← Сира

Сира · id 11323

غزوة مؤتة والسرايا والبعوث النبوية الشمالية

بريك العمري

Полный текст (444 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قلت: ولعلّ سبب تسميتها بذلك أظهر، فإنّ تسلسل الروم والفرس في معاركهم ضدّ المسلمين تكرّر في أكثر من معركة، لعلّ أشهرها في التاريخ معركتان فاصلتان في كلّ جانب، ففي الجانب الرومي تذكر الروايات التاريخية أنّه تسلسل عددٌ كبيرٌ منهم في معركة اليرموك الشهيرة الفاصلة، سقطوا جميعاً في لهب الياقوصة١، كما تسلسل عددٌ ضخمٌ من الفرس في معركة نهاوند الفاصلة والمسمّاة بفتح الفتوح - قُتِلُوا جميعاً في ميدان المعركة - وإن كانت الأرقام التي أوردتها الروايات عن عددهم قد يكون فيها نوعٌ من المبالغة٢، ولكن ذلك يعطينا دلالة واضحة على أنّ تلك كانت عادة متبعة في الجيوش البيزنطية، والفارسية٣، كما توضح بجلاء أنّ أعداء المسلمين في ذلك الوقت كانوا يبحثون جادّين عن وسيلة قويّة تربط جأشهم، وتقوي عزيمتهم في مواجهة المسلمين الشجعان

стр. 317

في ميادين المعارك الذين كانوا أبطالاً لا يهابون الموت وبسبب تأييد الله لهم، ونصره إيّاهم، بالرعب الذي يلقيه في قلوب أعدائهم، ثُمَّ بتحرُّقهم جميعاً في ميادين القتال للشهادة في سبيل الله، وتسابقهم عليها، ولِمَا يعرفون من فضلها العظيم١.

стр. 318

المطلب الثّاني: مكانها، أو الجهة التي توجَّهت إليها السّرية: اختلفوا كذلك في مكانها، قال ابن سعد: [٣] هي وراء وادي القرى، وبينها وبين المدينة عشرة أيّام١. [٤] وهي أرض بني عذرة، كما ذكر ابن إسحاق٢، وفي روايته عند البيهقي: [٥] ذات السلاسل من أرض بليّ٣، وعذرة٤. وذكر البخاري عن ابن إسحاق، عن يزيد عن عروة قال: [٦] هي بلاد بليّ، وعذرة، وبني القين٥٦. وكذلك ذكره الواقدي نحوه٧، ونقل البخاري، والبكري عن ابن

стр. 319

أبي١ خالد في كتابه: (صحيح التاريخ) قال: [٧] : "هي غزوة لخم وجذام"٢. أمّا موسى بن عقبة فيذكر أنّ: [٨] "ذات السلاسل من مشارف الشام في بليّ، وسعد الله٣، ومن يليهم من قضاعة"٤. وشذّ الزهري فذكرهما: [٩] "بعثين إلى كلب٥، وغسَّان٦، وكُفَّار العرب الذين كانوا

стр. 320

بمشارف الشام"١. وذكر الشعبي أن المسلمين أُمروا: [١٠] "أن يغيروا على بكر٢، فانطلق عمرو، فأغاروا على قضاعة، لأنّ بكراً أخواله"٣ ٤.

стр. 321

كذلك شذّ الطبراني في روايته عن رافع بن عمرو الطائي١، فذكر: [١١] "أنّ أهل السّرية نزلوا جبل طيء"٢. وذكر البلادي أنّه لم يستطع أحد تحديد مكان هذه السّرية، ورجّح أن تكون في بلاد بني عذرة، لقربها من بلان جران العود التي ذكرها في شعره، كما أنّه حدّد ديار بين عُذرة بين وادي القرى "وادي العُلا اليوم" إلى تبوك، إلى تيماء، وتقرب من خيبر"٣.

стр. 322

قلت: وهذه القبائل التي ذكرها أهل المغازي، هي قبائل متجاورة، كونها من بطون من قبيلة واحدة هي قبيلة قضاعة، وربّما تحالفت هذه القبائل فيمابينها، واجتمعت لمحاربة المسلمين في تلك المنطقة. والله تعالى أعلم.

стр. 323

المبحث الثّاني: سبب السّرية: اختلف الواقدي، وابن اسحاق - وهما مَن تحدَّثا عن سبب سرية ذات السلاسل - فيها، فبينما يذكر ابن إسحاق: [١٢] أنها كانت لاستنفار العرب إلى الشام، وأنّ رسول الله ﷺ بعث عمرو بن العاص ﵁ إلى بليّ باعتبار "أنّ أُمّ العاص بن وائل كانت امرأة من بليّ، فبعثه رسول الله ﷺ إليهم يستألفهم بذلك"١. يذكر الواقدي، وتابعه ابن سعد: [١٣] أنّ السّرية كانت بسبب المعلومات الهامّة التي وصلت إلى النبي ﷺ عن التحرّكات العدوانية النشطة لقبائل بليّ وقضاعة، واستعداداتهم للهجوم على أطراف الدولة الإسلامية٢. بينما يذكر بعض الباحثين المعاصرين لها أسباباً أُخَر، فهي كانت لتأديب الأعراب في تلك الناحية٣، والأخذ بثأر المسلمين من القبائل التي اشتركت في غزوة مؤتة ضدّهم٤.

стр. 324

كما ذكر بعضهم أنّه بناءً على نتيجة غزوة مؤتة، كان لزاماً على رسول الله ﷺ أن يستردّ هيبة المسلمين، ويُعِيد إليهم كرامتهم في تلك البلاد١. وسواء قَصَدَ رسول الله ﷺ تأديب الأعراب، وصدّ عدوانهم على أطراف الدولة الإسلامية عندما بلغته أخبار حشودهم وتحرُّكاتهم، فتحرّك بسرعة لضربهم قبل استكمال استعداداتهم القتالية، كما هي عادته ﷺ دائماً مع أعدائه، أم أراد الثأر من القبائل العربية المنتصرة الحليفة للرومان، والتي شاركت إلى جانبهم في مؤتة، أو غير ذلك من الأسباب التي ذُكِرَت قديماً وحديثاً، فإنّ السبب الحقيقي وراء ذلك كُلِّه هو إعلاء كلمة الله في تلك البقاع، ونشر الدعوة الإسلامية، بعد إزاحة القوى السياسية والعسكرية التي كانت تقف حجر عثرة في وجه نشر الإسلام في المنطقة. والقبائل العربية المنتصرة والحليفة للدولة البيزنطية كانت من تلك القوى، وكانت تقوم بتحرّكات مشبوهة ونشاطات معادية للمسلمين في المنطقة الشمالية من الجزيرة على أطراف الدولة الإسلامية، وبخاصّة بعد مؤتة، فكان لا بُدَّ من ردعها وإخضاعها لسيطرة المسلمين، لأنّ المسلمين - أيضاً - كانوا في وضع استعدادي متناسق ومتدرِّج لمنازلة الدولة البيزنطية، إحدى القوَّتين العظميين في ذلك الوقت، لوضع حدٍّ لسلطانهم، والقضاء على قوّتهم العسكرية والسياسية المناهضة لنشر الإسلام في المنطقة. والله تعالى أعلم.

стр. 325

المبحث الثّالث: تاريخ السّرية: قال الشامي: "ذكر الجمهور١، ومنهم: ابن سعد أنّها كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان"٢. وقال ابن حجر: "وقيل: سنة سبع"٣. وبه جزم ابن أبي خالد في كتاب: (صحيح التاريخ) ، ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنّها كانت بعد غزوة مؤتة٤، إلاّ ابن إسحاق فقال: "قبلها". قلت: وهو قضية ما ذُكِر عن ابن سعد وابن أبي خالد"٥. قال الشامي: "أمّا قضية ما ذُكِرَ عن ابن سعد فغير واضح، فإنّ ابن سعد قال: كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان، وذَكَر في غزوة مؤتة أنّها كانت في جمادى الأولى سنة ثمان، وأمّا ما نقل ابن إسحاق فالذي في رواية زياد البكائي، تهذيب ابن هشام، عن ابن إسحاق، تأخُّر غزوة ذات

стр. 326

السلاسل عن مؤتة بِعِدَّة غزوات وسرايا، ولم يذكر أنّها كانت قبل مؤتة فيحتمل أنّه نصَّ على ما ذكره ابن عساكر في رواية غير زياد"١. قلت: ما ورد في رواية زياد البكائي عن ابن إسحاق، عند ابن هشام، لا يُعَدُّ في التقديم والتأخير، لأنّه ذكر السّرية في جملة المغازي والسرايا آخر كتاب المغازي٢. ولم يُسلسلها تاريخاً، كما فعل في بقية المغازي والسرايا الأخر. أمّا رواية غير زياد التي أشار إليها الشامي فهي رواية يونس بن بكير التي أخرجها كُلٌّ من ابن عساكر والبيهقي بسنديهما عنه، فإنّه لم يذكر فيها تاريخاً لها٣. والله تعالى أعلم. ولم يؤرِّخ لها الواقدي أيضاً، وذلك خلاف عادته، بل ذكرها مباشرة بعد مؤتة٤. وقال ابن كثير: "ذكرها الحافظ البيهقي قبل غزوة الفتح"٥.

стр. 327

[١٤] وذكر الزهري في روايته: أنّ البعثين كانا بعد رجوع أهل الحبشة١. هذا بالنسبة لأهل المغازي. أمَّا ما يفهم من الأحاديث التي وردت عن السرية، ففي حديث عليّ بن رباح٢، عن عمرو بن العاص ﵁ قال فيه: [١٥] "قلت: يا رسول الله! ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله ﷺ ... ". الحديث٣.

стр. 328

يُفْهَم منه أنّه ﷺ بعثه بعد إسلامه مباشرة، قال ابن حجر: "وهذا فيه إشعار بأنّ بعثه عقب إسلامه، وكان إسلامه في أثناء سنة سبع من الهجرة"١. أمّا حديث الحارث٢ بن حسَّان الذي فيه: [١٦] "خرجت أشكو العلاء٣ بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ ... " الحديث. إلى أن قال: "فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاصٌّ بأهله٤، وإذا راية سوداء تخفق، وبلال متقلِّد السيف بين يدي رسول الله ﷺ ، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهاً ... ". الحديث٥.

стр. 329

فهذا الحديث يُفْهَم منه أنّ بعث عمرو بن العاص ﵁ كان في أثناء فترة ولاية العلاء بن الحضرمي على البحرين، وكان رسول الله ﷺ قد بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكّة، كما يذكر ابن إسحاق١. ويُفهم من قول أبي رافع الطائي - في آخر حديثه الذي أخرجه الطبراني: [١٧] "فمكثت سنة، ثُمَّ إنّ أبا بكر استخلف ... " الحديث٢. أنّ تاريخ بعث السرية كان متأخراً جداً. والله تعالى أعلم. قال الزرقاني في شرحه على المواهب اللدنية، مُعَلِّقاً على الأقوال التي ذُكرت حول إسلام عمرو بن العاص ﵁، ثُمَّ تأميره على ذات السلاسل: "فيكون تأمير عمرو عقب إسلامه بنحو أربعة أشهر على ما صدّر به

стр. 330

المصنّف١ فيما مرَّ أنّه كان في صفر سنة ثمان، وفي الشامية أنّ بعثه كان بعد سنة من إسلامه٢ وهم إنّما يأتي على قول الحاكم: أسلم سنة سبع"٣. قلت: اختلف أهل العلم في وقت إسلام عمرو بن العاص ﵁، فقيل: إنّه أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمان٤، وقيل: بين الحديبية وخيبر٥. وقيل: بل أسلم قبل ذلك في الحبشة على يدي النجاشي، ولكنه كتم إسلامه حتى وفد على النّبيّ ﷺ قبيل الفتح مع خالد بن الوليد رضي الله عنه٦. ورجّح ابن عبد البرّ، وابن حجر القول الأوّل٧.

стр. 331

قلت: وبذلك يترجّح ما ذكره ابن سعد، وغيره من أنّ تاريخ السرية كان في جمادى الآخرة سنة ثمان. والله تعالى أعلم. ويفهم من الأحاديث التي ذكرت أنّ أصحاب السرية أصابهم برد شديد، وأنّهم أرادوا إشعال نارٍ لتدفئتهم، ولكنّ عمرو بن العاص ﵁ منعهم من ذلك خوفاً أن يرى العدوّ قِلَّتهم. وكذلك الأحاديث التي ذكرت أنّ القائد عمر بن العاص ﵁ أصابته جنابة في إحدى الليالي، ثُمَّ صلّى بأصحاب السرية دون أن يغتسل خوفاً على نفسه من شِدَّة البرد١. كلّ ذلك يعطينا دلالة واضحة على أنّ بعث السرية كان في فصل الشتاء، وشهر جمادى الآخرة الذي ذكره أصحاب المغازي تاريخاً لخروج السرية هو من أشهر فصل الشتاء في الأغلب. والله تعالى أعلم.

стр. 332

المبحث الرّابع: عدد الجيش، وقائده: لَم يُحَدِّد عدد الجيش غير الواقدي، وكاتبه ابن سعد في روايته: حيث قالوا: [١٨] وبعثه في ثلثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ومعه ثلاثون فرساً وأمره أن يستعين بمن يمرّ به من بليّ وعذرة وبلقين، فسار الليل وكمن النهار، فلمّا قرب من القوم بلغه أنّ لهم جمعاً كثيراً، فبعث رافع١ بن مكيث الجهني إلى رسول الله ﷺ يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجرَّاح في مائتين، وعقد له لواءً وبعث معه سراة المهاجرين والأنصار وفيهم أبو بكر وعمر"٢. [١٩] وذكر الواقدي مثله، إلاّ أنه سمَّى بعض أفراد الجيش، فمن المهاجرين: عامر٣ بن ربيعة، وصهيب٤ بن سنان، وسعيد٥ بن

стр. 333

زيد بن عمرو بن نفيل، وسعد١ بن أبي وقاص، ومن الأنصار: أُسيد٢ بن حضير، وعبَّادة٣ بن بشر، وسلمة٤ بن سلامة، وسعد٥ بن عبادة. وورد عنده اسم رافع الطائي، وعوف بن مالك الأشجعي، ورافع ابن مَكِيث الجهني، من خلال سياق الأحداث، بينما لم تحدِّد بقية الروايات عدد الجيش، وإنّما تردَّد فيها أسماء بعض المشاركين في السّرية، مثل أبي

стр. 334

بكر الصّديق، وعمر بن الخطاب، وأبي عبيدة بن الجرّاح، والمغيرة١ بن شعبة، ورافع الطائي، وعوف بن مالك، ﵃ أجمعين. أمّا قائد الجيش، فقد ورد في رواية الزهري السابقة: [٢٠] أنّ رسول الله ﷺ بعث بعثين إلى كلب، وغسَّان، "وأمّر على أحد البعثين أبا عبيدة بن الجرّاح، وأمّر على البعث الآخر عمراً ابن العاص، فانتدب في بعث أبي عبيدة أبا بكر وعمر، فلمّا كان عند خروج البعث دعا رسول الله ﷺ أبا عبيدة وعمراً، فقال: لا تعاصيا، فلمّا فصلا من المدينة خلا أبو عبيدة بعمرو، فقال له: إنّ رسول الله ﷺ عهد إليَّ وإليك أن لا تعاصيا، فإمّا أن تطيعني، وإمّا أن أطيعك. فقال: لا بل أطعني، فأطاع أبو عبيدة، وكان عمرو أميراً على البعثين كليهما"٢. وذكر الشعبي في روايته: [٢١] أنّه بعثٌُ واحدٌ مقسومٌ قسمين: مهاجرين، وأعراب، وأنّ رسول الله ﷺ استعمل "أبا عبيدة على المهاجرين، واستعمل عمر بن العاص على الأعراب"٣.

стр. 335

وذلك وهمٌ غير محفوظ، فالمعروف من روايات أهل المغازي الآخرين، كعروة بن الزبير، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، وابن سعد، والواقدي، وغيرهم، أنّ قائد السرية ابتداءً كان عمرو بن العاص ﵁، وأنّ أبا عبيدة بن الجرّاح ﵁ أُرْسِلَ مدداً له فيم بعد على رأس المهاجرين، وفيهم أبو بكر الصّدّيق ﵁ وعمر بن الخطاب ﵁، وأنّ أبا عبيدة سلّم القيادة بعد ذلك لعمرو خشية الفرقة بين المسلمين، تنفيذاً لأمر القائد الأعلى للمسلمين رسول الله ﷺ . وربّما دخل الوهم على أحد رواة الحديثين السابقين١، لأنّه لم يتصوّر أن يتأمّر عمرو بن العاص وهو أقلّ سابقة على المهاجرين الأوّلين، أمثال أبي بكر الصّدّيق، وعمر بن الخطاب، وأبي عبيدة بن الجرّاح، - رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فاختلط عليه الأمر فجعلهما جيشين بقائدين أُرْسِلا معاً في وقتٍ واحدٍ. وما عُرِفَ عن رسول الله ﷺ من الدِّقّة في التنظيم والحرص الشديد دائماً على عملية الضبط العسكري والانضباط بين جنوده في جيوشه وبعوثه وسراياه، وعدم تركه المجال للاختلافات المؤدية للفوضى والفشل واحتمالات الخطأ والصواب، كلّ ذلك يجعلنا نستبعد فرضية حدوث مثل ذلك الأمر. والله تعالى أعلم.

стр. 336

وكونه ﷺ يولي قيادة الجيش مَن هو أقلّ سابقة وفضلاً من الصحابة، فذلك لا يدلّ على أنّه أفضل منهم، ولكنّه ربّما رأى ﵇ بثاقب بصر العسكري المُحَنَّك أنّه أعلم منهم في الحرب ومكائدها. أخرج الحاكم بسنده عن بريدة الأسلمي١ ﵁ قال: [٢٢] "بعث رسول الله ﷺ عمر بن العاص في غزوة ذات السلاسل، وفيهم أبو بكر، وعمر ﵄، فلمّا انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو أن لا ينوروا ناراً، فغضب عمر، وهمّ أن ينال منه، فنهاه أبو بكر ﵁ وأخبره أنّه لم يستعمله رسولُ الله ﷺ عليك إلاّ لعلمه بالحرب ... " الحديث٢.

стр. 337

كما أخرج البيهقي من حديث يونس، عن أبي معشر١، عن بعض مشيختهم: [٢٣] "أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّي لأُؤَمِّر الرجل على القوم فيهم مَن هو خير منه، لأنّه أيقظ عيناً، وأبصر بالحرب"٢. وأخرج البيهقي - أيضاً - عن أبي عثمان النهدي٣ قال: سمعت عمر بن العاص يقول: [٢٤] : "بعثني رسول الله ﷺ على جيش ذات السلاسل، وفي القوم أبو بكر وعمر، فحدّثت نفسي أنّه لم يبعثني على أبي بكر وعمر إلاّ لمنْزلةٍ لي عند. فأتيته حتى قعدت بين يديه، فقلت: يا رسول الله! ١ نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني، أبو معشر، مولى بني هاشم، مشهور بكنيته (ضعيف) من السادسة، أسنَّ واختلط، مات سنة سبعين ومائة. (تقريب ٥٥٩) . ٢ أخرجه البيهقي (دلائل٤/٤٠٠) ،وسنده فيه ضعف، وجهالة، وانقطاع. والله تعالى أعلم. ٣ عبد الرحمن بن مُلّ - بلام ثقيلة والميم مثلثة - أبو عثمان النّهدي - بفتح النون وسكون الهاء - مشهور بكنيته (مخضرم) من كبار الثانية (ثقة، ثبت، عابد) مات سنة خمس وتسعين، وقيل: بعدها، وعاش مائةوثلاثين سنة. وقيل: أكثر. (تقريب٣٥١) .

стр. 338

مَن أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قلت: إنّي لست أسألك عن أهلك. قال: فأبوها. قلت: ثُمَّ مَنْ؟ قال: عمر. قلت: ثُمَّ مَنْ؟ حتى عدّد رهطاً. قال: قلت في نفسي: لا أعود أسأل عن هذا"١.

стр. 339

المبحث الخامس: سير الأحداث: في شتاءٍ باردٍ عام ثمانٍ من الهجرة النبوية المباركة، وفي شهر جمادى الآخرة منه - كما حدّده أكثر أهل المغازي١ - بَعَثَ رسولُ الله ﷺ إلى عمرو بن العاص ﵁. [٢٥] "فقال: خُذ عليك ثيابك وسلاحك ثُمَّ ائتني"٢. قال عمرو ﵁: [٢٦] "فأتيته وهو يتوضّأ، فصعّد فيَ النظر، ثُمَّ طَأطأ، فقال: إنّي أُريد أن أبعثك في جيشٍ فيُسَلِّمك الله ويُغَنِّمك، وأرغب لك من المال رغبةً صالحة، قال: قلت: يا رسول الله! ما أسلمت من أجل المال. ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله ﷺ . فقال: يا عمرو! نِعْمَ المال الصّالح للمرء الصالح"٣. وفي المسجد النبوي الشريف، كما هو المعتاد في مثل هذه الحالة، تَتِمُّ مراسم تولية عمرو بن العاص ﵁ رسميّاً قائداً على الجيش. يُحدَّثُنا الحارث بن حسَّان ﵁ قال: قدمت المدينة:

стр. 340

[٢٧] "فإذا المسجد غاصّ بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وبلال متقلِّد السيف بين يدي رسولِ الله ﷺ ، فقلت: ما شأن النّاس؟ "١. [٢٨] "قالوا: هذا رسول الله ﷺ يريد أن يبعث عمر بن العاص وجهاً"٢. وينفرد الواقدي، وابن سعد في تحديد عدد الجيش، فيذكران أنّهم كانوا: "ثلثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ومعهم ثلاثون فرساً"٣. ويسرد الواقدي أسماء بعض المشاركين من المهاجرين والأنصار، وبينما وردت أسماء أخر من خلال سياق الأحداث في جميع الروايات٤. ويذكر ابن سعد أنّ رسول الله ﷺ عقد لعمرٍ لواءً أبيض، وجعل معه راية سوداء: [٢٩] "وأمره أن يستعين بمن يَمُرُّ به من بليّ، وعذرة، وبلقين"٥. [٣٠] "وذلك أنّ أمّ العاص بن وائل كانت امرأة من بليّ، فبعثه رسول الله ﷺ إليهم يستألفهم لذلك"٦. [٣١] "فسار الليل وكمن النهار. فلمّا قرب من القوم بلغه أنّ لهم جمعاً كثيراً، فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله ﷺ يستمدّه"٧.

стр. 341

[٣٢] "فندب رسول الله ﷺ المهاجرين الأوّلين، فانتدب فيهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب في سراة المهاجرين، وأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجرّاح، فأمدّ بهم عمرو بن العاص"١. وقال لأبي عبيدة حين وجّهه: "لا تختلفا"٢. ويذكر الواقدي، وابن سعد: أنّهم كانوا مائتين من سراة المهاجرين والأنصار٣. [٣٣] "فلمّا قدموا على عمرو قال: أنا أميركم، وأنا أرسلت إلى رسول الله أستمده بكم. قال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابك، وأبو عبيدة أمير المهاجرين، فقال عمرو: إنما أنتم مدد أُمْدِدتُ به، فلمّا رأى ذلك أبو عبيدة، وكان رجلاً حسن الخُلق، لَيِّن الشكيمة٤، سعى لأمر رسول الله ﷺ عليه، وعهده. قال: يا عمرو إنّ آخر ما عهد إليَّ رسول الله ﷺ أن قال: إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا، وإنّك إن عصيتني لأطيعنّك. فسلّم أبو عبيدة الإمارة لعمرو بن العاص" ٥.

стр. 342

[٣٤] وتذكر بعض الروايات١ أنّ ذلك الأمر لم يرق لبعض المهاجرين باعتبار أسبقيتهم للإسلام، ورأوا أن عمرو ﵁ استبدّ بالإمارة دون أبي عبيدة بن الجراّح ﵁، وأنّه دارت مناقشات حول هذا الموضوع، ولكنّ أبا عبيدة ﵁ وبِمّا عُرِفَ عنه من الحكمة والكياسة، استطاع إقناعهم بالحُسنى بأنّه آثر الطاعة والامتثال لأمر النّبيّ ﷺ خشية الفرقة والفتنة بين المسلمين٢. فأطاع الجيش كله لعمرو بن العاص ﵁، فكان عمرو يُصَلِّي بالناس، وكان الجوّ شاتياً شديد البرودة في تلك المناطق، ويوماً مّا: [٣٥] "أصابهم بردٌ شديدٌ، لَمْ يُرَ مثله، فخرج لصلاة الصّبْح فقال: والله لقد احتلمت البارحة، ولكنّي والله ما رأيت برداً مثل هذا، أهل مرَّ على وجوهكم مثله؟ قالوا: لا. فغسل مغابنه٣ وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثُمَّ صلَّى بهم". وفي رواية: "فتيمَّم"٤

стр. 343

.....................................................................................................

стр. 344

[٣٦] وكان قبل ذلك قد أصدر أوامره بمنع إشعال النيران في المعسكر لمدّة ثلاثة أيام رغم حاجتهم للتدفئة١، فغضب عمر بن الخطاب ﵁ وقال لأبي بكر: [٣٧] "لِمَ لَمْ يدَع عمرو الناس أن يوقدوا ناراً ألا ترى إلى هذا الذي منع الناس منافعهم؟.فقال أبو بكر: دعه قائماً، ولاّه رسول الله ﷺ علينا لعلمه بالحرب"٢. "فهدأ عمر ﵁ "٣. وتشير بعض الروايات بأنّ المسلمين: [٣٨] "لقوا العدوّ فهزموهم"٤.

стр. 345

بينما يُفصِّل الواقدي، وابن سعد الحديث عن ذلك، فيذكر أنّ عمرو بن العاص ﵁: [٣٩] "سار حتّى وطئ بلاد بليّ ودوخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم، وبلاد عذرة وبلقين"١. ويمكن تأويل روايةالطبراني عن رافع الطائيرضي الله عنهأنّ المسلمين انطلقوا: [٤٠] "حتّى نزلوا جبل طئ، فقال عمرو: انظروا إلى رجلٍ دليلٍ بالطريق، فقالوا: ما نعلمه إلاّ رافع بن عمرو، فإنّه كان ربيلاً في الجاهلية"٢٣. - بإمعان المسلمين في طلب القوم حتّى وصلوا إلى تلك المنطقة البعيدة نسبياً عن المنطقة المحدَّدة سلفاً لعمليات السّرية، ويُشير إليه طلب القائد البحث عن دليل بالطريق - ثُمَّ إنّهم لقوا: [٤١] "في آخر ذلك جمعاً فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرّقوا"٤. فنهاهم عمرو ﵁. [٤٢] "أن يتبعوا العدوّ مخافة أن يكون لهم كمين من وراء الجبل"٥.

стр. 346

وتشير رواية الزهري أنّهم: [٤٣] "أسروا ناساً كثيرين من العرب"١. ويبدو أنّ نتيجة ذلك الإمعان في طلب العدوّ وتقصّيهم حتّى آخر بلادهم، نفذ تموين الجيش، يقول عوف بن مالك الأشجعي ﵁: [٤٤] "فأصابتنا مخمصة٢ شديدة فانْطَلقتُ ألتمس المعيشة فالتَقَيتُ قوماً يريدون أن ينحروا جزوراً لهم، فقلت: إن شئتم كفيتكم نحرها وعملها وأعطوني منها، ففعلتُ فأعطوني منها شيئاً فصنعته، ثُمّ أتيت عمرو بن العاص فسألني مِن أين هو؟ فأخبرته. فقال: أسمعك قد تعجّلت أجرك، وأبى أن يأكله، ثُمّ أتيت أبا عبيدة بن الجرّاح فأخبرته، فقال لي مثلها، وأبى أن يأكله، فلمّا رأيت ذلك تركتها"٣.

стр. 347

وبعد أن أدّت السرية مهمّتها على أكمل وجهٍ، رجع عمرو بن العاص ﵁ بالجيش قافلاً إلى المدينة، وكان قد: [٤٥] "بعث عوف بن مالك الأشجعي بريداً إلى رسول الله ﷺ يبشّره بما فتح الله عليهم"١. قال عوف: [٤٦] "فلمّا قفل الناس من ذلك السفر كنت أوّل قادم على رسول الله ﷺ فجئته وهو يصلّي في بيته. فقلت: السلام عليك يا رسول الله

стр. 348

ورحمة الله وبركاته"١. [٤٧] "قال: صاحب الجزور، ولم يزد عليَّ شيئاً"٢. وتلك معجزة من رسول الله ﷺ ، فقد ذكر له خبر الجزور، قبل أن يتكلم ويخبره عن خبرهم في تلك السّرية. وأثناء عودة الجيش إلى المدينة، وفي الطريق أراد رافع الطائي ﵁ دليل المسلمين في السرية - أن يصحب رجلاً صالحاً من أفرادها ينفعه الله به، فتوسّم في أبي بكر الصّدّيق ﵁ خيراً، فصحبه، يقول رافع: [٤٨] "فوفّق لي أبو بكر فكان يُنَيِّمني على فراشه، ويلبسني كساء له من أكسية فدك"٣.

стр. 349

[٤٩] "فلمّا دنونا من المدينة قافلين قال: قلت: يا أبا بكر! إنّما صحبتك لينفعني الله بك، فانصحني وعلّمني. قال: لو لم تسألنِ ذلك لفعلت"١. [٥٠] "قال: أتحفظ أصابعك الخمس؟ قلت: نعم. قال: تشهد ألاّ إله إلاّ الله، وأن محمّداً عبده ورسوله، وتقيم الصلوات الخمس، وتؤتي الزكاة إن كان لك مال، وتحجّ البيت، وتصوم رمضان. حفِظت؟ قلت: نعم. قال: وأخرى لا تُؤَمَّرَنَّ على اثنين. قلت: هل تكون الإمرة إلاّ فيكم أهل بدر؟ قال: يوشك أن تفشو حتّى تبلغك ومَن هُو دونك، إنّ الله لَمَّا بعثَ نبيَّه ﷺ دخل الناس في الإسلام، فمنهم من دخل فهداه الله، ومنهم مَن أكرهه السيف، فهم عوّاذ الله٢، وجيران الله في خفارة الله٣، إن الرجل إذا كان أميراً فتظالم الناس بينهم فلم يأخُذ لبعضهم من بعض، انتقمَ الله منه. إنّ الرجل لتُؤخذ شاة جاره فيظل ناتئ عضلته٤ غضباً والله من وراء جاره"٥.

стр. 350

[٥١] "قال: ففارقته على ذلك"١. فلمّا قدموا على النّبيّ ﷺ : [٥٢] "سأل رسول الله ﷺ كيف وجدتم عمراً وصحابته لكم، فأثنوا عليه خيراً، وقالوا: يا رسول الله! صلّى بنا وهو جنب، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمرو فسأله، فأخبره بذلك وبالذي لقي مِنَ البرد، فقال: يا رسول الله! إنّ الله قال: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم﴾ . [سورة النساء، الآية: ٢٩] . ولو اغتسلت مُت. فضحك رسول الله ﷺ إلى عمرو"٢. [٥٣] كما ذكروا للنّبيّ ﷺ ما صنعه عمرو بن العاص ﵁ من منعه إيّاهم إشعال النيران في معسكرهم رغم البرد الشديد، وحاجتهم للنار في التدفئة، ومنافعهم الأخرى، وشكوا إليه - أيضاً - منعه إيّاهم إتباع العدوّ رغم هزيمته وفراره٣. [٥٤] "فقال: يا رسول الله إنّي كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا ناراً فيرى عدوّهم قِلتّهم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فيعطفوا عليهم، فحمد رسول الله ﷺ أمره. فقال: يا رسول الله!

стр. 351

من أحبّ الناس إليك؟ قال: لِمَ؟ قال: لأُحبَّ مَنْ تُحبّ. قال: عائشة. قال: من الرجال؟ قال: أبو بكر"١. قال عمرو ﵁: [٥٥] "قلت: ثُمَّ مَنْ؟ قال: عمر. فعدّ رجالاً فسكتُّ مخافة أن يجعلني في آخرهم"٢.

стр. 352

المبحث السّادس: الأحكام المستنبطة، والدّروس المستفادة: قال ابن حجر: وفي الحديث جواز تأمير المفضول على الفاضل، إذا امتاز المفضول بصفة تتعلق بتلك الولاية، ومنقبة لعمرو بن العاص لتأميره على جيش فيهم أبو بكر وعمر، وإن كان ذلك لا يقتضي أفضليته عليهم، لكن يقتضي أنّ له فضلاً في الجملة١. ونقل ابن حجر، والزرقاني عن رافع الطائي قال: وهذه الغزوة هي الغزوة التي يفتخر بها أهل الشام٢. وقال ابن حجر - أيضاً: وفي الحديث مزية أبي بكر على الرجال، وبنته عائشة على النساء٣. وقال النووي: وفيه دلالة تنبيه لأهل السُّنّة في تفضيل أبي بكر، ثُمَّ عمر على جميع الصحابة٤. قلت: كان الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - يعرفون هذا الأمر جيِّداً، ومتداوَلٌ بينهم، حتّى إنّ الشّباب من صغار الصحابة كانوا يُفَاضلون بين الصحابة بين يدي رسول الله ﷺ ، فيقدّمون أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فلا يُنكر عليهم رسول الله ﷺ ، فقد أخرج البخاري

стр. 353

في الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: "كُنَّا نخيّر بين الناس في زمن النّبيّ ﷺ ، فنخيّر أبا بكر، ثُمّ عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان ﵃ "١. ونقل البيهقي عن الشافعي أنّه قال: "أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر، ثُمّ عمر، ثُمّ عثمان، ثُم عليّ"٢. وفي قصّة رافع الطائي ﵁ يظهر جليّاً تميُّز الصّدّيق ﵁ في هيئته، ومظهره، وتعامله مع الناس، ذلك التميّز الواضح القويّ لاحظه رافع، فاختاره صاحباً له من بين جميع أفراد السرية، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على المواهب العظيمة التي حباها الله لذلك الرجل العظيم. حيث عرف الناس فضله وتميُّزه، سواء القريبون منه في مجتمع المدينة الذين كانوا يرون بأعينهم، ويسمعون بآذانهم، ويلاحظون بحواسهم، تقديم المصطفى ﷺ له وتفضيله إيّاه، وحديثه الدائم عنه عن أعماله الخَيِّرة في خدمة الإسلام منذ اللحظة التي صدّق فيها رسولَ الله ﷺ . أخرج البخاري في الصحيح حديث أبي الدرداء ﵁ الذي فيه: فقال النّبيّ ﷺ : "إنّ الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله ... " الحديث٣.

стр. 354

أو الذين يرافقونه في البعوث والسرايا من الإعراب، فيلاحظون ذلك التميُّز المُلْفِت للنظر لشخصية الصِّدِّيق ﵁ من خلال ما يرونه ويتوسّمونه فيه من خلال الخير، وأعمال البِرِّ، وحُسن الخُلُق، وكرامة المظهر، وحُسن التعامل، كما حدث هذا في هذه السرية، والله تعالى أعلم. وفي حديث عمرو بن العاص ﵁ وأنّه صلّى بأصحابه وهو جُنُب لخوفه من شدّة البر. قال ابن حجر: "وفي هذا الحديث جواز التيمّم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك سواء كان لأجل البرد أم غيره١. وقال الخطابي: "وفيه من الفقه أنّه جعل عدم إمكان استعمال الماء كعدم عين الماء، وجعله بمنْزلة مَن خاف العطش ومعه ماء، فأبقاه لشقته وتيمّم خوف التلف، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فشدّد فيه عطاء ابن أبي رباح وقال: يغتسل وإن مات، واحتجّ بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُم جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٥] . وقال الحسن نحواً من قول عطاء. وقال مالك وسفيان: يتيمّم، وهو بمنْزلة المريض وأجازه أبو حنيفة في الحضر وقال صاحباه: لا يجزيه في الحضر، وقال الشافعي: إذا خاف على نفسه مِن شدّة البرد تيمّم وصلّى وأعاد كلّ صلاةٍ صلاّها كذلك، ورأى أنّه من العُذْر النّادر، وإنما جاءت الرّخص التامّة في الأعذار العامّة"٢.

стр. 355

وقال ابن حجر أيضاً: "وفي الحديث جواز صلاة المتيمِّم بالمتوضّئين، وجواز الاجتهاد في زمن النّبيّ ﷺ "١. قال ابن القيم: "وقد احتجّ بهذه القصّة مَن قال: إنّ التيمّم لا يرفع الحدث، لأن النّبيّ ﷺ سمّاه جُنُباً بعد تيمُّمه، وأجاب مَن نازعهم في ذلك بثلاثة أجوبة: أحدها: أنّ الصحابة لمّا شكوه قالوا: صلّى الصُّبحَ وهو جُنُب، فسأله النّبيّ ﷺ عن ذلك. وقال: "صلّيت بأصحابك وأنت جُنُب؟ " استفهاماً واستعلاماً، فلمّا أخبره بعذره وأنّه تيمّم للحاجة، أقرّه على ذلك. الثّاني: أنّ الرواية اختلفت عنه فُرِويَ عنه فيها أنّه غَسَل مغابنه وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثُمّ صلّى بهم، ولم يذكر التيمّم، وكأنّ هذه الرواية أقوى من رواية التيمّم، قال عبد الحقّ: "وقد ذكرها وذكر رواية التيمّم قبلها، ثُمّ قال: وهذا أوصل من الأوّل لأنّه عن عبد الرحمن ابن جبير المصري، عن أبي القيس مولى، عن عمرو، والأولى التي فيها التيمّم من رواية عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص لم يذكر بينهما أبا القيس". الثالث: أنّ النّبيّ ﷺ أراد أن يستعلم فقه عمرو في تركه الاغتسال، فقال له: "صلّيت بأصحابك وأنت جنب؟ ". فلمّا أخبره أنّه تيمّم للحاجة، عَلِمَ فقهه فلم يُنكر عليه، ويدلّ عليه أنّ ما فعله عمرو من
следующие страницы →