متن الباب ٣٣
باب: قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] . وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] .
عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر، فقال: "الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله".
وعن ابن مسعود ﵁ قال: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله" رواه عبد الرزاق.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الأعراف.
الثانية: تفسير آية الحجر.
الثالثة: شدة الوعيد فيمن أمن مكر الله.
الرابعة: شدة الوعيد في القنوط.
стр. 352
شرح الباب ٣٣
باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] .
الأمن من مكر الله: اطمئنان القلب بعدم عقوبة الله وعدم مراقبتها والغفلة عنها، وهو على معاصي الله، ومساخطه فلا يحذر الله فيما هو عليه ولا يخافه فكأنه شك أو أنكر اسمه القهار وأن يكون له مظهر فإذا ما تدركه العقوبة فإذا هو من الخاسرين كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . [الأنعام: ٤٤، ٤٥] .
فالأمن من مكر الله من المهالك التي لا نجاة منها إلا بفضل الله ورحمته، وكذلك القنوط من رحمة الله لما يرى من رداءة نفسه وقلة طاعته له فييأس حينئذ من رحمته وذلك من المهالك لأنه يقنط من رحمته الواسعة ولم يتدارك لما فاته من التلف ولم يرجو الله في توفيقه إياه على ما يحب ويرضى وعفوه عما مضى، فكأنه شك أو أنكر اسمه الغفور الرحيم العفو وأن يكون له مظهر فما يضل عن صراط الله الذي أرسل به رسوله ﷺ وهدى عليه أوليائه وقد نبه الله على القنوط من رحمة الله من الموبقات بقوله: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] .
وفي الحديث عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر قال: "الشرك بالله واليأس من روح الله والأمن من مكر الله" ١. وفي آخر عن ابن
стр. 353
مسعود قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله" رواه عبد الرزاق١.
الرَّوْحُ: أخص من الرحمة؛ لأن الرحمة عامة في الدنيا كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ . [الأعراف: ١٥٦] .
وأمَّا رَوْحُهُ فلأوليائه في دار الدنيا.
وأما الآخرة فالرحمة مختصة بالمؤمنين ولكن شاملة للمقربين وأصحاب اليمين.
وأما رَوْحُهُ فللمقربين خاصة قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ . [الواقعة: ٨٨-٩١] ..
стр. 354
متن الباب ٣٤
باب: من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله
وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] .
قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت".
ولهما عن ابن مسعود مرفوعاً: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية".
وعن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة" وقال النبي ﷺ : "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط" حسنه الترمذي.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية التغابن.
الثانية: أن هذا من الإيمان بالله.
الثالثة: الطعن في النسب.
стр. 355
الرابعة: شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية.
الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير.
السادسة: إرادة الله به الشر.
السابعة: علامة حب الله للعبد.
الثامنة: تحريم السخط.
التاسعة: ثواب الرضي بالبلاء.
стр. 356
شرح الباب ٣٤
باب في بيان ما جاء أن من الإيمان الصبر على أقدار الله
وذلك لأن المؤمن يعلم علم اليقين أن الله تعالى لا يفعل إلا الذي يصلح عباده ولو جهل الإنسان مورده ومصدره فإنه في الإصلاح قطعاً وأنه خير له قال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ . [النساء: ١٩] . وقال: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . [البقرة: ٢١٦] . فالمؤمن يؤمن بذلك كله ويسلم الأمر إلى الله.
قال الإمام أحمد: ذكر الله الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعاً وهو واجب بإجماع الأمة وهو نصف الإيمان فالإيمان نصفان: نصفه صبر ونصفه شكر وقد أخبر النبي ﷺ أنه ضياء.
وفي الحديث الصحيح: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له، وإن أصابته سراء فشكر فكان خيراً له وما ذلك إلا للمؤمن" ١. وقال للمرأة السوداء التي تصرع فسألته أن يدعو لها قال: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت: إذاً فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها" ٢.
وأمر الأنصار أن يصبروا على الفتن التي يلقونها بعده حتى يلقوه على الحوض، وأمر عند ملاقاة العدو بالصبر وعند المصيبة وأخبر أن الصبر عند الصدمة الأولى، وأمر المصاب بأنفع الأمور له وهو الصبر والاحتساب بأن ذلك يخفف مصيبته ويثبت أجره والجزع والسخط
стр. 357
والتشكي يزيد المصيبة ويذهب الأجر، وأخبر أن الصبر خير له.
وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "اثنتان بالناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت" ١. ولهما عن ابن مسعود مرفوعاً: "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" ٢.
واعلم أن المصائب لِحِكَمِ لا يعلمها إلا هو لا إله إلا هو إما لتكفير السيئات، وإما لرفع الدرجات، وإما لاستخبار هل هو صادق فيما يدعي من الإيمان أم كاذب قال تعالى: ﴿آلم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ . [العنكبوت: ١-٣] .
وفي الحديث عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا" ٣ أي لتصفيته من غش الذنوب والمعاصي بكير الامتحان. " وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة". وقال النبي ﷺ : "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله تعالى إذا أحب قوماً
стр. 358
ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط" حسنه الترمذي١.
стр. 359
متن الباب ٣٥
باب: ما جاء في الرياء
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] .
عن أبي هريرة مرفوعاً: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه". رواه مسلم.
وعن أبي سعيد مرفوعاً: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ " قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي، فيزيّن صلاته، لما يرى من نظر رجل". رواه أحمد.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الكهف.
الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله.
الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك، وهو كمال الغنى.
الرابعة: أن من الأسباب، أنه تعالى خير الشركاء.
الخامسة: خوف النبي ﷺ على أصحابه من الرياء.
السادسة: أنه فسر ذلك بأن يصلي المرء لله، لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه.
стр. 360
شرح الباب ٣٥
باب ما جاء في الرياء وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ . [الكهف: ١١٠] .
دلت هذه الآية مطابقة وتضمناً والتزاماً على فوائد جليلة:
الأولى: أن الله تعالى لا ينظر إلى الصور والأموال ولكن ينظر إلى القلوب العامرة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ . [سبأ: ٣٧] . وقال رسول الله ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" ١. وفي رواية: "ولكن ينظر إلى القلوب العامرة".
الثانية: دلت على عمومية الحكم والأمر لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ . [الكهف: ١١٠] .
الثالثة: الإيمان الحقيقي الذي لا يزلزله شيء لأن الإيمان الذي لا ثبا له لا ينفع معه العمل.
الرابعة: الإيمان باليوم الآخر لقوله تعالى: لقاء ربه.
الخامسة: الإيمان بالرسول والكتاب لقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ . [الكهف: ١١٠] . والصالح لا يكون إلا على ما أمر الله تعالى وأمر الله لا يتصور إلا بإرسال رسول معه كتاب من ربه فيه أوامره ونواهيه.
السادسة: الإيمان بالملائكة والأنبياء والرسل الذين من قبل والكتب لأنه منها أمره بالرسول المرسل والقرآن المنزل لزمه الإيمان بذلك كله لأنها مذكورة فيه وذكره الرسول ﷺ فالإيمان بهذه الأمور أصل الأعمال الدينية وهو كما قال الحسن: "ليس الإيمان بالتحلي ولا
стр. 361
بالتمني بل ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال" أي أعمال الجنان واللسان والأركان؛ ولذا عقب الله تعالى العمل الصالح بفاء التفريع أي من كان يرجو لقاء ربه فليعمل فذلك دليل إيمانه صادقاً محققاً.
والعلم الصالح جنس يشمل أعمال الجوارح كلها فينبغي لداعي الإيمان: نية خالصة، وعمل خالص من الرياء، ولسان صادق، وأفعال جميلة، وسمت مرضي، وخلق حسن، وطريقة مستقيمة، وسيرة مديمة وبصيرة قوية، وذكر كثير، وتفكر وتدبر.
أما النية قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ . [الشورى: ٢٠] .
وأما العمل الخالص قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ . [الزمر:٢، ٣] .
وأما اللسان الصادق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ . [التوبة: ١١٩] .
وأما الأفعال الجميلة قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ . [التوبة: ٧١] .
وأما السمت المرضي قوله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ . [الشورى: ٣٦- ٣٩] .
وأما الخلق الحسن قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ . [الفرقان: ٦٣] .
وأما السيرة الدائمة قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ . [فصلت: ٣٠] .
وأما الطريقة المستقيمة فمبناها على البصيرة القوية والبصيرة
стр. 362
القوية مبناها على العلم اليقيني وقد ذكرها الله على الترتيب قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . [الحج: ٥٤] . فبين الله أمه لا يعلم الحق من الباطل ولا يميزه إلا الذين أوتوا العلم فيستبصر بالبصيرة النافذة القوية حينئذ بين الحق والباطل ويخبت له قلبه، ثم بين أن ذلك هو الصراط المستقيم.
وأما الذكر قوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ . [الأحزاب: ٣٥] .
وأما التفكر قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ . [آل عمران: ١٩٠، ١٩١] .
ولما كان أصل الأعمال الدينية كلها التوحيد والإخلاص الذي لا يشوبه شرك قال تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ . [الكهف: ١١٠] . والشرك أكبر وأصغر، فالأكبر يحبط الأعمال كلها كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . [الزمر: ٦٥] . وأما الشرك الأصغر فهو الرياء والسمعة والتصنع للناس في الأعمال الدينية، فذا يحبط العمل الذي راءى فيه أو سمع فيه لا غير. عن أبي هريرة مرفوعاً: قال الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه". رواه مسلم١. وعن أبي سعيد مرفوعاً: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من
стр. 363
المسيح الدجال؟ قالوا: بلى، قال: الشرك الخفي يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل" ١.
стр. 364
متن الباب ٣٦
باب: من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا
وقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥] .
وفي "الصحيح" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع ".
فيه مسائل:
الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة.
الثانية: تفسير آية هود.
الثالثة: تسمية الإنسان المسلم: عبد الدينار والدرهم والخميصة.
الرابعة: تفسير ذلك بأنه إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط.
стр. 365
الخامسة: قوله "تعس وانتكس".
السادسة: قوله: "وإذا شيك فلا انتقش".
السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات.
стр. 366
شرح الباب ٣٦
باب في بيان ما جاء أن من الشرك الأكبر الذي يخلد صاحبه في النار ولا ينجي منه إلا من أراد الله نجاته وهو الشرك في النية.
قال ابن القيم ﵀: "وهو البحر الذي لا ساحل له وقل من ينجو منه فمن أراد بعمله غير وجهه أو نوى شيئاً غير التقرب لله وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته وإرادته والإخلاص أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإرادته ونياته وهذه هي في الحقيقة ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم ولا يقبل من أحد غيرها وهي حقيقة الإسلام ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فهو في الآخرة من الخاسرين، وهي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فقد سفه نفسه" انتهى كلامه ﵀.
فإذا ثبت أن من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا فلتنظر نفس ما هي عليه حتى تتدارك نفسها بالانكسار بين يد الله والتضرع إليه؛ لأنه ينجبه من هذا الأمر العظيم والخطب الجسيم ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . [هود: ١٥، ١٦] .
ونطقت السنة بذلك أيضاً في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة" –وهو ما يلبس- تعس عبد الخميلة –وهو ما يفرش- إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط أي سخطه ورضاه لأطماع الدنيا إن حصلت رضي وإن لم تحصل سخط قاطعاً النظر عن رضى الله وسخطه فصار
стр. 367
عبد الدينار والدرهم الخميصة والخميلة بهذه الحيثية فدعا رسول الله ﷺ على من هذا حاله فقال: - تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش -١.
ثم بين ﷺ حال عبد الله الصادق أنه يسعى في مراضي الله ويبتعد عن مساخطه ولو في ذلك مشقة النفس: "طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع" ٢.
стр. 368
متن الباب: ٣٧
باب: من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله
وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!
وقال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . [النور: ٦٣] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
عن عدي بن حاتم: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] . فقلت له: إنا لسنا نعبدهم قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلّون ما حرم الله، فتحلونه؟ " فقلت: بلى. قال: "فتلك عبادتهم" رواه أحمد، والترمذي وحسنه.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النور.
الثانية: تفسير آية براءة.
стр. 369
الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي.
الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان.
الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية، حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين.
стр. 370
شرح الباب ٣٧
باب ما جاء في بيان أن من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله
لجعله إياهم المطاعون في مخالفة الله والتغيير حكمه ولما كان الأمر عظيم الخطر قال ابن عباس ﵁ لناس قابلوا قول الرسول ﷺ بقول أبي بكر وعمر لتضمن ذلك تغيير حكم الله ورسوله؛ لأنه ﷺ هو المبلغ عن الله تعالى: يوشك أي حري وقريب أن تنزل عليكم حجارة من السماء غضباً من الله تعالى عليكم ومقتاً أقول قال رسول الله الذي خلق الكون كله وكل عبده تحت قهره وأمره وتصريفه له الملك وله الحمد وله الخلق وله الأمر ومع هذا تقابلون قول رسوله ﷺ بقول غيره وتقولون قال أبو بكر وعمر.
قلت: فإذا كان هذا المقت العظيم فيمن يقابل قول رسول ﷺ بقول خليفته أبي بكر وعمر فكيف بمن يقابل قول الله وقول رسوله بغيرهما؟ ويرد حكم الله ورسوله بقول غيرهما؟
وقال أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته وعلموا أنه عن رسول الله ﷺ وثبت عندهم ومع ذلك يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . [النور: ٦٣] . أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله بقول غيره أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، وذلك لأنه ربما استحسن قولاً عن قوله ﷺ فيخرج عن الإيمان، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي
стр. 371
أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ . [النساء: ٦٥] . أي تطمئن قلوبهم بحكمك ويعلموا أنه الحق وما بعده الضلال، فإن شك في نفسه فلا إيمان له ولا إسلام.
عن عدي بن حاتم: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] . قلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: أليسوا يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى. قال ﷺ فتلك: عبادتهم١.
قلت: فإذا نظرت ما جرى في هذا الزمان رأيت من تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله ما كما قيل يتسع الخرق على الراقع وأعظم من ذلك أن أكثر الناس أطاعوهم ويحسبون أنهم مهتدون وإذا تلوت عليهم آيات الله وأحادث رسوله استنكروه وقالوا ما نترك فعل آبائنا لما تقول كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ . [سبأ: ٤٣] . وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى.
стр. 372
باب قول الله تعالى ﴿يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾
...
متن الباب ٣٨
باب: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ . [النساء: ٥٩] . وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ . [البقرة: ١١] وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ . [الأعراف: ٥٦] . وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ . [المائدة: ٥٠] .
عن عبد الله بن عمرو ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" قال النووي: حديث صحيح، رويناه في كتاب "الحجة" بإسناد صحيح.
وقال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة؛ فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد-لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة- وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود -لعلمه أنهم يأخذون الرشوة- فاتفقا أن يأتيا كاهناً في جهينة فيتحاكما إليه، فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠] .
وقيل: نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة. فقال للذي
стр. 373
لم يرض برسول الله ﷺ : أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت.
الثانية: تفسير آية البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ .
الثالثة: تفسير آية الأعراف ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ .
الرابعة: تفسير ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ .
الخامسة: ما قاله الشعبي في سبب نزول الآية الأولى.
السادسة: تفسير الإيمان الصادق والكاذب.
السابعة: قصة عمر مع المنافق.
الثامنة: كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعاً لما جاء به الرسول ﷺ .
стр. 374
شرح الباب ٣٨
باب في بيان أن من آمن بالله ورسوله وما أنزل إليه حقًّا وصدقاً لم يتحاكم إلى الطاغوت
ومن تحاكم إليهم من الكهنة والسحرة وأشباههم مطمئناً بهم مصدقاً قولهم فليس بمؤمن ويدل على ذلك قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ . [النساء: ٦٠] . وذلك لزعمه أن حكم الطاغوت أصلح ولا يعلم المطبع على قلبه أن غير الحق هو الإفساد ويدل على ذلك قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ . [البقرة: ١١] . وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ . [الأعراف: ٥٦] . وذلك لأنه رغب عن حكم الإسلام الذي ارتضاه الله في آخر الزمان وبغى حكم الجاهلية قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ . [المائدة: ٥٠] .
وفي الحديث عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" ١، قال النووي: حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح، وقال الشعبي٢: كان بين رجل من المنافقين
стр. 375
وبين رجل من اليهود خصومة فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد. عرف أنه لا يأخذ الرشوة ولا يميل في الحكم، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود. لعلمه أنهم يأخذون الرشوة ويميلون في الحكم فاتفقا على أن يأتيا كاهناً من جهينة فيتحاكما إليه فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] . وقيل: نزلت في رجلين اختصما فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف ثم ترافعا إلى عمر ثم ذكر له أحدهما القصة فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ : أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله١.
فيارب يسر صولة عمرية
... لنا كي يمضي الوحي في الناس شائعاً
ويردع من يبغي الجهالة حكمها ... ولم يك للوحيين في الحكم سامعا
فكم من ترى في زي علم وهمة ... يصد عن الوحيين في الدين بادعا
فلا لكتاب الله يصغي سماعه ... ولا للذي قال الرسول مطاوعا
فيا رب عجل بالذي ينصر الهدى ... بآياتك الفصحى سيوفاً قواطعا
كما كان في وقت الرسول محمد ... عليه صلاة الله ما البدر لا معا
стр. 376
متن الباب ٣٩
باب: من جحد شيئاً من الأسماء والصفات
وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٢] .
وفي "صحيح البخاري" قال علي: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ ".
وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس: أنه رأى رجلاً انتفض -لما سمع حديثاً عن النبي ﷺ في الصفات، استنكاراً لذلك- فقال: "ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه" انتهى.
ولما سمعت قريش رسول الله ﷺ يذكر: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ أنكروا ذلك. فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٢] .
فيه مسائل:
الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات.
الثانية: تفسير آية الرعد.
الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع.
الرابعة: ذكر العلة أنه يفضي إلى تكذيب الله
стр. 377
ورسوله، ولو لم يتعمد المنكر.
الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئاً من ذلك، وأنه هلك.
стр. 378
شرح الباب ٣٩
باب ما جاء في بيان أن من جحد شيئاً من الأسماء والصفات
التي تثبت بالكتاب والسنة يكفر بالاتفاق إن كان غبر مؤولٍ وإن كان مؤولاً فيه الاختلاف:
فالنوع الأول: قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ . [الرعد: ٣٢] . حكاية عن كفار قريش أنهم أنكروا على الرسول ﷺ صفة الرحمن قالوا: أما الرحمن فلا نعرفه فقل مثل ما كنا نقول سبحانك اللهم. فالعالم العارف ينبغي أن يحدث الناس بما يدخل في عقولهم لئلا يكذبوا الله ورسوله ولا ينكروا شيئاً مما ثبت عن الله ورسوله ﷺ لا يأتي بما ينكروه إلا بعد مقدمات تنبيه وتوضحه لهم في صحيح البخاري قال علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله١.
والنوع الثاني: وروى عبد الرزاق عن معمر عن طاووس عن أبيه عن ابن عباس أنه رأى رجلاً انتفض لما سمع حديثاً عن النبي ﷺ في الصفات استنكاراً لذلك فقال: ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه٢ انتهى.
ولما سمعت قريش رسول الله ﷺ يذكر: الرحمن أنكروا ذلك فأنزل الله ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٢] .
ومن هؤلاء الجهمية، وفروخ الأشاعرة، والمعتزلة، ومن شابههم.
وقد ورد أن في الحديث محكم ومتشابه كما في القرآن محكم ومتشابه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ
стр. 379
الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ . [آل عمران: ٧] . فبين الله أن من الآيات محكمات هن أم الكتاب في اتخاذ الأمر والنهي منها والعمل بها وأخر متشابهات أنزلها الله لحكمة لا يعلمها إلا هو، فأما الذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله أي المتشابه إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا أي أنهم يؤمنون بالكل أنه منزل من الله لكن المحكم يعملون به والمتشابه يكلونه إلى الله فكذلك الحديث ما هو محكم يلزم العمل به وما هو متشابه نؤمن به ونكل معناه إلى الله.
стр. 380
متن الباب ٤٠
باب: قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] .
قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي، ورثته عن آبائي.
وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا.
وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا.
وقال أبو العباس -بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه: "إن الله تعالى قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر.." الحديث، وقد تقدم -وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره، ويشرك به.
قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقاً، ونحو ذلك مما هو جارٍ على ألسنة كثير.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها.
الثانية: معرفة أن هذا جارٍ على ألسنة كثير.
الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكاراً للنعمة.
الرابعة: اجتماع الضدين في القلب.
стр. 381
شرح الباب ٤٠
باب ما جاء في بيان أن من نسب نعم الله إلى غيره فقد كفر كفر النعمة
وهو كفر دون كفر وذلك قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ . [النحل: ٨٣] .
قال مجاهد: ما معناه هو قول الرجل: هذا مالي، ورثته عن آبائي، وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا، وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا.
وذلك لأنه تعالى هو مسبب الأسباب، ومقدر الأقدار، وهو المعطي، المانع، النافع، الضار، لا مضاد لأمره، ولا معقب لحكمه، يفعل ما يشاء، ويختار، بيده ملكوت كل شيء لا إله إلا هو، فكيف ينسب نعمه إلى غيره من مخلوقاته؟ وهذه كفر في الجملة.
وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله تعالى قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر" الحديث١ وقد تقدم وهذا كثير في الكتاب والسنة. يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به، قال بعض السلف: هو قولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقاً، ونحو ذلك مما هو جارٍ على الألسنة. انتهى كلامه ﵀.
стр. 382
متن الباب ٤١
باب: قول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . [البقرة: ٢٢] .
قال ابن عباس في الآية: الأنداد: "هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل؛ وهو أن تقول: والله، وحياتك يا فلان وحياتي، وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلاناً هذا كله به شرك" رواه ابن أبي حاتم.
وعن عمر بن الخطاب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم.
وعن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان" رواه أبو داود بسند صحيح.
وجاء عن إبراهيم النخعي، أنه يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: بالله ثم بك. قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد.
стр. 383
الثانية: أن الصحابة ﵃ يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر بأنها تعم الأصغر.
الثالثة: أن الحلف بغير الله شرك.
الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقاً، فهو أكبر من اليمين الغموس.
الخامسة: الفرق بين الواو وثم في اللفظ.
стр. 384
شرح الباب ٤١
باب في بيان أن لفظ الند يشمل الشرك الأكبر والأصغر والخفي
والكل ظلم وذميم عند الله والكل يوجب السخط من الله والعقاب، والشرك من حيث هو هضم لجناب الربوبية ومساواته تعالى مع غيره في الألوهية من أكبر الكبائر وأقبح القبائح وأشنع الشنائع.
وينبه على ذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . [البقرة: ٢١، ٢٢] .
قال ابن عباس في الآية: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي وتقول لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. وذلك لأن الواو تفيد الجمعية كما تقول جاء زيد وعمرو فالمفهوم من هذا أنهما جاءا جميعاً، فإذا قلت ما شاء الله وشئت أو لولا الله وفلان فقد جعلتهم في المشيئة ودفع المضار سواء لا تجعل فيها فلاناً لأن هذا كله به شرك. رواه ابن أبي حاتم١.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" رواه
стр. 385
الترمذي وحسنه١ وصححه الحاكم.
وقال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذباً أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقاً وذلك لأن الحلف بالله كاذباً معصية يغفرها الله لمن شاء، والحلف بغير الله ولو كان صادقاً فهو شرك، والشرك لا يغفره الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .
وعن حذيفة عن النبي ﷺ قال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان" رواه أبو داود بسند صحيح٢. وذلك لأن ثم بتأخير الرتبة والانفصال.
قال ابن مالك: الواو للترتيب باتصال وثم للترتيب بانفصال فإذا قلت: جاء زيد ثم عمروا. فهم منه أن رتبة عمرو في المجيء متأخرة عن زيد.
وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك ويقول: بالله ثم بك. قال: ويقول: لولا الله ثم فلان ولا تقولوا: لولا الله وفلان.
стр. 386
متن الباب ٤٢
باب: ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله
عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض. ومن لم يرض فليس من الله"، رواه ابن ماجه بسند حسن.
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن الحلف بالآباء.
الثانية: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى.
الثالثة: وعيد من لم يرض
стр. 387
شرح الباب ٤٢
باب: ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله
ما قدر الله حق قدره واستوجب الوعيد الشديد. عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق -لأنه حلف بالله العظيم الجبار القهار الذي ليس كمثله شيء فكيف يجترئ على الكذب به- ومن حلف له بالله فليرض ومن لم يرض فليس من الله". رواه ابن ماجه بسند حسن١.
стр. 388
باب قول ما شاء شئت
...
متن الباب ٤٣
باب: قول: ما شاء الله وشئت
عن قتيلة، أن يهوديًّا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون، تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: "ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء ثم شئت" رواه النسائي وصححه.
وله أيضاً عن ابن عباس ﵄: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعلتني لله ندًّا؟ ما شاء الله وحده".
ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: رأيت كأني أتيتُ على نفر من اليهود، فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته. قال: "هل أخبرت بها أحداً؟ " قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد؛ فإن طفيلاً رأى رؤيا، أخبر بها
стр. 389
من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها. فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده".
فيه مسائل:
الأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر.
الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى.
الثالثة: قوله ﷺ : "أجعلتني لله نداً؟ " فكيف بمن قال:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك. . . . . . . . .
والبيتين بعده.
الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر، لقوله: "يمنعني كذا وكذا".
الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي.
السادسة: أنها قد تكون سبباً لشرع بعض الأحكام.
стр. 390
شرح الباب ٤٣
باب ما جاء في بيان أن قول: ما شاء الله وشئت من الشرك الأصغر
عن قتيلة، أن يهوديًّا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت وتقولون: والكعبة فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: "ورب الكعبة وأن يقولوا: ما شاء ثم شئت" رواه النسائي وصححه١.
قلت: وفي هذا إغراء على أخذ الحق من أي شخص كان، وبأي وجه كان؛ إذ هو حال المنصفين المتواضعين لله تعالى لأن قائدهم الحق أينما دار داروا وأينما توجه توجهوا كما قال ﷺ : "الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها لقطها" ٢ بخلاف المتكبرين فإنه يغمط الناس ويبطر الحق انظر لما جاء اليهودي وقال الحق أخذه النبي ﷺ وهو المرسل من الله إلى الخلق.
وله أيضاً عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعلتني لله ندًّا؟ ما شاء الله وحده" ٣.