يعبد من دون الله فحينئذ "أعلمهم" بكسر اللام من باب الأفعال أعلم يعلم كأكرم يكرم "أن الله افترض عليهم خمس صلوات" بشروطها وأركانها وواجباتها "في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك" وأقاموا الصلاة الشرعية "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة" في أربعة أصناف من المال السائمة من بهيمة الأنعام والخارج من الأرض والأثمان والعروض "تؤخذ من أغنيائهم" بشروط خمسة: الإسلام والحرية وملك نصاب، وتمام الملك ومضي الحول "فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك" وأدوا الزكاة المشروعة "فاقبل منهم وإياك وكرائم أموالهم" في أخذ الزكاة بل توسط في الأمر فإن خير الأمور أوسطها "واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" أخرجاه أي البخاري ومسلم في صحيحهما١ ولهما عن سهل بسن سعد أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه" ٢.
قد أشعر هذا الحديث بل صرح منطوقاً ومفهوماً أن النصر والفتح ليس بالعدد والعديد ولا بالخيل والحديد بل إنما بالطاعة وامتثال لرب العبيد، أما ترى أنه ﷺ ما قال: لأعطين الراية من معه كذا وكذا من العَدَد والعُدَد بل قال ﷺ : إنه رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه، قال موسى بن عقبة: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة من الحديبية مكث بها عشرين ليلة أو قريباً منها
стр. 177
ثم خرج منها غازياً خيبر وكان الله وعده إياها وهو بالحديبية. وقال ابن إسحاق١: حدثني الزهري عن عروة عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة إنهما حدثا جميعاً قالا: انصرف رسول الله ﷺ عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة فأعطاه الله خيبر، فقدم رسول الله ﷺ المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم ونزل ﷺ بالرصيع واد بين خيبر وغطفان، فتخوف أن يمدهم غطفان، فبات فيه حتى أصبح فغدا إليهم، انتهى. ولما أنه ﷺ أتى خيبر صلى بهم الصبح فركب وركب المسلمون فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم ولا يشعر بل خرجوا لأرضهم فلما رأوا الجيش قالوا محمد والخميس وهو الجيش العظيم ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم فقال النبي ﷺ : "الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" ولما دنا الرسول ﷺ منها وأشرف عليها قال: "قفوا "، فوقف الجيش، فقال: "اللهم رب السموات السبع وما أضللن فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا باسم الله" ٢.
قلت: وفي هذا أبين دليل على أنه لا إله إلا الله وذلك إذا كان أفضل الخلق على الإطلاق ﷺ ما له حول ولا قوة إلا بالله تعالى وسأل الله وألح وتضرع وطلبه خير القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ويتعوذ به تعالى من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، فكيف لغيره حول
стр. 178
وقوة إلا بالله؟ فتحقق أنه لا إله إلا الله ولما كان ليلة الدخول قال رسول الله ﷺ : "لأعطين الراية غدا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه"، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها حباً وطلباً من الله هذه المرتبة العظيمة فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجوا أن يُعطاها فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقيل هو يشتكي عينيه فأرسل إليه فأتي به فبصق في عينيه ودعا له فبرئ كأن لم يكن به وجع. قلت: وفي هذا أظهر دليل على أن المعطي المانع هو الله تعالى يعطي من يشاء بفضله ويمنع من يشاء بعدله، وأيضاً دل على القدر لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى، وأيضاً دل على أنه لا إله إلا الله؛ لأنه ﷺ بصق في عينيه ودعا الله له ولولا دعاء الله لما نفع غيره فأعطاه الراية قال: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا قال: "انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم". فذهب علي حتى نزل بساحتهم، خرج مرحب وهو يقول:
أنا الذي سمتني أمي مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
فإذا الحروب أقبلت تَلَهَّب
فبرز علي بن أبي طالب يقول:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة ... كليث غابات كريه المنظرة
أوفيهم بالصاع كيل السندره
فضرب مرحباً ففلق هامته وكان الفتح، ولما دنا علي بن أبي
стр. 179
طالب ﵁ من حصونهم اطلع يهودي من رأس الحصين فقال: من أنت؟ قال: علي بن أبي طالب ﵁ فقال اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى، هكذا في صحيح مسلم.
стр. 180
متن الباب ٥
باب: تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله
وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] . وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦-٢٧] .
وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] . وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] .
وفي "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله ".
وشرح هذا الترجمة: ما بعدها من الأبواب.
فيه أكبر المسائل وأهمها: وهي تفسير التوحيد، وتفسير الشهادة، وبينها بأمور واضحة.
منها: آية الإسراء، بين فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين، ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر.
ومنها: آية براءة، بين فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وبين أنهم لم يؤمروا
стр. 181
إلا بأن يعبدوا إلهاً واحداً، مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم.
ومنها قول الخليل ﵇ للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦-٢٧] . فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة: هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله. فقال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧] .
ومنها: آية البقرة: في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] . ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حباً عظيماً، ولم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟! فكيف لمن لم يحب إلا الند وحده، ولم يحب الله؟!.
ومنها قوله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله". وهذا من أعظم ما يبين معنى "لا إله إلا الله" فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك، الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه. فيالها من مسألة ما أعظمها وأجلها، وياله من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع.
стр. 182
شرح الباب ٥
باب تفسير التوحيد الذي خلقت الكائنات لأجله وأرسلت الرسل وأنزلت الكتب لأجله
هو إفراد الله بالعبادة ونفيها عما سواه كما حكى الله عن إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ . [الزخرف: ٢٦-٢٨] . والكلمة التي جعلها في عقبه على ما ذكره المفسرون هي شهادة أن لا إله إلا الله لأن لا إله نفي الآلهة الباطلة وذلك قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ . وقولك: إلا الله إثبات الألوهية لله تعالى وذلك قوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ . فتحقق أن التوحيد الذي ألزم الله به العبيد هو إفراد الله بالعبادة نقلاً وعقلاً وفطرة:
أما النقل: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ . [النحل: ٣٦] . وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . [الأنبياء: ٢٥] . وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ . [الزخرف: ٤٥] . وقوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ . [هود: ١] . وغير ذلك من الآيات المصرحات بذلك.
وأما العقل فمعلوم بالضرورة أن العقول السليمة تشهد على أن الوجود لابد من موجد، والمبدع لابد له من مبدع، كما أن الفعل الصادر لابد له من فاعل ومصدر يصدر منه كما قيل: البعرة تدل على البعير، والسير يدل على المسير، فكيف لا تدل سماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج على اللطيف الخبير؟ فإذا علم ذلك فلابد له أن
стр. 183
يكون حيًّا قديراً عليماً مدركاً قائماً بنفسه غنيًّا عن العالمين قيوماً بما خلق أجمعهم وذلك لأنه لولا حياته لما صدر منه الأفعال الظاهرة والباطنة، ولولا قدرته لعجز عما يشاء أو بعضه، ولولا علمه لجهل بما ينفع الخليقة وما يضرها، ولولا إدراك الجزئيات لخفي عنه خوافي، وقد قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ . [غافر: ١٩] . ولولا قيامه بنفسه وغناه عما سواه لاحتاج إلى غيره ونقص عن رتبة الكمال، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ . [آل عمران: ٩٧] . ولولا قيوميته للخليفة لفسدت الأرض والسموات، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ . [البقرة: ٢٥٥] .
فإذا شهدت العقول على صفاته وتفكرت في أفعاله الجميلة وتدبرت أقواله الحسنة لدل ذلك على أن من هذه أفعاله التي أبهرت العقول وعجزت عن إدراك حقيقتها أنه هو الله لا إله إلا هو قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . [النمل: ٦٠- ٦٤] . وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ, هُوَ
стр. 184
الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . [غافر: ٦٤- ٦٥] .
وأما الفطرة فمعلوم بالضرورة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة أنه لا زعم لأحد أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلهاً مساوياً لله في جميع صفاته، بل عامة المشركين بالله مقرون بأنه ليس له شريك مثله بل عامتهم مقرون أن الشريك الذي زعموا أنه مملوك لله سواء كان ملكاً أو نبيًّا أو كوكباً أو صنماً كما كان مشركو العرب يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، فأهلَّ رسول الله ﷺ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وقد ذكر أرباب المقالات ما جمعوا من مقالات الأولين والآخرين في الملل والنحل والآراء والديانات فلم ينقلوا من أحد إثبات شريك مشارك في خلق جميع المخلوقات ولا مماثل له في جميع الصفات بل من أعظم ما نقلوا في ذلك قول الثنوية الذين يقولون بالأصلين النور والظلمة، وأن النور خلق الخير وأن الظلمة خلق الشر، ثم ذكروا لهم قولين أحدهما أنها محدثة فتكون من جملة المخلوقات، والثاني أنها قديمة لكنها لم تفعل إلا الشر، فتكون ناقصة في ذاتها وصفاتها ومفعولاتها عن النور، وأهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة لا يقولون: أنها غنية عن الخالق مشاركة له في الخلق.
فأما من أنكر الصانع كالقول الذي أظهر فرعون فذلك جاحد بلسانه ولكنه بجنانه معترف ومذعن ومقر كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ . [النمل: ١٤] .ط
تنبيه: اعلم أن هؤلاء المخالفين إذا تأملت تناقض أقوالهم
стр. 185
وتضاد أحوالهم بعضهم لبعض عرفت لو أن لهم أساساً محكماً يبنون عليه لبنوا، ولكنهم حيارى في مهمهة خالية عن الأمارات والعلامات الدالة على ما ينقذهم مما هم فيه، وذلك لاتباعهم النفس والهوى والشيطان وغرتهم الحياة الدنيا فضلوا وأضلوا وتفرقوا واختلفوا كل حزب بما لديهم فرحون. وقد أخبر الواقف على نهاية أقدامهم بما انتهى إليه من أمرهم حيث يقول:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك العالم
فلم أر إلا واضعاً كف حائر ... على ذقن أو قارع سن نادم
وأقروا على أنفسهم بما قالوا متمثلين به أو منشئين فيما صنفوه من كتبهم كقول بعض رؤسائهم:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العاملين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ . [طه: ٥] . ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ . [فاطر: ١٠] . واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . [الشورى: ١١] . ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ . [طه: ١١٠] . ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
ويقول آخر: لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل والويل لابن فلان، وها أنا إذاً أموت على عقيدة أمي.
ويقول آخر: أكثر الناس شكاية عند الموت أصحاب الكلام، وذلك بأنهم كما قال الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي صاحب
стр. 186
كتاب الفنون الذي ألفه في نحو أربعمائة مجلد وغيره من التصانيف، قال في الكتاب المذكور: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار بتركهم أمر الشرع، وأخذهم دينهم بالهوى ومتابعة النفس والشيطان.
والشيخ ﵀ قد ذكر للإسلام والتوحيد شهادة أن لا إله إلا الله أربع آيات من كتاب الله هن له كالقواعد حيث لا يوجد له ولا ثبات إلا بها، وهن أم المسائل التوحيدية وأصلها، حيث إن المسائل تتولد منها وتنتج وتتفرع منها تفرع الأغصان من أصل الشجرة.
قلت: فكما أن الأغصان تتقارب ضعفاً وقوة، كذلك التوحيد في قلب المسلم والمؤمن والمحسن، فتأمل. لكن الآيات المذكورات في ترقي مراتبها كأربع درجات ما لم ترق الأولى لم ترق الثانية، وما لم ترق الثانية لم ترق الثالثة، وما لم ترق الثالثة لم ترق الرابعة، والآية الأولى قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ . [الإسراء: ٥٦- ٥٧] .
اعلم أن هذه الآية اشتملت على ثلاث فوائد يلزمك أن تؤمن بها وتعمل بمقتضاها وتنبذ من خالفها وتحاربه.
الأولى: أن ما سوى الله مطلقاً لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً.
الثانية: أن ما سواه عبيد وتحت قهره وتصريفه، ويبتغون إليه
стр. 187
الوسيلة بالأعمال الصالحة فهو ربهم وإلهه وحده لا شريك له.
الثالثة: أن من سواه يرجون رحمته ويخافون عذابه ويعلمون أن عذابه كان محذوراً، فهو الواحد الأحد المتفرد بالعز والجبروت والملك والملكوت وهو الحي الذي لا يموت، فإذا رفيت هذه الدرجة وما تضمن من الوحدانية حينئذ طولب بالدرجة الثانية الحب في الله والبغض فيه والموالاة في الله والمعاداة فيه والمشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ . [الزخرف: ٢٦- ٢٨] . وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ . [الممتحنة: ٤] . فينبغي لزارع الإيمان أن يستعين بالله في إنشاء عرقين من سويداء قلبه:
عرق المحبة لأهل الإيمان والتوحيد والطاعة.
وعرق البغض لأهل الشرك والكفر والنفاق أصلاً لأهل المعاصي فرعاً فإذا أنشأتهما من قلبك اسقهما بماء التصديق حتى يثمر عرق المحبة بالموالاة لأهل الحق من النصيحة لهم والدعاء لهم والبر والإحسان إليهم بحسب الطاقة والقدرة والذب عن أعراضهم وقضاء حوائجهم وإفشائهم بالسلام وعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم وغير ذلك من الحقوق، ويثمر العرق الثاني بالمعاداة لأهل الباطل من المجاهدة والتبري منهم وعدم الركون إليهم والتغليظ عليهم وعدم مواكلتهم ومجالستهم إذا رأى منهم العند والإعراض. عن ابن عباس "من أحب في الله وأبغض في الله وعادى في الله ووالى في الله فإنما
стр. 188
تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد أحدٌ طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت مواخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله بشيء". رواه ابن جرير١.
فإذا قبلت هذه الدرجة وتمكنت فيها بلا التفات ولا محاباة طولبت بالثالثة وهي لب الكتاب وزبدة الرسالة والكتاب وهي أن يكون الله أحب إليك مما سواه، فإذاً تقدم أمره على أمر من عداه وذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ . [البقرة: ١٦٥] . قوله: يحبونهم كحب الله دل على أنهم يساوون مع الله غيره كما قال تعالى في حكاية عن المشركين في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . [الشعراء: ٩٧، ٩٨] .
قال ابن تيمية: أي في المحبة، فإذا عرفت من ساوى مع الله غيره في المحبة أشرك الشرك الأكبر، فكيف بمن رجح محبة الند على الله تعالى؟ بل وكيف بمن أقبل بكليته على غيره قلباً وقالباً؟ بمعنى أنه يعظم أوامر الند وحرماته أشد تعظيماً إذا هتك حرمة من حرمات الند غضب غضب الليث واحمرت وجنته وانتفخت أوداجه وقام وقعد فيه، وإن هتك حرمة من حرمات الله لم يرفع به رأساً بل ويثبط غيره عن القيام فيه، فإذا رقيت هذه الدرجة وتمكنت فيها طولبت بالدرجة الرابعة وهي المتممة للدرجات الثلاث وهي المتابعة لرسول الله ﷺ فيدور مع قول الرسول وفعله نفياً وإثباتاً بلا روغان، فإن أتاه حكم من غيره وازنه بميزان ما جاء به ﷺ ، فإن وافقه أخذ بالقول، وإن خالفه
стр. 189
ضربه بالحائط، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ . [النساء: ٦٥] . وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ . [النساء: ٥٩] . وسيأتي زيادة بيان إن شاء الله في بابه.
واستدل الشيخ على ذلك بالآية الرابعة وهي قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . [التوبة: ٣١] . عن عدي بن حاتم أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية قال: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم، قال: "أليسوا يحللون لكم الحرام ويرمون عليكم الحلال فتطيعونهم؟ ". قال: بلى، قال "فتلك عبادتهم" ١. وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله" ٢.
اعلم أن الرسول ﷺ قيد قول: لا إله إلا الله بالكفر بما يعبد من دون الله فمن لم يكفر بما يعبد من دون اله ما قال: لا إله إلا الله، فتأمل حتى تميز بين الناس، ويشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب.
стр. 190
متن الباب ٦
باب: من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه
وقول الله تعالى: ﴿قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادنيَ الله بضر هل هن كاشفات ضره﴾ . [الزمر: ٣٨] .
عن عمران بن حصين ﵁، أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: "ما هذه؟ " قال: من الواهنة. فقال: "انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك، ما أفلحت أبداً". رواه أحمد بسند لا بأس به. وله عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعاً: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له" وفي رواية: "من تعلق تميمة فقد أشرك". ولابن أبي حاتم عن حذيفة أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ . [يوسف: ١٠٦] .
فيه مسائل:
الأولى: التغليظ في لبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك.
الثانية: أن الصحابي لو مات وهي عليه ما أفلح. فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.
الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة.
стр. 191
الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة بل تضر، لقوله: "لا تزيدك إلا وهناً".
الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك.
السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئاً وُكل إليه.
السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة فقد أشرك.
الثامنة: أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك.
التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر، كما ذكر بن عباس في آية البقرة.
العاشرة: أن تعليق الودع عن العين من ذلك.
الحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة، أن الله لا يتم له، ومن تعلق ودعة، فلا ودع الله له، أي لا ترك الله له.
стр. 192
شرح الباب ٦
باب في بيان ما يدل من الكتاب والسنة على أن من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما كالودع والخرز والتعويذ وأشباهها لرفع البلاء أو دفعه أما الدليل على شركية وعمومية الحكم وشموليته كل ما يتعلق به دون الله من الكتاب فآيات كثيرة ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ . [الزمر: ٣٨] .
تنبيهات: الأول: ما دل عليه الاستفهام الإنكاري من التوبيخ على ما هم من ترك الباري الرازق المنعم عليهم الذي بيده ملكوت كل شيء، وتعلقهم بالذي هو مقهور ومدبر لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا يملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وما دل عليه من التفريع عما هم فيه لئلا يستوجبوا المحق والعذاب الآبد.
الثاني: عمومية الحكم والتوبيخ في كل ما يتعلق به يدل على ذلك لفظ ما تدعون يوضحه التنبيه.
الثالث: وهو قوله تعالى: من دون الله مطلقاً.
الرابع: ثبوت الإرادة لله خلافاً لمن أنكرها.
الخامس: الاستفهام التقريري المتضمن عنادهم واستكبارهم عن الحق مع علمهم به.
السادس: الأمر بإفراد الله بالعبادة والتوكل عليه ففيه قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . [الفاتحة: ٥] . وقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . [الشورى: ١٠] .
السابع: ثناء الرب على المتوكلين.
стр. 193
وأما شريكته من السنة فبأحاديث متعددة منها. عن عمران بن حصين: "أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صفر فقال: ما هذه؟ " ١.
قلت: في قوله "ما هذه" مستفهماً أبين دليل على أنه لا يعلم الغيب إلا الله، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ . [الأنعام: ٥٩] . قلت: في قوله تعالى: ﴿مَفَاتِحُ﴾ . فائدة جليلة وذلك أنه تعالى قال: ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ ولم يقل مفاتيح الغيب، لأن المفاتح جمع مفتح وهو الذي يفتح به المخزن، ومعلوم بالضرورة أن من ملك المخزن قدر على فتحه بأي نوع كان وليس من ملك المفتاح قدر على المخزن، فالله سبحانه عنده مفاتح الغيب كلها، قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ . [النمل: ٦٥] . قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ . [الجن: ٢٦، ٢٧] .
قال صاحب الكشاف: في هذه الآية إبطال الكرامات٢، وأجيب بأن قوله: على غيبه لفظ مفرد ليس فيه صيغة العموم فيكفي أن يقال أن الله لا يظهر على غَيْبٍ وَاحِدٍ من غيوبه أحداً إلا الرسل فيحمل على وقت وقوع القيامة وكيف وقد ذكرها عقيب قوله: ﴿أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ . [الأنبياء: ١٠٩] . وتعقب بأنه ضعيف لأن الرسل أيضاً لم يُظْهَرُوا على ذلك.
стр. 194
وقال البيضاوي: والرسول من غير واسطة، وكرامات الأولياء بواسطة الرسول ﷺ كاطلاعنا على أموال الآخرة.
قلت: والرسول أيضاً بواسطة جبريل وهو رسول ملكي أمين من الله يبلغ الرسول البشري الغيب.
وقال الطيبي: الأقرب تخصيص الاطلاع بالظهور والخفاء اطلاع الأنبياء على الغيب أمكن وأقوى من اطلاع الأولياء يدل عليه حرف الاستعلاء في قوله تعالى: ﴿عَلَى غَيْبِهِ﴾ . فضمن يظهر معنى يطلع أي فلا يظهر الله على غيبه إظهاراً تامًّا وكشفاً جليًّا إلا من ارتضى من رسول، فإن الله إذا أراد أن يطلع النبي على الغيب يوحي إليه أو يرسل إليه ملك، وأما كرامات الأولياء فهي من قبيل التأمل واللمحات أو من جنس إجابة دعوة، وصدق فراسة فإن كشف الأولياء غير تام، قالت عائشة ﵂: من حدثك أن محمداً ﷺ رأى ربع فقد كذب، فإن الله يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ . [الأنعام: ١٠٣] . ومن حدثك أنه يعلم الغيب فقد كذب فإن الله يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ . [النمل: ٦٥] . فلذلك، أي عدم علمه بالغيب سأل ﷺ الرجل عن موجب لبس الحلقة، قال: ما هذه؟ قال من الواهنة وفي ذلك أقطع دليل أنه ﷺ لا يحكم بحكم إلا بعد علم اليقين، فلما علم مقصود الرجل أنه لبسها من الواهنة قال: "انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً".
قلت: في قوله ﷺ : انزعها بصيغة الأمر الدال على الوجوب والفور عند أهل العلم والتحقيق، دليل على أن الأفعال الشركية تزال على الفور وجوباً وكذلك الأماكن التي يفعل الشرك كما فعل
стр. 195
رسول الله ﷺ بالطاغية التي في الطائف، أمر المغيرة بن شعبة وأبا سفيان أن يهدماها بعدما تمكن ﷺ منها، وقد سأله أهل الطائف أن يدعها شهراً فأبى ﷺ أن يدعها شيئاً مسمى.
قال ابن القيم –﵀: " إذا كان رسول الله حرق مسجد الضرار وأمر بهدمه بحكم التنزيل وهو مسجد يصلى فيه ويذكر اسم الله فيه لما كان بناؤه ضراراً وتفريقاً بين المؤمنين وكاد في المنافقين فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أنداداً من دون الله أحق بالهدم وأوجب، وكذلك محال المعاصي، والفسوق كالخانات، وبيوت الخمارين، وأرباب المنكرات، وقد حرق عمر ﵁ قرية بكمالها يباع فيها الخمر وهمَّ رسول الله ﷺ بتحريق بيوت تاركي حضور الجمعة والجماعات وإنما منعه من فيها من النساء والذرية الذين لا يجب عليهم كما أخبر هو عن ذلك" انتهى.
والموجب للفورية أنك تستدرك التوبة عما لا يرضاه الله ولا رسوله ويتوب إلى الله بالأعمال الصالحة قبل أن يدركه الموت وهو لا يشعر:
كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أَدْنَى من شراك نعله
"فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً". رواه أحمد بسند لا بأس به. قلت: قوله: أبداً يدل على أن الشرك الأصغر أكبر الكبائر، لأن أهل الكبائر ما يؤبدون في العذاب، والمشرك يؤبد، قال: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ . [المائدة: ٧٢] . والشرك يشمل الأكبر والأصغر، وقد صرح النبي ﷺ في هذا الحديث أن صاحب الشرك الأصغر إن مات وهو عليه ما يفلح أبداً.
стр. 196
وله عن عقبة بن عامر مرفوعاً: "من تعلق تميمة" ١. قلت: لفظ (من) دل على عمومية الفاعل كائناً من كان ودل تنكير تميمة على عمومية المعلق من أي جنس كان وأي نوع كان.
"فلا أتم الله له". قلت: في ذلك إخبار ودعاء، أما الإخبار فيخبر ﷺ أن من تعلق شيئاً دون الله خذله الله فلا يتم له مقصوده وهو الحقيقة، لأن المرء مهما توكل على شيء دون الله وكله الله إليه، فحينئذ يضيع في واد الهلكات، عن عيسى بن حمزة قال: دخلت على عبد الله بن عكيم ﵁ وبه حمى فقلت: ألا تعلق تميمة فقال: نعوذ بالله من ذلك، قال رسول ﷺ : "من تعلق شيئاً وكل إليه". أخرجه أبو داود٢. وأما الدعاء فقوله ﷺ : "فلا أتم الله له". دعاء منه ﷺ عليه أن لا يتم الله له مقصوده، ولا يرده عن القدر كما قيل:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
"ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له، وفي رواية: ومن تعلق تميمة فقد أشرك". قال أهل العلم: التميمة كل ما يعلق على الصبيان.
قال البيضاوي في شرح المشكاة: هي التعاويذ التي تعلق على الصبيان، وصرح رسول ﷺ بشركية التميمة لأن من علقها اطمأن خاطره به واتكل عليه ولابن أبي حاتم عن حذيفة أنه رأى رجلاً
стр. 197
في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ . [يوسف: ١٠٦] .قطعه ممتثلاً قوله ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
تنبيه: اعلم أن الذين يدعون الإيمان ثلاثة أنواع: منهم من لا يلبس إيمانه بشرك كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ . [الأنعام: ٨٢] .
ومنهم من يلبس إيمانه بشرك يتعلقون بالخيط والحلقة وأشباهها كما قال : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ . [يوسف: ١٠٦] .
ومنهم من يقول إنه مؤمن وهو كاذب كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ . [البقرة: ٨-١٠] .
стр. 198
متن الباب ٧
باب: ما جاء في الرقي والتمائم
في "الصحيح" عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسولاً أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت. وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك". رواه أحمد وأبو داود. وعن عبد الله بن عكيم مرفوعاً: "من تعلق شيئاً وُكل إليه". رواه أحمد والترمذي.
"التمائم": شيء يعلق على الأولاد من العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن، فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁.
و"الرقى": هي التي تسمى العزائم، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة.
و"التولة": شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته.
وروى أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا رويفع! لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد
стр. 199
لحيته، أو تقلد وتراً، أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمداً بريء منه".
وعن سعيد بن جبير ﵁، قال: "من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة" رواه وكيع. وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها، من القرآن وغير القرآن.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الرقي والتمائم.
الثانية: تفسير التولة.
الثالثة: أن هذه الثلاثة كلها من الشرك من غير استثناء.
الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك.
الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن فقد اختلف العلماء: هل هي من ذلك أم لا؟.
السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين، من ذلك.
السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وتراً.
الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.
التاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف؛ لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود.
стр. 200
شرح الباب ٧
باب ما جاء في بيان أن الرقى والتمائم والتولة شرك
لما فيها من التعلق على غير الله في كشف الضر وجلب النفع، قد قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . [الأنعام: ١٧] .
وما فيها من الهضم لجناب الربوبية، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ . [الأحزاب: ١٧] . وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ . [فاطر: ٢] . الآية.
وما فيها من التوكل على غيره، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . [المائدة: ٢٣] .
هذا والرسول ﷺ كان من شأنه أن يحمي جناب التوحيد بكل وجه ويسد طرق الشرك من كل جهة حتى إنه ﷺ حماه بابتعاده عن مظان الشرك حسماً للمادة.
في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري أنه كان مع النبي ﷺ في بعض أسفاره فأرسل رسولاً "ألاّ يبقينَّ في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت" ١. فإن القلادة التي للزينة ليست من الشرك ولكنه مظنة للشرك؛ لأنه يشبه التمائم في التعليق وأنه ﷺ نهى عنها مطلقاً. فإن قلت: من أين يعرف الإطلاق؟ قلت: من قوله ﷺ : أو قلادة بالتنكير والنكرة بعد النفي يفيد العموم، وأيضاً أنه ﷺ قيد أولاً وقال ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر ثم أطلق وقال: أو قلادة نهياً للمشابهة ومظنة للشرك.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول
стр. 201
الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" ١. رواه أحمد وأبو داود. وعن عبد الله بن عكيم مرفوعاً "من تعلق شيء وكل إليه". رواه أحمد والترمذي٢، والتمائم جمع تميمة والتميمة شيء يعلق على الأولاد من العين.
واختلفت هل هي منهي عنها على العموم أو إذا لم يكن من القرآن، فقال أهل العلم: إن التمائم منهي عنها لكن إذا المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف وبعضهم لم يرخص فيه ويجعله أيضاً من المنهي عنه حسماً للمادة منهم ابن مسعود والرقى هي التي تسمى العزائم، والعزائم أنواع متعددة منها ما فبه الشرك الصريح كالعزائم التي فيها دعوة الجن والملائكة والأنبياء والاستعانة بهم والاستعاذة بهم كما رأيناه عياناً، ومنها ما فيه البدع كالعزائم التي يتوسل فيها إلى مخلوق نبيّ أو غير نبيّ صالح أو طالح وكلها منهي عنها وخص منها الدليل ما خلا من الشرك والبدع فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة قال ﷺ : "لا رقية إلا من عين أو حُمَة". أحرجه أبو داود٣ وحمة بضم الحاء وفتح الميم اللدغة، وعن عوف بن مالك ﵁ قال: كنا نرقى في الجاهلية فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعْرِضُوا عليَّ رُقاكم ثم قال: لا بأس بما ليس فيه شرك".
стр. 202
أخرجه مسلم وأبو داود١، والتولة بكسر التاء وفتح اللام شيء يصنعونه على أنواع شتى واختراعات متفرقة وتفننات مختلفة من أنواع السحر الذي من فعله ليس له في الآخرة من خلاق.
واعلم أن الله جعل للسحر تأثيراً؛ فتنة واستخباراً ليميز الخبيث من الطيب ومؤثر الدنيا من مؤثر الآخرة، والعاصي من المطيع، والسحر لغة: كل ما لطف مأخذه ودق، وفي الاصطلاح: ما يحدث بخوارق العادات والأمور المستنكرات ويأتي بيانها في الجملة في باب السحر ومنه ما يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته جهلاً بالله وبكتابه المنزل على رسوله المرسل، لأن الزاعم لو علم أنه لا يحرك محرك ولا يسكن ساكن ولا يقع أمر من المحبة والعداوة إلا بإذن الله وحوله وقوته ما تعلق بغير الله لاسيما بأمور قد نهى الله عنها ولا تني عنهم شيئاً، ولو علم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . [الأنعام: ١٧] . ما تعلق بغيره، وفي الحديث عن ابن عباس ﵄: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، فإن العباد لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله تعالى لك لم يقدروا على ذلك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله تعالى عليك لم يقدروا على ذلك" ٢ الحديث، فكيف يتصور عليك من مؤمن صادق بهذه الآية وأشباهها وهذا الحديث وأمثاله ثم يريد نفعاً أو ضراً من غير الله لاسيما من المنهيات، بلى من يدعي الإيمان
стр. 203
ويلبس إيمانه بشرك وكفر فيتصور منه فإذاً يكون كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ . [البقرة: ١٠٢] .
وروى أحمد عن رويفع قال: قال رسول الله ﷺ : "يا رويفع لعل الحياة تطول بك فأخبر الناس أن من عقد لحيته" ١ قيل: إن الرجل في الجاهلية إذا أراد حرب ضِدِّ وقرْنِه ذلك من دون الله، وقيل: عقد لحيته أي: عالجها حتى تنعقد وتتجعد، من قولهم: جاء فلان عاقد عنقه إذا لواها، وقيل: إن الأعاجم كانت تفعل ذلك فنهوا عن التشبه بهم، فبين رسول الله ﷺ أن من عقد لحيته بأي مقصد كان "أو تقلد وتراً" كرر لزيادة تأكيد الحرمة والنهي "أو استنجى برجيع دابة" اختلف أهل العلم هل نهى عنه لنجاسته أو لأنه طعام دواب الجن، والصواب أنه لأجل أنه طعام لها لم في الحديث عن ابن مسعود ﵁ قال: لما قدم وفد الجن على رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله إنْهَ أمتك أن يستنجوا بعم أو روث أو حممة فإن الله جعل لنا فيها رزقاً، فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك، أخرجه أصحاب السنن وهذا لفظ أبي داود٢. والحممة الفحمة، ولأن الرجيع الذي ورد في الحديث مطلق عام في كل رجيع من أنواع الدواب وليس كل رجيع نجساً، لأن رجيع ما يؤكل لحمه ليس بنجس بالأحاديث المتواترة على الأشهر "أو استنجى بعظم"
стр. 204
والاختلاف فيه كالاختلاف في الرجيع "فإن محمداً بريء منه".
وعن سعيد بن جبير قال: من قطع تميمة بالتنكير تعميماً حسماً للمادة التي تؤول إلى الشرك من إنسان صغيراً أو كبيراً ذكراً أو أنثى كانت كعدل رقبة أعتقها لله تعالى أي أجر قطعها يعادل أجر إعتاق رقبة مسلمة لله تعالى رواه وكيع.
وله عن إبراهيم النخعي: كانوا أي الصحابة ومن تبعهم بإحسان يكرهون التمائم كلها من القرآن وغيره فقد صرح إبراهيم بفعل الصحابة ومن تبعهم بإحسان أنهم لا يعلقون التمائم كلها لا من القرآن ولا من غيره، ومعلوم بالضرورة أنهم -رضي الله تعالى عنهم- يمشون على أثر الرسول ويتبعون قوله وفعله ولو علموا من الرسول رخصة في الذي من القرآن ما كرهوا الكل فتأمل.
стр. 205
باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما
...
متن الباب ٨
باب: من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما
وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩-٢٢] .
عن أبي واقد الليثي، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر! إنها السنن، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] . لتركبن سنن من كان قبلكم". رواه الترمذي وصححه.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النجم.
الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا.
الثالثة: كونهم لم يفعلوا.
الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك، لظنهم أنه يحبه.
الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل.
стр. 206
السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم.
السابعة: أن النبي ﷺ لم يعذرهم، بل رد عليهم بقوله: "الله أكبر! إنها السنن، لتتبعن سنن من كان قبلكم". فغلظ الأمر بهذه الثلاث.
الثامنة: الأمر الكبير، وهو المقصود: أنه أخبر أن طلبتهم كطلبة بني إسرائيل لما قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً﴾ [الأعراف: ١٣٨] .
التاسعة: أن نفي هذا معنى "لا إله إلا الله"، مع دقته وخفائه على أولئك.
العاشرة: أنه حلف على الفُتيا، وهو لا يحلف إلا لمصلحة.
الحادية عشرة: أن الشرك فيه أكبر وأصغر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا.
الثانية عشرة: قولهم: (ونحن حدثاء عهد بكفر) فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك.
الثالثة عشرة: التكبير عند التعجب، خلافاً لمن كرهه.
الرابعة عشرة: سد الذرائع.
الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية.
السادسة عشرة: الغضب عند التعليم.
السابعة عشرة: القاعدة الكلية، لقوله "إنها السنن".
стр. 207
الثامنة عشرة: أن هذا عَلم من أعلام النبوة، لكونه وقع كما أخبر.
التاسعة عشرة: أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا.
العشرون: أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، فصار فيه التنبيه على مسائل القبر. أما "من ربك"؟ فواضح، وأما "من نبيك"؟ فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما "ما دينك"؟ فمن قولهم: "اجعل لنا إلهاً" إلخ.
الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين.
الثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يُؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة لقولهم: ونحن حدثاء عهد بكفر.
стр. 208
شرح الباب ٨
باب في بيان أن من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما من بنية أو حجارة أو قبر أو موطئ أو أثر وما أشبه ذلك أشرك وكفر بالكتاب والسنة
وأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] . قال غير واحد من السلف:
إن اللات كان رجلاً صالحاً يلت السويق للحاج فمات فعكفوا على قبره فلما تمكن رسول الله ﷺ من ثقيف أمر المغيرة بن شعبة وأبا سفيان أن يهدماه.
وأما العزى قال هشام١: حدثني أبي صالح عن ابن عباس قال: كانت العزى شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة فلما افتتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد فقال: "إيت بطن نخلة فإنك ستجد ثلاث سمرات فاعضد الأولى فأتاها فعضدها فلما جاء إليه قال: هل رأيت شيئاً؟ قال: لا، قال: فاعضد الثانية، فأتاها فعضدها، ثم أتى النبي ﷺ فقال: هل رأيت شيئاً؟ قال: لا، قال: فاعضد الثالثة، فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقها تصرف بأنيابها وخلفها سدنتها، فقال خالد: كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك ثم ضربها ففلق رأسها فإذا هي حممة ثم عضد الشجرة وقتل السادن ثم أتى النبي ﷺ فأخبره أن تلك العزى ولا عزى بعدها".
وأما مناة فكانت بالمشلّل عند قديد بين مكة والمدينة وكانت خزاعة والأوس والخزرج في الجاهلية يعظمونها ويهلون منها للحج
стр. 209
إلى الكعبة، روى البخاري عن عائشة نحوه١ وقد كان بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر يعظمها العرب كتعظيم الكعبة غير الثلاثة التي نص الله تعالى عليها في كتابه العزيز، إنما ذكر هذه لأنها أشد من غيرها، قال ابن إسحاق: وقد كانت قد اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وحجاب ويهدى لها كما يهدى للكعبة ويطاف بها كالكعبة وتنحر عندها وهي تعرف فضل الكعبة عليها لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم ﵇ ومسجده، وكانت قريش وبني كنانة العزى بنخلة وكانت سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم. قال ابن إسحاق: وكانت اللات لثقيف بالطائف وكانت سدنتها وحجابها بني مغيث وقد بعث إليها رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب فهدماها وجعلا مكانها مسجداً بالطائف.
قال ابن إسحاق: وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المشلّل بقديد فبعث إليها رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة وأبا سفيان فهدماها، ويقال علي بن أبي طالب ﵁ قال: وكان ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بيتاً له وكان يقال لها الكعبة اليمانية والكعبة التي بمكة الكعبة الشمالية فبعث رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي فهدمه، قال: وكانت فلس٢ لطي ومن يليها بجبل طي بين سَلْمَى وأجا قال ابن هشام: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ بعث علي بن أبي طالب فهدمه واصطفى منه سيفين الرسوب والمخدم فنفله
стр. 210
إياهما رسول الله ﷺ فهما سيفا علي، قال ابن إسحاق: وكان لحمير وأهل اليمن بيتاً بصنعاء يقال له: إريام وذكر أنه كان به كلب أسود وأن الحَبْرين اللذين ذهبا مع تُبّع استخرجاه وقتلاه وهدما البيت، قال ابن إسحاق: وكانت رضى بيتاً لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بني تميم ولها يقول المستوعر بن ربيعة بن كعب بن سعد حين هدمها في الإسلام:
ولقد شددت على رضاء شدة ... فتركتها فقراً بقاع اسمحا
وقال ابن هشام: يقال إنه عاش ثلاث مائة وثلاثين سنة وهو القائل:
ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وعمرت من عدد السنين مئينا
مائة حذيتها بعدها مائتان لي ... وعمرت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي إلا كما قد فاتنا ... يوم يمر وساعة تحرونا
قال ابن إسحاق: وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب بن وائل وإياد بسنداد وله يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة:
بين الخورنق والسدير وبارق ... والبيت والكعبات من سنداد
وقال ابن إسحاق: وكان لبني ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة صنم يقال له: سعد، صخرة بفلاة من الأرض طويلة، فأقبل رجل من بني ملكان بإبل مؤبلة ليقفها عليه ابتغاء بركته فيما يزعم، فلما رأته الإبل وكانت تهرق عليه الدماء ففرت منه فذهبت في كل وجه فغضب ربها فأخذ حجراً فرماه به ثم قال: لا بارك الله فيك نفرت إبلي، فخرج في طلبها حتى جمعها، فلما اجتمعت له قال:
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ... فشتتنا سعد فلا نحن في سعد
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة ... من الأرض لا تدعو بغي ولا رشد
وأما السُّنَّةُ فعن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع
стр. 211
رسول الله ﷺ ونحن حدثاء عهد بكفر ما عرفنا بعد حقائق الألوهية ولا دقائق الشركية وفينا بقية من الجهل لعدم تمكننا في العلم الشرعي وللمشركين سدرة يعكفون عندها ويتظللون تحتها وينوطون بها أسلحتهم تألهاً ومحبة من دون السدر والأشجار يقال لها: ذات أنواط لتنوطهم عليها السلاح فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط جهلاً بالمعنى والمآل كما لهمم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر" تعظيما لله وتنزيهاً عن المشابهة والمماثلة "إنها السنن" أي سنن الذين من قبلكم "قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. قال إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم: رواه الترمذي وصححه١.
قال الطرطوشي ﵀ من علماء المالكية في كتاب "الحوادث والبدع": روى البخاري عن أبي واقد الليثي إلخ فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة يقصدها الناس وينوطون بها الخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها، ولذلك لما رأى عمر ﵁ أن الناس يقصدون الشجرة التي بايع تحتها أهل بيعة الرضوان أمر بقطعها خوفاً من الفتنة وحذراً مما نبه عليه رسول الله ﷺ من المشابهة بالمشركين.
стр. 212
باب ما جاء جاء في الذبح لغير الله
...
متن الباب ٩
باب: ما جاء في الذبح لغير الله
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣] ، وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] .
عن علي ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: "لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه. لعن الله من آوى محدثاً، لعن الله من غير منار الأرض" رواه مسلم.
وعن طارق بن شهاب، أن رسول الله ﷺ قال: "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب" قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟! قال: "مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئاً، فقالوا لأحدهما قرب قال: ليس عندي شيء أقرب قالوا له: قرب ولو ذباباً، فقرب ذباباً، فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب، فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئاً دون الله ، فضربوا عنقه فدخل الجنة" رواه أحمد.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ .
الثانية: تفسير ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ .
الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله.
стр. 213
الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه أن تلعن والدي الرجل فيلعن والديك.
الخامسة: لعن من آوى مُحدثاً وهو الرجل يُحدث شيئاً يجب فيه حق لله فيلتجيء إلى من يجيره من ذلك.
السادسة: لعن من غيَّر منار الأرض، وهي المراسيم التي تفرق بين حقك من الأرض وحق جارك، فتغيرها بتقديم أو تأخير.
السابعة: الفرق بين لعن المعين، ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم.
الثامنة: هذه القصة العظيمة، وهي قصة الذباب.
التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصاً من شرهم.
العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين، كيف صبر ذلك على القتل، ولم يوافقهم على طلبتهم، مع كونهم لم يطلبوا منه إلا العمل الظاهر.
الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم، لأنه لو كان كافراً لم يقل: "دخل النار في ذباب".
الثانية عشرة: فيه شاهد للحديث الصحيح "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك".
الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان.
стр. 214
شرح الباب ٩
باب في بيان ما جاء في النهي عن الذبح لغير الله من الكتاب والسنة
وإنه شرك وإن من فعله دخل النار مخلداً إن لم يتب منه.
أمَّا الكتاب فذكر الشيخ آيتين الأولى: وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣] . أمر الله رسوله ﷺ أن يخبر الناس أنه مرسل إليهم بما ألزمه الله به من الإخلاص والتوكل عليه والإنابة إليه وحده لا شريك له، وأنه والناس سواء في العبودية كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ . [مريم: ٩٣] . وقال في حقه ﷺ : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ . [الفرقان: ١] . قوله تعالى: إن صلاتي أي دعواتي كلها لأن إضافة المصدر إلى ضمير المتكلم أبلغ وأتم في إفادة التعميم من إضافة الجمع إلى الضمير، ذكره ابن القيم ﵀ في قوله: وأبوء بذنبي في سيد الاستغفار، ولذا ما ترى في الكتاب والسنة إلا كذلك، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ﴾ . [الممتحنة: ١٠] . ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤] . وقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ . [الأحزاب: ٣٨] .
وفي السنة قوله ﷺ : "ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك" ١. وقوله: "أبوء بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي" ٢. وقوله: ونسكي أي:
стр. 215
ذبائحي وقرباني كلها لله تعالى، ومحياي أي ما أنا عليه في حال حياتي من الإيمان والطاعة، قوله: مماتي أي ما أنا عليه بعد مماتي من الرضى والتدبير في حق المماليك والصدقات كلها لله الذي هو رب العالمين وهو ربي خلقني ورزقني وهداني فهو مالكي وسيدي وأنا عبده لا شريك معه في عبادتي ونياتي وغيره، فكما أنه متفرد بخلقي ورزقي أعبده وحده ولا أشرك به أحداً.
والآية الثانية قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ . [الكوثر: ٢] أمر الله رسوله أن يصلي وينحر له حكماً له ولأمته فكما أنه لو صلى أحد لغير الله كفر فكذلك من نحر وذبح لغير الله؛ لأن النحر معطوف على الصلاة وحكم كالمعطوف حكم المعطوف عليه والكل بصيغة الأمر.
وأما الدليل من السنة على نهي الذبح لغير الله فذكر الشيخ حديثين أحدهما: عن علي١ ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: "لعن الله" أي طرد من رحمته ومنع، واللعن في اللغة بمعنى الطرد والمنع، فكل ملعون مطرود عن رحمة الله تعالى، وربما يتعدى لعنة الله إلى السابع من الولد، كما في الحديث: "إني أنا الله إذا رضيت باركت وليس لبركتي انتهاء، وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ السابع من الولد" ٢، الحديث، نعوذ بالله من غضبه ولعنه وعقابه من ذبح لغير الله قدم الرسول ﷺ لعن من ذبح لغير الله لأنه أكبر الكبائر وأنه هدم لأصل الإسلام الذي هو إفراد الله بالعبادة، عن ابن مسعود قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله والشرك يهدم