← Сира

Сира · id 11323

غزوة مؤتة والسرايا والبعوث النبوية الشمالية

بريك العمري

Полный текст (444 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

من أحبّ الناس إليك؟ قال: لِمَ؟ قال: لأُحبَّ مَنْ تُحبّ. قال: عائشة. قال: من الرجال؟ قال: أبو بكر"١. قال عمرو ﵁: [٥٥] "قلت: ثُمَّ مَنْ؟ قال: عمر. فعدّ رجالاً فسكتُّ مخافة أن يجعلني في آخرهم"٢.

стр. 352

المبحث السّادس: الأحكام المستنبطة، والدّروس المستفادة: قال ابن حجر: وفي الحديث جواز تأمير المفضول على الفاضل، إذا امتاز المفضول بصفة تتعلق بتلك الولاية، ومنقبة لعمرو بن العاص لتأميره على جيش فيهم أبو بكر وعمر، وإن كان ذلك لا يقتضي أفضليته عليهم، لكن يقتضي أنّ له فضلاً في الجملة١. ونقل ابن حجر، والزرقاني عن رافع الطائي قال: وهذه الغزوة هي الغزوة التي يفتخر بها أهل الشام٢. وقال ابن حجر - أيضاً: وفي الحديث مزية أبي بكر على الرجال، وبنته عائشة على النساء٣. وقال النووي: وفيه دلالة تنبيه لأهل السُّنّة في تفضيل أبي بكر، ثُمَّ عمر على جميع الصحابة٤. قلت: كان الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - يعرفون هذا الأمر جيِّداً، ومتداوَلٌ بينهم، حتّى إنّ الشّباب من صغار الصحابة كانوا يُفَاضلون بين الصحابة بين يدي رسول الله ﷺ ، فيقدّمون أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فلا يُنكر عليهم رسول الله ﷺ ، فقد أخرج البخاري

стр. 353

في الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: "كُنَّا نخيّر بين الناس في زمن النّبيّ ﷺ ، فنخيّر أبا بكر، ثُمّ عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان ﵃ "١. ونقل البيهقي عن الشافعي أنّه قال: "أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر، ثُمّ عمر، ثُمّ عثمان، ثُم عليّ"٢. وفي قصّة رافع الطائي ﵁ يظهر جليّاً تميُّز الصّدّيق ﵁ في هيئته، ومظهره، وتعامله مع الناس، ذلك التميّز الواضح القويّ لاحظه رافع، فاختاره صاحباً له من بين جميع أفراد السرية، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على المواهب العظيمة التي حباها الله لذلك الرجل العظيم. حيث عرف الناس فضله وتميُّزه، سواء القريبون منه في مجتمع المدينة الذين كانوا يرون بأعينهم، ويسمعون بآذانهم، ويلاحظون بحواسهم، تقديم المصطفى ﷺ له وتفضيله إيّاه، وحديثه الدائم عنه عن أعماله الخَيِّرة في خدمة الإسلام منذ اللحظة التي صدّق فيها رسولَ الله ﷺ . أخرج البخاري في الصحيح حديث أبي الدرداء ﵁ الذي فيه: فقال النّبيّ ﷺ : "إنّ الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله ... " الحديث٣.

стр. 354

أو الذين يرافقونه في البعوث والسرايا من الإعراب، فيلاحظون ذلك التميُّز المُلْفِت للنظر لشخصية الصِّدِّيق ﵁ من خلال ما يرونه ويتوسّمونه فيه من خلال الخير، وأعمال البِرِّ، وحُسن الخُلُق، وكرامة المظهر، وحُسن التعامل، كما حدث هذا في هذه السرية، والله تعالى أعلم. وفي حديث عمرو بن العاص ﵁ وأنّه صلّى بأصحابه وهو جُنُب لخوفه من شدّة البر. قال ابن حجر: "وفي هذا الحديث جواز التيمّم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك سواء كان لأجل البرد أم غيره١. وقال الخطابي: "وفيه من الفقه أنّه جعل عدم إمكان استعمال الماء كعدم عين الماء، وجعله بمنْزلة مَن خاف العطش ومعه ماء، فأبقاه لشقته وتيمّم خوف التلف، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فشدّد فيه عطاء ابن أبي رباح وقال: يغتسل وإن مات، واحتجّ بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُم جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٥] . وقال الحسن نحواً من قول عطاء. وقال مالك وسفيان: يتيمّم، وهو بمنْزلة المريض وأجازه أبو حنيفة في الحضر وقال صاحباه: لا يجزيه في الحضر، وقال الشافعي: إذا خاف على نفسه مِن شدّة البرد تيمّم وصلّى وأعاد كلّ صلاةٍ صلاّها كذلك، ورأى أنّه من العُذْر النّادر، وإنما جاءت الرّخص التامّة في الأعذار العامّة"٢.

стр. 355

وقال ابن حجر أيضاً: "وفي الحديث جواز صلاة المتيمِّم بالمتوضّئين، وجواز الاجتهاد في زمن النّبيّ ﷺ "١. قال ابن القيم: "وقد احتجّ بهذه القصّة مَن قال: إنّ التيمّم لا يرفع الحدث، لأن النّبيّ ﷺ سمّاه جُنُباً بعد تيمُّمه، وأجاب مَن نازعهم في ذلك بثلاثة أجوبة: أحدها: أنّ الصحابة لمّا شكوه قالوا: صلّى الصُّبحَ وهو جُنُب، فسأله النّبيّ ﷺ عن ذلك. وقال: "صلّيت بأصحابك وأنت جُنُب؟ " استفهاماً واستعلاماً، فلمّا أخبره بعذره وأنّه تيمّم للحاجة، أقرّه على ذلك. الثّاني: أنّ الرواية اختلفت عنه فُرِويَ عنه فيها أنّه غَسَل مغابنه وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثُمّ صلّى بهم، ولم يذكر التيمّم، وكأنّ هذه الرواية أقوى من رواية التيمّم، قال عبد الحقّ: "وقد ذكرها وذكر رواية التيمّم قبلها، ثُمّ قال: وهذا أوصل من الأوّل لأنّه عن عبد الرحمن ابن جبير المصري، عن أبي القيس مولى، عن عمرو، والأولى التي فيها التيمّم من رواية عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص لم يذكر بينهما أبا القيس". الثالث: أنّ النّبيّ ﷺ أراد أن يستعلم فقه عمرو في تركه الاغتسال، فقال له: "صلّيت بأصحابك وأنت جنب؟ ". فلمّا أخبره أنّه تيمّم للحاجة، عَلِمَ فقهه فلم يُنكر عليه، ويدلّ عليه أنّ ما فعله عمرو من

стр. 356

التيمّم - والله أعلم - خشية الهلاك بالبرد، كما أخبر به، والصلاة بالتيمّم في هذه الحال جائزة، غير منكرة على فاعلها، فعلم أنّه أراد استعلام فقهه وعلمه. والله تعالى أعلم١. وفي حديث رافع الطائي-رحمه الله تعالى-،وقصته مع أبي بكر ﵁ تنفيرٌ من التّعرُّض للرياسة، والوعيد لأهلها، وأمرهم بالاستقامة٢. وقد وردت في معناه أحاديث كثيرة عن النّبيّ ﷺ ، من ذلك قوله ﷺ لأبي ذرّ ﵁: "يا أبا ذرّ! أراك ضعيفاً، وإني أُحِبّ لك ما أُحِبّ لنفسي، فلا تأمرنّ على اثنين، ولا تولينّ مال اليتيم". وعنه قال: "قلت: يا رسول الله! ألا استعملني؟ فضرب على منكبي فقال: يا أبا ذرّ! إنّك ضعيف، وإنّها أمانة، وإنّها يوم القيامة حسرة وندامة إلاّ مَن أخذها بحقّها، وأدّى الذي عليه فيها". رواهما مسلم٣. قال النووي: "هذا الحديث وما أشبهه أصلٌ عظيمٌ في اجتناب الولايات"٤. وعن أبي هريرة ﵁ إنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة". رواه البخاري٥.

стр. 357

الفصل الثاني: سرية خالد بن الوليد ﵁ إلى الأكيدر المبحث الأول: تاريخ السرية ... المبحث الأوّل: تاريخ السّرية: ذكرها عروة بن الزبير بعد غزوة تبوك قائلاً: [١] "ولمّا توجَّه رسول الله ﷺ قافلاً إلى المدينة بعَثَ خالد بن الوليد ... " الخ١. وذكر عروة في نهاية روايته أنّه لمّا سمع عظيم أيلة٢ يحنة بن رؤبة بقضية أكيدر دومة، أقبل قادماً إلى رسول الله ﷺ يصالحه، فاجتمعا عند رسول الله ﷺ بتبوك٣. [٢] بينما خالفه ابن إسحاق فذكر أنّ النّبيّ ﷺ بعَثَ إلى أكيدر، حينما انتهى إلى تبوك، وبعد مجيء صاحب إيلة، وأهل جربا، وأذرح٤

стр. 358

ودفعهم الجزية١. [٣] أمّا الواقدي، وابن سعد، فقد أرّخا لها في رجب سنة تسع، وذكراها في سياق خبر غزوة تبوك٢. [٤] وذكرها خليفة بعد غزوة تبوك في حوادث السنة التاسعة٣. قلت: ولا تعارض بين ما ذكره عروة، وابن إسحاق، فإنّ المدّة التي تفصل بين القولين ليست بالطويلة، لأنّ النّبيّ ﷺ لم يلق حرباً في تبوك، فرُبمّا أرسل إلى الأكيدر بعد وصوله إليها، وتأكُّده أن ليس ثَمَّ عدوّاً فيها يحاربه. والله تعالى أعلم.

стр. 359

المبحث الثّاني: قُوَّة السّريّة، وقَائدُها: اتّفق عروة بن الزبير، والواقدي، وابن سعد - وهم الذين ذكروا قوة السريّة - على أنّها كانت بقوّة أربعمائة وعشرين فارساً١. بينما لم يذكر ابن إسحاق في روايته شيئاً عن قوّة السرية. وقد اتّفق الجميع أنّ القيادة المطلقة لهذه السرية كانت بيد خالد بن الوليد ﵁ ٢. ولكن البيهقي ذكر في رواية من طريق يونس بن بكير، عن سعد بن أوس القيسي، عن بلال بن يحيى العبسي قال: [٥] "بعث رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ على المهاجرين إلى دومة الجندل، وبعث خالد بن الوليد ﵁ على الأعراب معه"٣.

стр. 360

وهذه الرواية شاذّة عمّا ذكر أهل المغازي من قيادة خالد بن الوليد ﵁ المطلقة للسريّة. قال الشامي: "وَذِكْرُ أبي بكر في هذه السريّة غريبٌ جداً، لم يتعرّض له أحد من أئمة المغازي التي وقفت عليها. فالله أعلم"١. هذا وقد تردّدت أسماء بعض المشاركين في أحداث السريّة من الصّحابة ﵃ في ثنايا الرّوايات التي نقلت أخبار السّرية، وهم: أبو سعيد الخدري ﵁، وعمرو بن أميّة الضمري ﵁، وكعب بن عجرة ﵁، وواثلة بن الأسقع الليثي ﵁، وبلال بن الحارث المزني ﵁، وبجير بن بجرة الطّائي ﵁، وعبد الله بن عمرو المزني ﵁ ٢.

стр. 361

المبحث الثالث: سير الأحداث: وعندما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك على رأس جيش العسرة، فلم يلق كيداً، وكعادته ﵇ في حربه مع أعدائه، أراد أن يستثمر حملته تلك التي نجحت في بث الرعب في نفوس الروم وحلفائهم من العرب المتنصرة، وذلك لإخضاع المنطقة ومن فيها من القبائل العربيّة، والدويلات الموالية للروم التي باتت تشكل حرباً وتهديداً للمسلمين بتحالفها السياسي والعسكري مع البيزنطيين، الذي أثمر بوقوفهم جنباً إلى جنب ضد المسلمين في مؤتة. لذلك جهّز النّبيّ ﷺ جيشاً من الفرسان، أسند قيادته لفارسٍ مغوارٍ حقّق لتوه نجاحاً منقطع النظير في معركة مؤتة التي دارت أحداثها في محيط المنطقة، ومع نفس العدوّ. ذلكم هو سيف الله المسلول، خالد بن الوليد ﵁، وصدرت الأوامر النّبويّة العليا لقائد الجيش بأن يتوجّه تلقاء دومة الجندل١.تلك الدويلة الصّغيرة التي كانت تتمتّع باستقلال ذاتي بوسط بلاد كلب، ويملكها الأكيدر بن عبد الملك الكندي الذي كان نصرانياً يدين بالولاء للدولة البيزنطية.

стр. 362

[٦] "قال خالد: يا رسول الله! كيف بدومة الجندل وفيها أكيدر، وإنما نأتيها في عصابة١ من المسلمين"٢. [٧] "فقال رسول الله ﷺ لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، فخرج خالد حتى إذاكان من حصنه منظر العين في ليلةٍ مقمرةٍ صافيةٍ"٣.

стр. 363

.......................................................................................................

стр. 364

يرسل الله ﵎ البقر إلى حصن الأكيدر لتخرجه من بين أهله وقومه، وعزه ومنعته، إلى خالد وأصحابه، لتتحقّق المعجزة النّبويّة، ويتحقق صدق الصادق المصدوق ﷺ . [٨] "فبينما خالد وأصحابه في منْزلهم ليلاً، إذ أقبلت البقر حتّى جعلت تحتك١ بباب الحصن، وأكيدر يشرب ويتغنى في حصنه بين امرأتيه، فاطّلعت إحدى امرأتيه٢ فرأت البقر تحتك بالباب والحائط، فقالت امرأته: لم أر كالليلة في اللحم. قال: وما ذاك؟ فقالت: هذه البقر تحتك بالباب والحائط"٣. [٩] "هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله. قالت: فمن يترك مثل هذا؟ قال: لا أحد. فنَزل فأمرَ بفرسه فأُسْرِجَ له وركب معه نفرٌ

стр. 365

من أهل بيته فيهم أخٌ له، يُقال له: حسَّان، فخرجوا بمطاردهم"١٢. ليصيد البقر الذي جاء بنفسه إليهم هذه الليلة خلاف العادة، ولم يَدُر بخَلَد الأكيدر وامرأته، ومَن ركب معه من أهله أنّ ذلك قدراً إلهياً، وأمراً عُلويّاً، ومُعجزة نبويّة أكرم الله بها نبيّه ﷺ ، وأمدّه بها تأييداً له وتمكيناً على أعدائه. [١٠] "فلمّا فصلوا من الحصن، وخيل خالد تنظرهم لا يصهل منها فرس ولا يتحرّك"٣. فلمّا التقوا: [١١] "شدّت عليهم خيل خالد بن الوليد، فاستأسر أكيدر وامتنع أخوه حسان، وقاتل حتّى قُتِلَ وهرب مَن كان معهما، فدخل الحصن"٤. [١٢] "وقال خالد لأكيدر: أرأيتك إن أجرتك تفتح لي دومة؟ قال: نعم. فانطلق حتّى دنا منها"٥. "ونادى أكيدر أهله: افتحوا

стр. 366

باب الحصن. فرأوا ذلك، فأبى عليهم مضاد أخو أكيدر"١. [١٣] "فلمّا رأى ذلك قال خالد: "أيها الرجل! خلّني فلك الله لأفتحنّها لك، إنّ أخي لا يفتحها لي ما علم أنّي في وثاقك. فأرسله خالد، ففتحها له، فلمّا دخل أوثق أخاه وفتحها لخالد. ثُمَّ قال: اصنع ما شئت. فدخل خالد وأصحابه، فذكر خالد ﵁ قول رسول الله ﷺ ، والذي أمره، فقال له أكيدر: والله ما رأيتها قط جاءتنا إلاّ البارحة - يريد البقر - ولقد كنت أضمّر لها٢، إذا أردت أخذها فأركب لها اليوم واليومين، ولكن هذا القَدَر. ثُمَّ قال: يا خالد! إن شئت حكَّمتك، وإن شئت حكّمتني. فقال خالد: بل نقبل منك ما أعطيت! فأعطاهم ثمانمائة من السبي، وألف بعير، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح"٣. "ثُمَّ إنّ خالداً قدم بالأكيدر على رسول الله ﷺ فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، وخلّى سبيله، فرجع إلى قريته" ٤. ثُمّ [١٤] "إنّ أكيدر دومة الجندل أهدى لرسول الله ﷺ حلّة حرير"٥.

стр. 367

[١٥] "فجعل أصحابه يلمسونها ويعجبون من لينها. فقال: أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنّة، خير منها وألين"١.

стр. 368

المبحث الرّابع: الخِلاف في إسلام الأكيدر: اختلف أهل العلم في إسلام الأكيدر، فذكره أبو نعيم، وابن منده في الصحابة: [١٦] "وذكر أنّه أسلم وأهدى إلى النّبيّ ﷺ حُلّة سيراء١، فوهبها لعمر"٢. قال ابن حجر: "وعمدة ابن منده في أنّه أسلم، ما أخرجه من طريق بلال بن يحيى عن حذيفة، أنّ النّبيّ ﷺ بَعَثَ إلى دومة الجندل، فقال: إنّكم ستجدون أكيدر دومة خارجاً، ثُمَّ ذكر حديث إسلامه، كذا وقع فيه. وقد رويناه في زيادات المغازي من طريق يونس بن بكير، عن سعد بن أوس، عن بلال بن يحيى قال: [١٧] "بَعَثَ رسول الله ﷺ أبا بكر على المهاجرين إلى دومة الجندل، وبَعَثَ خالد بن الوليد على الأعراب معه. وقال: انطلقوا فإنّكم ستجدون أكيدر دومة يقتنص الوحش، فخذوه أخذاً فابعثوا به إليَّ ولا تقتلوه، فمضوا، وحاصروا أهلها، فأخذوه فبعثوابه إليه"٣.

стр. 369

ولم يذكر في هذه القصة أنّه أسلم. وروى أبو يعلى، وابن شاهين، من طريق عبيد الله بن إياد بن لقيط، سمعت أبا إياد يحدّث عن قيس بن النعمان السكوني، قال: [١٨] "خَرَجَت خيلُ رسول الله ﷺ ، فسمع بها أكيدر دومة الجندل، فانطلق إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! بلغني أنّ خيلكَ انطلقت، وإنّي خفت على أرضي ومالي، فاكتبوا لي كتاباً لا يعرضون في شيءٍ هو لي، فإنّي أقرّ بالذي هو عليَّ مِنَ الحقّ، فكتب له رسول الله ﷺ . ثُمَّ إنّ أكيدر أخرج قباء من ديباج منسوج بالذهب، مِمَّا كان كسرى يكسوهم. فقال: يا رسول الله! اقبل هذا مني هذا فإنّي أهديته لك. فقال: ارجع بقبائك فإنّه ليس أحد يلبس هذا في الدنيا إلاّ حُرِمَه في الآخرة، فرجع به إلى رحله حتّى منْزله، ثُمَّ إنّه وجد في نفسه أن يرُدَّ عليه هديته. فرجع، فقال: يا رسول الله! إنّا أهل بيت يشقّ علينا أن تُرَدَّ هديتنا، فاقبل مني هديتي. فقال: ادفعه إلى عمر. فذكر القصة"١.

стр. 370

فلعلّ مستند من قال إنّه أسلم، قوله في هذاالحديث:"يارسول الله"١. ثُمَّ قال ابن حجر: "فتمسَّك ابن منده لكونه أسلم بروايته، وفيها نظر، وقد ذكر ابن إسحاق قصّته في المغازي، قال: [١٩] "حدّثنا يزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، أنّ رسول الله ﷺ بَعَثَ خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك - رجل من كندة - وكان على دومة، وكان نصرانياً، فقال: إنّك ستجده يصيد البقر. فذكر القصّة مطوّلة وفيها: فقتل خالد حسّاناً أخا أكيدر، وقدم بأكيدر على رسول الله ﷺ ، فحقن دمه وصالحه على الجزية، وخلّى سبيله، فرجع إلى مدينته "٢. وكذلك ذكر القصّة نحو هذا عروة في المغازي في رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، فعلى هذا فقدومه المدينة في رواية قيس بن النعمان كان بعد ذلك٣. قلت: قال ابن حجرفي سياق ترجمة قيس بن النعمان: وقد أخرج البخاري، والحاكم في المستدرك من طريق عبيد الله بن إياد عن لقيط، عن أبيه قال: حدّثناقيس بن النعمان، وكان قدقرأ القرآن على عهدعمر، قال:

стр. 371

[٢٠] "أتيت النّبيّ ﷺ فأهديت له، فأبى ذلك، فقلت: إنّا قوم يشقّ علينا أن نردّ الهدية"١. وهذه الرواية وإن كانت مختصرة، ففيها إشارات وقرائن على كونها قد تكون اختصاراً للحديث السابق، من ذلك مثلاً: السند المتطابق تماماً، وتطابق قول الأكيدر، وقول قيس حول الهدية، وقد ذكر محمّد حميد الله نصّ الحديث مصحّصاً اسم الذي انطلق إلى رسول الله ﷺ ، وأنّه قيس بن النعمان٢، وهو المصدر الذي أخذ عنه محمّد حميد الله، فلا أدري مِن أين جاء بهذا التصحيح، وهل له علاقة برواية قيس السابقة أم لا؟ فبذلك يتّضح أنّ ذكر الأكيدر في الرواية وَهَمٌ. والله تعالى أعلم. والعجب أنّ ابن حجر لم يُعَلِّق على هذا التشابه في الروايتين رغم ذكره لهما في كتابٍ واحدٍ، وهو الإصابة. ومِمَّن وقع في كلامه ما يدل على أنّ الأكيدر أسلم: الواقدي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، فقد انفردا بذكر تفاصيل كتاب ذكرا أنّ النّبيّ ﷺ كتبه للأكيدر، قال الواقدي: حدّثني شيخ من أهل دومة الجندل أنّ رسول الله ﷺ كتب هذا الكتاب:

стр. 372

[٢١] "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من مُحَمَّد رسول الله ﷺ لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام، وخلع الأنداد والأصنام، مع خالد بن الوليد سيف الله، في دومة الجندل وأكنافها، وأنّ لنا الضاحية١ من الضّحل٢،

стр. 373

والبور١، والمعامي٢، وأغفال الأرض٣، والحلقة، والسلاح، والحافر٤، والحصن، ولكم الضامن من النخل٥، والمعين٦ من المعمور بعد الخمس، لا تعدل سارحتكم، ولا تعد فاردتكم٧، ولا يحظر عليكم النبات، ولا يؤخذ منكم عشر البتات٨. تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة لحقّها، عليكم بذلك العهد والميثاق، ولكم بذلك الصّدق والوفاء، شهد الله ومَن حضر من المسلمين"٩. ورواه أبو عبيد بنصّه في كتابه: (الأموال) وقال: [٢٢] "أمّا هذا الكتاب فأنا قرأت نسخته وأتاني به شيخ هناك مكتوباً في قضيم١٠، صحيفة بيضاء، فنسخته حرفاً بحرف"١١.

стр. 374

قال الحلبي تعليقاً على هذا الكتاب: "وهذا كما لا يخفى يدل على أنّ أكيدر أسلم، أي: وهو الموافق لقول أبي نعيم، وابن منده، بإسلامه وأنّه معدودٌ من الصحابة١. قلت: أبو عبيد ثقة، وهو والواقدي متعاصران٢، ويلاحظ التشابه الكبير بين نصّي الكتاب عندهما، فربّما يكون مصدرهما واحداً، وهو ذلك الشيخ الجندلي، وهو شيخٌ مجهولٌ لم يصرح كلّ منهما باسمه أو تعديله، فلا يمكن القطع بصحّة الكتاب الذي أراهما إيّاه وأنّه هو كتاب النّبيّ ﷺ للأكيدر. والله تعالى أعلم. قال ابن حجر: "وقال أبو السعادات بن الأثير أخو مصنّف أُسد الغابة: مِنَ الناس مَنْ يقول: إنّ أكيدر أسلم، وليس بصحيح"٣. قلت: وقال أخوه أبو الحسن - مُصنِّف أُسد الغابة: "أما سرية خالد فصحيح، وإنما أهدى لرسول الله ﷺ وهذا لا اختلاف بين أهل السير فيه، ومَن قال إنّه أسلم، فقد أخطأ ظاهراً وكان أكيدر نصرانياً، ولمّا صالحه النّبيّ ﷺ عاد إلى حصنه وبقي فيه، ثُمَّ إنّ خالداً أسره لمّا حصر دومة أيّام أبي بكر ﵁، فقتله مشركاً نصرانياً، وقد ذكر البلاذري أنّ أكيدر لمّا قدم على النّبيّ ﷺ مع خالد أسلم ودعا إلىدومة، فلمّا مات النّبيّ ﷺ ارتدّ مَعَ مَن ارتدّ ومنع ما قبله، فلمّا

стр. 375

سار خالد من العراق إلى الشام قتله، وعلى هذا القول - أيضاً، فلا ينبغي أن يُذكر في الصحابة، وإلاّ فيُذكَر كلّ مَن أسلم في حياة رسول الله ﷺ ثُمّ ارتدّ١. قلت: حديث البلاذري - الذي أشار إليه ابن الأثير - رواه عن ابن الكلبي قال: وحدّثني العباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن جدّه قال: [٢٣] "وجّه رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أكيدر، فقدم به عليه فأسلم، فكتب له كتاباً، فلمّا قُبِضَ النّبيّ ﷺ منع الصدقة، ونقض العهد، وخرج من دومة الجندل فلحق بالحيرة، وابتنى بها بناءً سمّاه دومة، بدومة الجندل، وأسلم حريث بن عبد الملك أخوه على ما في يده، فسلّم ذلك له، فقال سويد بن شبيب: لا يأمَنَنَّ قومٌ عِثَارٌ جُدُودُهم ... كَمَا مِنْ خُبْثٍ ظَعَائِنُ أكدرا قال: وتزوّج يزيد بن معاوية ابنة حريث أخي أكيدر. [٢٤] "قال العبّاس: وأخبرني أبي، عن عوانة بن الحكم، أنّ أبا بكر كتب إلى خالد بن الوليد وهو بعين التمر، يأمره أن يسير إلى أكيدر فسار إليه فقتله، وفتح دومة، وكان قد خرج منها بعد

стр. 376

وفاة رسول الله ﷺ ثُمَّ عاد إليها، فلمّا قتله خالد مضى إلى الشام"١. قال ابن حجر جامعاً بين الروايات: "فالذي يظهر أنّ أكيدر صالح على الجزية، كما قال ابن إسحاق، ويحتمل أن يكون أسلم بعد ذلك، كما قال الواقدي، ثُمّ ارتدّ بعد النّبيّ ﷺ مَعَ مَن ارتدّ كما قال البلاذري، ومات على ذلك. والله أعلم"٢. قلت: الأدلة التي ساقها مَن قال بإسلام الأكيدر، ومَن قال بإسلامه ثُمّ ارتداده بعد ذلك جميعها لا تخلو من مقال، ولا تنهض في مخالفة الروايات التي ذكرت أنه لم يُسلم، وإنّما صالحه النّبيّ ﷺ على الجزية. والله تعالى أعلم.

стр. 377

المبحث الخامس: الدروس المستفادة ... المبحث الخامس: الدّورس المستفادة: يتبيّن من إسناد النّبي ﷺ قيادة هذه السرية لسيف الله خالد بن الوليد ﵁، مدى ما كان يتمتع به ﵇ من حنكة عسكرية فذّة، وذكاءٍ منقطع النظير، فخالد بن الوليد ﵁ هو القائد المظَفَّر، وبطل مؤتة المُتَوَّج، ولا بُدّ أنّه أصبح معروفاً معرفةً تامّةً لدى القبائل العربية المنتصرة التي واجهته في مؤتة، وعرفت مدى ما كان يتمتّع به مِن ذكاءٍِ قياديّ، وحنكةٍ عسكريةٍ، فأراد النّبيّ ﷺ أن يستثمر هذا النجاح لخالد ضدَّهم، ويرميهم به ليتحصَّل على أفضل النتائج المرجوة بأقل قدرٍ ممكنٍ من الخسائر، وتلك استراتيجية الرسول القائد ﷺ دائماً مع أعدائه. قال الأكيدر لخالد: "والله ما رأيتها قط جاءتنا إلاّ البارحة - يريد البقر - ولقد كنت أضمّر لها إذا أردت أخذها، فأركب لها اليوم واليومين". ويحقُّ للأكيدر وأهله أن يتعجّبوا من فِعل البَقَر تلك الليلة، لأنّه أمر خلاف العادة، وهكذا المعجزات النّبويّة دائماً تكون خارقة للعادات، ولقد كانت تلك قدرة إلهية، ومعجزة نبويّة، هيأها الله ﵎ لنبيّه ﷺ تأييداً له وتمكيناً على أعدائه، فما كانت البقر لتأتي لحتفها بنفسها لولا أنّ خالقها أمرها بذلك، وساقها بلا سائق إلى ذلك المصير، فالبقر وإن كانت حيواناً لا يعقل، ولكنها بفطرتها التي فطرها الله عليها تُدرك مكامن

стр. 378

الخطر ومدارك الهلكة، فتبتعد عنها كثيراً، وهو الأمر الذي تعوَّده الأكيدر عنها حيث كان يضمّر لها الخيل، ويستعد لها ثُمّ يركب في طبلها اليوم واليومين حتّى يجدها في مكامنها البعيدة عن الخطر، ولكن قدر الله ، وقدرته العلية، وأمره الذي لا يُردّ، سخّر ذلك البقر لنبيّه ﷺ وجعله في خدمة أهدافه وطوّعه جندياً مجنّداً من جنوده، يستدرج به أعداءه بعيداً عن دار عِزه وسلطانه ليقع فريسة سهلة المنال في يد الجندي الآخر خالد بن الوليد ﵁، الذي خرج في طاعة قائده وإمامه ﷺ ، ومنطلقاً دونما جدال ولا مناقشة، مِمَّا يدل على ما كان يتمتع به سلفنا الصالح - رضي الله تعالى عنهم - مِنَ الإيمان المُطلق بنبيّهم ﷺ ، وتصديقه فيما يقول، وطاعتهم لولي الأمر، وتأدّبهم الجم مع مقامه الشريف ﵇، ومعرفتهم حقّ الإمام من الطاعة فيما يأمر بمعروف. قال النّبيّ ﷺ لأصحابه حينما رآهم يتعجّبون من الجُبَّة التي أهداها له الأكيدر: "أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنّة أحسن من هذا". هذه الحادثة على بساطتها توضح لنا أمرين على درجةٍ كبيرةٍ من الأهمية: الأمر الأوّل: معرفة مدى ما كان عليه الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - من البساطة، والتواضع، والزهد، وترك بهرج الدنيا، ربّاهم على ذلك المربِّي الأوّل، رسول الله ﷺ ، الذي مات وهو لم يشبع من خُبز الشعير بأبي هو وأُمي، وهو الذي لو أراد لَحِيزَت له الدُّنيا بأسرها.

стр. 379

الأمر الثّاني: معرفة مدى تفاهة متاع الدنيا وملذاتها، مقارنةً بنعيم الآخرة، وما أعدّه الله ﵎ للمتّقين في جنّات النعيم، فحُلَّة الديباج المنسوجة بالذهب لا تساوي شيئاً إذا قيست بمناديل الجنّة التي هي ليست من اللباس، بل دونه، فما بالك بلباسها؟!. وهكذا كان المصطفى ﷺ يُرَبِّي أصحابه مُوَضحاً لهم أنّ الدُّنيا بملذّاتها ونعيمها، وبما فيها من ذهبٍ وفضّةٍ وحريرٍ وديباجٍ، لا تساوي شيئاً يُذكر بِمَا أعدّه الله ﵎ لعباده في جنّاتٍ فيها ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر. وحينما يعرف الإنسان المؤمن التقيّ هذه الحقيقة الناصعة، فإنّه يكون أدعى لترك ما في الدنيا من ملذّات وشهوات، وأقرب للزهد فيها، والتّطلّع لِما ادّخره الله لعباده المتّقين بالعمل الصالح، والجدّ في الطاعة، والتّقى والعفاف ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُون﴾ . [سورة المطفِّفين، الآية:٢٦] . وقد آتت هذه التربية العظيمة أكلها وأينعت ثمارها مع سلفنا الصالح - رضي الله تعالى عنهم - وهكذا رأيناهم حينما فتحت لهم الدّنيا، وانساقت إليهم بحذافيرها، لم يغرّهم بهرجها، ولم ينخدعوا بنعيمها، ولم ينساقوا وراءها، بل كانوا أزهد الناس فيها، فملكوها ولم تملكهم، وساقوها بزمام التقى، والعفاف، وغنى النفس، والورع، والزهد، ولم تسقهم بزمام الشهوات، والملذّات، والنعيم الزائل، والمعاصي الموبقة، روَّضوها لطاعة الله وجعلوها دار عبور وممرّ، وطريقاً إلى الجنّة، ولم تروّضهم لشهواتها وملذاتها، فتجعلها طريقاً لهم إلى النار، ولم يتّخذوها دار بقاء وقرار.

стр. 380

إنّه عندما عرف السلف حقيقة هذه الدّنيا الفانية، دانت لهم فدانت لهم أممها من أقطارها، وعندما ضيَّع الخلف هذه المفاهيم الصحيحة، ولم يعرفوا الدّنيا على حقيقتها، دانوا لها، فتداعت عليهم أُممها من أقطارها: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفِسِهِم﴾ . [سورة الرعد، الآية: ١١] .

стр. 381

الفصل الثالث: سرية أسامة بن زيد ﵁ إلى أبنى المبحث الأول: التعريف بأبنى ... المبحث الأوّل: التّعريف بأُبنى: أُبْنَى مضمومة الأولى، ساكنة الثاني، بعده نون، على وزن فُعْلى، موضع بناحية البلقاء من الشام١. قال القاري والحلبي: اسم موضع من فلسطين بين عسقلان والرملة٢. وقيل: لأبي مسهر٣: أُبنى. قال: نحن أعلم، هي: يُبنا فلسطين٤. قال ابن قدامة: "والصحيح أنّها أُبنى، كما جاءت في الرواية، وهي قرية من أرض الكرك، في أطراف الشام، في الناحية التي قُتِلَ فيها أبوه٥، فأمّا يُبْنا فهي من أرض فلسطين، ولم يكن أسامة ليصل إليها، ولا يأمره النّبي ﷺ بالإغارة عليها، لبعدها، والخطر بالمصير إليها لتوسطها في البلاد، وبُعدها من طرف الشام، فما كان النّبيّ ﷺ ليأمره بالتغرير بالمسلمين، فكيف يُحْمَل الخبر عليها، مع مخالفة لفظ الرواية، وفساد المعنى"٦. قال ياقوت: "وفي كتاب نصر أُبنى قرية بمؤتة"٧.

стр. 382

قلت: ما رجّحه ابن قدامة تؤيّده روايات أهل المغازي، فقد ذكر عروة، والزهري، وابن عقبة في روايتهم: [١] "أنّ رسول الله ﷺ أَمَر أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما، أن يُغير على مؤتة، وعلى جانب فلسطين ... ". الحديث١. وعنون الواقدي للسرية بقوله: "غزوة أُسامة بن زيد مؤتة٢، ثُمَّ ذكر في سياق حديثه عن السرية رواية ساقها بسنده عن الزهري، عن عروة، عن أُسامة بن زيد ﵄: [٢] "أنّ النّبيّ ﷺ أمره أن يُغير على أُبنى ... ". الحديث٣. وقال ابن سعد: "وهي أرض السراة ناحية البلقا"٤. وأخرج في موضعٍ آخر بسنده عن عروة قال:

стр. 383

[٣] "وأمره أن يُغيّر على أُبنى من ساحل البحر"١. أمّا ابن إسحاق فذكر أنّ رسول الله ﷺ أَمَرَ أُسامة أن يوطئ الخيل تُخُومَ البلقاء والداروم من أرض فلسطين٢. [٤] "وذكر مثل ذلك مالك بن أنس رحمه الله تعالى"٣. قال ياقوت: "الداروم قلعة بعد غزة للقاصد إلى مصر، الواقف فيها يرى البحر ويُقال لها الدارون"٤. وأخرج ابن سعد، عن هشام بن عروة حديث السّرية في ترجمة أُسامة فقال فيه: "فبعثه أبو بكر إلى آبل ... ". الحديث٥. وأخرج مثله الطبري من حديث سيف، عن هشام، عن أبيه، وقال فيه: [٥] "وقال له: اصنع ما أمرك به نبيّ الله ﷺ ، ابدأ ببلاد قضاعة، ثُمّ ايت آبل ... "٦.

стр. 384

وقد ذكر مثل ذلك ابن عساكر، عن الواقدي، فقال: [٦] "ذكر أبو عبد الله محمّد بن عمر بن واقد الواقدي في كتاب الصوائف الذي صنّفه، أنّ غزوة الجندل، أوّل غزوات الشام، والثّانية مؤتة، والغزوة الثّالثة تبوك، والغزوة الرّابعة غزوة أُسامة ابن زيد يُبنى من أرض فلسطين في سنة عشرة، والغزوة الخامسة غزوة أُسامة بن زيد آبل الزيت في سنة إحدى عشرة، وهي التي أمّره عليها ﷺ وهو مريض، فغزاها بعد وفاته ﷺ ، ولم أجد أحداً من العلماء فرّق بين غزوة يُبنى وبين غزوة آبل الزيت غير الواقدي، وقد ذكر في كتاب المغازي الذي صنّفه حديث الأمر بالإغارة على يُبنى في جملة قصّة إنفاذ أبي بكر لجيش أُسامة وإغارته على آبل الزيت، وعندي أنّهما غزوة واحدة، أغار فيها على الموضعين جميعاً. والله أعلم "١. قال ياقوت: "آبل - بفتح الهمزة وبعد الألف باء مكسورة ولام - أربعة مواضع، وفي الحديث: أنّ رسول الله ﷺ جهَّز جيشاً بعد حجّة الوداع وقبل وفاته، وأمّر عليهم أُسامة بن زيد، وأمَرَه أن يوطئ خيله آبل الزيت، بلفظ زيت الأدهان بالأردن من مشارف الشام"٢.

стр. 385

قلت: هل كانت أُبنى، والداروم، ومؤتة، وآبل الزيت سرية واحدة أغار فيها أُسامة بن زيد عنهما على هذه المواضع جميعاً، كما ألمح لذلك ابن عساكر؟ أم أنّها كانت سرايا متعدّدة لشخصٍ واحدٍ وهو أُسامة ﵁، أم أنّها كانت سريةً واحدةً لمكانٍ واحدٍ له أسماء متعدّدة؟ أم أنّ هذه المواضع المذكورة كانت هي مناطق القبائل العربية التي شاركت في مؤتة ضدّ المسلمين؟ ! وباعتبار أنّها كانت متقاربة، بَعَثَ إليها رسول الله ﷺ بعثاً واحداً لضربها وتأديب أهلها، وهو ما أُرَجحه. والله تعالى أعلم.

стр. 386

المبحث الثّاني: تاريخ السّريّة: أكثر الروايات تحدَّثت عن تجهيز البعث في عهد المصطفى ﷺ ، ثُمّ أفاضت في الحديث حول مرض النّبيّ ﷺ ، ثُمّ وفاته، وتوقَّفت دون أن تشير إلى بقية أخبار البَعْث. ففي رواية عروة، والزهري، وموسى بن عقبة قالوا: [٧] "قدم رسول الله ﷺ المدينة، - يعني من حجّة الوادع - فعاش بالمدينة حين قدمها بعد صدرة المحرَّم، واشتكى في صفر، فوعك أشد الوعك ... ". ثُمّ ذكروا حديثاً طويلاً حول مرضه ﷺ إلى أن قالوا: "وكان أُسامة بن زيد قد تجهَّز للغزو، وخرج في ثقله إلى الجرف، فأقام تلك الأيام بشكوى رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ قد أمَّره على جيش ... " إلى أن قالوا: "فجلس رسول الله ﷺ إلى ذلك الجذع، واجتمع إليه المسلمون يسلمون عليه، ويدعون له بالعافية، ودعا رسول الله ﷺ أُسامة بن زيد، فقال: اغدُ على بركة الله والنصر والعافية، ثُمَّ أغِر حيث أمرتُك أن تُغير. قال أُسامة: يا رسول الله! قد أصبحت مُفيقاً، وأرجو أن يكون الله قد عافاك، فائذن لي، فأمكُثَ حتّى يشفيك الله، فإنّي إن خرجت وأنت على هذه الحال، خرجت وفي نفسي منك قرحة، وأكره أن أسأل عنك الناس. فسكت رسول الله ﷺ ، وقام، فدخل بيت عائشة ... "، إلى قالوا: "ووعك رسول الله ﷺ حين رجع أشد الوعك، واجتمع إليه نساؤه، وأخذ بالموت ...

стр. 387

فلم يزل كذلك حتّى زاغت الشمس من يوم الإثنين ... "، ثُمّ قالوا: "واشتدّ برسول الله ﷺ الوجع، فأرسلت فاطمة إلى علي ابن أبي طالب، وأرسلت حفصة إلى عمر بن الخطّاب، وأرسلت كلّ امرأة إلى حميمها١، فلم يرجعوا حتّى توفي رسول الله ﷺ على صدر عائشة في يومها، يوم الإثنين حين زاغت الشمس لهلال شهر ربيع الأوّل ﷺ "٢. وفي رواية ابن إسحاق قال: [٨] "ثُمّ قفل رسول الله ﷺ فأقام بالمدينة بقية ذي الحجّة، والمحرَّم، وصفر، وضرب على الناس بَعْثاً إلى الشام، وأمَّر عليهم أُسامة بن زيد بن حارثة مولاه ... "٣. وقال ابن حجر: "كان تجهيز أُسامة يوم السبت قبل موت النبيّ ﷺ بيومين، وكان ابتداء ذلك قبل مرض النّبيّ ﷺ ، فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر ... ثُمَّ قال: [٩] "فبدأ برسول الله ﷺ وجعه في اليوم الثّالث، فعقد لأُسامة لواءً بيده ... إلى أن قال: ثُمَّ اشتدَّ برسول الله ﷺ وجعه، فقال: أنفذوا جيش أُسامة، فجهَّزه أبو بكر بعد أن استخلف ... " ٤.

стр. 388

ولم يُفَصل الحديث في السرية منذ لحظة تجهيزها إلى انطلاقها نحو الشام غير الواقدي، وكاتبه ابن سعد، ومَن تبعهما من أصحاب المغازي المتأخرين، قال ابن سعد: [١٠] "لمّا كان يوم الإثنين، لأربع ليالٍ بقين من صفر سنة إحدى عشرة مِن مهاجر رسول الله ﷺ ، أَمَر رسول الله ﷺ الناس بالتهيّؤ لغزو الروم، فلمّا كان من الغد دعا أُسامة بن زيد، فقال: سِر إلى موضع مقتل أبيك ... " إلى أن قال: "فلمّا كان يوم الأربعاء، بُدِئَ برسول الله ﷺ فَحُمَّ، وصدّع، فلمّا أصبح يوم الخميس عقد لأُسامة لواءً بيده ... "، إلى أن ذكر خطبة النّبيّ ﷺ بالناس حينما بلغه طعنهم في إمارته ... "، ثُمَّ قال: "وذلك يوم السبت لعشرٍ خلون من ربيع الأوّل، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أُسامة يُوَدعون رسول الله ﷺ ، ويمضون إلى المعسكر بالجرف، وثقل رسول الله ﷺ ، فجعل يقول: أنفذوا بَعْثَ أسامة، فلمّا كان يوم الأحد اشتدّ برسول الله ﷺ وجعه، فدخل أُسامة من معسكره والنّبيّ مغمور١، وهو اليوم الذي لدُّوه٢ فيه، فطأطأ أُسامة، وقَبَّلَه ورسول الله ﷺ لا يتكلّم". ثُمَّ قال: "ثُمَّ دخل يوم الاثنين، وأصبح رسول الله ﷺ مُفيقاً صلوات الله عليه وبركاته، فقال له: اغد على بركة الله، فودّعه أُسامة وخرج إلى معسكره،

стр. 389

فأمرَ الناس بالرحيل، فَبَيْنَا هو يريد الركوب إذا رسول أُمّه أُمّ أيمن قد جاءه يقول: إنّ رسول الله ﷺ يموت! فأقبل وأقبل معه عمر، وأبو عبيدة، فانتهوا إلى رسول الله ﷺ وهو يموت ... ". إلى إن قال: "فلمّا كان هلال شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة، خرج أُسامة فسار إلى أهل أُبنى"١. وذكر مثل ذلك الواقدي٢،وتابعهما ابن سيد الناس٣،والحلبي٤، والزرقاني٥. أمّا خليفة بن خياط، فذكر بسنده عن الزهري قال: [١١] "فسار أُسامة في آخر شهر ربيع الأوّل حتّى بلغ أرض الشام"٦. قلت: لا فرق بين القولين، فربما كان سيره آخر يوم في شهر ربيع الأوّل، وأّوّل يوم في شهر ربيع الآخر. والله تعالى أعلم. وكانت هذه السرية آخر سرية جهّزها رسول الله ﷺ ، وأوّل سرية جهّزها أبو بكر الصّدّيق ﵁ بعد أن استخلف٧.

стр. 390

المبحث الثّالث: سبب السّرية والمهمّة التي أُنيطت بها: أشارت الروايات التي نقلت خبر السرية إلى أنّها كانت لتأديب القبائل وأهل القرى في تلك المنطقة الذين شاركوا في غزوة مؤتة ضدّ المسلمين، ففي رواية عروة، والزهري، وموسى بن عقبة: [١٢] "أمره رسول الله ﷺ أن يغير على مؤتة، وعلى جانب فلسطين، حيث أُصيب زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة"١. وفي رواية ابن سعد قال: "سِر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل"٢. وفصَّل الواقدي القول في ذلك، فقال: [١٣] "لم يزل رسول الله ﷺ يذكر مقتل زيد بن حارثة، وجعفر، وأصحابه، وَوجد عليهم وجداً شديداً، فلمّا كان يوم الإثنين لأربع ليالٍ بقين من صَفَر سنة إحدى عشرة أمر رسول الله ﷺ الناس بالتّهيّؤ لغزو الروم، وأمرهم بالانكماش٣ في غزوهم، فتفرّق المسلمون من عند رسول الله ﷺ وهم مُجِدّون في الجهاد، فلمّا أصبح رسول الله ﷺ من الغد، يوم الثلاثاء لثلاثٍ بقين من
следующие страницы →