رسول الله ﷺ ونحن حدثاء عهد بكفر ما عرفنا بعد حقائق الألوهية ولا دقائق الشركية وفينا بقية من الجهل لعدم تمكننا في العلم الشرعي وللمشركين سدرة يعكفون عندها ويتظللون تحتها وينوطون بها أسلحتهم تألهاً ومحبة من دون السدر والأشجار يقال لها: ذات أنواط لتنوطهم عليها السلاح فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط جهلاً بالمعنى والمآل كما لهمم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر" تعظيما لله وتنزيهاً عن المشابهة والمماثلة "إنها السنن" أي سنن الذين من قبلكم "قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. قال إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم: رواه الترمذي وصححه١.
قال الطرطوشي ﵀ من علماء المالكية في كتاب "الحوادث والبدع": روى البخاري عن أبي واقد الليثي إلخ فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة يقصدها الناس وينوطون بها الخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها، ولذلك لما رأى عمر ﵁ أن الناس يقصدون الشجرة التي بايع تحتها أهل بيعة الرضوان أمر بقطعها خوفاً من الفتنة وحذراً مما نبه عليه رسول الله ﷺ من المشابهة بالمشركين.
стр. 212
باب ما جاء جاء في الذبح لغير الله
...
متن الباب ٩
باب: ما جاء في الذبح لغير الله
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣] ، وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] .
عن علي ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: "لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه. لعن الله من آوى محدثاً، لعن الله من غير منار الأرض" رواه مسلم.
وعن طارق بن شهاب، أن رسول الله ﷺ قال: "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب" قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟! قال: "مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئاً، فقالوا لأحدهما قرب قال: ليس عندي شيء أقرب قالوا له: قرب ولو ذباباً، فقرب ذباباً، فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب، فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئاً دون الله ، فضربوا عنقه فدخل الجنة" رواه أحمد.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ .
الثانية: تفسير ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ .
الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله.
стр. 213
الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه أن تلعن والدي الرجل فيلعن والديك.
الخامسة: لعن من آوى مُحدثاً وهو الرجل يُحدث شيئاً يجب فيه حق لله فيلتجيء إلى من يجيره من ذلك.
السادسة: لعن من غيَّر منار الأرض، وهي المراسيم التي تفرق بين حقك من الأرض وحق جارك، فتغيرها بتقديم أو تأخير.
السابعة: الفرق بين لعن المعين، ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم.
الثامنة: هذه القصة العظيمة، وهي قصة الذباب.
التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصاً من شرهم.
العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين، كيف صبر ذلك على القتل، ولم يوافقهم على طلبتهم، مع كونهم لم يطلبوا منه إلا العمل الظاهر.
الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم، لأنه لو كان كافراً لم يقل: "دخل النار في ذباب".
الثانية عشرة: فيه شاهد للحديث الصحيح "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك".
الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان.
стр. 214
شرح الباب ٩
باب في بيان ما جاء في النهي عن الذبح لغير الله من الكتاب والسنة
وإنه شرك وإن من فعله دخل النار مخلداً إن لم يتب منه.
أمَّا الكتاب فذكر الشيخ آيتين الأولى: وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣] . أمر الله رسوله ﷺ أن يخبر الناس أنه مرسل إليهم بما ألزمه الله به من الإخلاص والتوكل عليه والإنابة إليه وحده لا شريك له، وأنه والناس سواء في العبودية كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ . [مريم: ٩٣] . وقال في حقه ﷺ : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ . [الفرقان: ١] . قوله تعالى: إن صلاتي أي دعواتي كلها لأن إضافة المصدر إلى ضمير المتكلم أبلغ وأتم في إفادة التعميم من إضافة الجمع إلى الضمير، ذكره ابن القيم ﵀ في قوله: وأبوء بذنبي في سيد الاستغفار، ولذا ما ترى في الكتاب والسنة إلا كذلك، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ﴾ . [الممتحنة: ١٠] . ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤] . وقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ . [الأحزاب: ٣٨] .
وفي السنة قوله ﷺ : "ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك" ١. وقوله: "أبوء بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي" ٢. وقوله: ونسكي أي:
стр. 215
ذبائحي وقرباني كلها لله تعالى، ومحياي أي ما أنا عليه في حال حياتي من الإيمان والطاعة، قوله: مماتي أي ما أنا عليه بعد مماتي من الرضى والتدبير في حق المماليك والصدقات كلها لله الذي هو رب العالمين وهو ربي خلقني ورزقني وهداني فهو مالكي وسيدي وأنا عبده لا شريك معه في عبادتي ونياتي وغيره، فكما أنه متفرد بخلقي ورزقي أعبده وحده ولا أشرك به أحداً.
والآية الثانية قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ . [الكوثر: ٢] أمر الله رسوله أن يصلي وينحر له حكماً له ولأمته فكما أنه لو صلى أحد لغير الله كفر فكذلك من نحر وذبح لغير الله؛ لأن النحر معطوف على الصلاة وحكم كالمعطوف حكم المعطوف عليه والكل بصيغة الأمر.
وأما الدليل من السنة على نهي الذبح لغير الله فذكر الشيخ حديثين أحدهما: عن علي١ ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: "لعن الله" أي طرد من رحمته ومنع، واللعن في اللغة بمعنى الطرد والمنع، فكل ملعون مطرود عن رحمة الله تعالى، وربما يتعدى لعنة الله إلى السابع من الولد، كما في الحديث: "إني أنا الله إذا رضيت باركت وليس لبركتي انتهاء، وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ السابع من الولد" ٢، الحديث، نعوذ بالله من غضبه ولعنه وعقابه من ذبح لغير الله قدم الرسول ﷺ لعن من ذبح لغير الله لأنه أكبر الكبائر وأنه هدم لأصل الإسلام الذي هو إفراد الله بالعبادة، عن ابن مسعود قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله والشرك يهدم
стр. 216
بنيان الإسلام من أساسه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . [الزمر: ٦٥] . ثم قال رسول الله ﷺ : "لعن الله من لعن والديه" ذكر لعن والديه بعد الذبح لغير الله لأنه أكبر الكبائر بعد الشرك بالله، ذكر البخاري عن الشعبي عن عبد الله بن عمرو: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: "الإشراك بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم عقوق الوالدين، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم اليمين الغموس، قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: الذي يقتطع مال امرئ مسلم فيقسم أنه هو فيها كاذب"، الحديث١. ثم قال ﷺ : "لعن الله من آوى محدثاً" وهذا من الأمور التي تقدح في الإسلام وفي محبة الله، كيف لا ولو تصور أن رجلاً أعان من عصاك بحفظه عنك من أن تؤدبه بما يستحق بغير رضاك غضبت عليه وأبعدته عنك، فكيف رب البرية يأمر فيخالف أمره أحد وينهى عن شيء فيأتيه ثم تؤوي هذا المخالف عن الأدب وتعينه فكيف لا يستحق آوي المخالف المحدث الطرد والمنع عن رحمة الله؟ فتأمل.
ثم قال ﷺ : "لعن الله من غيّر منار الأرض" أي رسومها، وأمارتها التي تدل على اعتزال كل حق آدمي عن حق آخر، وذلك لأنه ظلمه بتغيير حقه وأخذ من غير حق فحينئذ يستحق من الله الطرد والمنع عن رحمته، رواه مسلم.
والحديث الثاني على نهي الذبح لغير الله وشركيته. وعن طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: "دخل الجنة رجل
стр. 217
في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب" قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ استغراباً وتعجباً من دخولهما الجنة والنار وليس لهما سبب إلا الذباب فاستفهموه لكي يبين لهم ما استغربوه ويكشف ما أشكل عليهم قال رسول الله ﷺ : "مرَّ رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئاً. قليلاً أو كثيراً حقيراً أو جليلاً لإطلاق الشيء على كل ذلك فقالوا لأحدهما: قرِّب للصنم شيئاً قال: ليس عندي شيئاً أقرِّب به قالوا: قرِّب له ولو ذباباً ضبطاً وحفظاً لأمرهم لئلا يختل فيترك فاستحقر الذباب وقصد نجاته من عذابهم فقرب للصنم ذباباً فخلوا سبيله فدخل النار بسبب قربانه الذباب للصنم، وقالوا للآخر قرب فقال: ما كنت أقرب لأحد شيئاً دون الله فضربوا عنقه فدخل الجنة ١ لامتناعه عن التقرب لغير الله تعالى إيماناً واحتساباً وإجلالاً وتعظيماً لله تعالى.
стр. 218
متن الباب ١٠
باب: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله
وقول الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ [التوبة: ١٠٨] .
عن ثابت بن الضحاك ﵁، قال: نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة، فسأل النبي ﷺ فقال: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد"؟ قالوا: لا. قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم"؟ قالوا: لا. فقال رسول الله ﷺ : "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم" رواه أبو داود، وإسنادها على شرطهما.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ .
الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة.
الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البيِّنة ليزول الإشكال.
الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك.
الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع.
السادسة: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية ولو بعد زواله.
стр. 219
السابعة: المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم ولو بعد زواله.
الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة، لأنه نذر معصية.
التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده.
العاشرة: لا نذر في معصية.
الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك.
стр. 220
شرح الباب ١٠
باب في بيان ما يدل على أنه لا يباح لمسلم أن يذبح لله بمكان يُذْبح فيه لغير الله
بل ينهى عن ذلك لأنه تحنيث بالإشراك بالله فيه وأنه موضع تهمة من رآك فيه ذابحاً اتهمك بأنكر المنكرات أي الشرك بالله، وقد ورد عنه ﷺ أنه قال: "اتقوا موضع التهم" ١. وأيضاً يقتدي بك الجهال فيفشوا الشرك. ونهيه من الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ . [التوبة: ١٠٨] . أي في المسجد الذي اتخذ االمنافقون مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله، روي أن بني عمرو بن عوف لما بنو مسجد قباء سألوا رسول الله ﷺ أن يأتيهم فيؤمهم فأتاهم فأمَّهم وصلى فيه وكان بالمدينة أبو عامر الراهب تنصر في الجاهلية، وما آمن بمحمد ﷺ ، وبعد وقعة بدر التحق بقريش وحثهم على المحاربة وكان معه في أحد ثم ذهب إلى عظيم الروم وكتب إلى أعوانه من المنافقين يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش لمحاربة الإسلام وأمرهم ببناء مسجد له فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء إرصاداً لرجوعه من عند عظيم الروم فلما أتموا بناءه أتوا رسول الله ﷺ حين رجع من تبوك وقالوا: أقمنا مسجداً للضعفاء وذوي العلة والمطيرة نلتمس تصلي فيه وتدعو بالبركة فنوى أن يأتيهم فنزلت في تكذيبهم الآيات، فأمر رسول الله ﷺ بهدمه فهدموه وأحرقوه بأمره صلى الله عليه وسلم٢، قلت: إذا كان هذا حكم مسجد بني ضراراً
стр. 221
وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله باطناً وفي الظاهر إرادة الصلاة والطاعة فيه حتى إنه نوى رسول الله ﷺ أن يأتيهم ويصلي فيه فنهى الله عن قيامه فيه للصلاة فكيف بمواضع تبنى لعبادة غير الله وهتك محارم الله ومعاصي الله؟ فهذه المواضع أولى بالهدم والحرق نقلاً وعقلاً وقد تقدم، قال في ذلك ابن القيم ﵀: فإن قلت: ما استدل به من قوله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ . [التوبة: ١٠٨] .على عدم الذبح بمكان يذبح فيه لغير الله؟ قلت: لأن الله ينهى رسول الله ﷺ أن يصلي فيه ومعلوم بالضرورة أن الرسول ﷺ يصلي لله وحده لا شريك له ومع ذلك نهي عن الصلاة فيه، وبعدما فعلوا فيه ضرراً ولا كفراً ولا تفريقاً بل مجرد أن أوجب النهي عن الله بالقيام والصلاة فيه، فكيف بكمان فعل فيه الشرك والكفر؟ فهو أولى بالنهي عن الطاعة فظهر وجه الاستدلال بالآية لما بوَّب لأجله الباب.
وأما السنة وعن ثابت بن الضحاك١ قال: نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة٢ بضم الباء الموحدة من أسفل موضع يقول فيه وضاح اليمن:
أيا نخلتي وادي بوانة حبذا ... إذا نام حراس النخيل جناكما
نهى النبي ﷺ عن الذبح عند موضع عبده المشركون ومعلوم أن ذلك إنما هو لتعظيم البقعة التي يعظمونها بالتعييد فيها أو لمشاركتهم في التعييد فيها أو لإحياء شعار عيدهم فيها، ولهذا لما خلت عن ذلك أذن في الذبح فيها، وإذا كان تخصيص بقعة عيدهم محذوراً فكيف نفس
стр. 222
عيدهم خشية أن يكون الذبح سبباً لإحياء أثر هذه البقعة بعد الاندثار وذريعة إلى اتخاذها عيداً.
قال الشيخ ابن تيمية –قدس الله سره- في:اقتضاء الصراط المستقيم": "العيد والأزمنة اسم جنس يدخل فيه كل يوم أو مكان لهم فيه اجتماع وكل عمل يحدثونه في هذه الأمكنة والأزمنة فليس النهي عن خصوص أعيادهم بل كل ما يعظمونه من الأوقات والأمكنة التي لا أصل لها في دين الإسلام وما يحدثونه فيها من الأعمال يدخل في ذلك، وأعياد الكفار كثيرة مختلفة وليس على المسلم أن يبحث عنها ولا يعرفها بل يكفيه أن يعرف فعلاً من الأفعال أو يوماً أو مكاناً أن سبب هذا الفعل أو تعظيم هذا المكان والزمان من جهتهم ولو لم يعرف سببه الذي من جهتهم فيكفيه أن يعلم أنه لا أصل له في دين الإسلام فإنه إذا لم يكن له أصل فإما أن يكون قد أحدثه بعض الناس من تلقاء نفسه أو يكون مأخوذاً عنهم فأقل أحواله أن يكون من البدع ونحن ننبه على ما رأينا كثيرا من بعض الناس قد وقعوا فيه.
فمن ذلك الخميس الحقير الذي في آخر صومهم فإنه يوم عيد المائدة فيما يزعمون ويسمونه: عيد العشاء، وهو الأسبوع الذي يكون فيه من الأحد إلى الأحد هو عندهم الأكبر فجميع ما يحدثه الإنسان فيه من المنكرات منهي عنه فمنه: خروج النساء وتبخير القبور ووضع الثياب على السطح وكتابة الورق وإلصاقها بالأبواب واتخاذ موسماً لبيع البخور وشرائه. ومن ذلك ما تفعله النساء من أخذ ورق الزيتون والاغتسال بمائه وقصد الاغتسال من ذلك فإن أصل ذلك ماء المعمودية. ومن ذلك ترك الوظائف الراتبة والصنائع والتجارات أو حلق العلم أو غير ذلك واتخاذه يوم راحة وفرح واللعب فيه بالخيل وغيرها على وجه يخالف ما قبله وما بعده من الأيام. والضابط أنه لا يحدث
стр. 223
فيه أمراً أصلاً بل يجعل يوما كسائر الأيام وقد نهاهم النبي ﷺ عن اليومين اللذين كانا لهم يلعبون فيهما في الجاهلية وأنه ﷺ نهى عن الذبح بالمكان إذا كان المشركون يعيدون فيه، قال غير واحد من التابعين وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] . فروى أبو بكر الخلال في الجامع بإسناده عن محمد بن سيرين قال: هو الشعانين، وكذلك ذكر عن مجاهد قال: هو أعياد المشركين، وكذلك عن الربيع بن أنس قال: أعياد المشركين، وقال القاضي أبو يعلى: مسألة في النهي عن حضور أعياد المشركين وروى أبو الشيخ الأصفهاني بإسناده في شروط أهل الذمة عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] . قال عيد المشركين".
قلت: إذا النهي في الذي يحضر أعيادهم ولو لم يفعل فعلاً أو يفعل لله فكيف بمن يحضر أعيادهم وأماكنهم ويفعل أفعالهم فتأمل حتى تميز بين الناس في الإسلام، فسأل النبي ﷺ فقال: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ : أوف بنذرك". إذاً لأنه عدم الموانع التي يمنع الوفاء لأجلها من معاصي الله تعالى "فإنه لا وفاء في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم". رواه أبو داود وإسناده على شرطهما. أي البخاري ومسلم.
стр. 224
متن الباب ١١
باب: من الشرك النذر لغير الله
وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ . [الدهر: ٧] . وقوله: ﴿وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه﴾ [البقرة: ٢٧٠] .
وفي "الصحيح" عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه".
فيه مسائل:
الأولى: وجوب الوفاء بالنذر.
الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله فصرفُه إلى غيره شرك.
الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.
стр. 225
شرح الباب ١١
باب في بيان ما يدل من الكتاب والسنة على أن من الشرك النذر لغير الله
أما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ . [الإنسان: ٧] . وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ . [البقرة: ٢٧٠] .
فإن قلت: ليس في الآيتين ما يدل على أن النذر شرك، قلت: دلتا على المقصود بالالتزام، لأن الله أثنى على الناذر الموفي وأقرهم على ذلك قضاء منه عبادة له فإذا إنه عبادة ففعله لغيره شرك وكفر.
قال الشيخ قاسم من الحنفية في شرح درر البحار: النذر الذي يقع من أكثر العوام وهو أن يأتي إلى قبر بعض الصالحين قائلاً: يا سيدي فلان إن رد غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي فلك كذا أو كذا باطل، إجماعاً لوجوه:
منها: أن النذر للمخلوق لا يجوز.
ومنها: ظن أن الميت يتصرف في الأمر: واعتقد هذا كفر إلى أن قال: إذا هذا فما يؤخذ من الدراهم أو الشمع والزيت ونحوها وينقل إلى ضريح الأولياء فحرام بإجماع المسلمين وقد ابتلي الناس بذلك فتأمل قوله: وقد ابتلي الناس بذلك.
قال أبو العباس ابن تيمية في أجوبة له: وأما النذر للقبور أو سكان القبور أو الكافين على القبور سواء كانت قبور الأنبياء أو الصالحين فهذا نذر حرام باطل يشبه النذر للأوثان سواء نذر زيت أو شمع أو غير ذلك، قال النبي ﷺ : "لعن الله زائرات القبور والمتخذين
стр. 226
عليها المساجد والسرج" ١. وقال ﷺ : "لعن اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذر ما فعلوا" ٢. وقال: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" ٣. وقال: "اللهم لا نجعل قبري وثناً يعبد من بعدي" ٤. وقد اتفق أئمة الدين على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور ولا أن يعلق عليها الستور ولا أن ينذر لها النذور ولا أن يوضع عندها الذهب والفضة، بل حكم هذه الأموال أن تصرف في مصالح المسلمين إذا لم يكن لها مستحق معين ويجب هدم كل مسجد بني على قبر كائن من كان، فإن ذلك من أكبر أسباب عبادة الأوثان كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ . [نوح: ٣٢] .
قال السلف: هذه أسماء رجال صالحين فماتوا فعكفوا على قبورهم ثم عبدوهم، ومن نذر نذراً لها لم يجز الوفاء به لما ثبت عن النبي ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" ٥. وعليه كفارة يمين لقول النبي ﷺ : "كفارة نذر كفارة يمين" ٦. إلى أن قال: ومن اعتقد أن النذر لها ينفع أو له أجر فهو
стр. 227
ضال جاهل، فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ ينهى عن النذر فقال: "إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج من البخيل" ١. ومن اعتقد أن النذر للقبور يكشف السوء أو يفتح الرزق أو يحفظه فإنه مشرك كافر قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ . [الإسراء: ٥٦] .
стр. 228
إليه" ١. وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "ألا هل أنبئكم ما الغضة هي النميمة القالة بين الناس"، رواه مسلم٢. ولهما عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن من البيان لسحراً" ٣. اختلفوا في تأويله فمنهم من حمله على الذم وذلك أنه ﷺ ذم التصنيع في الكلام والتكلف لتحسينه لتستمال قلوب السامعين به وإليه أصل السحر في كلامهم الصرف ويسمى السحر سحراً لأنه مصروف عن جهته فهذا المتكلم ببيانه يصرف قلوب السامعين إلى قبول قوله وإن كان غير حق والمراد من صرف الكلام فضله وما يتكلف الإنسان من الزيادة فيه من وراء الحاجة فيدخله الرياء ويخالطه الكذب، وأيضاً فإنه قد يحيد الشيء عن ظاهره ببيانه ويزيله عن موضعه بلسانه إرادة التلبيس عليهم فيصير بمنزلة السحر الذي يلبس على الناس بتورية الشيء الذي لا حقيقة له كأن له حقيقة، وقيل: أراد به أن من البيان ما يكتسب به صاحبه من الإثم ما يكتسب الساحر بسحره. وقيل: الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بحجته من صاحب الحق فيسحر القوم بلسانه فيذهب بالحق، وشاهده قوله ﷺ : "إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له من حق أخيه فلا يأخذه فإنما هو قطعة من
стр. 229
النار" ١.
وذهب آخرون إلى أن المراد منه مدح البيان والحث على تحسين الكلام وتخيير الألفاظ وروي عن عمر بن عبد العزيز أن رجلاً طلب إليه حاجة كان يتعذر عليه إسعافه بها، فاستمال قلبه بالكلام فأنجزها له ثم قال: هذا هو السحر الحلال، والحق أن الكلام يختلف بحسب المقاصد لأن مورد المثل على ما رواه الشيخ التوربشتي وكأن هذا القول منه ﷺ عند قدوم وفد بني تميم وكان فيهم الزبرقان وعمرو ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيهم والمجاب أمنعهم من الظلم وآخذ لهم بحقوقهم وهذا يعلم ذلك، فقال عمرو: إنه لشديد المعارضة مانع لجانبه مطاع في أذنيه فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم مني غيرها، قال: وما منعه أن يتكلم إلا الحسد؟ فقال عمرو: وأنا أحسدك فوالله إنك للئيم الخال حديث المال ضيق العطن أحمق المولد مضيع في العشيرة والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولاً وما كذبت فيما قلت آخراً ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما عملت وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعاً، فقال النبي ﷺ : "إن من البيان لسحراً". قال الميداني: يضرب هذا المثل في استحسان المنطق وإيراد الحجة البالغة، فالكلام يختلف باختلاف المقاصد فبعض من البيان كالسحر في الباطل إذا جعل الباطل حقًّا والحق باطلاً وبعضه ممدوح إذا خلى من ذلك وكذلك الشعر منه مذموم إذا كان في هجو مسلم وتزيين الباطل ومنه ممدوح إن اشتمل على الحكم كما قال رسول الله ﷺ : "إن من الشعر
стр. 230
متن الباب ١٢
باب: من الشرك الاستعاذة بغير الله
وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن: ٦] .
عن خولة بنت حكيم ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك" رواه مسلم.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الجن.
الثانية: كونه من الشرك.
الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث؛ لأن العلماء استدلوا به على أن كلمات الله غير مخلوقة، قالوا: لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك.
الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره.
الخامسة: أن كون الشيء يحصل به مصلحة دنيوية من كف شر أو جلب نفع – لا يدل على أنه ليس من شرك.
стр. 231
متن الباب ١٣
باب: من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ . [يونس: ١٠٦-١٠٧] . وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٧] . وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥] . وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] .
وروي الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق. فقال النبي ﷺ : "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله ".
فيه مسائل:
الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص.
الثانية: تفسير قوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦] .
الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر.
الرابعة: أن أصلح الناس لو يفعله إرضاءً لغيره صار من الظالمين.
стр. 232
الخامسة: تفسير الآية التي بعدها.
السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفراً.
السابعة: تفسير الآية الثالثة.
الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تطلب إلا منه.
التاسعة: تفسير الآية الرابعة.
العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله.
الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه.
الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له.
الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو.
الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة.
الخامسة عشرة: أن هذه الأمور سبب كونه أضل الناس.
السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة.
السابعة عشرة: الأمر العجيب وهو إقرار عبدة الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله، ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين له الدين.
الثامنة عشرة: حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد والتأدب مع الله .
стр. 233
شرح الباب ١٣
باب في بيان ما جاء أن من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره من الكتاب والسنة
قلت: عطف الدعاء على الاستغاثة عطف العام على الخاص لأن الدعاء يشمل الاستغاثة وغيره، والاستغاثة لا تشمل إلا الدعاء الذي في الكرب، فالاستغاثة لا تكون إلا في الضيق والكرب وطلب الغوث وتفريج الكربة وتفريج الشدائد، والدعاء يكون في الكرب وغيره فكل استغاثة دعاء وليس كل دعاء استغاثة وذلك إذا كان الدعاء في السرور والرخاء لطلب الفوائد، فمن الاستغاثة إلحاح النبي ﷺ في الدعاء يوم بدر في العريش حين رأى شوكة الأعداء وخيلهم وخيلاءهم، وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ . [الأنفال: ٩] .
ومن الاستغاثة ما ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب المجابين في الدعاء عن الحسن قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار يكنى أبا مِعْلَق وكان تاجراً يتجر بمال له ولغيره يضرب به في الآفاق، وكان ناسكاً ورعاً فخرج مرة فلقيه لص مقنع في السلاح، فقال: ضع مع معك فإني قاتلك، قال: ما تريد إلا دمي، شأنك بالمال، قال: أما المال فلي فلست أريد دمك، قال: إذا أبيت فذرني أصلي أربع ركعات، قال: صل ما بدا لك، فتوضأ ثم صلى أربع ركعات فكان من دعائه في آخر سجدة سجدها أن قال: يا ودود يا ذا العرش المجيد فعالاً ما يريد أسألك بعزك الذي لا يُرام وملكك الذي لا يضام وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص يا مغيث أغثني ثلاث مرات فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة قد وضعها بين أذني فرسه فلما بصر به اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله ثم أقبل إليه فقال له: قم
стр. 234
فقال: من أنت بأبي أنت وأمي جميعاً أغاثني الله بك اليوم؟ قال: أنا طائف من أهل السماء الرابعة دعوت بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقعة ثم دعوة بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوت بدعائك الثالث: فقيل: دعاء مكروب فسألت الله أن يوليني قتله، قال الحسن: فمن توضأ وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء استجيب له مكروباً أو غير مكروب١، هذا وقال الشيخ أحمد ابن تيمية: وقد قال المصنفون في أسماء الله تعالى: يجب على كل مكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله، وإن كل غوث فمن عنده وإن جعل ذلك على يد غيره فالحقيقة له سبحانه ولغيره مجاز، قالوا: ومن أسمائه المغيث والغياث وجاء ذكر المغيث في حديث أبي هريرة، قالوا: وأجمعت الأمة على ذلك، وقال أبو عبد الله الحليمي: الغياث هو المغيث وأكثر ما يقال: غياث المستغيثين ومعناه المدرك عباده في الشدائد إذا دعوه. وفي خبر الاستسقاء في الصحيحين "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا" ٢ يقال: أغاثه إغاثة وغياثاً وغوثاً وهذا الاسم في معنى المجيب والمستجيب إلا أن الإستغاثة أحق بالأفعال والاستجابة أحق بالأقوال، وقد يقع كل منهما موقع الآخر، قالوا: والفرق بين المستغيث والداعي أن المستغيث ينادي بالغوث والداعي يدعو بالمدعو، قال أبو يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وقال الشيخ أبو عبد الله القرشي الشيخ المشهور بالديار المصرية وغيرها: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون، وفي حديث موسى: اللهم
стр. 235
لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك يستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولما كان هذا المعنى هو المفهوم فيهما عند الإطلاق صح إطلاق نفيهما عما سوى الله ، ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز مطلق الاستغاثة بغير الله تعالى ولا أنكر على من نفى مطلق الاستغاثة عن غير الله.
وكذلك الاستعانة منها ما لا يصح إلا لله وهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] . فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله تعالى وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] . وكذلك الاستنصار، قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢] . والنصر المطلق وهو خلق ما به يغلب العدو لا يقدر عليه إلا الله تعالى فعلى هذا فقس.
وأما الدعاء فيعم كشف الشدائد وجلب الفوائد، قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ . [الأعراف: ٥٦] .
والدعاء مخ العبادة، قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ . [الفرقان: ٧٧] .
والدعاء يشمل دعاء المسئلة ودعاء العبادة وكلاهما مختصة لله تعالى.
فمن الدعاء الذي في كرب وكشف الشدائد دعاء الرسول ﷺ بعد رجعته من الطائف بعد رجعته من الطائف تحت شجرة بعدما رأى منهم من الأذى حتى ذكروا أنهم أدموا قدميه الشريفة صلوات الله وسلامه عليه: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي اللهم إلى من تكلني إلى عدو بعيد يتجهمني أو إلى صديق قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي
стр. 236
غير أن عافيتك أولى لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو تحل بي عقوبتك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك" ١.
ومن الدعاء الذي ليس في الكرب بل لجلب الفوائد قوله ﷺ : " اللهم إني عبدك وابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماضي فيّ حكمك عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي" ٢.
قلت: في هذه الأدعية دلائل على الوحيد والرسالة:
الأول: قوله في دعاء الطائف: اللهم بمعنى يا الله حذفت حرف النداء وعوض عناه الميم المشددة، أقبل ﷺ بقلبه وقالبه على الله في كشف الضر عنه لا غيره نبي ولا غير نبي ولا استغاث بغيره.
الثاني: قوله: إليك بكاف الخطاب التي على الوحدة والانفراد، أشكو بتقديم الجار والمجرور أعني إليك على الأمثل أعني أشكو لإفادة الحصر أي إليك أشكو لا غير لاتفاق النحويين تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والجار والمجرور حقهما التأخير.
الثالث: قوله: وأنت ربي أذعن بالعبودية وبربوبية الباري له وأنه العبد المدبر المقهور لا يقدر لنفسه نفعاً ولا ضراً من دونه.
الرابع: قوله: إلى من تكلني لعدم علمه بما يؤول أمرع ﷺ إليه.
الخامس: قوله: ملكته أمري أذعن واعترف بأن ليس له من
стр. 237
الأمر شيء بل الأمر كله لله يفعل ما يشاء ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ .
السادس: قوله: إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي. دل على شدة خوفه ﷺ من فاطره وخالقه الذي بيده أزمة الأمور.
السابع: قوله: أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة يدل على إقراره بالوحدانية المطلقة وإنابته إليه.
الثامن: قوله: لك العتبى حتى ترضى جعله نفسك كالميت بين يد الغاسل أي افعل بي ما يرضيك.
التاسع: قوله: ولا حول ولا قوة إلا بك دل على أنه ﷺ تبرأ من الحول والقوة.
وفي الدعاء الثاني دلائل:
الأول: قوله: اللهم إني عبدك وابن عبدك أي أنك خلقتني ورزقتني ودبرتني.
الثاني: قوله: ناصيتي بيدك أي تفعل بي ما تشاء لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله.
الثالث: ماض في حكمك فيه بيان إثبات القدر وما تضمن الإيمان به.
الرابع: عدل في قضاؤك بيان بأنه الحق قائم بالقسط حكمه عدل وقوله صدق.
الخامس: أسألك بكل اسم هو لك دل على أنه لا يسأل إلا بأسمائه الحسنى كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ . [يوسف: ١٠٨] . ولا يدعى المخلوق مطلقاً.
السادس: سؤاله كشف الشدائد وجلب الفوائد من الله لا من
стр. 238
غيره لأنه القيوم بالكائنات وما فيها وبيده ملكوت كل شيء له الملك وله الحمد وهل الخلق وله الأمر ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فلا يستغاث بغيره ولا يدعى غيره؛ لأنه إن كل ما في السماوات والأرض إلا آت الرحمن عبداً، والعبد عاجز لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضرًّا ولا موتاً ولا حياة ولا نشورا.
أما الكتاب وقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . [يونس: ١٠٦] . وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . [الأنعام: ١٧] . وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ . [العنكبوت: ١٧] . وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ . [الأحقاف: ٥] . وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ . [النمل: ٦٢] . والآيات في ذلك كثيرة جدًّا بل أكثر القرآن يقرر أن لا يدعى غير الله كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ . [الجن: ١٨] . ولا يستغاث بغير الله.
أما السنة فروى الطبراني أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله عز..
стр. 239
وجل" ١. فقد نهى رسول الله ﷺ عن التلفظ بالألفاظ التي تختص بالله تعالى ولو ما قصدت على حقيقة معناها لأنه ذكر أنهم لم يقصدوا بالاستغاثة إلا الشكاية فمنعهم عن ذلك اللفظ لحماية لجناب التوحيد.
فإن قلت ربما يحصل بدعوة غير الله والاستغاثة به مقصود الداعي ويظن هذا من كرامات المدعو، قلت: هذا من جنس ما يفعله الشياطين لعبدة الأوثان حيث تتراءى أحياناً لمن يعبدها وتخاطبهم ببعض الأمور الغائبة وتقضي بعض الطلبات وقد وقع من هذا كثير في المتأخرين وأتباعهم حتى يروى عن بعضهم أنه قال: قبر مَعْرُوْفٍ الترياق المجرب، وعن بعضهم: فلان يدعى عند قبره، وعن بعض شيوخهم، إذا كانت لك حاجة إلى الله فاستغث بي أو قال: استغث عند قبري ونحو ذلك.
وكثير من هؤلاء إذا استغاث شيخه رأى صورته وربما قضى بعض حاجته فيظن أن شيخه نفسه أو أنه ملك تصور على صورته وأن هذا من كراماته، وإنما ذلك الشيطان وكلما كان القوم أعظم جهلاً وضلالاً كانت هذه الأحوال الشيطانية عندهم أكثر، وقد يأتي الشيطان أحدهم بمال أو طعام أو لباس أو غير ذلك وهو لا يرى أحداً أتاه به فيحسب ذلك كرامة لشيخه وإنما هي عن الشيطان، أضلتهم الشياطين بذلك كما كانت تضل عباد الأصنام بمثل هذه الأحوال.
стр. 240
متن الباب ١٤
باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً﴾ . [الأعراف: ١٩٠- ١٩١] . وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ . [فاطر: ١٣] .
وفي "الصحيح" عن أنس قال: شُجَّ النبي ﷺ يوم أحد وكسرت رباعيته، فقال: "كيف يفلح قوم شَجُّوا نبيهم"؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] . وفيه عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلاناً وفلاناً" بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ . وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ . وفيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] . قال: "يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً".
стр. 241
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيتين.
الثانية: قصة أحد.
الثالثة: قنوت سيد المرسلين وخلفه سادات الأولياء يؤمنون في الصلاة.
الرابعة: أن المدعو عليهم كفار.
الخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار. منها: شجهم نبيهم وحرصهم على قتله، ومنها: التمثيل بالقتلى مع أنهم بنو عمهم.
السادسة: أنزل الله عليه في ذلك ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ .
السابعة: قوله: ﴿أََوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] . فتاب عليهم فآمنوا.
الثامنة: القنوت في النوازل.
التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم.
العاشرة: لعنه المعيّن في القنوت.
الحادية عشرة: قصته ﷺ لما أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] .
الثانية عشرة: جده ﷺ في هذا الأمر، بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن.
الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: "لا أغني عنك
стр. 242
من الله شيئاً" حتى قال: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً" فإذا صرح ﷺ وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئاً عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه ﷺ لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس الآن -تبين له التوحيد وغربة الدين.
стр. 243
شرح الباب ١٤
باب في بيان ما يدل من الدلائل القاطعة والبراهين الساطعة على معنى قول الله :
﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً﴾ . [الأعراف: ١٩٠-١٩١] . وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ . [فاطر: ١٣، ١٤] . يخبر تعالى عن فساد عقول المشركين وضلالهم وعمى بصائرهم منبهاً على ذلك بالاستفهام الإنكاري أيشركون بالله الذي تفرد بالملك، والحمد، والخلق، والأمر، والعز، والبقاء، والربوبية، والقيومية، والقهر، والتدبير، والإحياء، والإماتة، والعطاء، والمنع، والنفع، والضر، بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، يفعل ما يشاء ويختار، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، لو أن الخلق أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئاً، ولو أن أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منهم ما نقص ذلك من ملكه شيئاً، ولو أن أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم قاموا في صعيد واحد وسألوه فأعطى كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عنده إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، بائن عن خلقه غني عما سواه لن يبلغوا ضره فيضروه ولن يبلغوا نفعه فينفعوه، قادر على كل شيء عليم بكل شيء ما فوق العرش وتحت الفرش في العلم عنده سواء، بصير يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة
стр. 244
الظلماء، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون سبحانه وتعالى عما يشركون أيشركون خلقاً ما أو يشركون به مخلوقاً من ماء مهين مدبراً في الرحم من حال إلى حال نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم يكسو العظام لحماً ثم ينفخ فيه ويرزق من دم الحيض غذاء وشراباً إلى حد معلوم عنده ثم أخرجه متلوثاً بما تكرهه النفوس فيعطف الله عليه الأبوين ويشفقهما عليه فيربيانه بأمر الله وهو يتقلب في القاذورات ويرضع ثدي أمه إلى حولين لمن أراد أن يتم الرضاعة ثم يخلق له أسناناً نوعين نوع للقطع ونوع للمضغ والطحن وخلق له كل شيء من النعم قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ . [إبراهيم: ٣٤] . ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] . فالإنسان مدبر مقهور لولا فضل الله ورحمته لكان من الهالكين لا يعلم مصالح نفسه ولا مفاسده، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . [البقرة: ٢١٦] . بل إنه كالميت بين يدي الغاسل يقلبه يميناً وشمالاً وهو لا يشعر لو يأتيه أدنى مصيبة من المصائب عجز عن دفعها ورفعها، ضعيف نحيف لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا يملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً ولا يملك في الكون مثقال ذرة ملكاً حقيقياً ولا نقيراً ولا قطميراً ولا فتيلاً، فمن كان هذا حاله فكيف يتصور أنه ينفع أو يضر أو يعطي أو يمنع أو يخذل أو يعز أو يذل أو يقدر على أمر من الأمور الكونية، وقد قال الله لأفضل الخلق أجمعين وسيد الأنبياء والمرسلين وحبيبه وصفوته من خلقه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] .
وفي الصحيح عن أنس بن مالك قال: شُج النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 245
يوم أحد وكسرت رباعيته١ عن البراء بن عازب ﵁ قال: لقينا المشركين يومئذ وأحبس النبي ﷺ جيشاً من الرماة وأمر عبد الله بن جبير ﵁ وقال: "لا تبرحوا، فإن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا". فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن وبدت خلاخلهن، فلما رأوا ذلك الرماة فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة، فذكرهم أميرهم عهد رسول الله ﷺ فلم يسمعوا، فأخلوا الثغر وكرّ فرسان المشركين عليه فوجدوه خالياً فجاؤوا منه وأقبل آخرهم حتى أحاطوا بالمسلمين، فأكرم الله من أكرم بالشهادة وهم سبعون، وتولى الصحابة وخلص المشركون إلى رسول الله ﷺ فجرحوه جراحات، شج رأسه وكسرت رباعيته، فلما انقضت الحرب أشرف أبو سفيان على الجبل ونادى: فيكم محمد؟ فلم يجيبوه فقال: فقال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجيبوه، فقال: أفيكم ابن الخطاب؟ فلم يجيبوه، فقال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم فلم يملك عمر نفسه قال: يا عدو الله قد أبقى الله ما يسوؤك، ثم قال أبو سفيان: أُعلُ هبل، فقال رسول الله ﷺ : ألا تجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجلُّ، ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم، قال: ألا تجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم، ثم قال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، فقال عمر: لا سواء قتلانا غي الجنة وقتلاكم في النار٢.
стр. 246
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد وشج رأسه ﷺ فجعل يسلت الدم عن وجهه فقال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم" فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] . أخرجه مسلم والترمذي١.
وفيه أي في الصحيح٢: عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلاناً وفلاناً" بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ . وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام٣، فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ . وفيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين نزلت عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] . صعد الصفا وقال: "يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً" ٤.
стр. 247
فيا لله العجب أفضل من في السموات والأرض من المخلوقين وأحب الخلق إلى الله وأقربهم عنده اصطفاه من خلقه وأرسله بالبينات وأيده بفصل الخطاب والمعجزات، وعرج إلى السبع الطباق وهو مع ذلك لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً﴾ . [الأعراف: ١٨٨] . وكذلك لا يملك لغيره ضراً ولا رشداً كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ . [الجن: ١٤] . لأقرب قريب كما في هذا الحديث أنه خاطب عمه وخص عمه وعمته وبنته وقال: اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً فكيف غيره ﷺ يقدر على النفع والضر سبحان من طبع على قلوب أعدائه كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون، بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين.
стр. 248
باب قول الله ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾
...
متن الباب ١٥
باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] .
وفي "الصحيح" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك. حتى إذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع -ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض- وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه- فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها عن لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء".
وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة -أو قال رعدة- شديدة خوفاً من الله . فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا سجداً. فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا
стр. 249
جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل. فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله ".
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآية.
الثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك، خصوصاً من تعلق على الصالحين، وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب.
الثالثة: تفسير قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ .
الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك.
الخامسة: أن جبريل هو الذي يجيبهم بعد ذلك بقوله: "قال كذا وكذا".
السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل.
السابعة: أن يقول لأهل السماوات كلهم؛ لأنهم يسألونه.
الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم.
التاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله.
العاشرة: أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله.
الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين.
стр. 250
الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضاً.
الثالثة عشرة: إرسال الشهب.
الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه.
الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق بعض الأحيان.
السادسة عشرة: كونه يكذب معها مائة كذبة.
السابعة عشرة: أنه لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء.
الثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة؟!
التاسعة عشرة: كونهم يلقي بعضهم إلى بعض تلك الكلمة ويحفظونها ويستدلون بها.
العشرون: إثبات الصفات خلافاً للأشعرية المعطلة.
الحادية والعشرون: التصريح بأن تلك الرجفة والغشي كانا خوفاً من الله .
الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجداً.