Полный текст (294 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أمثلة من احتجاج النحويين بعدم النظير
إذ قد انتهينا إلى معرفة أن النظير يحتاج إليه إذا لم يكن هناك دليل، فإننا نشير إلى أن النحويين قد احتجوا كثيرًا بعدم النظير، وردوا ما لا نظيرَ له في الكلام. والأمثلة على ذلك في النحو والصرف كثيرة جدًّا، نذكر منها ما يلي:
أولًا: ما استدل به المازني ردًّا على من زعم أن السين وسوف ترفعان الفعل المضارع، فقد رد المازني هذا القول: بأنه لا يوجد في العربية عامل في الفعل تدخل عليه اللام، والمراد بها لام الابتداء، وقد دخلت اللام على سوف في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (الضحى: ٥)، فالقول بعمل سوف يُفضي إلى عدم النظير. قال ابن جني في (الخصائص): "قال أبو عثمان - يعني: المازني- في الرد على مَن ادعى أن السين وسوف ترفعان الأفعال المضارعة: لم نرَ عاملًا في الفعل تدخل عليه اللام، وقد قال سبحانه: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (الشعراء: ٤٩) فجعل عدم النظير ردًّا على مَنْ أنكر قوله". انتهى.
ثانيًا: ما احتج به المبرد على رد قول الخليل وسيبويه: بأن اسم لا النافية للجنس إذا كان مثنى أو مجموعًا جمعًا سالمًا لمذكر نحو: لا غلامين في الدار، ونحو: لا ناصرين لعدو، يكون مبنيًّا مركبًا مع لا، وتكون لا مع اسمها في موضع رفع بالابتداء. قال سيبويه: "وترك التنوين لما تعمل فيه لازم أي: لما تعمل فيه لا النافية للجنس؛ لأنها جعلت وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد، نحو: خمسة عشر، ولا وما تعمل فيه في موضع ابتداء، وقال: واعلم أن المنفي الواحد إذا لم يل لك، فإنما يذهَب منه التنوين كما أُذهب من آخر خمسة عشر لا كما أذهب من المضاف، والدليل على ذلك أن العرب تقول: لا غلامين عندك، ولا غلامين
стр. 177
فيها، ولا أب فيها، وأثبتوا النون؛ لأن النون لا تُحذف من الاسم الذي يُجعل وما قبله أو وما بعده بمنزلة اسم واحد، ألا تراهم قالوا: الذين في الدار، فجعلوا الذين وما بعده من الكلام بمنزلة اسمين جعلَا اسمًا واحدًا، ولم يحذفوا النون؛ لأنها لا تجيء على حد التنوين، ألا تراها تدخل في الألف واللام وما لا ينصرف"، انتهى.
فقال المبرد في (المقتضب): "وكان الخليل وسيبويه يزعمان أنك إذا قلت: لا غلامين لك، أن غلامين مع لا اسم واحد وتثبت النون كما تثبت مع الألف واللام، وفي تثنية ما لا ينصرف وجمعه، نحو قولك: هذان أحمران، وهذان المسلمان، فالتنوين لا يثبت في واحد من الموضعين، فرقوا بين النون والتنوين، واعتلوا بما ذكرت لك، وليس القول عندي كذلك؛ لأن الأسماء المثناة والمجموعة بالواو والنون لا تكون مع ما قبلها اسمًا واحدًا، لم يوجد ذلك"، انتهى ما قاله المبرد. وقال ابن يعيش في (شرح المفصل) ملقيًا الضوء على هذا الخلاف: "وتقول: لا غلامين لك، ولا ناصرين لزيد، فالاسم المنفي مبني مع لا بناء خمسة عشر كما كان كذلك في قولك: لا أب لك؛ لأن الموضع موضع بناء لا مانعَ من ذلك، وتثبت النون فيه كما تثبت مع الألف واللام وتثنية ما لا ينصرف، نحو قولك: هذان أحمران، وهذان المسلمان، والتنوين لا يثبت في واحد من الموضعين؛ وذلك لقوة النون مع الحركة، هذا مذهب الخليل وسيبويه".
وذهب أبو العباس المبرد: إلى أنهما معربان وليسا مبنيين مع لا"، وذكر ابن يعيش عبارة المبرد، ثم عقَّب عليها بقوله: "وهذا -أي: كلام المبرد- إشارة إلى عدم النظير". انتهى ما قاله ابن يعيش. أي: أن المبرد رد مذهب الخليل وسيبويه بأنه يؤدي إلى عدم النظير، وهو تركيب الأسماء المثناة والمجموعة مع ما قبلها.
стр. 178
ثالثًا: ما احتج به ابن السرَّاج على رد إجازة الكوفيين نصب واقفًا على الخبر في نحو قولك: مررت بزيد واقفًا، وإجازتهم إدخال الألف واللام فيه، قال: "وتقول: مررت بزيد واقفًا، فتنصب واقفًا على الحال، والكوفيون يجيزون نصبه على الخبر، يجعلونه كنصب خبر كان وخبر الظن، ويجيزون فيه إدخال الألف واللام، ويكون: مررت عندهم، على ضربين: مررت بزيد، فتكون تامة، ومررت بزيد أخاك، فتكون ناقصة إن أسقطت الأخ كنقصان كان إذا قلت: كان زيد أخاك، ثم أسقطت الأخ، كان ناقصًا حتى تجيء به. وهذا الذي أجازوه غير معروف عندي من كلام العرب، ولا موجود فيما يوجبه القياس"، انتهى. فقوله: "غير معروف ... " إلى آخره إشارة إلى عدم النظير.
رابعًا: ما احتج به أبو علي الفارسي على مَن قال: إن النون في شيطان زائدة، واستدل على أن لفظ شيطان على وزن فَيعال مثل لفظ بيطار، وليس على وزن فعلان؛ اعتمادًا على ما حكاه سيبويه عن العرب من قولهم: شيطنته فتشيطن، فلو كان من شاط يشيط لكان شيطنته فتشيطن: فعلنته فتفعلن، ولا نعلم هذا الوزن جاء في كلامهم، مما يدلك على أنه على وزن فيعلته مثل بيطرته، ووجه الاستدلال بما ذكره أبو علي أنه استدل على أصالة النون في لفظ شيطان بما حكاه سيبويه عن العرب من قولهم: تشيطن، وهو على وزن تفيعل لا تفعلن، إذ ليس من أبنيتهم تفعلن، فالنون هي لام الكلمة، فَحَمَلَ أبو علي لفظ تشيطن على ما له نظير نحو: تدهقن أي: صار دِهقانًا، وهو رئيس القرية أو الكثير المال، ولم يحمله على ما لا نظير له في كلامهم.
خامسًا: ما احتج به ابن جني على رد قول المازني: "إن الواو في حيوان أصلية وغير منقلبة عن ياء"، ورَد عليه: بأن ما عينه ياء ولامه واو غير موجود في
стр. 179
الكلام ولا نظير له، وذكر أن ما أجازه المازني مخالف للخليل وسيبويه؛ لأنهما يريان أن أصل حيوان حَيَيَان بياءين، فقلبت الياء الواقعة لامًا واوًا؛ استكراهًا لتوالي ياءين، ولا نعرف في الكلام ما عينه ياء ولامه واو، فذلك لا نظير له، فلا بد أن تكون الواو بدلًا من ياء.
سادسًا: ما احتج به أبو علي الشلوبين على رد قول مَن قال: إن الواو والألف والياء في الأسماء الستة علامات إعراب؛ لأن قوله يؤدي إلى عدم النظير، وأوضح: بأنا إذا قلنا بذلك في: فوك وذو مال، كان كل واحد منهما اسمًا معربًا على حرف واحد، وهذا لا نظير له في الأسماء المبنية إلا في الضمائر المتصلة بما قبلها، فما ظنك به في الأسماء المعربة؟.
سابعًا: ما احتج به ابن مالك على رد مذهب الزجاج والسيرافي في فتحة: لا رجلَ، وشبهه، فقد ذهب الزجاج والسيرافي إلى أن هذه الفتحة فتحة إعراب، وأن التنوين حذف منها تخفيفًا، ولشبهه بالمركب، ورده ابن مالك: بأنه يستلزم مخالفة النظائر؛ لأن الاستقراء قد أطلعنا على أن حذف التنوين من الأسماء المتمكنة لا يكون إلا لمنع صرف، أو للإضافة، أو لدخول الألف واللام، أو لكونه في عَلَم موصوف بابن مضاف إلى علم، أو لملاقاة ساكن، أو لوقف، أو لبناء، واسم لا النافية للجنس ليس واحدًا من الأنواع الستة الأولى، فتعين أن يكون من النوع السابع، وهو البناء.
ثامنًا: ما احتج به أبو حيان على رد مذهب الفراء في باب التنازع القائل: "إذا استوى العاملان في طلب المرفوع فالعمل لهما"، وذلك نحو: قام وقعد زيد، ويحسن ويسيء ابناك، فهو يرى: أن العاملين في الجملتين السابقتين ونحوهما كالعامل الواحد؛ لأن مطلوبهما واحد، فرَد ذلك أبو حيان: بأنه يؤدي إلى عدم
стр. 180
النظير، إذ لا يجتمع عاملان على معمول واحد إلا في التقدير، نحو: ليس زيد بجبان، يعني: لا يجوز أن يجتمع عاملان على معمول واحد في اللفظ وإن توجها إليه في المعنى؛ لأن العوامل كالمؤثرات، ولا يجوز اجتماع مؤثرين في محل واحد.
ونختم هذا العنصر مكتفين بما أوردناه من أمثلة تدل على مدى اهتمام العلماء بالاستدلال بعدم النظير، ومنبهين على أن السيوطي إن كان قد أوجز القول في عدم النظير في (الاقتراح) فقد أورد مبحثًا مطولًا في كتابه الموسوم بـ (الأشباه والنظائر) عنوانه: الحمل على ما له نظير أولى من الحمل على ما ليس له نظير، تضمن عددًا من الأمثلة على عدم النظير.
احتجاج أبي البركات الأنباري والسيوطي بعدم النظير
وإنما آثرنا أن نفرد احتجاج أبي البركات الأنباري والسيوطي بعدم النظير بهذا العنصر؛ لنبين أولًا: أن قول السيوطي في مبحث الاستدلال بعدم النظير عبارة، ولم يذكره ابن الأنباري وذكره ابن جني، مراده به أن أبا البركات الأنباري لم يذكر عدم النظير في أدلة الاحتجاج في كتابيه (الإغراب في جدل الإعراب) و (لمع الأدلة) لا أنه لم يحتج به البتة، إذ الواقع أنه قد احتج به كثيرًا في كتابه (الإنصاف في مسائل الخلاف). ولنبين ثانيًا: أن السيوطي مع أنه لم يذكر مثالًا يوحي باحتجاجه بعدم النظير في كتابه (الاقتراح) قد احتج به في كتابيه (همع الهوامع) و (الأشباه والنظائر). وإليك بعض الأمثلة على احتجاج الأنباري به في كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف).
أولًا: في المسألة الثانية، وعنوانها: الاختلاف في إعراب الأسماء الستة: احتج الأنباري بعدم النظير على رد مذهب الكوفيين في إعراب الأسماء الستة، وتأييد
стр. 181
مذهب البصريين، إذ ذهب البصريون إلى أنها معربة من مكان واحد، والواو والألف والياء هي حروف الإعراب، وذهب الكوفيون إلى أنها معربة من مكانين، وأيد الأنباري مذهب البصريين بأن له نظيرًا؛ لأن كل معرب في كلامهم ليس له إلا إعراب واحد، كما رد مذهب الكوفيين بأنهم ذهبوا إلى ما لا نظير له في كلامهم، فإنه ليس في كلامهم معرب له إعرابان، والمصير إلى ما له نظير أولى من المصير إلى ما لا نظير له.
ثانيًا: في المسألة الثالثة، وعنوانها: القول في إعراب المثنى والجمع على حده: ذكر أن النحاة قد اختلفوا في الألف والواو والياء في التثنية والجمع، وأن الجرمي ذهب إلى أن انقلابها هو الإعراب، وأن هذا المذهب قد أفسده بعض النحويين من وجهين: أحدهما: أن هذا يؤدي إلى أن يكون الإعراب بغير حركة ولا حرف، وهذا لا نظير له في كلامهم.
ثالثًا: في المسألة الخامسة والأربعين، وعنوانها: المنادَى المفرد العلم معرب أو مبني؟: ذهب إلى أن الكوفيين قالوا: إن الاسم المنادى المعرف المفرد معرب مرفوع بغير تنوين، محتجين بأنا إنما قلنا ذلك؛ لأنا وجدناه لا معرب له يصحبه من رافع ولا ناصب ولا خافض، ووجدناه مفعول المعنى، فلم نخفضه لئلا يشبه المضاف، ولم ننصبه لئلا يشبه ما لا ينصرف، فرفعناه بغير تنوين إلى آخره. ورد عليهم: بأن قولهم: إن المنادى لا معرب له يصحبه. غير مسلَّم، وبأن قولهم: إنا رفعناه قلنا لهم: وكيف رفعتموه ولا رافعَ له؟ وهل لذلك قط نظير في العربية؟ وأين يوجد فيها مرفوع بلا رافع أو منصوب بلا ناصب أو مخفوض بلا خافض؟ وهل ذلك إلا تحكم محض لا يستند إلى دليل؟!
стр. 182
احتجاج السيوطي:
المثال الأول: ذكر في (الهمع): أن في إعراب الأسماء الستة اثني عشر مذهبًا، سادسها: أنها معربة من مكانين بالحركات والحروف معًا، وعليه الكسائي والفراء، ورد بأنه لا نظير له، وسابعها: أنها معربة بالتغير والانقلاب حالة النصب والجر، وبعدم ذلك حالة الرفع، وعليه الجرمي، ورد بأنه لا نظير له. والمثال الثاني: ذكره في (الهمع) كذلك: بأن جملة ما يعرف به الزائد تسعة أشياء، تاسعها: لزوم عدم النظير بتقدير أصالته فيما هو منه، أو في نظير ما هو منه، وذكر أن مثال الأول ملوط وهو مِقرعة الحديد، فالواو زائدة والميم أصلية، ووزنه فعول؛ لأنه لو عكس لكان وزنه مفُعلًا، ومَفُعْل مفقود، وفَعُول موجود، نحو: عتود، وهو ولد المعز، وعسول، وهو الذئب.
وذكر مثال الثاني أن يكون في اللفظ حرف لا يمكن حمله إلا على أنه زائد، ثم يُسمع في ذلك اللفظ لغة أخرى يحتمل ذلك الحرف فيها أن يحمل على الأصالة، وعلى الزيادة، فيُقضى عليه بالزيادة لثبوت زيادته في اللغة الأخرى التي هي نظيرة هذه، وذلك نحو: تَتْفُل، وهو ولد الثعلب، فإن فيه لغتين: فتح التاء الأولى، وضم الفاء، وضمها مع الفاء، فمن فتح التاء فلا يمكن أن تكون عنده إلا زائدة، إذ لو كانت أصلية لكان وزن الكلمة فعلُلًا بضم اللام الأولى، ولم يرِد مثل ذلك في كلامهم، ومَن ضم التاء أمكن أن تكون عنده أصلية.
هذا والله ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 183
الدرس: ١٤ الاستدلال بالاستحسان .
стр. 184
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع عشر
(الاستدلال بالاستحسان)
معنى الاستحسان، ومكانته بين أدلة النحو
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه؛ أما بعد:
إن الاستحسان في اللغة: عَدُّ الشيء حسنًا، وأصله مصطلح من مصطلحات الفقه وأصوله، وهو أحد الأدلة المختلف فيها عند الفقهاء، ومن تعاريفه: أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد وتقصر عنه عبارته فلا يقدر على إظهاره، وقيل: إن الاستحسان عبارة عن دليل يقابل القياس الجلي الذي تسبق إليه الأفهام، وهذا المعنى ينقاد مع ما أراده ابن جني الذي أفرد له بابًا في (الخصائص) عنوانه: باب في الاستحسان. وكما اختلف الفقهاء في الأخذ به اختلف النحويون أيضًا في الأخذ به على قولين؛ الأول: عدم الأخذ بالاستحسان؛ لأن في الأخذ به تركًا للقياس ومخالفة له. والثاني: جواز الأخذ به، وقد حكى القولين أبو البركات الأنباري، فقال في (لمع الأدلة): "اعلم أن العلماء اختلفوا في الأخذ به، فذهب بعضهم إلى أنه غير مأخوذ به؛ لِمَا فيه من التحكم وترك القياس، وذهب بعضهم إلى أنه مأخوذ به، واختلفوا فيه، فمنهم من قال: هو ترك قياس الأصول لدليل، ومنهم من قال: هو تخصيص العلة"، انتهى.
ومعنى ما ذكره الأنباري: أن القائلين بجواز الأخذ بالاستحسان قد اختلفوا في حقيقته، فذهب بعضهم إلى أن المراد به هو أن يُترك الأصل إلى غيره لدليل، وقد ذكر الأنباري أن من أمثلة ترك قياس الأصول مذهب مَن ذهب إلى أن رافع الفعل المضارع عند تجرده من الناصب والجازم، هو حرف المضارعة الزائد في أوله، يعني: أن القائل بذلك قد ترك قياسَ الأصول؛ لأن حرف المضارعة صار جزءًا من الفعل، والأصولُ تدل على أن يكون العامل غيرَ المعمول، وألا يكون جزءًا
стр. 185
منه؛ لأن جزء الشيء لا يعمل فيه، وقد نسب هذا الرأي للكسائي، وقد ترك قياس الأصول لدليل اعتمد عليه، وهو ملازمة هذه الأحرف للمضارع في الأحوال الثلاثة، ولم تعمل مع عاملي النصب والجزم؛ لقوتهما عنها.
وذهب بعضهم إلى أن المراد بالاستحسان تخصيص العلة، ومعنى تخصيص العلة عدم اطرادها، ومثال تخصيص العلة: ما جاء في جمع أرض جمعًا سالمًا لمذكر بالواو والنون رفعًا، والياء والنون نصبًا وجرًّا، مع أنها ليست عَلَمًا لمذكر ولا صفةً له، فقد فقدت شروط جمع المذكر السالم؛ لأنها اسم جنس جامد مؤنث، وإنما جُمِعت هذا الجمع، فقيل: أرضون، عوضًا من حذف تاء التأنيث؛ لأن الأصل أن يقال في أرض: أرضة، بالهاء الدالة على التأنيث؛ لأنها علامة لفظية، فهي أصل لتقديرها، فلما حُذِفت التاء في اللفظ مع بقاء معناها جُمعت بالواو والنون عوضًا من التاء المحذوفة. ونلحظ: أن هذه العلة غير مطردة، فالعرب قد خصصوا هذه اللفظة بجمعها جمع مذكر سالمًا، ولم يُسمع ذلك في نظائرها من كل اسم مؤنث حُذفت منه تاء التأنيث، نحو: شمس وقِدر ودار، فإن الأصل في هذه الكلمات الثلاث: شمسة وقدرة ودارة، ولا يجوز أن تجمع بالواو والنون، فلا يقال: شمسون ولا قدرون ولا دارون؛ لأن هذا الباب سَماعي يُقتصر فيه على ما ورد، ولا يتعداه إلى غيره.
كما نلحظ: أن الاستحسان لا يكون إلا عن دليل؛ لأن فيه عدولًا عن القياس، ولا يعدل عن القياس إلا بدليل، ولذلك نعَى الأنباري على مَن أجاز الاستحسان بلا دليل، وذكر أن القائل بذلك لا يُلتفت إلى قوله ولا يُعول عليه، وأن ما حكي عن بعضهم من أن الاستحسان هو ما يستحسنه الإنسان من غير دليل، فليس عليه تعويل. وبعد أن عَرَضْنا مذهبي العلماء في الاستحسان نشير
стр. 186
إلى أن ابن جني كان ممن يأخذون به، وقد أفرد له بابًا وبين في مقدمة هذا الباب أن علة الاستسحسان ضعيفة غير مستحكِمة، يعني: أنه لما كان الاعتماد فيه على ما يقابل الجلي من القياس كان جِماع أمره أن علته ضعيفة غير محكمة، إلا أن فيه ضربًا من الاتساع والتصرف.
مناقشة أمثلة الاستحسان التي وردت في (الاقتراح) في ضوء نص ابن جني
إنه مع ضعف علة الاستحسان وعدم إحكامها وجدنا ابن جني قد ساق كثيرًَا من الأمثلة مستدلًّا عليها بالاستحسان، وعليه اعتمد السيوطي، فنقل في (الاقتراح) بعض هذه الأمثلة وأعرض عن بعض، كما نقل مثالًا عن صاحب (البديع).
المثال الأول: تركك الأخف إلى الأثقل من غير ضرورة كقلب الياء واوًا في الأسماء، نحو قولهم: الفتوى، والبقوى -أي: الإبقاء- والتقوى، والشروى -أي: المثل- يقال: فلان لا يملك شروى نقير، أي: معدم، فإن الأصل فيها وفي نحوها أن يكون بالياء بأن يقال: فَتِي وبقي وتقي وشري؛ لأن الكلمة الأولى من فتي بالكسر: يفتَى فتًى، فهو فتي السن بَيِّنُ الفتاء، والثانية من بقي يبقَى، والثالثة من وقَى يقِي، والرابعة من شرَى الشيء يشريه. ولكن العرب قد خالفوا هذا الأصل فقلبوا الياء فيها واوًا من غير استحكام علة، أي: من غير علة قوية توجب قلب الياء واوًا؛ لأنه يمكن بقاؤها على حالها من غير مخالفة شيء من الأصول، وإنما قلبوا استحسانًا للقلب، وإيماءً للفرق بين الاسم الذي على وزن فَعلى كالأسماء المذكورة، والصفة التي على هذا الوزن، نحو: صديى مؤنث صديان، أي: عطشان، ونحو: خزيى.
стр. 187
وخصوا الاسم بالإعلال؛ لأنه أخف من الصفة، فكان أحمل للأثقل، وهذه علة ضعيفة وليست علة معتدة كما قال ابن جني، ووجه ضعفها وعدم اعتدادها أن الاسم شارك الصفةَ في أشياء أخرى ولم يوجب العرب على أنفسهم التفرقةَ بينهما في جميع ما اشتركَا فيه، ومما اشتركَا فيه تكسيرهما على وزن واحد، فقد قالوا في تكسير حسن وهو صفة: حِسان، كما قالوا في تكسير جبل وهو اسم لا صفة: جبال، فوزن جمع الاسم وجمع الصفة واحد، وهو فعال، وقالوا: رجل غفور، وقوم غفر، وفخور وفُخُر، كما قالوا في تكسير عمود وهو اسم عُمُد، وقالوا: جمل بازل، أي: طلع نابه، وذلك في السنة الثامنة أو التاسعة، وإبل بوازل، وشغل شاغل، وأشغال شواغل، كما قالوا في الاسم: غارب وغوارب، وكاهل وكواهل، فلم يختلف وزن الاسم عن وزن الصفة. ومعنى ذلك: أن علة الفرق بين الاسم والصفة علة ليست مطردة، فدل ذلك على أنها ضعيفة غير مستحكمة؛ لأنها لو كانت مستحكمة لاطردت في جميع المواضع، فجميع ذلك إنما هو استحسان لا عن ضرورة علة، وليس بجار مجرى رفع الفاعل ونصب المفعول، ألا ترى أنه لو كان الفرق بينهما واجبًا لَجَاء في جميع الباب كما أن رفع الفاعل ونصب المفعول منقاد في جميع الباب؟.
والمثال الثاني: ما يخرج عن القياس للتنبيه على أصل الباب في نحو: استحوذ، من قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (المجادلة: ١٩) وقولهم: أَغْيَلت المرأة ولدَها، أي: أرضعته الغَيْلَ، وهو اللبن الذي ترضعه المرأة ولدها وهي حامل، وأَطْوَلتَ من قول الشاعر:
صددت فأطولتَ الصدودا وقلما ... وِصال على طول الصدود يدوم
وقول العرب: كثرة الشراب مبْوَلة، وقولهم: هو مطيبة للنفس، وقول الراجز:
فإنه أهل لأن يؤكرما
стр. 188
فقد وُجد في هذه الألفاظ ما يقضي بإعلالها، فيقال: استحاذ وأغالت وأطلت ومبالة ومطابة ويكرم، ولكن بقيت الواو والياء بحالهما مع قيام مقتضى الإعلال؛ استحسانًا، وتنبيهًا على أن الألف في نحو قولنا: استقام، أصله الواو، وأن الأصل: استقوم، وعلى أن أصل نحو مقامة هو مقومة، وأصل يحسن: يؤحسن، ولا يقاس هذا؛ لأنه لم تستحكم علته، وإنما خرج تنبيهًا وتصرفًا واتساعًا.
والمثال الثالث: بقاء الحكم مع زوال علته، وهذا المثال نقله السيوطي عن (الخصائص) من باب عنوانه: باب في بقاء الحكم مع زوال علته، ومضمون هذا الباب: أن الأصل أن الحكم مرهون بعلته، فإن زالت العلة زال الحكم إلا أن يكون في الكلام استحسان، فتزول العلة ويبقى الحكم، وقد صدره ابن جني بقوله: "هذا موضع ربما أوهم فساد العلة، وهو مع التأمل ضد ذلك نحو قولهم فيما أنشده أبو زيد:
حِمًى لا يُحل الدهر إلا بإذننا ... ولا نسأل الأقوام عقد المياثق
ومعنى البيت: كنا في الزمن الذي لا يطيع الناس بعضهم بعضًا، يُرَى لنا حمًى لا يحل إلا بإذننا، وحمى في البيت مرفوع؛ لأنه قام مقام الفاعل للفعل يرى في بيت قبله، والدهر منصوب على الظرفية الزمانية"، وأوضح ابن جني أن المياثق جمع مفرده ميثاق، والأصل فيه: موثاق، وقد وقعت الواو ساكنة بعد كسرة فقلبت ياءً، فقيل: ميثاق، ويجمع على: مواثق، برد الواو إلى أصلها؛ لأن العلة التي أوجبت قلبها في المفرد قد زالت في الجمع، وهي كسر ما قبلها مع سكونها، لكن استحسن هذا الشاعر ومَن تابعه إبقاء القلب مع زوال العلة، فقال في جمعه: مياثق، بإبقاء القلب، والذي حسن بقاء القلب هو أن الجمع غالبًا تابع لمفرده إعلالًا وتصحيحًا، أي: وهذه علة استحسانية خلفت العلةَ الموجبةَ للقلب، فلأجلها بقي القلب بحاله، فلما أعل المفرد بقلب الواو ياءً وقيل: ميثاق، أعل الشاعر الجمع تبعا لمفرده؛ استحسانًا، لا عن علة قوية مستحكمة. قال ابن
стр. 189
جني: "وقياس تحقيره -أي: تصغيره- على هذه اللغة -أي: التي أبقت القلب بحاله مع زوال علته- أن يقال: مُيَيْثِيق". انتهى. يعني: أن يصغر على مييثيق بالياء؛ إتباعًا للمكبر وإبقاءً لما كان على ما كان.
والمثال الرابع ذكره صاحب (البديع) قال: "إذا اجتمع التعريف العَلَمي والتأنيث السماعي أو العجمة في ثلاثي ساكن الوسط كهند ونوح، فالقياس منع الصرف أي: لوجود مقتضيه وهو اجتماع العلتين العلمية والتأنيث، أو العلمية والعجمة، والاستحسان الصرف لخفته"، انتهى. أي: أن صرف الممنوع من الصرف إذا كان علمًا مؤنثًا أو عجميًّا ثلاثيًّا ساكن الوسط، نحو: هند ونوح، فالقياس في هذين الاسمين ونحوهما المنع من الصرف، فيمنع الأول من الصرف للعلمية والتأنيث، ويمنع الثاني من الصرف للعلمية والعجمة، ولكن هذا القياس قد يخالَف، فيصرف هذان الاسمان ونحوهما؛ تخفيفًا، فعلة الصرف الاستحسان مع قيام علة المنع، والخفة علة للاستحسان. قيل: ظاهر كلام المصنف تساوي الوجهين في العلمين مع أن الأحسن في ذي التأنيث المنع، والوجهان متساويان أو الراجح الصرف في ذي العجمة.
مناقشة مثالين آخرين من أمثلة الاستحسان الأخرى التي وردت في (الخصائص) ولم يذكرها (الاقتراح)
ذكر ابن جني في كتابه (الخصائص) من أمثلة الاستحسان أمثلة، نذكر منها مثالين؛ المثال الأول: إلحاق نون التوكيد اسم الفاعل، فالأصل في نون التوكيد أن تلحق الفعل المضارع وقد لحقت اسم الفاعل في قول الراجز:
أَريتَ إن جئتُ به أُمْلُودا ... مُرَجَّلا ويلبس البُرودا
أقائلن: أحضروا الشهودا ... ...........................
стр. 190
الأملود: الأملس الناعم، والمرجل الشعر: الذي شعره بين الجعودة والسبوطة، قيل من قصة هذا الرجز: أن رجلًا من العرب أتى أَمة له فلما حملت منه جحدها، وزعم أنه لم يقربها، فقالت له هذا الرجز، تريد: أخبرني إن ولدت ولدًا مرجل الشعر، حسن الملمس كالغصن الناعم، أتقول لي: أحضري الشهود على أن هذا الولد منك؟ إنك لن تقول ذلك، وإنما ترضى بالولد، فاصبر فعسى أن أجيء بما تقر به عينك. وقد ألحق الراجز أو الراجزة نون التوكيد اسم الفاعل أقائلن؛ تشبيهًا له بالفعل المضارع، وأصله: أقائلون، فلما أُكِّد صار أقائلونن فحذفت نون الجمع لتوالي الأمثال، وحذفت الواو أيضًا؛ لاجتماعها ساكنةً مع نون التوكيد، وبقيت الضمة دليلًا عليها.
قال ابن جني في (الخصائص): "فهذا استحسان لا عن قوة علة ولا عن استمرار عادةً، ألا تراك لا تقول: أقائمن يا زيدون ولا أمنطلقن يا رجال؟ إنما تقوله بحيث سمعته، وتعتذر له، وتنسبه إلى أنه استحسان منهم على ضعف منه واحتمال بالشبهة له"، انتهى. يريد ابن جني: أن المشابهة الحاصلة بين اسم الفاعل والفعل المضارع هي التي سوغت مخالفة الأصل، وأن تلحق نون التوكيد اسم الفاعل، والمشابهة ليست علة قوية مستحِكمة، بل هي علة ضعيفة، وقال الشيخ خالد في (التصريح): "ولقائل أن يقول: لا نسلم أن في قوله: أقائلن توكيدًا بالنون؛ لاحتمال أن يكون أصله: أقائل أنا، فحذفت الهمزة اعتباطًا، ثم أدغم التنوين في نون أنا على حد قوله تعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ (الكهف: ٣٨) قاله الدماميني، وقال غيره: نُقلت حركة الهمزة إلى التنوين قبلها ثم حذفت الهمزة، ثم أدغم التنوين في نون نا والأول قصر المسافة"، وتابع الشيخ خالد حديثه. فذكر أن كلا التقديرين معترض عليه من وجهين:
стр. 191
أحدهما: أنه يعتبر في المقيس أن يكون على وزن المقيس عليه، وهنا ليس كذلك؛ لأن الألف الثانية في المقيس عليه -يعني: ﴿لَكِنَّا﴾ في آية الكهف- مذكورة، وفي المقيس -يعني: أقائلن- محذوفة. والثاني: أن هذا الاحتمال إنما يتمشى حيث كان المعنى: أقائل أنا على التكلم، أما إذا كان المعنى على الخطاب كما تعطيه السوابق واللواحق فلا.
والمثال الثاني: قلبهم الواو ياء من غير استيفاء شروط هذا القلب، قال ابن جني: "ومن الاستحسان قولهم: صِبية وقِنية وعِذي وبِلْي سفر، وناقة عِليان، ودَبَّة مِهيار، فهذا كله استحسان لا عن استحكام علة". يريد ابن جني أن يقول: إن العرب قد أعلوا الواوَ بقلبها ياءً في الكلمات السابقة ونحوها من غير استيفاء شرط هذا الإعلال، فقد شرط الصرفيون لقلب الواو ياءً هنا أن تكون الواو متطرفة حقيقة أو حكمًا إثر كسرة، سواء أكانت في اسم كالداعي والغازي اسمي فاعل من الدعوة والغزوة، أم في فعل مبني للفاعل كرضي من الرضوان، وقوي من القوة، أو مبني للمفعول كدُعِي وعفي من الدعوة والعفو، وسواء أكان التطرف حقيقيًّا -كما تقدم- أم حكميًّا كما في نحو شَجْيَة، وهي صفة مشبهة لمؤنث من الشجو، وهو الحزن، وأكسية في جمع كساء من الكسوة، وغازية اسم فاعلة من الغزو، فإن التاء سواء أكانت للتأنيث أم بُنيت الكلمة عليها تعد في تقدير الانفصال. وقد شذ من ذلك نوعان:
أحدهما: نوع صحح ولم تعل فيه الواو بقلبها ياء مع استيفاء شرطي الإعلال، كقولهم في جمع كلمة سواء -بفتح السين المهملة والمد بمعنى مستو: سَواسِوَة، يقال: الناس سواسوة في هذا الأمر، أي: مستوون فيه، وقالوا أيضًا: سواسية على الأصل والقياس، وكقولهم: مَقاتِوَة -بقاف وتاء مثناة فوق- بمعنى خُدام
стр. 192
في جمع مُقْتَو، اسم فاعل من القَتْو، وهو الخدمة، أصله مُقْتَوِو، قُلبت الواو الثانية ياءً؛ لتطرفها إثر كسرة، ثم أعل إعلال قاض، فقالوا في الجمع: مقاتوة. وقال عمرو بن كلثوم مخاطبًا عمروَ بنَ هند ملك الحيرة في الجاهلية:
بأي مشيئة عمرو بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
بأي مشيئة عمرو بن هند ... نكون لقيلكم فيها قطينا
تهددنا وأوعِدنا رويدًا ... متى كنا لأهلك مقتوينا؟
تزدرينا أي: تحتقرنا، والقَيْل: الحاكم الذي وليتموه علينا، وقطينا أي: رعايا وخدمًا، والفعلان اللذان في أول البيت الثالث جاءا بصيغة الأمر: تَهَدَّدْنا وأوعدنا، للتهديد والسخرية، والشاهد في قوله: "متى كنا لأهلك مقتوينا" أي: متى كنا لأهلك خدمًا.
والنوع الثاني الذي حكم عليه الصرفيون بالشذوذ نوع أُعلت فيه الواو بقلبها ياء من غير أن تستوفي الشرط الثاني من شرطي هذا الإعلال، كالأمثلة التي أوردها ابن جني فيما تقدم، فقد أعلت الواو فيها بقلبها واوًا وهي وإن كانت الواو فيها متطرفة حقيقة أو حكمًا، ليست إثر كسرة، وقد ذكر ابن جني أن هذا المسموع عن العرب إنما خُولِف فيه القياس؛ استحسانًا لا عن استحكام علة، وفَصَّل القول في بيان ذلك فقال: "وذلك أنهم لم يعتدوا الساكن حائلًا بين الكسرة والواو لضعفه، وكله من الواو". يعني ابن جني أن العرب اعتبروا لام هذه الكلمات وهي الواو -كما سيبين لاحقًا- في حكم المتطرفة؛ لأنها وإن لم تكن طرفًا حقيقةً فهي طرف حُكمًا، إذ الحاجز بين الواو والكسرة حرف ساكن، والحرف الساكن حاجز غير حصين، فعدوه في حكم غير الموجود.
ونتابع تفصيل الأمر مع ابن جني، حيث يقول: "وذلك أن قِنْيَة من قَنَوْت، ولم يثبت أصحابنا قنيت"، يعني: أن لفظ قنية -بكسر فسكون- ومعناها: ما يتخذه
стр. 193
الإنسان من الغنم وغيرها لنفسه لا للتجارة، واوية اللام عند أصحابه البصريين، أي: وعلى رأسهم سيبويه الذي يقول في (الكتاب): "وقالوا: قنية للكسرة، وبينهما حرف، والأصل: قنوة، فكيف إذا لم يكن بينهما شيء؟ ". انتهى. وابن جني يعني بالبغداديين هنا الكوفيين، قال ابن منظور في (لسان العرب) مادة قنا: "القِنوة والقُنوة والقِنية والقُنية: الكِسْبة، قلبوا فيه الواو ياءً للكسرة القريبة منها، وأما قُنية فأقرت الياء بحالها التي كانت عليها في لغة ما انكسر، هذا قول البصريين. وأما الكوفيون فجعلوا: قنيت وقنوت لغتين"، انتهى.
وساق ابن جني بعض الكلمات الأخرى التي من قبيل قنية، ومن ذلك قوله: "وصبية من صبوت، وعِلية من علوت، وعذي من قولهم: أرضون عَذَوات، وبلي سفر من قولهم في معناه: بِلو أيضًا، ومنه البلوى، وإن لم يكن فيها دليل، إلا أن الواو مطردة في هذا الأصل، قال:
فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو ... ...........
وهو راجع إلى معنى بلو سفر، وقالوا: فلان مبلو بمحنة، وغير ذلك، والأمر واضح، وناقة عليان من علوت أيضًا". انتهى. يريد ابن جني أن لفظ صبية أصله صِبوة، فهو واوي اللام، وقد حدث فيه ما حدث في نظائره من الكلمات المذكورة ونحوها، وفي (لسان العرب) مادة صبا: "الصبوة: جهلة الفتوة واللهو من الغزل، ومنه: التصابي والصبا، صبَا صَبوًا وصُبوًّا وصبًى وصباءً، والصبوة جمع صبي، والصبية لغة، والمصدر الصبا، والصبي: من لدن يولد إلى أن يفطم، والجمع: أصبية، وصبوة، وصِبية، وصَبية، وصِبوان، وصُبوان، وصبيان، قلبوا الواو فيها ياءً للكسرة التي قبلها، ولم يعتدوا بالساكن حاجزًا حصينًا؛ لضعفه بالسكون، وقد يجوز أن يكونوا آثروا الياء لخفتها، وأنهم لم يراعوا قرب الكسرة، والأول أحسن، وأما قول بعضهم: صُبيان -بضم الصاد
стр. 194
مع الياء- ففيه من النظر، أنه ضم الصاد بعد أن قلبت الواو ياء في لغة ما انكسر، فقال: صُبيان، فلما قلبت الواو ياء للكسرة وضمت الصاد بعد ذلك، أُقرت الياء بحالها التي هي عليها في لغة ما انكسر". انتهى.
فابن منظور في (لسان العرب) يرى أن قلبهم الواو ياء في صبية لإحدى عِلتين؛ إما مراعاة للكسرة قبلها والحاجز غير حصين، وإما إيثارًا للياء؛ طلبًا للخفة دون مراعاة لقرب الكسرة، وأن أقوى السببين الأول، لا طلب الخفة، وابن منظور مسبوق فيما ذكره من أن القلب لإحدى السببين بما قاله ابن جني، فقد أشار ابن جني في حديث مفصل إلى أن القلب هنا قد يكون لهذه العلة أو لتلك، وذكر العلتين اللتين أوردهما ابن منظور، المتوفى سنة إحدى عشرة وسبعمائة من الهجرة، أي: بعد وفاة ابن جني بأكثر من ثلاثة قرون، ولكن ابن جني ذكر أن القلب مع الكسرة لم يكن له قوة في القياس في حديث: قنية وصبيان وصبية في إقرار الياء بحالها مع زوال الكسرة في صُبيان وقُنية، وإنما كان مجنوحًا به إلى الاستخفاف، وذلك أن الكسرة لم تل الواو، ألا ترى أن بينهما حاجزًا وإن كان ساكنًا؟ فإن مثله في أكثر اللغة يحجز، وذلك نحو: جِرْو وعلو وصنو وقنو ومِجول ومِقول، وهذا كثير فاش، فلما أعلوا في صبية وبابه، عُلم أن أقوى سببي القلب إنما هو طلب الاستخفاف لا متابعة الكسر مضطرًّا إلى الإعلال.
وحديث ابن جني هنا كعادته في سائر أحاديثه، إنه حديث النقل والعقل معًا، فهو لم يكتفِ بإيراد النظائر الدالة على زوال أثر الكسرة مع الحاجز الساكن من واقع المسموع عن العرب، كجرو ونحوه، بل ذكر أن باب صبية وعِلية أقر حكمه مع زوال الكسرة عنه؛ اعتذارًا في ذلك بأن القلب فيه لم يكن عن وجوب فيزال عنه لزوال ما دعا إليه، وإنما كان استحسانًا، فليكن مع زوال الكسر أيضًا استحسانًا، أي: طلبًا للخفة.
стр. 195
ومن واوي اللام أيضًا عِلية من نحو قولهم: فلان من عِلية القوم، أي: عالي القدر، رفيع المنزلة، ومن ذلك قولهم: ناقة عليان، أي: ضخمة طويلة جسيمة، وأصله: علوان؛ لأنه أيضًا من: علوت، ومنه أيضًا: عِذي، من قولهم: أرضون عَذَوات، وهي الأرض الطيبة التربة، الكريمة المنبت، وبلي من قولهم: ناقة بلي، أي: أبلاها وأتعبها وأضناها السفر، وذكر ابن جني أنه يقال في معناها كذلك: بلو، أي: من غير قلب الواو ياء مع الكسرة، ومن ذلك البلوى، إلا أن البلوى يحتمل أن تكون الواو فيها بدلًا من الياء كالفتوى والتقوى، وأن يكون أصلها البَلْي، فأبدلت الياء واوًا من باب ترك الأخف إلى الأثقل من غير ضرورة كما قيل في الفتوى والتقوى ونحوهما، وأن تكون واوية اللام، وهو الاحتمال الأقوى؛ لاطراد الواو في هذا الأصل، وعليه قول زُهير:
جزى الله بالإحسان ما فعلَا بكم ... وأبلاهما خيرَ البلاء الذي يبلو
أي: صنع الله بهما خير الصنيع الذي يبلو به عباده، والشاهد في قوله: "يبلو" فهو مضارع بلا، من قولهم: بلوت الرجلَ، وأبلاه الله بلاءً حسنًا، من الإبلاء، وهو الإنعام والإحسان، والبلاء الاسم، ممدود، ومن هنا فليس في لفظ البلوى دليل قاطع على أنه واوي اللام. فإذا انتقلنا من ابن جني وذهبنا إلى الزمخشري، وجدناه في كتابه (المفصل) يذكر أن إبدال الواو ياء في نحو صبية وعليان، غير مطرد.
ويقول شارحه ابن يعيش في شرحه عليه: "وقد أبدلوا الياء من الواو إذا وقعت الكسرة قبل الواو وإن تراخت عنها بحرف ساكن؛ لأن الساكن لضعفه ليس
стр. 196
حاجزًا قويًّا، فلم يعتد حاجزًا، فصارت الكسرة كأنها باشرت الواو، ومن ذلك قولهم: صبية وصِبيان، والأصل: صبوة وصبوان؛ لأنه من: صبوتُ أصبو، فقلبت الواو ياءً لكسر الصاد قبلها، ولم تفصل الباء بينهما؛ لضعفها بالسكون، وربما قالوا: صِبوان، فأخرجوها على الأصل -أي: بالواو- وقد قال بعضهم: صُبيان، بضم الصاد مع الياء، وذلك أنه ضم الصاد بعد أن قلبت الواو ياءً في لغة ما انكسر، فأقرت الياء على حالها وقالوا: ناقة بِلو أسفار، وبلي أسفار، وهو من: بلوت، وقالوا: ناقة عليان وعليانة، أي: طويلة جسيمة، فهو من: علوت، فقلبوا الواو ياء؛ لما ذكرناه من الكسرة قبلها، ولم يعتدوا بالساكن بينهما؛ لضعفه". انتهى ما قاله ابن يعيش. ومن الواضح تأثر ابن يعيش بكلام ابن جني إلى حد بعيد.
هذا والله ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 197
الدرس: ١٥ بعض مباحث التعارض والترجيح .
стр. 198
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس عشر
(بعض مباحث التعارض والترجيح)
المراد بالتعارض والترجيح
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه؛ أما بعد:
إن التعارض والترجيح مصطلحان من مصطلحات أصول الفقه، ولم يذكر السيوطي في كتابه (الاقتراح) التعريف بهما. والتعارض في اللغة: مصدر الفعل تعارض، إذ يقال: تعارض الشيئان: إذا عارض كل منهما الآخرَ وقابله، وفي نسخة أخرى: التعادل، بدل التعارض، أي: التوازن في الأدلة. ويعرفه علماء أصول الفقه: بأنه تقابل الدليلين المتساويين على سبيل التمانع، بمعنى: أن يقتضي كل دليل منهما حكمًا يخالف ما يقتضيه الدليل الآخر، والترجيح في اللغة: هو مصدر الفعل رجَّحَ، ويعرفه الأصوليون: بأنه إظهار زيادة أحد المتماثلين على الآخر، بمعنى: أن يكون في أحد الدليلين المتماثلين زيادة ترجح ما يقتضيه هذا الدليل على ما يقتضيه الدليل الآخر. والمراد به عند النحاة: وقوع الرجحان بين الأدلة المتعارضة، وحديث علماء أصول النحو عن التعارض والترجيح أثرٌ من آثار أصول الفقه؛ لأن الأصوليين من الفقهاء قد عُنوا بالترجيح بين الأدلة التي يظن بينها التعارض، كما عني الأصوليون من النحاة بالترجيح بين الأدلة المتعارضة في النحو.
غير أن هناك فرقًا بين التعارض في أدلة الشرع والتعارض في أدلة النحو، إذ ليس هناك تعارض حقيقي بين الأدلة الشرعية؛ لأن التعارض بين الأدلة الشرعية -كما يقول أحد المعاصرين- جمع بين متناقضين، وهو محال على الشارع الحكيم المحيط علمه بكل شيء؛ لأنه أَمارة العجز -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- وإنما المراد التعارض الظاهري في نظر المجتهد المستنبط للأحكام من أدلتها قبل معرفة
стр. 199
الناسخ والمنسوخ من الدليل، أو قبل أن يظهر له رجحان أحدهما على الآخر، أو إمكان الجمع بينهما، فهو يحكم في بادئ الأمر بالتعارض قبل البحث، وبعد بحثه وتأمله يزول هذا التعارض.
أما أدلة النحو فيجوز أن يوجد بينها تعارض حقيقي، فنجد أن أحد الأدلة يثبت حكمًا وينفيه الآخر، وحينئذٍ يكون الترجيح بين الأدلة المتعارضة، وإذا عرفنا أن مبحث التعارض والترجيح منقول من أصول الفقه إلى أصول النحو مع الفارق الذي بيناه؛ فإننا نشير إلى أن ابن جني قد أفرد في كتابه (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في تعارض السماع والقياس، كما أشار في الجزء الثاني إلى تحكيم القياس في الترجيح بين السماعين إذا تعارضَا.
وعقَدَ الأنباري في كتابه (الإغراب في جدل الإعراب) فصلًا عنوانه: في ترجيح الأدلة، كما عقد في كتابه (لمع الأدلة) ثلاثة فصول أولها في المعارضة، وثانيها في معارضة النقل بالنقل، وثالثها في معارضة القياس بالقياس. ثم جاء السيوطي فجمع ما ذكره ابن جني وما ذكره الأنباري، وزاد عليهما فصولًا، فجعل التعارض والترجيح في ست عشرة مسألةً.
وبتأمل هذه المسائل التي ذكرها السيوطي في (الاقتراح) نلحظ أن بعض هذه المسائل يندرج تحت تعارض الأدلة النحوية، وذلك مثل التعارض بين سماعين، وأيضًا مثل التعارض بين قياسين، والتعارض بين السماع والقياس، فهذه المسائل تتناول التعارضَ بين أدلة النحو وأصوله، إذ إن السماع والقياس من أدلة النحو الغالبة، كما أن بعض هذه المسائل ليس من تعارض الأدلة النحوية كالتعارض بين ارتكاب ضعيف وارتكاب لغة شاذة، وتعارض القولين لعالم واحد، وما رجحت به لغة قريش على غيرها من لغات العرب، والترجيح بين البصريين والكوفيين وغيرها. فهذه المسائل ليست من تعارض الأدلة.
стр. 200
حكم تعارض نقلين
إن التعارض بين نقلين هو المسألة الأولى من مسائل التعارض والترجيح في (الاقتراح) وقد استقى السيوطي مادة هذه المسألة من (لمع الأدلة) الفصل السابع والعشرين، والمراد به أن يدل دليل من السماع على حكم ويدل دليل آخر على خلافه. قال الأنباري: "اعلم، أنه إذا تعارض نقلان أُخِذَ بأرجحهما، والترجيح يكون في شيئين؛ أحدهما: الإسناد، والآخر: المتن. فأما الترجيح في الإسناد: فأن يكون رواة أحدهما أكثر من الآخر، أو أعلم، أو أحفظ"، وذكر مثالًا لذلك. ثم قال: "وأما الترجيح في المتن فأن يكون أحد النقلين على وفق القياس، والآخر على خلاف القياس"، وذكر مثالًا لذلك أيضًا.
ومعنى ما ذكره الأنباري ونقله السيوطي عنه: أنه قد يرد في كلام العرب دليل نقلي يدل على حكم من الأحكام النحوية، ثم يرد دليل آخر يقتضي خلافَ ما دل عليه الدليل الأول، وإذا وقع مثل ذلك أُخِذَ بأرجحهما؛ لأن الأرجحية من مرجحات الأدلة ومقوية لبعض النقول على بعض. وهناك سبيلان للترجيح بين هذين الدليلين المتعارضين؛ أحدهما: أن يكون الترجيح بالإسناد، والآخر: أن يكون الترجيح بالمتن، ومعنى الترجيح بالإسناد: أن يكون رواة أحد الدليلين أكثرَ أو أعلمَ أو أحفظَ من رواة الدليل الآخر، فيكون الدليل الذي كثر رواتُه أو سَلِموا من الطعن أولى بالقبول من الدليل الذي قَلَّ رواتُه أو لم يسلموا من الطعن فيهم. ومثال الدليلين المتعارضين اللذين رجَّحَ الإسناد أحدهما وضعف الآخر، قول الشاعر عَدي بن زيد العِبادي:
اسمع حديثًا كما يومًا تحدثه ... عن ظهر غيب إذا ما سائل سأل
стр. 201
فقد روي قوله: "تحدثه" بروايتين: الرفع تحدثُه، والنصب: تحدثَه، فاستدل الكوفيون برواية النصب على أن كما تأتي بمعنى كيما ويكون المضارع بعدها منصوبًا، وذهب البصريون إلى أن كما لا تكون بمعنى كيما ولا يجوز نصب المضارع بعدها، وحجتهم في ذلك: أن رواية النصب في "تحدثه" لم يذكرها إلا المفضل بن سلمة بن عاصم أبو طالب الضبي النحوي اللغوي الكوفي، المتوفى نحو سنة تسعين بعد المائتين من الهجرة، فقد ذكر رواية النصب وحده، أي: هو الذي ذكر البيت برواية "تحدثَه" وله -أي: للمفضل هذا- اختيارات اختار المحققون خلافها، وقد أجمع الرواة من البصريين والكوفيين على رواية الرفع، فلما كان رواة الرفع أكثر وأعلم وأحفظَ كانت روايتهم راجحةً على رواية النصب، وبذلك يكون الإسناد هو الذي رجَّح أحدَ النقلين على الآخر. ومعنى الترجيح بالمتن: أن يكون أحد النقلين موافقًا للقياس ويكون النقل الآخر مخالفًا له، فيكون الدليل الذي جاء موافقًا للقياس أولى بالقبول وأحق، كما يكون أولى بالترجيح، ومثاله قول الشاعر طرفة بن العبد:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
قوله: "أيهذا الزاجري"، أي منادى بإسقاط حرف النداء، والتقدير: يا أيها، وها: للتنبيه، وقد ذكرت وصلة كما هو معروف، والإشارة نعت لأي، والزاجري: أي: الذي يزجرني ويمنعني ويكفني، وهو نعت لاسم الإشارة، والوغى: الحرب، وقوله: "هل أنت مخلد" معناه: هل تضمن لي البقاء والخلود إذا أحجمتُ عن القتال ومنازلة الأقران؟.
وقد روي قوله: "أحضر" بروايتين: الرفع "ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى"، وبالنصب: "ألا أيهذا الزاجري أحضرَ الوغى". واستدل الكوفيون برواية النصب
стр. 202
على أن الأصل أن أحضرَ فدل على جواز إعمال أنْ محذوفةً في غير مواضع حذفها المقررة في علم العربية، ومنع ذلك البصريون، إذ إِنَّ أَنْ لا يجوز إعمالها عندهم محذوفةً في غير مواضع حذفها، وردوا قول الكوفيين بقولهم: إن رواية الرفع جاءت موافقةً للقياس، ووجه موافقتها له -أي: للقياس- أن أنْ من عوامل الفعل المضارع وهي ضعيفة، فينبغي ألا تعمل من غير عوض، ويدل على ضعفها أن من العرب من يهملها مظهرةً، ويرفع ما بعدها؛ تشبيهًا لها بما المصدرية كما جاء في قراءة ابن محيصن -وهو أحد القراء الأربعة فوق العشرة- كما جاء قوله تعالى: "لِمَنْ أرادَ أنْ يُتمُّ الرضاعةَ" (البقرة: ٢٣٣) برفع الفعل المضارع "يتم". ولما كانت أنْ ضعيفة عن العمل كان القياس ألا تعمل وهي محذوفة، وعلى القياس جاءت رواية الرفع في قول طرفة: "أحضرُ الوغى" ولذلك كانت رواية الرفع أولى وأرجح من رواية النصب في البيت المذكور.
ونلحظ على مثال الترجيح في المتن: أن السيوطي قد نقله من (لمع الأدلة) لأبي البركات الأنباري، وقد سبق إلى الترجيح بالمتن ابن جني في كتابه (الخصائص) إذ ذكر أن القياس يكون حَكَمًا بين النقلين المتعارضين، وذلك في مسألة تقديم التمييز على عامله المتصرف، فقد اختلف النحويون في حكم تقديم التمييز على عامله المتصرف، فذهب فريق من النحويين إلى جوازه وعلى رأس هذا الفريق الكسائي والمازني والمبرد وابن مالك؛ قياسًا على سائر الفضلات المنصوبة بفعل متصرف، ولصحة وروده في الكلام الفصيح بالنقل الصحيح، كما قال ابن مالك في شرح (التسهيل) وغيره. وجعله في نظم (الألفية) قليلًا، فقال:
وعامل التمييز قدِم مطلقًا ... والفعل ذو التصريف نزرًا سُبِقَا
فأجاز هذا الفريق -أعني: الكسائي ومن معه- أن يقال -مثلًا: عَرَقًا تصببتُ، مستدلين بقول الشاعر:
стр. 203
أتهجر ليلَى بالفراق حبيبها ... وما كان نفسًا بالفراق تطيبُ
فقد روي البيت بنصب "نفسًا" على التمييز، فتقدم التمييز "نفسًا" على عامله المتصرف "تطيب". ومنع فريق من النحويين أن يتقدم التمييز، وذكروا أن هذه الرواية تقابلها رواية أخرى وهي "وما كان نفسي بالفراق تطيب"، برفع "نفسي"؛ لأنها اسم كان، و"تطيب" خبرها، كأنه قال: وما كان نفسي طيبةً، فتَعَارَض نقلان، وقد منع سيبويه والجمهور تقديم التمييز على عامله المتصرف، وتبع ابن جني مذهب سيبويه والجمهور، ورجح روايةَ الرفع على رواية النصب، وكان القياس هو المرجح؛ لأن التمييز فاعل في المعنى، ولا يجوز تقديم الفاعل على الفعل، فكذلك التمييز. قال ابن جني ﵀: "ومما يَقْبُحُ تقديمه الاسم المميِز وإن كان ناصبه فعلًا متصرفًا، فلا نجيز: شحمًا تفقأتُ، ولا عَرَقًا تصببتُ، فأما ما أنشده أبو عثمان وتلاه فيه أبو العباس من قول المخبل:
أتهجر ليلى بالفراق حبيبها ... وما كان نفسًا بالفراق تطيبُ
فتقابله برواية الزجاجي وإسماعيل بن نصر وأبي إسحاق أيضًا: وما كان نفسي بالفراق تطيب، فرواية برواية، والقياس من بعد حاكِم". وأوضح ابن جني أن التمييز في البيت المذكور في الأصل هو الفاعل في المعنى، فأصل الكلام: تصبب عرقي، وتفقأ شحمي، ثم حُوِّل الإسناد عن الفاعل الواقع مضافًا إلى ياء المتكلم إلى المضاف إليه، أي: إلى ياء المتكلم، فحولت إلى ضمير رفع؛ لوقوعها فاعلًا، فحصل في الإسناد إلى هذا الضمير إبهام، فجِيء بالمضاف الذي كان فاعلًا وجعل تمييزًا، ويقال عنه: إنه تمييز محول عن الفاعل، فكما لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل، فكذلك لا يجوز تقديم المميِز، إذ كان هو الفاعل في المعنى على الفعل.
стр. 204
حكم ترجيح لغة على أخرى
لقد أفرد ابن جني بابًا في كتابه (الخصائص) عنوانه: باب اختلاف اللغات وكلها حجة، وعليه عول السيوطي في هذه المسألة، فقد أجاز ابن جني فيه الاحتجاج بجميع لغات العرب، وليس المراد جميع ما نطقت العرب به، بل المراد باللغات لغات القبائل التي يؤخذ عنها ويعتد بفصاحتها، إذ إن علماء العربية لم يأخذوا عن جميع القبائل وإنما أخذوا عن بعضها وأعرضوا عن بعض، فأخذوا عن القبائل التي سلم أهلها من الاختلاط بالأعاجم، وأعرضوا عن القبائل التي لم تسلم من ذلك، فتسرب إلى ألسنتهم اللحن والخطأ في البنية أو التركيب.
وقد قال ابن جني: "باب اختلاف اللغات وكلها حجة، اعلم أن سعة القياس تبيح لهم ذلك ولا تحظره عليهم، ألا ترى أن لغة التميميين في ترك إعمال "ما" يقبلها القياس، ولغة الحجازيين في إعمالها كذلك؛ لأن لكل واحد من القومين ضربًا من القياس يؤخذ به، ويخلد إلى مثله، وليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها؛ لأنها ليست أحق بذلك من رسيلتها، لكن غاية ما لك في ذلك أن تتخير إحداهما، فتقويها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها وأشد أنسًا بها، فأما رد إحداهما بالأخرى فلا، أَوَ لا ترى إلى قول النبي ﷺ : ((نزَلَ القرآن بسبع لغات كلها كافٍ شافٍ)) ". انتهى. ونلحظ في كلام ابن جني: أن له عناية واضحة بالقياس، وقد تجلت هذه العناية في أمرين:
أحدهما: أنه قد جعل اللغات على اختلافها حجة إذا كانت هذه اللغات موافقة للقياس، فإن كانت إحداها مخالفة له فهي لغة مردودة مرغوب عنها. والآخر: أنه قد أوجب على المتكلم أن يختار إحدى اللغتين، وهو معتقد أنه الأقوى قياسًا وأن
стр. 205
يترك الأخذ بالأخرى وهو معتقد أنها الأضعف من جهة القياس. كما نلحظ أن ابن جني يرفض رد إحدى اللغتين بصاحبتها؛ لأنهما متساويتان في قبول القياس لهما، ولذلك قال: "فأما رد إحداهما بالأخرى فلا".
وقوله: "غاية ما لك في ذلك أن تتخير إحداهما" معناه: أن الواجب على المتكلم إذا وجد لغتين يقبلهما القياسُ أن يتخير إحدى اللغتين؛ لعدم إمكان الأخذ بهما معًا، إذ لا يمكن الجمع بين لغتين في وقت واحد، وضرب ابن جني لذلك مثلًا وهو إعمال ما وإهمالها، فإن للعرب لغتين في ذلك؛ الأولى: إعمالها عمل ليس وهي لغة الحجازيين، والثانية: إهمالها وهي لغة التميميين، والقياس يقبل اللغتين ولا يرد واحدة منهما.
ومما تقدم نلحظ: أن اللغتين يقبلهما القياس فيجب قبولهما ولا يجوز رد واحدة منهما، وإنما نقدم إحداهما على الأخرى مع الاعتقاد بصحة الأخرى، وفصاحتها، واللغة المقدمة من هاتين اللغتين هي لغة الحجازيين في إعمال ما عمل ليس؛ لأنها اللغة التي بها نزل القرآن الكريم، إذ يقول الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (يوسف: ٣١) وقد كثر استعمالها كثرة ظاهرة، ولا يجوز رد لغة التميميين؛ لأن هاتين اللغتين لغتان متساويتان في القياس، فليست إحداهما أحق من الأخرى. أما إذا تباعدت اللغتان فكانت إحداهما كثيرة جدًّا وكانت الأخرى قليلة جدًّا، فلا يجوز القياس على اللغة القليلة، وإنما يقتصر فيها على المسموع ولا يتجاوز، وقد ذكر ابن جني أنه إن قَلت إحدى اللغتين جدًّا وكثرت الأخرى جدًّا، أخذتَ بأوسعهما روايةً وأقواهما قياسًا، ألا ترى أنك لا تقول: مررت بَك، ولا المال لِكَ؛ قياسًا على قول قُضاعة: المال لِه ومررت بَه، ولا تقول: أكرمتكش ولا أكرمتكس؛ قياسًا على لغة من قال: مررت بكش، وعجبت منكس، انتهى.
стр. 206
ومعنى ما ذكره ابن جني: أن كسر كاف المخاطب لا يجوز؛ قياسًا على كسر الهاء، كما لا يجوز زيادة الشين أو السين بعد كاف الخطاب المنصوبة؛ قياسًا على مَن ألحقها بالمجرورة. فمثل هذا لا قياس عليه، بل يقتصر فيه على المسموع ولا يتجاوَز. ثم ذكر ابن جني أن استعمال هذه اللغات الضعيفة لا يعد خطأ، وإن كان الواجب على المتكلم أن يقل استعماله لها، وأن يتخير ما هو أقوى وأشيع، أي: ما هو أقوى في القياس، وأشيع في الاستعمال، فإن تكلم باللغة القليلة فإنه مصيب في الجملة؛ لعدم خروجه عن كلام العرب بالكلية، كما أن المتكلم إذا اضطر إلى استعمال شيء من ذلك لإقامة وزن أو لمراعاة سجع في كلامه، فإن له أن يرتكب ذلك بلا لوم ولا نسبة خطأ ولا إنكار عليه.
وقد ذكر ابن جني في ذلك: أنه إذا كان الأمر في اللغة المعول عليها هكذا وعلى هذا، فيجب أن يقل استعمالها، وأن يتخير ما هو أقوى وأشيع منها، إلا أن إنسانًا لو استعملها لم يكن مخطئًا لكلام العرب، لكنه يكون مخطئًا لأجود اللغتين، فأما إن احتاج إلى ذلك في شعر أو سجع فإنه مقبول منه غير منعي عليه، وكذلك إن قال يقول على قياس من لغته كذا وكذا، ويقول على مذهب من قال كذا وكذا، وكيف تصرفت الحال، فالناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ وإن كان غير ما جاء به خيرًا منه. انتهى. وقد ختم السيوطي هذه المسألة بقول أبي حيان في شرح (التسهيل): "كل ما كان لغةً لقبيلة قِيس عليه"، انتهى. وليس هذا الكلام على إطلاقه؛ لأن إبدال اللام ميمًا لا يقاس عليه لقلته، فوجب التفصيل بين ما كان لغة قليلة وما كان لغة كثيرة، أما اللغة القليلة فلا يقاس عليها، وأما اللغة التي تكثر في كلام العرب فإنه يجوز القياس عليها.
стр. 207
اللغة الضعيفة أولى من الشاذ
لقد ذكر ابن عصفور فيما نقله السيوطي عنه أنه إذا تعارض ارتكاب شاذ ولغة ضعيفة، فارتكاب اللغة الضعيفة أولى من ارتكاب الشاذ، ومعنى ما ذكره ابن عصفور: أنه إذا دار أمر المتكلم بين أن يتكلم بلغة ضعيفة أو بكلام شاذ، فإن التكلم باللغة الضعيفة أولى من ارتكابه الشاذ؛ لأن هذه اللغة على ضعفها مروية عن بعض العرب، وكل لغة تمثل حقلًا لغويًّا لا يصح إهداره أو الحيف عليه، وليس كذلك الشاذ، فاللغة الضعيفة إنما قُدِّمت على الشاذ؛ لأن اللغة الضعيفة مجمع على أن طائفة من العرب قد نطقت بها وإن كانت ضعيفة؛ ولأن الأصل في الشاذ أن يحفظ ولا يقاس عليه، فلا يجوز أن تبنى عليه القواعد، والمراد بالشاذ هنا المردود كتتميم مفعول فيما عينه واو نحو قول بعضهم: ثوب مصوون، ومِسك مَدْوُوف، أي: مخلوط أو مبلول، وفرس مقوود، ورجل مَعْوود من مرضه.
الأخذ بأرجح القياسين عند تعارضهما
إن التعارض بين قياسين صورة من صور التعارض بين الأدلة، وقد أفرد الأنباري في كتابه (لمع الأدلة) فصلًا عنوانه: في معارضة القياس بالقياس، وعنه نقل السيوطي هذه المسألة، وقد ذكر الأنباري في مقدمة هذا الفصل: أنه قد يقع التعارض بين قياسين؛ فأحدهما يثبت حكمًا، والآخر يثبت حكمًا آخرَ، وإذا وقع التعارض بين القياسين رُجِّح أحدهما على الآخر. وقد ذكر الأنباري أن هناك طريقين يرجح بهما بين القياسين المتعارضين، فقال: "اعلم أن القياسين إذا
стр. 208
تعارضا أخذ بأرجحهما، وهو أن يكون أحدهما موافقًا لدليل آخر من طريق النقل أو طريق القياس".
ومعنى ما ذكره الأنباري: أن السماع -وهو الذي يعبر عنه الأنباري باسم النقل- قد يُرجح قياسًا على قياس، كما أن موافقة القياس قد ترجح أحدهما على الآخر، ولم يذكر الأنباري مثالًا رجح فيه السماع أحد القياسين، وإنما اكتفى بقوله: "فأما الموافقة من طريق النقل، فنحو ما قدمناه في الفصل الذي قبله". انتهى. والمراد بالفصل الذي قبله: فصل معارضة النقل بالنقل.
ومما سبق نقول: إن الأنباري لم يذكر في (لمع الأدلة) كما لم يذكر السيوطي في (الاقتراح) مثالًا تعارض فيه قياسان، وكان السماع مرجحًا أحدهما على الآخر، وقد ذكر الأنباري مثالًا لترجيح السماع بين القياسين المتعارضين، وذلك في كتابه (الإنصاف) إذ أفرد في هذا الكتاب مسألةً لعامل النصب في خبر ما النافية. فقد ذهب الكوفيون إلى أن ما الحجازية لا تعمل النصب في الخبر، وإلى أن الخبر منصوب بنزع الخافض، واحتجوا لمذهبهم بالقياس فقالوا: إن القياس في ما ألا تعمل؛ لأن الحرف إنما يكون عاملًا إذا كان مختصًّا و"ما" غير مختص، فالأصل فيه ألا يعمل، ولذلك أهملها بنو تميم، وأعملها الحجازيون؛ لأنهم شبهوها بـ: ليس من جهة المعنى، وهو شبه ضعيف، فلم يقوَ على العمل في الخبر كما عملت ليس.
وذهب البصريون إلى أن "ما" هي التي تنصب الخبر واحتجوا بالقياس، فذكروا أن الدليل على صحة مذهبهم، هو أن ما أشبهت ليس فوجب أن تعمل عملها، وعمل ليس الرفع والنصب، أي: رفع الاسم ونصب الخبر، ويقوي الشبهَ بين ما وليس دخول الباء في خبر ما كما تدخل في خبر ليس فَمِن دخول الباء في خبر
стр. 209
ليس قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (الزمر: ٣٦) ومن دخول الباء في خبر ما قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: ٤٦). فإذا ثبت أن ما قد أَشبهت ليس وجب أن تعمل عملها.
ومما سبق: يتبين أن هناك قياسين متعارضين، وقد رجح الأنباري قياس البصريين، فذكر أن النقل -أي: السماع- هو الذي يرجح ما ذهب إليه البصريون، فقال: "وأما قولهم -أي: قول الكوفيين: إن القياس يقتضي ألا تعمل، قلنا: كان هذا هو القياس، إلا أنه وُجِدَ بينها وبين ليس مشابهة اقتضت أن تعمل عملها، وهي لغة القرآن، قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ وقال تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (المجادلة: ٢) ". ومما سبق: يتبين أن السماع هو أحدُ الطريقين اللذين يُرجح بهما بين القياسين المتعارضين.
والطريق الآخر هو القياس، ومثاله: أن يقول الكوفي: إنَّ إِنَّ وأخواتِها تعمل في الاسم النصب لشبه الفعل، ولا تعمل في الخبر الرفع، بل الرفع فيه بما كان يرتفع به قبل دخولها، فيقول البصري: هذا فاسد؛ لأنه ليس في كلام العرب عامل يعمل في الاسم النصب إلا وهو يعمل الرفع، فما ذهبتَ إليه يؤدي إلى ترك القياس ومخالفة الأصول لغير فائدة، وذلك لا يجوز. وبيان ذلك: أن النحويين لم يختلفوا في أن إنَّ أو إحدى أخواتها هي التي تعمل النصب في الاسم، ولكن اختلفوا في عامل الرفع في الخبر على مذهبين، وحجة الكوفيين فيما ذهبوا إليه أن إنَّ إنما عملت بالحمل على الفعل فهي ضعيفة، ويجب أن تكون منحطةً عن رتبة الفعل الذي عملت بالحمل عليه كما هو شأن الفرع أبدًا، فوجب نزولها عن الفعل، ولو عملت في الخبر لأدى ذلك إلى التسوية بين الأصل والفرع.
стр. 210
وحجة البصريين أن إنَّ قد نصبت المبتدأ وجعلته اسمًا لها، ولو جاز أن يكون الخبر مرفوعًا على ما كان مرفوعًا به قبل دخول إنَّ لكان المبتدأ أحق بذلك، فلما نُصِبَ المبتدأ بـ: إن وجب أن يكون رفع الخبر أيضًا بها إذ ليس في كلام العرب شيء يعمل النصب في الأسماء، ولا يعمل الرفع، ومن المحال ترك القياس ومخالفة الأصول بغير فائدة. ومعنى ما سبق: أن الكوفيين قد استدلوا على صحة مذهبهم بالقياس، وهو أن إنَّ فرع عن الفعل في العمل، والفروع تنحط أبدًا عن درجات الأصول، كما استدل البصريون على صحة مذهبهم بالقياس أيضًا، وهو أن إنَّ وأخواتها قد أشبهت الفعل لفظًا ومعنًى، فلما قوي شبهها بالفعل -والفعل يرفع وينصب- وجب أن تكون مثله وقد تعارض القياسان، ورجح الأنباري مذهب البصريين بالقياس؛ لأنه ليس في كلام العرب عامل يعمل في الأسماء النصب إلا وهو يعمل الرفع.
وبهذا نكون قد وصلنا إلى ختام هذا الدرس فإلى لقاء يتجدد إن شاء الله تعالى مع الدرس السادس عشر هذا وبالله التوفيق.
стр. 211
الدرس: ١٦ الحكم في تعارض السماع والقياس .
стр. 212
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس عشر
(الحكم في تعارض السماع والقياس)
حكم ما ورد شاذًّا في القياس مطردًا في الاستعمال
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه؛ أما بعد:
تكرر حديث ابن جني في (الخصائص) عن القياس والسماع؛ لكونهما في مقدمة أدلة النحو المعتمدة، كما تكرر حديثه عن الاطراد والشذوذ، وذكر غيرَ مرةٍ أن الكلام إذا كان مطردًا في القياس والاستعمال جميعًا كان هو الغاية المطلوبة والمثابة المنوبة، وأن ذلك ما لا غايةَ وراءه ولا هدف بعده نحو منقاد اللغة من النصب بحروف النصب، والجر بحروف الجر والجزم بحروف الجزم وغير ذلك، مما هو فاشٍ في الاستعمال قوي في القياس. ومن ذلك حديثه في باب: القول على الاطراد والشذوذ، وذكر فيه أن الكلام في الاطراد والشذوذ على أربعة أضرب: مطرد في القياس والاستعمال جميعًا، ومطرد في القياس شاذ في الاستعمال، ومطرد في الاستعمال شاذ في القياس، وشاذ في القياس والاستعمال جميعًا. وذكر حكمَ كل ضرب منها وبعضَ أمثلته، ثم أفرد بابًا عنوانه: باب في تعارض السماع والقياس في الجزء الأول أيضا من (الخصائص).
وقد فَصَّل فيه ما أجمله في الباب الأول، ولكنه أكد في البابين على قوانينَ تُعد من الثوابت في العربية. وفي مقدمة هذه القوانين: أن أقوى الكلام ما كان فاشيًا في الاستعمال قويًّا في القياس، وذلك نحو: قام زيد، وأكرمت عمرًا، ومررت بسعيد، أي: ما كان مراعيًا للقواعد المطردة المستنبطة من كلام العرب الفصحاء الموثوق بعربيتهم، وأن السماع والقياس إذا تعارضَا نطقت بالمسموع على ما جاء عليه، أي: لأنه نص وأصل ولم تقسه في غيره، أي: في غير ما ورد من النص؛ لاقتضاء القياس المنع من ذلك، وأجزتَ الوارد لوروده مقتصرًا عليه دون قياس ما وراءه عليه لمخالفته القياس، أي: إذا كان قياس النحويين يؤدي إلى حكم من
стр. 213
الأحكام يخالف الحكم الذي يؤدي إليه المسموع، فليس لك أن تحدث في المسموع تغييرًا، وإنما عليك أن تنطق به كما سُمع عن العرب ولا تقيسه في غيره؛ لأنه ليس بقياس، لكنه لا بد من قبوله؛ لأنك إنما تنطق بلغتهم وتحتذي في ذلك -أي: وتتبع في ذلك- أمثلتهم، ثم إنك من بعد لا تقيس عليه غيره، وهذا ما يعرف بأنه شاذ في القياس مطرد في الاستعمال، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (المجادلة: ١٩).
فهذا النص القرآني يقتضي إبقاء الواو في قوله: ﴿اسْتَحْوَذَ﴾ على حالها وهذا ليس بقياس؛ لأن القياس يقتضي انقلابها ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومع قبوله بحاله كما ورد في النص الكريم لا تقِس عليه غيره، فلا تقل في استقام: استقوم، ولا في استباع: استبيع، بل تجيء بذلك على ما يقتضيه القياس، فتقلب كلًّا من الواو والياء ألفًا، وتقتصر في إبقاء المسموع عن العرب مخالفًا لذلك بحاله عن الوارد عنهم، المسموع منهم، فتكون بذلك جامعًا بين إعمال النص وإعمال القياس.
ومما ورد من هذا النوع مخالفًا للقياس قولهم لمن ذل بعد عز: استنوق الجمل، أي: صار كالناقة في ذلها، وقولهم لمن أشبه الفيل في عظمه: استفيل الجمل، أي: صار كالفيل في ضخامته، وقولهم: استتيست الشاة، أي: صارت كالذكر من المعز، وذكر ابن جني أن استنوق واستفيل واستتيسَ مع شذوذه أسهل من استحوذ، وذلك أن استحوذ فعل مزيد بالألف والسين والتاء، وقد تقدمه فعله الثلاثي المجرد المعتل، وهو حاذ يحوذ نحو قول العجاج يصف ثورًا وكلابًا:
يحوذهن وله حُوذي ... كما يحوذ الفئة الكَمِي
يروَى بالذال والزاي: يحوذهن ويحوزهن، أي: يسوقهن السوق الشديد، والحوذي والحوزي: هو السائق المُجِد المستحث على السير. قال ابن جني مشيرًا
стр. 214
إلى احترام المسموع مع شدة مخالفته للقياس: "فلما كان استحوذ خارجًا عن معتل -يعني: حاذ يحوذ- وجب إعلاله؛ إلحاقًا في الإعلال به، وكذلك باب: أقام وأطال واستعاذ واستزاد، مما يسكن ما قبل عينه في الأصل. ألا ترى أن أصل أقام: أقوم، وأصل استعاذ: استعوذ، فلو أخلينا وهذا اللفظ أي: الذي عليه هذا الأصل، لاقتضت الصورة تصحيح العين لسكون ما قبلها، يعني: لبقيت الواو من غير إعلالها بقلبها ألفًا لسكون ما قبلها، غير أنه لما كان منقولًا ومخرجًا من معتل هو قام وعاذ، أُجري أيضًا في الإعلال عليه. وليس كذلك: استنوق الجمل واستتيست الشاة؛ لأن هذا ليس منه فعل معتل. ألا تراك لا تقول: ناقَ ولا تاس؟ إنما الناقة والتيس اسمان لجوهر، لم يصرف منهما فعل معتل، فكان خروجهما على الصحة أمثلَ منه في باب: استقام واستعاذ، وكذلك: استفيل"، انتهى.
يقارن ابن جني في النص السابق بين الشذوذ القياسي في الكلمات: استنوق واستتيس واستفيل، والشذوذ في كلمة: استحوذ، فيذكر أن الشذوذ في الكلمات الأول أسهل من الشذوذ في الكلمة الأخيرة، وذلك أن استحوذ تقدمها فعلها الثلاثي المجرد وهو حاذ، وهو فعل أجوف واوي العين، وقد أعل بقلب واوه ألفًا، فكان القياس يوجب إلحاق مزيد هذا الفعل به في الإعلال، فيقال: استحاذ، هذا ما كان يقتضيه القياس، وما يقتضيه في كل فعل أجوف من بابي: أفعل واستفعل، نحو: أقام وأطال واستعاذ واستزاد، فهذه الأفعال المزيدة ونحوها قد أُعلت فيها العين وهي واو أو ياء بقلبها ألفًا؛ حملًا على إعلال مجردها، فأصل الفعل أقام: أقوم، ووزنه: أفعل، فَأُعِل بقلب عينه وهي الواو ألفًا بعد نقل حركتها إلى الساكن الصحيح قبلها، وهو القاف.
стр. 215
ولولا نقل حركة الواو إلى الساكن قبلها ما قُلبت ألفًا؛ حتى لا يلتقي ساكنان، وإنما كان لا بد لإحداث قلب هذه العين المحركة في الأصل ألفًا أن يفتح ما قبلها؛ حتى تكون الواو قد تحركت في الأصل وانفتح ما قبلها بعد نقل حركتها، وحينئذٍ تُقلب ألفًا؛ إجراءً للفعل المزيد مجرى فعله المجرد في الإعلال. وهكذا في بقية الأفعال التي على هذه الصفة من أفعال هذين البابين، فأطال أصله: أطول، واستعاذ أصله: استعوذ، واستزاد أصله: استزيد، وقد فُعل فيها ما فعل بأقام؛ حملًا للمزيد على مجرده في الإعلال. أما: استنوق واستتيس واستفيل ونحوها مع شذوذها وخروجها عن القياس، فأمر شذوذها أسهل، إذ لم يتقدمها فعل معتل؛ لأن الناقة والتيس والفيلَ أسماءُ ذوات، فكان خروجها إلى الصحة وعدم الإعلال أيسر من خروج استحوذ.
وذكر ابن جني أن مما ورد شاذًّا عن القياس ومطردًا في الاستعمال أيضًا قولهم: الحَوَكَة، في جمع الحائك الذي ينسج الثياب، والخونة؛ وذلك لأن الواو فيهما قد تحركت وانفتح ما قبلها، فكان مقتضى القياس قلبها ألفًا لا تصحيحها، ولكنهم صححوا العين فيها؛ تنبيهًا على الأصل، وقد قالوا على القياس: خانه، ومع شذوذ الحوكة والخونة، هما في الاستعمال غير متأبيين، فهما شائعان، ولكنهما لا يقاس عليهما، فلا يقال في جمع قائم: قومة، ولا في جمع صائم: صومة، ولو جمع ذلك على وزن فَعلة ما كان إلا معلًّا.
ومما ورد شائعًا في الاستعمال شاذًّا عن القياس قولهم: أقائم أخواك أم قاعدان؟ قال ابن جني: "ومن ذلك قول العرب: أقائم أخواك أم قاعدان؟ هذا كلامها، قال أبو عثمان: والقياس يوجب أن تقول: أقائم أخواك أم قاعد هما؟ إلا أن العرب لا تقوله إلا: قاعدان، فتصل الضميرَ، والقياسُ يوجب فصلَه؛ ليعادل
следующие страницы →