وهكذا كان وَجْدُ الصَّحابة - رضي الله تعالى عنهم - على مَن أُصِيبوا بمؤتة شديداً، وكان مِمَّا بُكِيَ به أهل مؤتة من أصحاب رسول الله ﷺ :
[٩٦] قول حسَّان بن ثابت١:
تَأَوَّبَنِي لَيْلٌ بِيَثْرِبَ أَعْسَرُ ... وَهَمٌّ إذا نُوِّمَ الناسُ مُسْهِرُ٢
لِذِكْرَى حَبِيبٍ هَيَّجت لِي عَبْرَةٌ ... سَفُوحاً وَأَسْبَابُ البُكَاءِ التَّذَكُّرُ٣
بَلَى! إنَّ فُقْدَانَ الْحَبِيبِ بَلِيَّةٌ ... وَكَمْ مِنْ كَرِيمٍ يُبْتَلَى ثُمَّ يَصْبِرُ
رَأَيْتُ خِيَارَ النَّاسِ تَوَارَدُواْ ... شَعُوباً وخلفاً بعَدَهُم يَتأخَّرُ٤
فَلا يُبْعِدَنَّ اللهُ قَتْلَى تَتَابَعُواْ ... بِمُؤْتَةَ مِنْهُم ذُو الْجَناحَينِ جَعْفَرُ٥
وزَيْدٌ، وعبدُ اللهِ حِينَ تَتَابَعُوا ... جَمِيعاً وَأَسْبَابُ المَنِيَّة تَخْطُرُ
стр. 212
الفصل الثالث: حشد القوات الإسلامية
المبحث الأول: عدد الجيش، وتولية القيادة
...
المبحث الأول: عدد الجيش، وتولية القيادة:
[١٠] "ندب رسول الله ﷺ النَّاس إلى مؤتة". كما يذكر الواقدي، وابن سعد١، فاستجاب له حوالي ثلاثة ألاف من الصحابة ﵃، وذلك حسب: [١١] ما ذكره بعض أهل المغازي٢".
وهو أكبر جيش إسلامي يتم حشده حتى ذلك الوقت، فإنَّ جيش المسلمين في الحديبية، ثُمَّ في خيبر - وهما الغزوتان اللتان سبقتا مؤتة - لم يتجاوز حاجز الألفين٣، مِمَّا دلَّل على نجاح صلح الحديبية عملياً، وأنَّ قوة المسلمين في تنامي وتزايد مستمر.
[١٢] بل إنَّ بعض الروايات ذكرت أنه تمَّ حشد ستَّة آلاف من المهاجرين والأنصار٤.
стр. 213
وفي الجرف١، عسكر الجيش الإسلامي كالعادة، وكان القائد الأعلى رسول الله ﷺ قد أصدر أوامره الشريفة بإسناد قيادة الجيش لمولاه وحبِّه زيد بن حارثة ﵁، وقال:
[١٣] "إنْ قُتِلَ زيد، فجعفر، وإن قُتِل جعفر، فعبد الله بن رواحة"٢".
وفي مرسل عروة عند البيهقي:
[١٤] "فإن أُصيب فليرتض المسلمون رجلاً، فليجعلوه عليهم٣".
قال أبو قتادة - رضي الله تعالى عنه:
стр. 214
[١٥] "فوثب جعفر، فقال: " يا رسول الله! ما كنت أرهب أن تستعمل عليَّ زيداً، فقال: "امض فإنَّك لا تدري أي ذلك خير١".
ويبدو أنَّ بعض الصحابة ﵃ قد تكلَّم في إمرة زيد وتقديمه على غيره:
[١٦] فوضَّح لهم رسول الله ﷺ مكانة زيد - رضي الله تعالى عنه - وأحقيته بالإمارة، وأنَّه مِن أحبّ الناس إليه٢،فسمعوا وأطاعوا".
ولكن يبدو أن رواة الشيعة لم يرق لهم ذلك، ولم يقتنعوا به، وأخذوا كعادتهم يتلاعبون بالروايات، يُقَدِّمون ويُؤخِّرون حسب أهوائهم، ويفاضلون بين الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وفق ميولهم ونزعاتهم، ويظهر ذلك جلياً هنا من خلال:
стр. 215
[١٧] محاولاتهم الحطّ من قدر زيد - رضي الله تعالى عنه، وتقديم جعفر ﵁ باعتباره من آل البيت - حتى في سياق الوقعة١".
ومكانة زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - عظيمة في الإسلام لا تؤثر فيها تلك المحاولات الفاشلة، ويكفي في فضله ومكانته ذكر الباري لاسمه صريحاً في القرآن، يُتْلَى في المحاريب، وبيوت الله إلى يوم القيامة٢".
كما صحَّ عن الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق - رضي الله تعالى عنهما - أنَّها قالت:
[١٨] "ما بعَثَ رسولُ الله ﷺ زيد بن حارثة في جيشٍ قَطُّ، إلاَّ أمَّره عليهم، ولو بقي بعده لاستخلفه"٣".
стр. 216
ذلك هو مبلغ تقدير النَّبِيِّ ﷺ لكفاءة زيد القيادية، وثقته الكاملة به، وهو تقديرٌ عظيمٌ، وثقةٌ بالغةٌ، واعتمادٌ هائلٌ استحقَّه زيد بمزاياه القيادية أولاً وقبل كل شيء، فما كان النَّبيُّ ﷺ يولي ثقته الكاملة إلاَّ لمن يستحقها بجدارة، وقد لمسنا شجاعة زيد في الغزوات التي شهدها مع النَّبيِّ ﷺ ، وفي سراياه التي قادها، ولمسنا شجاعته في الواجبات الأُخرى التي ألقاها على عاتقه النَّبِيُّ ﷺ في استصحاب بناته وزوجته في الهجرة، في وَسَطٍ يعُجّ بالأعداء والحاقدين والموتورين من المشركين".
لقد قضى الإسلام مع ما قضى عليه من تقاليد الجاهلية، على الأنفة
من تأمير مَن لم تُقَدِّمه السن، والاستمساك بِعُرَى التَّفاضُل بالأنساب والأحساب والعشائر والقبائل".. إنَّ التَّفَاضُلَ في الإسلام يخضع للتقوى وصالح الأعمال، بالإضافة إلى الكفايات المناسبة للعمل المناسب، وقد رفعت مزايا زيد القيادية، وإيمانه الراسخ العميق إلى الإمارة١".
كما أنَّ مكانة جعفر - رضي الله تعالى عنه - وفضله لا تحتاج إلى كل ذلك التهويل، ومحاولة لَيّ النُّصوص، واختراع فضائل له لكونه من آل بيت النَّبيّ ﷺ ، فالعواطف الزائدة، والمحبَّة لآل البيت لا تجعلنا نعطيهم قدراً أكبر مِمَّا جعله الله ﵎، ورسوله ﷺ لهم، ويكفي جعفراً رضي الله تعالى عنه فخراً ومكانةً أنه ابن عمّ المصطفى ﷺ ، وقد قال له النَّبيّ ﷺ :
стр. 217
[١٩] "أَشْبَهْت خَلْقِي وخُلُقِي"١، "وحسبه بذلك دليلاً على أنه كان على خُلُقٍ عظيم٢".
ولمَّا قدم - رضي الله تعالى عنه - في جماعة من المسلمين من أرض الحبشة بأثر فتح خيبر، التزمه رسول الله ﷺ وقبَّل ما بين عينيه واعتنقه، وقال:
[٢٠] "والله ما أدري بأيهما أنا أُسَرّ!! أبقدوم جعفر، أم بفتح خيبر؟! "٣.
[٢١] وكان - رضي الله تعالى عنه - أحد السابقين الأولين، وكان أَحَد أصحاب الهجرتين٤.
وقد وصفته زوجه أسماء بنت عميس ﵂ بقولها:
[٢٢] "ما رأيت شابّاً من العرب خيراً من جعفر"٥.
وقال عنه أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه:
стр. 218
[٢٣] "كان خير النَّاس للمساكين جعفر بن أبي طالب، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إنه إن كان ليخرج لنا العكة١ التي ليس فيها شيء فنشقّها ونلعق ما فيها"٢.
وتجدرُ الإشارة أنه لأوَّل مرَّة في تاريخ غزوات النَّبيّ ﷺ وسراياه يتم تولية أُمراء بالترتيب، "وما ولَّى النَّبيّ ﷺ قبل وقعة مؤتة ولا ولَّى بعدها ثلاثة قادة أو قائدين على سرية واحدة، ولكن بُعْد نظره ﵊ وتقديره لأهمية هذه السرية وخطورتها هو الذي جعله يولِّي ثلاثة قادة على سرية واحدة، مرَّة واحدة فقط في حياته العسكرية كلها"٣.
وربَّما كان ذلك احتياطاً منه ﷺ لما كان متوقعاً أن تحُفَّ الأخطار هذه الحملة لوجهتها البعيدة، ولعدم وقوع احتكاك سابق بمناطق تخضع لنفوذ دولة قوية كالامبراطورية البيزنطية التي كانت قبائل الشام وأطرافها موالية لها سياسياً٤.
ومِنَ السَّذاجة أن يتبادر إلى الأذهان أنه ﷺ كان يعلم مُسَبَّقاً المصير الذي كان ينتظر أعزَّ أصحابه٥، فلم يُعرف عنه أبداً أنه ساق
стр. 219
أتباعه إلى حتوفهم، أو رمى بهم في عمليات ينتحرون فيها، كُلُّ ما هنالك أنَّ كثرة مشاغله منعته من قيادة الجيش بنفسه١.
وبما أنَّ الجيش لم يكن تحت قيادة النَّبيّ ﷺ ، فقد جرت العادة أن يكون الانخراط فيه تطوعياً حسب الاستطاعة، وذلك وفق التعليمات النبوية الكريمة، درءاً منه ﷺ للمشقة الحاصلة للمجاهدين وأُسَرِهِم، وإذا لم يكن الأمر نفيراً عامّاً كان ﵊ يأمرهم بالتناوب في الخروج للجهاد، فكان يقول:
[٢٤] "ليخرج من كُلِّ رجلين، رجل، والأجر بينهما" ٢.
[٢٥] بل كان يحُضُّ على تخلُّف البعض لرعاية أُسَر المجاهدين، وأنَّ مَن يقوم بذلك له مثل أجر المجاهد والغازي٣".
وكان ﷺ بأبي هو وأُمِّي يعتذر عن الخروج على رأس بعض السرايا والبعوث حتى لا يشق على المسلمين".
стр. 220
أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال:
[٢٦] "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لولا أن أشُقَّ على المؤمنين ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل الله، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة فيتبعوني، ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي"١.
وهكذا فقد خلت قائمة الجيش من كبار الصحابة أمثال أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي عبيدة، رضي الله تعالى عنهم، وغيرهم، بينما كان من المشاركين غير القادة الثلاثة: "عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وأبو قتادة، وخالد ان الوليد، وعوف بن مالك، وجابر بن عبد الله، وثابت بن أقرم، وأبو موسى الأشعري، وواقد بن عبد الله التميمي، وأبو سلمة بن هشام، وعقيل ابن أبي طالب، وعبد الرحمن بن سمرة، ويعلى بن منية، وأبو اليسر٢،
стр. 221
وغيرهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وكان معهم بعض المسلمين من اليمن من أمداد حمير١".
ويذكر ابن سعد أنَّ رسول الله ﷺ عقد لهم:
[٢٧] "لواءً أبيض ودفعه إلى زيد بن حارثة٢، فتجهَّز الناس، وتهيأوا للخروج".
стр. 222
المبحث الثاني: الوصايا التي تزوَّد بها الجيش، وتوديعه:
وخرج معهم رسول الله ﷺ حتَّى بلغ ثنية الوداع١، وهناك أوصاهم قائلاً:
[٢٨] "اخرجوا باسم الله، فقاتلوا في سبيل الله عدوّ الله وعدوّكم، إنَّكم ستدخلون الشام فستجدون رجالاً في الصَّوامِع٢ معتزلين النَّاس فلا تعرضوا لأحدٍ منهم إلاَّ بخيرٍ، وستجدون آخرين للشياطين في رؤوسهم مفاحص٣، فافلقوا هامهم٤ بالسيوف، لا تَقْتُلُنَّ كبيراً ولا فانياً، ولا صغيراً ضرعاً٥، ولا تَقْتُلُنَّ امرأةً،
стр. 223
ولا تُعْزِقُنَّ١ نخلاً"٢.
لقد تضمنَّت تلك الوصية أرقى قانون للحرب العادلة، قانون عجزت حتى الآن كُلّ النُّظُم والتشريعات أن تصل إليه من حيث الإنصاف في معاملة الأعداء، واجتناب الأعمال اللاإنسانية من التعرُّض للنساء والأطفال والعَجَزَة، ورجال الدين المعتَزلين بأي نوعٍ من أنواع الأذى، لقد
стр. 224
كانت توصيات في الآداب الحربية، ودروس في الشرف العسكري، وأُسُس راسخة في المعاملة الإنسانية، والرأفة بغير المحاربين من النساء والشيوخ والأطفال، وتربيات عالية شريفة ما سمعت ولا دعت أُمة مثلها منذ فجر التاريخ حتى اليوم من غير سيد البشر محمَّد ﷺ ".
إنَّ أرقى الأُمم في العصر الحاضر لا تزال في مجال محاولاتها الالتزام بقانون الشرف العسكري، لا تزال تحبو حبواً إذا ما قِسْنَا محاولاتها بما وضعه الرسول ﷺ في خطبته هذه من قواعد راسخة لقانون الشرف العسكري١".
[٢٩] "ثُمَّ ودَّع النَّاس أمراء رسول الله ﷺ ، وسلَّموا عليهم، فلمَّا ودَّعوا عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - بكى، فقالوا: "ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: "أما والله ما بي حُب للدُّنيا، ولا صبابة إليها، ولكني سمعت الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهُا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيَّا﴾ . [سورة مريم، الآية: "٧١] ". فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟!
فقال المسلمون: "صحبكم الله، وردَّكم إلينا صالحين، ودفع عنكم". قال ابن رواحة:
لكنَّنِي أسأل الرحمن مغفرةً ... وضربةً ذات فرغ تقذف الزبدا٢
стр. 225
أو طعنةً بيدى حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا١
حتى يقولوا إذا مروا على جدثي ... أرشده الله من غازٍ وقد رشدا٢
ثُمَّ أتى عبد الله بن رواحة رسول الله ﷺ فودَّعه، فقال:
وثبَّت الله ما آتاه من حسن ... تثبيت موسى ونصراً كالذي نصرا
إني تفرَّسْتُ فيك الخير نافلة ... والله يعلم إني ثابت البصرا
أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منك فقد أزرى به القدرا٣
стр. 226
الفصل الرابع: حشد القوات الرومانية وحلفائها من القبائل المتنصرة
المبحث الأول: الخلاف في عددهم
...
المبحث الأوَّل: الخلاف في عددهم:
تحرَّكت القوات الإسلامية من المدينة صوب الشام في مسير اقترابي حَذِر.
[٣٠] ويذكر الواقدي أنَّهم نزلوا وادي القرى في طريقهم إلى الشام، وأقاموا أيَّاماً١، ولكن أنباء حركتهم وصلت إلى الروم قبل وصول المسلمين إليهم٢، فنذروا وجمعوا لهم جموعاً كثيرة من الروم وحلفائهم من القبائل العربية الشامية المتنصرة.
هذا وقد اختلفت الروايات فيهم، وفي عدَّتهم، ففي مرسل عروة: "ذكر أنَّهم كانوا مائة ألف من الروم:
[٣١] "وانضم إليهم من لخم٣، وجذام، والقين٤، وبَهْرَاء٥، وبلىّ،
стр. 227
مائة ألف منهم١".
وتابعه في ذلك ابن إسحاق في رواية يونس عنه٢، وابن الأثير٣، والطبري، والبيهقي، كلاهما بسنديهما إليه٤، وتابعه من المتأخرين كُلٌّ من: "ابن عبد البر، وابن سيد الناس، وابن القيم، وابن كثير، وابن حزم، والعامري، والحلبي، والذهبي٥".
[٣٢] وذكر السهيلي حكايةً عن ابن إسحاق: "أنَّهم كانوا خمسين ومائة ألف٦".
[٣٣] بينما يذكر الواقدي في روايته: "أنَّهم كانوا مائة ألف من القبائل العربية المتنصرة٧".
стр. 228
وتابعه القسطلاني، إلاَّ أنّه ذكر أنَّهم كانوا مائة ألف من المشركين١، وكذلك المسعودي، إلاَّ أنه ذكر أنَّهم جموع الروم٢".
وكان هنالك اضطراب في رواية ابن سعد حيث ذكر أولاً أنَّ شرحبيل بن عمرو الغساني جمع أكثر من مائة ألف، ثُمَّ يعود فيذكر:
[٣٤] "أنَّ هرقل قد نزل مآباً من أرض البلقاء في مائة ألف من بهراء ... الخ"٣.
ووردت أقوال أخرى حكاها بعض أهل المغازي، دون نسبتها إلى قائليها، حيث قال السهيلي: وقيل: "كان العدو مائتي ألف من الروم، وخمسين ألفاً من العرب، ومعهم من الخيول والسلاح ما ليس مع المسلمين٤". ونقل ذلك الحلبي أيضاً٥".
وقال الزرقاني، والشامي: "كانوا أكثر من مائتي ألف٦".
стр. 229
وقال ابن حجر: "قيل: أكثر من مائة ألف١".
[٣٥] ولم تُحَدِّد روايات الزهري، وموسى بن عقبة، ومحمَّد بن عائذ العدد، وإنَّما ذكرت أنَّهم جموع كثيرة من الروم، ونصارى العرب من قضاعة، وتنوخ، وبهراء، وغيرهم من نصارى العرب٢".
ووقع مثل ذلك في رواية أبي قتادة - رضي الله تعالى عنه ٣". ويصفهم خليفة بن خياط بأنَّهم جموع هرقل٤ دونما تحديد".
ويرى العقَّاد صعوبة جمع تلك الجيوش الجرَّارة وتسييرها في مثل تلك السرعة، ويرجِّح أنَّ "هرقل إنَّما كان في جموعه هنالك في زيارة الشكر التي نذر لله أن يؤدِّيها إذا هو ظفر بالفرس، وردَّ منهم صليب الكنيسة الكبرى الذي حملوه معهم يوم أَنْ فتحوا بيت المقدس، وربَّما كان هرقل قد بارح بيت المقدس في ذلك الحين، وتخلَّفت جيوش ركابه لأداء هذه الفريضة معه أو القيام بمراسم الحفاوة في تلك الزيارة التاريخية٥".
وذلك استنتاجٌ مبنيٌّ على رواياتٍ ضعيفة، فقد ذكرت المصادر أنَّ هرقل كان في الشام قبل مؤتة بخمسة أشهر على الأقل، حينما استقبل دحية الكلبي - رضي الله تعالى عنه - سفير رسول الله ﷺ إليه، ثُمَّ من بعده أبا سفيان بن حرب ومَن معه الذين سألهم عن النَّبيّ ﷺ أسئلةً دقيقةً وشخصيةً، وقد أظهر هرقل حينها احتراماً بالغاً للنَّبِيِّ ﷺ ، بل وصدَّق
стр. 230
به، ولكنَّه لم يُسلم خوفاً على ملكه، وكان ذلك بعد الحديبية، كما ذكر أبو سفيان راوي الخبر١".
وذهب الدويدار أبعد من ذلك حينما أكد على أنَّ الروايات تكاد تجمع على تلك الأعداد الضخمة التي استقبل بها الرومان المسلمين في مؤتة٢".
وتلك مبالغة لا تقل عن مبالغة بعض الروايات التي ذكرناها في تحديدها لعدد جيش الروم وحلفائهم في مؤتة".
ولا ريب أنَّ المبالغات التي أعقبت هذه المعركة، كثَّرت من عدد العدو وجعلته يبلغ هذا الرقم الخيالي٣، وإن كان بمستطاع القبائل العربية الضاربة في المنطقة أن تؤلِّف مع الجيش الروماني قوةً ضخمة، ولكنَّ الأمر لم يكن على تلك الدرجة البالغة من الخطورة، "فإنَّ الحملة الإسلامية كانت مكوَّنة من ثلاثة آلاف، وأنَّ أنباء مسيرها كانت معروفة، فلا يمكن أن يوجه إليها الروم مثل هذا العدد الحاشد من الجيوش، على أنَّ هذه الأعداد الضخمة لم تستخدمها بيزنطة في قتالها مع الفرس٤".
стр. 231
[٣٦] فقد ذكرت المصادر أنَّ جيش هرقل الذي أعاد به كرامة الإمبراطورية البيزنطية عندما هزم جيوش كسرى، حتى استطاع دخول المدائن، كان لا يزيد عدده عن سبعين ألفاً١".
"ولم يستخدم الروم هذه الأعداد، إلاَّ فيما بعد عندما اشتبكوا مع الدولة الإسلامية اشتباكاً حقيقياً خطيراً٢".
لذلك فإنه من الأصوب الأخذ بروايات الزُّهري، وابن عقبة، وابن عائذ، التي لم تُحَدِّد القوَّات بعددٍ معيَّنٍ، وإنَّما ذكرت أنَّهم جموع كثيرة "وكُلّ ما يمكن تصوُّره أنَّ قوَّة العدو كانت أكبر من قوَّة المسلمين، أو أنَّها كانت أضعافها"٣".
ويعتقد الجنرال أكرم أنَّها رُبَّما كانت تتراوح بين عشرة آلاف، وخمسة عشر ألفاً٤.
إنَّ التحديد الذي ورد في بعض الروايات التي ذكرناها بتلك الأعداد الضخمة، ربَّما كان اجتهاداً من بعض الرواة والإخباريين، أو حتى بعض شهود العيان الذين ربَّما نقل عنهم عروة وغيره من المؤرِّخين.
стр. 232
كما لم تزودنا المصادر البيزنطية بمعلوماتٍ وافرة عن الأحداث التي كانت بين بيزنطة والمسلمين، بما في ذلك أحداث معركة مؤتة، فنستطيع من خلالها معرفة عدد الجيش البيزنطي والحلفاء فيها، حيث كان الاعتماد على المصادر الإسلامية في ذلك، والتي نادراً ما تخطيء في وصف الأحداث، لاعتمادها على الإسناد الذي يصل في كثيرٍ من الأحيان إلى شهود العيان، أو حتَّى المشاركين في تلك الأحداث، وتلك عملية دقيقة ومرتَّبة لم يُسْبَق المسلمون فيها أبداً، بل لم تعرفها أُمة من الأُمم على الإطلاق، غير الأُمة الإسلامية.
ولكن حتَّى شهود العيان والمشاركون في صميم الأحداث لا يستطيعون في بعض الأحيان التعرُّف بدقة على عدد جند العدوّ١.
بل يعتمدون أحياناً على الحدس والتخمين في إحصاءاتهم لجيوش الأعداء، لأنه لم تكن هنالك إحصاءات دقيقة معلومة عن عدد الجند والجيوش، كما هو الحال اليوم٢.
стр. 233
ورُبَّما أنَّ بعض شهود معركة مؤتة من المسلمين شاهدوا تلك الكثافة العَدَدِيَّة والعُدَدِيَّة من الجند الروماني المجهَّز بأحدث الأسلحة والعتاد، فهالهم ذلك المنظر الذي لم يتعوَّدوه من قبل، فقدَّروا عددهم اجتهاداً، ذلك التقدير الضخم.
روى الواقدي بسنده عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال:
[٣٧] "شهدت مؤتة، فلمَّا رأينا المشركين، رأينا ما لا قِبَل لنا به من العدد والسلاح والكراع، والديباج، والحرير، والذهب، فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أقرم١: "يا أبا هريرة، مالك؟! كأنَّك ترى جموعاً كثيرة، قلت: "نعم". قال: "إنَّك لم تشهد بدراً معنا، إنَّا لَم نُنْصَر بالكثرة٢".
ومهما قيل في مبالغة الذين سجَّلوا تعداد الروم وحلفائهم، فإنَّ الحقيقة تبقى واضحة للدارسين بأنَّ الرُّوم وحلفاءهم كانوا أضعاف تعداد المسلمين، كما أنَّهم يقاتلون في بلادهم دفاعاً عنها، بينما يقاتل المسلمون بعيداً عن قاعدتهم الرئيسية المدينة، وبذلك تكون المزايا العسكرية في التفوُّق العَدَدِيّ والعُدَدِيّ، وفي قرب قواعد الروم إلى قوَّاتهم المقاتلة، هذه المزايا مع الروم على المسلمين بلا مراء٣.
стр. 234
المبحث الثاني: الخلاف في قادتهم:
وكما اختلفوا في عددهم، اختلفوا أيضاً في قوَّادهم.
[٣٨] ففي رواية عروة - وهي الرواية الأكثر شهرة بين روايات أهل المغازي في هذه الغزوة - يذكر أنَّ الروم كانوا بقيادة ملكهم هرقل، والحلفاء من القبائل العربية المتنصرة، كانوا بقيادة رجلٍ من بلى، ثُمَّ أحد أراشة يُقال له: "مالك بن زافلة١".
[٣٩] أمَّا رواية الواقدي فيشوبها بعض الاضطراب، حيث ذكر أنَّ الذي حشد الجموع رجلٌ من الأزد، يُقال له: "شرحبيل بن عمرو٢، وأنه قدَّم الطلائع أمامه بقيادة أخيه سدوس، فقتله المسلمون، فخاف شرحبيل وتحصَّن٣، وبعث أخاً له آخر، يُقال له: "وبر بن عمرو، ثُمَّ يذكر بعد ذلك أنَّ هرقل نزل مآب، من أرض البلقاء في بهراء، ووائل، وبكر، ولخم، وجذام، في مائة ألف، عليهم رجل من بلى، يُقال له: "مالك٤".
стр. 235
وتابعه في ذلك تلميذه ابن سعد، كما مرَّ في المبحث السابق١".
[٤٠] ويذكر الزهري، وموسى بن عقبة في روايتهما أنه كان عليهم ابن أبي سبرة الغساني٢".
[٤١] أمَّا ابن عائذ فلم تحدِّد روايته اسم القائد٣".
[٤٢] وكان للمسعودي رأي آخر، حيث يذكر أنَّ هرقل أنفذ الجيوش للقاء المسلمين من مكان إقامته في أنطاكية، وكان على الروم تيادوقس البطريق٤، وعلى متنصرة العرب من غسَّان وقضاعة وغيرهم شرحبيل بن عمرو الغساني٥".
стр. 236
ويؤكِّد بروكلمان ما ذهب إليه المسعودي، مُصَحِّحاً اسم القائد البيزنطي وأنه (ثيودورس) ١.
وأعتقد أنَّ ما ذهب إليه المسعودي، وأكَّده بروكلمان من قيادة ثيودورس أخي الأمبراطور هرقل لجيوش الحلفاء في مؤتة هو الأصوب، لأنه لم يرد ذكر هرقل في أحداث المعركة رغم شهرته ومعرفة المسلمين له جيداً، فلو كان هو القائد فعلاً لما أغفلت المصادر الإسلامية - ومنها التي ذكرت قيادته لجيوش الروم - أخباره في ميدان المعركة وأحداثها.
كما أنَّ القول بقيادته للمعركة يتعارض مع ما هو مألوف في نظام الحكم في بيزنطة في ذلك الحين، حيث لم يسبق لإمبراطور بيزنطي قاد جيشاً إلاَّ مرَّتين: "الأولى حينما قاد الإمبراطور موريس حملة لمحاربة الآفار، والثانية حينما قاد هرقل نفسه الجيش البيزنطي في محاولة منه لاسترداد هيبة الإمبراطورية البيزنطية التي فُقِدَت حينما دحرت القوات الفارسية القوات الرومانية في معركة فحل الفاصلة - التي ورد ذكرها في القرآن٢ - ثُمَّ خرَّبت بيت المقدس، واحتلَّت شطراً كبيراً من أرض الإمبراطورية، حتى أحدقت بالقسطنطينية، وقد قُوبِل كُلٌّ من الإمبراطوريين
стр. 237
بمقاومة عنيفة ومعارضة شديدة من مستشاريهما حين قرَّرا قيادة جيشهما آنذاك١".
والأهم من ذلك كُلِّه هو أنَّ هرقل، بعد أن وصله كتاب النَّبيّ ﷺ بعد الحديبية، وعرف صدق نبوءته ﷺ ، أصبح غير متحمسٍ للقاء المسلمين في ميادين القتال، لمعرفته التامَّة بأنَّهم سيظهرون على غيرهم من الأُمَم بما فيهم الرومان٢، عَرَفَ ذلك من خلال كُتُب النصارى التي بشَّرت بنبي الإسلام أحمد ﷺ ٣، ومن خلال المنجّمين الذين حذروه من أمة الختان التي ستسلب مكّة منه".
وهكذا، فإنه في معارك أُخرى جرت بعد ذلك بين المسلمين والبيزنطيين، لم يتولّ هرقل قيادة أي معركة منها، حتى المعارك الحاسمة الضخمة، كاليرموك مثلاً، والتي تُعدّ من حيث حشد القوَّات فيها مِن قِبَل الطرفين، والاستعدادات المبكرة لها، واستشعار الروم وملكهم بخطر المسلمين المستفحل عليهم٤، وما كان سيترتب عليها من نتائج في حال ظفر أو هزيمة أيٍّ من الفريقين، أكبر بكثر من مؤتة". والله تعالى أعلم".
стр. 238
الفصل الخامس: سير الأحداث
المبحث الأول: إحداث الطريق إلى مؤتة
المطلب الأول: تشاور المسلمين في معان
...
المطلب الأول: تشاور المسلمين في معان:
وفي مآب من البلقاء١، احتشدت جيوش الحلفاء من الروم والقبائل العربية المتنصرة، فلمَّا علم المسلمون بأمر جموعهم المتفوقة عليهم فواقاً ساحقاً، أقاموا على معان٢ ليلتين يفكرون في أمرهم، واستشار زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - أصحابه، فقال له بعضهم:
стр. 239
[٤٣] "نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، فإمَّا أن يُمدَّنا بالرجال، وإمَّا أن يأمرنا بأمره فنمضي له"١.
ويذكر الوليد بن مسلم٢ أنَّ بعض المسلمين نصح زيد بالانصراف، مكتفياً بما حقَّقه من مكاسب معنوية، قائلاً له:
[٤٤] "قد وطئت البلاد، وأخفت أهلها، فانصرف، فإنه لا يعدل العافية شيء، وعبد الله بن رواحة ساكت، فسأله زيد عن رأيه فقال: "إنَّا لم نسر إلى هذه البلاد ونحن نريد الغنائم، ولكنَّا خرجنا نريد لقاءهم، ولسنا نقاتلهم بعددٍولاعُدَّة، فالرأي المسير إليهم"٣.
[٤٥] "فشجَّع الناس عبد الله بن رواحة، وقال: "يا قوم، والله إنَّ التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة وكثرة، ما نقاتلهم إلاَّ بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنَّما هي إحدى الحسنيين، إمَّا ظهور، وإمَّا شهادة، قال: "فقال الناس: "قد والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس"٤. وقبل زيد رأيه وسار إليهم.
стр. 240
"إنَّ تشجيع عبد الله بن رواحة المسلمين على قتال الروم وحلفائهم، واستجابة المسلمين لهذا التشجيع، له دلالة لا يُمكن أن يختلف فيها اثنان، هي أنه كان يثق ثقةً عالية برجاله، وأنَّ رجاله كانوا يثقون به ثقةً مُطْلَقة، والثقة المتبادلة بين القائد ورجاله من أهمِّ مزايا القائد المتميِّز، ولا يمكن أن يثق الرجال بقائدهم ثقةً مُطلَقة عفواً وبدون أسباب، كما أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان لا يولي المراكز القيادية إلاَّ لأشخاص لهم مؤهلات عالية، ومزايا واضحة المعالم، فقد كان ﵊ يحرِصُ أعظم الحِرْص على تولِّي الرجل المناسب للعمل المناسب، تطبيقاً لتعاليم الإسلام في الولاية، وثقة النَّبيّ ﷺ بعبد الله بن رواحة، وثقة رجال عبد الله بن رواحة به، أسبابها وحوافزها واحدة، وهي تَمَتُّع عبد الله بن رواحة بالإضافة إلى عمق إيمانه، بمزايا قيادية أهَّلته لأن يكون أحد قادة النَّبيّ ﷺ ١".
ويعتقد بعض المحلِّلين والمنَظِّرين العسكريين، وغيرهم من المؤرِّخين المعاصرين، أنَّ تشجيع عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - للمسلمين، واندفاعه بهم نحو العدوّ، رغم تفوقهم العددي، وقُرْب قواعدهم، كان مغامرة خطرة، ومجازفة مهلكة، وخطأً عسكرياً فادحاً، وذلك بموجب المقاييس المادية٢".
стр. 241
ولكن المقاييس المادية تُطَبَّق على الذين يعتمدون الوسائل المادية وحدها في حروبهم، أمَّا الذين يحاربون حرباً عقديَّة، جهاداً في سبيل الله، ودفاعاً عن عقيدتهم، وعن حُرِّية انتشارها، فلا تُطَبَّق عليهم المقاييس المادية وحدها، التي تُطَبَّق على غيرهم في حروبٍ استثماريَّةٍ أو توسُّعِيَّةٍ من أجل أمجادٍ شخصيةٍ، وأحقاد عنصرية أو طائفية، وعلى ذلك فلا تُطَبَّق هذه المقاييس المادية على أمثال عبد الله بن رواحة، لأنَّهم كانوا يخوضون حرباً عقديَّة لا دخل للمادَّة فيها من قريبٍ أو بعيد، وإلاَّ فماذا يمكن أن يُقال في غزوة بدر الكبرى الحاسمة، بالنسبة للمقاييس المادية وحدها، وكان تفوُّق المشركين على المسلمين بنسبة ثلاثة على واحد في الأشخاص، وبنسبة مائة على واحد بالخيل، والخيل أنجح سلاح في الحروب القديمة؟!
لقد حرَّض عبد الله بن رواحة المسلمين على القتال لأغراضٍ عقديَّة، فكان تحريضه خطأً بالنسبة للمقاييس المادية، ولكنه كان عين الصَّواب بالنسبة للجهاد والحرب العادلة التي كان يخوضها المسلمون حينذاك١.
ولكي نعرف مدى اندفاع عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - وحماسه لخوض حرب عقائدية إيمانية هدفها إعلاء كلمة الله ، وإعزاز دينه، وأقصى ما يتمناه فيها هو نيل شرف الشهادة، وبذل روحه رخيصة في سبيل الله ، يحدِّثُنا زيد ابن أرقم - رضي الله تعالى عنه - وكان من المشاركين في مؤتة - قال:
стр. 242
[٤٦] "كنت يتيماً لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله، فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو يُنشِد أبياته هذه:
إذا أويتني وحملت رحلي ... مسيرة أربعٍ بعد الحساء١
فشأنك أنعم وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي٢
وجاء المسلمون وغادروني ... بأرض الشام مشتهى الثواء٣
في أبيات" ... قال: "فلمَّا سمعتهنَّ منه بكيت". قال: "فخفقني بالدرة٤، وقال: "ما عليك يا لُكع٥ أن يرزقني الله الشهادة، وترجع بين شعبتي الرحل٦"٧".
стр. 243
وكما اندفع عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - بفورة حماس إيمانية زخمة، اندفع - أيضاً - بفورة حماس شاعرية رائعة، راح يُصَوِّر فيها مقام المسلمين في معان، ثُمَّ انطلاقهم بقوة وحماس إيماني نحو عدوهم المتربص في مآب:
[٤٧] جلبنا الخيل من أجام قرح١ ... تغر من الحشيش لهاالعكوم٢
حذوناها من الصوان سبتاً٣ ... أزل كأنَّ صفحته أديم٤
أقامت ليلتين على معان ... فأعقب بعد فترتها جموم٥
فرحنا والجياد مسومات ... تنفس في مناخرها السموم٦
فلا وأبي مآب لنأتينها ... وإن كانت بها عرب وروم
стр. 244
عبأنا أعنتها فجاءت ... عوابس والغبار لها بريم١
стр. 245
المطلب الثاني: التحرشات العائية التى تعرض لها المسلمون في طريقهم إلى مؤتة
...
المطلب الثاني: التحرُّشات العدائية التي تعرَّض لها المسلمون في طريقهم إلى مؤتة:
ومضى زيد - رضي الله تعالى عنه - بالجيش، فسار بهم في مناطق تخضع لنفوذ الدولة البيزنطية، فكان من الطبعي أن يتعرَّضوا لبعض التحرُّشات العدائية من أهل تلك البلاد الذين كانوا يدينون بولائهم سياسياً، وعقائدياً، للدولة البيزنطية، وإن كانت بينهم خلافات مذهبية متأصلة١، ولكنَّهم اتَّحدوا ضد المسلمين.
فيذكر ابن عائذ بسندٍ منقطعٍ ساقه إلى بعض أهل تلك المنطقة من بني سلامان أنَّ زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - سار بالمسلمين:
[٤٨] "على جبال بين الشراة والبلقاء، على ريفها وعمارتها، فمر بقرية من قرى الجبال، يُقال لها: "أكثب٢، فشدَّ أهلها على ساقة٣ المسلمين فأصابوهم بجراحة، وقتلوا رجلاً من المسلمين، فبلغ ذلك جماعة الجيش، فاستأذنوا زيد بن حارثة في الرجعة إليهم والانتقام منهم، فقال زيد: "لا أرى ذلك، لأنَّ عدوَّكم أمامكم قد جمعوا لكم، ودنوا منكم، فأكره أن تفلّوا حدَّكم٤ ونشاطكم
стр. 246
بقتال غيرهم، ثُمَّ لا آمن أن يجمعوا لكم فيكونوا من ورائكم، فتكونوا بين عسكرين"١.
لقد كان رأي زيد - رضي الله تعالى عنه: "المضي قُدُماً، وعدم استنْزاف قوة المسلمين في قتالٍ قد يُعيق تقدُّمهم نحو عدوّهم، وربَّما كان ذلك سبباً لوقوع المسلمين بين فكَّي كمَّاشة".
وقد مرَّ بنا سابقاً في روايتي الواقدي، وابن سعد، تلك التحرُّشات العدائية التي قام بها شرحبيل بن عمرو الغساني - الذي جمع جموع العرب المتنصرة - وذلك بإرساله الطلائع لتعيق تقدم المسلمين، ولكن محاولاته باءت بالفشل الذريع، حيث قَتَل المسلمون أخاه سدوس، قائد الطليعة الأولى، مِمَّا أثار الذُّعْر والهلع في قلب شرحبيل، فتحصَّن٢".
стр. 247
المبحث الثاني: وصف المعركة
المطلب الأول: تعبئة المسلمين
...
المطلب الأول: تعبئة المسلمين:
تحرَّك المسلمون نحو جيوش الروم، وحلفائهم من القبائل، فحصل التماس الأوَّل في تخوم البلقاء "ولكن المسلمين رأوا أنَّ منطقة قرية مؤتة، بين الكرك١ والطفيلة٢، أنسب لقبول المعركة فيها، وذلك لوجود العوارض الطبيعية التي يستطيعون التحصُّن بها، نظراً لقلَّة قوتهم بالنسبة إلى الأعداء"٣.
فما "مِن شكٍّ أنَّ قوة العدو كانت أضخم كثيراً من قوة الجيش الإسلامي، وإن لم تبلغ العدد الذي ذكره الإخباريون، وكان التكافؤ منعدماً بين القوتين من حيث العدد، ومن حيث عُدَّة الحرب"٤.
стр. 248
وفي مؤتة تعبأ المسلمون، ونظَّموا صفوفهم، كما يذكر ابن إسحاق:
[٤٩] "فجعلوا على ميمنتهم رجلاً من بني عذرة، يُقال له: قطبة بن قتادة١، وعلى ميسرتهم رجلاً من الأنصار، يُقال له: عباية بن مالك٢، ثُمَّ التقى الناس"٣.
وقد لاحظ المسلمون تفوّق الروم وحلفائهم عليهم، ولكنَّهم لم يكترثوا بذلك٤.
стр. 249
المطلب الثاني: وصف حي لقتال القادة الثلاثة واستشهادهم:
وبدأ هجوم المسلمين باندفاع قائدهم زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - بلواء رسول الله ﷺ نحو صفوف العدو "فحارب مستقتلاً مستميتاً حتَّى مزَّقته رماح العدو"١ وذلك وفق وصف رواية عروة:
[٥٠] "حتى شاط في رماح القوم"٢.
إنَّ ذلك الوصف يدل على قوة اندفاع زيد - رضي الله تعالى عنه - واستماتته في القتال، مع عدم اكتراثه بقوة العدو، وكثافته العَدَدِيَّة والعُدَدِيَّة، وهو أمر يدل على فرط شجاعته وجرأته واستهانته بالموت ما دام في سبيل الله .
وكلمة (شاط) ٣ تعطي عمقاً بعيداً عن مدى شراسة الحملات التي قام بها ذلك البطل المغوار في العمق داخل صفوف العدو، وما تمزيق جسده الطَّاهر برماحهم إلاَّ نتيجة حتمية لتلك الجرأة العظيمة التي كان يتمتع بها، ويحمل بها على العدو، معطياً من نفسه القدوة الصالحة لجنده، وما ذلك إلاَّ لعلو نفسه، وقوة رباطة جأشه.
стр. 250
نعم! لَمَّا كانت نفس زيد بن حارثة الكلبي - رضي الله تعالى عنه - حِبِّ رسول الله ﷺ كبيرةً توَّاقةً للمعالي، دفَعَ جسده الطاهر الزكي الثَّمَن غالياً في أحضان رماح العدو وحرابهم١، وما كاد يسقط القائد البطل شهيداً في سبيل الله تعالى، حتَّى تلقَّف منه اللواء، ومِن ثَمَّ خلفه في القيادة - حسب أمر القائد الأعلى رسول الله ﷺ بطل آخر شاب من آل بيت النَّبيّ ﷺ موئل البطولات، وأركان الشجاعة، ولا غَرْوَ في ذلك، فهو جعفر ابن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه، ابن عمّ رسول الله ﷺ بطل الأبطال، وقائد الشجعان.
وتقدَّم البطل الشاب بفرسه يصول ويجول براية رسول الله ﷺ ، حتى إذا ما ألحمه القتال، ترجَّل عن فرسه، كما يذكر أَحَد شهود العيان:
[٥١] "والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرسٍ له شقراء، فعقرها، ثُمَّ قاتل القوم"٢، راجلاً، وهو يرتجز: