ذلك بعض المفسرون وإما لأن الغلو: يورث الشرك والكفر والتفريط، والتقصير: يورث الذنوب والشرك والكفر أعظم خطراً فذكر الغلو لعظم خطره.
والدليل من السنة أن الغلو سبب كفر بني آدم، ففي الصحيحين١ عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ . [نوح: ٢٣] . قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح. أول رسول أرسل في الأرض لما غلو في الصالحين وأشركوا مع الله غيره في العبادة، قال قتادة: ذرك لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى الشريعة من الحق ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله إليهم نوحاً، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ . [البقرة: ٢١٣] . قال: على الإسلام كلهم وقد أراد الله تعالى استخبارهم فامتحنهم الله بما يفتنهم ليعلم الصادق من الكاذب كما قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ . [العنكبوت: ١- ٣] . فبين الله أنه لابد أن يفتن الذي يدعي الإيمان قديماً وحديثاً ومن حكمة الرب تعالى أن يفتن كلاًّ بما يليق بحاله، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ . [البقرة: ١٥٥] . فإن علم الله من الصدق والإيمان الحقيقي الذي لا يشوبه ظلم حفظه من وساوس الشيطان فانتبه. قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ . [إبراهيم: ٢٧] . وإن علم منه خلاف ذلك خلى بينه
стр. 282
وبين الشيطان فإذاً يسلط عليه ويستحوذ عليه فيهلكه، ولما كان أهل ذلك الزمان الذي فيه ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر وكانوا معتنين بالدين والعلم النافع فتنهم الله بموت هؤلاء العلماء الصالحين في أزمنة متقاربة بعضها من بعض فلما هلكوا حزنوا عليهم حزناً شديداً لما رأوا من ذهاب علمائهم وصلحائهم الذين بذهابهم يذهب العلم المتواخذ بينهم فحينئذ اغتنم الشيطان الفرصة وأتاهم وأوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها حالة التعليم والتذكير أنصاباً على صورهم المعلومة عندكم وسموها بأسمائهم التي كانوا يسمون بها ففعلوا فلم يعبدوا الصور لقرب عهدهم بالمعاني الشركية وأفعالها وأقوالها حتى إذا هلك أولئك أي أهل ذلك القرن والقرن الثاني وأتى القرن الثالث نسي العلم الذي فيه بيان الشرك والتوحيد أو نسي العلم الذي نصبوا لأجله الأنصاب وهو تذكر العلم الذي كانوا يأخذونه منهم عبدت الصور حينئذ وذلك أنه جاءهم الشيطان أن آبائكم ما نصبوا هذه الأنصاب إلا أنهم يريدون شفاعتهم فتعلقت قلوبهم بها لأجل ذلك قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . [يونس: ١٨] .
قال ابن القيم قال غير واحد من السلف: قال محمد بن كعب: إن ودًّا وسواعاً ويغوث ويعوق ونسرا هذه أسماء رجال صالحين كانوا بين آدم ونوح فلما ماتوا كان لهم أتباع يقتدون بهم ويأخذون بعدهم أخذهم في العبادة فجاءهم إبليس وقال لهم: لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة ففعلوا ثم نشأ قوم
стр. 283
بعدهم فقال إبليس: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم فابتداء عبادة الأوثان كان ذلك، وسميت تلك الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صور أولئك القوم المسلمين. قلت: وموجب ذلك كله الغلو شيئاً فشيئاً حتى تعدى عن الحد، وآل الأمر إلى الشرك بالله فعكفوا على قبورهم وذلك بما صوروا صورهم ثم طال عليهم الأمد فغفلوا عن التوحيد وغلوا فيها فأشركوا فعبدت فلذلك نهى الله ورسوله ﷺ عن الغلو حذراً مما وقع قبل من الشرك بسببه. وعن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" أخرجاه١. ولمسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" ٢.
بين ﷺ أن الغلو هو داء العضال الذي في الأمم الماضية فأهلكوا به قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ . [الروم: ٤٢] . ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "هلك المتنطعون" ٣، قالها ثلاثاً. ففُسِّر بالذين يبالغون في الأمور.
стр. 284
متن باب ١٩
باب: ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده
في "الصحيح" عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور. فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله" فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين، فتنة القبور، وفتنة التماثيل.
ولهما عنها قالت: "لما نُزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال -وهو كذلك-: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً،" أخرجاه.
ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك".
стр. 285
فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله، والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يُبْنَ مسجد، وهو معنى قولها: خشي أن يتخذ مسجداً، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً، كما قال ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً". ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد". ورواه أبو حاتم في "صحيحه".
فيه مسائل:
الأولى: ما ذكر الرسول ﷺ فيمن بنى مسجداً يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل.
الثانية: النهي عن التماثيل، وغلظ الأمر في ذلك.
الثالثة: العبرة في مبالغته ﷺ في ذلك. كيف بيّن لهم هذا أولاً، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم.
الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر.
الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم.
السادسة: لعنه إياهم على ذلك.
стр. 286
السابعة: أن مراده ﷺ تحذيره إيانا عن قبره.
الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره.
التاسعة: في معنى اتخاذها مسجداً.
العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها مسجداً وبين من تقوم عليهم الساعة، فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته.
الحادية عشرة: ذكره في خطبته قبل موته بخمس: الرد على الطائفتين اللتين هما شر أهل البدع، بل أخرجهم بعض السلف من الثنتين والسبعين فرقة، وهم الرافضة والجهمية. وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد.
الثانية عشرة: ما بلي به ﷺ من شدة النزع.
الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلّة.
الرابعة عشرة: التصريح بأنها أعلى من المحبة.
الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة.
السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته.
стр. 287
شرح الباب ١٩
باب ما جاء ف بيان ما يدل على أن التغليظ يلزم الذي يطيع الله ورسوله
غيرة منه على دينه فيمن عبد الله خالصاً لكن عند قبر رجل صالح حذرا من الفتنة والشرك هذا إذا كان غير الله فكيف إذا عبده فيكون التغليظ أولى وألزم وفي الصحيح عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنسية رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور والتماثيل لما كانوا يصورون عيسى وأمه والأنبياء تعظيماً لهم فقال رسول الله ﷺ : "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح –شك في الراوي- بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق" ١. لنبذهم حكم الله ورسوله واتباعهم الآباء والأهواء فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين اللتين أكثر الناس قد ضلوا بهما إحداهما فتنة القبور وقد ضلت بها أمم لا يحصيهم إلا الله، والثانية فتنة التماثيل وقد ضلت بها فئام أيضاً ولهما عنها قالت: لما نزل برسول الله ﷺ أي وقع به الأمر اللازم الذي ليس لأحد عنه مفر طفق أي شرع يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك أي في هذه الحالة لشدة اهتمامه واعتنائه بالوحدانية التي هي زبدة الرسالة: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحذر ﷺ بقوله أمته عن ما صنعوا ولولا ذلك الحذر لأبرز قبره
стр. 288
غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً إذا أبرز أخرجاه١، ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس ليال وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليل كما اتخذ إبراهيم خليلاً ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً" ٢. لما رأيت منه التصديق والنصح لله ورسوله ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد فيقعون في الشرك والكفر بالغلو فيهم ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فتقعون فيما وقعوا فيه فإني أنهاكم عن ذلك فقد نهى عنه في آخر حياته ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله وذلك لأن التردد على القبور يوجب ما قاله وذلك يورث عبادتهم والصلاة عندها من ذلك وإن لم يُبْنَ مسجد وهو معنى قولها خشي أن يتخذ مسجداً فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً، كما قال ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً".
ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود مرفوعاً: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد" رواه ابن حبان في صحيحه٣.
стр. 289
قال ابن تيمية ﵀: "وقد ثبت في الصحيح أنه قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" مع أن طائفة من غلاة العباد يصلون إلى قبور شيوخهم بل يستدبرون القبلة ويصلون إلى قبر الشيخ ويقولون هذه قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة، وآخرون أمثل من هؤلاء يرون الصلاة عند قبور شيوخهم أفضل من الصلاة في المساجد حتى المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وكثير يرى أن الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل من الدعاء في المساجد، ويرى من الصلاة في المساجد المبنية على القبور أفضل من المساجد التي لا قبور فيها، هذا كله مما علم من جميع أهل العلم بدين الإسلام أنه مناف لشريعة الإسلام وأنه لم ينقله أحد من علماء الأمة بل هم متفقون على أنه لا فضيلة للصلاة عند القبور ولا في المساجد المبنية على القبور بل ينهى عن ذلك" انتهى كلامه.
стр. 290
متن الباب ٢٠
باب: ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله
روى مالك في "الموطأ": أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] . قال: كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره، وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج.
وعن ابن عباس ﵄ قال: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج". رواه أهل السنن.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الأوثان.
الثانية: تفسير العبادة.
الثالثة: أنه ﷺ لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه.
الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد.
الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله.
السادسة: -وهي من أهمها- معرفة صفة عبادة
стр. 291
اللات التي هي من أكبر الأوثان.
السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح.
الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية.
التاسعة: لعنه زَوَّارات القبور.
العاشرة: لعنه من أسرجها.
стр. 292
شرح الباب ٢٠
باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا
لما مضى من أن التردد يورث التأله والتعظيم شيئاً فشيئاً حتى تعبد من دون الله الذي خلق الكون وما فيه بأسره سبحانه وتعالى عما يشركون روى مالك في الموطأ: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١. وقعوا في المحذور الذي أوجب لهم اللعنة والعذاب، ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ قال: كان رجل يلت السويق للحاج فمات فعكفوا على قبره وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس ﵄: كان يلت السويق للحاج، وعن ابن عباس ﵄ قال: لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج ٢. لما فيه من ذلك المحذور الذي يؤول إلى الشرك وعبادة غير الله.
стр. 293
متن الباب ٢١
باب: ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك
وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] .
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات.
وعن علي بن الحسين: أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ ، فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليّ فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم". رواه في المختارة.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية براءة.
الثانية: إبعاده أمته عن هذا الحمى غاية البعد.
الثالثة: ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته.
الرابعة: نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص،
стр. 294
مع أن زيارته من أفضل الأعمال.
الخامسة: نهيه عن الإكثار من الزيارة.
السادسة: حثه على النافلة في البيت.
السابعة: أنه متقرر عندهم أنه لا يصلى في المقبرة.
الثامنة: تعليله ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعُد، فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب.
التاسعة: كونه ﷺ في البرزخ تعرض أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه.
стр. 295
شرح الباب ٢١
باب ما جاء في حماية المصطفى –من الخلق لأجل الرسالة محمد بن عبد الله ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك لأنه ﷺ ما أرسل إلا لنفيه بالبيان والسنان وقوله الله تعالى ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي شاق عليه عنتكم ومضاركم وأي ضرر أعظم من الشرك والكفر والنفاق الذي يخلد صاحبه في النار أبد الآبدين حريص عليكم أي على صلاح شأنكم وأي صلاح أعظم من صلاح التوحيد الذي لو يأتي صاحبه بقراب الأرض خطايا لأتاه ربه بها مغفرة بالمؤمنين رؤوف رحيم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً" ١ أي لا تجعلوا بيوتكم مثل القبور لا تصلون فيها بل صلوا فيها السنن والنوافل لأنها في البيت أفضل، قيل: لأنه أبعد من الرياء وأقرب للإخلاص "ولا تجعلوا قبري عيداً" تعودونه في كل يوم أو كل أسبوع أو شهر أو سنة ولا يسمى العبد عيداً إلا لإعادته على الناس في كل عام فنهى رسول الله ﷺ أن يجعلوا قبره عيداً يعودونه حذراً مما وقع في السلف الماضي من الأمم، وإن أردتم الصلاة والسلام "فصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم". رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات٢.
وعن علي بن الحسين ﵁ أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو، فنهاه
стр. 296
وقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته عن أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً وسلموا عليّ فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم". رواه في المختارة١. فبين علي ﵁ أن دعاءه عند قبر النبي ﷺ منهي عنه ولو نيته كانت صالحة حذراً من الغلو الذي أهلك من كان قبل.
стр. 297
متن الباب ٢٢
باب: ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان
وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥٠] . وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] . وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ [الكهف: ٢١] .
عن أبي سعيد ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقذّة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن"؟ أخرجاه، ولمسلم عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم. وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة، وألا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي
стр. 298
بعضهم بعضًا"، ورواه البرقاني في "صحيحه"، وزاد: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذَّابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي. ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎".
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء.
الثانية: تفسير آية المائدة.
الثالثة: تفسير آية الكهف.
الرابعة: وهي أهمها: ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع؟: هل هو اعتقاد قلب، أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟
الخامسة: قولهم إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلاً من المؤمنين.
السادسة: وهي المقصود بالترجمة أن هذا لا بد أن يوجد في هذه الأمة، كما تقرر في حديث أبي سعيد.
السابعة: التصريح بوقوعها، أعني عبادة الأوثان في هذه الأمة في جموع كثيرة.
стр. 299
الثامنة: العجب العجاب خروج من يدّعي النبوة، مثل المختار، مع تكلمه بالشهادتين وتصريحه بأنه من هذه الأمة، وأن الرسول حق، وأن القرآن حق وفيه أن محمداً خاتم النبيين، ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح. وقد خرج المختار في آخر عصر الصحابة، وتبعه فئام كثيرة.
التاسعة: البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة.
العاشرة: الآية العظمى أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم.
الحادية عشرة: أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة.
الثانية عشرة: ما فيه من الآيات العظيمة، منها: إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب، وأخبر بمعنى ذلك فوقع كما أخبر، بخلاف الجنوب والشمال، وإخباره بأنه أعطي الكنزين، وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين، وإخباره بأنه منع الثالثة، وإخباره بوقوع السيف، وأنه لا يرفع إذا وقع، وإخباره بإهلاك بعضهم بعضاً وسبي بعضهم بعضاً، وخوفه على أمته من الأئمة المضلين، وإخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة، وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة. وكل هذا وقع كما أخبر، مع أن كل واحدة منها أبعد ما يكون من العقول.
стр. 300
الثالثة عشرة: حصر الخوف على أمته من الأئمة المضلين.
الرابعة عشرة: التنبيه على معنى عبادة الأوثان.
стр. 301
شرح الباب ٢٢
باب: ما جاء أن بعض هذه الأمة المحمدية تعبد الأوثان وتسلك مسالك من مضى من الأمم الماضية شبراً بشبر وذراعاً بذراع من الكتاب والسنة
أما الكتاب فدلالته على الترجمة بالتضمن وذلك قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥٠] . وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] . وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ [الكهف: ٢١] . يخبر الله تعالى عن جهل هؤلاء وظلمهم، أما جهلهم فهو أنهم تركوا حكمَ الله الذي هو ربهم وملكهم، وسنَّة نبيهم، وعملوا بحكم الجبت والطاغوت. وأما ظلمهم فإنَّهم عصوا الله وآمنوا بالجبت والطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ . [النحل: ٣٦] .
وأما دلالة الآيات على الترجمة أنه يتصور ويمكن أن هذه الأمة الذين أوتوا القرآن يعبدون الجبت والطاغوت كما أن الذين أوتوا التوراة والإنجيل عبدوا الجبت والطاغوت.
وأما في السنة فقد بين الرسول هذا المعنى بعينه وأفصح به لئلا يشتبه على أحد ويستبعد ذلك، عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقذّة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود
стр. 302
والنصارى؟ قال: " فمن". أخرجاه١. فقد صرح رسول الله ﷺ أن هذه الأمة المحمدية يتبعن سنن من قبلهم ويسلكن مسلكهم ثم أكد المشابهة أي بأنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، جعل ﷺ غاية المشابهة أمراً محالاً في العادة بمعنى أنكم لا تتركون شيئاً يفعلونه حتى لو فعلوا هذا الأمر المحال لفعلتموه ثم بين أنهم خالفوا الله ورسولهم وهم أهل الكتاب الذين أوتوا العلم فدل ذلك على أن الكتاب والعلم لا يوجب الهداية إلا بفضل الله ورحمته فكونوا على حذر فإنكم على خطر فإن الذي أضلهم من المنظرين إلى يوم القيامة واستلزم بإضلال العباد إلا عباد الله المخلصين قال لعنه الله: ﴿لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ حتى يؤول بكم الإضلال إلى تفرقكم واختلافكم بعضكم من بعض كما تفرقت بنو إسرائيل. عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" رواه الترمذي٢. وفي رواية لأحمد وأبي داود عن معاوية: "ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة، وأنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا
стр. 303
دخله" ١.
ولمسلم عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين: الأبيض والأحمر وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال لي: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني قد أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضًا" ٢، رواه الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب البرقاني في صحيحه، وزاد: "وإنما أخاف على أمتي من الأئمة المضلين وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان" ٣.
قلت: وفي هذا تصريح وتوضيح بأن بعض أمته ﷺ يلحق بالمشركين وفئام منها تعبد الأوثان. قال أبو السعادات: الفئام الجماعات الكثيرة، وقال البخاري: باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان
стр. 304
وذكر السند إلى أن قال عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة"، قال وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدونها في الجاهلية١. وروى مسلم من رواية في صحيحه عن عائشة مرفوعاً: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى" ٢.
ففي هذه الأحاديث رد على الذين ينكرون وقوع الشرك وعبادة الأوثان في الأمة المحمدية فمن فهم ما أخبر الله تعالى في كتابه وأخبر به رسوله ﷺ في سنته ورأى الناس ورأى الواقع من غالب الناس ما أخبر الله ورسوله ﷺ به سواء بل زيَّدوا أموراً شركية ليس في الأولين لها شبيه، وقد نظمت على هذا المعنى:
فعند ثقيف كان قبة لاتهم ... والآن في كل المواضع ذا الصنع
ففي كل أرض قبة مثل لاتهم ... تعظم ترجى جلب نفع مع الدفع
وفي نخلة العزى زمان قريشهم ... وكم سدرة الآن تقصد للنفع
هناك مناة كما مناة زماننا ... فكم صخرة الآن تقصد للدفع
وأن نزل الوادي استعاذت قريش ... والآن كل يستعيذ من الخمع
فكم ذبحت للجن سودا دجاجة ... وكم بيضة كم من بسيس من الوجع
وقد زادني ذا الوقت أهل زماننا ... تعلقهم بالروث والضرس والودع
وبالعين جحر النمل موط لصالح ... وبالبيض عظم الرأس في النخل والزرع
معابيدهم شتى مقاصدهم شتى ... فكل له مولى إذا ناب من فجع
ومهما أرادوا حاجة قصدوا لهم ... مقاماً وشيئاً من خرى الكلب والضبع
وقالوابها تقضى معاضل أمرنا ... بقصد صحيح بالخضوع وبالخشع
стр. 305
فكم ذبحت للقبر خير ذبيحة ... وكم صار نذر للقبور من الفجع
وكم سجدوا حول القبور لحاجة ... وكم راكع مهما أتاها وكم ينعي
وكم هتفوا باسم المشايخ عندما ... رأوا ضرة بحراً وبرًّا من الفزع
فكل ترى داع إلهاً لقصده ... إذا اشتدت الحاجات والكرب والجزع
وهم قد نسوا خلاقهم مليكهم ... وخاضوا كما خاض الذي أول البدع
وكل ما جرى مصداق قول الصادق المصدوق ﷺ .
ثم ذكر ﷺ "أنه سيكون في أمتي كذَّابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎".
стр. 306
متن الباب ٢٣
باب: ما جاء في السحر
وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] . وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥٠] .
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله: وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
وعن جندب مرفوعاً: "حد الساحر ضربه بالسيف" رواه الترمذي، وقال: الصحيح أنه موقوف.
وفي "صحيح البخاري" عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر.
وصح عن حفصة ﵂: أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت، وكذلك صح عن جندب. قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ .
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة.
الثانية: تفسير آية النساء.
стр. 307
الثالثة: تفسير الجبت والطاغوت، والفرق بينهما.
الرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن، وقد يكون من الإنس.
الخامسة: معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي.
السادسة: أن الساحر يكفر.
السابعة: أنه يقتل ولا يستتاب.
الثامنة: وجود هذا في المسلمين على عهد عمر، فكيف بعده؟!
стр. 308
شرح الباب ٢٣
باب ما جاء في بيان السحر وأنواعه وحكمه
أما حده وبيانه، فقال صاحب القاموس: السحر بالكسر هو ما دق مأخذه ولطف.
وأما أنواعه فهو قولي وفعلي والكل يحصل به مقصود الساحر من تفريق أو تبديل أو تغيير أو اختلاف، ويتفرع من هذين النوعين فروع مستنكرة مستغربة ولولا أن الله تعالى من حكمته الباهرة يبطله إذا أتى به الساحر في مقام ادعاء النبوة لادّعى النبوة، لأن كل ما يفعله النبي بأمر الله معجزة له حقيقة يفعله الساحر مجازاً بالتخيلات كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ . [طه: ٦٦] . فأثبت الله لها السعي من سحرهم، وثانياً: إن عمل الساحر ما يثبت بل يبطل كما قال تعالى: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ . [يونس: ٨١] . وقال تعالى: ﴿مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ . [طه: ٦٩] .
وأما معجزة الأنبياء فلها حقيقة كما جرى بين موسى والسحرة فإنهم مع كثرتهم قيل أنهم سبعون ألفاً وألقوا ما ألقوا من الكيد أمر الله موسى أن يلقي عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون.
وأما حكمه: فقيل: إنه كفر واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ . [البقرة: ١٠٢] . وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ . [البقرة: ١٠٢] . قلت: دلت الآيات على كفرية السحر لفظاً ومعنى ومقتضى أما اللفظ بقوله تعالى عن هاروت
стр. 309
وماروت: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ . [البقرة: ١٠٢] . أي بتعلمك السحر وفعله، فبقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ . [البقرة: ١٠٢] . فدل على أن اتباع السحر وتعلمه وفعله كفر؛ لأن الذي تر الشياطين على ملك سليمان هو السحر، وقال رسول الله ﷺ : "من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد كفر" ١. وأما المقتضي فبقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ . [البقرة: ١٠٢] . أي من نصيب من الرحمة وذلك الشقاوة الأبدية التي ما يتصف بها إلا الكافر، وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ . [النساء: ٥٠] . قال عمر: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، وقال جابر: الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد.
ومما أخرج ابن أبي حاتم ابن عباس قال: إن هاروت وماروت هبطا إلى الأرض فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي وقالوا له: إنما نحن فتية فلا تكفر، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه البيهقي في سننه عن عائشة ﵂ أنها قدمت على امرأة من أهل دومة الجندل تبتغي رسول الله ﷺ بعد موته تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به، قالت: كان لي زوج فغاب عني فدخلت علي عجوز فشكوت لها فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك، فلما جاء الليل جائتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الأخر فلم يكن كثير حتى وقفنا ببابل فإذا برجلين معلقين بأرجلهما فقالا: ما جاء بك؟ فقلت: أتعلم
стр. 310
السحر، فقالا: إنما نحن فتية فلا تكفري وارجعي إلى بلدك ولا تكفري فأبيت فقالا: إذاً اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه فذهبت ففزعت ولم أفعل فرجعت إليهما فقالا: فعلت فقلت: نعم، فقالا: هل رأيت شيئاً؟ قلت: لم أر شيئاً، فقالا: لم تفعلي ارجعي إلى بلدك ولا تكفري فأبيت فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه ثم أتيت فذهبت فاقشعر جلدي وخفت ورجعت إليهما فقلت قد فعلت فقالا: ما رأيت فقلت لم أر شيئاً فقالا: كذبت لم تفعلي ارجعي إلى بلدك ولا تكفري فإنك على رأس أمرك فأبيت فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه فذهبت وبلت فيه فرأيت فارساً مقنعاً بحديد فخرج عني حتى ذهب في السماء وغاب عني حتى ما أراه، وجئتهما فقلت: قد فعلت. فقالا: ما رأيت؟ فقلت: فارساً مقنعاً، خرج مني فذهب إلى السماء حتى ما أراه قالا: صدقت ذلك إيمانك خرج منك اذهبي، فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئاً، فقالت: بلى لم تريدي شيئاً إلا كان خذي هذا القمح فبذري فبذر وقلت اخلقي فخلقت ثم قلت افركي فأفركت ثم قلت: أيبسي فيبست ثم قلت اطحني فطحنت ثم قلت: اخبزي فأخبزت فلما رأيت أني لا أريد شيئاً إلا كان سقط في يدي وندمت والله يا أم المؤمنين ما فعلت شيئاً ولا أفعله أبداً فسألت أصحاب رسول الله ﷺ وهم يومئذ متوافرون فما دروا ما يقولون لها ولكهم خاف أن يفتيها بما لا يعلمه إلا أنه قد قال لها ابن عباس أو بعض من كان عنده لو كان أبواك حيين أو أحدهما فكانا يكفيانك. انتهى.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالنا: وما هن يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله
стр. 311
والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
١وعن جندب مرفوعاً: "حد الساحر ضربة بالسيف" رواه الترمذي٢ وقال: الصحيح أنه موقوف وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر، وصح عن حفصة أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت وكذلك صح عن جندب قال أحمد: وصح عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ .
قلت: في قتله فوائد:
الأولى: يكون ردعاً وزجراً لأشباهه عن السحر الذي وهو كفر وفتنة.
الثانية: أن بقتله يبطل السحر الذي فعله وذا مجرب فيكون قتله دواءً نافعاً للمسحور مما يجده في نفسه.
الثالثة: أن تنقطع مادة الفاسد بقتله علماً وعملاً وتعليماً وفعلاً قطعاً.
стр. 312
متن الباب ٢٤
باب: بيان شيء من أنواع السحر
قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن حيان بن العلاء، حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ قال: "إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت".
قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط بالأرض، والجبت، قال: الحسن: رنة الشيطان. إسناده جيد ولأبي داود والنسائي وابن حبان في "صحيحه" المسند منه.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد" رواه أبو داود، وإسناده صحيح.
وللنسائي من حديث أبي هريرة ﵁: "من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وكل إليه".
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا هل أنبئكم ما الغضة؟ هي النميمة، القالة بين الناس" رواه مسلم.
ولهما عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "إن من البيان لسحراً".
стр. 313
فيه مسائل:
الأولى: أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت.
الثانية: تفسير العيافة والطرق.
الثالثة: أن علم النجوم نوع من السحر.
الرابعة: أن العقد مع النفث من ذلك.
الخامسة: أن النميمة من ذلك.
السادسة: أن من ذلك بعض الفصاحة.
стр. 314
شرح الباب ٢٤
باب في بيان شيء من أنواع السحر
قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عوف عن حبان بن العلاء حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ قال: " العيافة والطرق والطيرة من الجبت"، قال عوف: العيافة زجر الطير والطرق الخط يخط في الأرض، والجبت قال الحسن: رنة الشيطان إسناده جيد١. قلت: العيافة على ما ذكرها أهل العلم زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها وهو من العرب كثير في أشعارهم يقال: عاف يعيف عيفاً إذا زجر وحدس وظن، وبنوا أسد يذكرون بالعيافة ويوصفون بها، قيل: إن قوماً من الجن تذاكروا أعيافهم فأتوهم فقالوا: ضلت ناقة فلو أرسلتم مهنا من يعيف فقالوا لغلامهم انطلق معهم فاستردفه أحدهم ثم ساروا فلقيهم عقاب كاسرة أحدى جناحيه فاقشعر جلد الغلام وبكى فقالوا: مالك؟ فقال: كسرت جناحاً ورفعت جناحاً وحلفت بالله صراحاً ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحاً، وأنشد التوربشتي وقال:
تتحابى هدهد فوق بابه ... هدى وبيان بالجناح يلوح
وقالوا حمامات فحم لقائها ... وطلح فسلت والمطي طليح
وقال آخر:
يغني الطائران ببين سلمى ... على غصنين من غرب وبان
وقال آخر:
جرت سنحا فقلت لها أجيري ... نوى مشهولة فمتى اللقاء السانح
стр. 315
مما كانوا يمنون به أي قلت للنفس أجيري أي طفي حال نوى والمشمولة المكروهة من الشمال فإنهم يكرهونها لما فيها من البرد وذهابها بالغيم الذي فيه الحيا والخصب. والطرق هو الضرب بالحصى الذي تفعله النساء، وقيل: هو الخط في الرمل واقتصر في الفائق على الوجه الأول، وأنشد قول لبيد:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ولا ... زاجرات الطير ما الله صانع
والطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن هي التشاؤم بالشيء وهو مصدر تطير طيرة مثل تخير خيرة ولم يجيء من المصادر غيرهما وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظبا وغيرهما وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه وأخبر أنه ليس له تأثير من جلب نفع أو دفع ضرن فلا يصدنهم مما يتوجهون إليه من المقاصد أو من سواء السبيل والصراط المستقيم ما يجدونه في صدورهم من الوهم.
قال ابن عباس: الخط يخط في الأرض كان نبي من الأنبياء يخط فيعرف بالفراسة بتوسط تلك الخطوط، قيل: هو إدريس، فمن وافق خطه في الصورة والحالة وهو قوة الخاط في الفراسة والعلم واعمل الموجبين لها فذاك مصيب، وذا محال، لأن خط ذاك النبي معجزة له ولذا قال ﷺ : "من وافق خطه فذاك" على سبيل الزجر معناه لا يوافق أحد خط ذلك النبي لأنه معجزة، قال: والخط هو ما يخط الحازي بالحاء المهلمة والزاي المعجمة الذي يحزر الأشياء ويقدرها بظنه ويقال للمنجم الحازي أيضاً لأنه ينظر في النجوم وأحكامها بظنه، والحازي هو الكاهن قال: والخط هو علم تركه الناس يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلوناً فيقول: اقعد حتى أخط لك وبين يدي الحازي غلام له معه ميل ثم يأتي إلى أرض
стр. 316
لحكمة" ١. قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ . [الشعراء: ٢٢٤- ٢٢٧] . كحسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة ومن سلك مسلكهم.
стр. 317
باب بيان شيء من أنواع السحر
...
رخوة فيخط فيها خطوطاً بالعجلة لئلا يلحقها ثم يرجع فيمحو منها ما مهل خطين خطين وغلامه يقول للتفال: ابني عيان أسرعا لبيان فإن بقي خطان فهما علامة النجح وإن بقي خط واحد فهو علامة الخيبة، قال صاحب النهاية المشار إليه: علم معروف وللناس فيه تصانيف كثيرة ويستخرجون به الضمير وغيره على زعمهم هذا.
قلت: كيف يتصور استخراج الضمير وغيره من الغيوبات وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ . [النمل: ٦٥] . وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ . [الأنعام: ٥٩] . وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ . [الجن: ٢٦، ٢٧] . قال صاحب الكشاف وقد بطل بهذه الآيات كرامات الأولياء بادعائهم الغيب فيه اللهم إلا أن يكون من نوع الفراسة لقوله ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" ١. قاله أكثر أهل العلم.
ولأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه المسند منه وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد"، رواه أبو داود وإسناده صحيح٢. وللنسائي من حديث أبي هريرة: "من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وكل
стр. 318
متن الباب ٢٥
باب: ما جاء في الكهان ونحوهم
روى مسلم في "صحيحه" عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرَّافاً فسأله عن شيء فصدقه، لم تقبل له صلاة أربعين يوماً".
وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " رواه أبو داود.
وللأربعة، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما، عن أبي هريرة "من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ". ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفاً.
وعن عمران بن حصين ﵁ مرفوعاً: "ليس منا من تطير أو تطير له، أو تَكهن أو تُكهن له، أو سَحر أو سُحر له، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " رواه البراز بإسناد جيد، ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: "ومن أتى.." إلى آخره.
قال البغوي: العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو
стр. 319
ذلك وقيل: هو الكاهن. والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل: الذي يخبر عما في الضمير.
وقال أبو العباس ابن تيمية: العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق.
وقال ابن عباس -في قوم يكتبون (أبا جاد) وينظرون في النجوم-: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق.
فيه مسائل:
الأولى: لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن.
الثانية: التصريح بأنه كفر.
الثالثة: ذكر من تكهن له.
الرابعة: ذكر من تُطير له.
الخامسة: ذكر من سحر له.
السادسة: ذكر من تعلم أبا جاد.
السابعة: ذكر الفرق بين الكاهن والعرَّاف.
стр. 320
شرح الباب ٢٥
باب ما جاء في الكهان ونحوهم
الكهان جمع كاهن من كهن يكهن كهانة وهو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار وقد كان في العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعاً من الجن ورئياً يبقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام يسأله أو فعله أو حاله وهذا يخصونه باسم العراف كالذي يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما.
روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً" ١. وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد" ٢ رواه أبو داود.
وللأربعة، والحاكم وقال صحيح على شرطهما عن أبي هريرة: "من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ٣.
ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفاً.