← Сира

Сира · id 11323

غزوة مؤتة والسرايا والبعوث النبوية الشمالية

بريك العمري

Полный текст (444 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بقتال غيرهم، ثُمَّ لا آمن أن يجمعوا لكم فيكونوا من ورائكم، فتكونوا بين عسكرين"١. لقد كان رأي زيد - رضي الله تعالى عنه: "المضي قُدُماً، وعدم استنْزاف قوة المسلمين في قتالٍ قد يُعيق تقدُّمهم نحو عدوّهم، وربَّما كان ذلك سبباً لوقوع المسلمين بين فكَّي كمَّاشة". وقد مرَّ بنا سابقاً في روايتي الواقدي، وابن سعد، تلك التحرُّشات العدائية التي قام بها شرحبيل بن عمرو الغساني - الذي جمع جموع العرب المتنصرة - وذلك بإرساله الطلائع لتعيق تقدم المسلمين، ولكن محاولاته باءت بالفشل الذريع، حيث قَتَل المسلمون أخاه سدوس، قائد الطليعة الأولى، مِمَّا أثار الذُّعْر والهلع في قلب شرحبيل، فتحصَّن٢".

стр. 247

المبحث الثاني: وصف المعركة المطلب الأول: تعبئة المسلمين ... المطلب الأول: تعبئة المسلمين: تحرَّك المسلمون نحو جيوش الروم، وحلفائهم من القبائل، فحصل التماس الأوَّل في تخوم البلقاء "ولكن المسلمين رأوا أنَّ منطقة قرية مؤتة، بين الكرك١ والطفيلة٢، أنسب لقبول المعركة فيها، وذلك لوجود العوارض الطبيعية التي يستطيعون التحصُّن بها، نظراً لقلَّة قوتهم بالنسبة إلى الأعداء"٣. فما "مِن شكٍّ أنَّ قوة العدو كانت أضخم كثيراً من قوة الجيش الإسلامي، وإن لم تبلغ العدد الذي ذكره الإخباريون، وكان التكافؤ منعدماً بين القوتين من حيث العدد، ومن حيث عُدَّة الحرب"٤.

стр. 248

وفي مؤتة تعبأ المسلمون، ونظَّموا صفوفهم، كما يذكر ابن إسحاق: [٤٩] "فجعلوا على ميمنتهم رجلاً من بني عذرة، يُقال له: قطبة بن قتادة١، وعلى ميسرتهم رجلاً من الأنصار، يُقال له: عباية بن مالك٢، ثُمَّ التقى الناس"٣. وقد لاحظ المسلمون تفوّق الروم وحلفائهم عليهم، ولكنَّهم لم يكترثوا بذلك٤.

стр. 249

المطلب الثاني: وصف حي لقتال القادة الثلاثة واستشهادهم: وبدأ هجوم المسلمين باندفاع قائدهم زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - بلواء رسول الله ﷺ نحو صفوف العدو "فحارب مستقتلاً مستميتاً حتَّى مزَّقته رماح العدو"١ وذلك وفق وصف رواية عروة: [٥٠] "حتى شاط في رماح القوم"٢. إنَّ ذلك الوصف يدل على قوة اندفاع زيد - رضي الله تعالى عنه - واستماتته في القتال، مع عدم اكتراثه بقوة العدو، وكثافته العَدَدِيَّة والعُدَدِيَّة، وهو أمر يدل على فرط شجاعته وجرأته واستهانته بالموت ما دام في سبيل الله . وكلمة (شاط) ٣ تعطي عمقاً بعيداً عن مدى شراسة الحملات التي قام بها ذلك البطل المغوار في العمق داخل صفوف العدو، وما تمزيق جسده الطَّاهر برماحهم إلاَّ نتيجة حتمية لتلك الجرأة العظيمة التي كان يتمتع بها، ويحمل بها على العدو، معطياً من نفسه القدوة الصالحة لجنده، وما ذلك إلاَّ لعلو نفسه، وقوة رباطة جأشه.

стр. 250

نعم! لَمَّا كانت نفس زيد بن حارثة الكلبي - رضي الله تعالى عنه - حِبِّ رسول الله ﷺ كبيرةً توَّاقةً للمعالي، دفَعَ جسده الطاهر الزكي الثَّمَن غالياً في أحضان رماح العدو وحرابهم١، وما كاد يسقط القائد البطل شهيداً في سبيل الله تعالى، حتَّى تلقَّف منه اللواء، ومِن ثَمَّ خلفه في القيادة - حسب أمر القائد الأعلى رسول الله ﷺ بطل آخر شاب من آل بيت النَّبيّ ﷺ موئل البطولات، وأركان الشجاعة، ولا غَرْوَ في ذلك، فهو جعفر ابن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه، ابن عمّ رسول الله ﷺ بطل الأبطال، وقائد الشجعان. وتقدَّم البطل الشاب بفرسه يصول ويجول براية رسول الله ﷺ ، حتى إذا ما ألحمه القتال، ترجَّل عن فرسه، كما يذكر أَحَد شهود العيان: [٥١] "والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرسٍ له شقراء، فعقرها، ثُمَّ قاتل القوم"٢، راجلاً، وهو يرتجز:

стр. 251

يا حبَّذا الجنَّة واقترابها ... طيبة وبارد شرابها والروم روم قددنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها عليَّ إذا لاقيتها ضرابها ثُمَّ اندفع يقاتل بشجاعة نادرة، وجرأة لا مثيل لها، ورباطة جأش عظيمة، والضربات تنهال عليه من كُلِّ جانبٍ ما بين طعنة رمح، وضربة سيف، ورميل نبل، دون أن تثنيه عن الاستمرار، أو تعيق تقدمه بلواء رسول الله ﷺ الذي كان يمثل رمزاً عظيماً للمسلمين في معاركهم، لأجل ذلك كان تركيز العدوّ على إسقاطها شديداً، فلمَّا أعياهم البطل جعفر - رضي الله تعالى عنه - بقوة تماسُكه، ورباطة جأشه العظيمة، ورأوا أنَّ الضربات على جسده لم تزده إلاَّ إمعاناً وتقدُّماً نحو صفوفهم، عندها حوَّلوا ضرباتهم إلى اليد العظيمة التي كانت تمسك اللواء بقوة، وتقاتل به

стр. 252

بلا هوادة، فقطعوها، وظنَّ الأعداءُ أنَّها النهاية، وأنَّ اللواء سوف يسقط، فتسقط معه معنويات المسلمين، ولكنَّ القائد العظيم تلقَّفه: [٥٢] "بشماله، فقُطِعَت، فاحتضنه بعضديه"١، ولكن "ورغم استبسال جعفر وثباته هذا، فقد انتهى صموده الرائع بأن سقط شهيداً بعد أن اعتورته سيوف الرومان، وهو يحتضن اللواء في إصرارٍ وتصميمٍ، حتَّى صعدت روحه الطاهرة، ليأخذ مكانه بين الصِّدِّيقين والشُّهداء"٢. بل بين الملائكة:

стр. 253

[٥٣] "فقد صحَّ أنَّ الله قد عوَّضه من يديه جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة١، ويأكل من ثمارها حيث شاء، فلذلك سُمِّيَ

стр. 254

..............................................................................................

стр. 255

...................................................................................................

стр. 256

الطيَّار في الجنَّة"١.

стр. 257

"ويكون أوَّل من حاز على لقب طيَّار في التاريخ الإسلامي، ويتفرَّد به دون النَّاس أجمعين"١. ولكنَّه في ذات الوقت ليس طيَّاراً عادياً، أو حتى رائد فضاء، بل طيَّاراً في الجنَّة مع الملائكة المقرَّبين، يطير مع جبريل، وميكائيل، وقد ميَّزه الله عن الملائكة بأن جعل جناحيه مضرجين، مخضوبةً قوادمه بالدماء٢. وذلك علامة على أنَّهما وسام شرف علوي مُنِحَ له مكان يديه اللتين ضحَّى بهما بإصرارٍ في سبيل الله تعالى، وهو يقاوم بقوة وعنادٍ عجيبين ألاَّ تسقط راية رسول الله ﷺ أرضاً. نعم! سقط القائد الشاب شهيداً، وفي جسده بضعٌ وتسعون ما بين طعنة ورمية، منها: [٥٤] "خمسون بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره، يعني في ظهره"٣. وفي ذلك "بيان فرط شجاعته وإقدامه"٤.

стр. 258

فلمَّا قُتِلَ جعفر، أخذ عبد الله بن رواحة الراية، ثُمَّ تقدَّم بها، وهو على فرسه، وكان لمقتل صاحبيه الواحد تلو الآخر على ذلك النحو المؤثِّر، أثره في نفسه، فيذكر ابن إسحاق بسندٍ حسنٍ عن شاهد عيان من بني مرة، أنه: [٥٥] "جعل يستنْزل نفسه ويتردَّد، بعض التردُّد، ويرتجز: أقسمت يا نفس لتنزلنَّه ... لتنزلن أو لتكرهنَّه إن أجلب الناس وشدُّوا الرنَّة١ ... مالي أراك تكرهين الجنَّة قد طال ما كنت مطمئنة ... هل أنت إلاَّ نطفة في شنَّة٢ وقال أيضاً: يا نفس إلاَّ تُقْتَلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيتِ فقد أُعْطِيتِ ... إنْ تفعلي فعلهما هُدِيتِ يريد صاحبيه زيداً، وجعفراً، ثُمَّ نزل، فلمَّا نزل أتاه ابن عم له بعرق٣ من لحم، فقال: شُدَّ بهذا صُلبك، فإنَّك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده، ثُمَّ انتهس منه نهسة٤، ثُمَّ سمع الحطمة٥ في

стр. 259

ناحية النَّاس، فقال: وأنت في الدُّنيا! ثُمَّ ألقاه من يده، ثُمَّ أخذ سيفه، فتقدَّم، فقاتل حتَّى"١. [٥٦] "طُعِنَ، فاستقبل الدم بيده، فدلك به وجهه، ثُمَّ صُرِعَ بين الصَّفين، فجعل يقول: يا معشر المسلمين، ذُبُّوا٢ عن لحم أخيكم، فجعل المسلمون يحملون حتَّى يحوزوه٣، فلم يزالوا كذلك حتَّى مات مكانه"٤. وينفي بعض المعاصرين رواية تردُّد عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه، كونها تتعارض مع موقفه قبل ذلك من تشجيعه للمسلمين لملاقاة الروم، وتحرُّقه للشهادة في سبيل الله٥. بينما يربط بعضهم هذا الموقف بما عُرِفَ من تقلبات نفسية الشُّعراء وحساسيتهم٦.

стр. 260

بينما ما حدث من عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - لا يعدو كونه أمراً طبعياً، وموقفاً من مواقف ضعف النفس البشرية يعتريها أوقات الشدة والأزمات، وهو بالتالي لا يُدلِّل على خَوَرِ عبد الله رضي الله تعالى عنه وجُبْنَه، كما يفهمه البعض من ظاهر الرواية، فذلك أمرٌ مفروغٌ منه، فعبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - مشهودٌ له بالشجاعة، والجرأة، ورباطة الجأش، وليس اختيار النَّبيّ ﷺ وهو الخبير في أصحابه - له قائداً من قوَّاد هذه الموقعة العظيمة التي كانت في عمق الأراضي الخاضعة لنفوذ الدولة البيزنطية، وبعيداً عن قاعدة المسلمين، وانتدابه له سابقاً في أقوى سراياه وبعوثه، وأصعبها مهمّة وجُرأة، وهي سرايا المغاوير، إلاَّ دليلاً من الأدلة القاطعة على ذلك. والصحابة - رضي الله تعالى عنهم، وإن كانوا مشهورين بالشجاعة والجرأة وحُب الموت في سبيل الله تعالى، فهم في النهاية ليسوا ملائكة، بل بشر يعتريهم الخوف والضَّعْف في مواطنهما، بل ربَّما مغادرة ميدان المعركة، كما حدث من بعضهم في بعض المواقع، وقد سوَّغ لهم الشرع التحيُّز إلى فئة، وعدم الاستقتال. إنَّ ما حدث من عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - أمرٌ طبعي يمكن أن يحدث لكُلِّ إنسان في مثل تلك الظروف الصعبة والمواقف المحرجة. ولكن معالجة الموقف بمثل تلك القوة، والشجاعة، ورباطة الجأش، لا تحدث من كُلِّ إنسان، فما قام به عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه، لا يقوم به إلاَّ رجال أبطال مؤمنون أمثاله، ولو كان غير ذلك لأطلَقَ لنفسه العنان، ولما استطاع مصابرتها والتغلُّب على فلتاتها.

стр. 261

وكان يمكن أن يمر ذلك الموقف دون أن يحس به أحد من الناس، ولكنَّ رجلاً شجاعاً، شاعراً، مؤمناً، مرهف الحسّ، صادقاً مع نفسه، كعبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه، لا يمكن أن يدعه يمر عليه هكذا بسهولة، دون أن يُصَوِّر أحاسيسه تجاهه تصويراً صادقاً قوياً، ويُعَبِّر عن خلجات نفسه نحوه تعبيراً دقيقاً رائعاً بصوتٍ عالٍ مرتفعٍ، استطاع معه شهود العيان، ومِن ثَمَّ الرواة تسجيله بمدادِ العزَّةِ والكرامة، لتتطلَّع عليه الأجيال الإسلامية تلو الأجيال، فتعتبر، ولعلَّه أراد ذلك فعلاً، وبالإضافة إلى ما ذكرناه، فإنَّ سند الرواية التي نقلت الخبر، ساقه ابن إسحاق بطريق حسن إلى شاهد عيان١، شارك في المعركة، وقد يعتضد بالمتابعات إلى درجةٍ أعلى، كما أنه لم يصح حديث السرير الذي ذكره ابن إسحاق بلاغاً بلا سند [٥٧] وذُكِرَ فيه أنَّ النَّبيّ ﷺ رأى في المنام أنَّ منْزلة عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - دون منْزلة صاحبيه في الجنَّة نتيجة تردُّده"٢.

стр. 262

وقد حكم عليه ابن كثير رحمه الله تعالى بالانقطاع، وعارضه بحديثٍ الصحيح١. [٥٨] كما أنَّ الأحاديث الأُخرى المماثلة، جاءت من طُرُق واهية لا يُعْتَدُّ بها٢.

стр. 263

المطلب الثالث: اشتعال المعركة بين الجيشين: هذا وقد أشعلت الحملات والاختراقات البطولية - التي قام بها القادة الثلاثة في العمق داخل صفوف العدو رغم تفوقه العَدَدِي والعُدَدِي - أشعلت حماس المسلمين جميعاً، واشتعل القتال على طول الجبهة، وأبدى المسلمون من صنوف البطولات الجماعية، والفردية، أسوة بقوَّادهم ما أذهل الروم وحلفاءَهم. [٥٩] فهذا عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - كما يذكر الأوزاعي في رواية - وفي مجلس من مجالس الأنصار في المدينة، ومعهم نفر منهم، حين نزل قول الله ﵎: ﴿إنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ . [سورة الصّفّ، الآية ٤:] . يعاهدون الله ﵎ على الجهاد في سبيله حتى الموت، فلمَّا أخذ عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - الراية، فصاح بأولئك النَّفر الذين حضروا ذلك المجلس، فتلا عليهم الآية وقال لهم: إنَّ ما كنتم عاهدتم الله عليه قد جاء مصداقه، "اصدقوا الله يصدقكم، فجاءوا يخبُّون١ كأنَّهم

стр. 264

بقر نُزِعَت من تحتها أولادها، فتقدَّموا بين يديه، فلمَّا شدَّ على الروم شدُّوا معه حتى شُدِخُوا١ جميعاً"٢. وهذا عوف بن مالك الأشجعي٣ - رضي الله تعالى عنه -، أحد شهود العيان والمشاركين في مؤتة، يُحَدّثنا عن إحدى تلك البطولات، فيقول:

стр. 265

[٦٠] "خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، فرافقني مدَدِّيُّ١ من أهل اليمن ليس معه غير سيفه، فنحر رجلٌ من المسلمين جزوراً٢، فسأله المدَدِّيُّ طائفة من جلده٣، فأعطاه إيَّاه، فاتَّخذه كهيئة الدرق٤، ومضينا، فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب، فجعل الرومي يفري٥ بالمسلمين، فقعد له المدَدِّيُّ خلف صخرة، فمرَّ به الرومي فعرقب فرسه٦، فخرَّ٧ وعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه"٨.

стр. 266

[٦١] ويتصدَّى عقيل بن أبي طالب١ - رضي الله تعالى عنه - لرجلٍ آخر فيقتله بعد مبارزةٍ بالسيوف٢. ولكن، ومع تلك البطولات التي أبداها المسلمون قُوَّاداً وأفراداً، إلاَّ أنه بمقتل عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه، آخر قائد مُعَيَّن في المعركة، انفرط عِقد المسلمين و"صار المسلمون لا قائد لهم يحفظ نظامهم"٣. "وأصبح الموقف الآن خطيراً، ومن الممكن أن يتحوَّل بسهولة إلى ما هو أسوأ، ويؤدي إلى هزيمة تامة للمسلمين"٤.

стр. 267

المطلب الرابع: تولي خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه - القيادة وانسحابه بالمسلمين: ويدرك ثابت بن أقرم، أخو بني العجلان - رضي الله تعالى عنه١ - هذه الحقيقة، فيحاول تدارك الموقف، ويحتوي خطورته قبل تفاقمها، فيخطف اللواء من يد عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - قبل أن يسقط أرضاً: [٦٢] "ثُمَّ سعى به حتى إذا كان أمام الناس ركزه، ثُمَّ قال: إليَّ أيها الناس فاجتمع إليه الناس"٢. [٦٣] "فقال: يا معشر المسلمين! اصطلحوا على رجلٍ منكم. قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد"٣ - رضي الله تعالى عنه.

стр. 268

"وثابت أبى القيادة، لا نُكُوصاً١ عن الموت، بل شعوراً بوجود الأكفأ منه في الجماعة، وحملانه الراية خشية أن تسقط من آيات الجرأة في هذا الموقف العصيب"٢. "ولقد كان خالد عند ظن أصحابه، لمعت عبقريته القتالية في لحظة الامتحان الخطير هذه، فجعل هدفه أن ينسحب بالمسلمين"٣. فقد "كانت المهمَّة الأساس المنوطة بخالد في تلك الساعة العصيبة من القتال أن ينقذ المسلمين من الهلاك الجماعي، فبعد أن قدَّر الموقف واحتمالاته المختلفة قدراً دقيقاً، ودرس ظروف المعركة درساً وافياً، وتوقع نتائجها، اقتنع بأنَّ الانسحاب بأقل خسارة ممكنة هو الحل الأفضل"٤. ولأنَّ "قتال الانسحاب شاق مرهق، وبخصاصة وأنَّ خالد لا يريد إشعار الروم بهذه الخطة"٥، "لاحتمال انقلاب الانسحاب إلى هزيمة، والهزيمة كارثة تؤدي إلى خسائر فادحة بالمنهزمين"٦. من أجل ذلك رأى القائد الذكي المحنَّك، أنه حتى يؤَمِّن انسحابه من ميدان المعركة بقوَّةٍ وانتظام، وبأقل خسائر، لا بدَّ أن يستخدم

стр. 269

أُسلوب (الهجوم أفضل وسيلة للدفاع) ، فبدأ في "تحقيق هدفه، بأن رسم خطَّةً سعى فيها إلى إيهام العدو أنَ المسلمين لازالوا في أماكنهم يقاتلون، فدفع مقدمتهم إلى مناوشة العدو"١. بينما تحرَّك ببقية الجيش، وأعاد تنظيم قوَّاته، وألَّف مؤخرة قوية لحماية الانسحاب من ميدان المعركة. "لقد كان خالد قائداً ماهراً، محرِّكاً للجيوش لا نظير له، أُلْهِمَ القيادة إلهاماً، فهو يستعين في مواقفها بكُلِّ ما عرفت الحرب من فنٍّ يستخدمه على السليقة٢، وعلى البصيرة الملهمة، فدار بالجيش دورةً ضمَّ بها صفوفه، ثُمَّ قاتل به في غير اندفاع، ومع ذلك في غير تراجع، وكان بذاته قدوةً للمسلمين"٣. يقول - رضي الله تعالى عنه - واصفاً قوَّة الانسحاب الذي نفَّذه مع المسلمين، وشِدَّة القتال، وضراوته في أثناء الانسحاب، نتيجة ضغط العدوِّ عليهم -: [٦٤] "لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلاَّ صفيحة يمانية"٤. ولمَّا رأى المسلمون ما يصنعه خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه، ازدادت حميتهم للقتال، واشتعل حماسهم، فهاجموا بعنف على طول

стр. 270

الجبهة، فالمثل الذي ضربه خالد - رضي الله تعالى عنه - لهم قد أثار الحميَّة والشجاعة في صفوف المسلمين، وازدادت المعركة عنفاً١، لدرجة أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: وهو يصف أحداث المعركة للصحابة - رضي الله تعالى عنهم - في المدينة: [٦٥] "الآن حمي الوطيس " ٢.٣. نعم! لقد حمي وطيس المعركة بين الطرفين، حتى إنَّ المسلمين نسوا ما أصابهم بفقدان قادتهم الثلاثة في بداية المعركة: [٦٦] فيندفع قطبة بن قتادة العذري، قائد ميمنة المسلمين، إلى الأمام، فيطعن مالك بن رافلة الأراشي، قائد العرب المتنصرة، حلفاء الروم في المعركة، برمحٍ مضى فيه ثُمَّ انحطم، كما وصف ذلك في شعره الذي قاله مفتخراً بقتله: طعنت ابن رافلة بن الأراشي ... برمحٍ مضى فيه ثُمَّ انحطم ضربتُ على جِيدِه ضربةً ... فمال كما مال غصن السلم٤

стр. 271

المطلب الرابع: تولى خالد بن الوليد ﵁ القيادة وانسحابه بالمسلمين ... ثُمَّ بدأ خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه - بعد ذلك عملية الانسحاب الشاملة من ميدان المعركة، عندما قامت مؤخِّرة المسلمين بقتال التعويق لإحباط مطاردة العدو للمسلمين، وإنقاذ القسم الأكبر من قوات المسلمين من التطويق١. وانتشرت المؤخِّرة على جبهةٍ واسعة، واستطاع خالد - رضي الله تعالى عنه - قطع التماس القريب مع العدوِّ، ولكنه لم يكن بعيداً عن مدى النبال، وكان تراجع المسلمين تحت حماية وابلٍ من سهام النَبَّالة الذين كان على رأسهم النبَّال الإسلامي المشهور [٦٧] "واقد بن عبد الله التميمي٢، وكان من أرمى الناس، وقد كبَّر وقال: ارفعوني على ترس٣، فرفعوه، فقال: انظروا إلى مواقع نبلي، فإن رضيتم أخبروني، فرمى المشركين حتَّى ردَّهم الله"٤.

стр. 272

وعندما تراجع المشركون "جمع خالد قوَّاته، وقطع التماس مع العدوِّ، وانسحب مع قوَّاته بعيداً إلى الخلف، وأصبح الجيشان يواجهان بعضهما خارج مدى النبال، وكان كلاهما يلتمس الراحة وإعادة التنظيم"١. ويذكر ابن الديبع الشيباني، أنَّ خالد بن الوليد - رضي الله تعالى - عنه: [٦٨] "قاتل قتالاً شديداً ودافع عن المسلمين حتى انحاز بهم إلى جبل"٢.وكانت تلك فرصة للمسلمين لدفن شهدائهم في المعركة. قال سعيد بن أبي هلال٣: [٦٩] "بلغني أنَّهم دفنوا يومئذٍ زيداً، وجعفراً، وابن رواحة في حُفْرَةٍ واحدةٍ"٤ كما تمَّ تقسيم أسلاب القتلى من العدوِّ على مقاتليهم، إلاَّ أنَّ خالداً - رضي الله تعالى عنه - استكثر سلب الرومي الذي قتله المَدَدِّيّ، فبعث إليه: [٧٠] "خالد بن الوليد، فأخذ من السلب. قال عوف: فأتيته، فقلت: يا خالد! أما علمت أنَّ رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟!.

стр. 273

الفصل السادس: نتائج المعركة المبحث الأول: نقل النبي ﷺ لأصحابه في المدينة أحداث المعركة ... المبحث الأوَّل: نقل النَّبِيّ ﷺ لأصحابه في المدينة أحداث المعركة: كُلُّ تلك الأحداث كانت تجري على أرض المعركة بعيداً في مؤتة، ورسول الله ﷺ ينقلها بتفاصيلها أولاً بأوَّل مباشرةً لمن كان بالمدينة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم: [٧٣] "فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثُمَّ أخذ جعفر فأُصيب، ثُمَّ أخذ ابن رواحة فأُصيب - وعيناه تذرفان - حتَّى أخذ الراية سيفٌ من سيوف الله، حتَّى فتح الله عليهم"١. وفي حديث أبي قتادة: [٧٤] "ثُمَّ أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأُمراء، هو أمَّر نفسه، ثُمَّ قال رسول الله ﷺ : اللَّهُمَّ إنه سيفٌ من سيوفك فأنت تنصره، فَمِن يومئذٍ سُمِّيَ سيف الله"٢. وتلك كانت معجزة نبوية، أطلع الله من خلالها رسوله الكريم ﷺ على أحداث المعركة، وهو على بُعْد آلاف الكيلومترات عنها عياناً، وكأنه حاضرٌ معهم. يذكر موسى بن عقبة في روايته أنَّ رسول الله ﷺ قال: [٧٥] "إنَّ الله ﵎ رفع لي الأرض، حتَّى رأيت معتركهم"٣.

стр. 274

وإذا كانت هذه الرواية فيها بعض الضَّعف باعتبار أنَّها مرسلة، فهناك بعض الوقائع المماثلة التي قد تؤيد وقوعها، فهذه المعجزة نظير ما وقع في قصَّة الإسراء، حيث قال النَّبِيُّ ﷺ : [٧٦] "لَمَّا كذَّبتني قريش قمت في الحِجْر، فجلَّى الله ليَ بيت المقدس، فطفقت أُخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه"١.

стр. 275

المبحث الثاني: تحرُّك النَّبِيّ ﷺ بالمسلمين سريعاً لإمداد أهل مؤتة: كان الروم وحلفاؤهم قد أحجموا عن مطاردة المسلمين نتيجة تلك المناورة الذكية التي قام بها خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه - في ميدان المعركة، ولكنَّ الذي زادهم إحجاماً ورعباً، تلك المناورة الأذكى من مبتكر المناورات الذكية الذي سمَّى: [٧٧] "الحربَ خدعة"١. القائد الأعلى للقوات الإسلامية، رسول الله ﷺ ، الذي ما أن وصله الخبر مباشرةً عن أحداث المعركة بواسطة الوحي الإلهي، حتَّى أمر المسلمين في المدينة - بعد أن قصَّ عليهم الخبر - كما أسلفنا - بالتحرُّك سريعاً لإمداد المسلمين في مؤتة، حيث قال - كما في حديث أبي قتادة ﵁: [٧٨] "انفروا، فأمدُّوا إخوانكم ولا يتخلَّفَنَّ منكم أَحَد، فنفروا في حَرٍّ شديدٍ، مشاةً وركبانا، وذلك في حَرٍّ شديدٍ"٢. وإذا كان خبر تحرُّك المسلمين سابقاً من المدينة نحو مؤتة، قد وصل إلى مسامع الروم وحلفائهم بسرعة فائقة، مكَّنتهم من الاستعداد لهم

стр. 276

المبحث الثالث: شهداء المسلمين في المعركة، وقتلى العدو: وهكذا أُسدِل الستار على تلك المعركة العظيمة، وفقد المسلمون من رجالهم بضعة عشر شهيداً، بالإضافة إلى القادة الثلاثة - رضي الله تعالى عنهم - أجمعين. هذا وقد اختلفت المصادر في تسمية بعضهم، بينما اتَّفقت في تسمية الأغلبية منهم، وهذه تسمية مَن اتَّفق عليه أصحاب المغازي منهم: من قريش، ثُمَّ من بني هاشم: جعفر بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه، ثُمَّ زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه. ومن بني عدي بن كعب: مسعود بن الأسود بن حارثة بن نضلة - رضي الله تعالى عنه. ومن بني عامر بن لؤي، ثُمَّ من بني مالك بن حسيل: وهب بن سعد بن أبي السرح - رضي الله تعالى عنه. ومن الأنصار، ثُمَّ من بني الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه، وعباد بن قيس - رضي الله تعالى عنه. ومن بني مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء - رضي الله تعالى عنه. ومن بني غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن أسامة بن نضلة بن عبد عوف - رضي الله تعالى عنه ١.

стр. 277

هؤلاء هم الذين اتفق عليهم أهل المغازي، أمَّا المختلف فيهم فهم كالتالي: زاد ابن هشام، نقلاً عن ابن شهاب الزهري: أبا كليب، أو كلاب، وأخاه جابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول، وهما لأب وأم. وهما من بني مازن بن النجار. ومن بني مالك بن أفصى: عمرو، وعامر ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعيد بن عامر بن ثعلبة١. وزاد موسى بن عقبة٢، وابن سعد٣، وابن الكلبي٤، والزبير بن بكار٥: هبار بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي٦.

стр. 278

وزاد موسى بن عقبة أيضاً: عبد الله بن الربيع الأنصاري. ومن بني رزيق: معاذ بن ماعص. وقال الشامي: ووقع في نسخة من مغازي موسى بن عقبة: أنَّ الذي استشهد بمؤتة، أخاه عبَّاد١. وزاد ابن سعد، والعدوي، وابن جرير الطبري٢: زيد بن عبيد بن المعلَّى الأنصاري٣. [٨٠] وزاد ابن إسحاق، كما في الإصابة، وجزم به في الزَّهر٤: عبد الله بن سعيد بن العاص بن أُمية٥. [٨١] وزاد البلاذري، والكلبي: الهوبجة بن بجير بن عامر بن سفيان بن أُسيد بن زائدة بن حصين، الضبِّي٦. "أمَّا العدو فلا توجد معلومات عن مقدار خسارته، ولكنَّها لا شكَّ كانت جسيمة، لأنَّ كُلَّ قائدٍ من قادة المسلمين الذين تولَّوا القيادة

стр. 279

المبحث الرابع: الخلاف في نتيجة المعركة: اختلف أهل المغازي حول نتيجة مؤتة اختلافاً كبيراً، وثمرة هذا الخلاف ثلاثة أقوال: [٨٣] القول الأوَّل: إنَّ المسلمين هَزموا الروم هزيمة منكرة في مؤتة. وهذا القول أشار إليه الزهري، فيما رواه عنه الطبراني١، ونقله عنه ابن هشام بلاغاً٢، وهو اختيار موسى بن عقبة٣، ورواه ابن عائذ بسنده عن العطَّاف بن خالد٤، ورجَّحه البيهقي٥، وابن كثير٦.

стр. 280

٨٤] القول الثاني: إنَّ الروم هم الذين هَزموا المسلمين. وجزم به الواقدي١، وكاتبه ابن سعد٢، وقال به طائفة من المستشرقين٣، ومن تبعهم من المستغربين وغيرهم من بعض الباحثين

стр. 281

[المعاصرين١. [٨٥] القول الثالث: انسحاب خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه بالمسلمين - بعد تولِّيه القيادة - من ميدان المعركة بعد قتالٍ قويّ ومرير، ثُمَّ إحجام الروم عن مهاجمة المسلمين بعد خطَّته الإيهامية الذكية بتغييره مراكز الجيش، ومِن ثَمَّ انسحاب كُلّ طرف عن الآخر دون قتال. وهذا القول وردت به رواية حسنة إلى شاهد عيان من المعركة٢، وهو اختيار محمَّد بن إسحاق٣، ورواه ابن عائذ بسنده عن

стр. 282

رجلٍ من بني سلامان١، وابن عبد البر٢، وابن حزم٣، وابن سَيّد النَّاس٤، ورجَّحه ابن القيم٥، واعتمده معظم المؤرِّخين المعاصرين. وهذا القول وسط بين القولين السابقين، وهو الراجح فيما يبدو لي لعدَّة اعتبارات، فهو قول غالبية أهل المغازي كما رأينا. كما أنَّ القول بهزيمة المسلمين غير صحيح لثلاثة أُمور: أولاً: الروايات في ذلك ضعيفة، فهي عن الواقدي، وتلميذه ابن سعد الذي يعدّ في غالب الظَّن ناقلاً عن شيخه، والواقدي متروك خاصّةً إذا انفرد. ورواية أبي موسى التي ذكرها ابن سعد ضعيفة أيضاً. ثانياً: مخالفة هذه الروايات لرواية الصحيح، وقول النَّبيّ ﷺ فيه: ففتح الله عليهم. ثالثاً: قلة قتلى المسلمين في المعركة، وعدم وقوع أسرى منهم في أيدي العدو، وكل ذلك يخالف ما يكون عليه المنهزم عادةً في المعركة. أيضاً القول بهزيمة الروم وحلفائهم في المعركة، غير صحيح، لثلاثة أسباب:

стр. 283

أولاً: لو أنَّ المسلمين هَزموا الروم وحلفاءهم في مؤتة، لاشتهر ذلك، وذاع صيته، ولتواتر تواتراً يُؤمن بجانبه الكذب، وبخاصّةً أنَّ أوَّل مواجهة قتالية بين المسلمين والروم كما كانت بدر أوَّل مواجهة قتالية بين المسلمين والمشركين، وقد تواترت نتيجتها، وذاع صيتها، وبلغ صداها أرجاء الجزيرة العربية. ثانياً: وقوع عدد كبير من الأسرى في أيدي المسلمين، وذلك ما لم تذكره الروايات. ثالثاً: طرد الروم وحلفائهم من المناطق التي كانت خاضعة لسلطانهم في منطقة مؤتة، وما حولها، وإخضاعها لنفوذ المسلمين، وذلك لم يحدث، حيث استمر الروم وحلفاؤهم في المنطقة يُشَكِّلون تهديداً للمسلمين، بدليل بَعْث النَّبِيِّ ﷺ سرايا وبُعُوث إلى تلك المنطقة بعد مؤتة، ثُمَّ مسيره ﷺ بنفسه على رأس جيش العُسْرة إلى تبوك. إذاً القول الراجح: هو أنَّ سيف الله المسلول، خالد بن الوليد ﵁ قام "بعملية انسحاب بارعة دلَّت على مهارته الحربية الفائقة"١. ولقد "كانت عملية التراجع والانسحاب التي قام بها خالد بن الوليد في أثناء معركة مؤتة من أكثر العمليات في التاريخ العسكري مهارةً ونجاحاً"٢.

стр. 284

"ومثل هذا التدبير من خالد، ليس بالعمل الميسور الذي يستطيعه كُلّ قائد، بل هو عمل عظيم جسيم يتطلَّب مهارةً وحزماً، ورباطة جأش، وثقةً بنصر الله، وكثيراً ما عرف التاريخ قُوَّاداً عِظاماً كان السر في شهرتهم إنجاء جيوشهم من مثل هذا الموقف الحرج الذي لو اختلَّ أقل تدبير فيه لفني الجيش"١، ولكن خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه - كان له قصب السِّبْق في ذلك، فعلى الرغم من ضغط القوَّات المتحالفة على المسلمين بشدَّة، وكثرة كاثرة، استطاع ذلك البطل أن ينظم انسحاباً قوياً ناجحاً دون أدنى خسائر تُذْكَر، مع الإثخان في العدو، وهو أمر يخالف ما جرت به العادة من أنَّ المنسحِب هو الذي في الغالب يتكبَّد الخسائر، فلمَّا صار العكس وأفلت خالد - رضي الله تعالى عنه - بجيشه من قبضة العدوّ رغم تشديدهم الضغط عليهم، اعتبره المصطفى ﷺ فتحاً، بل نصراً مؤزَّراً، استحق عليه اللقب الذي قلَّده إياه القائد الأعلى للقوَّات الإسلامية، وهو الذي شاهد أحداث المعركة عِياناً بواسطة النقل الإلهي. "ولقد عرف له الرسولُ ﷺ حسن تدبيره"٢، "ونجاحه في الانسحاب بجيشه بانتظام دونما خسارة تذكر"٣، "فلقَّبه سيف الله وهو وسام لم يمنحه أحَد من الصحابة"٤، "بل هو أوَّل وسام يمنح لقائد في

стр. 285

تاريخ الإسلام"١، بل في التاريخ البشري عامة، "ولعلَّ الرسولَ ﷺ كان أسبق من غيره، في تقدير القوَّاد العِظام"٢. "ولعمري مهما أجاد الإنسان في وصفه ومدحه، فلن يصفه بأحسن ولا بأوفى مِمَّا وصفه به رسولُ الله ﷺ "٣. لقد "مضى خالد بلقب سيف الله في مؤتة، والذين يدَّعون ذلك كثيرون، أمَّا الذي يملك الشهادة من رسولِ الله ﷺ وحده في الدُّنيا هو خالد بن الوليد"٤. أخرج الحاكم، وصحَّحه، عن الشعبي، عن عبد الله بن أبي أوفى: "أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: لا تُؤذوا خالداً، فإنه سيفٌ من سيوفِ الله صبَّه على الكُفَّار"٥. "إنَّ الجماعة المسلمة بحاجةٍ أنْ تُفْقَه معادن الرجال، وتضع الرجال في مواضعهم وهي تخوض معركتها مع العدوّ"٦.
следующие страницы →