وقال الخطابي: "وفيه أنه لم يلزمه - مع إنكاره عليه - الدية، ويشبه أن يكون المعنى فيه، أنَّ أصل دماء الكُفَّار الإباحة، وكان عند أُسامة أنه إنَّما تكلَّم بكلمة التوحيد مستعيذاً لا مُصَدِّقاً به، فقتله على أنه كافرٌ مبَاح الدَّم، فلم تلزمه الدية، إذ كان في الأصل مأموراً بقتاله، والخطأ عن المجتهد موضوع، ويحتمل أن يكون قد تأوَّل قول الله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُم إِيمَانهُم لَمَّا رَأَواْ بَأْسَنَا﴾ . [سورة غافر، الآية: "٨٥] ، وقوله في قِصَة فرعون: ﴿ءالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ . [سورة يونس، الآية: "٩١] ".
فلم يُخلِّصهم إظهار الإيمان عند الضرورة والإرهاق من نزول العقوبة بساحتهم ووقوع بأسه بهم١".
قال ابن حجر: "كأنه حمل نفي النفع على عمومه دنيا وآخرة، وليس ذلك المراد، والفرق بين المقامين أنه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعاً مقيَّداً بأنْ يجب الكفّ عنه حتَّى يختبر أمره، هل قال ذلك خالِصاً من لبه، أو خشيةً من القتل؟ وهذا بخلاف ما لو هجم عليه الموت ووصل خروج الروح إلى الغرغرة وانكشف الغطاء، فإنه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم الآخرة، وهو المراد من الآية، وأمَّا كونهلم يلزمه دية ولا كَفَّارة فتوقَّف فيه الداودي وقال: "لعلَّه سكت عنه لعلم السامع أو كان ذلك قبل نزول آية الدية والكَفَّارة".
стр. 142
وقال القرطبي: "لا يلزم من السكوت عنه عدم الوقوع، لكن فيه بُعْد لأنَّ العادة جرت بعدم السكوت عن مثل ذلك إن وقع، قال: "فيحتمل أنه لم يجب عليه شيء، لأنه كان مأذوناً له في أصل القتل، فلا يضمن ما أتلف من نفسٍ ولا مال كالخاتن والطبيب، أو لأنَّ المقتول كان من العدوِّ ولم يكن له وليٌّ من المسلمين يستحق ديته، قال: "وهذا يتمشى على بعض الآراء، أو لأنَّ أُسامة أقرَّ بذلك، ولم تقم بذلك بيِّنة فلم تلزم العاقلة الدية، وفيه نظر١".
وقال النووي: "أمَّا كونه ﷺ لم يوجب على أُسامة قصاصاً ولا دية ولا كَفَّارة، فقد يُستدَلُّ به لإسقاط الجميع، ولكن الكَفَّارة واجبة والقصاص ساقط للشبهة فإنه ظَنَّه كافراً، وظَنَّ أنَّ إظهاره كلمة التوحيد في هذه الحال لا يجعله مسلماً".
وفي وجوب الدية قولان للشافعي، وقال بكل واحد منهما بعض من العلماء.
ويجاب عن عدم ذكر الكَفَّارة بأنَّها ليست على الفور، بل هي على التراخي وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز على المذهب الصحيح عند أهل الأصول، وأمَّا الدية على قول من أوجبها فيحتمل أنَّ أُسامة كان في ذلك الوقت معسراً بها فأُخِّرَت إلى يساره٢.
стр. 143
وقال الزرقاني: "روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: "أمر ﷺ لأهل مرداس بديته وردّ ماله إليهم". وقيل: "قال له: "اعتق رقبة". والله أعلم ٣".
قلت: "بالإضافة إلى ما ذكروه، فإنَّ أسامة - رضي الله تعالى عنه - كان في ذلك الوقت صغيراً في السنِّ، وأنَّ ما حمله على قتل ذلك الرجل هو قِلَّة خبرته الفقهية، وبخاصّةً فقه الجهاد، باعتبار أنَّها أوَّل مشاركة جهادية، كما ورد في رواية ابن سعد السابقة١، ولأجل ذلك عذره النَّبِيُّ ﷺ ، ولكنَّه أبلغ في اللوم والعتاب عليه سدّاً للذريعة، والتثبُّت، وبخاصّةً وأنَّ الأمر يتعلَّق بحياة إنسان بدت منه شبهة تدرأ عنه القتل". والله تعالى أعلم".
ثانياً: "العبر والدروس المستفادة: "
إنَّ حُبَّ النَّبِيِّ ﷺ لأسامة بن زيد - ولأبيه من قبله - رضي الله تعالى عنهما - لم يشفع له عند رسول الله ﷺ عندما أخطأ، فكان اللوم والتقريع والمحاسبة الشديدة على الخطأ".
وفي ذلك دليل على أنه لا محاباة، ولا محسوبيات في دين الإسلام، فالكل سواسية أمام الشارع، يحاسبهم على أخطائهم، لا فرق بين قريب أو بعيد، ولا غني أو فقير".
стр. 144
استمرار سياسة النَّبِيِّ ﷺ العسكرية ضد الأعراب مِمَّا أدَّى إلى حصد النتائج السريعة المتوخاة من تلك السياسة العسكرية المتبعة ضدَّهم، نصر، وغنائم، وتأديب، ورعب".
كان الشعار في المعركة من مبتكرات النَّبِيِّ ﷺ في غزواته وبعوثه وسراياه وتتضح أهمية الشعار في القتال الليلي، أو الفجري الخاطف، وبخاصّةً إذا علمنا أنَّ العرب في ذلك الوقت يتشابهون فيما بينهم في اللباس والملامح، حيث لم تكن هنالك بزَّات١ عسكرية خاصّةً لكل جيش كما هو الحال اليوم في المؤسسات العسكرية الحديثة، فكان الشعار ينوب مناب اللباس الخاص للتفريق بين المسلمين وأعدائهم في ميدان المعركة، كما أنَّه يبث روح الحماس في نفوس الجند وهم يتصايحون به أثناء الانقضاض على العدوّ، كما حدث في هذه السرية". والله تعالى أعلم.
اتَّبع المسلمون الهجوم الفجري ضد الأعراب "فكان هذا الهجوم مباغتة كاملة أثَّرت على معنوياتهم، وأجبرتهم على الفرار".
"إنَّ الهجوم فجراً يؤَمِّن المباغتة، لأنَّ العدوَّ يكون بين نائم لا يفيد في القتال، أو مستيقظٍ غير مُتَهَيئٍ له، وهؤلاء جميعاً غير متهيئين للقتال، ولا جدوى منهم للنهوض بأعباء الحرب".
стр. 145
ولكن الهجوم فجراً يحتاج إلى قوة مددية تستطيع معرفة أهدافها، فلا يصطدم بعضها ببعض، فيؤدي ذلك إلى خسائر في الأرواح دون مبرر، مِمَّا يدل على تدريب المسلمين تدريباً متميزاً على فنون القتال، كما يحتاج الهجوم فجراً إلى قيادة مسيطرة وإلى ضبط شديد لتنفيذالأوامر"١".
وذلك واضح في الخطاب الذي ألقاه قائد السرية عليهم، وتأكيده على الضبط العسكري، ومبدأ طاعة الأوامر، ثُمَّ في تأليفه بين الجند ومؤاخاته بينهم، والحثّ على الاجتماع وعدم التفرُّق، وترك الإمعان في العمق دون مبرِّر".
"إنَّ نجاح المسلمين بهذا الهجوم معناه وصولهم إلى درجة عالية في التدريب والضبط، وهما أهمّ عناصر الجيش القوي الرصين"٢".
стр. 146
الفصل الثالث: بقية السرايا والبعوث النبوية الشمالية قبل غزوة مؤتة
المبحث الأول: سرية عبد الرحمن بن عوف ﵁ إلى دومة الجندل
المطلب الأول: التعريف بدومة الجندل
...
المطلب الأول: التعريف بدومة الجندل:
قال في القاموس: "دومة الجندل، ويقال: "دوماء الجندل، كلاهما بالضم١".
وقال الجوهري: "أصحاب اللغة يقولونه بضم الدال، وأصحاب الحديث يفتحونها٢".
وقال ابن الأثير: "تُضَمُّ دالُها وتُفْتَح٣".
وقال ياقوت: "وقد أنكر ابن دريد الفتح، وعدَّه من أغلاط
المحدثين٤".
قال الهجري: "كُلُّ العرب على فتح الراء من رضوى، وضم الدال من دومة الجندل٥".
قال في المقتطف: "والصواب في كُلِّ ذلك أنَّها تقال بالضم أو بالفتح على السواء، والسبب هو أنَّ اللفظة أعجمية، وهي تُلْفَظ فيها بحركة بين الضم والفتح، فلمَّا عرَّبها العرب مال بعضهم إلى ضمها وآخرون إلى فتحها، واللغويون في مثل هذا المثال يضمون الحرف، والنقلة يميلون إلى
стр. 147
الفتح، والمحققون يروون اللفظ على أصله، ونظن أنَّ هذه الطريقة الأخيرة هي المخيرة في عصرنا لأنها هي الصحيحة لقربها من الأصل المأخوذة عنه١".
واختلف العلماء واللغويون والمحدّثون في معنى هذا الاسم:
قال ابن الفقيه: "دومة الجندل من أعمال المدينة، سُمِّيَت بدوم بن إسماعيل بن إبراهيم٢".
وقال الزجاجي، والبكري: "سُمِّيَت بدومان بن إسماعيل، كان ينْزلها٣".
وقال ابن الكلبي: "دوماء بن إسماعيل، قال: "لمَّا كثر ولد إسماعيل ﵇ بتهامة، خرج دوماء بن إسماعيل حتى نزل موضع دومة وبنى بها حصناً، فقيل: "دوماء، ونُسِبَ الحصن إليه٤".
وقيل: "كان لإسماعيل ولد اسمه دُما أو دوما أو دمة، والظاهر أنَّ الحكاية ملفقة لفَّقها بعضهم إثباتاً لمدَّعاه، وأمَّا الذي عرفه النسابة بهذا الاسم دوم بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، إلاَّ السيد مرتضى صاحب التاج قال عنه: "لم أره عند النسابة٥".
стр. 148
ومعنى اسمها الحقيقي: "أنَّها كلمة يونانية معناها (الحصن) ، وعند الرومان دوما: "السطح". والظاهر أنَّ العرب الأولين الذين اقتبسوا اللفظة عن اليونان كانوا يعرفون أنَّ معنى دوما: "الحصن، ثُمَّ تُنُوسِيَ مع الزمن، والدليل أنَّنا نجد في معجم البلدان لياقوت الحموي ما نصه: "قال أبو سعد: "دومة الجندل في غائط من الأرض خمسة فراسخ، قال: "ومن قبل مغربه عين تثجّ فتسقي ما به من النَّخل والزرع، وحصنها مارد، وسُمِّيَت دومة الجندل، لأنَّ حصنها مبني بالجندل"١، فكأنه قال: "الدومة: "الحصن، وأضيفت إلى الجندل لأنه مبني به".
وقال أبو عبيد السكوني: "دومة الجندل: "حصن وقرى بين الشام والمدينة قرب جبل طئ كانت به بنو كنانة من كلب، قال: "ودومة من القريات من وادي القرى إلى تيماء أربع ليال، والقريات: "دومة، وسكاكة، وذو القارة، فأما دومة فعليها سور يتحصن به، وفي داخل السور حصنٌ منيعٌ يقال له مارد، وهو حصن أكيدر الملك" ... ٢. وهذا - أيضاً - كلام يشعر منه بأنَّ العرب الأقدمين كانوا يعرفون معنى الدومة، وأنها الحصن الحصين أو المنيع، ومن الأدلة على أنَّ الدومة بمعنى الحصن أنها أُضيفت إلى عِدَّة مواضع بُنِيَت فيها حصون، منها دومة الكوفة، أو دومة النجف، ودومة الحيرة، ودومة خبت، ودومة دمشق وغيرها٣".
стр. 149
وذكر البلاذري في فتوح البلدان عن الواقدي قال: "سمعت بعض أهل الحيرة يذكر أنَّ أُكيدر وإخوته كانوا ينْزلون دومة الحيرة، وكانوا يزورون أخوالهم من كلب فيتغربون عندهم، فإنَّهم لمعهم وقد خرجوا للصيد إذ رفعت لهم مدينة متهدمة لم يبق إلاَّ بعض حيطانها، وكانت مبنية بالجندل، فأعادوا بنائها، وغرسوا فيها الزيتون وغيره، وسموُّها دومة الجندل تفرقةً بينها وبين دومة الحيرة١".
أمَّا موقعها، فقال البكري: "ودومة هذه على عشرة مراحل من المدينة، وعشر من الكوفة، وثمان من دمشق، واثنتي عشرة من مصر٢".
وقال ياقوت: "هي على سبع مراحل من دمشق، بينها وبين مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم٣".
وقال الحميري: "ودومة الجندل حصنٌ منيعٌ، ومعقلٌ حصينٌ، وبه عمارة وتَتَّصِل به عين التمر٤".
وقال الواقدي: "كان النَّبِيُّ ﷺ غزا دومة الجندل في سنة خمس، فلم يلق كيداً، ووجَّه خالد بن الوليد إلى أُكَيْدِر في شوَّال سنة تسع بعد إسلام خالد بن الوليد بعشرين شهراً، وهي أرض نخل وزرع يسقون على
стр. 150
النواضح، وحولها عيون قليلة، وزرعهم الشعير، وهي مدينة عليها سور ولها حصن عال مشهور في العرب يُدْعَى مارد١".
قلت: "وكذلك بعث إليها عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه - على رأس هذه السرية".
قال البكري: "وكان افتتاح دومة صلحاً، وهي من بلاد الصُّلْح التي أدَّت إلى رسول الله ﷺ الجزية٢".
وقد تعرَّض أصحاب معلمة الإسلام، وهم جماعة من المستشرقين لذكر دومة الجندل، فقالوا: "جوف السرحان أرض ديار العرب، واقعة في شمال نجد وأنت تتجه إلى سورية على وادي سرحان، وجوف السرحان وتيماء هما الروضتان الكبريان من ديار جزيرة العرب، وأكبر مدينة من مدن جوف السرحان كانت دومة الجندل (ويسميها بطليموس دوميثا) مع حصنها المارد، وقد أقام برخرد في جوف السرحان سنة ١٨١٢م، وزارها أوتنك بعده بسبعين سنة، وهي اليوم عبارة عن طائفة قرى ضخمة تطوف بها بساتين وحدائق وغيطان نخل يسمونها (أسواقاً) فيها من ٨٠ إلى ١٢٠ بيتاً، وجملة سُكَّانها نحو ١٢٠٠٠، والقرى على اختلاف أنواعها تنقاد لأمور شيوخ خاصَّة بهم، وفي عهد إقامة برخرد في الجوف كان أغلب
стр. 151
قطَّانها تُجَّاراً صغاراً، وأصحاب مهن، منهم الخفَّاف، والحدَّاد، والنَّجَّار، وكانوا يبدلون أمتعتهم وتجاراتهم مع الأعراب بأباعر، أمَّا اليوم فالتِّجارة والاحتراف في سقوطٍ ليس وراءَه سقوط، وكان أصحاب تلك الربوع من الوهابيين، وكانت أرضهم داخلة في إحدى كور مملكة الوهابيين التي كان على رأسها اثنان من الأُمراء، وبعد انحلال الدولة الوهابية بقي أهلها مستقلين مدَّة مديدة، وفي سنة ١٨٥٥م خضعوا لشمر الذين في حائل١" ومنطقة الجوف اليوم تعدّ من أكبر المناطق الزراعية المتميزة في المملكة، حيث تشتهر بزراعة الفواكه والخضروات، وتتميَّز بزراعة الزيتون الذي نجحت زراعته في المنطقة بكميات اقتصادية تُبَشّر بالخير".
ودومة الجندل تعتبر ثاني أكبر مدينة في المنطقة، وهي اليوم مدينة متطورة شملتها النهضة العمرانية الواسعة في العهد الميمون، ولكنَّها احتفظت أيضاً بتراثها التاريخي القديم".
стр. 152
المطلب الثاني: تاريخ السرية:
تفرَّد الواقدي، وعنه ابن سعد، في ذكر تاريخ هذه السرية، وأنَّها كانت في شعبان سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
وتابعهما في ذ لك كل من الطبري، والبلاذري، والبيهقي، وابن سيد الناس، وابن القيم، وابن كثير، والقسطلاني، والشامي، والمقريزي، والذهبي٢.
ولم يذكر لها ابن إسحاق تاريخاً، وإنَّما ذكرها في جملة السرايا والبعوث، بعد سرية ابن أبي حدرد لقتل رفاعة بن قيس الجُشمي، وقبل سرية أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله تعالى عنه - إلى سيف البحر٣.
وذكرها خليفة ضمن السرايا التي كانت سنة ست من الهجرة، دون أن يحدِّد الشهر٤.
ولا يمكن القطع بصحة التاريخ الذي ذكره الواقدي وتلميذه ابن سعد، لأنَّ غالب ما يذكران من تواريخ للسرايا والبعوث تخالف كثيراً من الأحداث والوقائع في السيرة.
стр. 153
ولو نظرنا إلى بعض أحداث هذه السرية التي وردت عنهما لاستنتجنا تأخرها عن التاريخ الذي جعلاه لها.
فمثلاً ذكرا أنَّ عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه - قائد هذه السرية تزوَّج ابنة ملك الدومة في ذلك الوقت الأصبغ بن عمرو الكلبي بناءً على مشورة النَّبِيِّ ﷺ ، وذكرا أنَّها هي أُم (أبي سلمة بن عبد الرحمن) الفقيه المشهور.
وبالنَّظر في ترجمة أبي سلمة وجدت أنَّ ميلاده كان سنة بضعٍ وعشرين، وأنه توفي سنة أربعٍ وتسعين على الراجح، وله اثنتان وسبعون سنة١، وبإجراء عملية حسابية بسيطة تبيَّن أنه وُلِدَ سنة اثنين وعشرين تقريباً".
فإذا أخذنا بروايتي الواقدي، وابن سعد، حول تاريخ السرية وأنَّها كانت سنة ست، يكون أبو سلمة لم يولد إلاَّ بعد ستَّة عشر عاماً من زواج أبويه، وإذا علمنا أنه كان وحيد أبويه - حيث لم تنجب أُمه من عبد الرحمن سواه - كما ذكر الواقدي٢ - ترجَّح ما ذكرته سابقاً.
стр. 154
أيضاً ذكر الذهبي عن ابن سعد، وابن حجر في ترجمة أبي سلمة أنَّ أُمه تماضر بنت الأصبغ أدركت حياة النَّبِيِّ ﷺ ، وأنَّ أباه توفي وهو صغير، فلم يستطع أن يروي عنه، فكل ذلك يعطينا إشارات ولو غير مباشرة على تأخُّر هذه السرية.
والله تعالى أعلم".
стр. 155
المطلب الثالث: سير الأحداث:
كانت الأجواء التي تمَّ فيها إرسال هذه السرية تفيض علماً، وتفوح عبقاً مباركاً، وقد كانت فرصة مناسبة للتعرُّف على مجالس العلم التي كانت تُعقد في المسجد النبوي، وكذلك معرفة المراسم التي يتم من خلالها بعْث السرايا، وتولية الأُمراء عليها، وذلك من خلال راوي الحديث الذي كان شاهد عيان يصف لنا ذلك كُلّه بأدقّ عبارة، وأسهل جملة، يقول عبد الله ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما:
[١] "كنت عاشر عشرة رهط١ من أصحاب رسول الله ﷺ في مسجده: "أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، وأبو سعيد الخدري، وأنا مع رسول الله ﷺ "٢".
стр. 156
[٢] "فجاء فتى من الأنصار، فسلَّم على رسول الله ﷺ ثُمَّ جلس، فقال: "يا رسول الله! أي المؤمنين أفضل؟ قال: "أحسنهم خُلُقاً". قال: "أي المؤمنين أكيس؟ ١ قال: "أكثرهم للموت ذكراً، وأكثرهم له استعداداً قبل أن ينْزل بهم - أو قال: "ينْزل به - أولئك الأكياس، ثُمَّ سكت"٢ الفتى٣
و [٣] "أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: "يا معشر المهاجرين! ٤، خمسٌ إذا ابتليتُم بهنَّ، وأعوذ بالله أن تدركوهنَّ: "لم تظهر الفاحشة في قومٍ
стр. 157
قطّ حتَّى يعلنوا بها، إلاَّ فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلاَّ أُخِذُوا بالسنين وشِدَّة المؤونة وجَوْر السلطان عليهم، ولم يَمْنَعُوا زكاة أموالهم إلاَّ مُنِعُوا القَطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمْطَروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلاَّ سلَّط الله عليهم عدواً من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيَّروا١ مِمَّا أنزل الله إلاَّ جعل الله بأسهم بينهم"٢".
[٤] "قال: "ثُمَّ أمر عبد الرحمن بن عوف يتجهَّز لسريةٍ أمَّره عليها، فأصبح قد اعتمَّ بعمامة كرابيس٣ سوداء، فدعاه النَّبِيُّ ﷺ فنقضها وعمَّمه وأرسل مِن خلفه أربع أصابع، ثُمَّ قال: "هكذا يا ابن عوف، فاعتمَّ بها فإنه أعرب٤ وأحسن"٥".
стр. 158
ثُمَّ بدأت مراسم تولية عبد الرحمن بن عوف-رضي الله تعالى عنه- على الجيش، وهي مراسم بسيطة جداً ولكنَّها ذات مغزى عظيم ومؤثّر".
حيث أمر النَّبِيُّ ﷺ بلالاً أن يدفع إليه اللواء، فدفعه إليه، فحمد الله تعالى، ثُمَّ قال: "خذه يا ابن عوف:
[٥] "اغزوا جميعاً في سبيل الله، فقاتلوا مَن كفر بالله، لا تَغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً، فهذا عهد رسول الله ﷺ وسنَّته فيكم"١".
فأخذ عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه اللواء، وعقد له رسول الله ﷺ على سبعمائة رجل - كما يذكر الواقدي٢- وأمره بالمسير إلى دومة الجندل، فيدعوهم إلى الإسلام، وأشار عليه النَّبِيُّ ﷺ قائلاً:
[٦] "إن استجابوا لك فتزوَّج ابنة ملكهم، فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل٣".
[٧] "فلمَّا حلَّ بها دعاهم إلى الإسلام، فمكث بها ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، وقد كانوا أبوا أوَّل ما قدم يعطونه إلاَّ السيف، فلمَّا كان اليوم الثالث أسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانياً، وكان رأسهم"٤".
стр. 159
[٨] "وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام مَن أقام على إعطاء الجزية، وتزوَّج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ، وقدم بها إلى المدينة، وهي أُم أبي سلمة بن عبد الرحمن"١".
стр. 160
وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قد بعث قبله رافع ابن مكيث الجهني إلى رسول الله ﷺ بشيراً، يخبره بما فتح الله عليهم، وبإسلام الأصبغ وقومه".
стр. 161
المطلب الرابع: الدروس والعظات المستفادة:
تضمنَّت هذه السرية بعض الدروس والعظات المستفادة وهي:
تحذير النَّبِيِّ ﷺ أُمَّته من الوقوع في أسباب المهلكات الموجبة لعذاب الله ، واجتناب المحظورات".
بيان خشيته ﷺ ، ورفقه بأُمَّته وخوفه عليهم مِمَّا يهلكهم في الدُّنيا والآخرة".
بلاغة وقوَّة الخطاب التحذيري الذي وجَّهه المصطفى ﷺ إلى أصحابه وأُمَّته مُحَذِّراً إياهم من المهلكات الخمس بأسلوب سنن الله الكونية التي لابدَّ من وقوعها إذا ما توفرت شروطها، وتهيأت أسبابها، فظهور الفاحشة والإعلان بها بين الناس مَدْعاة لظهور الأمراض الخطيرة، وانتشار الأوبئة المستعصية وغير المعروفة من قبل".
والغش في الكيل والوزن والنقص فيهما، عقوبته تكون بالجدب والغلاء وظلم السلطان".
وتعطيل الزكاة ومنعها يؤدي إلى منع سقوط الأمطار، وبالتالي الجفاف والجدب".
ونقض العهد والميثاق والخيانة والغدر، مدعاة لتسلُّط الأعداء واستبدادهم وظلمهم وغصبهم للحقوق".
وترك الحكم بكتاب الله والحكم بغيره من القوانين والأنظمة الوضعية، عقوبته وقوع الفتنة، وسفك الدماء، واشتعال الحرب الأهلية".
стр. 162
بيان أنَّ العقوبة تكون من جنس العمل".
إنَّ ما ذكره وأخبر به رسول الله ﷺ من تلك العقوبات المستحقة لمن تلبَّس بأسبابها، ووقع في محظوراتها، نؤمن به، ونتيقن وقوعه، لصدق المُخْبِر به الذي لا ينطق عن الهوى، ولكننا نذكر وعلى سبيل الاستئناس بعض ما وقع في هذا الزمان من أمور، ربما تدخُل ضِمن إطار هذا الحديث، فقد شاع قبل مُدَّة وذاع خبر انتشار مرض خطير، وداء عضال، ووباء معدٍ، حار الأطباء - رغم البحث المتواصل والدراسات المتعددة والمكثفة - في التوصُّل إلى علاجٍ ناجع له، أو حتى مصل واقٍ منه".
هذا الداء العضال نشأ أول الأمر في الدول الغربية الإباحية - رغم محاولاتهم اليائسة وادّعاءاتهم الكاذبة بأنَّ منشأَهُ كان بعيداً عنهم في أدغال أفريقية، متناسين البيئة الخصبة التي نشأ فيها المرض وترعرع، وهي بيئة الشذوذ الجنسي والإباحية المطلقة التي كانوا يشجعونها - ثُمَّ انتشر انتشار النار في الهشيم بطول الأرض وعرضها، وبخاصّة في الدول التي تشجع الإباحية في مجتمعاتها بطريقٍ مباشرٍ، وغير مباشر".
هذا المرض الخطير الذي أصبح مجرَّد النُّطْقُ باسمه يثير الفزع، ويبث الرعب في النفوس، هو مرض نقص المناعة المكتسبة، المسمَّى طبياً (بالإيدز) ، وهو مرض ثبت طبياً أنَّ سببه المباشر كان من انتشار الشذوذ الجنسي (عمل قوم لوط) في تلك المجتمعات، وتفشيه بينهم
стр. 163
حتَّى أعلنوا به إعلاناً عظيماً، لدرجة تبني بعض الحكومات والهيئات والشخصيات المؤثرة في تلك المجتمعات الدفاع عن حقوق الشاذّين جنسياً١ في ممارسة عملهم القذر بحريَّةٍ تامَّة، وسن قوانين اجتماعية رسمية تبيح زواج الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، ودعم المحاولات المستميتة منهم لوضع هذه الأُمور موضع التنفيذ على شكل مراسيم حكومية رسمية حتَّى تصبح ممارساتهم الشاذَّة ذات صبغة رسمية شعبية".
لقد كان انتشار هذا القذر في تلك المجتمعات بعد أن ملُّوا وسئموا الممارسات الجنسية الطبيعية - بالطبع غير الشرعية – بين الرجال والنساء التي كثرت، وأصبحت أمراً حتمياً لا مفرَّ منه نتيجة الاختلاط والإباحية والتبرُّج والسُّفُور، والدعايات المركَّزة بشكل مباشر وغير مباشر لممارسة الجنس في كُلِّ وسائل الإعلام بأنواعها، وانتشار النوادي الليلية الحمراء، ونوادي العراة، والمنتجعات الساحلية السياحية، وغير ذلك من دواعي الإباحة ونشر الفاحشة والإعلان بها، ومع توالي الأمراض الوبائية الخطيرة عليهم، التي بدأت بمرض السيلان، ثُمَّ الزهري، إلاَّ أنَّهم لم يرتدعوا، واستمروا
стр. 164
في غيهم، حتى بَعَثَ الله عليهم هذا الفيروس القاتل الذي يهاجم الجهاز المناعي في جسم الإنسان فيحطمه ويقضي عليه، فيصبح عندها الجسم نهبة لمختلف الأمراض التي تفتك بالإنسان دون أن تجد ما يقاومها".
ورغم ذلك كله، ورغم النداءات المتوالية من عُقَلاء القوم، والمؤتمرات المتعدِّدة للتحذير من ازدياد انتشار وشيوع هذا الوباء الفتَّاك في المجتمعات، إلاَّ أنَّنا نرى ونسمع في المقابل مؤتمرات أُخرى مشبوهة تُقَام بين حين وآخر بأسماء وشعارات زائفة، ودعايات برَّاقة، تدعو بشكلٍ مبطنٍ وغير مباشر لمزيد من الإباحية، والحرِّية المطلقة، وتشجيع ارتكاب الفواحش بعلاج نتائجها بالإجهاض، وغير ذلك من دَسِّ السُّمّ في العَسَلِ مِمَّن يُحبون شيوع الفاحشة وانتشارها بين النَّاسلإشباع غرائز بهيمية في نفوسهم، غير مدركين أو متعامِين عن الخطر الدَّاهِم، بتعدُّد الأمراض الوبائية وتجدُّدها، والتي كان آخرها ذلك المرض القاتل السريع الذي ظهر في بعض بلدان أفريقيا قبل أشهر، والمسمَّى (بفيروس أيبولا القاتل) الذي لا يمهل ضحاياه إلاَّ أياماً معدودة ليقضي عليهم، حمى الله أُمَّتنا وبلادنا من شرور الأمراض والأوبئة الفتَّاكة، ومن أسبابها التي حذَّرنا منها رسول الله ﷺ ".
بيان هديه ﷺ في لبس العمامة، والاعتمام.
стр. 165
معرفة صفة مجالس العلم التي كانت تعقد في مسجد النَّبِيِّ ﷺ ، التي كان فيها ﷺ المعلِّم الأوَّل، والموجِّه النَّاصح، والمُفْتِي الفقيه.
لقد كان المسجد النَّبَويُّ في ذلك الوقت بمثابة جامعة بمعلِّمٍ واحدٍ يتلقَّى فيه الصحابة العلم والوعظ والفتوى والتوجيه والإرشاد، من مُعَلِّم البشرية النَّبِيّ محمَّد ﷺ ، كما كان - أيضاً - بمثابة القاعدة العسكرية التي تنطلق منها الجيوش والسرايا والبعوث.
لقد كانت مراسم بَعْث السرايا، وتولية الأُمراء عليها، تتم في المسجد بشكلٍ مبسَّطٍ، لكنَّه متقن ومنظَّم، وبانضباطية مدهشة".
كان من أهم مراسم تولية القادة والأمراء على السرايا والبعوث، الوصايا التي كان القائد الأعلى للقوَّات الإسلامية ﷺ يُزَوِّدُ بها القادةَ والأُمراءَ كُلَّما بعثهم في بَعْثٍ، أو أرسلهم في سريةٍ، وصايا الحرب تلك كانت بمثابة تشريعات للحرب المقدَّسة التي كان يخوضها المسلمون ضد أعدائهم، والتي توضِّح بجلاء أي نوع من الحرب كان المسلمون يمارسونها ضد الأعداء باختلاف مشاربهم، وتعدُّد عداواتهم". لقد كانت بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء - حرباً فروسيةً بمعنى الكلمة، لم يشهد، ولن يشهد التاريخ لها مثيلاً -، إنَّ التأكيد في تلك الوصايا بالالتزام بالأخلاق الإسلامية السامية في التعامل مع الأعداء لأمر يثير الدهشة حقاً.
فالنهي عن الغدر، والتمثيل بالأعداء، والنهي عن التعدي على الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، وحُسْن التعامل مع أهل
стр. 166
المبحث الثاني: سرية بشير بن سعد ﵁ إلى الجناب (يمن، وجبار)
المطلب الأول: التعريف بالجناب، ويمن، وجبار
...
المطلب الأوَّل: التعريف بالجناب، ويمن، وجبار:
قال البكري: "الجِنَاب - بكسر أوّله، وبالباء المعجمة بواحدة١".
وقال الحموي: "يقال فرسٌ طوع الجِناب - بكسر الجيم - إذا كان سلس القياد، ويُقال: "لجَّ فلانٌ في جِنَابٍ قبيحٍ، إذا لجَّ في مجانبة أهله٢".
وقال ابن سعد: "والجِناب يعارض سلاح، وخيبر، ووادي القرى٣".
وقال البكري: "أرض لغطفان". هكذا قال أبو حاتم الأصمعي". وقال في موضعٍ آخر: "الجِنَاب: "أرض لفزارة وعُذْرَة". وقال إبراهيم بن محمَّد بن عرفة: "الجِنَاب أرض بين فزارة وكلب، ويدُلُّ أنَّ لِعُذْرَة فيها شركة قول جميل لبثينة: "ما رأيت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفَّان على البلاط إلاَّ غِرْتُ عليكِ وأنتِ بالجِنَاب، وكان فائق الجمال٤".
وقال ياقوت: "وقيل: "هو مِن منازل بني مازن، وقال نصر: "الجِناب من ديار بني فزارة بين المدينة وفَيْد، وقال ابن حبيب: "الجناب مِن بلاد فزارة، والحضارم من ناحية اليمامة٥".
стр. 167
وقال البلادي: "الجناب أرض واسعة تقع شمال خَيْبَر، وتمتد إلى تيماء، يُعْرَف جُلّها اليوم باسم (الجهراء) ، كانت منازل قضاعة، وهي اليوم لعنْزة بن أسد١".
وقال في موضعٍ آخر: "صحراء تمتد من حفيرة الأيدا٢، إلى تيماء٣".
أمَّا يمن وجبار، فقال ياقوت: "جُبَار - بالضم - وهو في كلام العرب الهدر، ذهب دمه جُبَاراً كما تقول هدراً، وهو ماء لبني حُمَيس بن عامر بن ثعلبة بن مودعة بن جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، بين المدينة وفيد، قال:
ألا مِن مُبَلِّغ أسماء عني إذا حلَّت بيمنٍ أو جُبَار٤
وقال في موضعٍ آخر: "يمن - بالفتح، ويروى بالضم - ثُمَّ السكون، ونون، ماء لغطفان بين بطن قوٍّ ورُؤاف على الطريق بين تيماء وفيد، وقيل: "هو ماء لبني صرمة بن مرَّة، وسمَّاه بعضهم: "أمْن، وينشد قول زهير:
عفا من آل فاطمة الجواء فيُمن فالقوادم فالحِساء
стр. 168
وقال:............ ولو حلَّت بيمنٍ أو جُبار١
وقال ابن سعد: "هي نحو الجناب٢".
وقال البكري: "يُمْن - بضم أوَّله، وإسكان ثانيه - ماء، قال عامر ابن الطفيل:
ألا مِن مُبَلِّغ أسماء عنِّي ... ولو حلَّت بيمنٍ أو جُبَار
قال ابن دريد: "يمن وجبار من الحجاز٣".
وقال الحلبي: "جَبار - بفتح الجيم - وادٍ قريب من خيبر٤".
وقال البلادي: "جبار وادٍ تراه من مشراف العشاش٥ (سلاح) شمالاً شرقياً، والاسم لماء هناك".
ويمن ماء - أيضاً - في نفس الوادي، وسيل الوادي يصب في وادي العشاش من أعلاه، والمكانان شمالاً شرقياً من العشاش يُريان بالعين٦".
стр. 169
المطلب الثاني: تاريخ السرية:
أرَّخها الواقدي بسنة سبع من الهجرة، ولم يحدِّد الشهر الذي انطلقت فيه١.
وتابعه نقلاً عنه كُلٌّ من: الطبري٢،والبيهقي، وابن كثير، والذهبي٣.
أمَّا ابن سعد فحدَّدها بشهر شوَّال من نفس السنة٤.
وتابعه في ذلك البلاذري، وابن سيد الناس، والقسطلاني، والشامي٥.
وذكر ابن خياط - في سياقه لسرايا النَّبِيِّ ﷺ سنة ست - بَعْث بشير بن سعد إلى خيبر٦".
стр. 170
وأظنّه يقصد هذه السرية حيث لم يُذكر غيرها لبشير في نفس المنطقة سوى سريته السابقة إلى فدك، كما أنَّ يمن وجبار والجناب قريبة من خيبر، كما وضَّحنا سابقاً، والله تعالى أعلم".
أمَّا ابن القَيّم، فساق الحديث عن هذه السرية ضمن الجدول الذي وضعه لسرايا النَّبِيِّ ﷺ بعد مقدِمِه من خيبر إلى شوَّال، حيث رتَّبها بعد سرية غالب بن عبد الله الكلبي إلى بني الملوّح بالكُدَيْد، وساق الخبر عنها دون أن ينسبه إلى أحَد، وإنْ كان لفظه هو لفظ الواقدي١".
وإذا استعرضنا بعض ما ورد في رواية الواقدي الأكثر تفصيلاً للأحداث من رواية ابن سعد، لوجدنا قرائن تُقوّي تحديد ابن سعد لها بشهر شوَّال من السَّنة السابعة أي بعد غزوة خيبر".
فقوله مثلاً في بداية روايته: "قدم رجل من أشجع، يُقال له حُسَيْل ابن نويرة٢، وقد كان دليل النَّبِيِّ ﷺ إلى خيبر".".". الخ"٣".
стр. 171
ثُمَّ قوله في آخر الرواية: "قال الحارث: "أيها الرجل، قد رأيت ورأينا معك أمراً بَيِّناً في بني النَّضير، ويوم الخندق، وقريظة، وقبل ذلك قينقاع، وفي خيبر: "أنَّهم كانوا أعزَّ يهود الحجاز كلّه، يقرُّون لهم بالشجاعة والسَّخاء، وهم أهل حصون منيعة وأهل نخل، والله إن كانت العرب لتلجأ إليهم فيمتنعون بهم، لقد سار حارثة بن الأوس حيث كانت بهم وبين قومهم ما كانوا، فامتنعوا بهم من النَّاس، ثُمَّ رأيت حيث نزل بهم كيف ذهبت تلك النجدة، وكيف أُديل عليهم". قال عُيَيْنَة: "هو والله ذاك، ولكن نفسي لا تُقرّني" ... الخ١".
كُلُّ ذلك يُعدّ قرائن قوية على أنَّ هذه السرية كانت بعد خيبر". والله تعالى أعلم".
стр. 172
المطلب الثالث: سبب السرية:
ذكر أهل المغازي الذين رووا أخبار هذه السرية أنَّ السبب الذي أهاج هذه السرية، هو ذلك التقرير المهم الذي جاء به عين النَّبِيِّ ﷺ في منطقة خيبر وما جاورها، ودليله إليها من قبل، حُسَيْل بن نويرة الأشجعي، عن التحرُّكات العدوانية التي يقوم بها زعيم قوي ومؤثِّر من زعماء قبيلة غطفان، هو عُيَيْنة بن حصن الفزاري، ومحاولته حشد جمعٍ من غطفان في منطقة الجناب القريبة من خيبر، استعداداً للزَّحف إلى رسول الله ﷺ ، أو الإغارة على بعض أطراف الدولة الإسلامية١.
وبما أنَّ عُيَيْنَة بن حصن قد كانت له سابقة من قبل مع المسلمين، كانت سبباً في غزوة ذي قَرَد٢، لذلك أخذ رسولُ الله ﷺ تقرير حُسَيْل مأخذ الجد، وسارع ببعث هذه السرية لضرب ذلك الحشد في عُقْرِ داره، قبل أن تستكمل استعداداتهم للتحرُّك ثُمَّ الهجوم، كما فعلوا من قبل".
والله تعالى أعلم".
стр. 173
المطلب الرابع: سير الأحداث:
في شهر شوَّال من السنة السابعة من مُهَاجر رسول الله ﷺ :
[١] "قدم رجل من أشجع، يُقال له، حُسَيْل بن نويرة، وقد كان دليل النَّبِيِّ ﷺ إلى خيبر، فقال له رسول الله ﷺ : "من أين يا حُسيل؟ قال: "قدمت من الجناب، فقال رسول الله ﷺ : "ما وراءك؟ قال: "تركت جمعاً من غطفان بالجناب، وقد بعث إليهم عُيَيْنة يقول لهم: "إمَّا تسيروا إلينا وإمَّا نسير إليكم، فأرسلوا إليه أن سِرْ إلينا حتَّى نزحف إلى محمَّدٍ جميعاً، وهم يريدونك، أو بعض أطرافك"١".
وكعادته ﷺ في استباق الأحداث، وسياسته المتبعة مع الأعداء عامَّة، والأعراب خاصَّة، بالتحرُّك سريعاً للقضاء على قُوَّة العدو، ووئدها في مهدها، قبل أن تستفحل وتنتشر، ولأنَّ لِعُيَيْنَة سابقة من هذا النوع من قبل، سارع النَّبِيُّ ﷺ باستدعاء صاحبيه، ووزيريه (أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق ﵄ ، وشاورهما في الأمر:
стр. 174
[٢] "فقالا جميعاً: "ابعَث بشير بن سعد! فدعا رسول الله ﷺ بشيراً، فعقد له لواء، وبعث معه ثلاثمائة رجل، وأمرهم أن يسيروا الليل، ويكمنوا النَّهار، وخرج معهم حُسيل بن نويرة دليلاً١".
[٣] "فساروا الليل، وكمنوا النهار، حتَّى أتوا إلى يمن وجبار، وهي نحو الجناب، والجناب يعارض سلاح، وخيبر ووادي القرى، فنزلوا بسلاح٢، ثُمَّ دنوا من القوم٣".
стр. 175
[٤] "فقال لهم الدَّليل: "بينكم وبين القوم ثُلُثا نهار أو نصفه، فإن أحببتم كمنتم١، وخرجت طليعة لكم حتى آتيكم بالخبر، وإن أحببتم سرنا جميعاً". قالوا: "بل نقدِّمك، فقدَّموه فغاب عنهم ساعة، ثُمَّ كرَّ٢ عليهم، فقال: "هذا أوائل سرحهم، فهل لكم أن تغيروا عليهم؟ فاختلف أصحاب النَّبِيِّ ﷺ فقال بعضهم: "إنْ أغرنا الآن حذِرَنَا الرجال والعَطَن٣". وقال آخرون: "نغنم ما ظهر لنا ثُمَّ نطلب القوم٤".
ثُمَّ إنَّهم أغاروا على سرح القوم، فأصابوا نعماً كثيرة ملأوا منها أيديهم:
[٥] "وتفرَّق الرعاء فحذَّروا الجمع، فتفرَّقوا ولحقوا بعلياء بلادهم، وخرج بشير بن سعد في أصحابه حتَّى أتوا محالّهم فيجدها وليس فيها أحد"٥".
[٦] "فرجع بالنعم حتَّى إذا كانوا بسلاح راجعين لقوا عَيْناً٦ لعُيينة فقتلوه، ثُمَّ لقوا جمع عيينة، وعيينة لا يشعر بهم، فناوشوهم، ثُمَّ
стр. 176
انكشف جمع عيينة، وتبعهم أصحاب النَّبِيِّ ﷺ فأصابوا منهم رجلاً أو رجلين فأسروهما أسراً١".
ونفَّذ عُيينة بجلده هارباً، بعد أن دخله الرعب من المسلمين، فانهزم
على فرس له عتيق يعدو به عدواً سريعاً، لا يلوي على شئ، حتَّى إنَّ حليفة الحارث بن عوف المري لمَّا استوقفه ليسأله عن شأنه، ردَّ عليه:
[٧] "لا ما أقدرُ! الطلب خلفي! أصحاب محمَّد! وهو يركض". قال الحارث بن عوف: "أما لك بعد أن تبصر ما أنت عليه؟ إنَّ محمَّداً قد وطئ البلاد وأنت مُوضِعٌ في غير شيء". قال الحارث: "فتنحيت عن سَنن٢ خيل محمَّد حتَّى أراهم ولا يروني، فأقمت من حين زالت الشمس إلى الليل، ما أرى أحداً - وما طلبوه إلاَّ الرعب الذي دخله". قال: "فلقيته بعد ذلك، فقال الحارث: "فلقد أقمت في موضع حتى الليل، ما رأيت من طلب". قال عيينة: "هو ذاك، إني خفتُ الإسار، وكان أثري عند محمَّدٍ ما تعلم في غير موطن". قال الحارث: "أيُّها الرجل، قد رأيت ورأينا معك أمراً بيِّناً في بني النضير، ويوم الخندق، وقريظة، وقبل ذلك قينقاع، وفي خيبر، إنَّهم كانوا أعزّ يهود الحجاز كُلِّه، يُقِرُّون لهم بالشجاعة والسَّخاء، وهم أهل حُصون منيعة، وأهل نخل، واللهِ إن كانت
стр. 177
العرب لتلجأ إليهم فيمتنعون بهم، لقد سار حارثة بن الأوس حيث كان بينهم وبين قومهم ما كان فامتنعوا بهم من النَّاس، ثُمَّ قد رأيت حيث نزل بهم كيف ذهبت تلك النجدة وكيف أُديل عليهم". فقال عيينة: "هو واللهِ ذاك، ولكنَّ نفسي لا تُقِرّني". قال الحارث: "فادخل مع محمَّد، قال: "أصير تابعاً! قد سبق قومٌ إليه فهم يزرُون١ بمن جاءَ بعدهم يقولون: "شهدنا بدراً وغيرها". قال الحارث: "وإنَّما هو على ما ترى، فلو تقدَّمنا إليه لكُنَّا من عِليَة أصحابه، قد بقي قومُه بعدهم منه في مُوادعَة وهو مُوقِعٌ بهم وقعةً، ما وُطِئَ له الأمْرُ". قال عُيينة: "أرى واللهِ! فاتَّعدا يُريدان الهجرة والقُدوم على النَّبِيَّ ﷺ إلى أن مرَّ بهما فروة بن هبيرة القُشَيْري يُريد العُمرة وهما يتقاولان، فأخبراه بما كانا فيه وما يُريدان". قال فروة: "لو استأنيتم حتى تنظروا ما يصنع قومه في هذه المُدَّة التي هُم فيها وآتيكم بخبرهم! فأخَّروا القدوم على رسول الله ﷺ ، ومضى فَرْوَة حتَّى قدم مكَّة فتحسَّب من أخبارهم، فإذا القوم على عداوة النَّبِيِّ ﷺ ، لا يريدون أن يدخلوا طائعين أبداً، فخبَّرهم بما أوقع محمَّد بأهل خيابر٢". قال فروة:
стр. 178
"وقد تركت رؤساء الضاحية على مثل ما أنتم عليه من العداوة لمُحَمَّد". قالت قريش: "فما الرأي، فأنت سيِّد أهل الوبر؟ قال: "نقضي هذه المدَّة التي بينكم وبينه، ونستجلب العرب، ثُمَّ نغزوه في عُقْرِ داره، وأقام أياماً يجول في مجالس قريش، ويسمع به نَوْفَل ابن معاوية الدِّيَلِيِّ، فنَزل من باديته فأخبره بما قال لقُرَيْش، فقال نَوْفَل: "إذاً لأجِدُ عندكم شيئاً! قدمت الآن لمقدمك حيث بلغني، ولنا عدوٌّ قريبٌ دارُه، وهم عَيْبَة نُصْح محمَّد لا يغيبون عليه حرفاً من أُمورنا، قال: "من هُم؟ قال: "خُزاعة، قال: "قَبُحَت خزاعة؛ قعدت بها يمينها! قال فروَة: "فماذا؟ قال: "استنصرْ قُرَيْشاً أن يعينونا عليهم، قال فروة: "فأنا أكفيكم". فلقي رؤساءَهم، صفوان ابن أُمَيَّة، وعبد الله بن أبي ربيعة، وسُهَيْل بن عمرو، فقال: "ألا ترون ماذا نزل بكم! إنَّكم رضيتم أن تدافعوا مُحَمَّداً بالراح". قالوا: "فما نصنع؟ قال: "تُعينون نَوْفَل بن مُعاوية على عدوِّه وعدوِّكم". قالوا: "إذاً يغزونا محمَّدٌ فيما لا قِبَلَ لنا به فيوطئنا غَلَبَةً، وننْزِل على حُكْمِهِ، ونحن الآن في مُدَّة وعلى ديننا". فلقي نوفل ابن معاوية، فقال: "ليس عند القوم شيء، ورجع فلقي عيينة والحارث فأخبرهم، وقال: "رأيت قومه قد أيقنوا عليه فقاربوا الرجل وتدبَّروا الأمر، فقدَّموا رِجْلاً وأخَّروا أُخرى١".
стр. 179
المطلب الخامس: الأحكام المستنبطة والدروس المستفادة:
مشروعية اتخاذ الأدلاَّء من غير المسلمين وإغرائهم بالمال لمساعدة المسلمين، وفي قصة الهجرة، وقصة هذه السرية، وفتح خيبر دليلٌ على ذلك.
مشروعية اتخاذ العيون للتجسس على الأعداء، وتزويد المسلمين بأخبارهم وتحركاتهم ضد المسلمين، وقصة هذه السرية، وفتح مكَّة، وغير ذلك من قصص السرايا والغزوات والأخبار التي تصل تباعاً إلى النَّبِيّ ﷺ عن تحرُّكات الأعداء وحشودهم دليلٌ على ذلك.
إنَّ استخدام المسير الليلي كمسير اقترابي١ إلى أرض العدو، واتخاذ الدليل طليعةً في أرض العدو، يُعَدُّ من الأُسس العملية المهمَّة للمباغتة، وهي أساليب تُعَدُّ من مبتكرات الرسول القائد ﷺ .
استمرار نجاح سياسة النَّبِيّ ﷺ العسكرية الهجومية في حربه مع أعدائه من الأعراب بضرب حشودهم في قواعدها، والإغارة عليهم قبل استكمال استعداداتهم، مِمَّا كان له أبلغ الأثر في تلك النتائج المدهشة من إدخال الرعب في قلوبهم، والقضاء على مخططاتهم العدوانية - التي كانت موجَّهة ضد المسلمين - في مهدها، وبسط نفوذ المسلمين على أراضيهم، وبالتالي التمهيد للانطلاق فيما وراء ذلك لتحقيق أهداف المسلمين واستراتيجياتهم بعيدة المدى من نشر
стр. 180
الإسلام خارج نطاق الجزيرة العربية فيما وراء مناطق نفوذ الأعراب.
وضح من خلال هذه السرية، والسرايا قبلها، ذلك الترتيب الذكي الذي كان يتبعه القائد الملهم، الخبير بخبايا الحرب وأمورها الرسول ﷺ وذلك من خلال اختياره الرجل المناسب للمهمَّة المناسبة في المنطقة المناسبة، ذلك الاختيار كان يتم وفق معايير خاصّة تتعلَّق بقدرات الرجل المختار، وخبرته في المنطقة المبعوث إليها، ومعرفته التامة بها وبأهلها". فكما رأينا في هذه السرية وما قبلها من السرايا في منطقة خيبر وما حولها، كان المبعوث على رأسها في غالب الأحيان هو بشير بن سعد الأنصاري، - رضي الله تعالى عنه، - فالتركيز على بشير دون غيره من الصحابة". وغالب بن عبد الله الليثي - رضي الله تعالى عنه، وغيرهما من القادة لم يكن من فراغ، وإنَّما كان بناءً على ما كان يتمتع به أولئك من قدرات أهليتهم لذلك مِمَّا ذكرنا، والله تعالى أعلم.
إنَّ في استشارة النَّبِيِّ ﷺ لصاحبيه أبي بكر الصِّدِّيق - رضي الله تعالى عنه، وعمر بن الخطَّاب - رضي الله تعالى عنه، لها أكثر من دلالة!. فمن كون ذلك يدل على فضلهما ومكانتهما ومنْزلتهما الرفيعة عند النَّبِيِّ ﷺ ، حتَّى إنَّهما كانا بمثابة وزيرين له، وكانا من ألصق النَّاس به في كُلِّ أموره، في سفره وإقامته، في سلمه وحربه، وكان دائم الاستشارة لهما، المصاحب لهما في كُلِّ الأوقات، وكان