← Акыда

Акыда · id 11326

فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد

حامد بن محسن

Полный текст (486 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

متن الباب ٤٢ باب: ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض. ومن لم يرض فليس من الله"، رواه ابن ماجه بسند حسن. فيه مسائل: الأولى: النهي عن الحلف بالآباء. الثانية: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى. الثالثة: وعيد من لم يرض

стр. 387

شرح الباب ٤٢ باب: ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله ما قدر الله حق قدره واستوجب الوعيد الشديد. عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق -لأنه حلف بالله العظيم الجبار القهار الذي ليس كمثله شيء فكيف يجترئ على الكذب به- ومن حلف له بالله فليرض ومن لم يرض فليس من الله". رواه ابن ماجه بسند حسن١.

стр. 388

باب قول ما شاء شئت ... متن الباب ٤٣ باب: قول: ما شاء الله وشئت عن قتيلة، أن يهوديًّا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون، تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: "ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء ثم شئت" رواه النسائي وصححه. وله أيضاً عن ابن عباس ﵄: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعلتني لله ندًّا؟ ما شاء الله وحده". ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: رأيت كأني أتيتُ على نفر من اليهود، فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته. قال: "هل أخبرت بها أحداً؟ " قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد؛ فإن طفيلاً رأى رؤيا، أخبر بها

стр. 389

من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها. فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده". فيه مسائل: الأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر. الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى. الثالثة: قوله ﷺ : "أجعلتني لله نداً؟ " فكيف بمن قال: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك. . . . . . . . . والبيتين بعده. الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر، لقوله: "يمنعني كذا وكذا". الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي. السادسة: أنها قد تكون سبباً لشرع بعض الأحكام.

стр. 390

شرح الباب ٤٣ باب ما جاء في بيان أن قول: ما شاء الله وشئت من الشرك الأصغر عن قتيلة، أن يهوديًّا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت وتقولون: والكعبة فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: "ورب الكعبة وأن يقولوا: ما شاء ثم شئت" رواه النسائي وصححه١. قلت: وفي هذا إغراء على أخذ الحق من أي شخص كان، وبأي وجه كان؛ إذ هو حال المنصفين المتواضعين لله تعالى لأن قائدهم الحق أينما دار داروا وأينما توجه توجهوا كما قال ﷺ : "الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها لقطها" ٢ بخلاف المتكبرين فإنه يغمط الناس ويبطر الحق انظر لما جاء اليهودي وقال الحق أخذه النبي ﷺ وهو المرسل من الله إلى الخلق. وله أيضاً عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعلتني لله ندًّا؟ ما شاء الله وحده" ٣.

стр. 391

وفي رواية: "بل ما شاء الله وحده". ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة ﵂ من أمها قال: رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته قال: "هل أخبرت بها أحداً؟ " قلت: نعم، قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد فإن طفيلاً رأى رؤيا أخبر بها من أخبر وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا: ما شاء الله وحده" ١.

стр. 392

متن الباب ٤٤ باب: من سب الدهر فقد آذى الله وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] . في "الصحيح" عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار" وفي رواية: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر". فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الدهر. الثانية: تسميته أذى لله. الثالثة: التأمل في قوله: "فإن الله هو الدهر". الرابعة: أنه قد يكون ساباً ولو لم يقصده بقلبه.

стр. 393

شرح الباب ٤٤ باب ما جاء في بيان أن من سب الدهر فقد آذى الله تعالى وذلك لضعف البصيرة بل عدمها أن تنسب الأمور إلى الدهر ولم يعلم الجاهل الظلوم أن الذي بيده أزمة الأمور قائم بها ويدبرها على ما يشاء هو الله حقيقة لا غير ولو سماه دهراً فإنه هو الله يقلب الليل والنهار ويدبر الأمور وقد حكى الله عن الكفار أنهم نسبوا الأمر إلى الدهر وذلك قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ . [الجاثية: ٢٤] . في "الصحيح" عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار. وفي رواية: لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" ١.

стр. 394

متن الباب ٤٥ باب: التسمي بقاضي القضاة ونحوه في "الصحيح" عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إن أخنع اسم عند الله: رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله". قال سفيان: مثل "شاهان شاه". وفي رواية: "أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه". قوله "أخنع" يعني أوضع. فيه مسائل: الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك. الثانية: أن ما في معناه مثله، كما قال سفيان. الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه. الرابعة: التفطن أن هذا لإجلال الله سبحانه.

стр. 395

شرح الباب ٤٥ باب ما جاء في بيان أن التسمي بما يدل على الكمال المطلق كالتسمي بقاضي القضاة ونحوه ينهى عنه لأن ادعاء هذا وأشباهه في المخلوق ليس له حقيقة لأنه كما قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ . [يوسف: ٧٦] . بلى إن الله هو الذي ليس فوقه شيء ولا كمثله شيء. وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك لا مالك إلا الله" ١. قال سفيان: مثل شاهان شاه يعني ما أشبه ملك الأملاك وقاضي القضاة بأي لغة كانت فإن شاهان شاه كلمة فارسية معناها ملك الأملاك فالمقصود النهي عن التسمي بما لا يستحقه إلا الله تأدباً معه وحذراً من المحذور. وفي رواية: "أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه" قوله "أخنع" يعني أوضع.

стр. 396

متن الباب ٤٦ باب: احترام أسماء الله وتغيير الاسم لأجل ذلك عن أبي شريح: أنه كان يكنى أبا الحكم؛ فقال له النبي ﷺ : "إن الله هو الحكم، وإليه الحكم" فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين فقال: "ما أحسن هذا فمالك من الولد؟ " قلت: شريح، ومسلم، وعبد الله. قال: "فمن أكبرهم؟ " قلت: شريح، قال: "فأنت أبو شريح"، رواه أبو داود وغيره. فيه مسائل: الأولى: احترام أسماء الله وصفاته ولو لم يقصد معناه. الثانية: تغيير الاسم لأجل ذلك. الثالثة: اختيار أكبر الأبناء للكنية.

стр. 397

شرح الباب ٤٦ باب ما جاء في بيان أن من تعظيم الله احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم الذي يليق بجنابه عن غيره لأجل ذلك عظمة وإجلالاً له لا إله إلا هو. عن أبي شريح أنه كان يكتنى أبا الحكم فقال له النبي ﷺ : "إن الله هو الحكم وإليه الحكم" فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين فلذا سميت أب الحكم فقال: ما أحسن هذا فمالك من الولد، قال: شريح ومسلم وعبد الله قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح، قال: فأنت أبو شريح"، رواه أبو داود وغيره١.

стр. 398

متن الباب ٤٧ باب: من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول وقول الله تعالي: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] . عن ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة -دخل حديث بعضهم في بعض-: أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء -يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القرّاء- فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ . فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره فوجد القرآن قد سبقه. فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب، نقطع به عنا الطريق. فقال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقاً بنسعة ناقة رسول الله ﷺ ، وإن الحجارة تنكب رجليه -وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب- فيقول له رسول الله ﷺ : ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ما يتلفت إليه وما يزيده عليه. فيه مسائل: الأولى: وهي العظيمة: أن من هزل بهذا فهو كافر. الثانية: أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائناً من كان.

стр. 399

الثالثة: الفرق بين النميمة والنصيحة لله ولرسوله. الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله. الخامسة: أن من الأعذار ما لا ينبغي أن يقبل.

стр. 400

شرح الباب ٤٧ باب ما جاء في بيان أن من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول يكفر ولو كان مؤمناً قبل، ولا ينفعه إيمانه، ولا أعماله الصالحة التي فعلها قبل ذلك والدليل على ذلك قول الله تعالي: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦] . دلت الآية على أنهم كفروا بعد الإيمان مع أنهم لم يأتوا بذلك جدًّا بل كانوا يتحدثون حديث الركب ليقطعوا عنهم الطريق كما في الحديث. عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة دخل حديث بعضهم في بعض أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً وأكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القرّاء، فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله ﷺ فذهب إلى رسول الله ﷺ ليخبره فوجد القرآن قد سبقه فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق، فقال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقاً بنسعة ناقة رسول الله ﷺ وإن الحجارة تنكب رجليه وهو يقول: إنما كنا نخوض

стр. 401

ونلعب فيقول له رسول الله ﷺ : ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ . ما يلتفت إليه وما يزيده على هذا١. تنبيه: على الفرق بين النصيحة والنميمة -التي هي القالة بين الناس-: اعلم أن الناصح لم يقصد التفريق بين المسلمين والمتحابين بل يقصد إظهار الحق وردع الباطل نصحاً لله ولرسوله ولدينه، والنمام يقصد التفريق بنقله الكلام حسداً وبغياً وظلماً فالمرجع إلى القصد والنية قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" ٢. الحديث.

стр. 402

باب ما جاء قول الله تعالى ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ﴾ ... متن الباب ٤٨ باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠] . قال مجاهد: هذا بعملي وأنا محقوق به. وقال ابن عباس: يريد من عندي. وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] . قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب. وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل. وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف. وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى. فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً، فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به قال: فمسحه، فذهب عنه قذره، وأعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو البقر - شك إسحاق - فأعطي ناقة عشراء، وقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرع، فقال أي شيء أحب إليك قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به فمسحه، فذهب عنه، وأعطي شعراً حسناً، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر، أو الإبل، فأعطي بقرة

стр. 403

حاملاً، قال: بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إليّ بصري؛ فأبصر به الناس، فمسحه، فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والداً؛ فأنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم، قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته. فقال: رجل مسكين، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيراً أتبلغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً، فأعطاك الله المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر، فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، وردّ عليه مثل ما ردّ عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت. وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك. أسألك بالذي ردّ عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: كنت أعمى فردّ الله إليَّ بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك،

стр. 404

وسخط على صاحبيك" أخرجاه. فيه مسائل: الأولى: تفسير الآية. الثانية: ما معنى: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ . الثالثة: ما معنى قوله: ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ . الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة.

стр. 405

شرح الباب ٤٨ باب: ما جاء في بيان أن من أنواع كفر النعمة نسبة ما أنعم الله عليه إلى نفسه وذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠] . قال مجاهد: هذا بعملي وأنا محقوق به. وقال ابن عباس: يريد من عندي. وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] . قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب. وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل. وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف. وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به، قال: فمسحه فذهب عنه قذره فأعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو البقر - شك إسحاق - فأعطي ناقة عشراء وقال: بارك الله لك فيها، قال: فأتى الأقرع، فقال أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به فمسحه فذهب عنه وأعطي شعراً حسناً، فقال: أي المال أحب إليك؟ فقال: البقر أو الإبل فأعطاه

стр. 406

بقرة حاملاً وقال: بارك الله لك فيها، فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس فمسحه فرد الله إليه بصره قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم فأعطي شاة والداً فأنتج هذان وولد هذا فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً أتبلغ به في سفري فقال: الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس فأعطاك الله المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت، قال: فأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا ورد عليه ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت. فقال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري فخذ ما شئت ودع ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم شيئاً أخذته لله فقال: أمسك مالك فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك.

стр. 407

أخرجاه١. فالمسلم الصادق لنفسه يتبرى من الحول والقوة ويعلم يقيناً أن ما به من نعمة فهو من الله سواء كان بواسطة خلق من خلقه أو بلا واسطة كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ . [النحل: ٥٣] . فإذا علم ذلك عظم عنده حق الله عليه لما يرى فيه من النعم الباطنية والنعم الظاهرية التي لا تحصى كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ . [النحل: ١٨] . فيلزمه إذاً شكر نعمه وجوباً بالجنان واللسان والأركان كما قيل: أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا

стр. 408

متن الباب ٤٩ باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [ الأعراف: ١٩٠] . قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبَّد لغير الله؛ كعبد عمر، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب. وعن ابن عباس ﵁ في الآية قال: لما تغشاها آدم حملت، فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيل، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن -يخوفهما- سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتاً، ثم حملت، فأتاهما، فقال مثل قوله، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتاً، ثم حملت، فأتاهما، فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث فذلك قوله تعالى: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٩٠] . رواه ابن أبي حاتم. وله بسند صحيح عن قتادة قال: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته. وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً﴾ [الأعراف: ١٨٩] . قال: أشفقا ألا يكون إنساناً، وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما. فيه مسائل:

стр. 409

الأولى: تحريم كل اسم معبّد لغير الله. الثانية: تفسير الآية. الثالثة: أن هذا الشرك في مجرد تسمية لم تقصد حقيقتها. الرابعة: أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم. الخامسة: ذكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة، والشرك في العبادة.

стр. 410

شرح الباب ٤٩ باب ما جاء في بيان أن من نسب العبودية إلى غير الله نية أو قولاً أو فعلاً حقيقة أو مجازاً فقد دخل في عمومية الشرك أما النية قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ . [طه: ١١١] . وأما القول فقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . [يونس: ١٨] . وأما الفعل: فقوله تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ . [الزمر: ٣] . وأما الحقيقة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ . [فاطر: ١٣، ١٤] . وأما المجاز فقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] . قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد عمر وعبد الكعبة وما أشبه ذلك حاشا عبد المطلب وعن ابن عباس ﵄ في الآية قال: لما تغشاها آدم حملت فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيل فيخرج من بطنك فيشقه ولأفعلن ولأفعلن يخوفهما، سمياه عبد الحارث فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً ثم فأتاهما فقال مثل

стр. 411

قوله فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً ثم حملت فأتاهما فذكر لهما فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث فذلك قوله تعالى: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ . رواه ابن أبي حاتم١. قلت: معلوم بالضرورة أنهم لم يجعلوه عبد الحارث حقيقة ولكن مجازاً خوفاً مما جرى وحبًّل للولد فلم يعذرهم الله بذلك وصرح في كلامه بياناً لعباده أنهم جعلا له شركاء فيما آتاهما بتسميتهما الولد عبد الحارث ولو قصدوه مجازاً وعلى هذا فقس جميع من يعبد بغيره كعبد الرسول وعبد علي وعبد الشيخ وعبد السيد وأشباه ذلك وله بسند صحيح عن قتادة قال: شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً﴾ [الأعراف: ١٨٩] . قال: أشفقا ألا يكون إنساناً وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما. لعله خوفاً من الله تعالى عقوبة حيث عصوا الله تعالى في أكل الشجرة.

стр. 412

متن الباب ٥٠ باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨١] . ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ : يشركون. وعنه: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز. وعن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها. فيه مسائل: الأولى: إثبات الأسماء. الثانية: كونها حسنى. الثالثة: الأمر بدعائه بها. الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين. الخامسة: تفسير الإلحاد فيها. السادسة: وعيد من ألحد.

стр. 413

شرح الباب ٥٠ باب ما جاء في بيان أن الله تعالى له الأسماء الحسنى ولا ينبغي لمسلم مؤمن إذا أراد أن يدعو الله تعالى إلا بإحدى الوسيلتين: إما بأسمائه الحسنى وذلك قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ . [الأعراف: ١٨٠] . وإما بالأعمال الصالحة. وقد أرشدهم الله تعالى إلى هاتين الوسيلتين في أول سورة الحمد فاتحة الكتاب فقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . [الفاتحة: ٢- ٤] . توسل بأسمائه الحسنى، وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . [الفاتحة: ٥] . توسل بالأعمال الصالحة وهو توحيد الألوهية وإخلاص العبادة لله تعالى وذلك قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وتوحيد الربوبية وهو الاستعانة به تعالى وتبريه من الحول والقوة وذلك قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . واعلم أن الدعاء يشمل نوعي الدعاء: دعاء المسألة قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ . [غافر: ٦٠] . وهذا هو المقصود من الترجمة. والنوع الثاني دعاء العبادة وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ . [الطور: ٢٨] . هذا دعاء العبادة، والمعنى إنا كنا من قبل نخلص له العبادة وبهذا استحقوا أن وقاهم عذاب السموم لا بمجرد السؤال المشترك بين المخلص وغيره فإنه يسأله من في السماوات والأرض. واعلم أن الله تعالى أمر عباده بإخفاء الدعاء، قال تعالى:

стр. 414

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ . [الأعراف: ٥٥] . قال الحسن: بين دعوة السر والعلانية سبعون ضعفاً وقد كان الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كانت همساً بينهم وبين ربهم وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ . [الأعراف: ٥٥] . وأن الله ذكر عبداً صالحاً ورضي بفعله فقال تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾ . [مريم: ٣] . فإذا علمت ذلك فاعلم أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل وقد مضى في تعريف الدعاء المستحسن المستجاب، والأوقات، والأحوال، ما فيه كفاية. تنبيه: اعلم أن أسماء الله كلها عظيمة لا يجوز تفضيل بعضها على بعض ذهب إلى ذلك قوم منهم أبو جعفر الطبري، وأبو الحسن الأشعري، وأبو حاتم ابن حبان، وأبو بكر الباقلاني، ونحوه قول مالك وغيره، كما لا يجوز تفضيل بعض القرآن على بعض، وحمل هؤلاء ما ورد في ذكر الاسم الأعظم على أن المراد به العظيم. وعبارة الطبري: "اختلفت الآثار في تبيين الاسم الأعظم والذي عندي أن الأقوال كلها صحيحة إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم ولا شيء أعظم منه، فكأنه يقول: كل اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم فيرجع إلى معنى عظيم". وقال ابن حبان: الأعظمية الواردة في الأخبار المراد بها مزيد ثواب الداعي بذلك كما أطلق ذلك في القرآن، والمراد به مزيد ثواب القارئ. والقول الثاني: أنه مما استأثر الله بعلمه، وَلَمْ يُطْلع عليه أحداً من خلقه كما قيل بذلك في ليلة القدر، وفي ساعة الإجابة، وفي الصلاة الوسطى. القول الثالث: أنه (هو) نقله الإمام الفخر الرازي عن بعض أهل

стр. 415

العلم واحتاج له بأن من أراد أن يعبر عن كلام معظم بحضرته لم يقل: أنت قلت كذا وكذا وإنما يقول: "هو" يقول تأدبا معه. القول الرابع: أنه "الله" لأنه اسم لا يطلق على غيره ولأنه الأصل في الأسماء الحسنى ومن ثم أضيفت إليه. قال ابن أبي حاتم في تفسيره: ثنا الحسن بن محمد بن الصباح ثنا إسماعيل بن علية عن أبي رجاء حدثني رجل عن جابر بن زيد أنه قال: اسم الله الأعظم هو الله، ألم تسمع أنه يقول: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ١.وقال ابن أبي الدنيا في كتاب الدعاء: ثنا إسحاق بن إسماعيل عن سفيان عن عيينة عن مسعر قال الشعبي: اسم الله الأعظم يا الله٢. القول الخامس: الله الرحمن الرحيم. قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: "ولعل مستنده ما أخرجه ابن ماجه عن عائشة أنها سألت النبي ﷺ أن يعلمها الاسم الأعظم فلم يفعل فصلت ودعت: اللهم إني أدعوك الله وادعوك الرحمن وادعوك الرحيم وادعوك بأسمائك الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم الحديث، وفيه أنه ﷺ قال لها: "إنه لفي الأسماء التي دعوت بها" ٣. وقال سنده ضعيف. وفي الاستدلال به نظر". انتهى. قلت: أقوى منه في الاستدلال ما أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه عن ابن عباس أن عثمان بن عفان سأل رسول الله ﷺ عن بسم الله الرحمن الرحيم فقال: "هو اسم من أسماء الله تعالى وما بينه وبين الاسم كما بين سواد العين وبياضها من

стр. 416

القرب"١. وفي مسند الفردوس للديلمي من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: "اسم الله الأعظم في ست آيات من آخر سورة الحشر" ٢. القول السادس: الرحمن الرحيم والحي القيوم؛ لحديث الترمذي وغيره عن أسماء بنت يزيد أن النبي ﷺ قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ وفاتحة سورة آل عمران ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ " ٣. القول السابع: الحي القيوم؛ لحديث ابن ماجه والحاكم عن أبي أمامة، وفيه الاسم الأعظم في ثلاث سور: البقرة، وآل عمران، وطه٤. قال القاسم الراوي عن أبي أمامة: التمسته فيها فعرفت أنه الحي القيوم، قواه الفخر الرازي واحتج أنهما يدلان من صفات العظمة بالربوبية ما لا يدل على ذلك غيرهما لدلالتهما. القول الثامن: الحنان المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام لحديث أحمد وأبي داود وابن حبان والحاكم عن أنس أنه كان مع رسول الله ﷺ جالساً فأتى برجل ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد أنت الحنان المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام يا حي قيوم، فقال ﷺ : "لقد دعا الله تعالى باسمه الأعظم

стр. 417

الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى" ١. القول التاسع: بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام، أخرج أبو يعلى من طريق بن يحيى عن رجل من طي وأثنى عليه خيراً قال: كنت أسأل الله أن يريني الاسم الأعظم فرأيت مكتوباً في الكواكب في السماء يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام. القول العاشر: ذو الجلال والإكرام؛ لحديث الترمذي عن معاذ سمع النبي ﷺ رجلاً يقول: يا ذا الجلال والإكرام فقال: "قد استجيب لك فاسأل" ٢. وأخرج ابن جرير في تفسير سورة النمل عن مجاهد قال: الاسم الذي إذا دعي به أجاب: يا ذا الجلال والإكرام واحتج له الفخر بأنه يشمل جميع الصفات المعتبرة في الإلهية، لأن في الجلال إشارة إلى جميع السلوب وفي الإكرام إشارة إلى جميع الصفات. القول الحادي عشر: الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد لحديث أبي داود والترمذي وابن حبان والحاكم عن بريدة أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحداً، فقال: لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب، وفي لفظ عند أبي داود: لقد سأل الله باسمه الأعظم٣. قال الحافظ ابن حجر: وهو

стр. 418

أرجح من حديث السند من جميع ما ورد في ذلك. القول الثاني عشر: رب رب أخرج عن أبي الدرداء وابن عباس قالا: اسم الله الأكبر رب رب وأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة مرفوعاً وموقوفاً: إذا قال العبد يا رب يا رب قال الله تعالى لبيك عبدي سل تعط. القول الثالث عشر: ولم أر من ذكره مالك الملك، أخرج الطبراني في "الكبير" بسند ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١. القول الرابع عشر: دعوة ذي النون في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدع به مسلم قط إلا استجاب الله له. ذكره النسائي والحاكم عن فضالة بن عبيد رفعه٢. القول الخامس عشر: كلمة التوحيد، نقله عياض. القول السادس عشر: هو الله الذي لا إله إلا هو رب العرش الكريم، نقله الرازي عن زين العابدين. القول السابع عشر: هو مخفي في الأسماء الحسنى وهو الأصوب. القول الثامن عشر: كل اسم إذا دعا العبد به ربه بحيث لا يكون في فكره غير الله، قال جعفر الصادق والجنيد وغيرهما: أخرج

стр. 419

أبو نعيم في الحلية عن أبي يزيد البسطامي أنه سأل رجلاً عن الاسم الأعظم فقال: ليس له حد محدود إنما هو فراغ قلبك بوحدانيته فإذا كنت كذلك فادفع إلى أي اسم شئت فإنك تحصل مقصودك. وأخرج أبو نعيم عن أبي سليمان الداراني قال: سألت بعض المشايخ عن الاسم الأعظم فقال: تعرف قلبك؟ قلت: نعم، قال: الأعظم، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم أطع الله يطعك. القول التاسع عشر: اللهم، قال الحسن البصري: اللهم مجمع الدعاء، وقال النضر بن شميل، من قال اللهم فقد دعا الله بجميع أسمائه. القول العشرون: آلم أخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: آلم اسم الله الأعظم وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: آلم اسم من أسماء الله الأعظم انتهى. الحاصل أن المشروع المرضي المأمور به أن يدعو الله بأسمائه الحسنى كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ . [الأعراف: ١٨٠] . أو تدعوه بالأعمال الصالحة كما سأل الله بأصحاب الغار بأعمالهم الصالحة ففرج الله عنهم. فإن قلت: الأنبياء لهم جاه وإني أسأل الله بجاههم، قلت: بلى لهم جاه كما قال تعالى عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ . [الأحزاب: ٦٩] . وقال عن عيسى: ﴿وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ . [آل عمران: ٤٥] . ولكن جاههم وقربهم عند الله مَنٌّ مِنَ الله عليهم باتباعهم أمر الله واجتنابهم نهيه وذا نفعه لهم خاصة بما عملوا فضلاً من الله ورحمة ولا لنا منفعة من ذلك الجاه والقرب تعود علينا فبأي شيء نتوسل إلى الله به؟ بلى إن توسلت إلى الله بإيمانك بهم

стр. 420

وبما جاؤوا به وبحبك لهم فيكون، لأن ذلك كله من الأعمال الصالحة. قال أبو العباس ابن تيمية: "ولا ريب أن لهم جاها كما قال في موسى ﴿وكان عند الله وجيها﴾ وقال في المسيح ﴿وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين﴾ لكن ما لهم عند الله من المنازل والدرجات ما يعود إلينا نفعه إلا اتباعنا لهم ومحبتنا لهم، فإذا توسلت إلى الله بإيمانك بنبيه غ مثلاً ومحبته وموالاته واتباع سنته فهذا من أعظم الوسائل، وأما التوسل بنفس ذاته مع عدم التوسل بالإيمان به وطاعته فلا يجوز، فالمتوسل بالمخلوق إذا لم يتوسل لا بما من المتوسل به مثل دعائه ولا بما منه مثل الإيمان به وموالاته واتباع سنته إن كان نبياً مرسلاً إليه وإلى قومه فبأي شيء يتوسل؟ والإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة فإما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة عند ذلك مثل أن يقال لأبي الرجل وصديقه أو من يكرم عليه: اشفع لي عند فلان وهو حي وهذا جائز، وإما أن تقسم والإقسام على الله بالمخلوق لا يجوز بل ولا يجوز الإقسام على مخلوق بمخلوق والدعاء بالنبي أو الصالح إما أن يكون إقساماً به، فإنه كان إقساماً به فلا يقسم على الله إلا به، وإن كان تسبباً فهو تسبب بما جعله سبحانه سبباً وهو دعاء الله وعبادته، وإذا قال القائل: أسألك بحق الملائكة أو بحق الأنبياء أو الصالحين. فإن كان يقسم بذلك على مخلوق فهو لا يجوز له فإذا كان لم يجز له أن يحلف به أو يقسم به على مخلوق فكيف يقسم على الخالق به؟ بل إنما يقسم بالله بأسمائه وصفاته كما ذكر عن الرسول ﷺ أنه يقول: "أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا

стр. 421

قيوم" ١، "وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلك ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" ٢. وإن كان لا يقسم به وإنما يتسبب به فليس في مجرد ذواتهم سبب يوجب تحصيل مقصوده لكن لابد من سبب منه كالإيمان بهم أو منهم كدعائهم، فمن قال: أسألك بإيماني بك وبرسولك ونحو ذلك أو بإيماني برسولك ومحبتي له ونحو ذلك فقد أحسن كما قال تعالى في دعاء المؤمنين الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ . [آل عمران: ١٦] . وقال تعالى عن الحواريين: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ . [آل عمران: ٥٣] . وكان ابن مسعود يقول: اللهم أمرتني فأطعتك ودعوتني فأجبتك وهذا سَحَرٌ فاغفر لي، ومن هذا الباب حديث الثلاثة الذين أصابهم المطر فأووا إلى الغار وانطبقت عليهم الصخرة ثم دعوا الله بأعمالهم الصالحة ففرج عنهم. وقد مضت السنة أن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر ما يقدر عليه. وأما المخلوق الغائب والميت فلا يطلب منه شيء، قال الشيخ أبو الحسن القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للمخلوق على الخالق فلا تجوز أعني وفاقاً. وروي في كتاب الحلية لأبي نعيم أن داود ﵇ قال: يا رب بحق آبائي عليك إبراهيم وإسحاق ويعقوب. فأوحى الله إليه يا داود، أي حق لآبائك علي. هذا وإن لم يكن من الأدلة الشرعية فالإسرائيليات يعتضد بها ولا يعتمد عليها، انتهى كلامه رحمه الله تعالى. محصول الحاصل أن المأمور في الدعاء أن تدعو الله بأسمائه الحسنى وأعمالك الصالحة كما مضى.

стр. 422

قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ . [الأعراف: ١٨٠] . يلحدون في أسمائه يشركون ومنه سمي اللات من الإله والعزى من العزيز، وعن الأعمش فيها ما ليس منها انتهى.

стр. 423

متن الباب ٥١ باب: لا يقال: السلام على الله في "الصحيح" عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان، فقال النبي ﷺ : "لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام". فيه مسائل: الأولى: تفسير السلام. الثانية: أنه تحية. الثالثة: أنها لا تصلح لله. الرابعة: العلة في ذلك. الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله.

стр. 424

شرح الباب ٥١ باب ما جاء في بيان أنه لا يقال السلام على الله لأنه تعالى هو السلام ومنه السلام فإذا سلمت على أحد فأنت طالب من الله أن يسلمه الله تعالى من الآفات والشرور ويرحمه ويبارك عليه وهذا المعنى لا يتصور في جانب الله تعالى لأنه هو السلام ومنه السلام لغيره وفي الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة قلنا السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان فقال النبي ﷺ : "لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام" ١. وفي الدعاء المأثور دبر كل صلاة: " اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام" ٢.

стр. 425

متن الباب ٥٢ باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت في "الصحيح" عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له". ولمسلم: "وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه". فيه مسائل: الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء. الثانية: بيان العلة في ذلك. الثالثة: قوله: "ليعزم المسألة". الرابعة: إعظام الرغبة. الخامسة: التعليل لهذا الأمر.
следующие страницы →