ليس كذلك". فإذا رجعنا إلى الفصل الثامن من (الإغراب) عرفنا هذا الجواب، وعنوان هذا الفصل: في الاعتراض على الاستدلال بالنقل، ومضمون ما قال الأنباري ونقله عنه السيوطي: أن الجواب
стр. 132
هو الطعن في النقل المذكور، ويكون هذا الطعن إما في الإسناد وإما في المتن. أما الطعن في الإسناد فمن وجهين:
أحدهما: أن تطالبه أيها المستدل بالقياس بإثبات الإسناد؛ لأنه مدع، والمدعي عليه الإثبات حتى تنهض دعواه؛ عملًا بالقاعدة الشرعية: البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه. قال الأنباري: "وقد ذهب قوم إلى أنه ليس له أن يطالبه بإثبات الإسناد، وإنما عليه أن يطعن فيه إن أمكنه، وليس ذلك بصحيح؛ لأنه لو لم يكن له -أي: للمستدل- ذلك، لأدى إلى أن يروي كل من أراد ما أراد، وهذا غاية في الفساد"، انتهى.
والجواب من المعترض عن المطالبة بإثبات الإسناد بأحد أمرين؛ أن يسنده أي: ينسبه لسند معين، رجاله معروفون بالعدالة والثقة، حتى ينتهي إلى من نقله عن العرب وأثبته، أو يحيله على كتاب معتمد عند أهل اللغة، وأما الطعن في الرواية فمعناه الطعن في رواية الرجال الذين هم في السند بما يرد روايتهم، ويجعلها غير مقبولة، وجواب الطعن في الرواية من جانب المستدل بها أن يبدي أي: يظهر لذلك النص طريقًا آخرَ، سالمًا من القدح والطعن الذي ورد على النص الأول، وأما الطعن في المتن أي: بعد التسليم بثبوت وروده عن العرب وقبول سنده، فمن خمسة أوجه؛ أحدها: التأويل؛ أي: حمل اللفظ على خلاف الظاهر لدليل، بأن يقول الكوفي ومَن سار على دربه: الدليل على ترك صرف المنصرف قول ذي الإصبع العدواني وهو شاعر معمر شجاع جاهلي:
وممن ولدوا عامـ ... ر ذو الطول وذو العرض
والشاهد في قوله: "عامر" فقد جاء به مرفوعًا من غير تنوين، فدل على أنه منعه من الصرف مع أنه ليس فيه إلا العلمية وحدها، وقوله: "ذو الطول وذو
стр. 133
العرض" كناية عن عظم الجسم وبسطته. فيلجأ البصري إلى التأويل، فيقول للكوفي: إن البيت ليس مما الكلام فيه من ترك صرف المنصرف، بل هو منصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، إذ لم يصرفه؛ لأنه ذهب به إلى القبيلة، أي: لأنه جعله اسمًا للقبيلة حملًا على المعنى، والحمل على المعنى كثير في كلامهم، كقول الشاعر يحكي عن أعرابية وقفت على قبر ابن لها يقال له: عامر، ترثيه وتبكيه، فقالت:
قامت تبكيه على قبره ... مَن لي بعدك يا عامر
تركتني في الدار ذا غربة ... قد ذَل من ليس له ناصر
فقال الشاعر على لسان المرأة: "ذا غربة" ولم يقل: ذات غربة؛ لأنه حمله على المعنى كأنه قال: تركتني إنسانًا أو شخصًا ذا غربة، والإنسان أو الشخص يطلق على الذكر والأنثى، فيقول له الكوفي: قوله: "ذو الطول وذو العرض" يدل على أنه لا يذهب به إلى القبيلة؛ لأنه لو ذهب به إلى القبيلة لقال: ذات الطول والعرض، فيقول له البصري قوله: "ذو الطول" رجع إلى الحي، ونحو هذا في التنقل من معنى إلى معنى قول الراجز:
إن تميمًا خلقت ملموما ... قومًا ترى واحدهم صهميما
الملموم: اسم مفعول من اللم، وهو الجمع الكثير الشديد، وصخرة ملمومة: مستديرة صلبة، والصهميم: السيد الشريف من الناس، ومن الإبل: الكريم، والخالص في الخير والشر مثل الصميم، والذي لا ينثني عن مراده، ومحل الاستشهاد قوله: "خلقت" فإنه قد جاء به كما يجيء بإخبار المؤنث، فدل بهذا على أنه يريد بتميم القبيلة، ثم قال: "ملمومًا" فأجرى الكلام على أنه يريد الحي، ثم ترك لفظ الواحد وحقق مذهب الجمع، فقال بعد ذلك:
стр. 134
قومًا ترى واحدهم صهميما ... ..... .... ..... ..... ...
والوجه الثاني من أوجه القدح في المدح: المعارضة بنص آخر مثله، فيتساقطان ويسلم الأول، أي: المعارضة بنص ثبت فيه إبقاء صرفه، والنصان متكافئان فيتساقطان، وإلا كان ترجيحًا بلا مرجح، فإذا تساقطَا سلم الدليل الأول لسقوط ما عارضه، كأن يقول الكوفي: الدليل على أن إعمال الأول، أي: لسبقه في باب التنازع أولى أي: أحق من إعمال الثاني، أي: كما يقول البصريون بقربه قول الشاعر:
وقد نغنى بها ونرى عصورًا ... .... .... ....... ..... .....
وهذا صدر بيت من الوافر، وعجزه:
..... ..... .... .... .... ... .... ... بها يقتدننا الخلد الخدال
ونسبه سيبويه إلى المرار الأسدي، وأنشد قبله:
فرد على الفؤاد هوًى عميدًا ... وسوئل لو يبين لنا سؤالا
والهوى العميد: هو العِشق الشديد الذي يضني صاحبه، و"نغنى" مضارع غني بالمكان كرضي، أي: أقام فيه وتوطن، والخليدة: هي المرأة الحيية الطويلة السكوت، أو البكر، والخِدَال: جمع خدلة وهي الممتلئة، وفاعل "رد" في البيت الأول ضمير مستتر تقديره هو، أي: منزل أحبابه، وقد أعاد عليه الضمير مؤنثًا في البيت الثاني في قوله: "بها"؛ لأنه في معنى الدار، والشاهد في البيت الثاني حيث أراد: ونرى الخلد الخدال بها يقتدننا في عصور، فالعصور ظرف، وأعمل العامل الأول وهو نرى في الخلد، ولو أعمل الفعل الثاني وهو يقتاد، لقال: ونرى عصورًا بها تقتادنا الخلد الخدال، بالرفع. فيقول البصري: هذا البيت بعد أن نسلمه ونقول بثبوته، معارض بقول الآخر، وهو الفرزدق:
стр. 135
ولكن نصفًا لو سببت وسبني ... بنو عبد شمس من مناف وهاشم
النصف: الإنصاف والعدل، والشاهد فيه في قوله: "سببت وسبني بنو عبد شمس" أي: بإعمال الثاني، ولو أعمل الأول لقال: سببت وسبوني بني عبد شمس، بنصب بني وإظهار الضمير في سبني. والوجه الثالث من أوجه القدح في المتن: اختلاف الرواية، كأن يقول الكوفي: الدليل على جواز مد المقصور في ضرورة الشعر قول الشاعر:
سيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناء
فمد غنى وهو مقصور ضرورة فقال: غناء، فيقول له البصري: الرواية غناء، بفتح الغين ممدود، أي: من قولهم: هذا رجل لا غناء عنده، فيكون ممدودًا أصالة فلا دليل في البيت، وزعم آخرون أنه بكسر الغين وأنه مصدر: غانيته أغانيه غِناءً، مثل: راميته أراميه رِماءً، إذا فاخرته وباهيته في الغنى بكسر الغين وبالقصر، فهو ممدود قياسًا، فلا دليل. والوجه الرابع من أوجه القدح في المتن: منع ظهور دلالته، أي: دلالة الدليل على ما يلزم منه فساد القياس، كأن يقول البصري: الدليل على أن المصدر أصل للفعل أنه يسمى مصدرًا، والمصدر هو الموضع الذي تصدر عنه الإبل، فلو لم يصدر عنه الفعل لما سُمِّي مصدرًا. فقول البصري: والمصدر هو الموضع، كأنه يشير إلى أنه اسم مكان كمقعد ونحوه، فيقول له الكوفي: هذا حُجة لنا في أن الفعل أصل للمصدر، فإنه إنما سمي مصدرًا؛ لأنه مصدور عن الفعل -أي: مأخوذ منه- فالمراد به المفعول لا الموضع، كما يقال: مَركب فَارِه، ومشرب عذْب، أي: مركوب ومشروب، أي: أن مركبًا ومشربًا بوزن مصدر وهما بمعنى مفعول، فمصدر مثلهما.
стр. 136
قال الأنباري في (الإنصاف) جوابًا عن هذه الحجة الكوفية: "قلنا: -أي: نحن البصريين- هذا باطل من وجهين؛ أحدهما: أن الألفاظ إذا أمكن حملها على ظاهرها فلا يجوز العدول بها عنه، يعني: والظاهر يوجب أن يكون المصدر للموضع لا للمفعول، فوجب حمله عليه، والثاني: أن قولهم: مركب فاره، ومشرب عذب، يجوز أن يكون المراد به موضع الركوب وموضع الشرب، ونُسب إليه الفراهة والعذوبة للمجاورة، يعني: أنه مجاز عقلي علاقته المجاورة، كما يقال: جرى النهر، والنهر لا يجري، وإنما يجري الماء فيه، قال الله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (التوبة: ٧٢) فأضاف الفعل إليها، وإن كان الماء هو الذي يجري فيها؛ لما بينا من المجاورة، ومنه قولهم: بلد آمن ومكان آمن، فأضافوا الأمن إليه؛ مجازًا لأنه يكون فيه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ (إبراهيم: ٣٥) وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ (العنكبوت: ٦٧) فأضاف الأمن إليه؛ لأنه يكون فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (سبأ: ٣٣) فأضاف المكر إلى الليل والنهار، ومنه قولهم: ليل نائم، فأضافوا النوم إلى الليل لكونه فيه ... إلى آخره.
والوجه الخامس من أوجه القدح في المتن سقط من نسخ (الاقتراح) وذكره الأنباري في (الإغراب) وأشار إليه في (الإنصاف) ونقله عنه صاحب (الإصباح في شرح الاقتراح) وهو أن يستدل -أي: المستدل- بما لا يقول به، مثل أن يقول البصري: الدليل على أن واو رُب لا تعمل وإنما العمل لرب المقدرة، أنه قد جاء الجر بإضمارها من غير عِوض في نحو قول جميل بن معمر العذري صاحب بثينة:
رسم دار وقفت في طلله ... كدت أقضي الحياة من جَلَله
стр. 137
الرسم: ما بقي لاصقًا بالأرض من آثار الديار كالرماد ونحوه، والطلل: ما بقي شاخصًا مرتفعًا من آثارها كالوتد ونحوه، ومن جلله: أي: من أجله، أو من عظمه في نفسي، ومحل الاستشهاد في البيت قوله: "رسمِ دار"، فإن الرواية بجر الرسم، وقد خرجها العلماء على أنه مجرور برب المحذوفة الباقي عملُها، فيقول له الكوفي: إعمال حرف الجر مع الحذف من غير عوض لا تقول به، فكيف يجوز لك الاستدلال به؟!.
فساد الوضع
عرف السيوطي هذا القادح في (الاقتراح) نقلًا عن أبي البركات الأنباري في (الإغراب في جدل الإعراب) فذكر أن معناه: أن يعلق -أي: المستدل- على العلة ضد المقتضَى، أي: أن يعلق عليها حكمًا مضادًّا لما تقتضيه. كأن يقول الكوفي: إنما جاز التعجب من السواد والبياض دون سائر الألوان؛ لأنهما أصلا الألوان. يعني: أنه يجوز أن يستعمل ما أفعله في التعجب من السواد والبياض خاصةً من بين سائر الألوان، نحو أن تقول: هذا الثوب ما أبيضه، وهذا الشعر ما أسوده، والعلة في هذا الحكم بالجواز أن السواد والبياض أصلا الألوان، ومنهما يتركب سائرها من الحمرة والصفرة والخضرة والصهبة والشهبة، إلى غير ذلك، فإذا كانَا هما الأصلين للألوان كلها، جاز أن يثبت لهما ما لا يثبت لسائر الألوان، إذ كانا أصلين لها ومتقدمين عليها.
فيقول له البصري: قد علقت على العلة -أي: التي ذكرتها- وهي كونهما أصلًا للألوان ضد المقتضى، أي: ضد مقتضاها أي: مطلوبها وما تقتضيه. فإن مقتضى كونهما أصلين أبلغيتهما في المنع؛ لأن التعجب إنما امتنع من سائر الألوان
стр. 138
للزومها المحل، يعني: أن التعجب إنما يكون من حدوث أمر وعروضه، وهذه الألوان أشياء مستقرة في الشخص لا تكاد تزول عنه، فجرت مجرى أعضائه. وهذا المعنى في الأصل أبلغ منه في الفرع، أي: أن هذا المعنى وهو لزوم هذه الأشياء واستقرارها في الأصل، أبلغ؛ لقوته وشدته بالأصالة، فإذا لم يجز مما كان فرعًا لملازمته المحل فلأن لا يجوز مما كان أصلًا، وهو ملازم للمحل أولى، أي: أحق بالمنع لأبلغيته فيه. والجواب: أن يبين عدم الضدية، أي: يبين له ألا تضاد بين العلة والحكم الذي تقتضيه، أو يسلم له، أي: للمعترض ذلك، أي: الضدية بين العلة والحكم، ويبين أنه -أي: كونه أصلها- يقتضي ما ذكره هو أيضًا من وجه آخر، أي: غير الوجه المدخول فيه.
المنع للعلة
المراد بهذا القادح الاعتراض على الاستدلال بالقياس لعدم التسليم بالعلة، أي: لرفض العلة وعدم قبولها، وقد ذكر السيوطي نقلًا عن الأنباري في (جدل الإعراب) أن هذا المنع قد يكون في الأصل وقد يكون في الفرع، أي: في علة الأصل المقيس عليه أو في علة الفرع المقيس. قال: "فالأول -أي: المنع في الأصل- كأن يقول البصري: إنما ارتفع المضارع لقيامه مقام الاسم، أي: فهو يقع بجملته خبرًا وصفة وحالًا، والأصل في هذه المواقع الاسم، وهو -أي: قيامه مقام الاسم- عامل معنوي فأشبه -أي: هذا العامل- الابتداء في الاسم المبتدأ والابتداء يوجب الرفع، فكذلك ما أشبهه، أي: وهو القيام مقام الاسم في الفعل المضارع. فيقول له الكوفي: لا نسلم -
стр. 139
يعني: نمنع- أن الابتداء يوجب الرفع في الاسم المبتدأ، أي: لأن الابتداء أمر معنوي يضعف عن التأثير في أمر لفظي".
والثاني أي: وهو المنع للعلة في الفرع، كأن يقول البصري: الدليل على أن فعل الأمر مبني أن دراك ونزال ونحوهما من أسماء الأفعال مبنية؛ لقيامها مقامه، أي: مقام فعل الأمر في إفادة معناه، فعوملت في البناء معاملته، ولولا أنه مبني لَمَا بني ما قام مقامه، أي: الدليل على أن فعل الأمر مبني إجماعنا على أن ما كان على وزن فعال من أسماء الأفعال كنزال وتراك وحذار، مبني؛ لأنه ناب عن فعل الأمر، فنزال ناب عن انزل، وتراك ناب عن اترك، وحذار ناب عن احذر، وهكذا. فالأصل في بناء أسماء الأفعال هذه ونحوها قياسها على فعل الأمر، فبناؤها فرع عن بناء أفعال الأمر التي بمعناها.
فيقول له الكوفي: لا نسلم أن نحو: تراك ودراك إنما بني لقيامه مقام فعل الأمر، أي: فالمنع هنا لوجود العلة في الفرع، بل لتضمنه لام الأمر، بل إنما بني نزال ونحوه؛ لتضمنه معنى لام الأمر، أي: فأشبه الحرف في المعنى لتضمنه معناه، ألا ترى أن نزال اسم انزل وأصله لتنزل، فلما تضمن معنى اللام بني، كتضمن أين معنى حرف الاستفهام. وكما أن أين بنيت لتضمنها معنى حرف الاستفهام، فكذلك بنيت نزال لتضمنها معنى اللام. والجواب عن منع العلة: أن يدل -أي: من جهة المستدل- على وجودها في الأصل أو في الفرع بما يظهر به فساد المنع، أي: بدليل يظهر به للوجود فساد المنع، وأن المنع إنما هو ضرب من ضروب العناد والمكابرة، فلا عبرةَ به؛ لأن المكابرة كما يقولون: توجب قطعَ المناظرة.
стр. 140
المطالبة بتصحيح العلة
من القوادح في العلة: المطالبة من المعترض للمستدل بتصحيح العلة، أي: بإقامة الدليل على صحة ثبوتها، وذكر السيوطي أن أبا البركات الأنباري قال: "والجواب: أن يدل من قبل المستدل على ذلك الثبوت بشيئين؛ التأثير: أي: التأثير في الحكم لمناسبتها له، وشهادة الأصول بكونها علة، فالأول -وهو التأثير- وجود الحكم لوجود العلة وزواله لزوالها، أي: لأن ذلك -أي: دوران الحكم مع العلة وجودًا وعدمًا- هو شأن العلة، كأن يقول المستدل: إنما بنيت قبلُ وبعد على الضم؛ لأنها اقتطعت عن الإضافة، أي: نحو قراءة الجماعة؛ لقول الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (الروم: ٤).
فيقال -أي: من جهة المعترض: وما الدليل على صحة هذه العلة؟ أي: ما الدليل على صحة كون قطع هذين الظرفين ونحوهما عن الإضافة هو علة البناء على الضم؟ فيقول -أي: المستدل: الدليل التأثير، أي: هو الدليل على صحة هذه العلة، وهو وجود البناء لوجود هذه العلة وعدمه لعدمها؛ ألا ترى أنه إذا لم يقتطع عن الإضافة يعرب، فإذا اقتطع عنها بني، فإذا عادت الإضافة عاد الإعراب أي: فوجود الحكم وهو البناء لوجود العلة، وهي القطع عن الإضافة، وعدمه لعدمها دليل على أنها هي المؤثرة فيه وجودًا وعدمًا، والتأثير دليل على صحة العلة. والثاني: وهو شهادة الأصول كأن يقول المستدل: إنما بنيت كيف وأين ومتى؛ لتضمنها معنى الحرف، فيقال: وما الدليل على صحة هذه العلة؟ فيقول: إن الأصول تشهد وتدل على أن كل اسم تضمن معنى الحرف وجب أن يكون مبنيًّا".
стр. 141
المعارضة
من القوادح في العلة: المعارضة، ومعنى المعارضة كما قال الأنباري في (جدل الإعراب) و (لمع الأدلة) ونقله عنه السيوطي في (الاقتراح): "أن يعارض المستدل بعلة مبتدأة، أي: أن يعارض الخصم المستدل بعلة مستأنفة تقتضي خلاف مقتضى علة المستدل". وأوضح الأنباري أن العلماء قد اختلفوا في قبول المعارضة، فقال: "والأكثرون على قبولها؛ لأنها دفعت العلة أي: لأنها ردت العلة الأولى وعارضتها، وقيل: لا تقبل؛ لأنها تَصَدٍّ لمنصب الاستدلال، وذلك رتبة المسئول لا السائل، أي: وذهب بعض العلماء إلى عدم قبول المعارضة؛ لأنها تصد لمنصب الاستدلال. والتصدي معناه التعرض، وهو مصدر تصدى إليه أي: تعرض له أي: وإقامة الدليل منصب المستدل وهو المسئول لا منصب المعترض وهو السائل، ومنصب المعترض ووظيفته إنما هو منع دليل المستدل لا إقامة دليل".
قال الأنباري في (لمع الأدلة) ذاكرًا ما علل به الذاهبون إلى عدم قبول المعارضة: "فإن السائل هادم والمعارض بانٍ، والشخص الواحد لا يكون هادمًا بانيًا في حال واحدة"، وعلق الأنباري على ما ذكروه بقوله: "وهذا ليس بصحيح؛ لأن من حق السائل أن يعرض على العلة ويقفها، وقد وجد ها هنا، فإن العلة ما لم تسلم عن معارضة دليل لم يكن عليها تعويل، فوجب أن تكون - يعني: المعارضة- مقبولة صحيحة"، انتهى.
مثال المعارضة: أن يقول الكوفي في الإعمال -أي: في التنازع: إنما كان إعمال الأول أي: من العاملين المتنازعين أو العوامل المتنازعة، أولى؛ لأنه
стр. 142
سابق، وهو صالح للعمل، فكان إعماله أولى لقوة الابتداء به والعناية، أي: أن العامل الأول سابق العامل الثاني وهو صالح للعمل كالعامل الثاني، إلا أنه لما كان مبدوءًا به كان إعماله أولى؛ لقوة الابتداء والعناية به، ولهذا لا يجوز إلغاء "ظن" أو "كان" إذا وقعت أي منهما مبتدأةً، بخلاف ما إذا توسطت أو تأخرت. فيقول البصري: هذا معارض بأن الثاني أقرب إلى الاسم أي: من أن العامل الأول أبعد والثاني أقرب إلى الاسم، وليس في إعماله -أي: في إعمال الثاني- نقض معنى، فكان إعماله أولى، أي: من إعمال الأول. يعني: أن دليلك أيها الكوفي على اختيار الأول معارض بدليل من قبل البصريين على اختيارهم إعمال الثاني لا الأول، وهو أن الثاني يتميز بقرب الجوار، وأنه لا ينقض -أي: لا يغير- معنى، ومعنى هذا أن الثاني من العاملين أقرب إلى المعمول، وليس في إعماله حدوث خلل في المعنى، إذ لا فرقَ في المعنى بين إعمال الأول أو الثاني.
وتكتسب مع إعمال الثاني رعاية جانب القرب، وحرمة المجاورة، فقرب الثاني من المعمول يقتضي ألا يلغَى عنه، يدل عليه أن المجاورة توجب كثيرًا من أحكام الثاني للأول، والأول للثاني، ألا ترى إلى قولهم: الشمس طلعت وأنه لا يجوز فيه حذف التاء لما جاور الضمير الفعل، ولذلك يقولون: إن الفعل هنا وجب التأنيث؛ لماذا؟ لأن الفاعل ضمير يعود على مؤنث على الرغم من أن المؤنث هنا مجازي التأنيث، إلا أن تأنيث الفعل بالتاء واجب لمجاورة الضمير المستتر للفعل، وكذلك: قامت هند، لا يجوز حذف التاء لمجاورة المؤنث الظاهر للفعل، فلو فَصلتَ بينهما بفاصل ما جاز لك في هذه الحالة أن تحذف التاء، أي: جاز لك تذكير الفعل وتأنيثه، وما كان ذلك إلا رعايةً للمجاورة.
стр. 143
ومما يدل على رعايتهم جانب القرب والمجاورة، أنهم قالوا: جحر ضرب خرب، وماء شَن بارد، فأتبعوا الأوصاف إعراب ما قبلها وإن لم يكن المعنى عليه، فَجُحر -كما قلنا من قبل- خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هذا جحر، وهو مضاف، وضب مضاف إليه، ثم جاء النعت خرب، المفروض في المعنى أن يكون الخراب صفةً للجحر وليس صفةً للضب، ومع ذلك جاء الخراب أو جاء الوصف مجرورًا؛ مراعاةً لمجاورته للمجرور، وكذلك: ماء شن بارد، الشن: هو قِربة الماء، والشن لا يوصف بالبرودة وإنما الذي يوصف بالبرودة هو الماء في داخل الشن، فيقال: ماء شنٍ باردٌ، إلا أن المسموع عن العرب: ماء شنٍ باردٍ بالإتباع الشن على اللفظ بالجر؛ مراعاةً للجوار وإن لم يكن المعنى عليه. فإذا كانوا قد لحظوا المجاورة مع فساد المعنى، فالأحرى أن يلحظوها مع صراحه، ومع ذلك فقد أكد سيبويه أنه إذا حدث نقض للمعنى خرج الكلام من باب التنازع، ولذلك قال في قول امرئ القيس:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال
قال: "فإنما رفع؛ لأنه لم يجعل "القليل" مطلوبًا، وإنما كان المطلوب عنده الملك، وجعل "القليل" كافيًا، ولو لم يرد ذلك ونصب فسَدَ المعنى"، انتهى. يعني: أن الشاعر امرأ القيس رفع "قليلًا" بكفاني، قال: "كفاني قليل من المال" ولم ينصبه بأطلب، إذ الرواية جاءت برفع "قليل"، قال: لأنه إنما أراد: لو سعيتُ لمنزلة دنية كفاني قليل من المال، ولم أطلب الملكَ، وعلى ذلك معنى الكلام. فإذن هنا عاملان؛ العامل الأول: كفى، والعامل الثاني: أطلب، وجاء المعمول مرفوعًا، هذا الرفع متعلق بالعامل الأول، ولا يمكن أن يوجه إليه العامل الثاني، إذ لو وُجِّه إليه العامل الثاني لفسد المعنى، قال: لو سعيت لمنزلة دنية كفاني قليل
стр. 144
من المال ولم أطلب الملك. قال: وعلى ذلك معنى الكلام؛ لأنه قال في البيت الثاني:
ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
المجد المؤثل: هو المجد المؤصل، ولو نصب بأطلب لاستحال المعنى؛ لماذا؟ لأن شرط هذا الباب أن يكون العاملان موجهين في المعنى إلى شيء واحد، ولو وجه كفاني وأطلب إلى "قليل" لفسد المعنى؛ لماذا؟ لأن "لو" تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، فإذا كان ما بعدها مثبتًا كان منفيًّا، وإذا كان ما بعدها منفيًّا تحول بمقتضاها إلى مثبت، وعلى هذا فقوله: "أنما أسعى لأدنى معيشة" منفي بمقتضى لو؛ لأنه جاء مثبتًا، فأفاد عدم السعي لأدنى معيشة، و"لم أطلب" مثبت بمقتضى لو أيضًا؛ لأنه جاء منفيًّا، فلو وجه إلى "قليل" لوجب إثبات طلب القليل، وهو عين ما نفاه أولًا، وإذا بطَلَ ذلك تعين أن يكون مفعول أطلب محذوفًا تقديره: ولم أطلب الملك بدليل البيت الذي بعده.
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 145
الدرس: ١١ الاستصحاب .
следующие страницы →