وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد وشج رأسه ﷺ فجعل يسلت الدم عن وجهه فقال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم" فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] . أخرجه مسلم والترمذي١.
وفيه أي في الصحيح٢: عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلاناً وفلاناً" بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ . وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام٣، فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ . وفيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين نزلت عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] . صعد الصفا وقال: "يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً" ٤.
стр. 247
فيا لله العجب أفضل من في السموات والأرض من المخلوقين وأحب الخلق إلى الله وأقربهم عنده اصطفاه من خلقه وأرسله بالبينات وأيده بفصل الخطاب والمعجزات، وعرج إلى السبع الطباق وهو مع ذلك لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً﴾ . [الأعراف: ١٨٨] . وكذلك لا يملك لغيره ضراً ولا رشداً كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ . [الجن: ١٤] . لأقرب قريب كما في هذا الحديث أنه خاطب عمه وخص عمه وعمته وبنته وقال: اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً فكيف غيره ﷺ يقدر على النفع والضر سبحان من طبع على قلوب أعدائه كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون، بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين.
стр. 248
باب قول الله ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾
...
متن الباب ١٥
باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] .
وفي "الصحيح" عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك. حتى إذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع -ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض- وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه- فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها عن لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء".
وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة -أو قال رعدة- شديدة خوفاً من الله . فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا سجداً. فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا
стр. 249
جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل. فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله ".
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآية.
الثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك، خصوصاً من تعلق على الصالحين، وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب.
الثالثة: تفسير قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ .
الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك.
الخامسة: أن جبريل هو الذي يجيبهم بعد ذلك بقوله: "قال كذا وكذا".
السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل.
السابعة: أن يقول لأهل السماوات كلهم؛ لأنهم يسألونه.
الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم.
التاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله.
العاشرة: أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله.
الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين.
стр. 250
الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضاً.
الثالثة عشرة: إرسال الشهب.
الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه.
الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق بعض الأحيان.
السادسة عشرة: كونه يكذب معها مائة كذبة.
السابعة عشرة: أنه لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء.
الثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة؟!
التاسعة عشرة: كونهم يلقي بعضهم إلى بعض تلك الكلمة ويحفظونها ويستدلون بها.
العشرون: إثبات الصفات خلافاً للأشعرية المعطلة.
الحادية والعشرون: التصريح بأن تلك الرجفة والغشي كانا خوفاً من الله .
الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجداً.
стр. 251
شرح الباب ١٥
باب ما يدل على الفوائد التوحيدية والمسائل الصمدية ونظام القيومية وسلطان الملكوتية من قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] .
قلت: لو لم يكن للتوحيد دليل غير هذه لكفت، وحال أنه كل ما في الكون ينطق نطقاً فصيحاً بأنه الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له في ملكه وربوبيته وألوهيته:
هو الإله الذي آياته ظهرت ... في كل شيء ترى خير العلامات
النور ينطق والأوراق والثمر ... بأنه الله خلاق البريات
البر والبحر والأفلاك ناطقة ... بأنه الله علام الغيوبات
الإنس والجن والحيوان شاهدة ... بأنه الله قيوم السموات
والوحش والطير والحيتان مذعنة ... بأنه الله كاشف الكربات
الواحد الأحد الوتر المهيمن لا ... شبه له ومثال في المكونات
لا نفع في الكون إلا نفعه أبداً ... والضر من عنده حتى البليات
إن مسك الله بالأضرار لا كاشف ... سواه عنك كذا كل المصيبات
وإن أتاك بخير ما له مانع ... سواه عنك كذا في كل الخيرات
ما لم يشأ لم يكن في الكون قط ولا ... تجري المقادير إلا بالإرادات
من ظن نفعاً وضراً من خلائقه ... بلا مشيئته حوى الخطيئات
حتى الملائك من عظم الجروم لهم ... في الأمر طوعاً لخلاق البريات
حتى إذا سمعوا وحي العلي إذا ...
من ذاك صعقوا خوف العقوبات
قال ابن عباس: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفله قدميه مسير خمسمائة عام، ويروى أن أقدامهم في تخوم الأرضين والأرضون والسموات في حجزهم وهم يقولون: سبحان ذي العز والجبروت،
стр. 252
سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وقال ميسرة بن عروة: أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم خرقت العرش وهم خشع لا يرفعون رؤسهم، وهم أشد خوفاً من أهل السماء السابعة وأهل السماء السابعة أشد خوفاً من التي تليها، والتي تليها أشد خوفاً من التي تليها، والتي تليها أشد خوفاً من التي تليها.
وقال مجاهد: بين نور الله والملائكة سبعون حجاباً من نور، وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لربي ملك من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسير سبعمائة عام" ١. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال: إن ما بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع ثلاثون ألف عام والعرش يكسى كل يوم سبعون ألف لون من النور لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله والأشياء كلها بالنسبة إليه كحلقة في فلاة، قال وهب بن منبه: أن حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة صف خلف صف يطوفون يقبل هؤلاء ويقبل هؤلاء فإذا استقبل بعضهم بعضاً هلل هؤلاء وكبر هؤلاء ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام أيديهم إلى أعناقهم قد وضعوها على عواتقهم فإذا سمعوا تكبير أولئك وتهليلهم رفعوا أصواتهم فقالوا: سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأجلك أنت الله لا إله غيرك أنت أكبر، الخلق كلهم راجعون إليك ومن وراء هؤلاء المائة ألف صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد إلا وهو يسبح بتحميد لا يسبح الآخر به
стр. 253
ما بين جناحي أحدهم مسير ثلاثة عام وبين شحمة أذنه إلى عاتقه أربعمائة عام، واحتجب الله من الملائكة الذين حول العرش سبعين حجاباً من نور وسبعين حجاباً من ياقوت أصفر، وسبعين حجاباً من زبرجد أخضر وسبعين حجاباً من ثلج وسبعين حجاباً من ماء، وسبعين حجاباً من برد وما لا يعلمه إلا الله تعالى وتقدس، وقالوا: لكل واحد من حملة العرش ومن حوله أربعة وجوه وجه ثور ووجه أسد ووجه نسر ووجه إنسان ولكل واحد منهم أربعة أجنحة، أما جناحان فعلى وجه مخافة أن ينظر إلى العرش فيصعق وأما جناحان فيصعق بهما ليس كلامهم إلا التسبيح، والتحميد وإذا كان يوم القيامة أيدهم بأربعة آخر فكانوا ثمانية على صورة الأوعال بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء.
وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ . [الحاقة: ١٧] . وثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله ومنهم خزنة النار تسعة عشر مالك وثمانية عشر. جاء في الأثر: أعينهم كالبرق الخاطف وأنيابهم كالمساحي يخرج لهب النار من أفواههم ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة نزعت منهم الرحمة يدفع أحدهم سبعين ألفاً فيرميهم حيث أراد من جهنم. قال عمرو بن دينار: إن واحداً منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر. وغير ذلك من الأوصاف المستغربة المستعظمة التي لا تأتي في العقول لو نذكرها لطال الكلام وظهر عما نبغي من النظام، ولكن من علم يقيناً أن الله على كل شيء قدير وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون، ما استنكر ولا استغرب ولا استعظم ما ذكر من خلق الله وأفعاله.
واعلم أن الملائكة مع ما بها من عظم الجسوم ونكارة الهيئة
стр. 254
وشدة القوة هم كما قال عنهم: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ . [الصافات: ١٦٤] . يقول جبريل للنبي ﷺ : "وما منا معشر الملائكة إلا له مقام معلوم نعبد الله تعالى فيه". قال ابن العباس: ما في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي أو يسبح. وروي عن أبي ذر عن النبي قال: "أطَّت السماء وحق لها أن تئط والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجد لله " ١. وقال السدي: إلا له مقام معلوم في القربة والمشاهدة، وقال أبو بكر الوراق: إلا له مقام معلوم يعبد الله عليه كالخوف والرجاء والمحبة والرضا، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ . [الصافات: ١٦٥] . قال قتادة: هم الملائكة صفوا أقدامهم، وقال الكلبي، صفوف الملائكة في السماء للعبادة كصفوف الناس في الأرض لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ومع ذلك كله ليس لهم قدرة سماع الوحي إذا قضى الله الأمر في السماء يغشى عليهم حين يسمعون الصوت.
في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله تعالى كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير" ٢. وذلك أن المشركين كانوا يعبدون الملائكة زاعمين أنهم شفعاء لهم فبين سبحانه مقام عظمته وجبروته أنهم لا يسبقونه
стр. 255
بالقول فلا يتكلمون ولا يشفعون إلا لمن أذن له فهم خلف سرادق الهيبة خاضعون خاشعون حتى إذا قضى الله الأمر في السماء لم يثبتوا عند سماع كلام الحق ولم يطيقوا فهمه ابتداء، بل خضعت وفزعت وضربت بأجنحتها وصعقت وسجدت فإذا فزع عن قلوبهم وجلي نهم الفزع قالوا حينئذ: ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير، فهذه حالهم عند تكلمه تعالى بالوحي، إما وحي كلامه الذي يبعث به رسله كما أنزل القرآن، وإما أمره الذي يقضي به من أمر كونه فذلك حاصل في أمر التشريع وأمر التكوين ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ . [سبأ: ٢٣] . وحتى غاية يكون ما بعدها داخلاً فيما ما قبلها ليست بمنزلة إلى التي قد يكون ما بعدها خارج عما قبلها كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ . [البقرة: ١٨٧] . وحتى سواء كانت حرف عطف أو حرف جر يتضمن ذلك وما بعدها يكون النهاية التي ينبه بها على ما قبلها فتقول: قدم الحاج حتى المشاة، فقدوم المشاة تنبيه على قدوم الركاب، وتقول: أكلت السمكة حتى رأسها، فأكل رأسها تنبيه على أكل غيره، فإن كل رؤوس السمك قد تبقى في العادة فهذه الآية أخبر الله تعالى فيها أنه ليس لأحد غيره ملك ولا شرك في الملك ولا معاونة له ولا شفاعة إلا بعد إذنه، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . [سبأ: ٢٢، ٢٣] . ثم قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ . [سبأ: ٢٣] . والضمير في قولهم عن قلوبهم يعود إلى ما دل عليه قوله من أذن له ودل عليه قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ﴾ . [سبأ: ٢٢] . فإن الملائكة تدخل في ذلك، فسلبهم
стр. 256
الملك والشرك والمعاونة، والشفاعة إلا بإذنه ثم بين تعالى حتى إنه تعالى تكلم لا يثبتون لكلامه ولا يستقرون بل يفزعون ولا يفهمون حتى إذا أزيل عنهم الفزع حينئذ يقولون: ماذا قال ربكم؟ وذلك أن ما بعد حتى جملة تامة، وهو قوله: إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم، والعامل في إذا هو قوله: قالوا ماذا، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط أي لما زال الفزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم، والغاية بعد حتى يكون مفرداً كما تقدم ويكون جملة كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ . [يونس: ٢٢، ٢٣] . فأخبر تعالى عن تسيير هؤلاء إلى هذه الغاية فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعضه وصفه سفيان يكفه فحرفها وبدد بين أصابه فيسمع الكلمة مسترق السمع فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه الشهاب فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء. وذلك بعد المبعث وأما قبل المبعث فكانوا يسمعون الوحي فيلقونها على ألسنة الكهنة وكان في كل حي كاهن يتحاكمون عنده ويستخبرون الأخبار، وقال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعث النبي ﷺ ولكن لم يكن مثل ما كان بعد مبعثه في شدة الحراسة وكانوا
стр. 257
يسترقون في بعض الأحوال فلما بعث ﷺ منعوا من ذلك أصلاً فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها حتى وجدوا رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة فعرفوا أن هذا السبب في حراسة السماء فآمن من آمن منهم وتمرد من تمرد.
وعن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة أو قال رعدة شديدة خوفاً من الله فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجداً. فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، ثم ينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله " ١. سبحان من له الملك والملكوت، سبحان من له العز والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت.
стр. 258
متن الباب ١٦
باب: الشفاعة
وقول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] . وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [الزمر: ٤٤] . وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] . وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢] .
قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] . فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون، هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولاً، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسَل تُعط، واشفع تُشفع.
وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه"
стр. 259
فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.
وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود. فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بيَّن النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيات.
الثانية: صفة الشفاعة المنفية.
الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة.
الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود.
الخامسة: صفة ما يفعله ﷺ ، وأنه لا يبدأ بالشفاعة أولاً، بل يسجد، فإذا أذن الله له شفع.
السادسة: من أسعد الناس بها؟
السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله.
الثامنة: بيان حقيقتها.
стр. 260
شرح الباب ١٦
باب في بيان ما يدل على أن الشفاعة المطلقة لله جميعً
وليس لأحد من خلقه أن يشفع لأحد إلا بإذنه أي بإذن الشافع في شفاعة من رضي الله عليه من الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] . وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [الزمر: ٤٤] . وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] . وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣] . قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه أو يكون عوناً لله تعالى ولم يبق إلا الشفاعة فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب تعالى.
قلت: ومن المعلوم بالضرورة أن العاقل ما يقصد خلقاً لمقصود إلا وهو زان أنه إما مالك ذلك المقصود لأن المالك يتصرف في ملكه بما شاء عطاء أو منعاً وإن لم يكن مالكاً لذلك المقصود يكن شريكاً في المقصود الذي يريده منه، لأن الشريك أيضاً يتصرف في حقه بما يشاء عطاء أو منعاً، فإن لم يكن شريكاً يكن معيناً لمالك الشيء الذي يريده منه؛ لأن المعان لا يغضب الذي يعينه ولا يرده عما يبغي من ملاه لأنه محتاج إليه في إعانته له فلا يخالفه فبما يمضي من ماله، فإن
стр. 261
لم يكن معيناً يكن شفيعاً لسناً يتشفع للعاني الذي قصد الشفيع، فيقبل المالك شفاعة الشفيع فيما يتكلم فيه ويمضي للشفيع ما يبتغي من مال المالك فإذا تصور أن هنا أحداً لا يملك شيئاً ولا شراكة في شيء ولا له إعانة لمالك الشيء ولا يقبل شفاعته عند مالك الشيء إلا بإذنه كيف هذا يقضي لك حاجة أو يكشف ضرًّا أو ينفع نفعاً ومثل من يطلب حاجة ممن خلي من هذه الأربع كمن يطلب مما في قصر الملك وخزائنه من عبده بلا إذن من الملك فتأمل. كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ . [الأنبياء: ٢٨] . هذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن ولكن التي ثابتة يوم القيامة الشفاعة المقيدة بإذن كما أثبته القرآن والسنة.
أما القرآن فقد مضى ما يكفي من الآيات.
وأما السنة فقد أخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده ولا يبدأ بالشفاعة أولا ثم يقال هل ارفع رأسك وقل تسمع، وسل تعط، واشفه تشفع١. وخرج البخاري٢ أيضاً عن حجاج بن منهال ثنا همام بن يحي، ثنا قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال: "يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهمُّوا بذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم وأبو الناس، خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، لتشفع
стр. 262
لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب أكله من الشجرة وقد نُهي عنها، ولكن ائتوا نوحاً أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحاً فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب: سؤاله ربه بغير علم، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، قال: فيأتون إبراهيم فيقول: إني لست هناكم، ويذكر ثلاث كلمات كذبهنَّ، ولكن ائتوا موسى: عبداً آتاه الله التوراة وكلمه وقرَّبه نجيًّا، قال: فيأتون موسى فيقول: إني لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب: قتله النفس، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله، وروح الله وكلمته، قال: فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمداً ﷺ عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، فيقول: ارفع محمد، وقل يُسمع، وسل تُعْطَ، واشفع تُشَفَّع، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حداً، فأخرجهم فأدخلهم الجنة، قال قتادة: وسمعته أيضاً يقول: فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفع محمد، وقل يُسمع، واشفع تُشَفَّعْ، وسل تُعط، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، قال: ثم أشفع فيحد لي حداً، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن. أي وجب عليه الخلود. قال: ثم تلا الآية: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء: ٧٩] . قال: وهذا المقام المحمود الذي وعده نبيكم".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة: كنا مع النبي ﷺ في دعوة فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وهل تدرون فيما ذاك؟ يجمع
стр. 263
الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فينظرهم الناظر، ويسمعهم الداع، وتدنو منهم الشمس، فبلغ ذلك الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون إلى ما كنتم فيه، ألا تنظرون من يشفع لكم؟ فيقول بعضهم لبعض: أبوكم بآدم، فيأتونه فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسد لك ملائكته، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه، وما بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحاً فيقولون: أنت يا نوح، أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك عبداً شكوراً، ألا ترى إلى ما بلغنا، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات فذكرها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فضلك الله برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن
стр. 264
ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنباً نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ فيأتون محمداً ﷺ وفي رواية: فيأتوني، فيقولون: يا محمد أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق إلى تحت العرش، فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي، يا رب أمتي، فيقول: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، إن ما بين المِصْرَاعَيْنِ من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو: كما بين مكة وبصرى"، وزاد في رواية في قصة إبراهيم: "وذكر قوله في الكواكب: هذا ربي، وقوله لآلهتهم: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله: إني سقيم" ١.
قلت: هذه الأحاديث أثبت الشفاعة على الوجه المذكور وما فيها من معالم الوحدانية لله في الربوبية والألوهية لا يخفى على من له أدنى عقل ولب. وهو من وجوه:
الأول: قوله: يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فينظرهم الناظر ويسمعهم الداعي. دل على قهره الكلي الشامل كل البرايا كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ . [الأنعام: ١٨] . ودل على غلبة أمره على أمر غيره كما قال: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ . [يوسف: ٢١] . فدل ذلك على أنه من هو القاهر الغالب يستحق العبادة
стр. 265
لا المقهور المغلوب.
الثاني: قوله: تدنو بهم الشمس فيبلغ ذلك الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون. قلت: ومن يحكم على الخلق هذا الحكم النافذ بحيث لا يقدر أحد أن يفر أو يكيد كيداً فهو المستحق للعبادة لا المحكوم عليه.
الثالث: تعذر على نبي بذب عن الشفاعة وقول كل منهم: نفسي نفسي، فمن يرهب الناس هذا الإرهاب بحد كل خائف حتى الأنبياء والمرسلين فهو المستحق للعبادة لا المرتهب المتخوف.
الرابع: قوله ﷺ : فأنطلق إلى تحت العرش فأقع ساجداً لربي قلت: وفي هذا أعظم دليل على أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، أما التوحيد فلأنه أفضل الخلق وقع ساجداً لله وأما الرسالة فلأنه تبرأ من الحول والقوة ونسب الأمر إلى الله.
الخامس: فيفتح الله علي محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، فدل أن الله هو العليم العلام وكل علم يصدر من علمه؛ ولذا -فسبحانه- المعبود لا غير.
السادس: قوله: ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع دل على أنه ما لم يشأ الله لم يكن لأنه لولا الله قال له: يا محمد ارفع رأسك ما رفع رأسه أبداً ولولا قال سل تعط ما سأل ولولا قال اشفع تشفع ما شفع له فله الأمر وله الحكم في الدنيا والآخرة فهو المعبود بحق في الوجود وكلٌّ عبده تحت قهره وتصريفه لا إله إلا هو له الملك والملكوت وله العز والجبروت الحي القيوم الذي لا يموت.
السابع: قوله فيحد لي حدًّا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة. دل على أن الشفاعة محدودة في ناس دون ناس.
الثامن: قوله: فأعود فاستأذن على ربي فيؤذن لي عليه فإذا رأيته
стр. 266
وقعت ساجداً. قلت: قوله أستأذن على ربي دل على أنه لا إله إلا الله لأنه ﷺ ما يفعل شيئاً إلا بالإذن. فيؤذن دل على أنه لا إله إلا هو لأنه لو ما أذن له ما دخل عليه، وقوله: فإذا رأيته وقعت ساجداً دل على أنه لا إله إلا الله فإذا كان هذا حال أفضل الخلق أجمعين فكيف بغيره، فتأمل تفلح وتدبر المعاني تستبصر.
وقال أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه" ١. فتلك الشفاعة لأهل التوحيد والإخلاص بإذن الله قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ . [النبأ: ٣٨] . وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ . [البقرة: ٢٥٥] . ولا تكون الشفاعة لمن أشرك بالله كيف وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ . [المائدة: ٧٢] . وقد نهى الله رسوله عن الاستغفار للمشركين ولو كانوا أقاربه قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ . [التوبة: ١١٣] . وقال تعالى في شأن المنافقين: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ . [التوبة: ٨٠] . وقال تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً﴾ . [التوبة: ٨٤] . فإذا كان منهيًّا عن الدعاء والاستغفار فكيف يستغفر لهم في الآخرة وحقيقته أمه لما كان المشرك نجساً وخبيثاً في الفعل وأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً ولا يجاوره في دار كرامته إلا الطيبون حرم الله على المشرك النجس الخبيث الجنة، ولما كان الموحد طاهراً طيباً أكرمه الله بالنزول في دار كرامته، وإذا كان عليه دنس من أدناس
стр. 267
الذنوب أولاً يصفى بكير الامتحان بالمحن والمصائب وإن بقي عليه شيء منها صفي يوم القيامة بكير النار حتى ينظف فحينئذ يدخل في الجنة فيقول لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين، ولكن يجعل الله دخولهم على يد من أذن له بالشفاعة كرامة له فكان الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك أي أنه طلب الشفاعة من غير الله ما طلبها منه تعالى وتقدس مثل أن يقول: اشفع لي يا فلان فذلك قد طلب حق الله من غيره قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ . [الزمر: ٤٤] . فهذا ممنوع منهي عنه وهو شرك لأنه دعا غير الله لمقصده الذي هو الشفاعة التي هي لله تعالى جميعاً، ومعلوم بالضرورة أن من طلب حق الله من عبده فقد ظلمه أولاً، وثانياً ظن أن للعبد شراكة في ذلك الحق ولولا ذلك الظن ما طلب حق الله من غيره، وأما إذا طلبته من الله كأن تقول: اللهم شفع فلاناً في أو اجعل فلاناً شفيعاً لي فذلك جائز لأنك دعوت الله لا غيره وطلبت حق الله من الله لا غيره وليس من المنهي عنه فتأمل حتى تميز.
ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بيَّن النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه.
стр. 268
متن الباب ١٧
باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [ القصص: ٥٦] .
وفي "الصحيح" عن ابن المسيب عن أبيه قال: "لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، فقال له: " يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله" فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ ، فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال النبي ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك". فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] . وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] .
فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ .
الثانية: تفسير قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ .
الثالثة: -وهي المسألة الكبرى- تفسير قوله ﷺ : "قل: لا إله إلا الله" بخلاف ما عليه من يدعي العلم.
الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي ﷺ إذ قال للرجل: "قل: لا إله إلا الله". فقبح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام.
стр. 269
الخامسة: جدّه ﷺ ومبالغته في إسلام عمه.
السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه.
السابعة: كونه ﷺ استغفر له فلم يغفر له، بل نهي عن ذلك.
الثامنة: مضرة أصحاب السوء على الإنسان.
التاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر.
العاشرة: الشبهة للمبطلين في ذلك، لاستدلال أبي جهل بذلك.
الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم، لأنه لو قالها لنفعته.
الثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين؛ لأن في القصة أنهم لم يجادلوه إلا بها، مع مبالغته ﷺ وتكريره، فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم، اقتصروا عليها.
стр. 270
شرح الباب ١٧
باب في بيان ما يدل على أنه لا يهدي الهداية الجامعة للعلم والعمل والتعليم والصبر إلا الله من الكتاب والسنة
أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] . قلت: فإذا كان الخطاب للرسول المبعوث المأمور بالتبليغ فكيف غيره؟ فإن قلت: كيف ذلك وكان شأنه ودأبه منذ بعث إلى أن مات هداية الناس إلى الصراط المستقيم؟ قلت: الهداية تتعدى بنفسه تارة وبإلى تارة وباللام تارة وكل له معنى معلوم، فمن المعدى بنفسه ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ، وقوله ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ ، ومن المعدى بإلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . [الشورى: ٥٢] . وقوله: ﴿إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . [الأنعام: ١٦١] . ومن المعدى باللام قوله تعالى عن أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا﴾ . [الأعراف: ٤٣] . وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ . [الإسراء: ٩] . المتعدي بإلى للإيصال إلى الغاية المطلوبة، وباللام لذلك مع إفادة التخصيص، وبنفسه للهداية التامة الجامعة للعلم والعمل والتعليم والثبات كما ذكر الله في سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . [العصر: ١-٣] .
قال ابن القيم: فمتى عدي بإلى تضمن الإيصال إلى الغاية المطلوبة.
قلت: ليس معنى قوله: الإيصال إلى الغاية الهداية التامة؛ لأن الإيصال إلى الغاية لا يشمل الدخول في الغاية كما في قوله تعالى: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ . [البقرة: ١٨٧] . أما ترى أن الليل ليس بداخل في
стр. 271
الصوم فإلى تدل على الغاية والحد المحدود فقط، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . [الشورى: ٥٢] . إيضاح للطريق المستقيم وتنبيه لهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ . [النحل: ٦٤] . فأثبت الله للرسول ﷺ الإيضاح والتبيين ونفى عنه الهداية التامة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . [النمل: ٨١] . وقال -رحمه الله تعالى-: ومتى عدي باللام تضمن التخصيص، قلت: معناه أنه يتضمن معنى خاصًّا لا عامًّا، كقول أهل الجنة: الحمد لله الذي هدانا لهذا، أي لدخولنا الجنة، وقال ﵀: ومتى عدي بنفسه تضمن المعنى الجامع لذلك كله أن يعرفه إياه ويبينه له ويلزمه إياه. قلت: وهذا المعنى الجامع هو المنفي عن رسول الله ﷺ وهو كذلك، ولكن الله يهدي الهداية التامة الجامعة من يشاء من عباده.
وأما السنة ففي الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ شفقة عليه لما رأى من النصح والاجتهاد فيما يصلح أمره ﷺ ويذب عنه بمله وحاله وولده وصنع معه صنائع لم يصنعها أحد من الأقارب والأباعد لأحد وقصصه وأفعاله متواترة مشهورة لاسيما صبره معه في الشِّعْب ثلاث سنين على الجوع والعري حتى ذُكر أنه يُسمع أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع، وأيضاً قومته في كل نائبة جاءت الرسول من المشركين، ومع هذا كله كان مقرًّا مصدقاً بما يقول ﷺ ، وأثنى على النبي ﷺ في قصيدته اللامية المشهورة التي أولها:
أعوذ برب الناس من كل طاعن ... علينا بسوء أو ملح بباطل
إلى أن قال:
стр. 272
كذبتم وبيت الله نبزي محمداً ... ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
إلى أن قال:
ولقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
إلى أن قال:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
حليم رشيد عادل غير طائش ... يوالي إلهاً ليس عنه بغافل
إلى أن قال:
فوالله لولا أن أجي بمسبة ... تجر على أشياخنا في المحافل
لكنا اتبعناه على كل حالة ... من الدهر جدًّا غير قول التهازل
وقال في قصيدته النونية معترفاً بدينه الحق:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا
إلى أن قال:
ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
وعرضت دينا قد عرفت بأنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحاً بذاك مبينا
فلما حضره الموت جاءه الرسول ﷺ ليعرض عليه الإسلام شفقة عليه وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، فقال له: "يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله"، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم١.
قوله: قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله فأعادا أي عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل على أبي طالب: أترغب عن ملة
стр. 273
عبد المطلب، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. فمات على خاتمة السوء نعوذ بالله منها. قلت: وفي هذا أبين دليل على أن جليس السوء يردي بجليسه طبعاً وخُلقاً وديناً كما قيل:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... وكل قرين بالمقارن يقتدي
وأحسن من ذلك قول الرسول ﷺ : " المرء يحشر على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل" ١. وقوله ﷺ : "المرء مع من أحب" ٢.
الحاصل أن جلساء أبي طالب أردوا به وتسببوا عليه بالشر فغلبت على أبي طالب الشقاوة، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فلما أيس منه النبي ﷺ أن يقولها قال ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك". وذلك لأنه ﷺ مأمور منهي فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] . وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] .
стр. 274
متن الباب ١٨
باب: ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين
وقول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] .
وفي "الصحيح" عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح: ٢٣] . قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم، عبدت".
وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم؛ ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
وعن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" أخرجاه.
وقال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو".
стр. 275
ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثاً.
فيه مسائل:
الأولى: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده، تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب.
الثانية: معرفة أول شرك حدث على وجه الأرض أنه بشبهة الصالحين.
الثالثة: أول شيء غُيّر به دين الأنبياء، وما سبب ذلك مع معرفة أن الله أرسلهم.
الرابعة: قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها.
الخامسة: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل؛ فالأول: محبة الصالحين، والثاني: فعل أناس من أهل العلم والدين شيئاً أرادوا به خيراً، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره.
السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح.
السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه، والباطل يزيد.
الثامنة: فيه شاهد لما نُقل عن السلف أن البدعة سبب الكفر.
التاسعة: معرفة الشيطان بما تؤول إليه البدعة ولو
стр. 276
حسن قصد الفاعل.
العاشرة: معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو، ومعرفة ما يؤول إليه.
الحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح.
الثانية عشرة: معرفة: النهي عن التماثيل، والحكمة في إزالتها.
الثالثة عشرة: معرفة عظم شأن هذه القصة، وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها.
الرابعة عشرة: وهي أعجب وأعجب: قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح هو أفضل العبادات، واعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه، فهو الكفر المبيح للدم والمال.
الخامسة عشرة: التصريح أنهم لم يريدوا إلا الشفاعة.
السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك.
السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم" فصلوات الله
стр. 277
وسلامه على من بلغ البلاغ المبين.
الثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين.
التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تُعبد حتى نُسي العلم، ففيها بيان معرفة قدر وجوده ومضرة فقده.
العشرون: أن سبب فقد العلم موت العلماء.
стр. 278
شرح الباب ١٨
باب ما جاء في بيان ما يدل من الكتاب والسنة
أن سبب كفر بني آدم بربهم الذي خلقهم من ماء مهين الذي يخرج من بين الصلب والترائب خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن وظلمة الرحم، وظلمة القميص ثم دبّره بأحسن التدبير وهم أجنة في بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئاً، ثم أذن له بالخروج بالرفق واللين فأدرّ عليه ثدي أمه بال حليب السائغ إلى حد الفطام ثم أخرج له أسنان منها للقطع ومنها للتنعيم والتطحين، فأنعم عليه من كل نعمة كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ . [إبراهيم: ٣٤] . وجعل عليه حفظة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ . [الرعد: ١١] . ومع ذلك كله إنهم اتخذوا الشيطان وذريته أولياء من دون الله وأطاعوهم في المعاصي حتى آلت بهم المعاصي إلى الكفر تركهم دينهم الذي فطرهم الله عليه وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فزين لهم الشيطان أعمالهم واجتهادهم بالغلو في الصالحين قديماً وحديثاً، فأحدث عليهم ذلك الشرك بالله في حقه الذي لا يستحقه إلا هو لا إله إلا هو، وقد نهى الله تعالى عن الغلو في كتابه الذي أمر الله عباده باتباعه قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ﴾ . [الأعراف: ٣] .
والدليل على ذلك من الكتاب قوله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ . [النساء: ١٧١] . يخبر الله تعالى عن أمة العيسوية أنهم غلوا في عيسى وعن أمة الموسوية أنهم غلوا في
стр. 279
عزير وحال أن فيها آيات وبراهين ساطعة يستدل بها كل ذي لب على أنه لا يعبد إلا الله، فأما عيسى فخلقه الله من دون أب بل بنفخة نفخها جبرائيل في جيب مريم وتكلم وهو المهد بأنه رسول الله، ففي ذلك أعظم دليل على أن عيسى عبد الله ورسوله، وأن الإله الحق هو الله الذي خلقه بلا أب، وأنطقه في المهد بنطق فصيح فالله ﵎ له القدرة الكاملة، خلق آدم وذريته على أربعة أنواع: نوع ليس له أب ولا أم، فذلك آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون، ونوع له أب وليس له أم ذلك حواء خلقها من ضلعه الأيسر، ونوع له وليس له أب وذلك عيسى ابن مريم، ونوع له أب وأم وذلك ما سوى هؤلاء، وأيضاً منهم من يعطيهم ذكوراً وإناثاً، ومنهم من يجعله عقيماً، قال تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ . [الشورى: ٤٩، ٥٠] . ففي هذا كمال القدرة واعلم اللذين هما على الوحدانية أشد ظهوراً من الشمس.
وأمَّا عُزَيْر فقد جرى عليه بعد رجوعه من عند بخت نصر ما هو أقطع دليل على أنه لا إله إلا هو وأنه المعبود بحق لا سواه وذلك أنه لما مر على بيت المقدس بعدما خرجه بخت نصر وهي خاوية على عروشها ساقطة على سقوفها وتهدمت حيطانها استعظم الأمر وقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأراد الله أن يريه قدرته الكاملة الصالحة لكل شيء فأماته الله مائة عام آية في نفسه واعتباراً لغيره ثم أحياه الله وذكر أنه كان معه تين وعصير عنب ومع هذه المدة الطويلة لم يتغير التين ولا عصير العنب وحماره قد بليت عظامه وتفرقت، فجمعها الله وهو ينظر إليه وركب بعضها على بعض وألبسها لحماً وأحياه، فإذا هو
стр. 280
واقف بين يديه، فلما تبين له قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير، فنظر فإذا القرية قد اعتمرت على أحسن ما يتصور، فسبحان من تفرد بالقدرة الكاملة والعلم المحيط بكل شيء فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ . [الرعد: ١٤] .
قال ابن القيم: " وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما تقصير وتفريط، وإما إفراط وغلو، فلا يبالي بأيهما ظفر من العبد من الخصلتين، فإنه يأتي إلى قلب العبد فيشمه فإن وجد فيه فتوراً أو توانياً أو ترخيصاً أخذه بالتقصير والتفريط، فثبطه وأقعده بالكسل والتواهن والفتور، وفتح له باب التأويلات والرجاء وغير ذلك، وإن وجد عنده حذرا وجدًّا وتشميراً ويقظة أخذه بالاجتهاد الزائد وسول له أن هذا المشروع ما يكفيك وهمتك فوق هذا وينبغي لك أن تزيد على العاملين وأن لا ترقد إذا رقدوا ولا تفتر إذا فتروا، إذا غسل أحدهم يديه ووجهه ثلاث مرات فاغسل أنت سبعاً، وإذا توضأ أنت اغتسل لها، ونحو هذا من الإفراط والتعدي فيحمله على الغلو والمجاوزة وتعدي الصراط المستقيم، كما يحمل الأول على التقصير، ومقصوده إخراج كل واحد عن الصراط المستقيم ولا ينجي من ذلك إلا الله؛ ثم علم راسخ وإيمان ثابت وقوة على محاربة ولزوم الوسط؛ لأن دين الله وسط بين الغالي والجافي، والله المستعان" انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
فإذا قلت: إن الله تعالى ما ذكر إلا الغلو الذي هو الإفراط ولم يذكر التفريط والتقصير. قلت يحتمل فيه أمران: لما تركه لدلالة الضد على الضد كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ . [النحل: ٨١] . فلم يذكر البرد لدلالة الحر عليه، ذكر
стр. 281
ذلك بعض المفسرون وإما لأن الغلو: يورث الشرك والكفر والتفريط، والتقصير: يورث الذنوب والشرك والكفر أعظم خطراً فذكر الغلو لعظم خطره.
والدليل من السنة أن الغلو سبب كفر بني آدم، ففي الصحيحين١ عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ . [نوح: ٢٣] . قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح. أول رسول أرسل في الأرض لما غلو في الصالحين وأشركوا مع الله غيره في العبادة، قال قتادة: ذرك لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى الشريعة من الحق ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله إليهم نوحاً، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ . [البقرة: ٢١٣] . قال: على الإسلام كلهم وقد أراد الله تعالى استخبارهم فامتحنهم الله بما يفتنهم ليعلم الصادق من الكاذب كما قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ . [العنكبوت: ١- ٣] . فبين الله أنه لابد أن يفتن الذي يدعي الإيمان قديماً وحديثاً ومن حكمة الرب تعالى أن يفتن كلاًّ بما يليق بحاله، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ . [البقرة: ١٥٥] . فإن علم الله من الصدق والإيمان الحقيقي الذي لا يشوبه ظلم حفظه من وساوس الشيطان فانتبه. قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ . [إبراهيم: ٢٧] . وإن علم منه خلاف ذلك خلى بينه
стр. 282
وبين الشيطان فإذاً يسلط عليه ويستحوذ عليه فيهلكه، ولما كان أهل ذلك الزمان الذي فيه ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر وكانوا معتنين بالدين والعلم النافع فتنهم الله بموت هؤلاء العلماء الصالحين في أزمنة متقاربة بعضها من بعض فلما هلكوا حزنوا عليهم حزناً شديداً لما رأوا من ذهاب علمائهم وصلحائهم الذين بذهابهم يذهب العلم المتواخذ بينهم فحينئذ اغتنم الشيطان الفرصة وأتاهم وأوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها حالة التعليم والتذكير أنصاباً على صورهم المعلومة عندكم وسموها بأسمائهم التي كانوا يسمون بها ففعلوا فلم يعبدوا الصور لقرب عهدهم بالمعاني الشركية وأفعالها وأقوالها حتى إذا هلك أولئك أي أهل ذلك القرن والقرن الثاني وأتى القرن الثالث نسي العلم الذي فيه بيان الشرك والتوحيد أو نسي العلم الذي نصبوا لأجله الأنصاب وهو تذكر العلم الذي كانوا يأخذونه منهم عبدت الصور حينئذ وذلك أنه جاءهم الشيطان أن آبائكم ما نصبوا هذه الأنصاب إلا أنهم يريدون شفاعتهم فتعلقت قلوبهم بها لأجل ذلك قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . [يونس: ١٨] .
قال ابن القيم قال غير واحد من السلف: قال محمد بن كعب: إن ودًّا وسواعاً ويغوث ويعوق ونسرا هذه أسماء رجال صالحين كانوا بين آدم ونوح فلما ماتوا كان لهم أتباع يقتدون بهم ويأخذون بعدهم أخذهم في العبادة فجاءهم إبليس وقال لهم: لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة ففعلوا ثم نشأ قوم
стр. 283
بعدهم فقال إبليس: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم فابتداء عبادة الأوثان كان ذلك، وسميت تلك الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صور أولئك القوم المسلمين. قلت: وموجب ذلك كله الغلو شيئاً فشيئاً حتى تعدى عن الحد، وآل الأمر إلى الشرك بالله فعكفوا على قبورهم وذلك بما صوروا صورهم ثم طال عليهم الأمد فغفلوا عن التوحيد وغلوا فيها فأشركوا فعبدت فلذلك نهى الله ورسوله ﷺ عن الغلو حذراً مما وقع قبل من الشرك بسببه. وعن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" أخرجاه١. ولمسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" ٢.
بين ﷺ أن الغلو هو داء العضال الذي في الأمم الماضية فأهلكوا به قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ . [الروم: ٤٢] . ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "هلك المتنطعون" ٣، قالها ثلاثاً. ففُسِّر بالذين يبالغون في الأمور.
стр. 284
متن باب ١٩
باب: ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده
في "الصحيح" عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور. فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله" فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين، فتنة القبور، وفتنة التماثيل.
ولهما عنها قالت: "لما نُزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال -وهو كذلك-: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً،" أخرجاه.
ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك".
стр. 285
فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله، والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يُبْنَ مسجد، وهو معنى قولها: خشي أن يتخذ مسجداً، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً، كما قال ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً". ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد". ورواه أبو حاتم في "صحيحه".
فيه مسائل:
الأولى: ما ذكر الرسول ﷺ فيمن بنى مسجداً يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل.
الثانية: النهي عن التماثيل، وغلظ الأمر في ذلك.
الثالثة: العبرة في مبالغته ﷺ في ذلك. كيف بيّن لهم هذا أولاً، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم.
الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر.
الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم.
السادسة: لعنه إياهم على ذلك.