[المعاصرين١.
[٨٥] القول الثالث: انسحاب خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه بالمسلمين - بعد تولِّيه القيادة - من ميدان المعركة بعد قتالٍ قويّ ومرير، ثُمَّ إحجام الروم عن مهاجمة المسلمين بعد خطَّته الإيهامية الذكية بتغييره مراكز الجيش، ومِن ثَمَّ انسحاب كُلّ طرف عن الآخر دون قتال.
وهذا القول وردت به رواية حسنة إلى شاهد عيان من المعركة٢، وهو اختيار محمَّد بن إسحاق٣، ورواه ابن عائذ بسنده عن
стр. 282
رجلٍ من بني سلامان١، وابن عبد البر٢، وابن حزم٣، وابن سَيّد النَّاس٤، ورجَّحه ابن القيم٥، واعتمده معظم المؤرِّخين المعاصرين. وهذا القول وسط بين القولين السابقين، وهو الراجح فيما يبدو لي لعدَّة اعتبارات، فهو قول غالبية أهل المغازي كما رأينا.
كما أنَّ القول بهزيمة المسلمين غير صحيح لثلاثة أُمور:
أولاً: الروايات في ذلك ضعيفة، فهي عن الواقدي، وتلميذه ابن سعد الذي يعدّ في غالب الظَّن ناقلاً عن شيخه، والواقدي متروك خاصّةً إذا انفرد. ورواية أبي موسى التي ذكرها ابن سعد ضعيفة أيضاً.
ثانياً: مخالفة هذه الروايات لرواية الصحيح، وقول النَّبيّ ﷺ فيه: ففتح الله عليهم.
ثالثاً: قلة قتلى المسلمين في المعركة، وعدم وقوع أسرى منهم في أيدي العدو، وكل ذلك يخالف ما يكون عليه المنهزم عادةً في المعركة.
أيضاً القول بهزيمة الروم وحلفائهم في المعركة، غير صحيح، لثلاثة أسباب:
стр. 283
أولاً: لو أنَّ المسلمين هَزموا الروم وحلفاءهم في مؤتة، لاشتهر ذلك، وذاع صيته، ولتواتر تواتراً يُؤمن بجانبه الكذب، وبخاصّةً أنَّ أوَّل مواجهة قتالية بين المسلمين والروم كما كانت بدر أوَّل مواجهة قتالية بين المسلمين والمشركين، وقد تواترت نتيجتها، وذاع صيتها، وبلغ صداها أرجاء الجزيرة العربية.
ثانياً: وقوع عدد كبير من الأسرى في أيدي المسلمين، وذلك ما لم تذكره الروايات.
ثالثاً: طرد الروم وحلفائهم من المناطق التي كانت خاضعة لسلطانهم في منطقة مؤتة، وما حولها، وإخضاعها لنفوذ المسلمين، وذلك لم يحدث، حيث استمر الروم وحلفاؤهم في المنطقة يُشَكِّلون تهديداً للمسلمين، بدليل بَعْث النَّبِيِّ ﷺ سرايا وبُعُوث إلى تلك المنطقة بعد مؤتة، ثُمَّ مسيره ﷺ بنفسه على رأس جيش العُسْرة إلى تبوك.
إذاً القول الراجح: هو أنَّ سيف الله المسلول، خالد بن الوليد ﵁ قام "بعملية انسحاب بارعة دلَّت على مهارته الحربية الفائقة"١.
ولقد "كانت عملية التراجع والانسحاب التي قام بها خالد بن الوليد في أثناء معركة مؤتة من أكثر العمليات في التاريخ العسكري مهارةً ونجاحاً"٢.
стр. 284
"ومثل هذا التدبير من خالد، ليس بالعمل الميسور الذي يستطيعه كُلّ قائد، بل هو عمل عظيم جسيم يتطلَّب مهارةً وحزماً، ورباطة جأش، وثقةً بنصر الله، وكثيراً ما عرف التاريخ قُوَّاداً عِظاماً كان السر في شهرتهم إنجاء جيوشهم من مثل هذا الموقف الحرج الذي لو اختلَّ أقل تدبير فيه لفني الجيش"١، ولكن خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه - كان له قصب السِّبْق في ذلك، فعلى الرغم من ضغط القوَّات المتحالفة على المسلمين بشدَّة، وكثرة كاثرة، استطاع ذلك البطل أن ينظم انسحاباً قوياً ناجحاً دون أدنى خسائر تُذْكَر، مع الإثخان في العدو، وهو أمر يخالف ما جرت به العادة من أنَّ المنسحِب هو الذي في الغالب يتكبَّد الخسائر، فلمَّا صار العكس وأفلت خالد - رضي الله تعالى عنه - بجيشه من قبضة العدوّ رغم تشديدهم الضغط عليهم، اعتبره المصطفى ﷺ فتحاً، بل نصراً مؤزَّراً، استحق عليه اللقب الذي قلَّده إياه القائد الأعلى للقوَّات الإسلامية، وهو الذي شاهد أحداث المعركة عِياناً بواسطة النقل الإلهي.
"ولقد عرف له الرسولُ ﷺ حسن تدبيره"٢، "ونجاحه في الانسحاب بجيشه بانتظام دونما خسارة تذكر"٣، "فلقَّبه سيف الله وهو وسام لم يمنحه أحَد من الصحابة"٤، "بل هو أوَّل وسام يمنح لقائد في
стр. 285
تاريخ الإسلام"١، بل في التاريخ البشري عامة، "ولعلَّ الرسولَ ﷺ كان أسبق من غيره، في تقدير القوَّاد العِظام"٢. "ولعمري مهما أجاد الإنسان في وصفه ومدحه، فلن يصفه بأحسن ولا بأوفى مِمَّا وصفه به رسولُ الله ﷺ "٣.
لقد "مضى خالد بلقب سيف الله في مؤتة، والذين يدَّعون ذلك كثيرون، أمَّا الذي يملك الشهادة من رسولِ الله ﷺ وحده في الدُّنيا هو خالد بن الوليد"٤. أخرج الحاكم، وصحَّحه، عن الشعبي، عن عبد الله بن أبي أوفى: "أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: لا تُؤذوا خالداً، فإنه سيفٌ من سيوفِ الله صبَّه على الكُفَّار"٥.
"إنَّ الجماعة المسلمة بحاجةٍ أنْ تُفْقَه معادن الرجال، وتضع الرجال في مواضعهم وهي تخوض معركتها مع العدوّ"٦.
стр. 286
المبحث الخامس: ردة فعل أهل المدينة لنتيجة المعركة:
"لقد صمد المسلمون في معركة مؤتة صموداً هو أروع ما يصنع الإيمان الصادق، وقد دفع المسلمون الثمن غالياً دونما شك، تمثَّل هذا الثمن الغالي بصورةٍ رئيسية في مصرع قادة الجيش الرئيسيين الثلاثة، الواحد بعد الآخر، وبأُسلوبٍ تمثَّلت فيه أرقى معاني البطولة، واسترخاص الأرواح في سبيل الله"١.
وهذا رسولُ الله ﷺ يصف بطولتهم، واسترخاصهم أرواحهم في سبيل الله، ومدى غبطتهم وسرورهم بمصيرهم بما "رأوا من فضل الشهادة"٢ بقوله:
[٨٦] "وما يسرهم أنَّهم عندنا"٣.
"إنَّ روعة المقاومة الإسلامية في معركة مؤتة التاريخية، والتي يسرت للمسلمين انسحاباً منظَّماً مشرفاً بعد ذلك الصدام الهائل، انسحاباً يمثِّل في واقعه أعلى درجات الانتصار بالنسبة لظروف المعركة الصعبة"٤.
وتكفينا هنا شهادة رسول الله ﷺ الذي وصف ذلك الانسحاب القوي بالفتح والدلالة التي تعلو على الريب في هذه المعركة.
стр. 287
إنَّ شجاعة المسلمين وبسالتهم بلغتا حداً كبيراً، وقد أكسبهم هذا الروح العالي إقداماً حقَّر أمامهم كبرياء الأُمم التي عاشت مع التاريخ دهراً تصول وتجول لا يوقفها شيء١.
"إنَّ الاستهتار بالخطر، والطيران إلى الموت ليس فروسية احتكرها الرجال المقاتلون وحدهم، بل هي قوَّة غامرة قاهرة تعدَّت الرجال إلى الأطفال، فأصبحت الأمة كلها أُمة كفاح غالٍ عزيز، وحسبك أنَّ جيش مؤتة لَمَّا عاد إلى المدينة قابله الصبيان بصيحات الاستنكار، يقولون: يا فُرَّار، فررتم في سبيل الله؟! إنَّ أولئك الصِّغار الأغرار يرون انسحاب خالد ومَن معه فِراراً يُقابل بحثو التراب.
أي جيل قوي نابه هذا الجيل الذي صنعه الإيمان بالحق؟!.. أي نجاح بلغته رسالة الإسلام في صياغة أولئك الأطفال العظام؟!.. مَن آباؤهم؟!.. مَن أُمَّهاتهم؟!.. كيف كان الآباء يُرَبُّون؟!.. وكيف كانت الأمَّهات يُدَلِّلْن؟!.. إنَّ مسلمة اليوم بحاجة ماسّة إلى أن تعرف هذه الدروس"٢.
"وحين ترتفع الوتيرة الإيمانية لدى الفتيان الناشئين في الجيل الإسلامي إلى هذا المستوى، فلا شك أنَّ هذا التغيير هو الكفيل بتغيير حال المسلمين ﴿إنَّ الله لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِم﴾ ، [سورة الرعد: الآية: ١١] "٣.
стр. 288
وتعيير أهل مؤتة بالفُرَّار لم يكن من الصبيان وحدهم، بل تعدَّاهم
إلى بقية النَّاس مِمَّن لم يخرج، وبقي في المدينة مع رسول الله ﷺ ، فقد "استنكر المسلمون على الجيش أن يعود من غير أن ينتصر، وعيَّروا رجاله حتى أحرجوا بعضهم"١.
أخرج الحاكم بسندٍ صحيحٍ عن أُمِّ سلمة - رضي الله تعالى عنها -:
[٨٧] " أنَّها قالت لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة: ما لي لا أرى سلمة يحضر الصَّلاة مع رسول الله ﷺ ، ومع المسلمين؟ قالت: والله ما يستطيع أن يخرج، كُلَّما خرج صاح به النَّاس: يا فُرَّار، أفررتم في سبيل الله ! حتَّى قعد في بيته فما يخرج، وكان في غزوة مؤتة مع خالد بن الوليد"٢.
وفي اللحظة المناسبة، يتدخَّل القائدُ البصيرُ المُحَنَّك الذي يدرك معنى النَّصر الحقيقي، ويدرك ظروف وملابسات معركة مؤتة، وما أبداه المسلمون فيها من بسالةٍ، وبطولاتٍ حقيقيةٍ أذهلت أعداءهم.
стр. 289
ويدرك ما قام به خالد والمسلمون من تنظيم انسحابٍ رائعٍ ومنظَّمٍ. يتدخَّل رسولُ الله ﷺ بقوةْ ليرُدَّ عن الجيش البطل الشجاع، ويرُدَّ على تعيير أهل المدينة لهم بالفُرَّار قائلاً:
[٨٨] "ليسوا بالفُرَّار، ولكنَّهم الكُرَّار إن شاء الله تعالى"١.
ويأمر سلمة وغيره مِمَّن تحرَّج من تعيير المسلمين بالخروج إلى الصَّلاة دون حرج، ودون وجل، فهم أبطال كُرَّار على العدوِّ إن شاء الله تعالى، وليسوا فُرَّاراً.
وحتَّى يُرَسِّخ هذه الحقيقة في نفوس الجميع، اجتمع رسولُ الله ﷺ مع الجيش وقائده البطل خالد بن الوليد ﵁، فقام عوف بن مالك الأشجعي ﵁، فقصَّ على النَّبيِّ ﷺ :
[٨٩] "قصة المددي، وما فعل خالد. فقال رسولُ الله ﷺ : "يا خالد! ما حملك على ما صنعت؟ " قال: يا رسول الله! لقد استكثرته. فقال رسولُ الله ﷺ : "يا خالد! رُدَّ عليه ما أخذت منه". قال عوف: فقلت له: دونك يا خالد، ألم أفِ لك؟ فقال رسولُ الله ﷺ : وما ذلك؟ فأخبرته. فغضب رسولُ الله ﷺ : "٢.
[٩٠] "فقال: لا تعطه يا خالد! هل أنتم تاركون لي أُمرائي؟ إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجلٍ استرعى إبلاً وغنماً فرعاها ثُمَّ تحيَّن سقيها، فأوردها حوضاً فشرعت فيه، فشربت صفوه وتركت كدره، فصفْوُهُ لكم، وكَدَره عليهم"٣.
стр. 290
المبحث السادس: حزن النَّبِيِّ ﷺ وأصحابه على قتلى مؤتة:
وهكذا دافع النَّبيّ ﷺ عن خالد وأصحابه، وكرَّمهم في أكثر من مناسبة، ولكنَّه مع ذلك قد وَجِدَ على مَن استشهد منهم، فكما رأينا سابقاً كيف وَصَفَ للنَّاس حادث استشهادهم، وعيناه تذرفان بأبي هو وأُمِّي، - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
كذلك تُحَدِّثنا أُم المؤمنين، أم عبد الله، عائشة - رضي الله تعالى عنها - فتقول:
[٩١] "لَمَّا جاء قتل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، ﵃، جلس رسول الله ﷺ يُعْرَفُ فيه الحُزْن، قالت عائشة: وأنا أطَّلِع من صائر الباب - تعني مِن شِقّ الباب - فأتاه رجل، فقال: إي رسول الله! إنَّ نساء جعفر١.. وذكر بكاءهُنَّ، فأمره أن ينهاهُنَّ ... "٢.
ثُمَّ إنَّ رسولَ الله ﷺ أمر أهله، فقال:
[٩٢] "اصنعوا لأهل جعفر طعاماً فإنَّهم قد جاءهم ما يشغلهم"٣.
المبحث السادس: حزن النبي ﷺ وأصحابه على قتلى مؤتة
...
قال عبد الله بن جعفر ﵄:
[٩٣] "ثُمَّ أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ثُمَّ قال: ائتوني ببني أخي، فجيء بنا، كأنَّا أفراخ١، فقال: ادعوا إليَّ الحلاَّق، فجيء بالحلاَّق فحلق رؤوسنا، ثُمَّ قال: أمَّا مُحَمَّدٌ فشبيه عمنا أبي طالب، وأمَّا عبد الله فشبيه خَلْقِي وخُلُقي، ثُمَّ أخذ بيدي فأشالها٢، فقال: اللَّهُمَّ اخلف جعفراً في
стр. 293
الفصل السابع: الأحكام المستنبطة والدروس المستفادة من الغزوة
المبحث الأول: الأحكام المستنبطة
...
المبحث الأوّل: الأحكام المستنبطة:
قال ابن حجر: "وفي الحديث جواز تعليق الإمارة بشرط"١".
وقال العامري، قال في التوشيح: "يؤخذ منه جواز ولاية الوظائف تعليقاً، وهو دليلٌ قويٌّ جداً٢".
وقال ابن حجر: "وفيه جواز تولية عدّة أمراء بالترتيب، وقد اختلف: "أتنعقد الولاية الثانية في الحال أم لا؟ والذي يظهر أنها في الحال تنعقد، ولكن بشرط الترتيب". وقيل: "تنعقد للأول فقط، وأما الثاني فبطريق الاختيار". واختيار، الإمام مقدم على غيره لأنه أعرف بالمصلحة العامّة٣".
وفيه جواز التأمّر في الحرب بغير تأمير. قال البيهقي: "وفيه دلالة على أنّ الناس إذا لم يكن عليهم أمير، ولا خليفة أمير، فقام بإمارتهم مَنْ هو صالح للإمارة، وانقادوا له، انعقدت ولايته٤".
وذكر البغوي - نقلاً عن الخطّابي: "أنّ خالد بن الوليد تأمّر عليهم بعد ما أصيب الأمراء، من غير تأمير من النبيّ ﷺ لمكان الضرورة، وذلك أنه نظر فإذا هو في ثغر مخوف لم يأمن فيه ضياع المسلمين، فأخذ
стр. 294
الراية، وتولّى أمر المسلمين، ورضيه رسول الله ﷺ ، فصار هذا أصلاً في كلّ أمر حدث ممّا سبيله أن يتولاّه الأئمّة، ولم يشهدوه، وخيف عليه الضياع، إنّ القيام به واجبٌ على من شهده من جماعة المسلمين، وإن لم يتقدّم منهم في ذلك، وكذلك إن وقع ذلك في واحدٍ خاصٍّ، نحو أن يموت رجلٌ بفلاة، فإنّ على من شهده حفظ ماله وإيصاله إلى أهله، وإن لم يوص به، كما يجب تكفينه وتجهيزه، لأنّ أمر الدّين على التّعاون والتّناصح١".
وفيه جواز الاجتهاد في زمن النّبيّ ﷺ ٢".
وفيه فضيلة ظاهرة لخالد بن الوليد ﵁، حيث سمّاه رسول الله ﷺ ، سيف الله، ولم يزل يعرف بهذا الاسم فيما بعد٣".
أمّا عقر جعفر - رضي الله تعالى عنه - لفرسه، فاختلف في حكمه، فقد علّق أبو داود على حديث عقر جعفر - رضي الله تعالى عنه - لفرسه في المعركة بقوله: "ليس هذا الحديث بالقوي٤، وقد جاء نهي كثير من أصحاب رسول الله ﷺ عن تعذيب البهائم وقتلها عبثاً٥".
стр. 295
قال السّهيلي: "وأمّا عقر جعفر فرسه، ولم يعب ذلك عليه أحد، فدلّ على جواز ذلك إذا خيف أن يأخذها العدو، فيقاتل عليها المسلمين، فلم يدخل هذا في باب النهي عن تعذيب البهائم وقتلها١".
وقال الشامي: "واختلف العلماء في الفرس يعقره صاحبه لئلاً يظفر به العدوّ، فرخّص فيه مالك، وكره ذلك الأوزاعي، والشافعي واحتجّ الشافعي بحديث النبي ﷺ : "من قتل عصفوراً فما فوقه بغير حقّه، يسأله الله تعالى عن قتله".
واحتجّ بنهيه ﷺ عن قتل الحيوان إلاّ لمأكله، قال: "وأمّا أن يعقر الفرس من المشركين فله ذلك، لأن ذلك أمر يجد به السبيل إلى قتل مَن أمر بقتله٢".
وقال ابن كثير: "وقد استدل من جواز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به العدوّ - كما يقول أبو حنيفة - في الأغنام إذا لم تتبع في السير، ويُخشى من لحوق العدوّ وانتفاعهم بها أنّها تُذبح وتحرق ليُحال بينهم وبين ذلك". والله أعلم٣".
وقال ابن قدامة: "ويقوى عندي أنّ ما عجز المسلمون عن سياقه وأخذه، إن كان مِمَّا يستعين به الكُفّار في القتال، كالخيل، جاز عقره وإتلافه، لأنّه مِمَّا يحرم إيصاله إلى الكُفّار بالبيع، فتركه لهم بغير عِوَض أولى
стр. 296
بالتحريم، وإن كان مِمَّا يصلح للأكل فللمسلمين ذبحه والأكل منه مع الحاجة وعدمها، وما عدا هذين القسمين لا يجوز إتلافه؛ لأنّه مجرّد إفساد وإتلاف، وقد نهى النبيّ ﷺ عن ذبح الحيوان لغير مأكله١".
وفي الحديث: "الحكم باستشهاد القادة الثلاثة - رضي الله تعالى عنهم، فهم مِمَّن يقطع لهم بالجنّة، وذلك بشهادة رسول الله ﷺ لهم، وذكر ذلك ابن كثير٢".
وفي حديث الجناحين اللذين أثابهما الله جعفراً ﵁ عنه بدلاً من يديه اللتين قُطِعَتا، اختلف في معنى الجناحين، أهما على الحقيقة أم لا؟ ".
قال ابن حجر: "روى النسفي عن البخاري أنه يقال لكلّ ذي ناحيتين جناحان، وأنّه أشار إلى أنّ الجناحين في هذه القصّة ليسا على ظاهرهما٣".
وقال السهيلي: "وممّا ينبغي الوقوف عليه في معنى الجناحين أنّهما ليسا كما يسبق إلى الوهم على مثل جناحي الطّائر وريشه، لأنّ الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها، وفي قوله ﵇:"إنّ الله خلق آدم على صورته"، تشريف له عظيم، وحاشا لله من التّشبيه والتّمثيل، ولكنها عبارة عن صفة ملكية، وقوة روحانية، أعطيها جعفر كما أعطيتها
стр. 297
الملائكة، وقد قال الله تعالى لموسى: ﴿اضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جِنَاحِكَ﴾ [سورة طَه، الآية: ٢] . فعبّر عن العضد بالجناح توسعاً، وليس ثَمَّ طيران، فكيف بمن أعطي القوة على الطيران مع الملائكة أخليق إذاً أن يوصف بالجناح مع كمال الصّورة الآدمية، وتمام الجوارح البشريّة، وقد قال أهل العلم في أجنحة الملائكة: "ليست كما يتوهم من أجنحة الطير، ولكنّها صفات ملكية لا تفهم إلاّ بالمعاينة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاع﴾ . [سورة فاطر، الآية: ١] . فكيف تكون كأجنحة الطير على هذا، ولم ير طائر له ثلاثة أجنحة ولا أربعة، فكيف بستمائة جناح كما في صفة جبريل ﵇، فدلّ على أنّها صفات لا تنضبط كيفيتها للفكر، ولا ورد - أيضاً - في بيانها خبر، فيجب علينا الإيمان بها، ولا يفيدنا علماً إعمال الفكر في كيفيتها، وكلّ امرئ قريب من معاينة ذلك١".
قال ابن حجر: "هذا الذي جزم به في مقام المنع، والذي نقله عن العلماء، ليس صريحاً في الدلالة لما ادعاه، ولا مانع من الحمل على الظاهر إلاّ من جهة ما ذكره من المعهود، وهو من قياس الغائب على الشاهد، وهو ضعيف، وكون الصورة البشرية أشرف الصور لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره، لأنّ الصورة باقية، وقد روى البيهقي في الدلالة من مرسل عاصم ابن عمر بن قتادة: "أنّ جناحي جعفر من ياقوت، وجاء في جناحي جبريل أنهما من لؤلؤ، أخرجه ابن منده في ترجمة ورقة٢".
стр. 298
وفي حديث المدديّ، وقصَّته مع خالد ﵁، من الفقه، كما ذكر الخطابي: "أنَّ الفَرَس مِن السَّلْب، وأنّ السَّلْبَ قليلاً كان أو كثيراً؛ فإنّه للقاتل لا يُخَمَّس، ألا ترى أنّه أمر خالداً بردّه عليه مع استكثاره إيَّاه، وإنَّما كان ردّه إلى خالد بعد الأمر الأوّل بإعطائه القاتل نوعاً من النكير على عوف١، وردعاً له وزجراً لئلاَّ يتجرأ الناس على الأئمة، ولئلاَّ يتسرعوا إلى الوقيعة فيهم، وكان خالد مجتهداً في صنيعه ذلك، إذ كان قد استكثر السَّلْبَ، فأمضى له رسول الله ﷺ اجتهاده لِمَا رأى في ذلك من المصلحة العامّة بعد أن كان خطَّأَه في الرأي الأوّل، والأمر الخاصّ مغمور بالعامّ، واليسير من الضرر محتمل للكثير من النفع والصلاح، ويشبه أن يكون النبيّ ﷺ قد عوَّض المَدَدِيَّ من الخُمُس الذي هو له، وترضَّى خالداً بالصَّفْحِ عنه، وتسليم الحكم له في السَّلب٢".
وقال النووي: "وهذا الحديث قد يستشكل من حيث إنّ القاتل قد استحقّ السلب، فكيف منعه إيّاه؟! ". ويجاب عنه بوجهين:
أحدهما: "لعلّه أعطاه بعد ذلك للقاتل، وإنّما أخّره تعزيزاً له، ولعوف بن مالك، لكونهما أطلقا ألسنتهما في خالد ﵁، وانتهكا حرمة الوالي ومن ولاّه".
стр. 299
الوجه الثّاني: "لعلّه استطاب قلب صاحبه فتركه صاحبه باختياره، وجعله للمسلمين، وكان المقصود بذلك استطابة قلب خالد ﵁ للمصلحة في إكرام الأمراء١".
وفي الحديث - أيضاً - دليلٌ على أنّ نسخ الشيء قبل الفعل جائز، ألا ترى أنّ النّبيّ ﷺ أمره بإمساكه، قبل أن يردّه، فكان في ذلك نسخ لحكمه الأوّل، ذكره الخطّابي٢".
ويستفاد من حديث أنس بن مالك ﵁: "أنّ النّبيّ ﷺ نعى زيداً، وجعفراً، وابن رواحة، قبل أن يأتيهم الخبر" ... الحديث. جواز الإعلام بموت الميت، ولا يكون ذلك من النعي المنهي عنه، قال ابن المرابط: "النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح، وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمّة لما يترتّب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئة أمره، والصلاة عليه، والدّعاء له، والاستغفار، وتنفيذ وصاياه وما يترتّب على ذلك من الأحكام".
وأمّا نعي الجاهليّة: "فقال سعيد بن منصور: "أخبرنا ابن علية، عن ابن عون قال: "قلت لإبراهيم: "أكانوا يكرهون النعي؟ قال نعم".
стр. 300
قال ابن عون: "كانوا إذا توفي الرجل ركب رجل دابة، ثُمَّ صاح في النّاس: "أنعى فلاناً"، وبه إلى ابن عون قال: قال ابن سيرين: "لا أعلم بأساً أن يؤذن الرجل صديقه وحميمه".
وحاصله أنّ محض الإعلام بذلك لا يكره، فإن زاد على ذلك فلا، وقد كان بعض السلف يُشَدِّد في ذلك حتى: "كان حذيفة إذا مات له الميّت يقول: "لا تؤذنوا به أحدّاً، إنّي أخاف أن يكون نعياً، إني سمعت رسول الله ﷺ بأُذُنَيَّ هاتين ينهى عن النعي". أخرجه الترمذي، وابن ماجه بإسنادٍ حسنٍ".
قال ابن العربي: "يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:
الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح، فهذا سُنة.
الثانية: دعوة الحفل للمفاخرة، فهذه تكره.
الثالثة: الإعلام بنوعٍ آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا يَحْرُم١.
وفي إخبار النبي ﷺ النّاس بمصاب أهل مؤتة، علم ظاهر من أعلام النُّبوّة٢".
وفي حديث عائشة ﵂ الذي ذكرت فيه ظهور الحزن على رسول الله ﷺ حينما عرف بمصاب أصحابه في مؤتة من الفوائد:
بيان ما هو الأولى بالمصاب من الهيئات، ومشروعية الانتصاب للعزاء على هيئته، وملازمة الوقار والتثبُّت".
стр. 301
ويؤخذ منه - أيضاً: "أنّ ظهور الحزن على المصاب إذا أصيب بمصيبة لا يخرجه عن كونه صابراً راضياً إذا كان قلبه مطمئناً، بل قد يُقال: "إنّ مَن كان ينْزعج بالمصيبة ويعالج نفسه على الرضا والصبر أرفع مرتبة مِمَّن لا يبالي بوقوع المصيبة أصلاً، أشار إلى ذلك الطبري١".
وفي حديث أمر النبي ﷺ بصنع طعام لآل جعفر، فيه ندب تهيئة طعام لأهل الميّت، والإلحاح عليهم في أكله لئلا يضعفوا بتركه٢".
قال السهيلي: "وهذا أصل في طعام التعزية، وتسميه العرب الوضيعة"٣".
قال ابن إسحاق: "سمعت عبد الله بن أبي بكر يقول: "لقد أدركت الناس بالمدينة إذا مات لهم ميّت، تكلّف جيرانهم يومهم ذلك طعامهم، فلكأني أنظر إليهم قد خبزوا خبزاً صغاراً، وصنعوا لحماً، فجُعِل في جفنة، ثُمّ يأتون به أهل الميّت، وهم يبكون على ميِّتهم، مشتغلين، فيأكلونه لقول رسول الله ﷺ لأهله حين أُصيب جعفر: "لا تغفلوهم أن تصنعوا لهم طعاماً يومهم هذا، ثُمَّ إنّ الناس تركوا ذلك"٤.
стр. 302
قال ابن الهمام في فتح القدير شرح الهداية: "يُستحب لجيران أهل الميّت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام لهم يشبعهم ليلتهم ويومهم، ويكره اتّخاذ الضيافة من أهل الميّت، لأنّه شرع في السرور لا في الشرور، وهي بدعة مستقبحة". انتهى.
ويؤيّده حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: "كُنّا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعه الطعام من النياحة". أخرجه ابن ماجه، وبوّب له باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميّت وصنعة الطعام".
وهذا الحديث سنده صحيح ورجاله على شرط مسلم، قاله السندي".وقال - أيضاً -:قوله:"كُنّا نرى" هذا بمنْزلة رواية إجماع الصحابة أو تقرير من النبيّ ﷺ ، وعلى الثاني فحكمه الرفع، وعلى التقديرين فهو حُجّة".
وبالجملة فهذا عكس الوارد، إذ الوارد أن يصنع الناس الطعام لأهل الميّت، فاجتماع الناس في بيتهم حتّى يتكلّفون لأجلهم الطعام قلب لذلك، وقد ذكر كثيرٌُ من الفقهاء أنّ الضيافة لأهل الميّت قلب للمعقول١
стр. 303
لأنّالضيافة حقّاً أن تكون للسرور لا الحزن١".
في حديث عبد الله بن جعفر ﵄، وقوله: "ثُمَّ أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثُمّ أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم".
قال ابن كثير: "وهذا يقتضي أنّه ﵊ أرخص لهم في البكاء ثلاثة أيام، ثُمَّ نهاهم عنه بعدها٢".
أمّا بالنسبة للمراثي٣ التي قيلت في أهل مؤتة، فيؤخذ منه جواز رثاء الميّت، وقد رثت فاطمة ﵂ أباها ﷺ ، ورثاه غيرها، وفعله كثيرٌ من الصحابة ﵃، وغيرهم من العلماء ﵏، وما ورد من النهي عنها محمول على ما يظهر فيه تبرم أو على فعله مع الاجتماع له، أو على الإكثار، أو على ما يجدد الحزن٤".
стр. 304
قلت: "ومما يدلّ على جوازه أيضاً هو فعل الصحابة له في حياة النبيّ ﷺ ، حيث رثى الشعراء من الصحابة أمثال حسَّان بن ثابت ﵁، وغيره شهداء بدر، وأُحُدٍ، وغيرهما من الغزوات والسرايا دون اعتراض من النبيّ ﷺ ، مِمَّا يعدّ تقريراً لذلك". والله تعالى أعلم".
стр. 305
المبحث الثّاني: الدروس المستفادة:
الوصايا التي تزود بها جيش مؤتة:
لقد كانت التوصيات التي تزوّد بها جيش مؤتة من القائد الأعلى للقوات الإسلامية ﷺ تُعَدُّ من أعظم وأرقى قوانين حرب الفروسية المشرفة على مدى التاريخ الإنساني قاطبةً، فلَمْ ولن تعرف أُمّة من الأُمَم السابقة واللاحقة مثل تلك الآداب الحربية التي كان المسلمون يطبّقونها في حروبهم ضدّ أعدائهم، والتي تُعدّ بحقّ وثيقة فعلية تطبيقية لحقوق الإنسان على أرض الواقع، لا على واقع الحبر والورق، وأرفف المنظّمات والهيئات، لقد كان الجندي المسلم يسير بانضباطٍ عجيبٍ، مطَبِّقاً الأوامر والتعليمات الصادرة إليه من رؤوسائه بصورةٍ تلقائية عفوية، لأنّه يعتبر ذلك جزءٌ حيويٌّ من دينه الذي يسعى ويحرص كُلِّ الحرص على تقديم الصورة الصحيحة عنه".
وهكذا كان كُلّ جندي من جنود الإسلام الأوائل عبارة عن قدوة صالحة تمثّل الإسلام أصدق تمثيل في كُلّ مكانٍ حلّ به.
"لقد أدهشت النتائج السريعة الإيجابية لحركة الفتوح الإسلامية جميع المحلّلين على اختلاف مشاربهم ودياناتهم، ولكن المُحَلِّل المُنْصِف ستزول دهشته حتماً عندما يقرأ تلك التعاليم والوصايا النبوية لقوَّاد وجنود السرايا والبعوث، والتي هي نواة حركة الفتوح الإسلامية، وأصبح الذين شاركوا بالأمس في السرايا والبعوث مشاركين اليوم على رأس تلك الجيوش الفاتحة، مقتدين نفس النهج، سائرين على نفس الطريق الذي رسمه
стр. 306
لهم قائد الأمة المصطفى ﷺ ، حتى تلك الأوامر والتعاليم النبوية صارت تتكرّر على ألسنة الخلفاء، وقادة جيوش الفتح فيما بعد"١.
"لقد كان تطبيق صحابة محمّد ﷺ هذا الدستور الحربي من أعظم الأسباب التي حبَّبت الإسلام إلى نفوس غير المسلمين، فدخلوا فيه طائعين مختارين مستبشرين، لأنّهم رأوا حقيقة الإسلام متمثلة في سلوك أولئك الأصحاب الكرام الذين ربّاهم القرآن، وأدّبهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم٢".
تقدم المسلمين لملاقاة عدوّهم رغم معرفتهم المسبقة بكثافتهم العددية والعددية:
إنّ تقدُّم المسلمين لملاقاة عدوّهم المتفوِّق عليهم في العدد والعتاد، لأمرٌ يُثير الدهشة فعلاً، وهو إن دلّ على شيء فإنما يدل على ما كان يتمتّع به أولئك القوم من إيمانٍ عظيمٍ وقويٍّ، ذلك الإيمان الذي جعلهم يستصغرون معه عدوّهم، وتنقلب معه موازين المعركة، فأصبح وقوداً أشعل نار الشجاعة والإقدام في نفوسهم، وأوقد الحماس في قلوبهم، وأيقظ كوامن قواهم البشرية المكنونة".
نعم! لقد كان الإيمان المتّقِد في جوانح أولئك القوم يجعلهم أُناساً آخرين، فتراهم يطيرون في ساحات الوغى إلى الموت طيراناً، وينقضّون
стр. 307
على أعدائهم، وكأنهم عقبان تُلاحِق فرائسها، كيف لا!؟ وهم يتحسّسون الجنّة ونعيمها، وكأنّهم يرونها أمامهم رأين العين، فيندفعون إليها جارفين أمامهم سدود الأعداء، جاعلين منها طُرُقاً مُمَهَّدة للدخول إليها".
لقد تمَّلت هذه الحقيقة واضحة العيان في قتال القادة الثلاثة واندفاعهم بالمسلمين صوب أعدائهم في العمق، حتى أصبحت قصص استشهادهم صوراً رائعة للبطولة، يمكن أن يؤلّف في كلّ واحدةٍ منها كتابٌ مستقلّ".
إنّهم فعلاً لا يقاتلون الناس بعددٍ ولا عدّة، كما ذكر عبد الله بن رواحة ﵁ القائد الثالث، وإنما يقاتلون بتأييد الله لهم، ووعده إيّاهم بالنصر والتمكين، وسواء قُتِلُوا أم غَلَبُوا، فهم في كِلا الحالين فائزون بِرِضَى الله عنهم، وموعودون بالأجر العظيم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نَأْتِيْهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ . [سورة النساء، الآية: ٧٤] .
تموين الجيش الإسلامي، وتسليحه:
وضَّحت رواية عوف بن مالك الأشجعي ﵁ أنّ تموين جيش المسلمين كان يعتمد أحياناً على تبرعات الموسرين من المشاركين فيه، وتلك عادة حسنة للعرب في جاهليتهم١، زادها الإسلام قوّةً وتماسكاً حيث كان الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - يتسابقون في الإنفاق في
стр. 308
سبيل الله تعالى باعتبار أنّه جهاد في سبيل الله بالإضافة إلى مجاهدتهم بأنفسهم، وذلك طاعة لله ﵎ ولرسوله ﷺ ، وطلباً للأجر والمثوبة العظيمة من الباري .
كما وضحّت الرواية كذلك مدى بساطة تسليح المسلمين بالمقارنة مع ما كان عليه الروم وحلفاؤهم من البهرجة والغطرسة والغرور، وتوضح أيضاً مدى بسالة جند الإسلام الأوائل، ومحاولتهم التواؤم مع الظروف، وعدم التسليم للنقص الواضح في عدّتهم وعتادهم، ولكن حسب إمكاناتهم، كما فعل ذلك المَدَدِيّ بصنعه درقة له من جلد الجزور".
يقول أبو١ أمامة ﵁: "لقد فتح الفتوح قوم ما كانت حلية سيوفهم الذهب والفضّة، وإنما كانت حلية سيوفهم العُلابي، والآنك٢ والحديد٣".
стр. 309
التقدير والإكرام والإعجاب الذي حظي به جيش مؤتة من رسول الله ﷺ :
لقد كان التقدير والإعجاب والإكرام الذي حظي به أهل مؤتة من القائد الأعلى رسول الله ﷺ من العوامل التي جعلت جيش المسلمين من أنجح جيوش العالم في ذلك الوقت، وأعظمها وأرفعها معنوية".
فحين يُقَدِّرُ القائد الجهدَ المبذول، ويعطيه حقّه من التقدير والإعجاب، بل ويُصَحِّح ردود الفعل الخاطئة التي كانت لدى بعضهم تجاه الجيش، لا شكّ أن ذلك يعطي أفراده الراحة النفسية التامّة، بل ويدفعهم إلى مزيدٍ من البذل، ومزيدٍ من العطاء بلا حدود، ومواصلة المشوار بلا تردد".
لقد كان المصطفى ﷺ وسيظل للأبد، من أنجح القادة العالميّين على الإطلاق، وستظل مكافآته المعنوية سنية عظيمة، والتي كانت عبارة عن أوسمة رفيعة المستوى والشأن، على صدور حامليها غير مسبوقة، ولا ملحوقة بإذن الله ﵎ إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها".
وفي حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁:
"نلاحظ تأكيد الشارع ﷺ على مراعاة حُرمة الأمير، والقائد، والإمام ومكانته بين الناس وترك التطاول عليه، وأنّ ذلك مِمَّا يفسد القلوب، ويؤدي بالتالي إلى التنازع المؤدّي للفشل، وفيه من الحض والتأكيد على السمع والطاعة لولاة الأمر مهما كانوا ومهما فعلوا ما لم يأمروا بمعصية".
стр. 310
وأنّهم يستحقون هذا الأمر لكونهم يكابدون مشقّة التّصدّي للأمور الخاصّة بالرّعية من السهر على راحتهم، والدفاع عنهم، يقول النووي: "ومعنى الحديث، أنّ الرعية يأخذون صفو الأمور، فتصلهم أعطياتهم بغير نكد، وتبتلى الولاة بمقاساة الأمور، وجمع الأموال على وجوهها، وصرفها في وجوهها، وحفظ الرعية، والشفقة عليهم، والذّبّ عنهم، وإنصاف بعضهم من بعض، ثُمَّ متى وقع علقة أو عتب في بعض ذلك توجَّه على الأمراء دون الناس"١.
لقد كان المصطفى ﷺ دائماً وأبداً حريصاً على أمّته، رؤوفاً بهم، وفي تحذيره إياهم من منازعة أهل الأمر ومخالفتهم، فيه من المصلحة العامّة للأمّة ما لا يخفى إلاّ على المكابر المعاند، أو الجاهل المغرور، لأنّ ذلك مِمَّا يوقع الفتن المهلكة التي تهلك الحرث والنسل، وتكون وبالاً على الأمّة، تُدَمِّر اقتصادها، وتعصف بمجتمعاته الآمنة، ويذهب ضحيتها الأبرياء".
مواساته ﷺ لأسر الشّهداء:
كانت مواساة النّبيّ ﷺ لأسر شهداء مؤتة، ورعايته وعطفه على أبنائهم، لفتةً أبويّةً حانية عطوفة من أبٍ رحيم عطوفٍ مشفقٍ، لا يأل جهداً في التخفيف عن معاناة أولئك وغيرهم من أفراد المجتمع الإسلامي بأسره".
стр. 311
كيف لا! وهو الذي كان يفيض حناناً، وشفقةً، ورحمةً". كيف لا! وهو الذي كانت حياته ﷺ بأبي هو وأُمّي تكريساً لهذه الحقيقة".
ألم يصفه الباري بذلك في القرآن بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُم رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ . [سورة التوبة، الآية: ١٢٨] . وكفى بالقرآن دليلاً وشاهداً".
الفوائد التي اكتسبها المسلمون من نتائج غزوة مؤتة:
لقد "كانت معركة مؤتة استطلاعية أفادت المسلمين كثيراً في معرفة خواص قوّات الروم، وأساليب قتالها، وخواص حلفائها من القبائل، وأساليب قتالهم وقوّتهم، فأفادوا من هذه المعلومات في قتالهم بعد ذلك ضدّ الروم، ولا تعدّ خسائر المسلمين الطفيفة شيئاً يُذْكَر بجانب الفائدة العسكرية التي أفادت من الاطلاع على خواص قوات الروم وحلفائها، وتنظيمهما، وتسليحها، وأساليب قتالها، مِمَّا سترى أثره في المعارك التي خاضها المسلمون فيما بعد١".
"وإذا كانت الأمور بنتائجها، والأعمال بخواتيمها، فقد كفى المسلمين ظهوراً على عدوّهم، أنهم تركوا في نفوسهم أثراً من الرهبة، جعلهم يحجمون عن قتالهم، وينكلون عن متابعتهم"٢.
стр. 312
"ومهما تكن الخاتمة التي لقيتها غزوة مؤتة فإن نتائجها وآثارها كانت بعيدة المدى، فبينما رأى الروم تلك الغزوة غارة من الغارات التي اعتاد البدو شنّها بين حين وآخر، كانت سرية زيد بن حارثة إلى مؤتة في الحقيقة غزوة من نوع آخر، لم تقدر إمبراطورية الروم أهميتها، فهي حرب منظّمة كانت لها مهمّة جديدة خاصّة، جعلت المسلمين يتطلّعون جدّياً إلى فتح أرض الشام"١.
وحقيقةً - كما ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى، قد كانت مؤتة إرهاصاً لما بعدها من غزو الروم، وإرهاباً لأعداء الله ورسوله٢.
стр. 313
الباب الثالث: السرايا والبعوث النبوية الشمالية بعد غزوة مؤتة
الفصل الأول: سرية عمرو بن العاص ﵁ إلى ذات السلاسل
المبحث الأول: مسمى السرية ومكانها
المطلب الأول: مسمى السرية
...
المطلب الأوّل: مُسَمَّى السّرية:
اختلف أهل المغازي، واللغويّون، البلدانيون، في سبب تسمية السّرية، وضبط الاسم. قال ابن إسحاق في روايته:
[١] : "حتى إذا كان على ماء بأرض جذام، يقال له: السلسل، وبذلك سُمِّيَت تلك الغزوة، غزوة ذات السلاسل"١.
وتابعه في ذلك ابن سيد الناس٢، والسهيلي٣.
وقيل: السلاسل بسينين مهملتين، الأولى مفتوحة، وجزم به أبو عبيد
стр. 314
البكري١، وياقوت٢، وصاحب القاموس٣، والثانية مكسورة، اللام مخففة، وقال ابن الأثير: "بضم السين الأولى٤، وقال في زاد المعاد: بضم السين وفتحها لغتان"٥.
قال الشامي: "وصاحب القاموس مع اطلاعه لم يحك في الغزوة إلاّ الفتح٦، وعبارته: السلسل، كجعفر وخلخال، الماء العذب أو البارد كالسلاسل بالضمّ. ثُمَّ قال: وتسلسل الماء جرى في حدور، والسلسلة اتّصال الشيء بالشيء، والقطعة الطويلة من السنام، ويُكسر، وبالكسر دائر من حديد ونحوه، والسلاسل رمل يتعقّد بعضه على بعض وينقاد، وثوب مسلسل فيه وشيء مخطّط، وعزوة ذات السلاسل"٧.
стр. 315
وقال ابن حجر: "قيل: سُمِّيَ المكان بذلك لأنّه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة١، وضبطها ابن الأثير بالضمّ، وقال: هو بمعنى السلسال أي: السهل٢، وقيل: لأنّ بها ماء يقال له السلسل٣، وقيل: سُمِّيَت ذات السلاسل لأنّ المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفرّوا"٤.
قال الحلبي:
[٢] "ولخالد بن الوليد ﵁ في زمن الصّديق غزاة مع أهل فارس، يُقال لها: ذات السلاسل، لكثرة من تسلسل فيها من الشجعان خوف الفرار، فقتلوا عن آخرهم، لأنّ السلاسل منعتهم الهزيمة، وبعث خالد بن الوليد بالسلاسل إلى الصِّدّيق ﵁ والله أعلم"٥.
стр. 316
قلت: ولعلّ سبب تسميتها بذلك أظهر، فإنّ تسلسل الروم والفرس في معاركهم ضدّ المسلمين تكرّر في أكثر من معركة، لعلّ أشهرها في التاريخ معركتان فاصلتان في كلّ جانب، ففي الجانب الرومي تذكر الروايات التاريخية أنّه تسلسل عددٌ كبيرٌ منهم في معركة اليرموك الشهيرة الفاصلة، سقطوا جميعاً في لهب الياقوصة١، كما تسلسل عددٌ ضخمٌ من الفرس في معركة نهاوند الفاصلة والمسمّاة بفتح الفتوح - قُتِلُوا جميعاً في ميدان المعركة - وإن كانت الأرقام التي أوردتها الروايات عن عددهم قد يكون فيها نوعٌ من المبالغة٢، ولكن ذلك يعطينا دلالة واضحة على أنّ تلك كانت عادة متبعة في الجيوش البيزنطية، والفارسية٣، كما توضح بجلاء أنّ أعداء المسلمين في ذلك الوقت كانوا يبحثون جادّين عن وسيلة قويّة تربط جأشهم، وتقوي عزيمتهم في مواجهة المسلمين الشجعان
стр. 317
في ميادين المعارك الذين كانوا أبطالاً لا يهابون الموت وبسبب تأييد الله لهم، ونصره إيّاهم، بالرعب الذي يلقيه في قلوب أعدائهم، ثُمَّ بتحرُّقهم جميعاً في ميادين القتال للشهادة في سبيل الله، وتسابقهم عليها، ولِمَا يعرفون من فضلها العظيم١.
стр. 318
المطلب الثّاني: مكانها، أو الجهة التي توجَّهت إليها السّرية:
اختلفوا كذلك في مكانها، قال ابن سعد:
[٣] هي وراء وادي القرى، وبينها وبين المدينة عشرة أيّام١.
[٤] وهي أرض بني عذرة، كما ذكر ابن إسحاق٢، وفي روايته عند البيهقي:
[٥] ذات السلاسل من أرض بليّ٣، وعذرة٤.
وذكر البخاري عن ابن إسحاق، عن يزيد عن عروة قال:
[٦] هي بلاد بليّ، وعذرة، وبني القين٥٦.
وكذلك ذكره الواقدي نحوه٧، ونقل البخاري، والبكري عن ابن
стр. 319
أبي١ خالد في كتابه: (صحيح التاريخ) قال:
[٧] : "هي غزوة لخم وجذام"٢.
أمّا موسى بن عقبة فيذكر أنّ:
[٨] "ذات السلاسل من مشارف الشام في بليّ، وسعد الله٣، ومن يليهم من قضاعة"٤.
وشذّ الزهري فذكرهما:
[٩] "بعثين إلى كلب٥، وغسَّان٦، وكُفَّار العرب الذين كانوا
стр. 320
بمشارف الشام"١.
وذكر الشعبي أن المسلمين أُمروا:
[١٠] "أن يغيروا على بكر٢، فانطلق عمرو، فأغاروا على قضاعة، لأنّ بكراً أخواله"٣ ٤.