"من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" ١. قال البخاري: ثنا محمد بن عبادة، ثنا سليم بن حيَّان، وأثنى عليه، ثنا سعيد بن مينا، ثنا أو سمعت جابر بن عبد الله يقول: "جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم، فقال بعضهم إنه نائم، وقال بعضهم العين نائمة والقلب يقظان، قالوا: إن لصاحبكم هذا مثلاً فاضربوا له مثلاً، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان، فقالوا: مَثَلُهُ كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة وبعث داعياً فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا: أوِّلوها له يفقهها فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة، والداعي محمد فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً فقد عصى الله ومحمد فرَّق بين الناس" ٢.
واعلم أن مبنى قبول العمل على ركنين: الإخلاص والمتابعة. قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ . [الملك: ٢] . قال الفضيل بن عياض: "هو أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل وإن كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، الخالص ما كان لله، والصواب أن يكون على السنة"، فالإخلاص في العمل مقتضى لا إله إلا الله، والصواب يعني متابعة سنة الرسول ﷺ في العمل من مقتضى محمد رسول الله، فبان أن الله لا يقبل من أحد لا إله إلا الله حتى يشهد أن محمداً رسوله ويتبعه فيما
стр. 142
أتى به دقاً وجلاً فيدور مع قول الرسول ﷺ وفعله نفياً وإثباتاً بلا روغان فصارت الشهادة أن محمداً رسول الله والمتابعة له من متممات لا إله إلا الله.
وأما مقتضاها١: سلامة القلب من الشرك والشك والكفر والنفاق والعجب والكبر وتحلي القلب بحلي الإيمان والإخلاص وعظمة الله ووقاره والحب في الله والبغض فيه والرضى بقضاء الله وتسليم الأمر لله ونحو ذلك من الأعمال القلبية وصدق اللسان والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحدث بنعمة الدين والثناء على الله والشكر له والحمد ونحو ذلك من الأعمال اللسانية، وامتثال أوامر الله بما قال الله ورسوله وقد الله في كتابه العزيز آية جامعة لأصول الأعمال الصالحة، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ . [البقرة: ١٧٧] .
قال البيضاوي: والآية كما ترى جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها دالة عليها صريحاً أو ضمناً فإنها بكثرتها وتشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحة الاعتقاد، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس، وقد أشير إلى الأول بقوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ . وإلى الثاني بقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ . وإلى
стр. 143
الثالث بقوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في الدين واتباع الحق وطلب البر ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ . عن الشرك والكفر وسائر الرذائل.
стр. 144
متن الباب ٢
باب: من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب
وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . [النحل: ١٢٠] . وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] .
عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لُدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة. قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "عرضت عليّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب"، ثم نهض فدخل منزله. فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ . وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله
стр. 145
شيئاً، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه فأخبروه، فقال: "هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: "أنت منهم" ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: "سبقك بها عكاشة".
فيه مسائل:
الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد.
الثانية: ما معنى تحقيقه.
الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يكن من المشركين.
الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك.
الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد.
السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل.
السابعة: عمق علم الصحابة لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل.
الثامنة: حرصهم على الخير.
التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية.
العاشرة: فضيلة أصحاب موسى.
стр. 146
الحادية عشرة: عرض الأمم عليه، ﵊.
الثانية عشرة: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها.
الثالثة عشرة: قلة من استجاب للأنبياء.
الرابعة عشرة: أن من لم يجبه أحد يأتي وحده.
الخامسة عشرة: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة، وعدم الزهد في القلة.
السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحمة.
السابعة عشرة: عمق علم السلف لقوله: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا. فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني.
الثامنة عشرة: بعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه.
التاسعة عشرة: قوله: "أنت منهم" علم من أعلام النبوة.
العشرون: فضيلة عكاشة.
الحادية والعشرون: استعمال المعاريض.
الثانية والعشرون: حسن خلقه ﷺ .
стр. 147
شرح الباب ٢
باب في بين أدلة من الكتاب والسنة تدل على أن من حقق التوحيد الذي أرسل الله به الرسل وألزم به العبيد وهو إقبال العبد على الله بقلبه وقالبه في عبادته ودعائه وتوكله واستعانته ولا يساوي معه تعالى في حبه ورجائه وخوفه لا إله إلا هو دخل الجنة بغير حساب
قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ﴾ . [النحل: ١٢٠، ١٢١] . يخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله ونبيه على نبينا وعليه السلام أنه كان أمة في تعليمه الناس الخير ومقاومته أهل الأرض بالمناصحة والمجادلة الحسنة أولاً فأولاً والأهم فالأهم، فأول ما بدأ بمناصحة أبيه ومجادلته بالتي هي أحسن ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ . [مريم: ٤٢-٤٥] . قال أبو آزر له ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ . [مريم: ٤٦] . فلما بان منه الصدود والإعراض وتبين له أنه عدو لله تبرأ منه ثم ناصح أباه وقومه معاً واجتهد في دخولهم الصلاح والفلاح وجادلهم بالتي هي أحسن مع إنكاره عليهم في عبادتهم غير الله مع الله وهم عبيده تحت قهره وتصريفه ولا يملكون لهم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً﴾ . [الشعراء: ٧٠، ٧١] . أي صوراً كانوا يصورونها على صور الصالحين قبلهم ﴿وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ . [نوح: ٢٣] . وكانوا ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ . [يونس: ١٨] . قالوا كذلك قال تعالى: ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ .
стр. 148
[الشعراء: ٧١] . ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ . [الشعراء: ٧٢] . أي إذا دعوتموهم ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ . إذا استعنتم بها ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ . [الشعراء: ٧٣] إن تركتم عبادتها ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . [الشعراء: ٧٤] . أي إنهم لا يسمعون دعائنا ولا ينفعون ولا يضرون غير أنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ففعلنا فعلهم ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ . [الشعراء: ٧٥-٧٧] . فهذا الاستثناء يدل على أنهم يعبدون الله ويعبدون غيره فتبرأ إبراهيم من عبادة غير الله ومعابيدهم الباطلة واستثنى المعبود الحق رب العالمين الذي خلقني من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم صورني فأحسن صورتي فأخرجني إلى الفضاء وهو يهديني لما يصلحني وهو يطعمني بأرزاقه التي خلقها لنا من كل شيء ويسقيني وإذا مرضت فهو يشفيني لا شفاء إلا شفائه والذي يميتني ثم يحييني والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين فهذا معبدوي الذي أعبده وحده وأتعلق بع وأتوكل عليه وأستعين به في أمور ديني ودنياي، بيده أزمة الأمور كلها له الآخرة والأولى، ثم قاوم ملكهم نمرود بن كنعان ومن تبعه بالمنصاحة والمجادلة الحسنة وتوضيحه لهم الأمر الجلي الواضح الذي يدل على فساد عقولهم وضلالهم وذلك كسره الأوثان، قال تعالى حكاية عنه أنه قال لهم: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ . [الأنبياء: ٥٧] . فقد كان لهم في كل سنة مجمع وعيد كانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ثم عادوا إلى منازلهم فلما كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم له: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا فخرج معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي فلما مضوا رجع إلى بيت الآلهة وهن في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم
стр. 149
عظيم إلى جنبه أصغر منه وإلى جنب الأصغر أصغر منه وهكذا على التوالي وإذ هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين أيدي الآلهة وقالوا: إذا رجعنا قد باركت الآلهة في طعامنا فأكلنا فقال لهم إبراهيم على طريق الاستهزاء ألا تأكلون فلما لم تجبه قال: ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضرباً باليمين فجعل يكسرهن بفأس حتى إذا لم يبق إلا الأكبر علق الفأس في عنقه ثم خرج وذلك قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ . [الأنبياء: ٥٨] . قيل: معناه لعلهم يرجعون إلى دينه إذا علموا ضعف الآلهة، وقيل: لعلهم يرجعون فيسألونه فأتوا فرأوا و ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ . [الأنبياء: ٥٩-٦١] . كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، وقيل: لعلهم يحضرون عقابه وما يصنع به ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ . ما نراه إلا كما قال: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ . [الأنبياء: ٦٢-٦٤] . يعني بعبادتكم من لا يتكلم وقيل أنتم الظالمون في سؤالكم إياه وهذه الآلهة فاسألوها ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ﴾ . قال أهل التفسير: أجرى الله الحق على لسانهم أولاً ثم أدركتهم الشقاوة وقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ . [الأنبياء: ٦٥] . لأنهم صور الصالحين فكيف نسألهم فلما اتجهت الحجة لإبراهيم ﴿قَالَ﴾ . لهم ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ . [الأنبياء: ٦٦، ٦٧] . فلما علم أنهم أعداء الله ولا تنفع فيهم المناصحة والمجادلة بالتي هي أحسن أيس منهم ونابذهم في الله أشد المنابذة وكافحهم بالإنكار أشد المكافحة وعاداهم في الله أشد المعاداة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ
стр. 150
لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ . [الممتحنة: ٤] . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ . [الزخرف: ٢٦-٢٨] . يعني لا إله إلا الله، لأن معنى الآيتين نفي العبادة عما سوى الله تعالى وإثباتها لله وحده لا شريك له، وأيضاً معناها الولاء لمن عبد الله وحده لا شريك له والبراء ممن أشرك مع الله غيره فكان ﵇ مجتهداً في تعليمه الناس الخير والحق والتوحيد.
قانتاً لله أي مطيعاً له كقوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ . [الروم: ٢٦] . أي مطيعون مذعنون، قال النووي عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن السعدين١ أنه سأل ابن مسعود عن الأمة القانت فقال: الأمة معلم الخير والقانت المطيع لله.
حنيفاً أي مائلاً من الباطل إلى الحق ومن الشرك إلى التوحيد ومن الكفر إلى الإيمان ومن النفاق إلى الإخلاص ومن المعاصي إلى الطاعات، قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ . [النجم: ٣٧] .
ولم يك من المشركين تبرأ من المشركين ومما يعبدون من دون الله تعالى وأخلص العمل لله وحده وكسر الأوثان ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ . [الأنبياء: ٦٨] . قال ابن عمر: بنوا بنياناً كالحفيرة ثم جمعوا أصلاب الحطب من أصناف الخشب مدة حتى المريض يقول: إن عافني الله لأجمعن حطباً لإبراهيم وكانت
стр. 151
المرأة تنذر في بعض ما تطلب لئن أصابته لتحطبن في نار إبراهيم وكان الرجل يوصي شراء الحطب وكانت المرأة تغزل وتشتري الحطب بغزلها احتساباً في دينها، قال ابن إسحاق: كانوا يجمعون الحطب شهراً فأشعلوا في كل ناحية من الحطب ناراً فاشتعلت واشتدت حتى إن الطير لتحترق من شدة وهجها فأوقدوا عليها سبعة أيام، ثم وضعوا إبراهيم في المنجنيق فلما رموه فيها أتاه جبريل فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال: فسل ربك فقال إبراهيم: "حسبي من سؤالي علمه بحالي"١. فلما علم الله أنه رقى في الإخلاص منزلته الأعلى وتوكل عليه حق التوكل وتبرأ من الحول والقوة وقطع العلائق عما سواه قال الله تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ . [الأنبياء: ٦٩] . وذلك لما دعا الله تعالى إبراهيم من قلب حاضر خاشع عارف بالله خائف منه فارغ عما سواه مقبل على الله بقلبه وقالبه قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ . [إبراهيم: ٣٥] . وقال هو وإسماعيل ولده ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ . [البقرة: ١٢٨] . أجاب الله دعاءه وجعله إمام الحنفاء، وليست الإجابة مختصة بإبراهيم بل الأنبياء كلهم دعوا وأجاب الله دعاءهم بل الأمر علم لمن دعا الله بقلب حاضر متجنب الموانع قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ . [غافر: ٦٠] . قال ابن القيم: " الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب ولكن قد يتخلف عنه أثره إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء فيكون بمنزلة القوس الرخو جدًّا فإن السهم يخرج منه
стр. 152
خروجاً ضعيفاً وإما لحضور المانع من الإجابة من أكل الحرام والظلم ورين الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والشهوة والذنوب والأهواء وغلبتها عليها كما في صحيح مسلم من حديث أبى هريرة "ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه" ١. فهذا دعاء نافع مزيل للداء ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوته وكذلك أكل الحرام يبطلها ويضعفها كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يارب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك" ٢.
وللدعاء مع البلاء ثلاث مقامات:
أحدها: أن يكون أقوي من البلاء فيدافعه.
الثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد ولكن يخففه وإن كان ضعيفاً.
الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل منهما وإذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب وصادف وقتاً من أوقات الإجابة الستة: الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان
стр. 153
والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام المنبر يوم الجمعة حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم، وصادف خشوعاً في القلب وانكساراً بين يدي الرب وإذلالاً له وتضرعاً ورقًّا واستقبل الداعي القبلة وكان على طهارة ورفع يديه إلى الله تعالى وبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ثنى بالصلاة على محمد عبده ﷺ ، ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار ثم دخل على الله وألحّ عليه في المسألة والتعلق به ودعا رغبة ورهبة وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده وقدم بين يديه صدقة فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبداً ولا سيما إذا صادف الأدعية التي أخبر النبي ﷺ أنها مظنة الإجابة وأنها متضمنة للاسم الأعظم". انتهى كلامه ﵀ في فوائد الدعاء وموجبات الإجابة وموانعها.
واعلم أن تحقيق التوحيد له درجات بعضها فوق بعض، ففي ذروة سنامه إبراهيم خليل الرحمن وسيد المرسلين محمد بن عبد الله، فأما إبراهيم لما رمي في النار وقال له جبريل ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، جعل الله له النار برداً وسلاماً، وأما رسول الله ﷺ لما قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ . [آل عمران: ١٧٣] . ومن بعدهما صحابة رسول الله ﷺ .
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ . فكل من لا يشرك بربه فالآية تشمله.
عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة روى أن انقِضَاضاً من الكواكب حدث بمولد النبي ﷺ لقوله تعالى عن الجن أنهم
стр. 154
قالوا لما سمعوا القرآن ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً﴾ . [الجن: ٩] . قال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ . [الصافات: ٦-١٠] . وقيل: إنه كان قبل مبعثه ولكن اشتد بمبعثه ﷺ على الشياطين بكثرة الشهب والحرس. قلت أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت. وهذا شأن الصالحين لم يرضوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلما كانت يقظته لقيام الليل للعبادة نفى عن نفسه المظنة قال: سعيد فما صنعت؟ قلت: ارتقيت أي طلبت الرقية من غيري قال: سعيد فما حملك على ذلك؟ وفي هذا أعظم دليل على أن الصحابة لم يقبلوا عملاً ولا قولاً إلا بدليل من الكتاب والسنة لأن الذي يرضاه الله من القول والعمل هو الذي شرعه على لسان رسوله وأمر عباده به قلت: حملني عليه حديث حدثناه الشعبي قال سعيد: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: "لا رقية إلا من عين لثبوته في الكتاب والسنة ". وفي الحديث عن النبي ﷺ : "أن أثر العين لتدخل الرجل القبر والجمل والقدر" ١ وروي أنه كان في بني أسد عيَّانون فأراد بعضهم على أن يعين رسول الله ﷺ فأنزل قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ
стр. 155
بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ . [القلم: ٥١] . أو حمة بضم الحاء اللدغة فقال سعيد: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع عن الله وعن رسوله ولم يتعد إلى غيره. ولكن هنا درجة أرفع من هذه الدرجة التي أنت فيها وهي درجة التوكل حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط" من التسعة إلى الثلاثة والنبي ومعه الرجل والرجلان، "والنبي وليس معه أحد" لمرارة الحق على النفوس إلا ما رحمه الله تعالى وهداه، قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ . "إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي" لكثرتهم "فقيل" لي "هذا موسى وقومه فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئاً وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبرو هـ" بما قالوا "فقال: هم الذين لا يسترقون" أي يطلبون الرقية "ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ . وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ "فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم" ولم يقل: اجعلني منهم "فقال ﷺ " إما بوحي أوحي إليه أو بإلهام ألهمه الله تعالى: "أنت منهم، ثم قام
стр. 156
رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال ﷺ "سبقك بها عكاشة" ١. سدًّا للذريعة أم علم بوحي أو إلهام أنه ليس منهم وما أراد فضيحته.
стр. 157
متن الباب ٣
باب: الخوف من الشرك
وقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . [النساء: ٤٨] . وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ . [إبراهيم: ٣٥] . وفي حديث: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" فسئل عنه فقال: "الرياء" وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار". رواه البخاري. ولمسلم عن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار ".
فيه مسائل:
الأولى: الخوف من الشرك.
الثانية: أن الرياء من الشرك.
الثالثة: أنه من الشرك الأصغر.
الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين.
الخامسة: قرب الجنة والنار.
السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد.
السابعة: أنه من لقيه لا يشرك به شيئاً دخل الجنة. ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار ولو كان من أعبد الناس.
стр. 158
الثامنة: المسألة العظيمة: سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام.
التاسعة: اعتباره بحال الأكثر، لقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ . [إبراهيم: ٣٦] .
العاشرة: فيه تفسير "لا إله إلا الله" كما ذكره البخاري.
الحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك.
стр. 159
شرح الباب ٣
باب في بيان ما يدل على أن الخوف من الشرك من لوازم المسلم.
وذلك لما كان الشرك أظلم الظلم كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ . [الأحقاف: ٥، ٦] .
وأنه أعظم الظلم قال تعالى لقمان في وصيته لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ . وفي الحديث وقد رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث الحارث الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها فقال له عيسى: إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقني بها أن يخسف بي أو أعذب، فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ له المسجد وقعدوا على الشرف، فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم بهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن مثل من أشرك به كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بذهب أو ورق فقال: هذه داري وهذا عملي فاعمل وأدّ لي فكان يعمل ويؤدى إلى غير سيده فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك" ١. الحديث.
فأي ظلم أعظم من أن يخلقك ربك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً في أحسن صورة ورزقك من كل نعمة ودفع عنك كل نقمة فتشرك غيره وتعبد غيره كما في الحديث القدسي: "أنا والثقلين في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري، خيري إليهم نازل،
стр. 160
وشرهم إلي صاعد " ١. الحديث.
فالشرك أقبح المنكرات وأعظم الذنب كما في البخاري، قال رجل: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ وفي آخر: أكبر بدل أعظم، قال: "أن تدعو لله ندًّا وهو خالقك". قال ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك". ثم قال: أي: قال: "أن تزني" وفي رواية: "أن تزني بحليلة جارك" فأنول الله تصديقها ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ ٢. [الفرقان: ٦٨-٧٠] .
وأنه أكبر الكبائر. في البخاري ثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، وشهادة الزور ثلاثاً أو قول الزور" ٣. فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. وأنه أبغض المعاصي إليه تعالى وأكرهها عنده وأشد عقوبة ومقتاً قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . [النساء: ٤٨، ١١٢] . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ . [التوبة: ٢٨] . وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ . [المائدة: ٧٢] . ولما كان الشرك الأعظم مقتاً عند الله أباح للمسلمين دماءهم وأموالهم وذراريهم قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ .
стр. 161
[التوبة: ٥] . وذلك لأن الشرك هضم لحق الربوبية وتنقص لعظمة الألوهية فلأجل ذلك كله حقيق على كل مسلم أن يخاف الشرك ويحذره ويسأل الله ليله ونهاره بل كل ساعة ولحظة أن يجنبه الشرك ويهديه للتوحيد والإخلاص ويثبته عليه ولا يزيغ قلبه عن الهدى.
واعلم أن كلما زادت معرفة العبد بالله وعلمه به وبأحكامه وعقابه وثوابه كان خوفه أشد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ .ولما كان إمام الحنفاء إبراهيم ومحمد بن عبد الله سيد المرسلين صلوات الله عليهم أجميعن أعلم بالله كان خوفهم أشد وأعظم وطلبه من الله النجاة أكثر قال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ . قال: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ . [البقرة: ١٢٨] . وقال رسول الله ﷺ : ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾ . [الإسراء: ٨٠] . وقال يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ . [يوسف: ١٠١] . وقال سليمان ﵇: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ . [النمل: ١٩] .
واعلم أن الشرك أكبر وأصغر:
فالأكبر يحبط الأعمال كلها ويخرج الإنسان من إسلامه، قال تعالى خطاباً للنبي ﷺ وتنبيهاً لعباده: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . [الزمر: ٦٥] .
وأما الأصغر: فيحبط العمل الذي هو فيه وحماه فيه كالرياء والسمعة وكثيراً ما يجري في الإنسان إلا من عصمه الله وحماه نسأل الله حمايته من كل ما يكره. في الحديث: "أخو فما أخاف عليكم الشرك
стр. 162
الأصغر". فسئل عنه قال: "الرياء" ١. وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه يقول: "قال الله: أنا غنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري فأنا بريء منه وهو كله للذي أشرك" ٢.
واعلم أن الله تعالى من حكمته وعدله يعامل الذي يقصد غيره في عمل أو قول بنقيض قصده وذلك لأنه تعالى ينظر إلى العامل فإن كان عمله لله خالصاً يجازيه به وإن أشرك معه غيره يرجعه إذاً خائباً خاسراً، قال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ . [طه: ١١١] . وأيضاً يريد المرائي أن يعظم في أعين الناس بعمله أو قوله فيرائي الله به فيسقط من عين الناس أولاً ثم من عيونهم.
وفي الحديث عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمّع سمع الله به ومن راءى راءى الله به" ٣. أخرجاه في الصحيحين. وفي مسلم عن أبي هريرة ﵁ "إن أول الناس يقضى يوم القيامة رجل استشهد فأتى به فعرّفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى قتلت، قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء فقد قيل، ثم أُمر به فسحب على وجهه في النار. ورجل تعلم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ فقد قيل، ثم أُمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتى به فعرفه
стр. 163
نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت لك فيه، قال: كذبت ولكنك فعلت ليُقال: هو جواد فقد قيل، ثم أُمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار" ١.
وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو لله ندًّا دخل النار" ٢.
ولمسلم عن جابر أن رسول اله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار" ٣.
стр. 164
باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله
...
متن الباب ٤
باب: الدعاء إلى شهادة أن لا إله الله
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . [يوسف: ١٠٨] .
عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله -وفي رواية-: إلى أن يوحدوا الله - فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك: فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب". أخرجاه.
ولهما عن سهل بن سعد ﵁، أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه. فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها. فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها. فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه، فأتى به فبصق في عينيه، ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال: "انفذ على رسلك حتى تنزل
стр. 165
بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك من حمر النعم". يدوكون: يخوضون.
فيه مسائل:
الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبعه ﷺ .
الثانية: التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيراً لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه.
الثالثة: أن البصيرة من الفرائض.
الرابعة: من دلائل حسن التوحيد: كونه تنزيهاً لله تعالى عن المسبة.
الخامسة: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله.
السادسة: -وهي من أهمها- إبعاد المسلم عن المشركين لئلا يصير منهم ولو لم يشرك.
السابعة: كون التوحيد أول واجب.
الثامنة: أن يبدأ به قبل كل شيء، حتى الصلاة.
التاسعة: أن معنى: "أن يوحدوا الله" معنى شهادة: أن لا إله إلا الله.
العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب، وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها.
الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج.
الثانية عشرة: البداءة بالأهم فالأهم.
стр. 166
الثالثة عشرة: مصرف الزكاة.
الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم.
الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال.
السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم.
السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب.
الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء.
التاسعة عشرة: قوله: "لأعطين الراية" إلخ. علم من أعلام النبوة.
العشرون: تفله في عينيه علم من أعلامها أيضاً.
الحادية والعشرون: فضيلة علي ﵁.
الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة الفتح.
الثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر، لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى.
الرابعة والعشرون: الأدب في قوله: "على رسلك".
الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.
السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا.
السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة، لقوله: "أخبرهم بما يجب عليهم".
стр. 167
الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله تعالى في الإسلام.
التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد.
الثلاثون: الحلف على الفتيا.
стр. 168
شرح الباب ٤
باب في بيان ما يدل على أن الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله هو أحسن الأقوال وهو الطريقة المرضية عند الله وهو سبيل الرسول ﷺ ومن تبعه من الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ . [فصلت: ٣٣] . وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . [يوسف: ١٠٨] . والمخالف في هذا على أنواع منهم من يجهل الشريعة لغفلته عما أنزل الله على رسوله ﷺ وأوامره ونواهيه فهو كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ . [الأعراف: ١٧٩] . فبين الله أن عدم معرفتهم سببه الغفلة عما أمر الله ورسوله. ومنهم من يعلم الشريعة ولكن تعلمها للدنيا والجاه والمنصب لا لله تعالى فهو كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ . [هود: ١٥، ١٦] . وعن كعب بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من طلب العلم ليجازى به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار" ١. رواه الترمذي. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: "من تعلم علماً مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم بجد عرف الجنة يوم
стр. 169
القيامة" ١. يعني ريحها، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
ومنهم من يعلم الشريعة قاصداً وجه الله لكن لا يعلم غيره لأمر من الأمور وقصد من المقاصد التي ليست شرعية فهو كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ . [البقرة: ١٥٩] . ومنهم من يعلم ويتعلم لله ويعلم غيره ولكن لا يصبر على ما يصيبه في الله تعالى فهو كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ . [العنكبوت: ١٠] . وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ . [الحج: ١١] . ولا يسلم من هذه المخاطرات إلا من تعلم الشريعة لله وعمل به وعلم غيره وصبر على الأذى وصبر على ما أصابه في نفسه وماله ويعلم أن لكل شيء عوضاً إذا فاته، وما من الله عوض كما قيل:
لكل شيء إذا فوته عوض ... وما من الله إن فوته عوض
قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . [العصر:١- ٣] . فأقسم الله تعالى أن بني الإنسان كلهم في خسر إلا الذين فيهم هذه الأربع: الإيمان وهو العمل والعلم، والتعليم، والصبر فيلزم المسلم الصادق جهاد المخالفين على قدر الاستطاعة مرتباً على مراتبها وهي ثلاث عشرة مرتبة لأن الجهاد أربع درجات: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين، فدرجة جهاد النفس أربع مراتب:
стр. 170
أحدهما: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها علمه شقيت في الدارين.
الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه وإلا فمجرد العلم من غير العمل يضرها ولا ينفعها.
الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إلى الله وتعليم العلم الشرعي من لا يعلم وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله تعالى.
الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على المشاق وما يأتي من المحن في سبيل الله وإيذاء الناس ويتحمل ذلك كله لله تعالى.
ودرجة جهاد الشيطان مرتبتان:
أحدهما: جهاده على دفع ما يلقي للعبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان.
والثانية: جهاده على ما يلقي إليه من الإرادات من الشهوات.
فالجهاد الأول يكون بعدة اليقين وعدة اليقين الآيات القرآنية والسنن النبوية.
والجهاد الثاني بعدة الصبر وعدة الصبر إيمانك بالقدر وما عند الله من الجزاء الحسن، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ . [السجدة: ٢٤] . فأخبر الله تعالى أن إمامة الدين إنما تُنال بالصبر واليقين فالصبر يدفع الشهوات والإرادات واليقين يدفع الشكوك والشبهات.
ودرجة جهاد الكفار والمنافقين أربع مراتب:
بالقلب واللسان والمال والنفس.
وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان.
ودرجة أرباب الظلم ثلاث مراتب:
стр. 171
الأولى باليدين فإن لم يستطع يلزمه الجهاد باللسان وإن لم يستطع فبقلبه، قال رسول الله ﷺ : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ١.
فهذه ثلاث عشرة مرتبة من الجهاد "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق".
وأكمل الخلق عند الله من كمَّل مراتب الجهاد والناس متفاوتون في منازلهم عند الله بتفاوتهم في مراتب الجهاد ولهذا كان أكمل الخلق وأكرمهم على الله خاتم الأنبياء ورسله فإنه كمل مراتب الجهاد وجاهد في الله حق جهاده وشرع في الجهاد من حيث بعث إلى أن توفاه الله فإنه لما نزل عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ . [المدثر: ١- ٥] . شمر عن ساق الدعوة وقام في ذات الله أتم القيام ودعا إلى الله ليلاً ونهاراً وسرًّا وجهراً.
قال الترمذي: حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان وغيرهما قالوا: أقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاث سنين من أول نبوته مستخفياً ثم أعلن في الرابعة فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين يوافي المواسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم وفي المواسم بعكاظ ومجنة فلا يجيبه أحد حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازل العرب قبيلة قبيلة ويقول: أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، وإذا متم كنتم ملوكاًً
стр. 172
في الجنة، وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه إنه صابئ كذاب، فيردون على رسول الله ﷺ أقبح الرد، ويؤذونه ويقولون: أسرتك وعشيرتك أخبر بك حيث لم يتبعوك وهو يدعوهم إلى الله ويقول: اللهم إن شئت لم يكونوا هكذا، قال: وكان مما سمى لنا من القبائل الذين أتاهم رسول الله ﷺ ودعاهم وعرض عليهم نفسه بنو عامر بن صعصعة ومحارب بن حفصة وبنو نضر وبنو المنكا١ وكنده وكلب والحارث بن كعب وعذره والحضارمة فلم يستجب منها أحد.
ولما نزل عليه ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ . [الحجر: ٩٤] . صدع بأمر الله تعالى لا يأخذه في الله لومة لائم فدعا إلى الله الكبير والصغير والحر والعبد والذكر والأنثى، والأحمر والأسود والجن والإنس لما صدع بأمر الله وصرح لقومه بالدعوة وعاب دينهم اشتد أذاهم له ولمن استجاب له من أصحابه ونالوهم بأنواع الأذى وهذه سنة الله في خلقه كما قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ . [فصلت: ٤٣] . وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ . [الأنعام: ١١٢] . وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ . [الذاريات: ٥٢، ٥٣] . فعزى سبحانه رسوله بذلك وأن له أسوة بمن تقدم من المرسلين وعزى أتباعه بقوله ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ . [البقرة: ٢١٤] . وقال تعالى: ﴿آلم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
стр. 173
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ . [العنكبوت: ١-٣] .
فالرسول ﷺ دأبه وشأنه الدعوة إلى الله على بصيرة ما أنزل عليه قال تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ . [الأنعام: ١٠٦] . وقد بين الله تعالى منطوقاً في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ . [يوسف: ١٠٨] . لأن البصيرة شرط في الدعوة إلى الله فمن لم يكن بصيراً بالسياسات الشرعية لا تتم له الدعوة التي أمر الله بها وحري أن لا يستنفع بها.
قلت: فيها فوائد:
الأولى: قوله: "قل" دل على أنه لا إله إلا هو لأنه إذا عرفت أن الرسول ﷺ هو أفضل الخلق وأعلاهم درجة عند الله وأحبهم إليه ومع ذلك مأمور منهي يتبع ما يؤمر به ويتجنب ما ينهى عنه فدل ذلك على أنه العبد وأن الآمر هو المعبود لا إله إلا هو.
الثانية: "هذه" دل على أن الدين المرضي واحد كما قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ . [الأنعام: ١٥٣] .
الثالثة: قوله: "سبيلي"، دل على أن ما للرسول ﷺ سبيل إلا القرآن فمن عمل بغير ما جاء به الرسول ﷺ فقد ضل، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ . [النساء: ٦٥] .
الرابعة: قوله: "أدعو" دل على أنه مرسل إلى الخلق يدعوهم إلى الله.
الخامسة: قوله: "إلى الله" دل على أن الدعوة تتنوع إلى الدعوة إلى النفس ليعظم ويوقر ويصرف وجوه الناس إليه ويعطى ويملك وغير ذلك والكل باطل إلا الدعوة التي لوجه الله الكريم.
стр. 174
السادسة: قوله: ﴿على بصيرة﴾ دل على أن العلم لا يستلزم البصيرة بل رب عالم ليس له بصيرة في الدعوة على ما يريد الله من الداعي وعلى ما مشى عليه رسول الله ﷺ .
السابعة: قوله: ﴿أنا ومن اتبعني﴾ دل على أن من لم يدع إلى الله على بصيرة ما اتبع الرسول ﷺ .
الثامنة: قوله: ﴿وسبحان الله﴾ نزه نفسه من أن يترك الناس سدى، كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ . [المؤمنون: ١١٥، ١١٦] .
التاسعة: قوله: ﴿وما أنا من المشركين﴾ ، دل على أن الشرك ضد التوحيد والدعوة إليه كالنور والظلمة. والحاصل أن البصيرة عليها مدار الدعوة إلى الله وقد ذكر عن الرسول ﷺ أن الداعي ينبغي له أن يكون عليما فيما يأمر به، عليما فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه، رفيقاً فيما يأمر به، رفيقاً فيما ينهى عنه، وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ . [آل عمران: ١٥٩] . وقال تعالى لموسى وهارون لما أرسلهما إلى فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ . [طه: ٤٤] . وقال الرسول ﷺ : "ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا ذهب عن شيء إلا شانه" ١. وقال: "يسروا ولا تعسروا، وسكِّنوا ولا تنفروا" ٢.
وقد وصف الله إبراهيم ﵇ بالحلم فقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ . [هود: ٧٥] . هذا ومن البصيرة تقديم الأهم فالأهم في الدعوة كالطبيب الحاذق إذا رأى في شخص مرضاً في
стр. 175
الرأس ومرضاً في الأصبع بدأ بتداوي مرض الرأس، لأن الرأس هو الأصل لحياته وفيه الحواس العشرة فلو اختل الرأس لاختلت كلية الإنسانية، وأما الأصبع لو عدم من أصله ما اختل من الإنسانية شيء فينبغي أن يكون الداعي كالطبيب الحاذق الذي يداوي الأضر قبل الضار، فكذلك الداعي يبدأ بالتوحيد قبل الصلاة وبالصلاة قبل الزكاة، وبالزكاة قبل الصوم والحج، وبأركان الإسلام والإيمان قبل سائر الأ‘مال، كما أرشد رسول الله ﷺ معاذاً.
وأما ما يدل على أن شهادة أن لا إله إلا الله أحسن الأقوال وألزم من كل عمل وقبل كل عمل من السنة ما ذكر عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن داعياً إلى الله قال: "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب" أوتوا العلم فيعلمون أصل الأديان وفروعها ويعلمون أن الأصل مقدم في الدعوة إلى الله وأن كل نبي أول ما يدعو قومه إلى التوحيد "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله" وفي رواية "إلى أن يوحدوا الله" قلت: فالروايتان دلتا على أن شهادة أن لا إله إلا الله وأن يوحدوا الله لفظان مترادفان بمعنى واحد وهو الإقبال على الله بالقلب والقالب وترك ما سواه، وهذا هو الأهم قبل كل أمر، ومعلوم بالضرورة أن ما يتصور الفرع إلا بعد تصور الأصل ووجوده وتمكنه ولا يصلح الفرع إلا بعد صلاح الأصل، أما ترى أن الشجرة ليست تتفرع إلا بعد تمكن العروق التي هي الأصل فيها والأساس لها، قال تعالى: ﴿مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ . [إبراهيم: ٢٤] . وقد مر الكلام عليها وقد ذكر الله تعالى ثبوت الأصل قبل ارتفاع الفرع إلى السماء تنبيهاً على ذلك "فإن هم أطاعوك لذلك" وكفروا بما
стр. 176
يعبد من دون الله فحينئذ "أعلمهم" بكسر اللام من باب الأفعال أعلم يعلم كأكرم يكرم "أن الله افترض عليهم خمس صلوات" بشروطها وأركانها وواجباتها "في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك" وأقاموا الصلاة الشرعية "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة" في أربعة أصناف من المال السائمة من بهيمة الأنعام والخارج من الأرض والأثمان والعروض "تؤخذ من أغنيائهم" بشروط خمسة: الإسلام والحرية وملك نصاب، وتمام الملك ومضي الحول "فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك" وأدوا الزكاة المشروعة "فاقبل منهم وإياك وكرائم أموالهم" في أخذ الزكاة بل توسط في الأمر فإن خير الأمور أوسطها "واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" أخرجاه أي البخاري ومسلم في صحيحهما١ ولهما عن سهل بسن سعد أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه" ٢.
قد أشعر هذا الحديث بل صرح منطوقاً ومفهوماً أن النصر والفتح ليس بالعدد والعديد ولا بالخيل والحديد بل إنما بالطاعة وامتثال لرب العبيد، أما ترى أنه ﷺ ما قال: لأعطين الراية من معه كذا وكذا من العَدَد والعُدَد بل قال ﷺ : إنه رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه، قال موسى بن عقبة: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة من الحديبية مكث بها عشرين ليلة أو قريباً منها
стр. 177
ثم خرج منها غازياً خيبر وكان الله وعده إياها وهو بالحديبية. وقال ابن إسحاق١: حدثني الزهري عن عروة عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة إنهما حدثا جميعاً قالا: انصرف رسول الله ﷺ عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة فأعطاه الله خيبر، فقدم رسول الله ﷺ المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم ونزل ﷺ بالرصيع واد بين خيبر وغطفان، فتخوف أن يمدهم غطفان، فبات فيه حتى أصبح فغدا إليهم، انتهى. ولما أنه ﷺ أتى خيبر صلى بهم الصبح فركب وركب المسلمون فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم ولا يشعر بل خرجوا لأرضهم فلما رأوا الجيش قالوا محمد والخميس وهو الجيش العظيم ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم فقال النبي ﷺ : "الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" ولما دنا الرسول ﷺ منها وأشرف عليها قال: "قفوا "، فوقف الجيش، فقال: "اللهم رب السموات السبع وما أضللن فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا باسم الله" ٢.
قلت: وفي هذا أبين دليل على أنه لا إله إلا الله وذلك إذا كان أفضل الخلق على الإطلاق ﷺ ما له حول ولا قوة إلا بالله تعالى وسأل الله وألح وتضرع وطلبه خير القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ويتعوذ به تعالى من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، فكيف لغيره حول
стр. 178
وقوة إلا بالله؟ فتحقق أنه لا إله إلا الله ولما كان ليلة الدخول قال رسول الله ﷺ : "لأعطين الراية غدا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه"، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها حباً وطلباً من الله هذه المرتبة العظيمة فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجوا أن يُعطاها فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقيل هو يشتكي عينيه فأرسل إليه فأتي به فبصق في عينيه ودعا له فبرئ كأن لم يكن به وجع. قلت: وفي هذا أظهر دليل على أن المعطي المانع هو الله تعالى يعطي من يشاء بفضله ويمنع من يشاء بعدله، وأيضاً دل على القدر لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى، وأيضاً دل على أنه لا إله إلا الله؛ لأنه ﷺ بصق في عينيه ودعا الله له ولولا دعاء الله لما نفع غيره فأعطاه الراية قال: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا قال: "انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم". فذهب علي حتى نزل بساحتهم، خرج مرحب وهو يقول:
أنا الذي سمتني أمي مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
فإذا الحروب أقبلت تَلَهَّب
فبرز علي بن أبي طالب يقول:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة ... كليث غابات كريه المنظرة
أوفيهم بالصاع كيل السندره
فضرب مرحباً ففلق هامته وكان الفتح، ولما دنا علي بن أبي
стр. 179
طالب ﵁ من حصونهم اطلع يهودي من رأس الحصين فقال: من أنت؟ قال: علي بن أبي طالب ﵁ فقال اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى، هكذا في صحيح مسلم.
стр. 180
متن الباب ٥
باب: تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله
وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] . وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦-٢٧] .
وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] . وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] .
وفي "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله ".
وشرح هذا الترجمة: ما بعدها من الأبواب.
فيه أكبر المسائل وأهمها: وهي تفسير التوحيد، وتفسير الشهادة، وبينها بأمور واضحة.
منها: آية الإسراء، بين فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين، ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر.
ومنها: آية براءة، بين فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وبين أنهم لم يؤمروا