انكشف جمع عيينة، وتبعهم أصحاب النَّبِيِّ ﷺ فأصابوا منهم رجلاً أو رجلين فأسروهما أسراً١".
ونفَّذ عُيينة بجلده هارباً، بعد أن دخله الرعب من المسلمين، فانهزم
على فرس له عتيق يعدو به عدواً سريعاً، لا يلوي على شئ، حتَّى إنَّ حليفة الحارث بن عوف المري لمَّا استوقفه ليسأله عن شأنه، ردَّ عليه:
[٧] "لا ما أقدرُ! الطلب خلفي! أصحاب محمَّد! وهو يركض". قال الحارث بن عوف: "أما لك بعد أن تبصر ما أنت عليه؟ إنَّ محمَّداً قد وطئ البلاد وأنت مُوضِعٌ في غير شيء". قال الحارث: "فتنحيت عن سَنن٢ خيل محمَّد حتَّى أراهم ولا يروني، فأقمت من حين زالت الشمس إلى الليل، ما أرى أحداً - وما طلبوه إلاَّ الرعب الذي دخله". قال: "فلقيته بعد ذلك، فقال الحارث: "فلقد أقمت في موضع حتى الليل، ما رأيت من طلب". قال عيينة: "هو ذاك، إني خفتُ الإسار، وكان أثري عند محمَّدٍ ما تعلم في غير موطن". قال الحارث: "أيُّها الرجل، قد رأيت ورأينا معك أمراً بيِّناً في بني النضير، ويوم الخندق، وقريظة، وقبل ذلك قينقاع، وفي خيبر، إنَّهم كانوا أعزّ يهود الحجاز كُلِّه، يُقِرُّون لهم بالشجاعة والسَّخاء، وهم أهل حُصون منيعة، وأهل نخل، واللهِ إن كانت
стр. 177
العرب لتلجأ إليهم فيمتنعون بهم، لقد سار حارثة بن الأوس حيث كان بينهم وبين قومهم ما كان فامتنعوا بهم من النَّاس، ثُمَّ قد رأيت حيث نزل بهم كيف ذهبت تلك النجدة وكيف أُديل عليهم". فقال عيينة: "هو واللهِ ذاك، ولكنَّ نفسي لا تُقِرّني". قال الحارث: "فادخل مع محمَّد، قال: "أصير تابعاً! قد سبق قومٌ إليه فهم يزرُون١ بمن جاءَ بعدهم يقولون: "شهدنا بدراً وغيرها". قال الحارث: "وإنَّما هو على ما ترى، فلو تقدَّمنا إليه لكُنَّا من عِليَة أصحابه، قد بقي قومُه بعدهم منه في مُوادعَة وهو مُوقِعٌ بهم وقعةً، ما وُطِئَ له الأمْرُ". قال عُيينة: "أرى واللهِ! فاتَّعدا يُريدان الهجرة والقُدوم على النَّبِيَّ ﷺ إلى أن مرَّ بهما فروة بن هبيرة القُشَيْري يُريد العُمرة وهما يتقاولان، فأخبراه بما كانا فيه وما يُريدان". قال فروة: "لو استأنيتم حتى تنظروا ما يصنع قومه في هذه المُدَّة التي هُم فيها وآتيكم بخبرهم! فأخَّروا القدوم على رسول الله ﷺ ، ومضى فَرْوَة حتَّى قدم مكَّة فتحسَّب من أخبارهم، فإذا القوم على عداوة النَّبِيِّ ﷺ ، لا يريدون أن يدخلوا طائعين أبداً، فخبَّرهم بما أوقع محمَّد بأهل خيابر٢". قال فروة:
стр. 178
"وقد تركت رؤساء الضاحية على مثل ما أنتم عليه من العداوة لمُحَمَّد". قالت قريش: "فما الرأي، فأنت سيِّد أهل الوبر؟ قال: "نقضي هذه المدَّة التي بينكم وبينه، ونستجلب العرب، ثُمَّ نغزوه في عُقْرِ داره، وأقام أياماً يجول في مجالس قريش، ويسمع به نَوْفَل ابن معاوية الدِّيَلِيِّ، فنَزل من باديته فأخبره بما قال لقُرَيْش، فقال نَوْفَل: "إذاً لأجِدُ عندكم شيئاً! قدمت الآن لمقدمك حيث بلغني، ولنا عدوٌّ قريبٌ دارُه، وهم عَيْبَة نُصْح محمَّد لا يغيبون عليه حرفاً من أُمورنا، قال: "من هُم؟ قال: "خُزاعة، قال: "قَبُحَت خزاعة؛ قعدت بها يمينها! قال فروَة: "فماذا؟ قال: "استنصرْ قُرَيْشاً أن يعينونا عليهم، قال فروة: "فأنا أكفيكم". فلقي رؤساءَهم، صفوان ابن أُمَيَّة، وعبد الله بن أبي ربيعة، وسُهَيْل بن عمرو، فقال: "ألا ترون ماذا نزل بكم! إنَّكم رضيتم أن تدافعوا مُحَمَّداً بالراح". قالوا: "فما نصنع؟ قال: "تُعينون نَوْفَل بن مُعاوية على عدوِّه وعدوِّكم". قالوا: "إذاً يغزونا محمَّدٌ فيما لا قِبَلَ لنا به فيوطئنا غَلَبَةً، وننْزِل على حُكْمِهِ، ونحن الآن في مُدَّة وعلى ديننا". فلقي نوفل ابن معاوية، فقال: "ليس عند القوم شيء، ورجع فلقي عيينة والحارث فأخبرهم، وقال: "رأيت قومه قد أيقنوا عليه فقاربوا الرجل وتدبَّروا الأمر، فقدَّموا رِجْلاً وأخَّروا أُخرى١".
стр. 179
المطلب الخامس: الأحكام المستنبطة والدروس المستفادة:
مشروعية اتخاذ الأدلاَّء من غير المسلمين وإغرائهم بالمال لمساعدة المسلمين، وفي قصة الهجرة، وقصة هذه السرية، وفتح خيبر دليلٌ على ذلك.
مشروعية اتخاذ العيون للتجسس على الأعداء، وتزويد المسلمين بأخبارهم وتحركاتهم ضد المسلمين، وقصة هذه السرية، وفتح مكَّة، وغير ذلك من قصص السرايا والغزوات والأخبار التي تصل تباعاً إلى النَّبِيّ ﷺ عن تحرُّكات الأعداء وحشودهم دليلٌ على ذلك.
إنَّ استخدام المسير الليلي كمسير اقترابي١ إلى أرض العدو، واتخاذ الدليل طليعةً في أرض العدو، يُعَدُّ من الأُسس العملية المهمَّة للمباغتة، وهي أساليب تُعَدُّ من مبتكرات الرسول القائد ﷺ .
استمرار نجاح سياسة النَّبِيّ ﷺ العسكرية الهجومية في حربه مع أعدائه من الأعراب بضرب حشودهم في قواعدها، والإغارة عليهم قبل استكمال استعداداتهم، مِمَّا كان له أبلغ الأثر في تلك النتائج المدهشة من إدخال الرعب في قلوبهم، والقضاء على مخططاتهم العدوانية - التي كانت موجَّهة ضد المسلمين - في مهدها، وبسط نفوذ المسلمين على أراضيهم، وبالتالي التمهيد للانطلاق فيما وراء ذلك لتحقيق أهداف المسلمين واستراتيجياتهم بعيدة المدى من نشر
стр. 180
الإسلام خارج نطاق الجزيرة العربية فيما وراء مناطق نفوذ الأعراب.
وضح من خلال هذه السرية، والسرايا قبلها، ذلك الترتيب الذكي الذي كان يتبعه القائد الملهم، الخبير بخبايا الحرب وأمورها الرسول ﷺ وذلك من خلال اختياره الرجل المناسب للمهمَّة المناسبة في المنطقة المناسبة، ذلك الاختيار كان يتم وفق معايير خاصّة تتعلَّق بقدرات الرجل المختار، وخبرته في المنطقة المبعوث إليها، ومعرفته التامة بها وبأهلها". فكما رأينا في هذه السرية وما قبلها من السرايا في منطقة خيبر وما حولها، كان المبعوث على رأسها في غالب الأحيان هو بشير بن سعد الأنصاري، - رضي الله تعالى عنه، - فالتركيز على بشير دون غيره من الصحابة". وغالب بن عبد الله الليثي - رضي الله تعالى عنه، وغيرهما من القادة لم يكن من فراغ، وإنَّما كان بناءً على ما كان يتمتع به أولئك من قدرات أهليتهم لذلك مِمَّا ذكرنا، والله تعالى أعلم.
إنَّ في استشارة النَّبِيِّ ﷺ لصاحبيه أبي بكر الصِّدِّيق - رضي الله تعالى عنه، وعمر بن الخطَّاب - رضي الله تعالى عنه، لها أكثر من دلالة!. فمن كون ذلك يدل على فضلهما ومكانتهما ومنْزلتهما الرفيعة عند النَّبِيِّ ﷺ ، حتَّى إنَّهما كانا بمثابة وزيرين له، وكانا من ألصق النَّاس به في كُلِّ أموره، في سفره وإقامته، في سلمه وحربه، وكان دائم الاستشارة لهما، المصاحب لهما في كُلِّ الأوقات، وكان
стр. 181
دائم الحديث عنهما، كما يقول علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه: "وحسبت أني كثيراً أسمع النَّبِيّ ﷺ يقول: "ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر"١ ". وقد عرف الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ذلك لهما، فكان أن قدَّموهما على غيرهما في الخلافة.
أيضاً يدل ذلك على مكانة الشورى في الإسلام، باعتبار أنَّ المُشَرِّع ﷺ كان يُطَبِّقها في كل زمان ومكان، وذلك تنفيذٌ لأمر الباري له ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ١٥٩] . وتعليمٌ لأمَّته من بعده بتطبيق هذا المبدأ الهام والحيوي في حياتهم بمختلف شؤونها، وما أصاب المسلمين من الضياع وتسلُّط الأعداء إلاَّ عندما تركوا هذا المبدأ، واستبدَّ قادتهم بالرأي دونهم، فكان ذلك وبالاً على الأُمةِ بأسرها.
كذلك يدل على ما كان يتمتَّع به الشيخان الجليلان - رضي الله تعالى عنهما، من الحنكة والمعرفة بأمور الحرب والسياسة، حيث نصحا النَّبِيَّ ﷺ بالإسراع بإرسال سرية إلى تلك المنطقة، يقودها رجلٌ مُحَنَّكٌ ذو خبرة ومعرفة بأحوالها وأهلها.
والله تعالى أعلم.
стр. 182
المبحث الثالث: سرية كعب بن عمير الغفاري ﵁ إلى أطلاح
المطلب الأول: التعريف بذات أطلاح
...
المطلب الأوَّل: التعريف بذات أطلاح:
قال ياقوت: "أطلاح - بالحاء المهملة - موضع من وراء ذات القرى إلى المدينة١".
وقال البكري: "من أرض الشام٢".
وقال ابن سعد: "وهي وراء وادي القرى٣".
وقال الواقدي: "ذات أطلاح من أرض الشام٤".
وذكر موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، وأبي الأسود، عن عروة
قالا: "ذات أطلاح من البلقاء٥".
وأخرج البيهقي، عن موسى بن عقبة، وعن ابن شهاب، وعن عروة قالوا: "ذات أباطح من البلقاء٦".
قال البلادي - تعليقاً على قولهم: "ذات أطلاح من أرض الشام": "كذا قال: "من أرض الشام"، وكان الأقدمون يرحمهم الله يلجأون إلى مثل هذا التحديد الواسع إذا غُمَّ عليهم المكان، وكانت أرض الشام عندهم ما تجاوز تيماء شمالاً، - أي على بعد نيِّف وستمائة - كيل شمال
стр. 183
المدينة، وهي باتِّفاق الجغرافيين من أرض الحجاز لا من أرض الشام حيث عدَّ بعضهم معان من الحجاز، ولم أجد من يعرف ذات أطلاح اليوم١".
قلت: "كأنَّ البلادي لم يطَّلِع على رواية عروة، والزهري، موسى بن عقبة عند البيهقي، وعند ابن حجر، حيث حددوا مكانها بالبلقاء، والبلقاء كما هو معروف عند الجغرافيين والبلدانيين، ومنهم البلادي نفسه٢، أنَّها من أرض الشام".
قال أحمد عادل كمال: "ذات أطلاح موقع بأطراف الشام من وراء وادي القرى لم نستطع تحديد مكانه بدقَّة على الخريطة، غير أنه بلا ريب كان في نواحي مؤتة كما يُفْهَم من الأحداث٣".
قلت: "وهو كذلك، حيث ذكر بعض المؤرخين أنَّ هذه السرية كانت من الأسباب المباشرة لغزوة مؤتة، ورُبَّما كان المكان الذي التقى به أصحاب السرية بجمع قضاعة، وكانت عنده تلك الملحمة التي راح ضحيتها أولئك الدُّعاة الأبرار، أقول ربَّما كان المكان غير مأهول قديماً، أو رُبَّما تغيَّر اسمه مع الزمن، فأصبح لا يُعْرَف بالاسم القديم". والله تعالى أعلم.
стр. 184
المطلب الثاني: تاريخ السرية:
أرَّخها الواقدي، وابن سعد، بشهر ربيع الأوَّل سنة ثمانٍ من الهجرة١.
وتبعهما في ذلك نقلاً عنهما كُلٌّ من: "ابن سيد الناس، والذهبي، والشامي٢".
وذكرها الطبري نقلاً عن الواقدي في أحداث السنة الثامنة، ولكن دون تحديد الشهر٣".
وذكرها ابن كثير - أيضاً - عن الواقدي دون تحديد تاريخها، ولكنَّه ذكرها قبل غزوة مؤتة مباشرةً٤".
أمَّا البلاذري، والقسطلاني، فتبعا الواقدي، وابن سعد، ولكن دون الإشارة إلى مصدر معلوماتهما٥، وإن كانت في الغالب نقلاً عنهما.
والله تعالى أعلم.
стр. 185
ولم يذكر عروة، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق لها تاريخاً، كونهم ذكروها عرضاً في سياق أخبار السرايا والبعوث، ورتَّبها ابن إسحاق بعد غزوة مؤتة مباشرةً١.
وشذَّ خليفة بن خياط مِن بين أهل المغازي، فذكرها ضمن السرايا والبعوث التي كانت في سنة ستٍ من الهجرة٢.
стр. 186
المطلب الثالث: سبب السرية:
قال الحلبي: "لم أقف على السبب الذي اقتضى البعث إلى ذلك المحل١".
قلت: "لم تُصَرِّح الروايات التي نقلت خبر هذه السرية بالسبب الذي مِن أجله أُرسلت إلى تلك المنطقة التي تقع في عمق المناطق الخاضعة لنفوذ القبائل الحليفة والموالية للروم من قضاعة وغيرها".
ولكن يمكن أن نستشِفَّ السبب من خلال بعض أحداثها: "فمثلاً ما ورد في الروايات حول قوَّة السرية، وأنَّها كانت بقوَّة خمسة عشر رجلاً فقط، يثير لدينا تساؤلاً مفاده: "كيف تكون سرية قتالية مبعوثة إلى تلك المناطق البعيدة عن قاعدة المسلمين، ومناطق نفوذهم بقوة خمسة عشر رجلاً فقط؟!
إلاَّ إذا كانت لغرضٍ آخر غير القتال، إذاً ما هو ذلك الغرض؟ ".
قال في الخبر: "فوَجَدُوا جَمْعاً من جمعهم كثيراً، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم" ... الخ٢".
فقوله: "فدعوهم إلى الإسلام"، يعطينا دلالة قوية أنَّ السرية كانت عبارة عن بعثة دعوية لأهل تلك المنطقة، وربَّما يقول قائل: "إنَّ مِن سُنَّة القتال في الإسلام أن تكون الدَّعوة قبل القتال". وذلك
стр. 187
اعتراضٌ وجيهٌ يمكن أن نُسَلِّم به، لولا القرينة التي ذكرناها سابقاً، وهي عدم التسليم بفرضية بعث النَّبِيِّ ﷺ سرية قتالية إلى ذلك العمق من أراضي العدو بهذه القوَّة الضئيلة جداً، لأنَّ ذلك يعد مغامرة عسكرية غير محسوبة، وهو الأمر الذي لم نعهده من الرسول ﷺ وهو القائد العسكري المُحَنَّك الذي كانت خطواته العسكرية ضد أعدائه على اختلاف نوعياتهم محسوبةً بدقةٍ، ومنَظَّمَةٌ ومُخَطَّطٌ لها تخطيطاً مسبقاً ﷺ ".
إذاً كانت البعثة دعوية بحتة، ولكن الأعراب الذين كانت تمتلئ قلوبهم غِلاًّ وحِقْداً ضد المسلمين، لم يكونوا ليدعوا هذه الفرصة بالبطش والفتك بالمسلمين تفلت من أيديهم، فاستفزُّوهم وألجأوهم للقتال، دفاعاً عن أنفسهم، ليكون في ذلك ذريعةً للفتك بهم وهم قِلَّة، وحَدَثَ ما حَدَثَ، والله تعالى أعلم".
يقول أحمد عادل كمال: "ولم يكن بَعْث كعب وأصحابه للغزو، وإنَّما كان للدعوة، وقُوبِلَ الدُّعاة بالسيف والنبل حتى اسْتُشْهِدُوا١".
стр. 188
المطلب الرابع: سير الأحداث:
[١] "في شهر ربيع الأوَّل سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ "١".
[٢] "بعث النَّبِيُّ ﷺ كعب بن عمير الغفاري٢، نحو ذات أطلاح من البلقاء"٣ في بعثة دعوية، مكونة من:
[٣] "خمسة عشر رجلاً، حتَّى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشام، فوجدوا جمعاً من جمعهم كثيراً"٤".
[٤] "وكانوا من قضاعة٥، ورأسهم رجل يُقال له: "سدوس"٦.
стр. 189
[٥] "فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنبال"١ استفزازاً لهم، واستدراجاً للقتال غير المتكافئ بين الطرفين، نظراً لكثرة القضاعيين، واستعدادهم المبكر٢".
ولكن الصحابة ﵃ اضطروا في النهاية للدِّفاع عن أنفسهم، فقاتلوا قتالاً شديداً مريراً، ولكن كثرة القضاعيين لم تتح لهم الفرصة في قتالٍ متكافئٍ فسقطوا شهداء على أرض ذات الطلح بعد أن سطَّروا بدمائهم الزكية ملحمة جهادية رائعة".
[٦] "وأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلمَّا برد عليه الليل تحامل٣ حتَّى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فشقَّ ذلك عليه، وهمّ بالبعث إليهم، فبلغه أنَّهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم٤".
стр. 190
المطلب الخامس: الدروس المستفادة:
لقد كشفت هذه السرية عمَّا تخبئه الوثنية مِن غِلٍّ وحقدٍ دفينٍ على الإسلام وأهله، غِلّ عصف بكُلِّ المبادئ، وحقد ألغى القِيَم الإنسانية.
فهؤلاء قوم هداة جاءوا لنشر الخير والسلام بين مَن قتلوهم، فكان جزاؤهم الغدر بهم، وقتلهم جميعاً بلا هوادة ولا رحمة.
وقد يقول القائل: "إذا كان الأمر كذلك، فلِمَ لمَ يتوقَّف النَّبِيُّ ﷺ عن دعوة الأعراب إلى الإسلام، طالما أنَّهم لا يحترمون القيم والمبادئ، ولا يمكن الوثوق بهم؟ ".
قلنا: "الدعوة إلى الله لا يمكن أن تقف في أرضٍ ما، أو تتعثر بسبب
ما يعترض طريقها من بعض الحوادث التي تعيق تقدمها".
وهناك حقيقة يجب ألاّ تغيب عن أذهاننا، وهي أنَّ طريق الدعوة
إلى الله تعالى منذ بدأت حتى يرث الله الأرض ومَن عليها، لم يكن في يومٍ من الأيام مفروشاً بالورود، فكان لابدَّ من تقديم التضحيات في طريقها الطويل الشاق".
وقد وضَّح النَّبِيُّ ﷺ هذه الحقيقة للصحابة - رضي الله تعالى عنهم - حاثّاً إياهم على الصبر والتحمُّل، وتقديم التضحيات، وذلك منذ فترة مبكرة جداً، وبالتحديد في مكة حينما أثقلت قريش من وطئتها على المسلمين المستضعفين في مكة، فجاءوا يستنجدون بالنَّبِيِّ ﷺ ".
стр. 191
يقول خبَّاب بن الأرت - رضي الله تعالى عنه: "أتيت النَّبِيَّ ﷺ وهو متوسِّد بردَةً وهو في ظِلّ الكعبة - وقد لقينا من المشركين شِدَّة - فقلت:
يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟ فقعد وهو محمَّرٌ وجهه، فقال: "لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاطِ الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق اثنتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمَّن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلاَّ الله"١.
وقد عرف الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - فيما بعد هذا الأمر، وفقهوه جيداً، لذلك نجدهم كانوا يتسابقون للانخراط في البعثات الدعوية كما في الرجيع، وبئر معونة، وغيرها من البعثات والسرايا النبوية التي كانت أهدافها جميعاً نشر الدعوة إلى الله ، وذلك دون خوف أو وجل من العواقب التي كانوا يتوقعونها، بل كانوا يتحرَّقون لملاقاتها باندفاعٍ أدهش الأعداء قبل الأصدقاء، مِمَّا كان له أكبر الأثر في نجاح مسيرة الدَّعوة وانتشارها بسرعةٍ مذهلة فاقت كُلّ التوقعات، وصدق الله القائل في مُحْكَمِ كتابه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾ . [سورة الصّف، الآية: ٩] .
стр. 192
وهكذا فقد بيَّنت هذه السرية مقدار ضخامة التضحيات الجِسَام التي كان يُقَدِّمها سلفنا الصالح - رضي الله تعالى عنهم، في سبيل نشر الدعوة إلى الله ، تلك التضحيات العظيمة تكرَّرت في أكثر من مناسبة، وعلى أكثر من موقع، فبالأمس فقدت الدَّعوة فرساناً لها أبراراً في الرجيع، وبئر معونة، واليوم في ذات أطلاح، وغداً في مكانٍ آخر".. وهكذا دواليك دون أن تتوقَّف الدَّعوة، إذ لابدَّ من تبليغ الدَّعوة إلى الله مهما كانت التضحيات".
والله تعالى أعلم".
стр. 193
قال: بلى، ولكني استكثرته. قلت: لتردَّنه عليه، أو لأُعَرِّفَنَّكها عند رسول الله ﷺ ، فأبى أن يردَّ عليه"١.
وهكذا استطاع خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، بتوفيقٍ من الله، ثُمَّ بحنكته وتدبيره، أن يحتفظ بتوازن المعركة حتى الليل.
[٧١] "ثُمَّ أصبح غازياً، قد جعل مقدّمته ساقه، وساقته مقدمة، وميمنته ميسرة، وميسرته ميمنة، فأنكروا ما جاء به من خلاف ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم وقالوا: قد جاءهم مدد"٢.
فرعبوا، ولسان حالهم يقول: "إذا كان المسلمون على قلَّتهم، قد فعلوا ما فعلوا بالأمس، فكيف وهم اليوم قد جاءهم المدد، وازداد العدد؟!.
لقد أحجم الروم عن الهجوم، وكذلك لم يهاجمهم خالد، فقد كان يريد أن يخرج من المعركة غير المتكافئة بجيشه سليماً، ويُرْعِب العدوَّ حتى لا يلاحقه في تراجعه، فلمَّا اطمأنَّ إلى نجاح خطته تراجع بقوَّاتِه، وبَعُدَ بها حتَّى صارت في مأمنٍ"٣.
وهكذا:
[٧٢] "انحاز الفريقان كُلٌّ عن كُلٍّ قافلاً عن غير هزيمة، فقفل المسلمون على طريقهم التي أبدوا منها، حتَّى مرُّوا بتلك القرية،
стр. 194
والحصن الذي كانوا شدوا على ساقهم، وقتلوا رجلاً منهم، فحاصروهم في حصنهم حتى فتحه الله عليهم عنوة، فقتل خالد مقاتلتهم في نقيعٍ١ إلى جانب حصنهم صبراً فيها، فَسُمِّى ذلك النقيع، نقيع الدم إلى اليوم، وهدموا حصناً هدماً لم يعمر بعده إلىاليوم"٢. ثُمَّ رجع خالد رضي الله تعالى عنه بالمسلمين سالمين إلى المدينة.
وبذلك استطاع سيف الله بث الرُّعب في قلوب حلفاء الروم، وأعوانهم من العرب المتنصِّرة، الذين يمرّ المسلمون في طريق عودتهم عبر أراضيهم، فلم تذكر الروايات أنَّهم تعرَّضوا للمسلمين بأي أذى كما فعلوا بالأمس.
стр. 195
الباب الثاني: غزوة مؤتة
الفصل الأول: إسم المعركة، وموقعها
المبحث الأول: إسم المعركة
...
المبحث الأوَّل: اسم المعركة:
اختلف الرواة والإخباريون والمؤرِّخون، ومَن نَقَلَ عنهم من المتأخرين مِمَّن كتب عن مؤتة في هذه المعركة العظيمة: هل هي غزوة، أو سرية؟ فبينما وردت تسميتها في بعض الروايات بغزوة جيش الأمراء١، أطلق عليها بعضهم وقعة مؤتة٢، فيما تردَّد آخرون بين كونها غزوة أو سرية٣، على أنَّ أكثر أهل المغازي والسير٤، ومَن تبعهم من
стр. 196
المحدِّثين١ جزموا بأنَّها غزوة.
ربَّما لأنَّ الجيش الذي شارك فيها أكبر بكثير من العدد المتعارف عليه في مصطلح السرية٢، أو لأنَّ بعض شهود العيان من الصحابة الذين شاركوا فيها سموها بذلك٣.
وورد في بعض الروايات تسميتها بالسرية٤،وجزم بذلك الحلبي٥.
قلت: وتسميتها بالوقعة، أو جيش الأُمراء، يُعدّ خروجاً من النِّزاع، وحلاًّ وسطاً، إذ أنَّ تسميتها بالغزوة مخالف لاصطلاح أهل السير والمغازي، واللغة في ذلك، لأنَّه لم يحضرها النَّبِيُّ ﷺ ،كذلك تسميتها بالسرية لا يتَّفِق مع اصطلاحهم في العدد المتعارف عليه فيها٦.
والله تعالى أعلم.
стр. 197
ذلك الاستعداد الجيد، فإنَّ الخبر بمسير رسول الله ﷺ بالمسلمين من المدينة سريعاً لإمداد إخوانهم في مؤتة، ربَّما يكون قد وصل إلى مسامع الروم وحلفائهم أسرع مِمَّا كان متصوَّراً في ذلك الوقت:
[٧٩] نظراً للتأييد الإلهي للنَّبِيِّ ﷺ بتلك المعجزة النبوية التي خصَّه الله بها دون غيره من الأنبياء، وهي النَّصر بالرُّعب مسيرة شهر١.
والمسافة بين المدينة وبيت المقدس كانت تساوي مسيرة شهر في ذلك الوقت، فإذا علمنا أنَّ مؤتة كانت أقرب للمدينة من بيت المقدس، فإنه لا بُدَّ أن يكون الرعب قد دخل قلوب الروم وحلفائهم منذ اللحظة التي تحرَّك فيها النَّبيّ ﷺ مع المسلمين من المدينة، فآثروا السلامة، مكتفين بما حقَّقوه في بداية المعركة، وتجنَّبوا المغامرة الخطرة في تعقُّب المسلمين، خوفاً من الاصطدام بالمدد النَّبَويِّ المتحرِّك سريعاً من المدينة صَوْب منطقة العمليات في مؤتة.
ولم توضِّح الرواية، ما حدث بعد ذلك، وإن كان ابن أبي شيبة، قد زاد في روايته للخبر أحداثاً تفرَّد بها حول سير النَّبِيِّ ﷺ بالمسلمين، ولكنَّها قد تكون مدرجة من حديثٍ آخر٢.
стр. 198
الشاهدُ أنَّ تلك الحركة من رسول الله ﷺ ، قد تكون (مناورة تكتيكية) لإرهاب الأعداء، وإدخال الرُّعب في قلوبهم، وقد أدَّت مهمَّتها على الوجه المطلوب. والله تعالى أعلم.
стр. 199
المبحث الثاني: موقع المعركة:
قال ابن حجر: "مُوْتة - بضم الميم وسكون الواو بغير همز لأكثر الرواة -، وبه جزم المبرد١، ومنهم من همزها، وبه جزم ثعلب، والجوهري، وابن فارس، وحكى صاحب الوافي الوجهين، وأمَّا الموتة التي ورد الاستعاذة منها وفُسِّرَت بالجنون فهي بغير همز٢".
وقال في الروض: "مؤتة - مهموزة الواو - قرية من أرض البلقاء بالشام، وأمَّا الموتة - بلا همز - فضربٌ من الجنون، وفي الحديث: "أنه ﷺ كان يقول في صلاته أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه"، وفسَّره الراوي فقال: "نفثه الشعر، ونفخه الكبر، وهمزه الموتة٣".
وقال ابن حجر: "قال ابن إسحاق: هي بالقرب من البلقاء، وقال غيره: "هي على مرحلتين من بيت المقدس٤".
وقال ابن سعد: "هي بأدنى البلقاء، والبلقاء دون دمشق٥".
وقال البرهان: "موضع معروف عند الكرك٦".
стр. 200
الفصل الثاني: أسباب الغزوة، وتاريخها
المبحث الأول: أسباب الغزوة
...
المبحث الأول: أسباب الغزوة:
ينفرد الواقدي بذكر السبب المباشر لهذه الغزوة، وهو أنَّ شرحبيل بن عمرو الغساني قَتَل صبراً الحارث بن عمير الأزدي١ الذي أرسله الرسول ﷺ إلى ملك بصرى بكتابه، وكانت الرسل لا تُقْتَل، فغضب رسول الله ﷺ ، وأرسل الجيش إلى مؤتة، والواقدي ضعيف لا يُعْتَمَد عليه وبخاصّةً إذا انفرد بالخبر٢.
وقد تبعه في ذكر ذلك نقلاً عنه كُلٌّ من: ابن سعد٣، وابن
سيد الناس٤، والقسطلاني٥، وابن القيم٦، والذهبي٧. وذكره ابن حجر
стр. 201
بصيغة التمريض١".
وقد اعتمد معظم المؤرخين المعاصرين هذه الرواية جازمين أنَّها هي سبب وقعة مؤتة٢، ومع أنَّ بعضاً منهم٣ ذكر لها سبباً آخر، وهي النتيجة التي آلت إليها سرية ذات أطلاح، بينما يستند بعضهم على رواية أُخرى ضعيفة٤، مفادها أنَّ صاحب مدينة بصرى٥ رفض ما جاء في
стр. 202
رسالة النَّبيّ ﷺ له، وهدَّد بالمسير إلى المسلمين بجيوشه وغزوهم في عقر دارهم "فتهديده بالمسير إلى المسلمين يقتضي ردّاً على مستوى التحدي، فكانت غزوة مؤتة١.
ويذكر أبو زهرة، عن شيخ الإسلام ابن تيمية، أنه ذكر في رسالة القتال٢: "أنَّ النَّبيّ ﷺ ما بعث إلى حرب الروم في مؤتة إلاَّ بعد أن قَتَل الوالي الروماني مَن أسلم في الشام٣.
والحق أنَّ البحث عن الأسباب المباشرة لغزو القبائل العربية في أطراف الشام لا يؤثر على تفسير الأحداث كثيراً، لأنَّ تشريع الجهاد يقتضي الاستمرار في إخضاع القبائل العربية وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية بصرف النظر عن الأسباب المباشرة٤.
فهذه الغزوة كما يقول ابن كثير - رحمه الله تعالى - كانت إرهاصاً لِمَا بعدها من غزو الروم، وإرهاباً لأعداء الله ورسوله ﷺ ٥.
стр. 203
فقد كانت غزوة مؤتة، مقدمة تبوك، وما كان بعد وفاة النَّبيّ ﷺ من فتح الشام١.
ويرى بعض المستشرقين ومَن سار في فلكهم من القوميين العرب، أنَّ مؤتة كانت لإشعار العرب المتنصرة في الشام بقوة المسلمين، قوة تحفزهم على الانضمام إليهم بدافع العروبة، مِمَّا يوحّد العرب جميعاً، وضمهم إلى الدولة العربية، وإدخالهم في نطاقها.
كما أنَّ زوال ما كان لبيزنطة من الهيبة في نفوس العرب، هيأ الفرصة لقيام الوحدة بينهم، ثُمَّ مهاجمة الممتلكات البيزنطية فيما بعد٢.
وتلك استنتاجات بُنِيَت على أساس الفكر القومي الذي ساد الكتابات العربية وغيرها في الستِّينات، ذلك الفكر الذي أطلق شرارته الأولى أعداء الأُمة الإسلامية منذ نهاية القرن الأوَّل الهجري، وما زالوا يُغَذُّونه ويتلقَّفونه خَلَفَاً عن سَلَفٍ.
ولقد كان هذا الفكر العقيم ولا زال معول هدم لتفتيت وحدة الأُمة الإسلامية، تلك الوحدة العظيمة التي كان الجهاد لإعلاء كلمة الله في الأرض، ونصرة الحق، والقضاء على الظُّلْم والظَّالمين، هو الوقود الذي يؤجِّجها ويحافظ عليها متماسكة قوية، وهو الأمر الذي
стр. 204
فطن له أعداء الأُمة فسارعوا إلى ترويج مثل هذه الأفكار المنحرفة لإبعاد المسلمين عن مصادر عزِّهم ومجدهم.
وما كانت غزوة مؤتة إلاَّ استجابة لنداء الباري لقتال أهل الكتاب وإخضاعهم لسلطان المسلمين، إمَّا بالدخول في الإسلام، أو أداء الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، قال الله ﵎: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَاب حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون﴾ . [سورة التوبة، الآية: "٢٩] ". لأنه اتَّضح بما لا يدع مجالاً للشَّك، من خلال الأحداث أنَّهم كانوا حجر عثرة في وجه نشر الدَّعوة الإسلامية، وأنَّهم شكَّلوا بقواهم السياسية والعسكرية، تهديداً للمسلمين، وفتنةً لأتباعهم، جرَّدتهم من الحرية الكاملة في اعتناق ما يُحِبُّون، واتِّباع ما يريدون، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُواْ نُورَ اللهِ بَأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كِرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه وَلَوْ كِرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ . [سورة التوبة، الآية:٣٢،٣٣] .
والعرب المتنصرة في الشام كانوا جزءاً لا يتجزأ من تلك القوى المعادية للإسلام، بدليل مشاركتهم الفعَّالة في جيش الحلفاء في مؤتة ضد المسلمين، وكأنَّهم يريدون إظهار استعدادهم وجاهزيَّتهم للقضاء على قوَّة المسلمين المتنامية في الجزيرة العربية، وهذا يفسِّره ذلك العدد الكبير من المتطوعين من القبائل العربية المتنصِّرة في جيش الروم في مؤتة، بل إنَّ
стр. 205
بعض الروايات أشارت إلى أنَّ الذين حاربوا المسلمين في مؤتة هم القبائل العربية النصرانية فقط، وربَّما شاركهم بعض الرُّوم١.
فكيف يُقال بعد ذلك أنَّ مؤتة حفَّزت على قيام الوحدة العربية بين المسلمين والقبائل العربية المتنصِّرة في الشام؟!.
стр. 206
المبحث الثاني: تاريخ الغزوة:
يُكاد يتَّفِق أهل المغازي، وأهل الحديث - مِمَّن روَى منهم أحداث وقعة مؤتة - على أنَّ تاريخ الوقعة كان في جمادى الأولى من السَّنة الثامنة من:
[٦] مهاجر النَّبِيِّ ﷺ ١.
[٧] ويختلف معهم ابن عبد البر بجعلها في جمادى الثانية من نفس السنة٢.
стр. 207
[٨] بينما وردت عن خليفة بن خياط في ذلك روايتان، خالف في إحداهما أهل المغازي بجعلها في السَّنة السَّابعة١، ووافقهم في الرواية الثانية٢.
وقد احتجَّ ابن حجر على الترمذي - الذي ذكر أنَّ مؤتة كانت قبل عمرة القضاء٣ - مستغرباً ذهول الترمذي عن بعض الأحداث التي تتعارض مع ذلك٤".
стр. 208
[٩] هذا وقد وقع في بعض الروايات أنَّ فصول الجيش١ من المدينة كان في يوم جمعة٢".
стр. 209
أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه - قالها ثلاث مرَّات – ثُمَّ جاءت أُمّنا فذكرت يتمنا، وجعلت تُفَرِّح له١، فقال: العيلة تخافين عليهم وأنا وليُّهم في الدُّنيا والآخرة! "٢.
وهكذا كان المصطفى ﷺ عطوفاً رحيماً، رقيق القلب، يواسي أُسَر الشهداء ويدعو لهم ولأبنائهم، ويكفلهم برعايته وحنانه.
[٩٤] فهذا أُسامة بن زيد ﵄، يقف أمامه ﵊، فيتذكَّر أباه، فتدمع عيناه ﷺ شوقاً إليه، وحناناً وعطفاً به٣.
стр. 210
ولا غرابة في ذلك، فهو نبيُّ الرحمة المهداة.
فها هو - أيضاً ﵊، يخفِّفُ عن أصحابه لَمَّا اشتدَّ حزنهم على مَن أُصيب في مؤتة، وبكوا:
[٩٥] "وهم حوله، فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: وما لنا لا نبكي وقد قُتِلَ خيارنا وأشرافنا وأهل الفضل مِنَّا، قال: لا تبكوا، فإنَّما مثل أُمَّتي مثل حديقة قام عليها صاحبها فاجتثَّ١ رواكبها، وهيأ مساكنها، وحلق سعفها٢،فأطعَمَت عاماً فوجاً، ثُمَّ عاماً فوجاً، ثُمَّ عاماً فوجاً، ولعلَّ آخرها طعماً يكون أجودها قنواناً، وأطولها شمراخاً، والذي بعثني بالحق ليجدنَّ ابن مريم في أُمَّتي خلفاً من حواريه ".
وفي رواية أخرى: "ليدركن المسيح من هذه الأُمَّة أقوام إنَّهم لمثلكم أو خير منكم - ثلاث مرَّات - ولن يخزي الله أُمةً أنا أولها والمسيح آخرها"٣.
стр. 211
وهكذا كان وَجْدُ الصَّحابة - رضي الله تعالى عنهم - على مَن أُصِيبوا بمؤتة شديداً، وكان مِمَّا بُكِيَ به أهل مؤتة من أصحاب رسول الله ﷺ :
[٩٦] قول حسَّان بن ثابت١:
تَأَوَّبَنِي لَيْلٌ بِيَثْرِبَ أَعْسَرُ ... وَهَمٌّ إذا نُوِّمَ الناسُ مُسْهِرُ٢
لِذِكْرَى حَبِيبٍ هَيَّجت لِي عَبْرَةٌ ... سَفُوحاً وَأَسْبَابُ البُكَاءِ التَّذَكُّرُ٣
بَلَى! إنَّ فُقْدَانَ الْحَبِيبِ بَلِيَّةٌ ... وَكَمْ مِنْ كَرِيمٍ يُبْتَلَى ثُمَّ يَصْبِرُ
رَأَيْتُ خِيَارَ النَّاسِ تَوَارَدُواْ ... شَعُوباً وخلفاً بعَدَهُم يَتأخَّرُ٤
فَلا يُبْعِدَنَّ اللهُ قَتْلَى تَتَابَعُواْ ... بِمُؤْتَةَ مِنْهُم ذُو الْجَناحَينِ جَعْفَرُ٥
وزَيْدٌ، وعبدُ اللهِ حِينَ تَتَابَعُوا ... جَمِيعاً وَأَسْبَابُ المَنِيَّة تَخْطُرُ
стр. 212
الفصل الثالث: حشد القوات الإسلامية
المبحث الأول: عدد الجيش، وتولية القيادة
...
المبحث الأول: عدد الجيش، وتولية القيادة:
[١٠] "ندب رسول الله ﷺ النَّاس إلى مؤتة". كما يذكر الواقدي، وابن سعد١، فاستجاب له حوالي ثلاثة ألاف من الصحابة ﵃، وذلك حسب: [١١] ما ذكره بعض أهل المغازي٢".
وهو أكبر جيش إسلامي يتم حشده حتى ذلك الوقت، فإنَّ جيش المسلمين في الحديبية، ثُمَّ في خيبر - وهما الغزوتان اللتان سبقتا مؤتة - لم يتجاوز حاجز الألفين٣، مِمَّا دلَّل على نجاح صلح الحديبية عملياً، وأنَّ قوة المسلمين في تنامي وتزايد مستمر.
[١٢] بل إنَّ بعض الروايات ذكرت أنه تمَّ حشد ستَّة آلاف من المهاجرين والأنصار٤.
стр. 213
وفي الجرف١، عسكر الجيش الإسلامي كالعادة، وكان القائد الأعلى رسول الله ﷺ قد أصدر أوامره الشريفة بإسناد قيادة الجيش لمولاه وحبِّه زيد بن حارثة ﵁، وقال:
[١٣] "إنْ قُتِلَ زيد، فجعفر، وإن قُتِل جعفر، فعبد الله بن رواحة"٢".
وفي مرسل عروة عند البيهقي:
[١٤] "فإن أُصيب فليرتض المسلمون رجلاً، فليجعلوه عليهم٣".
قال أبو قتادة - رضي الله تعالى عنه:
стр. 214
[١٥] "فوثب جعفر، فقال: " يا رسول الله! ما كنت أرهب أن تستعمل عليَّ زيداً، فقال: "امض فإنَّك لا تدري أي ذلك خير١".
ويبدو أنَّ بعض الصحابة ﵃ قد تكلَّم في إمرة زيد وتقديمه على غيره:
[١٦] فوضَّح لهم رسول الله ﷺ مكانة زيد - رضي الله تعالى عنه - وأحقيته بالإمارة، وأنَّه مِن أحبّ الناس إليه٢،فسمعوا وأطاعوا".
ولكن يبدو أن رواة الشيعة لم يرق لهم ذلك، ولم يقتنعوا به، وأخذوا كعادتهم يتلاعبون بالروايات، يُقَدِّمون ويُؤخِّرون حسب أهوائهم، ويفاضلون بين الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وفق ميولهم ونزعاتهم، ويظهر ذلك جلياً هنا من خلال:
стр. 215
[١٧] محاولاتهم الحطّ من قدر زيد - رضي الله تعالى عنه، وتقديم جعفر ﵁ باعتباره من آل البيت - حتى في سياق الوقعة١".
ومكانة زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - عظيمة في الإسلام لا تؤثر فيها تلك المحاولات الفاشلة، ويكفي في فضله ومكانته ذكر الباري لاسمه صريحاً في القرآن، يُتْلَى في المحاريب، وبيوت الله إلى يوم القيامة٢".
كما صحَّ عن الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق - رضي الله تعالى عنهما - أنَّها قالت:
[١٨] "ما بعَثَ رسولُ الله ﷺ زيد بن حارثة في جيشٍ قَطُّ، إلاَّ أمَّره عليهم، ولو بقي بعده لاستخلفه"٣".