← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 11321

أصول النحو 2 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (294 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الدرس: ٦ جواز التعليل بعلتين وجواز تعليل حكمين بعلة واحدة .

стр. 72

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس (جواز التعليل بعلتين وجواز تعليل حكمين بعلة واحدة) تعليل الحكم الواحد بعلتين الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: إنما جاز تعليل الحكم الواحد بعلتين، لأن المعاني لا تتزاحم، والعلل موضحة ومبينة وليست مؤثرة لأنها بعد الوقوع، وقد استمدَّ السيوطي مادة هذه المسألة، وهي جواز تعليل الحكم بعلتين من كتابي (الخصائص) و (لمع الأدلة)، ومجمل ما أورده ابن جني في (الخصائص) في باب عنوانه: باب في حكم المعلول بعلتين، أن هذا الباب على ضربين؛ أحدهما: ما لا نظر فيه، والآخر محتاج إلى النظر، ومن أمثلة الضرب الأول نحو قولهم: هذه عشريَّ، وهؤلاء مسلمي، فإن الأصل عشروي ومُسْلِمُويَ، فقُلبت الواو ياء لأمرين كل واحد منهما على حدته موجب للقلب من غير احتياج إلى الآخر؛ للاستعانة به على قلبه. أحدهما: اجتماع الواو والياء وسبق الأولى منهما بالسكون، والآخر أن ياء المتكلم أبدًا تكسر الحرف الذي قبلها إذا كان صحيحًا لمناسبتها نحو: هذا غلامي، ورأيت صاحبي، وقد ثبت فيما قبل أن نظير الكسر في الصحيح الياء في هذه الأسماء؛ فوجب قلب الواو ياء، وإدغامها في الياء؛ ليمكن كسر ما قبل ياء المتكلم، فهذه علة غير الأولى في وجوب قلب الواو ياء. ومن المعلول بعلتين أيضًا قولهم: سي في لاسيما، وري، والسي هو المثل والنظير تقول مثلًا: أتقن علوم العربية ولاسيما النحو، والمعنى: وبخاصة النحو، وسي أصله سِوْيٌ، وري أصله رويٌ؛ فانقلبت الواو ياء -إن شئت- لأنها ساكنة غير مدغمة وبعد كسرة، وإن شئت لأنها ساكنة قبل الياء، فهاتان علتان، إحداهما: كقلب ميزان أو كعلة قلب ميزان، وأصله موزان.

стр. 73

والأخرى: كعلة طي ولي مصدري طويت ولويت، وأصل المصدرين طوي ولوي، وكل من هاتين العلتين مؤثرة على حدة في القلب. فهذا ونحوه أحد ضربي الحكم المعلول بعلتين، والضرب الآخر منهما ما فيه النظر، وهو باب ما لا ينصرف، وذلك أن علة امتناعه من الصرف إنما هي لاجتماع شبهين فيه من أشباه الفعل، أو لوجود شبه واحد يقوم مقام الشبهين كما مضى تفصيله في بابه من النحو، كما أورد ابن جني في (الخصائص) في باب عنوانه: باب في تقاود السماع، وتقارع الانتزاع أنه قد يكثر الشيء، فيُسأل عن علته كرفع الفاعل ونصب المفعول، فيذهب قوم إلى شيء وآخرون إلى غيره، فيجب إذن تأمل القولين واعتماد أقواهما أي: أن يعتمد المتأمل ما يراه قويًّا من ذلك؛ لقوة مدركه، أو لموافقته المنقول، ويرفض الآخر، ولا يعتد به، فإن تساويا في القوة أي: في قوة المدرك وموافقة المنقول؛ لم ينكر اعتقادهما جميعًا، فقد يكون الحكم الواحد معلولًا بعلتين. أما أبو البركات الأنباري، فذكر في الفصل التاسع عشر من (لمع الأدلة) أن العلماء اختلفوا في تعليل الحكم بعلتين فصاعدًا، فذهب قوم إلى أنه لا يجوز؛ لأن هذه العلة أي: النحوية مشبهة بالعلة العقلية، والعلة العقلية لا يثبت الحكم معها إلا بعلة واحدة أي: لأنها مؤثرة، ولا يوجد أثر واحد لمؤثرين، فكذلك ما كان مشبهًا بها. وذهب قوم إلى أنه يجوز أن يعلل الحكم بعلتين فصاعدًا، وذلك مثل أن يدل على كون الفاعل ينزل منزلة الجزء من الفعل بعلل متعددة: الأولى: أنه تسكن له لام الفعل إذا اتصل به ضمير رفع متحرك نحو: أنا فهمت، ونحن فهمنا، وهن فهمن.

стр. 74

والثانية: أنه يمتنع العطف عليه إذا كان ضميرًا متصلًا قبل الفصل بينه وبين ما عطف عليه بشيء، ويجوز العطف مع الفصل كالفصل بالضمير المنفصل مثل: أحسنت أنت وإخوانك، فما بعد الواو معطوف على الضمير المرفوع المتصل الواقع فاعلًا في محل رفع، وصحَّ ذلك للفصل بالضمير المنفصل، وهو أنت، والضمير المرفوع المستتر في ذلك كالضمير المرفوع المتصل، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (البقرة: ٣٥) فزوجك معطوف على الضمير المرفوع المستتر في ﴿اسْكُنْ﴾؛ لأن الضمير المرفوع المتصل أو المستتر كالجزء من عامله لفظًا ومعنى، ولا يُعطف على جزء الكلمة، فإذا فُصل بينه وبين ما عُطف عليه بفاصل ما؛ حصل له نوع من الاستقلال فجاز العطف عليه. والثالثة: وقوع الإعراب بعده في الأمثلة الخمسة أي: في الأفعال الخمسة فتقول: الطلاب يجتهدون ولم يقصروا، ولن يقصروا، فواو الجماعة في الأفعال الثلاثة المذكورة ضمير رفع؛ لأنها فاعل، والفعل الأول مرفوع بثبوت النون، والثاني مجزوم بحذفها، والثالث منصوب بحذفها كذلك، فإعراب الثلاثة وقع بعد الضمير. ومن المعلوم أن الإعراب إنما يكون في أواخر الكلم مما يدل على أن الضمير المرفوع عُدَّ كالجزء من الفعل، وكأن آخر الفعل ما بعده. والرابعة: اتصال تاء التأنيث بالفعل إذا كان الفاعل أو نائبه مؤنثًا. والخامسة: قول العرب في النسب إلى كنت: كنتيٌ، فاعتبروا كان واسمها -وهو ضمير مرفوع متصل- كلمة واحدة، فألحقوا بآخرها علامة النسب، وهي الياء المشددة كقول الشاعر: فأصبحت كنتيًّا وأصبحت عاجنًا ... وشر خصال المرء كنت وعاجن

стр. 75

فقوله: كنتي معناه أن يقول: كنت أفعل في شبابي كذا، وكنت في حداثتي أصنع كذا، والعاجن هو الذي أسن، فلا يستطيع القيام إلا إذا اعتمد على يديه من شدة ضعفه، فأجروا ضمير الرفع مجرى الدال من زيد، وكأنهم نبَّهوا بهذا على قوة اتصال الفعل بهذا الضمير المتصل به، وأنهما قد حلَّا جميعًا محل الجزء الواحد. والسادسة: قولهم: حبذا، من نحو: حبذا زيد يعني: أنهم ركبوا حَب وهو فعل مع اسم الإشارة ذا، فصارا بمنزلة اسم واحد حكم على موضعه بالرفع على الابتداء، وهو ظاهر مذهب الخليل وسيبويه، كما في (الكتاب). وقد تغلَّب على المركب في هذا القول جانب الاسمية. والسابعة: قولهم: لا أحبذه، أي: لا أقول له مادحًا إياه: حبذا، فلا نافية، وأحبذ فعل مضارع، فاعله ضمير مستتر تقديره: أنا، والهاء مفعوله، وقد تغلب على المركب في هذا القول جانب الفعلية. والثامنة: إبدالهم تاء الضمير طاء في قولهم: فحصط برجلي، وأصله فحصت، فشبهوا تاء الفاعل بتاء افتعل كاصطبر، وأصله اصتبر؛ فأبدلت التاء طاء لتجانس الصاد في الإطباق، والإطباق هو أن ترفع في النطق أطراف لسانك إلى الحنك الأعلى مطبقًا له، فيفخم ذلك نطق الحرف، وحروف الإطباق هي: الصاد والضاد والطاء والظاء. قال ابن جني في (سر صناعة الإعراب): "ووجه شبه تاء فعلت بتاء افتعل أنها ضمير الفاعل، وضمير الفاعل قد أُجري في كثير من أحكامه من الفعل مجرى بعض أجزاء الكلمة من الكلمة، وذلك لشدة اتصال الفعل بالفاعل" انتهى.

стр. 76

فهذه ثماني علل عُلِّلَ بها حكم واحد مما يدل على جواز تعدد العلل لحكم واحد في العربية، قال الأنباري في (لمع الأدلة) بعد إيراده هذه العلل وغيرها: "وتمسكوا -أي: مجيزو التعدد- في الدلالة على جواز ذلك بأن هذه العلة ليست موجبة، وإنما هي أمارة ودلالة على الحكم، وكما يجوز أن يستدل على الحكم بأنواع من الأمارات والدلالات، فكذلك يجوز أن يستدل عليه بأنواع من العلل، وعقَّب الأنباري بقوله: وهذا ليس بصحيح. وقولهم: إن هذه العلة ليست موجبة، وإنما هي أمارة ودلالة قلنا: ما المعنيِّ أي: ما المقصود بقولكم: إنها ليست موجبة؟ إن عنيتم -أي: إن قصدتم- أنها ليست موجبة كالعلل العقلية كالتحرك لا يُعلل إلا بالحركة، أو العالِمية لا تُعلل إلا بالعلم، فمسلَّم، وإن عنيتم أنها غير مؤثرة بعد الوضع على الإطلاق فلا نسلم، فإنها بعد الوضع أصبحت بمنزلة العلل العقلية، فينبغي أن تجري مجراها" انتهى. ويُفهم من هذه العبارة أن الحكم من الأنباري بعدم الصحة ينصب على تفسير كون العلة النحوية ليست موجبة بأنها غير مؤثرة، لا على جواز تعدُّد العلل. جواز تعليل حكمين بعلة واحدة افتتح السيوطي هذه المسألة بعد العنوان بقوله: "قال في (الخصائص): سواء لم يتضادا أم تضادا كقولهم: مررت بزيد ... إلى آخره"، وكعادة السيوطي نراه يتصرف في النقل، فيورد النص بالمعنى، ويتجه غالبًا إلى الإيجاز والاختصار، وعبارة ابن جني منقولة بمعناها من باب عنوانه: باب في تقاود السماع، وتقارع الانتزاع أي: في اتفاق السماع واطراده في شيء، وتخالف الاستنباط وتغايره فيه. قال ابن جني في هذا الباب: "واعلم أن اللفظ قد يرد شيء منه، فيجوز جوازًا صحيحًا أن يُستدل به على أمر ما، وأن يُستدل به على ضده البتة، وذلك نحو:

стр. 77

مررت بزيد، ورغبت في عمرو، وعجبت من محمد، وغير ذلك من الأفعال الواصلة بحروف الجر، فأحد ما يدل عليه هذا الضرب من القول أن الجار معتدٌّ من جملة الفعل الواصل به، ألا ترى أن الباء في مررت بزيد معاقبة لهمزة النقل في نحو: أمررت زيدًا، وكذلك أخرجته وخرجت به، وأنزلته ونزلت به، فكما أن همزة أفعل مصوغة فيه كائنة من جملته، فكذلك ما عاقبها من حروف الجر ينبغي أن يعتدَّ أيضًا من جملة الفعل؛ لمعاقبته ما هو من جملته، فهذا وجه. والآخر: أن يدل ذلك على أن حرف الجر جارٍ مجرى بعض ما جره، ألا ترى أنك تحكم لموضع الجار والمجرور بالنصب فيعطف عليه، فينصب لذلك فتقول: مررت بزيد وعمرًا، وكذلك أيضًا لا يفصل بين الجار والمجرور؛ لكونهما في كثير من المواضع بمنزلة الجزء الواحد، أفلا تراك كيف تقدر اللفظ الواحد تقديرين مختلفين، وكل واحد منهما مقبول في القياس متلقى بالبشر والإيناس" انتهى. ومجمل ما ذكره ابن جني في هذا النص أن نحو: مررت بزيد ونظائره مما يتعدى فيه الفعل بحرف من حروف الجر، يُستدل به على أن الجار والمجرور معدود من جملة الفعل، كما يستدل به على ضد ذلك أي: على أنه معدود من جملة الاسم المجرور به، ووجه كونه معدودًا من جملة الفعل أنه معدٍّ للفعل يجعل الفعل يتعدى به، فهو بمنزلة همزة التعدية التي تكون مجعولة حرفًا من بنية الفعل، وهي همزة أفعل، فكذلك ما عاقبها يعني: ما ناب عنها وخلفها. ووجه كونه جاريًا مجرى بعض مجروره أمران؛ أحدهما: أنه يحكم لموضع الجار والمجرور بالنصب، فيعطف عليهما بالنصب مراعاة لموضعهما في نحو: مررت بزيد وعمرًا، فعمرًا منصوب عطفًا على موضع بزيد عند ابن جني.

стр. 78

والآخر: أنه لا يُفصل بينهما بفاصل لأنهما بمنزلة الجزء الواحد، ونحن نلاحظ أن السيوطي لم يذكر في (الاقتراح) ما أجازه ابن جني من نحو: مررت بزيد وعمرًا، لماذا؟ لأنه لا يجيز ما أجازه ابن جني من مثل هذا الإعراب، وإنما يختار مذهب المحققين في اشتراطهم في العطف على الموضع إن كان ظهور هذا الموضع في فصيح الكلام، ولا يجوز في فصيح الكلام أن يقال: مررت زيدًا، ومن هنا لا يجوز عند المحققين العطف بالنصب على موضعه، ما دام المعطوف عليه لا يجوز نصبه وإسقاط الجار منه في الكلام الفصيح؛ لما فيه من تعدية القاصر أي: اللازم بنفسه. أما قول جرير: تمرون الديار ولم تعوجوا ... كلامكم علي إذن حرام فمقصور على السماع أو هو ضرورة، وابن جني لم يشترط ما اشترطه المحققون الذين يجيزون نحو: مررت بزيد وعمرًا، لكنهم يعربون ما بعد الواو -يعني: يعربون عمرًا- مفعولًا به لفعل محذوف تقديره: وجزت عمرًا، مثلًا، وقد أعاد ابن جني حديث مررت بزيد ونحوه في باب التقديرين المختلفين لمعنيين مختلفين في (الخصائص)، وعقَّب عليه بقوله: "فإنه مما يقبله القياس ولا يدفعه" انتهى. وأورد السيوطي مثالًا آخر نقلًا عن (الخصائص) أيضًا فقال: "وقال -أي: ابن جني في موضع آخر: باب في أن سبب الحكم قد يكون سببًا لضده على وجه، هذا باب ظاهره التدافع أي: التعارض، وهو مع استغرابه صحيح واقع، وذلك نحو قولهم: القود، أي: القصاص، والحَوَكة جمع حائك من حاك الثوب يحوكه حوكًا، وحياكًا، وحياكة أي: نسجه". قال السيوطي ملخصًا ما قال ابن جني في تصحيح الواو الواقعة عينًا لكلمتي القود والحوكة، ونظائرهما قال: "فإن القاعدة في مثله الإعلال بقلب الواو ألفًا

стр. 79

لتحركها، وانفتاح ما قبلها، لكنهم شبهوا حركة العين التابعة لها بحركة اللين أي: بحرف الألف التابع لها، فكأن فعلن فعال، فكما صح نحو: جواب وهيام، صح باب القود والغيب ونحوه" انتهى. يعني: أن القاعدة الصرفية تقضي بقلب الواو والياء ألفين إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما، ولكن الكلمات التي جاءت عن العرب بتصحيح العين مما يُخالف بظاهره هذه القاعدة كالقود، والحوكة، والغَيَب، وهو جمع غائب، وكلها على وزن فعل، فقد شبَّهوا الفتحة التي هي حركة العين في هذه الكلمات بحرف الألف، فعوملت معاملة ما كان وزنه فعالًا كجواب، وهيام. ومن شروط قلب الواو والياء ألفين إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما أن يتحرك ما بعدهما إن كانتا عينين، ولذلك صحت العين في نحو: بيان، وطويل، وغيور، لسكون ما بعدهما. قال ابن جني معلقًا على ذلك: "ألا ترى إلى حركة العين التي هي سبب الإعلال كيف صارت على وجه آخر سببًا للتصحيح، وهذا وجه غريب المأخذ" انتهى. ومن باب إتمام الفائدة وإكمال النفع نذكر مثالًا آخر لهذا الباب، أورده ابن جني في (الخصائص)، ولم يذكره السيوطي عملًا بمبدئه في التلخيص والاختصار، وذلك قول كَلْحَبة العريني: إذا المرء لم يخش الكريهة أوشكت ... حبال الهوينى بالفتى أن تقطعا ومعنى البيت: أن الإنسان إذا لم يخشَ مواجهة الشدائد والنوازل قاربت حبال الهوينى أي: الصبر والاتئاد عنده أن تتقطع عند إحساسه بأقل بادرة منها، قال ابن جني معلقًا على البيت: "وهذا عندهم قبيح، وهو إعادة الثاني مظهرًا بغير لفظه الأول، وإنما سبيله أن يأتي مضمرًا نحو: زيد مررت به، فإن لم يأت مضمرًا وجاء مظهرًا، فأجود ذلك أن يُعاد لفظه الأول البتة نحو: زيد مررت بزيد كقول الله

стр. 80

سبحانه: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ﴾ (الحاقة: ١، ٢)، و ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ﴾ (القارعة: ١، ٢) وقوله: لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقير يعني ابن جني: أن وجه الحكم بالقبح على ما قال كلحبة، هو إعادته الاسم الظاهر، وهو المرء بلفظ اسم ظاهر غير لفظه الأول، وهو لفظ الفتى. وكان عليه إما أن يعيد الثاني مضمرًا فيقول: أوشكت حبال الهوينى به، وإما أن يُعيده مظهرًا لكن بلفظ الاسم الأول أي: أن يقول: أوشكت حبال الهوينى بالمرء، واستشهد على إعادة الثاني بلفظه الأول بما جاء في أول سورتي الحاقة والقارعة، وببيت من شواهد سيبويه في (الكتاب) منسوب إلى سواد بن عدي. وقد ذكر السيرافي في شرحه على (الكتاب) أن الاسم الظاهر متى احتيج إلى تكريره في جملة واحدة، كان الاختيار أن يذكر ضميره؛ لأن ذلك أخفَّ، وأنفى للشبهة، واللبس، ولو أعدت لفظه بعينه في موضع ضميره؛ لجاز، ولم يكن ذلك وجه الكلام، وإذا أعدت ذكره في غير تلك الجملة جاز إعادة ظاهره وحسن، كقولك: مررت بزيد، وزيد رجل صالح، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٤) فأعاد الظاهر؛ لأن قوله: ﴿اللهُ أَعْلَمُ﴾ جملة ابتداء وخبر وقد مرت الجملة الأولى" انتهى. وإنما تعيد العرب الظاهر بلفظه في جملة واحدة في مقام التفخيم أو التهويل كقوله تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ (الواقعة: ٨)، وقوله : ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ﴾. ونعود إلى مواصلة حديث ابن جني عن بيت كلحبة حيث قال: "ويمكن أن يجعله جاعل سبب الحسن". يعني: يمكن أن يجعل جاعل

стр. 81

إعادة الظاهر بلفظ غير لفظه في البيت، وهو الذي كان سببًا للحكم عليه بالقبح يُمكن أن يجعله سببًا للحكم له بالحسن. وأوضح ابن جني ذلك فقال: "وذلك أنه لما لم يعد لفظ الأول البتة، وعاد مخالفًا للأول؛ شابه بخلافه له المضمر الذي هو أبدًا مخالف للمظهر وعلى ذلك قال: أوشكت حبال الهوينى بالفتى، ولم يقل: به ولا بالمرء، أفلا ترى أن القبح الذي كان في مخالفة الظاهر الثاني للأول قد عاد فصار بالتأويل من حيث أرين حسنًا، وسببهما جميعًا واحد، وهو وجه المخالفة في الثاني للأول" انتهى. تعارض العلل مادة هذه المسألة في (الاقتراح) ملخصة عن باب أورده ابن جني في (الخصائص) بالعنوان نفسه، وقد ذكر ابن جني فيه أن الكلام في معنى تعارض العلل ضربان؛ أحدهما: حكم يتجاذب وجوده وحصوله علتان فأكثر منهما، والآخر حكمان في شيء واحد مختلفان دعت إليهما علتان مختلفتان، فالأول: سبق ذكره عن ابن جني وهو جواز التعليل بعلتين، ومثَّل له فيما مثل بقلب الواو ياء في نحو: مسلمي لأمرين، ومن الأمثلة التي ذكرها في باب تعارض العلل لهذا النوع أيضًا رفع المبتدأ. فالبصريون يعللون رفعه بالابتداء، والكوفيون يعتلون إما يرفعونه بالخبر الذي هو مرافعه، فالمبتدأ والخبر عندهم يترافعان، وإما بما يعود عليه من ذكره من الخبر على حسب مواقعه. وكذلك رفع الخبر، ورفع الفاعل، ورفع ما أقيم مقامه، ورفع خبر إن وأخواتها، وكذلك نصب ما انتصب، وجر ما انجر، وجزم ما انجزم، مما يتجاذبه الخلاف في علله، فكل واحد من هذه الأشياء له حكم واحد تتنازعه العلل.

стр. 82

والثاني من ضربي تعارض العلل كإعمال أهل الحجاز ما النافية تشبيهًا لها بليس أي: لكونها مثلها لنفي الحال عند الإطلاق، وترك بني تميم إعمالها، وإجرائهم إياها مجرى هل، ونحوها مما لا يعمل؛ لعدم الاختصاص بقبيل أي: بنوع من نوعي الكلمة الأسماء والأفعال. فكأن أهل الحجاز لما رأوها داخلة على المبتدأ والخبر دخول ليس عليهما، ونافية للحال نفيها إياها؛ أجروها في الرفع والنصب مجراها، وكأن بني تميم لما رأوها حرفًا داخلًا بمعناه يعني: لمجرد إفادة معنى النفي على الجملة المستقلة بنفسها، ومباشرة لكل واحد من جزأيها كقولك: ما زيد أخوك، وما قام زيد؛ أجروها مجرى هل، ألا تراها داخلة على الجملة لمعنى النفي دخول هل عليها للاستفهام، ولذلك كانت عند سيبويه لغة التميميين أقوى قياسًا من لغة الحجازيين. انتهى. يريد أقوى مدركًا، وإن كانت الحجازية أفصح وأقوى سماعًا؛ لنزول القرآن الكريم بها، وكذلك ليتما، وأصلها ليت، وقد اتصلت بها ما الزائدة فمن العرب من يلغيها عن العمل؛ إلحاقًا لها بأخواتها إن وأن وكأن ولعل، ولكن إذا اتصلت بهن ما الزائدة، فإنها تكفهنَّ عن العمل، وتجعلهن حروف ابتداء، وتهيئهن للدخول على الجمل الفعلية أيضًا بعد أن كنَّ مختصات بالدخول على الجمل الاسمية، ومن كفَّ ليت عن العمل بما قال: لا تكون ليت في وجوب العمل بها أقوى من الفعل. وقد نرى الفعل إذا كف بـ: ما زال عن عمله، وذلك كقولهم: قلما يقوم زيد، فما دخلت على قل، كافة لها عن عملها، ومثله كثرما وطالما، فكما دخلت ما على الفعل نفسه فكفته عن العمل، وهيأته لغير ما كان قبلها متقاضيًا له، كذلك تكون ما كافة لليت عن عملها، ومصيرة لها إلى جواز وقوع الجملتين جميعًا بعدها.

стр. 83

وبعض العرب يجعل ليتما ناصبة للاسم رافعة للخبر، من غير أن تكفها ما الزائدة عن العمل؛ إلحاقًا لها بحروف الجر التي تدخل عليها ما الزائدة، فلا تكفها عن العمل مثل: الباء كقوله : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ (النساء: ١٥٥)، وعن كقوله تعالى: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ (المؤمنون: ٤٠)، ومِن كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ (نوح: ٢٥) في قراءة غير أبي عمرو من السبعة، واللام كقول الأعشى: إلى ملك خير أربابه ... فإن لما كل شيء قرارًا أي: فإن لكل شيء قرارًا، وذكر ابن جني أن الفرق بين ليت وبين كأن ولعل أنها أشبه بالفعل، منهما وقال: "ألا تراها مفردة وهما مركبتان؛ لأن الكاف زائدة واللام زائدة" انتهى. وقال السيوطي: "وفرق بينها أي: بين ليت، وبين أخواتها بأنها أشبه بالفعل في الإفراد، وعدد الحروف" انتهى. قال ابن الطيب في (الفيض): "فإن ليت بوزن ليس بخلاف أخواتها" انتهى. وابن جني إنما ذكر في (الخصائص) الفرق بينها وبين كأن ولعل كما أوضحنا، والذي يطمئن إليه الضمير العلمي في هذه المسألة في ضوء ما ورد في (الكتاب) لشيخ النحاة سيبويه وغيره ممن تناولها بالبحث والدراسة: أن ليتما يجوز كفها عن العمل بـ: ما المتصلة بها، وهذا الإلغاء حسن، ويجوز إعمالها واعتبار ما زائدة غير كافة يعني: وهذا الإعمال أحسن. وقد قال ابن يعيش في (شرح المفصل): "ومن ذلك ليتما الإلغاء فيها حسن، والإعمال أحسن؛ لقوة شبهها بالفعل، وعدم تغاير معناها" انتهى. وعكس ذلك الحكم ابن الحاجب في كافيته، وسار شارحه الرضي على مذهبه، فقال ابن الحاجب فيها: "وتلحقها ما فتلغى على الأفصح"، وقال الرضي في (الشرح): "إذا دخلت ما على ليت جاز أن تعمل وأن تلغى، وروي قوله: قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد

стр. 84

رفعًا ونصبًا يعني: برفع الحمام على إهمال ليتما، ونصبه على إعمالها، ولم يسمع الإلغاء والإعمال عن العرب إلا مع ليتما"، وتابع الرضي شرحه فقال: "والإلغاء أكثر، لأنها تخرج بـ: ما عن الاختصاص بالجملة الاسمية، فالأولى ألا تعمل" انتهى. ولم يذكر شاهدًا واحدًا على دخول ليتما على الجملة الفعلية. ومن الضرب الثاني لتعارض العلل أيضًا: هلم، فقد ألحقها الحجازيون باسم فعل الأمر؛ لدلالتها على الأمر من غير أن تقبل علامة فعل الأمر، فلا تتصل بها نون التوكيد، وتكون بلفظ واحد للمفرد والمثنى، والجمع، والمذكر والمؤنث، وبلغتهم جاء التنزيل، وقد وردت متعدية بمعنى أحضِر، وهات، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ (الأنعام: ١٥٠)، ولازمة بمعنى: ايت، وأقبل، وتتعدى بإلى كقوله : ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ (الأحزاب: ١٨) والتميميون يُلحقونها العلامات، فهي عندهم فعل أمر فتتصل بها الضمائر على حد اتصالها بالأفعال، فيقولون: هلم، وهلمي، وهلما، وهلموا، وهلممن، على حسب نوع المخاطب وعدده استصحابًا ومراعاة لأصلها، فهي في الأصل مركبة من ها التي للتنبيه، ولُمَّ التي هي فعل أمر من قولهم: لَمَّ الله شعثه أي: جمعه، كأنه قيل: اجمع نفسك إلينا، وحذفت ألفها لكثرة الاستعمال، وهذا رأي أكثر البصريين، أو مِن هل الاستفهامية وأُمّ بضم الهمزة وشد الميم بمعنى: اقصد وهو رأي الفراء، ونسب إلى الكوفيين، والمشهور بين أهل العربية أنها بسيطة، كما نقله ابن العِلْج للبسيط، بل حكى بعضهم الإجماع على بساطتها، وفيه نظر لما علمت. هذا وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 85

الدرس: ٧ مسالك العلة .

стр. 86

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع (مسالك العلة) الإجماع الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: إن الإجماع مسلك من مسالك العلة عند علماء أصول الفقه، وعنهم أخذه النحاة. وقد ذكر السيوطي أنه إذا أجمع أهل العلم بالعربية على علة لحكم من الأحكام، كان هذا الإجماع معتبرًا واجبًا قبوله، ومثاله: إجماعهم على أن علة تقدير جميع الحركات في آخر الاسم المقصور التعذُّر، أي: لأن الألف التي في آخر المقصور مع بقائها على لينها لا تقبل الحركات أصلًا، وإجماعهم على أن علة تقدير الضمة في حالة الرفع، والكسرة في حالة الجر في الاسم المنقوص الاستثقال. فمن المعلوم أن الاسم المقصور وهو الذي ينتهي بألف لازمة قبلها فتحة لا تظهر عليه أيُّ حركة من حركات الإعراب الثلاثة، بل تُقدر جميعها على الألف، وأن الاسم المنقوص وهو الذي ينتهي بياء قبلها كسرة تظهر عليه الفتحة وحدها في حالة النص ب؛ لخفتها، وتُقدَّر على آخره الضمة والكسرة؛ إذ إن الفتحة والكسرة فيهما ثقل، وهما في حرف اللين أثقل فلما أجمع العلماء على أن تقدير الحركات في المقصور والمنقوص لعلتي التعذر والثقل؛ كان إجماعهم مسلكًا من مسالك العلة يجب قبوله، ويلزم المصير إليه. النص إن المراد به هنا أن ينصَّ العربي الفصيح على علة حكم من الأحكام، بحيث يكون كلامه صريحًا لا إشارة فيه، ولا تلميح، وهو مأخوذ من قولك: نصصت الشيء إذا رفعته وأظهرته. يقول السيوطي: "الثاني -من مسالك العلة: النص بأن ينص العربي على العلة"، ومعنى ما ذكره السيوطي أن العلة التي يصرح بها العربي فيما نطق به يجب قبولها، ولا يجوز ردُّها؛ لأنه أعلم بمراده من كلامه، وهذه ثلاثة أمثلة في كل مثال منها علة نص عليها عربي فصيح.

стр. 87

المثال الأول: قال أبو عمرو بن العلاء: "سمعت رجلًا من اليمن يقول: فلان لغوب أي: أحمق جاءته كتابي فاحتقرها، فقلت له: أتقول: جاءته كتابي؟ فقال: نعم، أليس بصحيفة"، فقد نطق العربي بعبارة يوهم ظاهرها مخالفة الصواب، والوقوع في الخطأ؛ إذ إنه عامل الكتاب -وهو لفظ مذكر- معاملة المؤنث، فأنث له الفعل جاءته، وأعاد الضمير إليه مؤنثًا احتقرها. وقد أنكر أبو عمرو بن العلاء صنيع الأعرابي، وسأله: "أتقول: جاءته كتابي؟ " وهو سؤال يُفهم منه الإنكار على الأعرابي تأنيث المذكر، فقال الأعرابي مجيبًا عما ارتكبه من التأنيث بأنه يطلق على الكتاب صحيفة فيؤنث باعتبارها؛ لأنهما بمعنًى واحد. وقد علق ابن جني على هذه القصة بقوله: "أفتراك تريد من أبي عمرو وطبقته، وقد نظروا، وتدربوا وقاسوا، وتشرفوا أن يسمعوا أعرابيًّا جافيًا غفلًا يُعلِّل هذا الموضع بهذه العلة، ويحتجُّ لتأنيث المذكر بما ذكره، فلا يهتاجوا هم لمثله، ولا يسلكوا فيه طريقته فيقول: فعلوا كذا لكذا، وصنعوا كذا لكذا، وقد شرع لهم العربي ذلك، ووقفهم على سمته وأمِّه" انتهى. والذي يرمي إليه ابن جني من تعليقه السابق هو أن العلة التي نص عليها ذلك الأعرابي تُعدُّ مسلكًا ثابتًا يجب الاعتماد عليه. والمثال الثاني عن المبرد أنه قال: "سمعت عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير يقرأ "ولا الليل سابق النهارَ" (يس: ٤٠) فقلت له: ما تريد؟ أي: ما تريد بحذف التنوين ونصب المضاف إليه، فإنه غير معروف في مشهور الكلام، قال: سابقٌ النهار يعني: بالتنوين الموجب للنصب، فقلت له: فهلا قلته؟ فقال: لو قلته لكان أوزن"، فقد قرأ القارئ بما يخالف المعهود في لسان العرب؛ لأن المعهود في هذه الآية ونحوها أمران:

стр. 88

الأول: أن ينوَّن اسم الفاعل وينصب معموله، كما يقال مثلًا: هذا ضاربٌ زيدًا، والثاني: أن يُحذف التنوين من اسم الفاعل ويجر معموله بالإضافة، فيقال مثلًا: هذا ضارب زيد، ولم يقرأ القارئ بأحد هذين الأمرين، بل حذف التنوين من سابق، ونصب النهار، فقال: "ولا الليل سابق النهار". ولما كان ما صنعه القارئ مخالفًا لمعهود الكلام العربي الفصيح أنكره عليه المبرد، فسأله مستنكرًا: "ما تريد بحذف التنوين والنصب؟ فقال: أردت سابقٌ النهار"، أي: بتنوين اسم الفاعل الموجب نصب معموله، وقد عدل القارئ عن ذلك؛ فرارًا من الثقل إلى الخفة، لأنه رأى أن التنوين أثقل على اللسان، وأشق على النفس، فعدل عنه مع نيته وتقديره، ولذلك أبقى النهار منصوبًا. ومثله قول أبي الأسود الدؤلي: فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكرِ الله إلا قليلًا بنصب لفظ الجلالة مع إسقاط التنوين من اسم الفاعل ذاكر تخفيفًا، وإن كان سيبويه قد جعل حذف التنوين في البيت المذكور للضرورة، وقيل: إن حذف التنوين في قراءة عمارة وفي البيت لغة قليلة لقوم من العرب، وعليها جاءت قراءة "قل هو الله أحدُ * الله الصمد" دون تنوين أحد. وقد علَّق ابن جني على قصة قراءة عمارة بقوله: "ففي هذه الحكاية لنا ثلاثة أغراض؛ أحدها: تصحيح قولنا: إن أصل كذا كذا، والثاني: قولنا: إنها -أي: العرب- فعلت كذا لكذا، ألا تراه إنما طلب الخفة يدل عليه قوله: لكان أوزن أي: أثقل في النفس وأقوى، من قولهم: هذا درهم وازن أي: ثقيل، ذو وزن. والثالث: أنها قد تنطق بالشيء غيره في أنفسها أقوى منه لإيثارها التخفيف" انتهى. فقوله: "تصحيح قولنا: إن أصل كذا كذا" مأخوذ من قول القارئ: "سابق النهار" بإسقاط التنوين أصله سابقٌ النهار بإثباته، وقوله: "إنها قد تنطق بالشيء

стр. 89

غيره في أنفسها أقوى منه لإيثارها التخفيف" معناه: أن الأصل قد يُخالف في لسان العرب اختيارًا للتخفيف، واختصاصًا به، وإيثارًا له. والمثال الثالث: قال سيبويه: "سمعنا بعضهم يدعو: اللهم ضبعًا وذئبًا، فقلنا له: ما أردت؟ قال: أردت اللهم اجمع فيها ضبعًا وذئبًا، كلهم يفسر ما نوى". قال ابن جني: "فهذا تصريح منهم بما ندعيه عليهم، وننسبه لهم" انتهى. أي: تصريح منهم بالعلة التي ذكرناها منسوبة إليهم، فضبعًا منصوب بفعل مضمر تقديره: اجمع أو اجعل، وقد ذكر سيبويه هذا المثال في باب ما جرى من الأمر والنهي على إضمار الفعل المستعمل إظهاره. ومن تمام الفائدة أن نذكر هنا عبارة سيبويه، فقد قال ﵀: "وهذه حجج سُمعت من العرب، وممن يُوثق به، يزعم أنه سمعها من العرب، من ذلك قول العربي في مثل من أمثالهم: اللهم ضبعًا وذئبًا، إذا كان يدعو بذلك على غنم رجل، وإذا سألتهم ما يعنون، قالوا: اللهم اجمع أو اجعل فيها ضبعًا وذئبًا، وكلهم يفسر ما ينوي" انتهى. فقوله: "يفسر ما ينوي"، أي: يعلل النصب في قوله: "ضبعًا"؛ إذ ذهب إلى أنه على إضمار فعل، ففسر ما قصد من العامل المحذوف، مع أنه لا دليل عليه في الكلام. الإيماء الإيماء في اللغة مصدر الفعل الرباعي أومأ بمعنى: أشار إشارة خفية، وقيل: إن أصله الإشارة بالشفة والحاجب، وأما عند الأصوليين فهو اقتران وصف ملفوظ بحكم، ولو مستنبطًا إلى آخر ما بسطوه. ومن سنن العرب أن تُشير إلى المعنى إشارة، وتومئ إيماء دون التصريح، والمراد به هنا: الدلالة على العلة من طريق الإشارة إليها، دون أن يكون في الكلام دلالة على المراد لا بالمنطوق، ولا بالمفهوم، ولا بالتعريض، ولا بالكناية. ويُعدُّ هذا المسلك مقابلًا لمسلك النص؛

стр. 90

إذ يكون في النص تصريح بالعلة؛ بحيث يعرفها من يسمع نص الأعرابي، وليس كذلك في الإيماء؛ إذ لا يفطن إليه إلا لبيب. وقد ذكر السيوطي ﵀ في كتاب (الاقتراح) مثالين فيهما إيماء إلى العلة وهما؛ المثال الأول: رُوي أن قومًا من العرب أتوا النبي ﷺ فقال: ((من أنتم؟ فقالوا: نحن بنو غيان. فقال: بل أنتم بنو رشدان)) فكان الاسم مشتقًّا من الغي والغواية بفتح الغين فيهما، وهو الانهماك في الجهل، والإمعان في الضلال، ولم ينطق رسول الله ﷺ بهذا الاشتقاق، بل غير الاسم إلى رشدان من الرشد، وهو ضد الغي؛ فكان تغييره دليلًا على أن الألف والنون في غيان زائدتان، وليس في اللفظ تصريح، ولا كناية، ولا تعريض يدل على زيادتهما، بل إيماء وإشارة إلى زيادتهما. وتُفهم هذه الإشارة من اشتقاقه إيَّاه من الغي. وقد علق ابن جني على هذا المثال بقوله: "أشار إلى أن الألف والنون زائدتان، وإن كان لم يتفوَّه بذلك غير أن اشتقاقه إيَّاه من الغي بمنزلة قولنا نحن: إن الألف والنون فيه زائدتان". ومعنى ما ذكره ابن جني: أن الاشتقاق من الغي دلَّ بطريق الإيماء على زيادة الألف والنون. والمثال الثاني: ما حكاه غير واحد أن الفرزدق حضر مجلس عبد الله بن أبي إسحاق، وكان عبد الله أعلم أهل البصرة وأعقلهم، وفرَّع النحو وقاسه، سُئل عنه يونس فقال: "هو والنحو سواء" فقال ابن أبي إسحاق للفرزدق: "كيف تنشد هذا البيت: وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر فقال الفرزدق: كذا أُنشد أي: كما أنشدته أنت كذلك أنشده أنا، أي: برفع فعولان، فقال ابن أبي إسحاق: ما كان عليك لو قلت: فعولين يعني: بالنصب

стр. 91

على أن الكلمة خبر كانتا؛ لأنها مثنى فعول كصبور، والمثنى يُنصب بالياء، فقال الفرزدق: لو شئت أن أسبح لسبحت، أو قال: لو شئت أن أسبِّح لسبَّحت أي: يجوز أن أسبح وهو مضارع سبح، كمنع، والمعنى عليه. لو أردت أن أخوض فيما لا يعني، وأسبح في لجة الحدس والتخمين والجهل بلا معرفة؛ لفعلت. ويجوز ضم الهمزة وشد الموحدة من التسبيح، والمعنى عليه أي: لسبحت الله تعجبًا من جهلك، فإن التسبيح يُذكر في مقامات التعجب كثيرًا. قال الفرزدق ذلك ونهض، فلم يعرف أحد في المجلس ما أراد"، أي: ما قصده من التخطئة، والتعجب من الجهل. قال ابن جني: "أي: لو نصب لأخبر أن الله خلقهما وأمرهما أن تفعلا ذلك، وإنما أراد أنهما تفعلان بالألباب ما تفعل الخمر، وقال: كان هنا تامَّة غير محتاجة إلى الخبر، فكأنه قال: وعينان قال الله: احدثا فحدثتا، أو اخرجا إلى الوجود فخرجتا" انتهى. فقد أنشد الفرزدق البيت برفع فعولان على الاستئناف وإضمار المبتدأ، والتقدير: هما فعولان بالألباب ما تفعل الخمر، والمعنى على هذا الإنشاد: أن كان في البيت تامة لا تحتاج إلى الخبر، فكأنه قال: احدثا فحدثتا، ثم استأنف قائلًا: هما تفعلان بالألباب ما تفعل الخمر، فدل الفرزدق بالإيماء على أن كان تامة، وليس في لفظه ما يدل على تمامها، لا بالمنطوق، ولا بالمفهوم، ولا بالتعريض، ولا بالكناية، ولو أنه أنشد البيت بالنصب لقال: وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولين بالألباب ما تفعل الخمر وكان المراد أنه يُخبر بأن الله خلقهما، وأمرهما أن تفعلا ذلك، وقد تعجَّب الفرزدق من قول ابن أبي إسحاق: "ما كان عليك لو قلت: فعولين"، وقام منصرفًا؛ إظهارًا للإعراض عنه، لأنه لم يرد بإنشاد البيت أن تكون كان ناقصة،

стр. 92

بل أراد تمامها، فأومأ إلى ذلك برفع فعولان، وقيل: على رواية فعولان بالرفع يجوز إعرابان؛ أحدهما: ما تقدم من جعل فعولان خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: هما فعولان، والآخر: إعراب فعولان نعتًا لعينان، والمعنى: وعينان فعولان بالألباب ما تفعل الخمر، قال الله: كونا فكانتا. وكان في كلا الوجهين تامة غير محتاجة إلى الخبر. وعلى رواية فعولين بالنصب يجوز إعرابان أيضًا، وهما: أن يكون النصب على الخبرية لكان الناقصة، أو أن يكون على القطع أي: على المفعولية لفعل محذوف تقديره: أعني، أو أمدح، أو نحو ذلك، وتكون كان تامة. السبر والتقسيم وبعض من أمثلته عند ابن جني السبر في اللغة الاختبار يقال: سبر الشيء أي: خبره، وفي حديث الغار قال أبو بكر لرسول الله ﷺ : ((لا تدخله حتى أسبره قبلك)) أي: أختبره، وأعتبره، وأنظر هل فيه أحد أو شيء يؤذي، والتقسيم: هو ذكر الأقسام المحتملة، والسبر والتقسيم مسلك من مسالك العلة عند الأصوليين، وعنهم أخذه النحاة. وقد عرفه السيوطي بقوله: "أن يذكر -أي: النحوي- جميع الوجوه المحتملة، ثم يسبرها -أي: يختبرها- فيبقي ما يصلح، وينفي ما عداه بطريقه". ويدل هذا التعريف على أن النحوي ينظر في جميع الوجوه التي يحتملها الحكم النحوي، ويختبرها جميعًا، فمنها ما يصلح ومنها ما لا يصلح، فما كان صالحًا منها أبقاه، وما كان غير صالح نفاه، وقوله: "وينفي ما عداه بطريقه": اختُلف علام يعود الضمير في قوله: "بطريقه"؟ فذهب أحد شراح (الاقتراح) إلى أن الضمير عائد على مصدر مفهوم من ينفي أي: بطريق النفي، وذهب آخر إلى أن الضمير عائد على السبر، وهو الصحيح؛ لأن المعنى يكون حينئذ: وينفي غير

стр. 93

الصالح بطريق النظر والاختبار. وتجدر الإشارة هنا إلى أمر مهم، وهو أنه إذا كان التقسيم هو ذكر الأقسام المحتملة، فليست جميع الأقسام المحتملة تصلح لأن تذكر في السبر والتقسيم، بل يجوز ذكر بعضها، ويمتنع ذكر بعضها الآخر. فالذي يُذكر هو ما كان قريبًا وحسنًا، والذي يمتنع ذكره هو ما كان بعيدًا وقبيحًا، وقد عقد ابن جني في (الخصائص) بابا عنوانه: باب في الاقتصار في التقسيم على ما يقرب ويحسن، لا على ما يبعد ويقبح. وقد بين في هذا الباب أن هناك وجوهًا لا يجوز ذكرها في التقسيم لبعدها، ومثَّل لذلك بأمثلة عدة منها: وزن عصي، فذكر أنه يُحتمل أن يكون على وزن فُعُول، أو فعِيل، أو فلِيع، أو فعلٍّ، ومنع أن يكون في التقسيم فعليٌ أي: بكسر الفاء والعين وسكون اللام، وإنما أجاز الأوزان السابقة؛ لأن لها وجودًا في لسان العرب، ففعول كدلي، وفعيل كشعير وبعير، وفليع كقسي، وأصلها فعول قووس، فغُيرت إلى قسو، فلوع، ثم إلى قسي فلي، وفِعِل كطِمِر، وهو وصف الفرس الجواد، ومنع وزن فعلي؛ لأنه ليس في لسان العرب هذا الوزن، ولا ما هو قريب منه إلا أن تقول: إنها مقاربة لطمر. ونذكر الأمثلة التي ذكرها السيوطي في كتاب (الاقتراح): المثال الأول: قال ابن جني: "وذلك كأن تقسم نحو: مروان إلى ما يحتمل حاله من التمثيل له فتقول: لا يخلو من أن يكون فعلان، أو مفعالًا أو فعوالًا، فهذا ما يبيحك التمثيل في بابه أي: ما يحتمله فيفسد كونه مفعالًا أي: بزيادة الميم في أوله والألف قبل آخره، أو فعوالًا أي: بزيادة الواو والألف أنهما مثالان لم يجيئا، فلم يبقَ إلا فعلان" انتهى. ومعنى ما نقله السيوطي عن ابن جني: أن مروان يحتمل في وزنه أن يكون فعلان بزيادة الألف والنون، فأصله مرو فالميم والراء

стр. 94

والواو أصول، ويُحتمل أن يكون وزنه مفعالًا فأصله رون، والميم زائدة في أوله، والألف زائدة قبل اللام، والراء والواو والنون أصول، ويُحتمل أن يكون وزنه فعوالًا بزيادة الواو والألف، فأصله مرن فالميم والراء والنون أصول". وبعد أن ذكر ابن جني ما يحتمله اللفظ من أوزان بين أن بعض هذه الأوزان لا يصلح، فيجب نفيه، وأن أحدها يصلح فيبقى، فلا يصلح أن يكون وزنه مفعالًا ولا فعوالًا؛ لأنهما بناءان والصيغتان لم يجيئا، ولم يثبتا عن العرب، فلم يبقَ إلا أن يكون مروان على وزن فعلان، ويدل على أن هذا الوزن هو الصحيح اطراد هذا الوزن في بعض الأوصاف، كما في سكران، وشبعان، وجوعان، وعطشان، ونحوها. ثم بين ابن جني ﵀ أن هناك أربعة أوزان أخرى لا يجوز ذكرها في التقسيم، وهي مفلان، ومفوال، وفعوان، ومفوان، فلا يجوز أن نقول: إن مروان يُحتمل أن يكون وزنه أحد هذه الأوزان، وعلة امتناع ذكرها في التقسيم أنها غير موجودة في لسان العرب، فإن قيل: إن فعوالًا ومفعالًا غير موجودين أيضًا، وقد ذُكرا في التقسيم فما الفرق؟ أجيب: بأن فعوالًا ومفعالًا وإن كانا غير موجودين في لسان العرب، فإن في لسان العرب ما هو قريب منهما، فمفعال بفتح الميم قريب من مفعال بكسرها، وفعوال بفتح الفاء قريب من كسرها قيل: وإنما كان الكسر قريبا من الفتح لتوسطه بينه وبين الضم، ولأنهم حملوا الجر على النصب، وبالعكس؛ لأن كلًّا منهما من إعراب الفضلات، ولم يحملوا على الرفع، لأنه إعراب العمد، بخلاف الأوزان الأخرى، فليس لها نظير، ولا قريب مما له نظير. وذكر ابن جني أنه ليس لك أن تقول في تمثيله: لا يخلو أن يكون مفلان، أو مفوالًا، أو فعوان، أو مفوان، أو نحو ذلك؛ لأن هذه ونحوها إنما هي أمثلة ليست موجودة أصلًا، ولا قريبة من

стр. 95

الموجودة كقرب فعوال ومفعال من الأمثلة الموجودة، ألا ترى أن فعوالًا أخت فعوال، كقرواش، وهو طفيلي والعظيم الرأس، واسم ناس من العرب، وأخت فعوال كعصواد، ومن معانيه الجلبة والاختلاط. وأن مفعالًا أخت مفعال كمحراب، وأن كل واحد من مفلان ومفوان وفعوان لا يقرب منه شيء من أمثلة كلامهم. والمثال الثاني: ذكر ابن جني أنك تقول في تمثيل أيمن من قوله: "يبري لها من أيمن وأشمل"، لا يخلو أن يكون أفعلًا أو فعلنًا أو أيفلًا أو فيعلًا، فيجوز هذا كله؛ لأن بعضه له نظير، وبعضه قريب مما له نظير، ألا ترى أن أفعلًا كثير النظير كأكلب وأفرخ، ونحو ذلك، وأن أيفلًا له نظير، وهو أينق في أحد قولي سيبويه، وهو أن الأصل أنوق في جمع ناقة، ثم حُذفت العين التي هي الواو، وعُوِّض منها الياء قبل الفعل، فالوزن أيفل. والقول الآخر لسيبويه أن العين قُلبت إلى ما قبل الفاء فصارت في التقدير: أونقًا، ثم أبدلت الواو ياء؛ لأنها كما أعلت بالقلب أعلت كذلك بالإبدال، فالوزن أعفل، وأن فعلنًا يقارب أمثلتهم نحو: جلبن وهي الحمقاء، وعلجن وهي الناقة الغليظة، وأن فيعلًا أخت فيعل كصيرف، وفيعل كسيد، ومعنى ما ذكره ابن جني أن أيمنًا يحتمل أن يكون وزنه أفعلًا على أنه جمع يمين، وأن يكون وزنه فعلنًا بزيادة النون في آخره وأصالة ما عداه، وأن يكون وزنه أيفلًا بحذف العين من الكلمة وزيادة الألف والياء في أوله، وأن يكون وزنه فيعلًا بزيادة الياء بعد الفاء، وتكون الألف أصلية. وإذا كان هذا اللفظ تحتمله جميع هذه الأوزان؛ فإن وزنه هو الأول، وهو أفعل؛ لأنه كثير نحو: أكلب. بل ذكر صاحب (الفيض) في (شرح الاقتراح) أن هذا الوزن هو المتعين، وأن ما عداه من الأوزان التي أوردها احتمال غير صحيح

стр. 96

وغير محتمل، لما فيه من البعد، ولتأييد أن أيمنًا -وهو جمع يمين- على أفعل وقوعه في مقابلة أشمل الذي هو جمع شمال. على أن ابن جني قد ذكر أوزانًا استبعدها من التقسيم، وهي أيفع، وفعمل، وأيفم؛ لأنها أوزان ليست في لسان العرب، ولا قريبة مما في لسان العرب. أمثلة السبر والتقسيم عند أبي البقاء، وابن فلاح نقل السيوطي في (الاقتراح) عن كتاب (التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين) لأبي البقاء العكبري، المتوفى سنة ست عشرة بعد الستمائة من الهجرة أن الدليل على أن نعم وبئس فعلان السبر والتقسيم، وذلك أنهما ليسا حرفين بالإجماع، وقد دلَّ الدليل على أنهما ليسا اسمين أي: وإن دخل عليهما الجار في شذوذ من الكلام، كما استدل به الكوفيون ما عدا الكسائي باسميتهما بذلك، فلا يُعتد به، والدليل على فعليتهما وجهان؛ أحدهما: بناؤهما على الفتح، ولا سبب لهما أي: للبناء لو كانا اسمين؛ لأن الاسم إنما يُبنى إذا أشبه الحرف، ولا مشابهة بين نعم وبئس وبين الحرف، فلو كانتا اسمين لأعربتا أي: لأن ذلك هو شأن الأسماء التي لا شبه لها بالحروف. والثاني: أن كل واحدة منهما لو كانت اسمًا لكانت إما اسمًا جامدًا أو وصفًا، ولا سبيل إلى اعتقاد الجمود في أيٍّ منهما؛ لأن وجه الاشتقاق فيهما ظاهر، لأنهما من نعم الرجل إذا أصاب نعمة، والمنعَم عليه يُمدح، ولا يجوز أن يكون أيٌّ منهما وصفًا؛ إذ لو كانت أي منهما كذلك لظهر الموصوف معها، وهو لم

стр. 97

يظهر أصلًا، ولأن الصفة ليست على هذا البناء، وإذا بطل كونها حرفًا وكونها اسمًا؛ ثبت أنها فعل. انتهى. أي: وإنما يدل بطلان كونهما حرفين أو اسمين على ثبوت كونهما فعلين، لأن أنواع الكلمة منحصرة في الأنواع الثلاثة بالاستقراء، ويدل على فعليتهما مع ذلك اتصال تاء التأنيث بهما. أما ادعاء اسميتهما بدليل دخول حرف الجر عليهما، فيما حكى أبو بكر بن الأنباري عن أبي العباس أحمد بن ثعلب عن سلمة، عن الفراء أن أعرابيًّا بُشر بمولودة فقيل له: نعم المولودة مولودتك، فقال: والله ما هي بنعم المولودة، نصرتها بكاء، وبرها سرقة. وحُكي عن بعض فصحاء العرب أنه قال: نِعْم السير على بئس العير، فقد أوَّلوه بأن الحكاية فيه مقدرة، وحرف الجر يدخل مع تقدير الحكاية على ما لا شبهة في فعليته، فالتقدير: والله ما هي بمولودة مقول فيها: نعم المولودة، ونعم السير على عير مقول فيه: بئس العير. إلا أنهم حذفوا الموصوف وأقاموا الصفة مقامه، فصار التقدير: ما هي بمقول فيها نعم المولودة، ونعم السير على مقول فيه بئس العير. ثم حذفوا الصفة التي هي مقول، وأقاموا المحكي بها مقامها؛ لأن القول يُحذف كثيرًا كما يُذكر كثيرًا، فدخل حرف الجر على الفعل لفظًا، وإن كان داخلًا على غيره تقديرًا، كما هو مبسوط في محله. فقد أثبت العكبري أن نعم وبئس فعلان بطريق السبر والتقسيم، فذكر أنهما ليسا حرفين بإجماع النحاة؛ فالخلاف بين النحاة منحصر في قولين؛ أحدهما: أنهما اسمان، والآخر: أنهما فعلان، يبطل أن يكونا اسمين؛ لأنهما مبنيان على الفتح، ولا سبب للبناء؛ إذ لا مشابهة بينهما وبين الحرف، ولا يُبنى من الأسماء إلا ما أشبه الحرف عند أكثر النحويين، يقول ابن مالك ﵀ في ألفيته: والاسم منه معرب ومبني ... لشبه من الحروف مدني

стр. 98

ولما انتفت المشابهة بين الحرف، ونعم وبئس، لم يكن هناك ما يقتضي البناء، فبطل أن يكونا اسمين. ومما ينفي القول باسميتهما أن الاسم إما جامد أو وصف، ولا يتصوَّر الجمود في نعم وبئس؛ لأن اشتقاقهما ظاهر، ولا يتصور أيضًا أن يكونا وصفين؛ إذ لو كانا كذلك لظهر الموصوف، فإذا بطل كونهما اسمين، وكونهما حرفين؛ تعين أن يكونا فعلين، لأن أنواع الكلمة منحصرة في هذه الثلاثة بالاستقراء. ويدل على فعلية نعم وبئس، كما جاء في (الإنصاف في مسائل الخلاف) اتصال ضمير الرفع بهما على حد اتصاله بالفعل المتصرف، فإنه قد جاء عن العرب أنهم قالوا: نعما رجلين، ونعموا رجالًا، كما حكى ذلك الكسائي، واتصال تاء التأنيث الساكنة نحو: نعمت المرأة هند، وبئست المرأة دعد، وهذه التاء يختص بها الفعل الماضي لا تتعداه، ولا تجاوزه، فلا يجوز الحكم باسمية ما اتصلت به. كما نقل السيوطي عن كتاب (المغني) لابن فلاح، وهو منصور بن محمد بن سليمان بن معمر اليمني، الشيخ تقي الدين أبو الخير المشهور بابن فلاح النحوي، نقل عنه السيوطي أن الدليل على أن كيف اسم هو السبر والتقسيم، فنقول: لا يجوز أن تكون حرفًا لحصول الفائدة منها مع الاسم، وليس ذلك لغير حرف النداء، ولا يجوز أن تكون فعلًا؛ لأن الفعل يليها بلا فاصل نحو: كيف تصنع، فيلزم أن يكون اسمًا؛ لأنه الأصل في الإفادة. فقد استدل ابن فلاح على اسمية كيف بطريق السبر والتقسيم، بأن ذكر الأوجه المحتملة، ثم اختبرها، فأبقى ما كان صالحًا، ونفى ما عداه؛ فبين أنه لا يجوز: أن تكون كيف حرفًا، بحصول الفائدة فيها مع الاسم نحو: كيف زيد، فكيف خبر

стр. 99

مقدم لصدارته، وزيد مبتدأ مؤخر، فقد أتمت كيف معنى يحسن السكوت عليه، فبطل أن تكون حرفًا؛ لأن حصول الفائدة من الاسم والحرف لا يكون لغير حرف النداء؛ إذ يقوم حرف النداء مقام الفعل كما سبق بيانه، ولا يجوز أن تكون كيف فعلًا؛ لأن الفعل يليها من غير فاصل نحو: كيف تصنع، والفعل لا يلي الفعل بفاعل يكون فاصلًا، فلما انتفى أن تكون كيف حرفًا، أو فعلًا؛ تعيَّن القول باسميتها. ومن تمام الفائدة أن نذكر أن كيف اسم استفهام يُستفهم به عن كل حال؛ لأن الأحوال أكثر من أن يُحاط بها، فجاءوا بكيف اسمًا مبهمًا يتضمن جميع الأحوال. وإذا تأملنا الأمثلة السابقة وجدنا في كل منها ذكرًا للأقسام المحتملة، وإبطالًا لما لا يصلح منها، وإبقاء لما يصلح، ويُعد هذا أحد قسمين ذكرهما السيوطي نقلًا عن الأنباري. هذا والله ولي التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 100

الدرس: ٨ العلة في ضوء ما ورد في كتاب (الاقتراح) للسيوطي .

стр. 101

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن (العلة في ضوء ما ورد في كتاب (الاقتراح) للسيوطي) مسلك التقسيم عند أبي البركات الأنباري الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: خصص الأنباري الفصل الرابع والعشرين من فصول (لمع الأدلة) للحديث عن ذكر ما يُلحق بالقياس من وجوه الاستدلال، موضحًا في بداية هذا الفصل أن أنواع الاستدلال كثيرة تخرج عن حد الحصر، وأنه سيذكر في هذا الفصل ما يكثر التمسك به، وأورد أمورًا أربعة مما يُلحق بالقياس، جاعلًا في مقدمتها التقسيم، ثم ذكر أن الاستدلال بالتقسيم ضربان؛ أحدهما: أن يذكر المستدل الأقسام التي يجوز عقلًا أن يتعلق الحكم بها، فيبطلها جميعًا، فيبطل بذلك قوله: أي: قول المثبت للحكم المتعلق بها في ضمن ما أبطله من الأقسام. ومثال ذلك: حكم دخول اللام في خبر لكنَّ المشددة النون، قياسًا على أختها إن، فقد ذهب الكوفيون إلى جوازه؛ احتجاجًا بقول بعض العرب: ولكنني من حبها لعميد وهذا الذي أجازه الكوفيون يبطل بطريق السبر والتقسيم، إذ يقال: إن هذه اللام الداخلة على خبر لكن، إما أن تكون لام التوكيد أو لام القسم. ولا يجوز أن تكون هذه اللام للتوكيد؛ لأن لام التوكيد إنما حسن دخولها على خبر إن لاتفاقهما في معنًى واحد وهو التأكيد، ولذا وجب تأخير اللام عن إن ودخولها على الخبر؛ لئلا يتوالى مؤكدان. ومن ثمَّ سُميت المزحلقة أي: التي زحلقت إلى موضع الخبر، وتدخل على الاسم إذا تأخر كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ (النازعات: ٢٦) ونحوه. ولكنّ ليست للتأكيد، لأنها ليس فيها توكيد، ولا هي موضوعة له؛ فبطل أن تكون اللام الداخلة في خبرها للتأكيد. كما يبطل أن تكون اللام للقسم؛ لأن إن واللام بينهما مناسبة، وهي وقوع كل منهما في

стр. 102

جواب القسم، فمن وقوع إن في جواب القسم قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (يس: ٣) جوابًا لقوله : ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ (يس: ١، ٢). ولمَّا لم يجز وقوع لكن في جواب القسم امتنع أن تكون اللام للقسم، وإذا بطل أن تكون اللام للتوكيد وأن تكون للقسم؛ تعين بطلان الحكم نفسه، وهو دخول اللام في خبر لكن. وأما قول الشاعر: ولكنني من حبها لعميد فلا حجة فيه لشذوذه، إذ لا يعلم له تتمة، ولا قائل، ولا راوٍ عدل يقول: سمعت ممن يوثق بعربيته، والاستدلال بما هو هكذا في غاية الضعف، ولهذا لا يكاد يُعرف له نظير في كلام العرب وأشعارهم. ولو كان قياسًا مطردًا لكان ينبغي أن يكثر في كلامهم وأشعارهم كما جاء في خبر إن، وفي عدم ذلك دليل على أنه شاذ لا يُقاس عليه. وقد أورد أبو البركات الأنباري هذه المسألة في كتابه (الإنصاف في مسائل الخلاف)، وأوضح أن الكوفيين ذهبوا إلى أنه يجوز دخول اللام في خبر لكن، كما يجوز في خبر إن نحو: ما قام زيد لكن عمروًا لقائم، وذهب البصريون إلى أن ذلك لا يجوز، وأن الكوفيين قد احتجوا على ذلك بالنقل والقياس. أما النقل -أي: السماع- فقد جاء عن العرب إدخال اللام على خبرها، قال الشاعر: ولكنني من حبها لكميد وقد ذكر محقق (الإنصاف) شيخنا المرحوم محمد محيي الدين عبد الحميد -طيب الله ثراه- في تعليقه على هذا الشاهد أن أكثر العلماء الذين استشهدوا به ينصون على أنه لا يعلم قائله، ولا تعرف له تتمة، ولا سوابق أو لواحق، إلا ابن عقيل، فإنه رواه بيتًا كاملًا من غير عزو هكذا:

стр. 103

يلومونني في حب ليلى عواذلي ... ولكنني من حبها لعميد وأما حجة الكوفيين القياسية فهي كما ذكر الأنباري أن الأصل في لكن إن، زيدت عليها لا والكاف فصارتا أي: إن والزيادة جميعًا حرفًا واحدًا. وقد ردَّ البصريون حجة الكوفيين السماعية بما ذكره في (لمع الأدلة)، وقد أوردناه فيما سبق، وأجابوا عن الحجة القياسية بأنها مجرد دعوى من غير دليل ولا معنى. والثاني من ضربي التقسيم: أن تُذكر الأقسام التي يجوز أن يتعلق الحكم بها، فيبطلها المستدل إلا الذي يتعلق الحكم به من جهته فيصح قوله. ومن ذلك عامل النصب في المستثنى الموجب أي: الثابت، ويلزم كونه تامًّا كما يدل له مثاله الذي أورده في (لمع الأدلة)، وهو نحو: قام القوم إلا زيدًا، فقد اختلف فيه على أربعة أقوال؛ الأول: أن عامل النصب هو الفعل المتقدم بتقوية إلا. والثاني: أن عامل النصب هو إلا نفسها؛ لأنها بمعنى أستثني. والثالث: أن عامل النصب هو إلا نفسها؛ لأنها مركبة من إن المخففة أي: المكسورة ولا، وأدغمت النون في اللام لتقاربهما مخرجًا. والرابع: أن عامل النصب هو أن المقدرة، إذ التقدير فيه: قام القوم إلا أن زيدًا لم يقم. فهذه الأقسام الأربعة المحتملة، فمنها ثلاثة تبطل ولا يصح تعلق الحكم بها، ويبقى واحد وهو الصحيح الذي يتعلق الحكم به من جهته. فالقول الثاني وهو أن عامل النصب في المستثنى هو إلا؛ لأنها بمعنى أستثني مردود من أربع جهات؛ الأولى: نحو: قام القوم غير زيد، فلو كان النصب بإلا التي بمعنى أستثني؛ لكان التقدير: إلا غير زيد، وهذا يؤدي إلى فساد المعنى.

стр. 104

والثانية: لو كان عامل النصب إلا بمعنى أستثني؛ لوجب النصب في النفي كما يجب في الإيجاب، لأن فيه أيضًا معنى أستثني، وذلك نحو: ما قام القوم إلا زيد أو إلا زيدًا. ولما كان المستثنى في النفي يجوز فيه النصب على الاستثناء، ويجوز فيه الإتباع على البدلية؛ دلَّ ذلك على أن إلا ليست هي عامل النصب. والثالثة: أنه لو كان عامل النصب إلا التي بمعنى أستثني؛ لأدى ذلك إلى إعمال معنى الحرف، وذلك لا يجوز. والرابعة: أنه لو كان عامل النصب إلا لأنها بمعنى أستثني؛ لجاز الرفع بتقدير امتنع أي: بصيغة الماضي، فيحتاج لفاعل هو ذلك المستثنى، فنحو: قام القوم إلا زيدًا، لو قدر فيه امتنع؛ لوجب رفع زيد، لأن الفعل ماض يحتاج إلى فاعل. وقد استوى أستثني وامتنع لاستقامة المعنى مع كل منهما، فلا يجوز ترجيح أحدهما على الآخر؛ إذ ترجيح أحدهما على الآخر مع كون المعنى مع كل منهما مستقيمًا ظاهرًا ضرب من ضروب التحكم. كما أورد ذلك عضد الدولة، وهو أحد أمراء بني بويه على أبي علي الفارسي، وكان معه يومًا في الميدان، فسأل عضد الدولة الفارسي: "بِمَ ينتصب المستثنى؟ فقال له الفارسي: بتقدير أستثني. فقال له: لم قدرت: أستثني فنصبت، هلَّا قدرت امتنع زيد فرفعت؟ فقال الفارسي معتذرًا: هذا جواب ميداني أي: ذكرته في عجالة. فإذا رجعت قلت الجواب الصحيح"، والذي اختاره أبو علي الفارسي في (الإيضاح) أنه منتصب بالفعل المقدم بتقوية إلا. فهذه أربع جهات تبطل القول بأن عامل النصب هو إلا لأنها بمعنى أستثني. كما بطل أيضًا القول الثالث وهو أن عامل النصب إلا؛ لأنها مركبة من إن المخففة ولا، والذي يبطل هذا القول أن فيه إعمال إن المخففة، وإن إذا خففت

стр. 105

قل عملها جدًّا، وكان الأكثر إهمالها. كما يبطله أن الحرف إذا رُكب مع حرف آخر خرج كل منهما عن حكمه، وثبت للمركب بالتركيب حكم آخر غير الحكم الذي كان لأجزائه التي رُكب منها. والقول الرابع: وهو أن عامل النصب هو أن المقدرة قول مردود كذلك؛ إذ يبطله أن أن لا تعمل مقدرة، وإنما تعمل ظاهرة، وإذا بطلت هذه الآراء الثلاثة؛ تعين القول الأول، وهو أن عامل النصب في المستثنى هو الفعل المتقدم بتقوية إلا، ويدل على صحة هذا القول أن أصل العمل يكون للفعل إلا أن الفعل لا يصل إلى المعمول بنفسه، وإنما يصل بإلا، فكان الفعل هو العامل لكن بواسطتها، ويشهد لصحة هذا القول وجود النظير، وهو عامل النصب في المفعول معه؛ فإنه الفعل المتقدم بواسطة الواو على الرأي الراجح من آراء النحويين. وخلاصة ما سبق: أن السبر والتقسيم مسلك من مسالك العلة عند النحويين، وأن الأقسام المحتمل منها ما يصلح فيبقى، وما لا يصلح فينفى. مسلك المناسبة المسلك الخامس من مسالك العلة طبقًا لما ورد في (الاقتراح) هو المناسبة، وقد ذكر السيوطي أن المناسبة تسمى أيضًا الإخالة؛ لأن بها يُخال -أي: يظن- أن الوصف علة، ويسمى قياسها قياس علة. قال ابن الطيب في (الفيض): "قوله: الإخالة بالخاء المعجمة، كأنه مصدر أخاله أي: صيره خائلًا أي: ظانًا كما أشار إليه"، انتهى. ومعنى ما ذكره السيوطي وابن الطيب أن هذا المسلك طريقه غلبة الظن والإخالة، وأن المتكلم بالعلة قد سلك إلى الوصول إليها طريق القياس على الأصل، وقد غلب على ظنه أنها العلة للحكم في الفرع المسئول عنه، ومن هنا كان قياسها كما قال السيوطي قياس علة.

стр. 106

وقد عرف السيوطي تبعًا لأبي البركات الأنباري هذا القياس بأنه حملُ الفرع على الأصل بالعلة التي عُلِّق عليها الحكم في الأصل، ومثَّل له بحمل ما لم يُسمَّ فاعله، وهو النائب عن الفاعل في الرفع بعلة الإسناد، وبحمل المضارع يعني: عند خلوه من نوني التوكيد والنسوة على الاسم في الإعراب بعلة اعتوار أي: توارد المعاني عليه. وذكر الأنباري في الفصل الرابع عشر من (لمع الأدلة) أنه يُستدل على صحة العلة بشيئين: التأثير وشهادة الأصول، فأما التأثير فهو وجود الحكم لوجود العلة، وزواله لزوالها، وذلك مثل: أن يُدل على بناء الغايات كقبل وبعد على الضم باقتطاعها عن الإضافة، فإذا طولب المستدل بالدليل على صحة العلة قال: الدليل على صحتها التأثير، وهو وجود الحكم لوجودها، وهو البناء، وعدمه لعدمها. ألا ترى أنها قبل اقتطاعها -يعني: عن الإضافة- كانت معربة، فلما اقتطعت عن الإضافة صارت مبنية. وأما شهادة الأصول بصحة العلة فمثل: أن يدل على بناء كيف، وأين، وأيان، ومتى؛ لتضمنها معنى الحرف، فإذا طولب المستدل بصحة هذه العلة قال: الدليل على صحة هذه العلة أن الأصول تشهد وتدل على أن كل اسم تضمن معنى الحرف؛ وجب أن يكون مبنيًّا، فإن قيل: ومن أين زعمتم أن الأصول تشهد أن كل اسم تضمن معنى الحرف وجب أن يُبنى؟ وقد أعربوا أيًّا مع تضمن معنى حرف الاستفهام كما تضمنت كيف وأخواتها؟ قيل: إنما بقوا أيًّا وحدها على إعرابها مع تضمن معنى الحرف؛ تنبيهًا على أن الأصل في الأسماء الإعراب، كما أنهم بقَّوا الفعل المضارع إذا اتصلت به نون التوكيد مع مشابهة الاسم الموجبة للإعراب على البناء، تنبيهًا على أن الأصل في الأفعال البناء، على أنهم قد قالوا: إنما أعربوها أي: أعربوا أيًّا حملًا على نظيرها ونقيضها، فنظيرها جزء، ونقيضها كل، وبنوا الفعل المضارع إذا اتصلت به نون التوكيد؛

стр. 107

لأن نون التوكيد أكدت فيه الفعلية، فردته إلى أصله وهو البناء على أن أيًّا جاءت شاذة في بابها، والشواذ لا تورد نقضًا على القواعد المطردة. ألا ترى أن الأصل في كل واوٍ تحركت وانفتح ما قبلها أن تُقلب ألفًا نحو: باب، ودار، وعصا، وقفا، والأصل فيها: بوب، ودور، وعصو، وقفو، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قُلبت ألفًا. ولا يجوز أن يورد -يعني: أن يدخل في هذا الباب- القود والحوكة أيضًا؛ لشذوذه في بابه، فكذلك هنا، وأورد السيوطي ما ذكره أبو البركات الأنباري في الفصل الحادي والعشرين من (لمع الأدلة) من حديث عن اختلاف العلماء في وجوب إبراز المستدل وجه المناسبة والإخالة، وإظهارها عند مطالبة الخصم بذلك، أو عدم وجوب ذلك قال الأنباري: "اعلم أن العلماء اختلفوا في ذلك" يعني: في إبراز الإخالة والمناسبة عند المطالبة، وأوضح الأنباري أن العلماء قد انقسموا إزاء ذلك قسمين: فذهب قوم إلى أنه لا يجب إبراز الإخالة، وذهب آخرون إلى وجوب إبرازها، ولكل حجته ودليله، وقد بدأ أبو البركات الأنباري بسوق حكم القائلين بعدم الوجوب، وحجتهم، فذكر أن قومًا قالوا: لا يجب أي: لا يجب على المستدل إبراز المناسبة عند مطالبة خصمه بذلك، كأن يستدل المستدل على جواز تقديم خبر كان عليها فيقول: هي -أي: كان- فعل متصرف، فجاز تقديمه -أي: تقديم الخبر- عليها قياسًا على سائر الأفعال المتصرفة أي: في جواز تقديم مفعولاتها عليها لقوتها بالتصرف. فإذا طالبه الخصم بوجه الإخالة والمناسبة بين كان وباقي الأفعال المتصرفة حتى يسوغ هذا الحمل، فلا يجب عليه إبراز ذلك. واستُدلَّ على عدم وجوب ذلك بأن المستدل أتى بالدليل بأركانه التي أثبتها علماء أصول النحو، وهي الأصل،

стр. 108

والفرع، والعلة الجامعة، فلا يبقى عليه إلا الإتيان بوجه الشرط، وهو الإخالة، وليس على المستدل بيان الشرط؛ بل يجب على المعترض بيان عدم الإخالة التي هي الشرط لصحة القياس. وذلك بأن يأتي بما يمنع المناسبة بين الحكم والوصف، ولو كلفنا المستدل أن يذكر الأسئلة، لكلفناه أن يستقلَّ بالمناظرة وحده، وأن يورد الأسئلة ويجيب عنها، وذلك لا يجوز؛ لأنه إلزام بما لا يتوقف عليه القياس. وذهب قوم آخرون إلى وجوب إبراز الإخالة والمناسبة بين الأصل والفرع، وحجتهم في ذلك أن الدليل إنما يكون دليلًا إذا ارتبط به الحكم وتعلق به، وإنما يكون مرتبطًا ومتعلقًا به إذا بان وجه الإخالة، قال أبو البركات الأنباري معقبًا على رأي القائلين بوجوب إبراز الإخالة بحجة أن عدم وجوبها يُزيل الارتباط بين الدليل والحكم: "وأجيب بوجود الارتباط -يعني: بين الدليل والحكم- فإنه قد صرح بالحكم، فصار -أي: الحكم- بمنزلة ما قامت عليه البينة بعد الدعوى، فأما المطالبة بوجه الإخالة والمناسبة فمنزلة عدالة الشهود، فلا يجب ذلك على المدعي أي: لأنه عليه إحضار الشهود لا القدح فيهم، ولكن على الخصم أن يقدح في الشهود أي: فإذا قدح الخصم في الشهود فعلى المدعي حينئذ تزكيتهم، وإظهار عدالتهم. فكذلك لا يجب على المستدل إبراز الإخالة، وإنما على المعترض أن يقدح". انتهى ما أورده الأنباري من اختلاف العلماء في وجوب إبراز المناسبة، أو عدم وجوب ذلك. ونحن نلحظ أن الأنباري قد رجح في هذا الخلاف الرأي الذي صدر به المسألة، وهو رأي القائلين بعدم الوجوب، وختم الخلاف بالرد على حجة القائلين بالوجوب، ففندها، وأيَّد رأي مخالفيهم وما ذهب إليه هو الصواب.

стр. 109

قياس الشبه هذا المسلك هو السادس من مسالك العلة، وقد نقله السيوطي في (الاقتراح) ملخصًا عن كتاب (لمع الأدلة)، الفصل الخامس عشر؛ حيث بدأه أبو البركات الأنباري بتعريفه فقال: "اعلم أن قياس الشبه أن يُحمل الفرع على الأصل بضرب من الشبه، غير العلة التي عُلق عليها الحكم في الأصل"، وبهذا التعريف علمنا من بداية الأمر أن بين مسلك المناسبة والإخالة، وبين مسلك قياس الشبه اتفاقًا وافتراقًا، فأما الاتفاق بينهما فمن جهة أن كليهما حمل الفرع على الأصل، وأما الافتراق فلأن العلة التي في الفرع هي عين العلة التي عُلق عليها الحكم في الأصل في المناسبة والإخالة، أما في قياس الشبه فالعلة التي في الفرع غير العلة التي عُلق عليها الحكم في الأصل، وإنما هي بضرب من الشبه، وذلك مثل أن يُدل على إعراب الفعل المضارع أي: حملًا على إعراب الاسم الثابت بعلة المناسبة والإخالة، بأنه يتخصص بزمن معين بعد أن كان شائعًا في زمني الحال والاستقبال، ويخصص لأحدهما بالقرينة. قال الأنباري: "وبيان ذلك أنك تقول: يقوم فيصلح للحال والاستقبال، فإذا أدخلت عليه السين اختص بالاستقبال، كما أنك تقول: رجل، فيصلح لجميع الرجال، فإذا أدخلت عليه الألف واللام فقلت: الرجل اختص برجل بعينه، فلما اختص هذا الفعل بعد شياعه، كما كان الاسم يختص بعد شياعه؛ فقد شابه الاسم، والاسم معرب، فكذلك ما شابهه أي: أن الفعل المضارع يدل على حدث شائع في زمنين هما الحال والاستقبال، وصالح لأن يتخصص لأحدهما بالقرينة ككلمة الآن، التي تخصصه للحال وما في معناها، ولام

стр. 110

الابتداء، ونفيه بليس أو ما، أو إن، أو ككلمة غد التي تخصصه للمستقبل، ومثلها بقية ظروف المستقبل ونواصب المضارع، واقتضاؤه طلبًا أو وعدًا، وسبقه بأداة ترج، أو سبقه بلو المصدرية، أو حرف تنفيس، واتصاله بنون التوكيد. كما أن الاسم يتخصص بعد شياعه أي: فإنه يكون شائعًا كرجل، ثم يتخصص بقرينة كالوصف، والألف واللام، والإضافة فيصير معينًا، فقد شابه الفعل المضارع الاسم في الشياع وصلاحية التخصص، فكان معربًا كالاسم لذلك. والعلة الجامعة بين الفرع والأصل في هذا القياس هي الاختصاص بعد الشياع، أو أن يدل على إعراب المضارع بأنه يدخل عليه لام الابتداء كقوله : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل: ١٢٤) فكان معربًا كالاسم لذلك"، قال الأنباري: "أو أن يدل على إعرابه بأن تدخل عليه لام الابتداء كما تدخل على الاسم، والاسم معرب، فكذلك هذا الفعل" وبيانه أنك تقول: إن زيدًا لا يقوم، كما تقول: إن زيدًا لقائم، وقائم معرب، فكذلك ما قام مقامه. والعلة الجامعة بين الفرع والأصل في هذا القياس هي دخول لام الابتداء عليه، أو أن يُدل على إعراب المضارع بجريانه على لفظ اسم الفاعل في مطلق الحركات والسكون، وعدد الحروف، وتعيين الأصول والزوائد، كما في يضرب وضارب، ويكرم ومكرم، وينطلق ومنطلق، ويستخرج ومستخرج. فكذلك كان الفعل المضارع مضارعًا أي: مشابهًا للاسم في هذه الأشياء، فكان معربًا، والعلة الجامعة بين الفرع والأصل في هذا القياس هي جريانه على الاسم المعرب في حركاته وسكناته. وختم الأنباري هذا الفصل بذكره أن قياس الشبه قياس صحيح يجوز التمسك به في الأصح كقياس العلة أي: كقياس المناسبة، لأن كلا القياسين يوجبان غلبة
следующие страницы →