من الإثخان في تلك القوى المسيطرة لإضعافها والقضاء على هيمنتها في المنطقة".
إنَّ نظام المخابرات تفتخر به اليوم الدول المتقدمة مادياً، وله أولوية كبيرة في جيوشها المتطورة، وتمارسه بأساليب غير حضارية ارتبطت بالظلم والعدوان والغدر".
ولكنَّ الرسول القائد ﷺ كان له قصب السَّبْق فيه، كما أنه مارسه في نطاق الحرب الفروسية المشرفة، دون المساس بالأخلاقيات والمُثُل العُليا".
تحرَّكت هذه السرية كما ورد في رواية الواقدي، وابن سعد، في مسيرٍ ليلي إلى أرض العدو، وقد كانت تلك استراتيجية ذكية تزوَّد بها قائدالسرية من مُبْتَكِر الاستراتيجيات العسكرية، رسولِ الله ﷺ التي استطاع بها تحقيق مبدأ الكتمان مع أعدائه، حرمهم من معرفة نواياه، واتجاه حركة قوَّاته".
لقد كانت معظم القبائل التي غزاها النَّبِيُّ ﷺ ، وبعث إليها سراياه قبائل "قوية ولها حلفاء وأنصار، فلو أنها عرفت بمسيره لسارعت بالاستعداد للقائه ولاستعانت عليه بحلفائها وأنصارها لمعاونتها يوم اللقاء، ولكن عناية الله أولاً، ثُمَّ المسير الليلي حال بينها وبين ذلك كله، فاستطاع النَّبِيُّ ﷺ بقواته القليلة بالنسبة لقوات تلك القبائل، أن يتغلَّب عليها ويقضي على نياتها العدوانية، ويُلْقِي الرُّعْبَ في نفوسها ونفوس القبائل الأخر التي سمعت بانتصار المسلمين"١".
стр. 107
أيضاً ما ورد في هذه السرية والسرايا قبلها من شن الغارة على الأعداء ومباغتتهم في ديارهم في غفلةٍ منهم، وتلك استراتيجيةٌ اتَّبعها الرسول ﷺ مع نوعٍ معيَّنٍ من الأعداء، وهم الأعراب، حيث كان دائماً يترصَّد أخبارهم من خلال شبكة العيون المبثوثة في ديارهم، فكان دائماً يباغتهم في ديارهم قبل استكمال جاهزتهم واستعدادهم، فالأعراب أشداء إذا ما استعدوا جيداً للقتال، وانتظمت صفوفهم فيه، عندها تكون مقاومتهم أكبر، وقتالهم أشرس، كما أنَّهم يستطيعون وبسرعة فائقة حشد قوَّة إمدادات كبيرة يتمكنون بها من الإطباق على أعدائهم وحصرهم من كُلِّ الجهات، وقد عرف رسول الله ﷺ ذلك من خلال تجارب سابقة معهم في الرجيع، وبئر معونة، وسرية زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - الأولى إلى بني فزارة، وغيرها".
لذلك فإنَّ في شَنِّ الغارة عليهم ومباغتتهم قبل ذلك، ولو من قوة مهاجمة صغيرة تُفْقِدهم اتزانهم، وتبُثُّ الرُّعْبَ في قلوبهم١، وتثير الاضطراب والفوضى في صفوفهم، فيسهل حين ذاك السيطرة عليهم وهزيمتهم، كما حدث في هذه السرية". والله تعالى أعلم".
وفي الاستيلاء على أموال الأعراب التي كانت في غالبها من الماشية والإبل، إضعافٌ لهم اقتصادياً، لأنَّها تعدّ عصب حياتهم اليومية، لاعتمادهم عليها كثيراً، كما أنَّ في ذلك تحفيزاً للمسلمين وتشجيعاً لهم للغزو في سبيل الله لإصابة الغنائم الدنيوية العاجلة، إضافةً لما رُصِدَ لهم من الأجر العظيم عند الله، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنَّ ذلك يعدّ دافعاً وهدفاً من أهداف الجهاد في سبيل الله بقدر ما هو ممارسة المسلمين لحقهم المشروع في الغنائم التي أحلَّها الله لهذه الأُمَّة واختصَّها به دون غيرها من الأُمم السابقة".
كما أنَّ ذلك يُعَدُّ تمشياً مع عادة قديمة متَّبعة لدى العرب في حروبهم في الجاهلية أبقى عليها الإسلام بعد تنظيمها وتقنينها وفق أنظمة الشريعة الإسلامية". والله تعالى أعلم".
стр. 108
وفي الاستيلاء على أموال الأعراب التي كانت في غالبها من الماشية والإبل، إضعافٌ لهم اقتصادياً، لأنَّها تعدّ عصب حياتهم اليومية، لاعتمادهم عليها كثيراً، كما أنَّ في ذلك تحفيزاً للمسلمين وتشجيعاً لهم للغزو في سبيل الله لإصابة الغنائم الدنيوية العاجلة، إضافةً لما رُصِدَ لهم من الأجر العظيم عند الله، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنَّ ذلك يعدّ دافعاً وهدفاً من أهداف الجهاد في سبيل الله بقدر ما هو ممارسة المسلمين لحقهم المشروع في الغنائم التي أحلَّها الله لهذه الأُمَّة واختصَّها به دون غيرها من الأُمم السابقة".
كما أنَّ ذلك يُعَدُّ تمشياً مع عادة قديمة متَّبعة لدى العرب في حروبهم في الجاهلية أبقى عليها الإسلام بعد تنظيمها وتقنينها وفق أنظمة الشريعة الإسلامية". والله تعالى أعلم".
стр. 109
المبحث الثاني: سرية بشير بن سعد ﵁ إلى بني مرة بفدك
المطلب الأول: تاريخ السرية
...
المطلب الأول: "تاريخ السرية:
أرَّخ لها الواقدي، وابن سعد، بشعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
وذكرها خليفة بن خياط ضمن السرايا التي كانت سنة خمس، ولم يُحَدِّد الشهر الذي كانت فيه٢.
وأخرج البيهقي خبر السرية مقتضباً بسنده عن عروة، والزهري، وموسى بن عقبة، ولم يذكر لها تاريخاً، لأنه سردها ضمن السرايا والبعوث دون الخوض في التفاصيل، وإنَّما رتبها بعد بعث علي بن أبي طالب ﵁ نحو اليمن، وقبل بعث عبد الله بن عتيك إلى أبي رافع٣.
كما أخرجه أيضاً بسنده عن ابن إسحاق، الذي رواه مختصراً في جملة السرايا والبعوث، حيث رتبها بعد سرية محمَّد بن سلمة إلى موضع بهوازن، وقبل سرية بشير بن سعد - أيضاً - إلى موضع كداء٤.
стр. 110
المطلب الثاني: سبب السرية:
لم توضِّح روايتا الواقدي، وابن سعد - وهما مَن تحدَّثا بتفصيل عن هذه السرية - سبب بعث هذه السرية".
وأعتقد - والله تعالى أعلم - أنَّ هذه السرية تدخل في نطاق جهود النَّبِيِّ ﷺ في تحطيم وتمزيق الحلف الخيبري المكوَّن من يهود خيبر، وفدك، وتيماء، ووادي القرى، والقبائل الغطفانية، وغيرها، المحيطة بهذه المدن والقاطنة في باديتها، وبما أنَّ المبعوث إليهم هذه المرَّة هم بنو مرَّة١، وهي قبيلة غطفانية، ذات شأن في المنطقة، بل إنَّها قدَّمت للحلفاء في غزوة الأحزاب أربعمائة مقاتل٢، فذلك يعني أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أراد بهذه السرية التي كانت عبارة عن دورية قتال صغيرة، إضعاف هذه القبيلة اقتصادياً بأخذ أموالهم ومواشيهم في غفلةٍ منهم، تأديباً لهم على مشاركتهم في حلف الأحزاب، ومنعاً لهم من الاستمرارية في الحلف مع اليهود".
والله تعالى أعلم.
стр. 111
المطلب الثالث: سير الأحداث:
ضِمْنَ الجهود المبذولة من النَّبِيِّ ﷺ في إضعاف وتحطيم حلف الأحزاب وبخاصّةً الحلف الخيبري منه، وتأديباً لقبيلة بني مرّة الغطفانية التي شاركت بفعالية في غزوة الأحزاب:
[١] "بعث رسول الله ﷺ بشير بن سعد الأنصاري، أخا بني الحارث ابن الخزرج، نحو بني مرَّة بفدك"١، في دورية قتال صغيرة، قوتها ثلاثون رجلاً، كما يذكر الواقدي، وابن سعد٢".
[٢] "فخرج، فلقي رعاء٣ الشاء، فسأل: "أين الناس؟ فقالوا: "هم بواديهم، والناس يومئذٍ شاتون لا يحضرون الماء، فاستاق النعم والشاء وعاد منحدراً إلى المدينة، فخرج الصريخ٤ فأخبرهم"٥".
стр. 112
وبسرعةٍ استطاع بنو مرّة تكوين قوة مطاردة تعقُّبيَّة كبيرة أدركت السرية عند الليل، فاشتبكوا معهم في قتالٍ تراشقي بالنبال استمرَّ طوال الليل".
[٣] "حتى فنيت نبل أصحاب بشير، وأصبحوا، فحمل المُرِّيون عليهم"١، في قتالٍ قوي غير متكافئٍ بين الطرفين، إذ أطبق المرِّيون على بشير وأصحابه فيما لا قبل لهم به، حيث سقط أصحاب بشير الواحد تلو الآخر بعد أن قاوموا ببسالة وقاتلوا بشجاعة، ولكن كثرة المرِّيين لم تتح لهم الفرصة".
[٤] "وولَّى منهم مَن ولَّى، وقاتل بشير قتالاً شديداً"٢، أبدى فيه شجاعة فائقة، وبسالة نادرة، حتى أثخنته الجراح، وسقط مغشياً عليه من شدَّتها، حتى إنَّ المرِّيّين ظنوا أنه قد مات، حينما ضربوا كعبه٣ فرأوه بلا حراك، فرجعوا بنعمهم وشائهم، وقدم علبة بن زيد الحارثي٤ - الذي ربما كان من الذين تحيَّزوا من ميدان المعركة - بخبر السرية ومصابها على رسول الله ﷺ ".
стр. 113
أمَّا قائد السرية بشير بن سعد - رضي الله تعالى عنه - فإنَّه لمَّا
[٥] "أمسى تحامل حتى انتهى إلى فدك، فأقام عند يهودي١ بفدك أياماً حتى ارتفع من الجراح، ثُمَّ رجع إلى المدينة"٢".
стр. 114
المبحث الثالث: سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك (الحرقات)
المطلب الأول: الخلاف في السرية
...
المطلب الأول: الخلاف في السرية:
اختلف في هذه السرية، في قائدها، وفي سببها، وفي الوجهة التي أُرْسِلَت إليها، في عِدَّة أقوال بين روايات أهل المغازي، وروايات أهل الحديث، حيث:
يرى ابن إسحاق، والواقدي: "أنَّ هذه السرية هي سرية غالب ابن عبد الله الليثي ﵁ إلى أرض بني مُرَّة بفدك، وأنَّ أُسامة ابن زيد - رضي الله تعالى عنه - خرج فيها، وأنَّه قتل مرداس بن نهيك بعد أن قال: "لا إله إلاَّ الله".
وأضاف الواقدي: "أنَّ سبب السرية هو تأديب المرِّيين الذين أصابوا أصحاب بشير بن سعد في السرية السابقة١".
أمَّا ابن سعد فعنون لها بـ"سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك". وذكر خروج أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنه - فيها، ولكن دون أن يشير إلى أنه قَتَل فيها المتعوِّذ، وذلك لأنه يرى أنَّ أُسامة لم يقتل ذلك الرجل في هذه السرية، وإنَّما في سرية أُخرى لغالب بن عبد الله الليثي كانت لبني عوال، وبني عبد ثعلبة بالميفعة٢".
стр. 115
وتابعه في ذلك ابن سيد الناس١، والقسطلاني٢، والقطب الحلبي في المورد العذب٣".
وقد أخذ ابن حجر برأي ابن سعد هذا ونسبه خطئاً إلى أهل المغازي٤ حيث لم يذكر ذلك غير ابن سعد، ومَن تابعه كما أسلفنا".
وعَنْوَنَ الطبريُّ للسرية بقوله: "وفيها "سرية غالب بن عبد الله في شهر رمضان إلى الميفعة"". ثُمَّ ذكر بسنده عن ابن إسحاق أحداث سرية غالب بن عبد الله الكلبي، إلى أرض بني مرَّة٥".
ومعلومٌ عند أهل المغازي أنَّ الميفعة ليست أرض بني مرّة، بل أرض
بني عوال، وبني عبد ثعلبة، وهي وراء بطن نخل إلى النقرة، قليلاً بناحية نجد٦، أمَّا بنو مرَّة فكانوا يسكنون بالقرب من فدك".
كما أخرج ابن سعد قصَّة أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - في مكانٍ آخر، فساق بسنده إلى الحضرمي، رجلٌ من أهل اليمامة قال:
[١] "بلغني أنَّ رسول الله ﷺ بعث أُسامة بن زيد، وكان يحبه ويحب أباه قبله، فبعثه على جيش".".". فذكر الحديث"٧".
стр. 116
فقوله: "فبعثه على جيش" يُشْعِر أنه كان قائداً لذلك الجيش، وكأنَّ الحاكم يرى ذلك - أيضاً - حيث ذكر في الإكليل، كما نقل عنه القسطلاني:
[٢] "أنَّ أُسامة فعل ذلك في سرية كان هو أميراً عليها في سنة ثمان"١".
وكذلك بوَّب لها البخاري في الصحيح بما يفيد أنه كان أميراً عليها حيث قال: ""باب بعث النَّبِيِّ ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة"٢، ثُمَّ ساق بسنده الحديث إلى أسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - فقال:
[٣] "بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة"٣٤".
وقد نفى ابن حجر وبناءً على قول أسامة - رضي الله تعالى عنه
стр. 117
- "بعثنا" أن يكون دليلاً على إمارته للجيش١".
وكذلك أخرج الحديث مسلم بسنده عن أُسامة - رضي الله تعالى عنه - إلاَّ أنه قال فيه:
[٤] "فصبَّحنا الحرقات من جهينة"".٢٣".
والسؤال هنا هو هل هذه السرية التي خرج فيها أسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - وقَتَل فيها ذلك الرجل المتعوِّذ: "سرية غالب ابن عبد الله الليثي ﵁ إلى بني مرّة بفدك، كما ذكر ابن إسحاق والواقدي؟ أم سرية غالب بن عبد الله الليثي - أيضاً - إلى بني عوال، وبني عبد ثعلبة بالميفعة كما ذكر ابن سعد ومتابعوه؟ أم هي سرية أخرى كان أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما هو قائدها، كما أشار لذلك البخاري، والحاكم؟!
стр. 118
وأيضاً هل كانت وجهة هذه السرية إلى بني مرة، أو إلى بني عوال
وبني عبد ثعلبة، أو إلى الحرقات من جهينة؟!
وكما وقع هذا الخلاف بين أهل المغازي، كذلك وقع خلاف آخر بين أهل التفسير في تفسير قوله ﵎ ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاً تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاة الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمَ كَثِيرَة كَذَلِكَ كُنْتُم مِنْ قَبْل فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُم﴾ . [سورة النساء، الآية: "٩٤] ".
فقد أخرج الطبري بسنده عن السدّي١. والثعلبي٢ من طريق الكلبي٣، عن أبي صالح٤، عن ابن عباس".
وهذا حديث ابن جرير بسنده من طريق أسباط٥،عن السدّي قال:
стр. 119
[٥] "بعث رسول الله ﷺ سرية عليها أُسامة بن زيد إلى بني مرة١، فلقوا رجلاً يُدْعَى مرداس بن نهيك، معه غنيمة له وجمل أحمر، فلمَّا رآهم أوى إلى كهف جبل، واتَّبعه أُسامة، فلمَّا بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه، ثُمَّ أقبل إليهم، فقال: "السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمَّداً رسول الله، فشدَّ عليه أسامه فقتله من أجل جمله وغنيمته" ... فذكر الحديث ٢.
وأخرج الطبري - أيضاً - بسنده عن قتادة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنواْ﴾ الآية". قال: "هذا الحديث في شأن مرداس، رجل من غطفان، ذكر لنا:
[٦] "أنَّ نَبِيَّ الله ﷺ بعث جيشاً عليهم غالب الليثي إلى أهل فدك وبه ناس من غطفان، وكان مرداس منهم، ففرَّ أصحابه، فقال مرداس إني مؤمن، وإني غير متبعكم، فصبَّحته الخيل غدوة، فلمَّا لقوهسلَّم عليهم مرداس، فتلقاه أصحاب رسول الله ﷺ فقتلوه
стр. 120
وأخذوا ما كان معه من متاع، فأنزل الله جلَّ وعزَّ في شأنه ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلام لَسْتَ مُؤمِناً﴾ . [سورة النساء، الآية: "٩٤] ".لأنَّ تحية المسلمين السلام بها يتعارفون، وبها يُحَيِّي بعضهم بعضا"١".
وقد رُوِيَ من وجهٍ آخر عن قتادة، وأخرجه الطبري من حديث عبد الرزَّاق بسنده عنه وقال فيه:
[٧] "بلغني أنَّ رجلاً من المسلمين أغار على رجلٍ من المشركين فحمل عليه، فقال له المشرك: "إني مسلم، أشهد أن لا إله إلاَّ الله، فقتله المسلم بعد أن قالها، فبلغ ذلك ﷺ ، فقال للذي قتله: "أقتلته وقد قال لا إله إلاَّ الله؟ فقال وهو يعتذر: "يا نبي الله إنَّما قالها متعوِّذاً وليس كذلك، فقال النَّبِيُّ ﷺ : "فهلاَّ شققت عن قلبه؟ ثُمَّ مات قاتل الرجل فقُبِرَ، فلفظته الأرض، فذُكِرَ ذلك للنَّبِيِّ ﷺ فأمرهم أن يقبروه، ثُمَّ لفظته الأرض، حتى فُعِلَ به ذلك ثلاث مرَّات، فقال النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ الأرض أبت أن تقبله، فألقوه في غارٍ من الغيران".
قال معمر: "وقال بعضهم: "إنَّ الأرض تقبل من هو شر منه، ولكن الله جعله لكم عبرة٢".
стр. 121
قلت: "هذه القصة هي بعينها قصة محلم بن جثامة مع عامر بن الأضبط المشهورة عند أهل المغازي التي حدثت في سرية أبي قتادة - رضي الله تعالى عنه - إلى إضم، وهي تعتبر أحسن ما رُوِيَ في سبب نزول الآية، كما قال الشوكاني١".
وهذه القصة أخرجها ابن جرير من حديث ابن إسحاق بسنده عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال:
[٨] "بعث النَّبِيُّ ﷺ محلم بن جثامة٢ مبعثاً، فلقيهم عامر بن الأضبط فحيَّاهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحنة٣ في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ ، فتكلَّم فيه عيينة٤،
стр. 122
والأقرع١، فقال الأقرع: "يا رسول الله سُنَّ اليوم وغَيِّر غداً، فقال عيينة: "لا والله حتَّى تذوق نساؤه من الثُّكل٢ ما ذاق نسائي، فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ليستغفر له، فقال النَّبِيُّ ﷺ : "لا غفر الله لك، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت سابعة حتَّى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاءوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: "إنَّ الأرض تقبل مَن هو شرّ من صاحبكم، ولكنَّ الله جلَّ وعزَّ أراد أن يعظكم، ثُمَّ طرحوه بين صدفي جبل، وألقوا عليه من الحجارة، ونزلت آية ﴿يا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ﴾ الآية". [سورة النساء، الآية: "٩٤] ٣".
стр. 123
وقد أخرجه الطبري أيضاً من حديث ابن إسحاق أيضاً بسنده عن عبد الله بن أبي حدرد١ قال:
[٩] "بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي٢، ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم٣، مرَّ بنا عامر بن
стр. 124
الأضبط الأشجعي على قعودٍ له معه متيع له ووطب من لبن١، فلمَّا مرَّ بنا سلَّم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة الليثي لشيءٍ كان بينه وبينه، فقتله وأخذ بعيره ومتيعه، فلمَّا قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن"٢".
كما ورد عن المفسرين أنَّ الآية نزلت في المقداد بن الأسود ﵁، أخرج ذلك الطبري من حديث سعيد بن جبير قال:
[١٠] "خرج المقداد بن الأسود في سرية بعثه رسول الله ﷺ ، قال: "فمرَّوا برجلٍ في غنيمةٍ له، فقال: "إني مسلم، فقتله المقداد، فلمَّا قدموا ذكروا ذلك للنَّبِيِّ ﷺ ، فنزلت هذه الآية"٣".
هكذا أخرجه مرسلاً عن سعيد، وقد ورد مطولاً موصولاً عند البزار من حديث سعيد أيضاً عن ابن عباس، حيث قال فيه:
стр. 125
الأضبط الأشجعي على قعودٍ له معه متيع له ووطب من لبن١، فلمَّا مرَّ بنا سلَّم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة الليثي لشيءٍ كان بينه وبينه، فقتله وأخذ بعيره ومتيعه، فلمَّا قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن"٢".
كما ورد عن المفسرين أنَّ الآية نزلت في المقداد بن الأسود ﵁، أخرج ذلك الطبري من حديث سعيد بن جبير قال:
[١٠] "خرج المقداد بن الأسود في سرية بعثه رسول الله ﷺ ، قال: "فمرَّوا برجلٍ في غنيمةٍ له، فقال: "إني مسلم، فقتله المقداد، فلمَّا قدموا ذكروا ذلك للنَّبِيِّ ﷺ ، فنزلت هذه الآية"٣".
هكذا أخرجه مرسلاً عن سعيد، وقد ورد مطولاً موصولاً عند البزار من حديث سعيد أيضاً عن ابن عباس، حيث قال فيه:
стр. 126
[١٢] "مرَّ رجلٌ من بني سليم بنفر من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ يرعى غنماً له، فسلَّم عليهم، فقالوا: "لا يسلِّم علينا إلاَّ ليتعوَّذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النَّبِيَّ ﷺ ، فنزلت هذه الآية"١".
وأخرج الطبري بسنده عن ابن زيد٢ قال:
[١٣] "نزل ذلك في رجلٍ قتله أبو الدرداء".. فذكرمن قصة أبي الدرداء نحو القصة التي ذُكِرَت عن أُسامة"٣".
وذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة جزء بن الجدرجان، أنَّ ابن منده أخرج بسنده عنه:
[١٤] "أنَّ أخاه فداد بن الجدرجان وفَدَ على رسول الله فلقيته سرية له فقتلوه بعد أن قال لهم: "إنه مؤمن، فنزلت فيه الآيات"٤".
قال ابن عبد البر: ""والاختلاف في المراد بهذه الآية كثير مضطرب فيه جداً، قيل: "نزلت في أُسامة بن زيد، وقيل: "في محلم بن جثامة، وقال ابن عباس: "نزلت في سرية ولم يسمّ أحداً، وقيل: "نزلت في غالب
стр. 127
الليثي، وقيل: "نزلت في رجل من بني ليث يقال له: "فليت، كان على سرية، وقيل: "نزلت في أبي الدرداء، وهذا اضطراب شديد جداً"١".
وقال القرطبي: "واختلف في تعيين القاتل، والمقتول في هذه النازلة، فالذي عليه الأكثر وهو في سيرة ابن إسحاق، ومصنَّف أبي داود، والاستيعاب لابن عبد البر: "أنَّ القاتل محلم بن جثامة، والمقتول عامر بن الأضبط، ولا خلاف أنَّ الذي لفظته الأرض حين مات هو محلم بن جثامة الذي ذكرناه، ولعلَّ هذه الأحوال جرت في زمان متقارب، فنزلت الآية في الجميع"٢".
وقال القريبي: "والأحاديث مجموعها تدل على أنَّ هذه القصة حصلت لمحلم بن جثامة الليثي في قتله عامر بن الأضبط الأشجعي، بعد أن ظهر منه ما يدل على أنه مسلم، وأنه نزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ﴾ ٣".
وقال ابن حجر: "وإن ثبت الاختلاف في تسمية من باشر القتل مع الاختلاف في المقتول احتمل تعدُّد القِصَّة٤".
وقال الزرقاني: "يُحْتَمَل تعدُّد القِصَّة، وتكرير نزول الآية٥".
стр. 128
وقال المراغي: "ولا مانع من تعدُّد الوقائع قبل نزول الآية، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يقرأها على أصحاب كُلّ واقعة، فيرون أنَّهم سبب نزولها١".
قلت: "إن ثبت تعدُّد هذه القصة، فإنَّ الآية لا يمكن أن تكون نصّاً عليها جميعها، فإنَّ هنالك اختلافاً بيِّناً في بعض عناصرها، وإن بدت وكأنَّ نتيجتها واحدة، وهي زجر رسول ﷺ عن قتل مَن بدت منه شبهة تدرأ عنه ذلك حتَّى يتم التأكد من حقيقته، فمثلاً قصة أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، لا تنطبق عليها هذه الآية من عِدَّة وجوه:
- الأحاديث التي أوردت قصة أُسامة - رضي الله تعالى عنه، ومنها أحاديث الصحيحين لم تتطرَّق لذكر نزول آية في قصَّته، ولو كانت الآية نزلت فيه فعلاً لما أغفلتها تلك الأحاديث نظراً لأهمية الآية فيموضوع القصة وتدعيماً لها، ونظراً لاستقصاء المحدثين وتتبعهم الشديد والمتقن لمثل هذه الأمور".
- الآية نفسها لا تنطبق على أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما، لأنه لم يك مشركاً في يومٍ من الأيام، بل إنه وُلِدَ في الإسلام، كما شبَّ وترعرع في عزه ودولته في المدينة، فلم يك هنالك داعٍ لكتمان إيمانه، كما أوضحت بعض الروايات قصة المقداد".
стр. 129
- التقريع والتوبيخ الوارد في الآية لا يتناسب - أيضاً - مع ما صحَّ في قصَّة أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما، من أنه قتل ذلك الرجل المتعوِّذ اجتهاداً منه في أنه لم ينطق بالشهادة إلاَّ خوفاً من السيف، بخلاف ما وقع في قصَّة محلم بن جثامة، فالدوافع التي جعلته يقتل عامر ابن الأضبط تختلف عنها في قصَّة أسامة حيث إنَّ قتله لعامر لم يكن اجتهاداً منه بقدر ما كان طمعاً في ماله، وبسبب ما كان بين الاثنين من إحن وتخاصُم في الجاهلية".
الأمر الآخر، وهو الذي يهمنا هنا بالدرجة الأولى هو عدم إمكان تعدُّد قصَّة أُسامة - رضي الله تعالى عنه - في عِدَّة مواطن، كما أشار بذلك الحلبي١". بل هي قصَّة واحدة حدثت في موطنٍ واحدٍ". ولكنَّ السؤال هو: "أين حدثت؟ ".
فالذي في الصحيحين، وكتب الحديث الأخر: "أنَّ البعث كان إلى الحرقات من جهينة، والذي في المغازي أنه كان لبني مرة بالقرب من فدك، وأنَّ المقتول كان حليفاً لهم من الحرقة".
فهل يُعد ذلك تبايناً بين الروايتين، رواية أهل الحديث، ورواية أهل المغازي؟ ".
стр. 130
فالذي تشير إليه كتب الأنساب أنَّ ديار الحرقات كانت قريبة من ديار بني مرة، بدليل أنَّ الحرقة، وهم بنو الحميس لُقِّبوا بالحرقة لأنهم أحرقوا بني مرّة قتلاً بالنبل في حربٍ دارت بينهما، ومعلومٌ بداهةً أنَّ كلتا القبيلتين غطفانيتان، ومنازل غطفان تمتد حول منطقة خيبر، ووادي القرى، وفدك".
كما أنَّ ما ذكر في روايات أهل المغازي من أنَّ المقتول كان حليفاً لبني مرة، وما أخرجه البخاري في التاريخ، والبيهقي بسندٍ لا بأس به، عن أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - قال:
[١٥] "أدركت أنا ورجل من الأنصار - يعني مرداس بن نهيك - ثُمَّ ذكر الحديث" ... ١.
فالنَّص على تسمية الرجل هنا، وموافقة ذلك لروايات أهل المغازي السابقة، كُلُّ ذلك يعدّ قرائن على اتحاد قصَّة أهل الحديث بقصة أهل المغازي، وأنَّهما قصة واحدة، رويت بأسانيد مختلفة، وسياق مختلف نوعاً ما". والله تعالى أعلم".
стр. 131
المطلب الثاني: "تاريخ السرية:
أرَّخ ابن سعد لسرية غالب بن عبد الله الليثي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك في شهر صفر سنة ثمان من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم١".
وأرَّخ لسرية غالب بن عبد الله إلى الميفعة التي ذكر فيها أنَّ أسامة ابن زيد ﵄ أصاب فيها الذي قال: "لا إله إلاَّ الله، بشهر رمضان سنة سبع من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم٢".
وتابعه في ذلك ابن سيد الناس٣، والقسطلاني٤، والحلبي٥".
ولم يذكر لها الواقدي تاريخاً - وذلك خلاف عادته -، وذكرها مباشرةً بعد سرية بشير بن سعد إلى فدك، بل إنه لم يجعل لها عنواناً مستقلاً، وإنَّما تحدَّث عنها بعد فراغه من سرية بشير، وكأنه يرى أنَّها متعلِّقة بها، وأنَّها كانت في نفس التاريخ٦. وتابعه في ذلك ابن كثير٧.
стр. 132
أمَّا ابن إسحاق فلم يذكر لها تاريخاً حيث ذكرها في جملة السرايا والبعوث، ورتَّبها بعد غزوة مؤتة، وسرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني العنبر، وقبل ذات السلاسل١.
وذكر البيهقي رواية ابن إسحاق بعد رواية الواقدي، بعد سرية بشير ابن سعد إلى بني مرَّة بفدك، وقبل سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوّح، وسريته أيضاً إلى الميفعة٢.
وجمع الطبري بين رواية ابن إسحاق حول السرية، وبين عنوان سرية غالب الأخرى إلى الميفعة، وهو وهم كما ذكرنا سابقاً، لكنَّه أرَّخ لها بشهر رمضان من السنة الثامنة٣.
وذكرها خليفة بن خياط في سرايا سنة خمس، مباشرةً بعد سرية
بشير بن سعد إلى فدك٤.
وذكرها البلاذري - أيضاً - بعد سرية بشير، دون أن يجعل لها تاريخا٥، وكذلك فعل ابن القيم، ولكنه اقتصر على رواية المحدثين حول سرية الحرقات٦.
стр. 133
وجمع الشامي كعادته بين رواية ابن إسحاق، ورواية الواقدي، وأرَّخ لها في صفر سنة ثمان١.
ونقل القسطلاني عن الحاكم في الإكليل أنَّها كانت في سنة ثمان٢.
قال الزرقاني: "وفي البخاري ما يوافقه، فإنه قال بعد غزوة مؤتة (باب بعث النَّبِيِّ ﷺ أُسامةَ بن زيد إلى الحرقات) ٣.
قال ابن حجر: "وقد ذكر أهل المغازي سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة - بتحتانية ساكنة وفاء مفتوحة - وهي وراء بطن نخل، وذلك في رمضان سنة سبع، وقالوا: "إنَّ أُسامة قَتَلَ الرَّجُلَ في هذه السرية، فإن ثبت أنَّ أُسامة كان أمير الجيش فالذي صنعه البخاري هو الصواب، لأنه ما أُمِّرَ إلاَّ بعد قتل أبيه بغزوة مؤتة، وذلك في رجب سنة ثمان، وإن لم يثبت أنه كان أميرها رجَّح ما قال أهل المغازي٤".
وذكر الزرقاني، عن بعض شُرَّاح البخاري، أنه "لعلَّ المصير إلى
ما في البخاري هو الراجح، بل الصواب"٥". انتهى".
قال الزرقاني: "وليس الترجي من وجوه الترجيح، نَعَم! روى ابن جرير عن السُدّي بعث ﷺ سرية عليها أُسامة بن زيد فذكر القصَّة،
стр. 134
وروى ابن سعد عن جعفر بن برقان قال: "حدَّثني الحضرمي". قال: "بلغني أنه ﷺ بعث أسامة بن زيد على جيش فذكر القِصَّة، فإن ثبتتا ترجَّح صنيع البخاري١".
قلت: "كل ما ذكروه لا يثبت إمارة أسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - للجيش. والروايتان اللتان ذكرهما الزرقاني ضعيفتان كما وضَّحنا سابقاً٢".
أمَّا صنيع البخاري - رحمه الله تعالى - فقد أوَّله ابن حجر بغير ما ذكروه، كما مرَّ بنا سابقاً".
والذي يترجَّح عندي هو أنَّ هذه السرية كانت بعد سرية بشير بن سعد مباشرةً، لأنَّها أُرْسِلَت لتأديب الأعراب الذين أصابوا سريته، وأنَّ أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - خرج فيها، فأصاب ذلك الرجل المتعوِّذ، فهي في سنة سبع من مهاجر رسول الله ﷺ ، ربما في رمضان منه، كما أشار إلى ذلك ابن حجر، وعزاه إلى ابن سعد عن شيخه الواقدي٣".
وإن كان هنالك خلاف بين الاثنين حول سريتي غالب بنعبد الله الليثي، وأيهما التي قتل فيها أسامة رضي الله تعالى عنه المتعوِّذَ، وقد وضَّحنا ذلك فيما سبق".
стр. 135
المطلب الثالث: سير الأحداث:
عندما قدم علبة بن زيد الحارثي الأوسي بخبر سرية بشير بن سعد، ومصابها على رسول الله ﷺ ".
[١٦] "هيأ رسول الله ﷺ الزبير بن العوام، وقال له: "سِر حتَّى تنتهي إلى مُصاب أصحاب بشير بن سعد، فإن أظفرك الله بهم فلا تبق فيهم، وهيأ معه مائتي رجل، وعقد له لواء"١.
[١٧] "فقدم غالب بن عبد الله من سرية قد ظفَّره الله عليهم، فقال رسول الله ﷺ للزبير بن العوام: "اجلس، وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل٢، فخرج أُسامة بن زيد في السرية حتى انتهى إلى مصاب بشير وأصحابه، وخرج معه علبة بن زيد"٣". و [١٨] "عقبة بن عمرو أبو مسعود٤، وكعب بن
стр. 136
عجرة"١٢". وأبو سعيد الخدري٣".
[١٩] "فلمَّا دنا غالب منهم بعث الطلائع، فبعث علبة بن زيد في عشرة ينظر إلى جماعة محالهم، حتى أوفى على جماعة منهم، ثُمَّ رجع إلى غالب، فأخبره فأقبل غالب يسير حتَّى إذا كان منهم بمنظر العين ليلاً، وقد اجتلبوا وعطَّنوا٤، وهدأوا، قام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثُمَّ قال: "أمَّا بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وأن تطيعوني ولا تخالفوا لي أمراً، فإنَّه لا رأي لمن لا يُطاع، ثُمَّ ألَّف بينهم٥ فقال: "يا فلان أنت وفلان، يا فلان أنت وفلان، لا يفارق كُلّ رجل زميله"٦".
стр. 137
فلمَّا كان قرب الفجر انقضوا عليهم في هجوم فجري خاطف، وهم يتصايحون بشعارهم المُتَّفَق عليه مسبقاً: "أمت! أمت! ١".
وارتبك الأعراب بادئ الأمر، إلاَّ أنَّهم تمالكوا أنفسهم بعضاً من الوقت حيث أبدوا بعض المقاومة، فخرج الرجال فقاتلوا ساعة، وكان منهم رجل من أشدِّهم، فكان:
[٢٠] إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين، قصد له فقتله٢، حتَّى أوجع في المسلمين، غير أنَّ قوة وتنظيم المسلمين في هجومهم المباغت، وهول المفاجأة من ذلك الهجوم الفجري غير المتوقَّع أفقد الأعراب توازنهم، فانهزموا هاربين، ووضع المسلمون سيوفهم فيهم حيث شاءوا٣.
يقول أُسامة - رضي الله تعالى عنه - في وصف ذلك:
[٢١] فصبَّحنا القوم فهزمناهم٤.
[٢٢] فكان منهم رجلٌ إذا أقبل القوم كان من أشدِّهم، وإذاأدبروا كان حاميتهم، قال: "فغشيته أنا ورجلٌ من الأنصار٥.
стр. 138
[٢٣] "فلمَّا غشيناه قال: "لا إله إلاَّ الله، فكفَّ الأنصاري، فطعنته برمحي١".
[٢٤] "فوقع في نفسي من ذلك"٢".
ثُمَّ تمكَّن المسلمون من السيطرة على الأعراب بسرعة، حيث استحوذوا على حاضر القوم بعد أن قتلوا منهم مَن قتلوا، وهَرَبَ الباقون أمامهم فاستاقوا:
[٢٥] "النَّعم والشاء والذرية، وكانت سهامهم عشرة أبعرة لكل رجل، أو عدلها من الغنم، وكان يحسب الجزور بعشرة من الغنم"٣". وكان ذلك القتال يعدّ أوَّل تجربة عسكرية قتالية لأُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما٤، حِبِّ رسول الله ﷺ ، فلمَّا جاء البشير بخبر النَّصر والفتح إلى رسول الله ﷺ تهلَّل وجهه فرحاً، وازداد فرحه ﷺ حينما أخبره البشير عن شِدَّة بأس أُسامة، واستبساله في القتال، ولكنَّه حينما أخبره بخبر الرجل الذي قتله أُسامة تغيَّر وجه رسول الله ﷺ ، وبعث إلى أُسامة".
стр. 139
[٢٦] "فدعاه فسأله، فقال: "لِمَ قتلته؟ قال: "يا رسول الله! أوجَعَ في المسلمين، وقتل فلاناً وفلاناً، وسمَّى له نفراً، وإني حملت عليه، فلمَّا رأى السيف قال: "لا إله إلاَّ الله". قال رسول الله ﷺ : "أقتلته؟ قال: "نعم". قال: "كيف تصنع بلا إله إلاَّ الله إذا جاءت يوم القيامة؟ قال: "يا رسول الله استغفر لي". قال: "وكيف تصنع بلا إله إلاَّ الله إذا جاءت يوم القيامة؟ قال: "فجعل لا يزيده على أن يقول: "كيف تصنع بلا إله إلاَّ الله إذا جاءت يوم القيامة" ١.
قال أُسامة:
[٢٧] "فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم٢".
стр. 140
المطلب الرابع: "الأحكام المستنبطة والعبر والدروس المستفادة:
أولاً: "الأحكام المستنبطة:
قال الخطابي: "فيه من الفقه أنَّ الكافر إذا تكلَّم بالشهادة وإن لم يصف الإيمان وَجَبَ الكَفُّ عنه والوقوف عن قتله سواء أكان بعد القدرة أم قبلها١".
وقال ابن التين تعليقاً على قول النَّبِيِّ ﷺ لأُسامة: ""أقتلته بعدما قال؟ "". في هذا اللوم تعليم وإبلاغ في الموعظة حتى لا يقدم أحَد على قتلِ مَنْ تلفَّظ بالتوحيد٢".
وقال القرطبي: "تكريره ذلك والإعراض عن قبول العذر زجر شديد عن الإقدام على مثل ذلك٣".
وقال النووي: "وقوله ﷺ : "أفلا شققت عن قلبه"، فيه دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأُصول أنَّ الأحكام يعمل فيها بالظواهر، والله يتولَّى السرائر٤".
وقال ابن حجر: "وفيه دليل على ترتُّب الأحكام على الأسباب الظاهرة دون الباطنة٥".
стр. 141
وقال الخطابي: "وفيه أنه لم يلزمه - مع إنكاره عليه - الدية، ويشبه أن يكون المعنى فيه، أنَّ أصل دماء الكُفَّار الإباحة، وكان عند أُسامة أنه إنَّما تكلَّم بكلمة التوحيد مستعيذاً لا مُصَدِّقاً به، فقتله على أنه كافرٌ مبَاح الدَّم، فلم تلزمه الدية، إذ كان في الأصل مأموراً بقتاله، والخطأ عن المجتهد موضوع، ويحتمل أن يكون قد تأوَّل قول الله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُم إِيمَانهُم لَمَّا رَأَواْ بَأْسَنَا﴾ . [سورة غافر، الآية: "٨٥] ، وقوله في قِصَة فرعون: ﴿ءالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ . [سورة يونس، الآية: "٩١] ".
فلم يُخلِّصهم إظهار الإيمان عند الضرورة والإرهاق من نزول العقوبة بساحتهم ووقوع بأسه بهم١".
قال ابن حجر: "كأنه حمل نفي النفع على عمومه دنيا وآخرة، وليس ذلك المراد، والفرق بين المقامين أنه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعاً مقيَّداً بأنْ يجب الكفّ عنه حتَّى يختبر أمره، هل قال ذلك خالِصاً من لبه، أو خشيةً من القتل؟ وهذا بخلاف ما لو هجم عليه الموت ووصل خروج الروح إلى الغرغرة وانكشف الغطاء، فإنه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم الآخرة، وهو المراد من الآية، وأمَّا كونهلم يلزمه دية ولا كَفَّارة فتوقَّف فيه الداودي وقال: "لعلَّه سكت عنه لعلم السامع أو كان ذلك قبل نزول آية الدية والكَفَّارة".
стр. 142
وقال القرطبي: "لا يلزم من السكوت عنه عدم الوقوع، لكن فيه بُعْد لأنَّ العادة جرت بعدم السكوت عن مثل ذلك إن وقع، قال: "فيحتمل أنه لم يجب عليه شيء، لأنه كان مأذوناً له في أصل القتل، فلا يضمن ما أتلف من نفسٍ ولا مال كالخاتن والطبيب، أو لأنَّ المقتول كان من العدوِّ ولم يكن له وليٌّ من المسلمين يستحق ديته، قال: "وهذا يتمشى على بعض الآراء، أو لأنَّ أُسامة أقرَّ بذلك، ولم تقم بذلك بيِّنة فلم تلزم العاقلة الدية، وفيه نظر١".
وقال النووي: "أمَّا كونه ﷺ لم يوجب على أُسامة قصاصاً ولا دية ولا كَفَّارة، فقد يُستدَلُّ به لإسقاط الجميع، ولكن الكَفَّارة واجبة والقصاص ساقط للشبهة فإنه ظَنَّه كافراً، وظَنَّ أنَّ إظهاره كلمة التوحيد في هذه الحال لا يجعله مسلماً".
وفي وجوب الدية قولان للشافعي، وقال بكل واحد منهما بعض من العلماء.
ويجاب عن عدم ذكر الكَفَّارة بأنَّها ليست على الفور، بل هي على التراخي وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز على المذهب الصحيح عند أهل الأصول، وأمَّا الدية على قول من أوجبها فيحتمل أنَّ أُسامة كان في ذلك الوقت معسراً بها فأُخِّرَت إلى يساره٢.
стр. 143
وقال الزرقاني: "روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: "أمر ﷺ لأهل مرداس بديته وردّ ماله إليهم". وقيل: "قال له: "اعتق رقبة". والله أعلم ٣".
قلت: "بالإضافة إلى ما ذكروه، فإنَّ أسامة - رضي الله تعالى عنه - كان في ذلك الوقت صغيراً في السنِّ، وأنَّ ما حمله على قتل ذلك الرجل هو قِلَّة خبرته الفقهية، وبخاصّةً فقه الجهاد، باعتبار أنَّها أوَّل مشاركة جهادية، كما ورد في رواية ابن سعد السابقة١، ولأجل ذلك عذره النَّبِيُّ ﷺ ، ولكنَّه أبلغ في اللوم والعتاب عليه سدّاً للذريعة، والتثبُّت، وبخاصّةً وأنَّ الأمر يتعلَّق بحياة إنسان بدت منه شبهة تدرأ عنه القتل". والله تعالى أعلم".
ثانياً: "العبر والدروس المستفادة: "
إنَّ حُبَّ النَّبِيِّ ﷺ لأسامة بن زيد - ولأبيه من قبله - رضي الله تعالى عنهما - لم يشفع له عند رسول الله ﷺ عندما أخطأ، فكان اللوم والتقريع والمحاسبة الشديدة على الخطأ".
وفي ذلك دليل على أنه لا محاباة، ولا محسوبيات في دين الإسلام، فالكل سواسية أمام الشارع، يحاسبهم على أخطائهم، لا فرق بين قريب أو بعيد، ولا غني أو فقير".
стр. 144
استمرار سياسة النَّبِيِّ ﷺ العسكرية ضد الأعراب مِمَّا أدَّى إلى حصد النتائج السريعة المتوخاة من تلك السياسة العسكرية المتبعة ضدَّهم، نصر، وغنائم، وتأديب، ورعب".
كان الشعار في المعركة من مبتكرات النَّبِيِّ ﷺ في غزواته وبعوثه وسراياه وتتضح أهمية الشعار في القتال الليلي، أو الفجري الخاطف، وبخاصّةً إذا علمنا أنَّ العرب في ذلك الوقت يتشابهون فيما بينهم في اللباس والملامح، حيث لم تكن هنالك بزَّات١ عسكرية خاصّةً لكل جيش كما هو الحال اليوم في المؤسسات العسكرية الحديثة، فكان الشعار ينوب مناب اللباس الخاص للتفريق بين المسلمين وأعدائهم في ميدان المعركة، كما أنَّه يبث روح الحماس في نفوس الجند وهم يتصايحون به أثناء الانقضاض على العدوّ، كما حدث في هذه السرية". والله تعالى أعلم.
اتَّبع المسلمون الهجوم الفجري ضد الأعراب "فكان هذا الهجوم مباغتة كاملة أثَّرت على معنوياتهم، وأجبرتهم على الفرار".
"إنَّ الهجوم فجراً يؤَمِّن المباغتة، لأنَّ العدوَّ يكون بين نائم لا يفيد في القتال، أو مستيقظٍ غير مُتَهَيئٍ له، وهؤلاء جميعاً غير متهيئين للقتال، ولا جدوى منهم للنهوض بأعباء الحرب".
стр. 145
ولكن الهجوم فجراً يحتاج إلى قوة مددية تستطيع معرفة أهدافها، فلا يصطدم بعضها ببعض، فيؤدي ذلك إلى خسائر في الأرواح دون مبرر، مِمَّا يدل على تدريب المسلمين تدريباً متميزاً على فنون القتال، كما يحتاج الهجوم فجراً إلى قيادة مسيطرة وإلى ضبط شديد لتنفيذالأوامر"١".
وذلك واضح في الخطاب الذي ألقاه قائد السرية عليهم، وتأكيده على الضبط العسكري، ومبدأ طاعة الأوامر، ثُمَّ في تأليفه بين الجند ومؤاخاته بينهم، والحثّ على الاجتماع وعدم التفرُّق، وترك الإمعان في العمق دون مبرِّر".
"إنَّ نجاح المسلمين بهذا الهجوم معناه وصولهم إلى درجة عالية في التدريب والضبط، وهما أهمّ عناصر الجيش القوي الرصين"٢".