Полный текст (294 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
المعارضة
من القوادح في العلة: المعارضة، ومعنى المعارضة كما قال الأنباري في (جدل الإعراب) و (لمع الأدلة) ونقله عنه السيوطي في (الاقتراح): "أن يعارض المستدل بعلة مبتدأة، أي: أن يعارض الخصم المستدل بعلة مستأنفة تقتضي خلاف مقتضى علة المستدل". وأوضح الأنباري أن العلماء قد اختلفوا في قبول المعارضة، فقال: "والأكثرون على قبولها؛ لأنها دفعت العلة أي: لأنها ردت العلة الأولى وعارضتها، وقيل: لا تقبل؛ لأنها تَصَدٍّ لمنصب الاستدلال، وذلك رتبة المسئول لا السائل، أي: وذهب بعض العلماء إلى عدم قبول المعارضة؛ لأنها تصد لمنصب الاستدلال. والتصدي معناه التعرض، وهو مصدر تصدى إليه أي: تعرض له أي: وإقامة الدليل منصب المستدل وهو المسئول لا منصب المعترض وهو السائل، ومنصب المعترض ووظيفته إنما هو منع دليل المستدل لا إقامة دليل".
قال الأنباري في (لمع الأدلة) ذاكرًا ما علل به الذاهبون إلى عدم قبول المعارضة: "فإن السائل هادم والمعارض بانٍ، والشخص الواحد لا يكون هادمًا بانيًا في حال واحدة"، وعلق الأنباري على ما ذكروه بقوله: "وهذا ليس بصحيح؛ لأن من حق السائل أن يعرض على العلة ويقفها، وقد وجد ها هنا، فإن العلة ما لم تسلم عن معارضة دليل لم يكن عليها تعويل، فوجب أن تكون - يعني: المعارضة- مقبولة صحيحة"، انتهى.
مثال المعارضة: أن يقول الكوفي في الإعمال -أي: في التنازع: إنما كان إعمال الأول أي: من العاملين المتنازعين أو العوامل المتنازعة، أولى؛ لأنه
стр. 142
سابق، وهو صالح للعمل، فكان إعماله أولى لقوة الابتداء به والعناية، أي: أن العامل الأول سابق العامل الثاني وهو صالح للعمل كالعامل الثاني، إلا أنه لما كان مبدوءًا به كان إعماله أولى؛ لقوة الابتداء والعناية به، ولهذا لا يجوز إلغاء "ظن" أو "كان" إذا وقعت أي منهما مبتدأةً، بخلاف ما إذا توسطت أو تأخرت. فيقول البصري: هذا معارض بأن الثاني أقرب إلى الاسم أي: من أن العامل الأول أبعد والثاني أقرب إلى الاسم، وليس في إعماله -أي: في إعمال الثاني- نقض معنى، فكان إعماله أولى، أي: من إعمال الأول. يعني: أن دليلك أيها الكوفي على اختيار الأول معارض بدليل من قبل البصريين على اختيارهم إعمال الثاني لا الأول، وهو أن الثاني يتميز بقرب الجوار، وأنه لا ينقض -أي: لا يغير- معنى، ومعنى هذا أن الثاني من العاملين أقرب إلى المعمول، وليس في إعماله حدوث خلل في المعنى، إذ لا فرقَ في المعنى بين إعمال الأول أو الثاني.
وتكتسب مع إعمال الثاني رعاية جانب القرب، وحرمة المجاورة، فقرب الثاني من المعمول يقتضي ألا يلغَى عنه، يدل عليه أن المجاورة توجب كثيرًا من أحكام الثاني للأول، والأول للثاني، ألا ترى إلى قولهم: الشمس طلعت وأنه لا يجوز فيه حذف التاء لما جاور الضمير الفعل، ولذلك يقولون: إن الفعل هنا وجب التأنيث؛ لماذا؟ لأن الفاعل ضمير يعود على مؤنث على الرغم من أن المؤنث هنا مجازي التأنيث، إلا أن تأنيث الفعل بالتاء واجب لمجاورة الضمير المستتر للفعل، وكذلك: قامت هند، لا يجوز حذف التاء لمجاورة المؤنث الظاهر للفعل، فلو فَصلتَ بينهما بفاصل ما جاز لك في هذه الحالة أن تحذف التاء، أي: جاز لك تذكير الفعل وتأنيثه، وما كان ذلك إلا رعايةً للمجاورة.
стр. 143
ومما يدل على رعايتهم جانب القرب والمجاورة، أنهم قالوا: جحر ضرب خرب، وماء شَن بارد، فأتبعوا الأوصاف إعراب ما قبلها وإن لم يكن المعنى عليه، فَجُحر -كما قلنا من قبل- خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هذا جحر، وهو مضاف، وضب مضاف إليه، ثم جاء النعت خرب، المفروض في المعنى أن يكون الخراب صفةً للجحر وليس صفةً للضب، ومع ذلك جاء الخراب أو جاء الوصف مجرورًا؛ مراعاةً لمجاورته للمجرور، وكذلك: ماء شن بارد، الشن: هو قِربة الماء، والشن لا يوصف بالبرودة وإنما الذي يوصف بالبرودة هو الماء في داخل الشن، فيقال: ماء شنٍ باردٌ، إلا أن المسموع عن العرب: ماء شنٍ باردٍ بالإتباع الشن على اللفظ بالجر؛ مراعاةً للجوار وإن لم يكن المعنى عليه. فإذا كانوا قد لحظوا المجاورة مع فساد المعنى، فالأحرى أن يلحظوها مع صراحه، ومع ذلك فقد أكد سيبويه أنه إذا حدث نقض للمعنى خرج الكلام من باب التنازع، ولذلك قال في قول امرئ القيس:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال
قال: "فإنما رفع؛ لأنه لم يجعل "القليل" مطلوبًا، وإنما كان المطلوب عنده الملك، وجعل "القليل" كافيًا، ولو لم يرد ذلك ونصب فسَدَ المعنى"، انتهى. يعني: أن الشاعر امرأ القيس رفع "قليلًا" بكفاني، قال: "كفاني قليل من المال" ولم ينصبه بأطلب، إذ الرواية جاءت برفع "قليل"، قال: لأنه إنما أراد: لو سعيتُ لمنزلة دنية كفاني قليل من المال، ولم أطلب الملكَ، وعلى ذلك معنى الكلام. فإذن هنا عاملان؛ العامل الأول: كفى، والعامل الثاني: أطلب، وجاء المعمول مرفوعًا، هذا الرفع متعلق بالعامل الأول، ولا يمكن أن يوجه إليه العامل الثاني، إذ لو وُجِّه إليه العامل الثاني لفسد المعنى، قال: لو سعيت لمنزلة دنية كفاني قليل
стр. 144
من المال ولم أطلب الملك. قال: وعلى ذلك معنى الكلام؛ لأنه قال في البيت الثاني:
ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
المجد المؤثل: هو المجد المؤصل، ولو نصب بأطلب لاستحال المعنى؛ لماذا؟ لأن شرط هذا الباب أن يكون العاملان موجهين في المعنى إلى شيء واحد، ولو وجه كفاني وأطلب إلى "قليل" لفسد المعنى؛ لماذا؟ لأن "لو" تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، فإذا كان ما بعدها مثبتًا كان منفيًّا، وإذا كان ما بعدها منفيًّا تحول بمقتضاها إلى مثبت، وعلى هذا فقوله: "أنما أسعى لأدنى معيشة" منفي بمقتضى لو؛ لأنه جاء مثبتًا، فأفاد عدم السعي لأدنى معيشة، و"لم أطلب" مثبت بمقتضى لو أيضًا؛ لأنه جاء منفيًّا، فلو وجه إلى "قليل" لوجب إثبات طلب القليل، وهو عين ما نفاه أولًا، وإذا بطَلَ ذلك تعين أن يكون مفعول أطلب محذوفًا تقديره: ولم أطلب الملك بدليل البيت الذي بعده.
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 145
الدرس: ١١ الاستصحاب .
стр. 146
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي عشر
(الاستصحاب)
نظرة تأريخية في ظهور مصطلح "استصحاب الحال" في علم أصول النحو
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه؛ أما بعد:
عرفنا فيما سبق أنّ أصول النحو هي -كما ذكر أبو البركات الأنباري في بداية كتابه (لُمع الأدلة) - أدلة النحو التي تفرّعتْ منها أصولُه وفروعُه، كما أنّ أصول الفقه: هي أدلة الفقه التي تنوعتْ عنها جملتُه وتفصيلُه. كما عرفنا أنّ أدلة النحو التي اعتمد عليها علماء الصناعة النحوية في تقعيد القواعد كثيرةٌ جدًّا تخرج عن حدّ الحصر، لكنّ الغالب منها أربعةٌ، وهي: السماع، والقياس، والإجماع، واستصحاب الحال، وأنّ ابن جني في (الخصائص) لم يذكر استصحابَ الحال، وإنما أثبته الأنباري فقط.
ولعلّك تعجب حينما ترى عَلَمًا في مكانة ابن جني، وهو في مقدمة علماء أصول النحو، لا يذكر هذا الدليل في أدلة النحو، في حين ترى أنّ أبا البركات الأنباريَّ -وهو الذي جاء بعده بما يقرب من قرنين من الزمان- هو الذي يثبته بعدِّه دليلًا من الأدلة الغالبة في النحو العربي، بل يزداد عجبُك حينما تعلم أنّ مصطلح استصحاب الحال لم يظهر في عِلم أصول النحو إلا عن طريق أبي البركات الأنباري، على الرغم من أنّ سيبويه قد استدلّ به في مواضعَ كثيرةٍ من (الكتاب).
وحقيقةُ الأمر أنّ أبا البركات الأنباري قد نقل مصطلحَ استصحاب الحال من أصول الفقه إلى أصول النحو، وقد عرفنا من قبل العَلاقة الوثيقةَ بين علمي أصول الفقه وأصول النحو، ومدى تأثُّر كلٍّ من العِلْمين بالآخَر؛ فقد كان تعلُّمُ العربية عند المسلمين من الواجبات الدينية التي لا يجوز التفريط فيها، وكان تعلُّمُها شرطًا أساسيًّا من الشروطِ التي يجب توافرُها فيمن يريد أن يصبح مجتهدًا يقوم باستنباطِ الأحكام الشرعية من مصدريْها: الكتاب، والسنة، أو يريد أن يتصدَّى للإفتاء أو القضاء كما نصّ على ذلك علماءُ الفقه وأصوله.
стр. 147
قال ابن فارس في كتابه (الصاحبِي): "إنّ العِلْم بلغة العرب واجبٌ على كل متعلِّقٍ من العِلْم بالقرآنِ والسنةِ والفُتيا بسبب، حتى لا غَناءَ بأحد منهم عنه. وذلك أنّ القرآن نازِلٌ بلغة العربِ، ورسولُ الله ﷺ عربيٌّ. فمَن أراد معرفة ما في كتاب الله -جلّ وعزّ- وما في سنة رسول الله ﷺ من كل كلمة غريبةٍ أو نظْم عجيبٍ لم يجد من العلْم باللغة بُدًّا". انتهى كلام ابن فارس في كتابه (الصاحبي).
إذن، فعلاقة علم النحو بعلم الفقه واضحة جلية، وجاء أبو البركات الأنباري فوطَّدَ تلك العلاقةَ، وأكّد ارتباطَ علم أصول النحو بعلم أصول الفقه، وكثمرةٍ من ثمراتِ هذا الارتباطِ وجدناه يُظهر مصطلحَ استصحاب الحال في أدلة النحو، بل ويَعُدّه أحدَ الأدلةِ الغالبة، فقال في (لمع الأدلة) في الفصل الذي عقده للحديث عن أدلة النحو: "أقسام أدلته ثلاثة: نقلٌ، وقياسٌ، واستصحابُ حالٍ". كما اهتم بتعريف الاستصحاب والتمثيل له في كتابه (الإغراب في جدل الإعراب)، وإن كان هذا الدليل بهذا المصطلح -كمصطلح- لم يظهر قبل أبي البركات فيما نعلم، فإنه كدليل وجدناه في مواضعَ من كتاب سيبويه -كما قدمنا- وفي مؤلفات مَن جاء بعده من البصريين والكوفيين. فالاستصحاب مصطلحٌ فقهيٌّ في الأصل، أمّا معناه لغةً: فهو الاستفعالُ من الصحبة، وهي الملازمة واستمرار الصحبة واستدامتها. يقال: استصحبَ الشيءَ: لازمَهُ. ويقال: استصحبَ الرجلَ: دعاه إلى الصُّحبة. واستصحبَه الشيءَ: سألَه أن يجعلَه في صُحبتِه. وكلُّ ما لازمَ شيئًا فقد استصحبَه. قال الشاعر:
إنَّ لك الفضلَ على صُحبتِي ... والمِسْكُ قد يَسْتصْحِبُ الرَّامِكا
والرَّامِكُ: نوعٌ من الطِّيب رديءٌ خسيس. وله عند الأصوليين تعريفاتٌ مختلفةٌ؛ منها: بقاءُ الأمر ما لم يوجد ما يُغيِّرُه. ومنها: استدامةُ ما كان ثابتًا، ونفيُ ما كان منفيا. ومنها: الحكمُ على الشيء بما كان ثابتًا له أو منفيًّا عنه؛ لعدم قيام الدليل
стр. 148
على تغييره. ومنها: ما ثبت في الزمن الماضي، فالأصل بقاؤُه في الزمن المستقبل. وهذه التعريفاتُ مختلفةٌ في ألفاظها، لكنّ معانيَها متقاربةٌ؛ بل هي ترجِعُ إلى معنًى واحدٍ، وهو: إبقاءُ ما كان على ما كان حتى يقوم الدليلُ على تغيُّر حالِه. فالاستصحاب -في ضَوْء المعنيين اللغوي والاصطلاحي- عند الأصوليين هو: مصاحبة حكم كان ثابتًا في الماضي باقيًا في الحاضر، حتى يأتي دليلٌ على تغييره، مع بذل الجهد في البحث والطلب.
وقد نَقَل هذا المصطلحََ أبو البركات -عبدُ الرحمن كمالُ الدين الأنباريُّ في القرن السادس الهجري- من أصول الفقه إلى أصول النحو. ويُعرِّف الأنباريُّ استصحاب الحال في كتابه (الإغراب في جدل الإعراب) بقوله: "وأمّا استصحابُ الحالِ فإبقاءُ اللفظِ على ما يستحقّه في الأصل عند عدم دليل النقل عن الأصل، كقولك في فعل الأمر: إنما كان مبنيًّا؛ لأنّ الأصلَ في الأفعال البناءُ، وإنّ ما يُعرب منها لشبَه الاسم، ولا دليلَ على وجود الشبَه، فكان باقيًا على الأصل في البناء". انتهى. وعليه، فلا يختلف تعريف الاستصحاب عند الأصوليين عن تعريفه عند النحويين؛ فالمعنى واحدٌ، وهو إبقاءُ الحكمِ على ما كان عليه، فلا يلحقه تغييرٌ إلا إذا قام الدليلُ على هذا التغييرِ.
من مسائل الاستصحاب في النحو العربي
عرفنا أنه لم يَستعمل أحدٌ من النحاة -قبل الأنباري- مصطلحَ استصحاب الحال، ولا يعني هذا عدمَ استدلالهم به؛ فقد قيل: إنَّ سيبويه استدلّ بهذا الدليل في مواضعَ كثيرة من كتابه وإن لم يصرح به، ولم يسمه استصحابَ الحال، أو استصحابَ الأصل، ومن هذه المواضع ما جاء في (الكتاب) من قوله: "واعلم أنّ بعض الكلام أثقلُ من بعض؛ فالأفعالُ أثقلُ من الأسماءِ؛ لأنَّ
стр. 149
الأسماءَ هي الأُولى". فأشار سيبويه بهذه العبارة إلى خِفة الأسماءِ المنصرفةِ، وأنّ الصرفَ فيها هو الأولُ والأصلُ، وأنّ الذي مَنع الصرفَ عِلَلٌ مِن بعد ذلك دخلتْ عليها -أي: على الأسماء- فهي عللٌ حادِثةٌ فرعيةٌ، فدَلّ هذا على أنّ الفعلَ أثقلُ من الاسمِ في الأصل؛ فعِلةُ كونِ الأسماء مستحقةً للصرف هي استصحابُ الأصل، وهي بعينها علةُ استحقاقِ الأفعال عدمَ الصرف.
ومن هذا القَبيل قوله: "واعلم أنّ النكرة أخفُّ عليهم من المعرفةِ، وهي أشدُّ تمكُّنًا؛ لأنّ النكرةَ أولُ، ثم يدخل عليها ما تُعَرَّفُ به، فمِن ثَمَّ أكثرُ الكلام ينصرف في النكرة. واعلم أنّ الواحدَ أشدُّ تمكُّنًا من الجميع؛ لأنّ الواحدَ أولُ، ومِن ثَمَّ لَمْ يصرفوا ما جاء من الجميع ما جاء على مِثالٍ ليس يكون للواحد، نحو: مساجدَ ومفاتيحَ. واعلم أنَّ المذكر أخفُّ عليهم من المؤنث؛ لأنّ المذكرَ أولُ، وهو أشدّ تمكنًا، وإنما يخرج التأنيثُ من التذكيرِ".
وفي قوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: ٤٣، ٤٤). ذهب سيبويه في (الكتاب) إلى أن لعل على بابها من الترجي، وأن الترجيَ في حق موسى وهارونَ ﵉ وأن المعنى: اذهبَا أنتما في رجائِكما وطمعكما ومَبلغِكما من العلم. ففي كلام سيبويه إبقاءُ ما كان على ما كان، أي: إبقاءُ لعلَّ على معناها الأصلي، وهو الترجي، فبقي حالُ اللفظِ على ما يستحقه، ولم ينتقل عن أصلِه؛ لعدمِ الدليلِ، وهذا هو الاستصحابُ، وإن لم يُسَمِّهِ سيبويه باسمه.
وإذا كان سيبويه قد استدل باستصحابِ الحالِ في كتابه، فقد اقتفى أثرَه كثيرٌ من العلماء بعده، منهم الزجاجيُّ في كتابه (الإيضاح في علل النحو)، وابنُ جني في كتابه (الخصائص). أما الزجاجي فقد ذكر أن الحروفَ كلَّها مبنيّةٌ ولا يُعرَب شيءٌ
стр. 150
منها، وعَلّل ذلك بأن أصلها البناءُ، ولم يُوجد دليلٌ يُخرِجُها عن أصلها، فوجب إبقاؤُها على ما كانت عليه، وقال: "بقيت الحروف كلُّها على أصولها مبنيّةً؛ لأنها لم يعرض لها ما يُخرجُها عن أصولها". انتهى.
فقد استدلّ الزجاجي باستصحاب الأصل دون أن يسميه، وأما ابنُ جني فقد أفرد في كتابه (الخصائص) بابًا عنوانه: بابٌ في إقرار الألفاظ على أوضاعها الأُوَل ما لم يدْعُ داعٍ إلى الترك والتحول. ومعنى ما ذكره ابنُ جني في هذا الباب: أن اللفظ يبقى على ما يستحقه ولا ينتقل عنه إلا بدليل. وضرب ابنُ جني مثلًا بحرفِ العطفِ أو، فإنه في الأصلِ موضوعٌ للدلالةِ على أحد الشيئين شَكًّا أو إبْهَامًا، تخييرًا أو إباحةً، ولا يجوز أن تدل أو على معنى آخرَ إلا بدليل، فلا يجوز أن تكون بمعنى بل كما زعم الفرَّاءُ، ولا بمعنى الواو، كما زعم قُطْرُب، وقد ردّ ابنُ جني زَعْمَهُما، وبيّن أنَّ أو على بابها في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (الصافات: ١٤٧)، فقال: "فأما قول الله سبحانه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ فلا يكون فيه أو على مذهبِ الفرَّاءِ بمعنى بل، ولا على مذهب قُطرب في أنها بمعنى الواو، لكنها عندنا على بابِها في كونها شَكًّا؛ وذلك أن هذا كلامٌ خرَجَ حكايةً من الله لقول المخلوقين، وتأويلُه عند أهل النظر: وأرسلناه إلى جَمْع لو رأيتموه لقلتم أنتم فيهم: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون". انتهى.
ومن الأمثلة التي ذكرها الأنباريّ على استصحاب الحال مثالٌ نقله عنه السيوطي في (الاقتراح) وهو حكمُ الاسم والفعل من حيث الإعراب والبناء، فإن الأصلَ في الاسم أن يكون معربًا؛ لأن الأسمَاء تعتوِرُها المعاني؛ فتكونُ فاعلةً ومفعولةً، ومضافةً ومضافًا إليها، ولم تكنْ في صورها وأبنيتِها أدلَّةٌ على هذه
стр. 151
المعاني، فجُعِلَ الإعرابُ دليلًا على هذه المعاني، فتََبيّن من ذلك أن العرب يُفرِّقون بالإعراب -أي: يميزون بالإعراب- بين المعاني المختلفة، كما تَبيّن أن الإعراب أصلٌ في الأسماء. ولما كان الإعرابُ أصلًا في الأسماء لم يجز أن يُبنَى شيءٌ من الأسماء حتى يُوجد ما يُوجب البناء. وقد ذكر أبو البركات الأنباري ما يُوجب البناء في بعض الأسماء؛ فقال: "وما يوجب البناء في الأسماء هو شَبَه الحرف، أو تضمُّن معنى الحرف، فشَبَه الحرف في نحو: الذي، وتضمن معنى الحرف في نحو: كيف".
ومعنى ما ذكره الأنباري أن هناك أمرين يُوجبان بناءَ بعضِ الأسماء؛ أحدهما: أن يُشبه الاسمُ الحرفَ. والآخر: أن يتضمن الاسمُ معنى الحرف. فمثال الأول: الذي فإنه مبنيٌّ؛ لأنه أشبهَ الحرفَ في الافتقارِ اللازمِ؛ أي: في كونه مفتقرًا إلى ما يفسر معناه ويبينه، فكما أن الحرف يفتقر إلى ما بعده، فكذلك الأسماء الموصولة وُضِعت على الافتقار في فَهْم معانيها إلى صِلاتها، فلا يُؤتَى بها دون أن يُؤْتى بما يبيّنها، كما أن الحروف كذلك.
ومثال الثاني: كيف، فقد ذكر الأنباريُّ أن علة بنائه هي أنه تضمن معنى الحرف، ويُطلق المتأخرون من النحاةِ على هذا التضمنِ اسمَ الشبهِ المعنويِّ، ومعناه: أن يتضمن الاسمُ معنًى من معاني الحروف، فقد يشبه الاسم حرفًا موجودًا، وقد يشبه حرفًا غيرَ موجودٍ، فمثال ما أشبه حرفًا موجودًا: كيف فإنها تُستعمل للاستفهام، وهي تُشبه حرفًا موجودًا وهو الهمزة. ومثال ما أشبه حرفًا غيرَ موجودٍ: هنا فإنها مبنية؛ لأنها تدل على الإشارةِ، والإشارةُ معنًى من المعاني، وحقها أن يُوضع لها حرفٌ يدل عليها، فلم يوضَعْ، فبُنيت أسماءُ الإشارة لشبهها في المعنى حرفًا مقدرًا.
стр. 152
ومما سبق يمكن القول: بأن سبب بناء بعض الأسماء ينحصرُ في أمرٍ واحدٍ، وهو شبه الاسم بالحرف؛ وأن ما ذكره الأنباري من تضمن الاسم معنى حرف هو نوعٌ من أنواع الشبه. وبعد أن انتهينا من بيان استصحاب الأصل في إعراب الأسماء، نعود إلى كلام الأنباريّ في استصحاب الأصل في الأفعال، وهو البناء، فنقول: إن الأصل في الفعل أن يكون مبنيًّا؛ لعدم اختلاف المعاني الدالِّ عليها، وما أُعرِبَ من الأفعال فإنما أُعرِب لعلةٍ تُوجب إعرابَه، وقد ذكر أبو البركات الأنباريُّ ما يُوجب الإعرابَ في بعض الأفعال؛ فقال: "وما يُوجب الإعرابَ من الأفعال فهو مضارعةُ الاسمِ في نحو: يذهب، ويكتب، ويركب، وما أشبه ذلك". انتهى. ومعنى ما ذكره الأنباريُّ: أن الفعل المضارع وحدَهُ هو الذي يُعرب، وغيرُه من الأفعال يظل على أصله من البناء، وإنما أُعرب المضارع؛ لأنه أشبه الاسمَ، ويَحسنُ بنا أن نذكر الأوجهَ التي أشبه فيها الفعل المضارعُ الاسمَ، فاستحق الإعرابَ لذلك، فنقول: إن الفعل المضارعَ قد أشبه الاسمَ في عدة أوجه:
الوجه الأول: الإبهام والشيوع، ثم التخصيص بالقرينة، فالفعل المضارع فيه شيوعٌ، ثم يدخل عليه حرفٌ يزيل شيوعَه ويخلّصه لشيء واحد، تقول: زيد يفعل، فيصلح أن يكون للحال والاستقبال، فإذا قلت: يفعل الآن، أو سيفعل، أو سوف يفعل، فقد قرنته بما يزيل إبهامه، ويخلّصه لأحد الوجهين -وهو الحالُ- فلا يصلحُ للاستقبالِ، أو الاستقبال فلا يصلح للحال، وهو بذلك بمنزلةِ الأسماءِ الشائعة كرجل وفرس؛ لأنك تقول: جاءني رجل، فلا يَختص بواحدٍ من النوع، ثم تُدْخِلُ عليه حرفًا يخصه بواحد معين، تقول: جاءني الرجل الذي تعْلم، فيصير بحيث تضع اليد عليه، فقد تقرر المشابهةُ بين الاسم وهذا النوع من الفعل، من حيث إنك أزلتَ الشِّياعَ في كل واحد منها بحرف أدخلتَه على أوله.
стр. 153
والوجه الثاني: دخول لام الابتداء على الفعل المضارع، كما تدخل على اسم الفاعل، تقول: إن زيدًا ليقاتلُ، كما تقول: إن زيدًا لمقاتلٌ. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (النحل: ١٢٤). والوجه الثالث: أن الفعل المضارع تُوصَف به النكراتُ، كقولك: مررت برجلٍ يقوم، كما يكون اسمُ الفاعل صفةً للنكراتِ، تقول: مررت برجل قائمٍ. والوجه الرابع: أن الفعل المضارعَ يُشبه اسمَ الفاعل ويساويه في مطلق حركاته وسكونه، مثل: ضارب ويضرب، ومُكبّر ويُكبِّر، وينطلق، ومنطلِق، ويستخرج، ومستخرِج، ونحو ذلك. نقول: إن الاسم يُستَصْحبُ حالُه وهو الإعرابُ، فلا يقال ببنائه حتى يُوجد الدليلُ على البناءِ، وهو مشابهةُ الحرفِ، والفعلُ يُستَصْحبُ حاله، وهو البناء، فلا يُقال بإعرابه حتى يُوجد الدليل على الإعراب وهو مشابهة الاسم.
وقد نقل السيوطي -أيضًا- مسألتين في استصحاب الحال عن كتاب (الإنصاف) للأنباري؛ ودعاه إلى ذلك أمران؛ أحدهما: الرغبةُ في الوفاء بما ذكره في مقدمة (الاقتراح)؛ إذ قال: "وضممتُ إليه من كتابه (الإنصافَ في مباحث الخلاف) جملةً". والآخر: كثرة مسائل الخلاف التي استدل فيها الأنباري بالاستصحاب في كتابه. كما نقل السيوطي مسألةً عن ابن مالك في (التسهيل)، ومسألةً عن الأندلسي في (شرح المفصل). فهذه أربع مسائل نشير إليها مبينين الاستدلال فيها باستصحاب الحال، وهي:
المسألة الأولى: القولُ بأن كم مفردةٌ لا مركبةٌ، وهو رأي البصريين، وخالفهم الكوفيون؛ فذهبوا إلى أنها مركبة، واحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك؛ لأنّ الأصلَ في كم: ما زيدت عليها الكاف؛ لأنّ العربَ قد تصل الحرف في أوله
стр. 154
نحو: هذا، وهذاكَ، وفي آخره نحو: إمَّا، فكذلك ها هنا: زادوا الكافَ على ما فصارتَا جميعًا كلمةً واحدةً، إلا أنه لمّا كثرت في كلامهم وجرت على ألسنتهم، حُذفت الألفُ من آخرِها وسُكّنتْ ميمُها. وأمّا البصريون فحجتهم في ذلك كما يقول الأنباري في (الإنصاف في مسائل الخلاف): "إن الأصلَ هو الإفرادُ، وإنما التركيب فرعٌ، ومن تمسك بالأصل خرَجَ عن عهدة المطالبة بدليل، ومن عدَلَ عن الأصل افتقرَ إلى إقامةِ الدليلِ؛ لعدولِه عن الأصل، واستصحابُ الحالِ أحدُ الأدلة المعتبرة". انتهى. فقد استدلّ البصريون على إفراد كم باستصحاب الحال.
والمسألة الثانية: إعمال حرف القسم محذوفًا بعِوَضٍ، فقد ذهب الكوفيون: إلى أنه يجوزُ الخفضُ في القسَم بإضمارِ حرفِ الخفض من غير عوضٍ، وذهب البصريون: إلى أنه لا يجوز إعمالُ حرفِ الجر محذوفًا إلا بِعِوَضٍ، كألف الاستفهام في نحو: آللهِ ما فعلتَ كذا؟ أو هاء التنبيه، نحو: ها اللهِ، وحجتهم في ذلك -كما قال الأنباري في (الإنصاف) - أن الأصل في حروف الجر ألا تعمل مع الحذفِ، وإنما تعملُ معه في بعض المواضعِ إذا كان لها عِوض، فإن لم يوجد بقيت على أصلها، والتمسكُ بالأصل تمسكٌ باستصحابِ الحال.
والمسألة الثالثة: دلالة كان على الحدث والزمن، وهذه المسألة منقولةٌ عن ابن مالك في كتابه (تسهيل الفوائد)؛ إذ كان ابنُ مالك من الذين يستدلون باستصحاب الحال، وقد استدل بهذا الدليل في هذه المسألة في أثناء ردِّه على مَن زعَمَ أن كان تدل على الزمن ولا تدل على الحدث، فقال في (التسهيل) في باب: الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبر: "وتُسمَّى نواقصَ؛ لعدم اكتفائها بالمرفوع، لا لأنها تدلّ على زمنٍ دون حدَثٍ، فالأصحُّ دلالتُها عليهما إلا ليس". انتهى. وقد ذهب إلى عدم دلالتها على الحدَث جماعةٌ من العلماء، منهم ابنُ جني وابنُ
стр. 155
برهان وعبد القاهر الجرجاني، فقد ذهبوا إلى أن كان وأخواتِها تدل على زمن وقوع الحدثِ، ولا تدل على الحدث. ورد ابنُ مالكٍ ﵀ في شرح (التسهيل) دعواهم من عشرة أوجه، كان أولَها وثانيَها: أنّ هؤلاء النحاةَ جميعًا معترفون بأن كان وأخواتِها أفعالٌ، ومن المعلوم أن الفعلَ يدل على الحدث والزمن، فإذا كانت كان وأخواتُها أفعالًا، فإنها تدل لا محالةَ على الحدث والزمن؛ إبقاءً للأصل، وهو دلالةُ الفعل عليهما.
والمسألة الرابعة: موضع الضمير من لولاكَ، ولولايَ. فقد ذهب البصريون: إلى أنّ الكاف والياءَ في موضع جرٍّ بـ: لولا، وذهب الكوفيون والأخفش إلى أن الضمير المتصل بـ: لولاك ونحوه مرفوعٌ؛ وحجتهم في ذلك أنه لو وُضع في موضع هذا الضمير اسمٌ ظاهر لكان مرفوعًا، نحو: واللهِ لولا اللهُ ما اهتدينا، ونحو ذلك. فلما كان الأمر كذلك وجب أن يكون الضميرُ في موضع رفع؛ لاستصحاب الأصل. يقول الأندلسي في (شرح المفصل): "استدل الكوفيون على أن الضمير في لولاك ونحوه مرفوع بأن قالوا: أجمعنا على أن الظاهر الذي قام هذا الضمير مقامَه مرفوعٌ، فوجب أن يكون كذلك في هذا الضميرِ بالقياسِ عليه والاستصحاب". انتهى. ومن أجل إتمام الفائدة نذكر -هنا- مسألتين من المسائل التي اعتمد فيها الكوفيون في الاستدلال على استصحاب الحال:
أمّا المسألة الأولى منهما: فقد أوردها أبو البركات الأنباريُّ في (الإنصاف) وهي المسألة الخامسة والثمانون، وعنوانُها: عامِلُ الرفع في الاسم المرفوع بعد إنِ الشرطية، وقد ذهب الكوفيون فيها إلى أنه إذا تقدّم الاسمُ المرفوعُ بعد إنِ الشرطية نحو قولك: إنْ زيدٌ أتانِي آتِهِ، فإنه يرتفع بما عاد إليه من الفعل من غير
стр. 156
تقديرِ فعلٍ. وذهب البصريون إلى أنه يرتفع بتقدير فعلٍ، والتقدير فيه في المثال السابق: إنْ أتاني زيدٌ أتاني، والفعلُ المظهَرُ تفسيرٌ لذلك المقدَّر. وحكي عن الأخفش أنه يرتفع بالابتداء.
واحتجّ الكوفيون بقولهم: إنما جوَّزْنا تقديمَ المرفوع مع إنْ خاصةً وعملَهَا في فعل الشرط مع الفصل؛ لأنها الأصلُ في باب الجزاء دون غيرها من الأسماء والظروف التي يجازَى بها؛ لتضمنها معناها، والأصلُ يتصرَّف ما لا يتصرّف الفرع؛ فلقوتها جاز تقديمُ المرفوعِ معها، وقلنا: إنه يرتفع بالعائد؛ لأنّ المكنيَّ المرفوعَ في الفعل هو الاسمُ الأولُ؛ فينبغي أن يكون مرفوعًا به، كما قالوا: جاءني الظريفُ زيدٌ، وإذا كان مرفوعًا به لم يفتقر إلى تقدير فعل.
وأمّا المسألة الثانية: فهي المسألة الثانية بعد المائة في كتاب (الإنصاف)، وعنوانها: أيٌّ الموصولةُ معربةٌ دائمًا أو مبنيةٌ أحيانًا؟. وقد ذهب الكوفيون فيها إلى أنّ أيَّهم إذا كان بمعنى الذي وحُذف العائدُ من الصلة يكون معربًا، نحو قولهم: لأكرمَنَّ أيَّهم أفضلُ، وذهب البصريون إلى أنه يكون مبنيًّا على الضم. وقد احتج البصريون بأن قالوا: إنما قلنا: إنها مبنية ها هنا على الضم؛ لأنّ القياس يقتضي أن تكون مبنية في كل حال؛ لوقوعها موقعَ حرفِ الجزاء والاستفهام والاسم الموصول كما بُنيتْ: مَن، وما لذلك في كل حال. واعتمد الكوفيون في الاستدلال على ما ذهبوا إليه باستصحاب الحال، وقالوا في معرض ردّهم على البصريين: والذي يدل على فساد قول مَن ذهب إلى أنه مبنيٌّ على الضم، أنّ المفردَ من المبنيات إذا أُضيف أُعربَ، نحو: قبْلُ وبعْدُ، فصارت الإضافةُ توجِب إعرابَ الاسم، وأيٌّ إذا أُفردت أُعربتْ، فلو قلنا: إنها إذا أضيفت بُنيت، لكان هذا نقْضًا للأصول، وذلك محالٌ.
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 157
الدرس: ١٢ تابع الاستصحاب .
стр. 158
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني عشر
(تابع الاستصحاب)
الاستصحاب من الأدلة المعتبرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه أما بعد:
عرفنا مما سبق أن هناك علاقةً عضوية تربط بين أصول الفقه وأصول النحو، وقد أكّد أبو البركات الأنباريُّ هذه العَلاقةَ في مؤلفاته التي سار بها على نهج الفقهاء ومصطلحاتهم؛ ومن هنا كانت أول إشارة وردت بلفظ استصحاب الحال صادرةً عنه، ثم تناقلها النحويون مِن بعدِهِ، وقد وقفنا على قوله في (لمع الأدلة): "وهو -أي: الاستصحاب- من الأدلة المعتبرة، والمراد به استصحابُ حال الأصل في الأسماء، وهو الإعراب، واستصحاب حال الأصل في الأفعال، وهو البناء، حتى يوجد في الأسماءِ ما يُوجب البناءَ، ويوجدَ في الأفعالِ ما يُوجب الإعرابَ". انتهى.
وقد تكرّر حديثُه عن الاستصحاب في كتابه (الإنصاف) ووصفُه إياه بأنه من الأدلة المعتبرة، كقوله في المسألة السابعة والخمسين على لسان البصريين؛ في معرض إبداء حجتهم في أنه لا يجوز الخفض في القسم بإضمار حرف الخفض من غير عوض -قال على لسانهم: "أجمعْنا على أنّ الأصل في حروف الجرّ ألا تعملَ مع الحذفِ، وإنما تعملُ مع الحذف في بعض المواضع إذا كان لها عوضٌ، ولم يوجد ها هنا، فبقِينا فيما عداه على الأصل، والتمسكُ بالأصل تمسُّكٌ باستصحاب الحال، وهو من الأدلة المعتبرة". انتهى.
كما ذكر أنّ التمسكَ باستصحاب الحال خروجٌ مِن عهدةِ المطالبةِ بالدليل، ومَن عدَلَ عن الأصل فقد بقيَ مرتهَنًا بإقامة الدليل؛ ففي المسألة الأربعين -التي عرضنا طَرَفًا منها- قال على لسان البصريين في استدلالهم على أنّ كمْ مفردةٌ وليست مركبةً كما ذهب إلى ذلك الكوفيون: "إنما قلنا: إنها مفردةٌ؛ لأنّ الأصلَ
стр. 159
هو الإفرادُ، وإنما التركيبُ فرعٌ، ومَن تمسك بالأصل خرَجَ عن عهدة المطالبة بالدليل، ومَن عدَل عن الأصل افتقر إلى إقامة الدليل؛ لعدوله عن الأصل، واستصحابُ الحال أحدُ الأدلة المعتبرة". انتهى.
وفي المسألة السابعة والستين ذهب الكوفيون إلى أنّ أوْ تأتي بمعنى الواو، وبمعنى بلْ، وذهب البصريون إلى أنها لا تكون بمعنى أيٍّ منهما، وقال على لسان البصريين في استدلالهم على ما ذهبوا إليه: "الأصل في أوْ أن تكون لأحد الشيئين على الإبهام، بخلاف الواو وبلْ؛ لأنّ الواو معناها الجمعُ بين الشيئين، وبل معناها الإضرابُ، وكلاهما مخالفٌ لمعنى أوْ، والأصلُ في كل حرفٍ ألا يدلَّ إلا على ما وُضِعَ له، ولا يدلّ على معنى حرفٍ آخَرَ؛ فنحن تمسّكْنا بالأصل، ومَن تمسّكَ بالأصًل استغنَى عن إقامة الدليلِ، ومَنْ عدَلَ عن الأصل بقيَ مرتهَنًا بإقامة الدليل، ولا دليلَ لهم يدلّ على صحة ما ادَّعَوْه".
وفي المسألة الثامنة والثمانين ذهب الكوفيون إلى أنّ إنِِ الشرطيةَ تقع بمعنى إذ، وذهب البصريون إلى أنها لا تقع بمعنى إذ، وقال الأنباريُّ على لسان البصريين في استدلالهم على ما ذهبوا إليه: "أجمعْنا على أنّ الأصل في إنْ أنْ تكون شرطًا، والأصل في إذ أنْ تكون ظرفًا، والأصل في كل حرف أن يكون دالًّا على ما وُضع له في الأصل، فمن تمسّك بالأصل فقد تمسّك باستصحاب الحال، ومَن عدَل عن الأصل بقيَ مرتهَنًا بإقامة الدليل، ولا دليلَ لهم يدلّ على ما ذهبوا إليه".
وفي المسألة الحادية والتسعين ذهب الكوفيون إلى أنّ كيف يُجازَى بها كما يُجازَى بمتَى ما، وأينما وما أشبهَهُما من كلمات الجزاء. وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز أن يُجازَى بها. وقال الأنباريُ فيما قاله على لسان البصريين في استدلالهم على صحة ما ذهبوا إليه: "إنّ الأصل في الجزاء أن يكون بالحرفِ، إلا أنْ يُضطرَّ إلى
стр. 160
استعمال الأسماء، ولا ضرورةَ ها هنا تُلجِئُ إلى المجازاة بها؛ فينبغي ألا يُجازَى بها؛ لأنَّا وجدنا أيًّا تُغنِي عنها". وفي المسألة الثالثة بعد المائة ذهب الكوفيون إلى أنّ هذا وما أشبهَهُ من أسماء الإشارة يكون بمعنى الذي والأسماءِ الموصولةِ، نحو: هذا قال ذاك زيدٌ، أي: الذي قال ذاك زيدٌ. وذهب البصريون إلى أنه لا يكون بمعنى الذي، وكذلك سائرُ أسماء الإشارة لا تكون بمعنى الأسماء الموصولة.
وقال الأنباريّ على لسان البصريين في معرض الاستدلال على صحة ما ذهبوا إليه: "إنما قلنا ذلك؛ لأنّ الأصل في هذا وما أشبههُ من أسماء الإشارة أن يكون دالًّا على الإشارة، والذي وسائرُ الأسماء الموصولةِ ليستْ في معناها؛ فينبغي ألا يُحملَ عليها، وهذا تمسكٌ بالأصل واستصحابِ الحال، وهو من جملة الأدلة المذكورة، فمَن ادَّعَى أمرًا وراءَ ذلك بقيَ مرتهنًا بإقامة الدليل، ولا دليلَ لهم يدلّ على ما ادَّعَوْه". انتهى.
وقد سار على درب الأنباريُّ في عدِّ استصحاب الحال من الأدلةِ المعتبرةِ في أصول النحو بعضُ المتأخرين من النحاة، ومنهم عبدُ اللطيف بنُ أبي بكرٍ الشَّرْجِيُّ الزَّبِيدِيُّ، المتوفى سنة اثنتين وثمانمائة من الهجرة، وهو صاحب كتاب (ائتلاف النُّصْرة في اختلاف نُحاة الكوفة والبصرة). قال هذا العالم اليمني على لسان البصريين في المسألة السابعة من مسائل الفصل الثالث: "أجمعْنا على أنّ الخفض في الأصل إنما يكون بالحرف، فالتمسُّكُ بالأصل تمسكٌ باستصحاب الحال، وهو دلالةٌ معتبرة". وفي المسألة العاشرة قال: "والأصل في كل حرف ألا يدلَّ إلا على ما وُضِعَ له، ولا يدلّ على معنى حرف آخرَ؛ تمسكًا بالأصل، ومَن تمسك بالأصل استغنى عن الدليل". وذكر مثل ذلك في المسألة التاسعةَ عشرةَ، وأضاف: "واستصحاب الحال حجةٌ. ومن عدل عن الأصل بقي مرتهنًا بإقامة الدليل".
стр. 161
أمّا السيوطيُّ فقد رأيناه يُعوِّل على كلام الأنباريِّ، ويرى رأيه في أنّ الاستصحاب من أصول النحو الغالبة، وكان يقول: "والمسائل التي استدلّ فيها النحاةُ بالأصل كثيرةٌ جدًّا لا تحصَى"، وقد كثرت المسائل التي استدلّ فيها السيوطيُّ باستصحاب حال الأصل في مواضع متفرقةٍ من مؤلفاته. ونذكر هنا مسألتين أوردهما السيوطي في كتابه (هَمع الهوامع)؛ المسألة الأولى: الأصل في البناء أن يكون على السكون، ذكر السيوطي أنّ الأصل في البناء السكون، وقال: "لأنّ السكون أخفُّ، فلا يُعدَل عنه إلا لسبب؛ ولأنّ الأصل عدمُ الحركة، فوجب استصحابُه -أي: استصحابُ الأصل، وهو السكون- ما لم يمنع منه مانع".
والمسألة الثانية: تسكين فعل الأمر؛ استصحابًا للأصل، قال في مبحث المضمَر: "إذا أُسنَدَ الفعلُ إلى التاء والنون ونا سكَنَ آخرهُ، كضربْتُ، وضربْنَ، ويضربْنَ، واضربْنَ، وضربْنا، وعلة الإسكان عند الأكثر كراهةُ توالي أربعِ حركات فيما هو كالكلمة الواحدة؛ لأنّ الفاعلَ كجزءٍ من فعله، ثم حُمِلَ المضارعُ على المعنى، وأمّا الأمرُ فيسكُن استصحابًا". انتهى. ومعنى ما ذكره السيوطي أنّ فعل الأمر يبنى على السكون استصحابًا للأصل؛ لأنّ الأصل في البناء أن يكون على السكون.
ومع عناية السيوطي بهذا الأصل وعدِّه إياه واحدًا من الأصول الغالبة، وجدناه لم يرتضِ اتخاذَه دليلًا لعلة بناء الآنَ، وردَّ قولَ مَن استدلَّ به وهو الفرّاءُ؛ إذ ذهب الفرّاءُ في أحد قوليه إلى أنّ الآنَ إنما بُنيَ؛ لأنه نُقِلَ من فعلٍ ماضٍ وهو آنَ فبقيَ على بنائه؛ استصحابًا للأصل. قال الفرّاءُ في (معاني القرآن): "وإن شئتَ جعلتَ الآن أصلها من قولك: آنَ لكَ أنْ تفعلَ، أَدْخَلْتَ عليها الألفَ واللامَ،
стр. 162
ثم تركتَها على مذهب فَعَلَ، فأتاها النصبُ من نصْبِ فَعَلَ. وهو وجهٌ جيدٌ؛ كما قالوا: ((نهَى رسول الله ﷺ عن قِيلَ وقالَ وكثرةِ السؤال))، فكانتا كالاسمين فهما منصوبتان. ولو خُفِضَتا على أنهما أُخرِجَتا من نية الفعل كان صوابًا؛ سمعتُ العربَ تقول: مِن شُبَّ إلى دُبَّ بالفتح، ومِن شُبٍّ إلى دُبٍّ؛ يقول: مذ كان صغيرًا إلى أنْ دَبَّ، وهو فَعَلَ". انتهى.
وكلام الفرّاء يشير إلى أنّ علة البناء في هذا الظرف هي استصحاب الأصل، وأصله الفعلُ الماضي آنَ، ولم يرتضِ السيوطيّ استصحابَ الأصل دليلًا في هذه المسألة، فذكر في (الهمع) أن كلام الفرّاءِ قد رُدَّ بأنه لو كان كذلك لم تدخل عليه أل، كما لا تدخل على قِيلَ وقالَ، ولجاز فيه الإعرابُ كما جاز في قِيلَ وقالَ. انتهى. وقول السيوطيُّ: "ولجاز فيه الإعراب ... " إلخ. معناه: أنّ قِيلَ وقالَ يجوز فيهما الإعرابُ على أنهما أخرجتَا من نيةِ الفعلِ كما قال الفرّاءُ؛ فيجوز: نهَى رسول الله ﷺ عن قِيلٍ وقالٍ بالجرّ، ولا يجوز ذلك في الآنَ، فدلّ ذلك على بطلان هذه العلة.
استصحاب الحال من أضعف الأدلة
في ضوء ما تقدّم ترى أنّ التمسك بالأصل تمسُّكٌ باستصحاب الأصل، فمن تمسك بالأصل من النحويين في إثبات دعواه فقد تمسك بالاستصحاب، وهذا يدلُّكَ على أنّ هذا الدليل شائع في سائر المؤلفات النحوية، وليس مقصورًا على ما ورد في مؤلفات الأنباريّ، كل ما هنالك أنّ المصطلح -كما قلنا من قبل- هو الذي ظهر في كتب الأنباري متأثرًا بثقافته الفقهية. وإذا كان الأنباريُّ يرى أن الاستصحاب من أصول النحو الغالبة، ومن الأدلة المعتبرة، فهذا يدعونا إلى أن نطرح السؤال الآتي، وهو: ما مكانةُ هذا الدليل بين الأدلة الأخرى عند الأنباري؟
стр. 163
لقد أجاب الأنباريّ عن هذا السؤال مرةً في (الإغراب في جدل الإعراب) فقال: "وأمّا استصحابُ الحال فلا يجوز الاستدلالُ به ما وُجد هناك دليلٌ بحال"، ومرتين في كتابه (لُمع الأدلة)؛ المرةَ الأولى عندما ذكَرَ أصول النحو، فقال: "أقسامُ أدلته ثلاثة: نقلٌ، وقياسٌ، واستصحابُ حالٍ، ومراتبُها كذلك، وكذلك استدلالاتُها". فدلّ كلامُه على أنّ الاستصحاب يقع في المرتبة المتأخرة عن مرتبتي السماع والقياس. والمرة الثانية حين قال عن استصحاب الحال: "استصحابُ الحال من أضعف الأدلة؛ لهذا لا يجوز التمسكُ به ما وُجد هناك دليلٌ". وقد قيل: يظهر كذلك عدم اهتمام الأنباريّ بالاستصحاب كغيره من الأدلة في أنه ألّفَ كتابه (لمع الأدلة) وجعله في ثلاثين فصلًا تحدّث فيها عن أقسام أدلة النحو: النقل، والقياس، واستصحاب الحال، وخصّص لدليل النقل ستةَ فصولٍ من الثالث إلى التاسع، وللقياس أربعة عشرَ فصلًا من العاشر إلى الرابع والعشرين، أمّا استصحابُ الحال فقد عقَدَ له فصلًا واحدًا هو الفصل التاسع والعشرون.
ونظرة الأنباري إلى الاستصحاب على أنه أضعف الأدلة مظهر آخر من مظاهر تأثره بالفقهاء، فجمهورهم يصف الاستصحاب بأنه أضعف الأدلة، وبأنه آخرُ متمسَّكٍ للناظر، وبأنه آخر مدارِ الفتوى؛ فإنّ المفتي إذا سئل عن حادثة يَطلب حكمَها في الكتاب، ثم في السنة، ثم في الإجماع، ثم في القياس، فإن لم يجد يأخذ حكمَها من استصحاب الحال في النفي والإثبات.
ومعنى ما ذكره الأنباريّ هنا أنه يُشترط لصحةِ الاحتجاجِ بالاستصحابِ عدم وجود دليل آخر يعارضه، وضرب الأنباري لنا مثلًا على ذلك، فأوضح: أنه لا يجوز التمسكُ بالاستصحاب في إعراب الاسم مع وجود البناء، وهو مشابهة الاسم للحرف، وكذلك لا يجوزُ التمسك به في بناء الفعل مع وجود دليل الإعراب، وهو مشابهة الفعل للاسم؛ لأنّ التمسك بالاستصحاب تمسكٌ بعدم
стр. 164
الدليل، فإذا قام الدليلُ بطل التمسكُ بالأصل، ويستوي أن يكون هذا الدليلُ سماعيًّا أو قياسيًّا؛ لأنه إذا تعارض استصحابُ الحال مع دليل آخرَ من سماع أو قياس فلا عبرةَ بالاستصحاب، ولا اعتداد به، ولا التفات إليه؛ لقوة الدليل الآخر الذي يقابله ويعارضه، فيُقَدَّمُ السماعُ أو القياسُ عليه.
وقد بيَّن الأنباريّ ضَعفَ الاستدلال بالاستصحاب في المسألة الرابعة عشرة من مسائل (الإنصاف)، وهي مسألة نعم وبئس؛ إذ ذهب البصريون إلى أنهما فعلان، واستدل بعضهم على فعليتهما باتصال الضمير بهما على حدّ اتصاله بالفعل المتصرف، فإنه قد جاء عن العرب قولُهم: نعما رجلين، ونعموا رجالًا، كما استدل بعضهم على فعليتهما باتصال تاء التأنيث الساكنة بهما، كقولهم: نعمت المرأة هند، وبئست الجارية دعد، فهذه التاء يَختصّ بها الفعل الماضي لا تتعدّاه. ومن البصريين من استدل على فعليتهما فقال: الدليل على أنهما فعلان ماضيان أنهما مبنيان على الفتح، ولو كانا اسمين لمَا كان لبنائهما وجهٌ؛ إذ لا علةَ ها هنا توجب بناءَهما غير الأصل، أو غير استصحاب الأصل.
ولم يرتضِ الأنباريُّ الاستدلالَ بهذا الدليل الأخير؛ لأنه استدلالٌ بالاستصحاب، فقال: "وهذا تمسكٌ باستصحاب الحال، وهو من أضعف الأدلة، والمعتمَدُ عليه ما قدَّمْناه". انتهى. أي: أنّ المعتمد عليه في إثبات فعليتهما هو اتصال الضمير المرفوع بهما كما يتصل بكل فعل متصرف، واتصالهما بتاء التأنيث الساكنة. وخلاصة القول: أنّ استصحاب الحال أحد الأدلة المعتبرة، وهو في الوقت نفسه من أضعف الأدلة، فلا يجوز التمسك به ما وجد هناك دليلٌ.
стр. 165
الاعتراض على الاستدلال بالاستصحاب
لقد ذكر الأنباريُّ أن أدلة النحو الغالبة ثلاثة أدلة، وهي: النقل، والقياس، واستصحاب الحال، وأن كل دليلٍ من هذه الأدلة الثلاثة يمكن الاعتراض عليه؛ ولذلك عقد الأنباري في كتابه (الإغراب) ثلاثة فصول تناول فيها الاعتراض على أدلة النحو الغالبة، مبيّنًا كيفيةَ الجواب عما يُمكن أن يَرِدَ على هذه الأدلة من اعتراضات، فأول الفصول الثلاثة: الاعتراض على الاستدلال بالنقل، وثانيها: الاعتراض على الاستدلال بالقياس، وثالثها: الاعتراض على
стр. 166
الاستدلال باستصحاب الحال، وهو الذي يعنينا في هذا الدرس.
والمراد بالاعتراض في اللغة: هو المنع والحيلولة؛ إذ يقال: عرَض الشيءُ يعرِض واعترض: انتصب ومنع وصار عارضًا كالخشبة المنتصبة في النهر والطريق تمنع السالكين سلوكَها، ولا ينفك المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فالمراد بالاعتراض هنا الحيلولةُ بين المستدِلّ وما يَستدل به على حكم من أحكام النحو، وقد عرّف أحدُ الباحثين الاعتراضَ على الدليل بأنه: ما يمنع به المعترضُ استدلالَ المستدلّ بدليله. فإذا كان المستدلّ يستدلّ على مسألة ما بدليل من السماع -مثلًا- فإن هناك أمورًا يَمنع بها المعترضُ هذا الاستدلالَ، كأن يطعن في السند، أو يعترضَ على المتن باختلاف الرواية أو نحو ذلك.
وإن كان المستدل يستدل باستصحاب الحال فقد ذكر الأنباريُّ أن للمعترض أن يَعترض عليه بأن يذكر دليلًا يدل على زوال استصحاب الحال، أي: زوال ذلك الأصلِ المستصحَبِ وسقوطِه، ولم يكتف الأنباريُّ بذِكْر الاعتراض وحده، وإنما ذكر كيفية الجواب عنه، فقال في (الإغراب في جدل الإعراب): "الاعتراض على الاستدلال باستصحاب الحال وهو أن يَذكر -يعني المستدل- دليلًا يدل على زوال استصحاب الحال، مثل: أن يَدل الكوفي على زواله إذا تمسك البصري به في بناء فعل الأمر، فيُبيِّنَ أن فعل الأمر مقتطعٌ من الفعل المضارع ومأخوذ منه، والفعل المضارع قد أشبه الاسم، وزال عنه استصحابُ حال البناء، وصار معربًا بالشبَه، فكذلك فعل الأمر. والجواب أن يُبَيِّنَ البصريُّ أن ما توهمه دليلًا لم يوجد، فيبقي التمسك باستصحاب الحال صحيحًا". انتهى.
وقد نقل السيوطي هذا الكلام، ولم يعلق عليه بشيء، وفيه إجمالٌ يَحتاج إلى تفصيلٍ يكشفه، وتفصيل القول في هذا الكلام أن نقول: إن البصريين يذهبون إلى أن فعلَ الأمر مبنيٌّ، ولهم أن يستدلوا على صحة مذهبهم باستصحاب الأصل؛ لأن الأصلَ في الأفعال البناءُ، وقد يَعترض الكوفيون على مذهب البصريين بأن يقولوا: إن استصحاب الحال -وهو البناء- قد زال عن فعل الأمر، والدليل على زواله أن فعل الأمر ليس قسمًا برأسه، وإنما هو مأخوذ من المضارع ومُقْتَطَعٌ منه، ولما كان فعل الأمر مأخوذًا من المضارع، والمضارع معرَبٌ؛ لأنه أشبه الاسم، كان فعل الأمر كذلك معربًا بالشبه، فيقال: إن اضْرِبْ فعلٌ معربٌ؛ لأن أصله: لِتضْرِبْ، ثم حُذِفت اللام، ثم حُذِف حرف المضارعة، ثم جيء بهمزة الوصل؛ توصلًا إلى النطق بالساكن. هذا ما يمكن أن يورده الكوفي اعتراضًا على دليل البصري، فيجيب عنه البصري: بأن ما توهمه الكوفي دليلًا على إعراب فعل الأمر، وهو أنه مأخوذ من المضارع ومقتطعٌ منه، لم يوجد، بل هو نوع مستقلٌّ على حِدَةٍ، وحينئذٍ يبقى التمسك بالاستصحاب، واستصحاب الحال فيه هو أصل البناء في الفعل.
стр. 167
الاستدلال بالعكس
إن الاستدلالَ بالعكس دليلٌ من أدلة الأصوليين، ويعبرون عنه بقياس العكس، ويعرِّفونه بأنه: عدم الحكم عند عدم العلة، وقد جعله السيوطي أولَ الأدلة غير الغالبة، فقال: "ومنها الاستدلال بالعكس، أي: جعْلُ عكس الحكم دليلًا"، وبهذا الدليل رُدّ على الكوفيين زعمُهم أن الخبر إذا كان ظرفا كان منصوبًا بالخلاف؛ ومعنى كلام الكوفيين أنه إذا قيل: زيدٌ أمامَك، وعمرو وراءَك، فالظرفان أمامَك ووراءَك منصوبان بالخلاف، وحجتهم في ذلك أن خبر المبتدأ هو المبتدأ في المعنى، فإذا قيل: زيدٌ قائمٌ، وعمرو جالسٌ، فزيدٌ مبتدأ، وقائمٌ خبره، فقائم هو زيد في المعنى، والقائم هو زيدٌ. وكذلك عمرو هو الجالس، والجالس هو عمرو. فيستحقّ الخبر أن يكون مرفوعًا. وإذا قيل: زيدٌ أمامَك، وعمرو وراءَك، لم يكن أمامك في المعنى هو زيد، ولا وراءك في المعنى هو عمرو، كما كان قائمٌ في المعنى هو زيد، فلما كان مخالفًا نُصب على الخلاف.
ومما سبق يتبين أن الكوفيين يرون أن عامل النصب في الظرف الواقع خبرًا هو عاملٌ معنوي عبروا عنه باسم الخلاف، ومعناه هنا: المخالفة بين الخبر والمبتدأ، وأرادوا به أن الخبر ليس هو المبتدأ في المعنى، وإنما هو مخالفٌ له. وقد أفسدَ الأنباريُّ هذا القولَ مستدلًّا على فساده بالعكس؛ لأنه لو كان عامل النصب في الظرف هو الخلاف لكان من الواجب أن يكون المبتدأ أيضًا منصوبًا؛ لأن الخلاف مصدر الفعل خالف، وبِنْيَةُ هذا الفعل تدل على المشاركة بين اثنين يخالف كلٌّ منهما صاحبَه، كما هو شأن المفاعلة، نحو: خاصمَ، ولا يُتصور الخصامُ من واحد، وكذلك جادل، ولا يُتصور الجدال من واحد، فإذا كان الخبر مخالفًا
стр. 168
للمبتدأ، فمعناه أن المبتدأ أيضًا مخالفٌ للخبر، وإذا كان الخلاف يوجب نصب الظرف كما زعم الكوفيون، فالواجب أيضًا نصبُ المبتدأ، ولو وافقناهم على زعمهم، فنقول: زيدًا أمامَك، بالنصب، ولا قائلَ به، فبطل ما استدلّ به الكوفيون.
يقول الأنباري في (الإنصاف): "لو كان الموجبُ لنصب الظرف كونَه مخالفًا للمبتدأ لكان المبتدأ أيضًا يجب أن يكون منصوبًا؛ لأن المبتدأ مخالف للظرف كما أن الظرفَ مخالفٌ للمبتدأ؛ لأن الخلاف لا يُتصوّرُ أن يكون من واحدٍ، وإنما يكون من اثنين فصاعدًا، فينبغي أن يُقال: زيدًا أمامَك، وعمرًا وراءك، وما أشبه ذلك، فلما لم يجز ذلك دلّ على فساد ما ذهبوا إليه". انتهى. وقد نقل السيوطي في (الاقتراح) كلام الأنباري باختصارٍ غير مخلٍّ؛ لأن الغاية التي سعى إليها هي بيان الاستدلال بالعكس، وأنه لَمَّا لَمْ يكن المبتدأ منصوبًا مع قيام الخلاف به أيضًا دلّ عدمُ نصبه على أن الخلاف لا يكون موجِبًا للنصب في الظرف، وإلا فإن كونَ الخلاف عاملًا في أحدهما دون الآخر تَحكُّمٌ، وترجيحٌ بلا مرجح، فكان عكسُ الحكم دليلًا على نفيه.
رأي البصريين في عامل النصب في الظرف الواقع خبرًا: ذهب جمهور البصريين إلى أن عامل النصب في الظرف الواقع خبرًا هو فعلٌ مقدر، والتقدير: زيدٌ استقرَّ أمامَك، وعمرو استقرّ وراءَك، وذهب بعضهم إلى أنّ عامل النصب اسمُ فاعلٍ، والتقدير: زيدٌ مستقرٌّ أمامك، وعمرو مستقرٌّ وراءك، والقول بتقدير الفعل أولى من تقدير اسم الفاعل؛ لأن اسم الفاعل فرعٌ عن الفعل في العمل، والفعل أصلٌ في العمل، فلما وجب تقدير عاملٍ كان تقدير ما هو الأصل في العمل، وهو الفعل، أولى من تقدير ما هو الفرع فيه، وهو اسمُ الفاعل.
стр. 169
الاستدلال بالأصول
إن السيوطي قد عوّل في هذا العنصر على كلام أبي البركات الأنباري في كتابه (لمع الأدلة)، وقد ذهب الأنباريُّ إلى أن الاستدلالَ بالأصول هو أحدُ أوجهِ الاستدلال التي تُلحَق بالقياس، ويُعَدُّ الاستدلال بالأصول من جملة الأدلة التي يلجأ إليها النحويُّ عند المحاجَّاة والجدل؛ إذ إن المراد به إبطالُ مذهبٍ أو رأي بالرجوع إلى الأصل الذي أصّله النحويون. ومن الأصول التي أصلها النحويون أن يكون الرفع مقَدّمًا على غيره من أنواعِ الإعرابِ، وبهذا الأصل رَدَّ الأنباريُّ مذهبَ القائلين بأن عامل الرفع في الفعل المضارع المرفوع هو تجرده من الناصب والجازم؛ لأن القول بالتجرد معناه أن الفعل كان متلبسًا بهما قبل تجرده منهما، وفي القول بذلك مخالفة للأصول؛ إذ إن الأصل تقدُّمُ الرفع على غيره.
قال الأنباري في (لمع الأدلة): "وأما الاستدلال بالأصول فمِثل أن يُسْتَدَلَّ على إبطال مذهبِ مَن ذهب إلى أن رفعَ المضارع إنما كان لسلامته من العوامل الناصبة والجازمة، بأن ما ذهبَ إليه يُؤدي إلى خلاف الأصول؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون الرفع بعد النصب والجزم، وهذا خلاف الأصول؛ لأن الأصول تدل على أن الرفع قبل النصب؛ لأن الرفع صفة الفاعل، والنصب صفة المفعول، كما أن الفاعل قبل المفعول، فكذلك الرفع قبل النصب، وكذلك تدل الأصول على أن الرفع قبل الجزم؛ لأن الرفع في الأصل من صفات الأسماء، والجزم من صفات الأفعال، وكما أن رتبة الأسماء قبل رتبة الأفعال، فكذلك الرفع قبل الجزم". انتهى.
وفي كلام أبي البركات الأنباري إجمالٌ يَحتاج إلى تفصيل يكشفه ويبينه، وهو أن نقول: إن الأنباريَّ قد رد مذهبًا من المذاهب وأبطل قولًا من الأقوال بالرجوع إلى الأصول التي استقرت عند النحويين، فقد استقر عند النحويين أن الرفع مُقَدَّمٌ على غيره من أنواع الإعراب، فهو مقدَّم على النصب والجزم، فإذا كان الفعل
стр. 170
المضارعُ مرفوعًا فإنه لا يجوز عند الأنباري أن يُقال: إن رافعه هو تجرده من الناصب والجازم؛ لأن التعبير بالتجرد منهما يؤدِّي إلى سبقهما للرفع، ويؤدي إلى أن المضارع تجرد منهما بعد أن كان متلبسًا بهما، وهو خلاف الأصول؛ إذ إن الأصول شاهدةٌ بتقدم الرفع عليهما.
ويدل على تقدم الرفع على النصب أن الرفع حكمٌ ثابتٌ للفاعل، وهو عمدةٌ، كما أن النصبَ حكمٌ ثابتٌ للمفعول به، وهو فَضلةٌ، فكما أن الفاعلَ قبل المفعول مَنْزِلَة واعتبارا، فكذلك الرفع يكون قبل النصب مَنْزِلَةً واعتبارًا. ويدل على تقدم الرفع على الجزم أن الرفع في الأصل صفة من صفات الأسماء، والجزم من صفات الأفعال، والأسماء متقدمة في الرتبة على الأفعال، فكذلك الرفع متقدمٌ في الرتبة على الجزم.
وخلاصة ما سبق أن الأصلَ هو تقدم الرفع على النصب والجزم، فمن قال: إن المضارع مرفوعٌ بتجرده من الناصب والجازم فقد قدم النصبَ والجزمَ على الرفع، وبذلك يكون قد خالف أصلًا من أصول النحاة، فلا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ولا يُرتضَى مذهبه عند الأنباري. وهذا القولُ الذي رده الأنباريُّ واستدل على إبطاله بالأصول هو رأي حُذّاق الكوفيين، يقول الفَرّاءُ في (معاني القرآن) عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (البقرة: ٨٣): "رُفعت: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ لأن دخول أنْ يصلح فيها، فلما حُذف الناصب رُفعت، وهو القول الذي يجري على ألسنة المعربين".
ونختم بقول أحد الباحثين المعاصرين: " والحق أن استدلال الأنباري يبدو عليه التكلف؛ إذ يُمكن الاعتراضُ عليه من عدة أوجه؛ فمن الممكن أن نقول: إن التعريَ أسبقُ من التقييد، فالتعري أولًا، ولما كان الرفع هو الأول كان ملازمًا للتعري، كما يمكن أن يُقال: إن الفعلَ المضارعَ رُفِعَ؛ لأنه لم يدخل عليه ناصبٌ فينصبَه، ولا جازمٌ فيجزمَه، دون أن نمَس أسبقية الرفع للنصب والجزم ".
هذا والله ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 171
الدرس: ١٣ عدم النظير .
стр. 172
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث عشر
(عدم النظير)
معنى عدم النظير، ومتى يحتج به ؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه؛ أما بعد:
النظير في اللغة: المناظر والنِّظْر، والمثل والمثيل والمساوي، وفلان منقطع النظير أي: منفرد في بابه. والمراد به في الاصطلاح: ألا يكون للشيء نظائر في بابه، بمعنى: أنه واحد لم يرد به سماع، وقد أفرد ابن جني لعدم النظير بابًا في (الخصائص) عنوانه: باب في عدم النظير، ولخصه السيوطي في (الاقتراح) وبدأه بقوله: "ومنها الاستدلال بعدم النظير"، أي: ومن أدلة النحو المتفرقة التي لا تُحصر عدم النظير، ومعنى الاستدلال به النفي لعدم وجود دليل الإثبات. ولذلك قال السيوطي في ضَوْء ما نقله عن ابن جني: "وإنما يكون دليلًا على النفي لا على الإثبات"، وقال أيضًا: "وإنما يُستدل بعدم النظير على النفي حيث لم يقم الدليل على الإثبات، فإن قام لم يلتفت إليه؛ لأن إيجاد النظير بعد قيام الدليل إنما هو للأُنس به لا للحاجةِ إليه".
ومعنى هذا أن النظير يصحح الحكم النحوي وأن عدمه ينفيه، وقد أكثر النحويون من الاحتكام إلى النظائر، وتعددت أقوالهم الدالة على قبولهم ما له نظير وردهم ما ليس له نظير، ومن أقوالهم الدالة على ذلك قولهم: الحَمْل على ما له نظير أولى من الحمل على ما لا نظيرَ له، وقولهم: ما لا نظير له في العربية، ولا يشهد له شاهد من العلل النحوية يكون فاسدًا، وقولهم: الحمل على ما له نظير وإن قل وخرج عن القياس أولى من قول لا نظير له، وقولهم: إذا أدى القول إلى ما لا نظير له وجب رفضه واطراح الذهاب إليه.
ومع كثرة أقوال النحويين في هذا الشأن فإنه لا يشترط إيجاد النظير في إثبات شيء إذا قام الدليل معه، وإنما يجب إيجاد النظير إذا لم يقم الدليل، وإلى هذا الأمر
стр. 173
أشار ابن جني بقوله في (الخصائص): "أما إذا دل الدليل فإنه لا يجب إيجاد النظير، وذلك مذهب صاحب (الكتاب) -يعني: سيبويه- فإنه حكى فيما جاء على فِعِل إبلًا وحدها، ولم يمنع الحكم بها عنده أن لم يكن لها نظير؛ لأن إيجاد النظير بعد قيام الدليل إنما هو للأنس به لا للحاجة إليه"، انتهى. ومعنى ما ذكره ابن جني أن سيبويه ﵀ لم يذكر مما جاء على وزن فِعل، بكسر الفاء والعين، إلا كلمة واحدة، وهي إبل وقال في (الكتاب): "ويكون -أي: ما كان على ثلاثة أحرف من غير الأفعال- فِعِلًا في الاسم، وهو قليل لا نعلم في الأسماء والصفات غيره"، انتهى. ولم يمنع سيبويه هذا الوزن مع أنه لا يعلم له نظيرًا؛ لأنه قد قام الدليل من السماع الصحيح على وجوده، وإذا قام الدليل على إثبات شيء لم تكن هناك حاجة إلى إيجاد نظيره ولا عبرة بعدمه، وإذا وجد فإنه يكون مؤنسًا ولا يتوقف ثبوت الحكم عليه. وقد قال ابن جني في (الخصائص): "إذا قام الدليل لم يلزم النظير"، انتهى.
ومما قام الدليل على صحته ولا نظير له في الكلام لفظ أندلس، بفتح الهمزة، وسكون النون، وفتح الدال، وضم اللام، وقد قام الدليل فيه على زيادة النون، وهو أنه لو لم يحكم بزيادتها لحكم بأصالتها فيكون الوزن فَعْلَلُلا، وليس في ذوات الخمسة الأحرف شيء على وزن فَعْلَلُل تكون فيه النون أصلًا لوقوعها موقع العين، فوجب أن تكون النون زائدة، وأن يكون على وزن أنفعُلٍِ بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الفاء وضم العين، وليس في العربية على هذا الوزن غير هذا اللفظ، وهو مقبول غير مردود، مع أنه بناء لا نظير له، وإنما قُبل هذا البناء مع عدم نظيره لقيام الدليل عليه، والدليل هو أن النون زائدة لا محالة، وإذا ثبت زيادة النون بقي في الكلمة ثلاثة أحرف أصول، وهي: الدال واللام والسين، وفي أولها همزة، ومتى وقع ذلك حكمت بزيادة الهمزة؛ لأنها واقعة
стр. 174
قبل ثلاثة أصول، ولا تكون النون أصلًا والهمزة زائدة؛ لأن ذوات الأربعة لا تلحقها الزيادة من أولها إلا في الأسماء الجارية على أفعالها، نحو: مدحرج وبابه.
فقد وجب إذن الحكم بأن الهمزة والنون زائدتان، وعليه تكون الكلمة على وزن أنْفَعُل وإن كان مثالًا لا نظير له. ومما قام الدليل على صحته ولم يثبت له في الكلام نظير أيضًا، ما ذكره سيبويه من أنهم قد ثبت في كلامهم فعُلت تفعل بضم العين في الماضي، وفتحها في المضارع، وهو كُت تكاد ولا يوجد غيره. قال سيبويه: "وقد قال بعض العرب: كت تكاد، فقال: فعلت تفعل". كما أثبت سيبويه وزنًا وهو انفعل بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الفاء وسكون العين، وقد أثبته سيبويه بكلمة انقحل: وهو الرجل الذي يبس جلده على عظمه من البؤس والكبر والهرم، وإن لم يحك غيره، فقال: "ويكون على انفعل قالوا: انقحل في الوصف لا غير".
ومن هذه الأمثلة وغيرها يتبين أنه إذا قام الدليل على صحة شيء لم تكن هناك حاجة إلى النظير، وقد أشار إلى ذلك ابن جني بقوله في (الخصائص): "ألا تعلم أن القياس إذا أجاز شيئًا وسُمع ذلك الشيء عينه فقد ثبت قدمه، وأخذ من الصحة والقوة مأخذه، ثم لا يقدح فيه ألا يوجد له نظير؛ لأن إيجاد النظير وإن كان مأنوسًا به فليس في واجب النظير إيجاده، ألا ترى أن قولهم في شنوءة: شَنَئي لَمَّا قبله القياس لم يقدح فيه عدم نظيره، نعم، ولم يرضَ له أبو الحسن -أي: الأخفش- بهذا القدر من القوة حتى جعله أصلًا يُرد إليه"، انتهى. وقال: "وليس يلزم إذا قاد الظاهر إلى إثبات حكم تقبله الأصول ولا تستنكره، ألا يحكم به حتى يوجد له نظير، وذلك أن النظير لعمري مما يؤنس به، فأما ألا تثبت الأحكام إلا به فلا"، انتهى.
стр. 175
ومعنى ما ذكره ابن جني: هو أن النظير يوجد للأنس به عند عدم الدليل، ولا يلتفت إليه، ولا يعول عليه إذا قام الدليل على حكم نحوي، وأنه إذا ورد الدليل فإن عدم النظير لا يضر، وأنه لا ينظر إلى عدم النظير عند قيام دليل الحكم وثبوته، وإنما تكون الحاجة إلى إيجاد النظير إذا لم يقم الدليل، وقد نبه ابن جني على ذلك بقوله في (الخصائص): "فأما إن لم يقم دليل، فإنك محتاج إلى إيجاد النظير، ألا ترى إلى عِزويت، لَمَّا لَمْ يقم الدليل على أن واوه وتاءه أصلان احتجتَ إلى التعلل بالنظير، فمنعتَ من أن يكون فِعويلًا لما لم تجد له نظيرًا، وحملتَه على فِعليت؛ لوجود النظير، وهو عِفريت ونفريت"، انتهى.
ويفيد كلام ابن جني هنا أن النظير يحتاج إليه إذا لم يقم الدليل، فلفظ عزويت -ومعناه القصير أو اسم موضع- لا دليل فيه على أن واوه وتاءه حرفان أصليان، فربما يكونان أصليين، وربما يكونان زائدين، ويختلف وزنه باختلاف القول بأصالتهما وزيادتهما، فيحتمل أن يكون على وزن فِعويل، وأن يكون على وزن فعليت، والوزن الأول فعويل لا نظير له، والثاني فِعليت له نظير، نحو: عفريت ونفريت، فصح أن القول بأنه على وزن فعليت هو القول المرضي لوجود نظائره. كما ذكر ابن جني أنه إذا اجتمع الدليل والنظير فهو الغاية، فقال في (الخصائص): "فإن ضام الدليل النظير فلا مذهبَ بك عن ذلك، وهذا كنون عنتر، فالدليل يقضي بكونها أصلًا؛ لأنها مقابلة لعين جَعفر، والمثال أيضًا معك، وهو فعلل، وكذلك القول على بابه، فاعرف ذلك وقِسه"، انتهى. فقوله: "والمثال أيضًا معك"، يعني: والنظير أيضًا موجود معك.
стр. 176
أمثلة من احتجاج النحويين بعدم النظير
إذ قد انتهينا إلى معرفة أن النظير يحتاج إليه إذا لم يكن هناك دليل، فإننا نشير إلى أن النحويين قد احتجوا كثيرًا بعدم النظير، وردوا ما لا نظيرَ له في الكلام. والأمثلة على ذلك في النحو والصرف كثيرة جدًّا، نذكر منها ما يلي:
أولًا: ما استدل به المازني ردًّا على من زعم أن السين وسوف ترفعان الفعل المضارع، فقد رد المازني هذا القول: بأنه لا يوجد في العربية عامل في الفعل تدخل عليه اللام، والمراد بها لام الابتداء، وقد دخلت اللام على سوف في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (الضحى: ٥)، فالقول بعمل سوف يُفضي إلى عدم النظير. قال ابن جني في (الخصائص): "قال أبو عثمان - يعني: المازني- في الرد على مَن ادعى أن السين وسوف ترفعان الأفعال المضارعة: لم نرَ عاملًا في الفعل تدخل عليه اللام، وقد قال سبحانه: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (الشعراء: ٤٩) فجعل عدم النظير ردًّا على مَنْ أنكر قوله". انتهى.
ثانيًا: ما احتج به المبرد على رد قول الخليل وسيبويه: بأن اسم لا النافية للجنس إذا كان مثنى أو مجموعًا جمعًا سالمًا لمذكر نحو: لا غلامين في الدار، ونحو: لا ناصرين لعدو، يكون مبنيًّا مركبًا مع لا، وتكون لا مع اسمها في موضع رفع بالابتداء. قال سيبويه: "وترك التنوين لما تعمل فيه لازم أي: لما تعمل فيه لا النافية للجنس؛ لأنها جعلت وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد، نحو: خمسة عشر، ولا وما تعمل فيه في موضع ابتداء، وقال: واعلم أن المنفي الواحد إذا لم يل لك، فإنما يذهَب منه التنوين كما أُذهب من آخر خمسة عشر لا كما أذهب من المضاف، والدليل على ذلك أن العرب تقول: لا غلامين عندك، ولا غلامين
стр. 177
فيها، ولا أب فيها، وأثبتوا النون؛ لأن النون لا تُحذف من الاسم الذي يُجعل وما قبله أو وما بعده بمنزلة اسم واحد، ألا تراهم قالوا: الذين في الدار، فجعلوا الذين وما بعده من الكلام بمنزلة اسمين جعلَا اسمًا واحدًا، ولم يحذفوا النون؛ لأنها لا تجيء على حد التنوين، ألا تراها تدخل في الألف واللام وما لا ينصرف"، انتهى.
فقال المبرد في (المقتضب): "وكان الخليل وسيبويه يزعمان أنك إذا قلت: لا غلامين لك، أن غلامين مع لا اسم واحد وتثبت النون كما تثبت مع الألف واللام، وفي تثنية ما لا ينصرف وجمعه، نحو قولك: هذان أحمران، وهذان المسلمان، فالتنوين لا يثبت في واحد من الموضعين، فرقوا بين النون والتنوين، واعتلوا بما ذكرت لك، وليس القول عندي كذلك؛ لأن الأسماء المثناة والمجموعة بالواو والنون لا تكون مع ما قبلها اسمًا واحدًا، لم يوجد ذلك"، انتهى ما قاله المبرد. وقال ابن يعيش في (شرح المفصل) ملقيًا الضوء على هذا الخلاف: "وتقول: لا غلامين لك، ولا ناصرين لزيد، فالاسم المنفي مبني مع لا بناء خمسة عشر كما كان كذلك في قولك: لا أب لك؛ لأن الموضع موضع بناء لا مانعَ من ذلك، وتثبت النون فيه كما تثبت مع الألف واللام وتثنية ما لا ينصرف، نحو قولك: هذان أحمران، وهذان المسلمان، والتنوين لا يثبت في واحد من الموضعين؛ وذلك لقوة النون مع الحركة، هذا مذهب الخليل وسيبويه".
وذهب أبو العباس المبرد: إلى أنهما معربان وليسا مبنيين مع لا"، وذكر ابن يعيش عبارة المبرد، ثم عقَّب عليها بقوله: "وهذا -أي: كلام المبرد- إشارة إلى عدم النظير". انتهى ما قاله ابن يعيش. أي: أن المبرد رد مذهب الخليل وسيبويه بأنه يؤدي إلى عدم النظير، وهو تركيب الأسماء المثناة والمجموعة مع ما قبلها.
стр. 178
ثالثًا: ما احتج به ابن السرَّاج على رد إجازة الكوفيين نصب واقفًا على الخبر في نحو قولك: مررت بزيد واقفًا، وإجازتهم إدخال الألف واللام فيه، قال: "وتقول: مررت بزيد واقفًا، فتنصب واقفًا على الحال، والكوفيون يجيزون نصبه على الخبر، يجعلونه كنصب خبر كان وخبر الظن، ويجيزون فيه إدخال الألف واللام، ويكون: مررت عندهم، على ضربين: مررت بزيد، فتكون تامة، ومررت بزيد أخاك، فتكون ناقصة إن أسقطت الأخ كنقصان كان إذا قلت: كان زيد أخاك، ثم أسقطت الأخ، كان ناقصًا حتى تجيء به. وهذا الذي أجازوه غير معروف عندي من كلام العرب، ولا موجود فيما يوجبه القياس"، انتهى. فقوله: "غير معروف ... " إلى آخره إشارة إلى عدم النظير.
رابعًا: ما احتج به أبو علي الفارسي على مَن قال: إن النون في شيطان زائدة، واستدل على أن لفظ شيطان على وزن فَيعال مثل لفظ بيطار، وليس على وزن فعلان؛ اعتمادًا على ما حكاه سيبويه عن العرب من قولهم: شيطنته فتشيطن، فلو كان من شاط يشيط لكان شيطنته فتشيطن: فعلنته فتفعلن، ولا نعلم هذا الوزن جاء في كلامهم، مما يدلك على أنه على وزن فيعلته مثل بيطرته، ووجه الاستدلال بما ذكره أبو علي أنه استدل على أصالة النون في لفظ شيطان بما حكاه سيبويه عن العرب من قولهم: تشيطن، وهو على وزن تفيعل لا تفعلن، إذ ليس من أبنيتهم تفعلن، فالنون هي لام الكلمة، فَحَمَلَ أبو علي لفظ تشيطن على ما له نظير نحو: تدهقن أي: صار دِهقانًا، وهو رئيس القرية أو الكثير المال، ولم يحمله على ما لا نظير له في كلامهم.
خامسًا: ما احتج به ابن جني على رد قول المازني: "إن الواو في حيوان أصلية وغير منقلبة عن ياء"، ورَد عليه: بأن ما عينه ياء ولامه واو غير موجود في
стр. 179
الكلام ولا نظير له، وذكر أن ما أجازه المازني مخالف للخليل وسيبويه؛ لأنهما يريان أن أصل حيوان حَيَيَان بياءين، فقلبت الياء الواقعة لامًا واوًا؛ استكراهًا لتوالي ياءين، ولا نعرف في الكلام ما عينه ياء ولامه واو، فذلك لا نظير له، فلا بد أن تكون الواو بدلًا من ياء.
سادسًا: ما احتج به أبو علي الشلوبين على رد قول مَن قال: إن الواو والألف والياء في الأسماء الستة علامات إعراب؛ لأن قوله يؤدي إلى عدم النظير، وأوضح: بأنا إذا قلنا بذلك في: فوك وذو مال، كان كل واحد منهما اسمًا معربًا على حرف واحد، وهذا لا نظير له في الأسماء المبنية إلا في الضمائر المتصلة بما قبلها، فما ظنك به في الأسماء المعربة؟.
سابعًا: ما احتج به ابن مالك على رد مذهب الزجاج والسيرافي في فتحة: لا رجلَ، وشبهه، فقد ذهب الزجاج والسيرافي إلى أن هذه الفتحة فتحة إعراب، وأن التنوين حذف منها تخفيفًا، ولشبهه بالمركب، ورده ابن مالك: بأنه يستلزم مخالفة النظائر؛ لأن الاستقراء قد أطلعنا على أن حذف التنوين من الأسماء المتمكنة لا يكون إلا لمنع صرف، أو للإضافة، أو لدخول الألف واللام، أو لكونه في عَلَم موصوف بابن مضاف إلى علم، أو لملاقاة ساكن، أو لوقف، أو لبناء، واسم لا النافية للجنس ليس واحدًا من الأنواع الستة الأولى، فتعين أن يكون من النوع السابع، وهو البناء.
ثامنًا: ما احتج به أبو حيان على رد مذهب الفراء في باب التنازع القائل: "إذا استوى العاملان في طلب المرفوع فالعمل لهما"، وذلك نحو: قام وقعد زيد، ويحسن ويسيء ابناك، فهو يرى: أن العاملين في الجملتين السابقتين ونحوهما كالعامل الواحد؛ لأن مطلوبهما واحد، فرَد ذلك أبو حيان: بأنه يؤدي إلى عدم
стр. 180
النظير، إذ لا يجتمع عاملان على معمول واحد إلا في التقدير، نحو: ليس زيد بجبان، يعني: لا يجوز أن يجتمع عاملان على معمول واحد في اللفظ وإن توجها إليه في المعنى؛ لأن العوامل كالمؤثرات، ولا يجوز اجتماع مؤثرين في محل واحد.
ونختم هذا العنصر مكتفين بما أوردناه من أمثلة تدل على مدى اهتمام العلماء بالاستدلال بعدم النظير، ومنبهين على أن السيوطي إن كان قد أوجز القول في عدم النظير في (الاقتراح) فقد أورد مبحثًا مطولًا في كتابه الموسوم بـ (الأشباه والنظائر) عنوانه: الحمل على ما له نظير أولى من الحمل على ما ليس له نظير، تضمن عددًا من الأمثلة على عدم النظير.
احتجاج أبي البركات الأنباري والسيوطي بعدم النظير
وإنما آثرنا أن نفرد احتجاج أبي البركات الأنباري والسيوطي بعدم النظير بهذا العنصر؛ لنبين أولًا: أن قول السيوطي في مبحث الاستدلال بعدم النظير عبارة، ولم يذكره ابن الأنباري وذكره ابن جني، مراده به أن أبا البركات الأنباري لم يذكر عدم النظير في أدلة الاحتجاج في كتابيه (الإغراب في جدل الإعراب) و (لمع الأدلة) لا أنه لم يحتج به البتة، إذ الواقع أنه قد احتج به كثيرًا في كتابه (الإنصاف في مسائل الخلاف). ولنبين ثانيًا: أن السيوطي مع أنه لم يذكر مثالًا يوحي باحتجاجه بعدم النظير في كتابه (الاقتراح) قد احتج به في كتابيه (همع الهوامع) و (الأشباه والنظائر). وإليك بعض الأمثلة على احتجاج الأنباري به في كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف).
أولًا: في المسألة الثانية، وعنوانها: الاختلاف في إعراب الأسماء الستة: احتج الأنباري بعدم النظير على رد مذهب الكوفيين في إعراب الأسماء الستة، وتأييد
следующие страницы →