← Акыда

Акыда · id 11334

كتاب التوحيد وقرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين

عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ

Полный текст (311 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عن أبي واقد الليثي قال: " خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى حنين ونحن .................................................................................................. كانت لهذيل وخزاعة. واللات بتخفيف التاء في قراءة الجمهور، وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وحميد وأبو صالح ورويس عن يعقوب بتشديد التاء، فعلى الأولى قال الأعمش: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز، وقال ابن كثير: اللات كانت صخرة بيضاء منقوشة، عليها بيت بالطائف له أستار وسدنة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف وهم ثقيف ومن تبعها، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش. قاله ابن هشام١. وعلى الثانية قال ابن عباس: كان رجلا يلت السويق للحاج فمات فعكفوا على قبره، ذكره البخاري٢. "قلت ": ولا منافاة بين ما ذكره البخاري وغيره من عبادتهم الصخرة التي كان يلت السويق عليها باسمه وعبادة قبره لما مات، وأما العزى فقال ابن جرير: كانت صخرة عليها بناء وأستار بنخلة بين مكة والطائف كانت قريش يعظمونها كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم. قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم "٣. ومناسبة هذه الآية للترجمة أن عبادة المشركين للعزى، إنما كان بالتفات القلوب رغبة إليها في حصول ما يرجونه ببركتها من نفع أو دفع ضر، فصارت أوثانا تعبد من دون الله، وذلك من شدة ضلال أهل الشرك وفساد عقولهم كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٤، فصار عبادة القبور وعبادة الشجر والحجر هو شرك المشركين، وقد جرى ذلك وما هو أعظم منه في أواخر هذه الأمة. قوله: "عن أبي واقد " هو صحابي مشهور مات سنة ثمان وستين، وله خمس وثمانون سنة قوله: "خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم " يشير إلى أهل مكة ممن إسلامه قريب إذ ذاك.

стр. 72

حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط. فمررنا بسدرة، قلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " الله أكبر! إنها السنن، .................................................................................................. قوله: "إلى حنين " هو اسم واد بشرقي مكة معروف قاتل فيه صلي الله عليه وسلم هوازن كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً﴾ ١. والوقعة مشهورة عند أهل المغازي والسير وغيرهم، وما جرى فيها من النصر وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم ونسائهم كما في الآية الكريمة: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً﴾ ٢. قوله: "ونحن حدثاء عهد بكفر، يشير إلى أهل مكة الذين أسلموا قريبا، فلذلك خفي عليهم هذا الشرك المذكور في الحديث بخلاف من تقدم إسلامه. قوله: "وللمشركين سدرة يعكفون عندها " عبادة لها وتعظيما وتبركا لما كانوا يعتقدونه فيها من البركة. قوله: "يقال لها ذات أنواط " هو برفع التاء كما لا يخفى. قوله: "ينوطون بها أسلحتهم" أي يعلقونها. قوله: " فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم "٣ أي للمشركين "ذات أنواط " ظنوا أن النبي صلي الله عليه وسلم لو جعل لهم ذلك لجاز اتخاذها لحصول البركة لمن اعتقدها فيها. وأنواط جمع نوط وهو مصدر سمي به المنوط. قوله: "فقال النبي صلي الله عليه وسلم الله أكبر " تعظيما لله تعالى عن أن يجعل له شريك في عبادته التي هي حقه على عباده كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ ٥ وهو الإخلاص، والشرك ينافي ذلك، وتقدم معنى الحنيف وتضمنت هاتان الآيتان وما في معناهما التوحيد الذي دلت عليه "لا إله إلا الله " نفيا وإثباتا كما تقدم بيانه، فمن التفت قلبه إلى غير الله لطلب نفع أو دفع ضر فقد أشرك، والقرآن كله في تقدير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه. قوله: "السنن " بضم السين أي الطرق يشير إلى الطرق التي تخالف دينه الذي شرعه تعالى لعباده.

стр. 73

قلتم- والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ لتركبن سنن من كان قبلكم " رواه الترمذي وصححه١. فيه مسائل: الأولى: تفسير آية النجم. الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا. الثالثة: كونهم لم يفعلوا. الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك لظنهم أنه يحبه. الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل. السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم. ................................................................................................. قوله: "قلتم- والذي نفسي بيده- " حلف على ذلك تأكيدا لهذا الخبر وتعظيما له "كما قالت بنو إسرائيل لموسى": ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ٢ وإن لم يسموها آلهة، أخبر أن التبرك بالأشجار يجعلها آلهة وإن لم يسموها آلهة؛ ولذلك شبه قولهم هذا بقول بني إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ٣، فظهر بهذا الحديث أن التعلق على الأشجار والأحجار وغيرها لطلب البركة بها شرك في العبادة كشرك عباد الأصنام. قوله: "لتركبن سنن من كان قبلكم " أي اليهود والنصارى، وقد وقع كما أخبر به صلي الله عليه وسلم في هذه الأمة فركبوا طريق من كان قبلهم ممن ذكرنا كما هو في الأحاديث الصحيحة كحديث: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " ٤ وهو في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁، وفي رواية: " ومن الناس إلا أولئك؟ " ٥.

стр. 74

السابعة: أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يعذرهم، بل رد عليهم بقوله: " الله أكبر إنها السنن، لتتبعن سنن من كان قبلكم "فغلظ الأمر بهذه الثلاث. الثامنة: الأمر الكبير وهو المقصود: أنه أخبر أن طلبتهم كطلبة بني إسرائيل لما قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً﴾ ١. التاسعة: أنه نفي هذا من معنى " لا إله إلا الله" مع دقته وخفائه على أولئك. العاشرة: أن حلف على الفتيا، وهو لا يحلف إلا لمصلحة. الحادية عشرة: أن الشرك فيه أكبر وأصغر; لأنهم لم يرتدوا بهذا. الثانية عشرة: قولهم: ونحن حدثاء عهد بكفر، فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك. الثالثة عشرة: ذكر التكبير عند التعجب، خلافا لمن كرهه. الرابعة عشرة: سد الذرائع. الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية. السادسة عشرة: الغضب عند التعليم. السابعة عشرة: القاعدة الكلية لقوله: " إنها السنن ". الثامنة عشرة: أن هذا علم من أعلام النبوة؛ لكونه وقع كما أخبر. التاسعة عشرة: أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا. العشرون: أنه مقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، فصار فيه التنبيه على مسائل القبر. أما " من ربك؟ " فواضح، وأما " من نبيك؟ " فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما " ما دينك؟ " فمن قولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً﴾ ٢ إلخ. الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين. الثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة لقولهم: ونحن حدثاء عهد بكفر.

стр. 75

١٠- باب ما جاء في الذبح لغير الله وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ﴾ ١ الآية، وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٢. .................................................................................................. قوله: "باب ما جاء في الذبح لغير الله. وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ﴾ الآية. قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: "يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون له أنه أخلص لله صلاته وذبيحته؛ لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى" انتهى. فالصلوات الخمس هي أعظم فرائض الإسلام بعد الشهادتين. قوله: "صلاتي " يشمل الفرائض والنوافل، والصلوات كلها عبادة. وقد اشتملت على نوعي الدعاء: دعاء المسألة ودعاء العبادة، فما كان فيها من السؤال والطلب فهو دعاء مسألة، وما كان فيها من الحمد والثناء والتسبيح والركوع والسجود وغير ذلك من الأركان والواجبات هو دعاء عبادة، وهذا هو التحقيق في تسميتها صلاة؛ لأنها اشتملت على نوعي الدعاء الذي هو صلاة لغة وشرعا. قرره شيخ الإسلام وابن القيم - رحمهما الله تعالى -. قوله: "ونسكي " قال الثوري عن السدي عن سعيد بن جبير "نسكي" ذبحي، وكذلك قال الضحاك. قوله: "ومحياي ومماتي " أي ما آتيه في حياتي وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح "لله رب العالمين " خالصا لوجهه، "لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " أي من هذه الأمة، وهذا قول أئمة التفسير، والمقصود أن هذه الآية دلت على أن أقوال العبد وأعماله الباطنة والظاهرة لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله كائنا من كان، فمن صرف منها شيئا لغير الله فقد وقع فيما نفاه تعالى من الشرك بقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣ والقرآن كله في تقرير هذا التوحيد في عبادته وبيانه ونفي الشرك والبراءة منه. قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٤ قال شيخ الإسلام: "أمره أن يجمع بين هاتين العبادتين وهما الصلاة والنسك الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن وقوة اليقين وطمأنينة القلب إلى الله وإلى عدته عكس أهل الكبر والنفرة وأهل الغنى عن الله الذين

стр. 76

عن علي ﵁ قال: حدثني رسول الله صلي الله عليه وسلم بأربع كلمات: " لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن .................................................................................................. لا حاجة لهم في صلاتهم إلى ربهم، والذين لا ينحرون له خوفا من الفقر، ولهذا جمع بينهما في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ ١ الآية" اهـ. وقد قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ٢ الآية. قوله: "عن علي ﵁ " وعلي بن أبي طالب هو الإمام أبو الحسن الهاشمي ابن عم النبي صلي الله عليه وسلم، وزوج ابنته فاطمة الزهراء ﵄ كان من أسبق السابقين الأولين، ومن أهل بدر وبيعة الرضوان، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة ورابع الخلفاء الراشدين، ومناقبه مشهورة ﵁ قتله ابن ملجم الخارجي في رمضان سنة أربعين. قال أبو السعادات: أصل اللعن الطرد والإبعاد من الله. قوله: "من ذبح لغير الله " قال شيخ الإسلام: قوله: "وما أهل به لغير الله " ظاهره أنه ما ذبح لغير الله مثل أن يقال هذا ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم، وقال فيه باسم المسيح ونحوه كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله، فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح والزهرة فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك أولى، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله، فعلى هذا لو ذبح لغير الله متقربا إليه يحرم وإن قال فيه بسم الله كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال.. إلخ، ومن ذلك الذبح للجن. قوله: " لعن الله من لعن والديه "يعني أباه وأمه وإن علوا، وفي الصحيح أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه " ٣. قوله: " لعن الله من آوى محدثا "وهو بفتح الهمزة ممدودة أي ضمه إليه وحماه

стр. 77

الله من غير منار الأرض " رواه مسلم١. وعن طارق بن شهاب أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب. قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟! .................................................................................................. وأما "محدثا " فقال أبو السعادات: يروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول. فمعنى الكسر من نصر جانيا وآواه وأجاره من خصمه، وحال بينه وبين أن يقتص منه، والفتح هو الأمر المبتدع نفسه، ويكون معنى الإيواء فيه الرضى به والنصر. فإنه إذا ارتضى بالبدعة وأقر فاعلها ولم ينكر عليه فقد آواه، قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "هذه الكبيرة تختلف مراتبها باختلاف مراتب الحدث في نفسه فكلما كان الحدث في نفسه أكبر كانت الكبيرة أعظم". قوله: " لعن الله من غير منار الأرض "بفتح الميم علامات حدودها وهي التي توضع لتمييز حق الشركاء إذا اقتسموا ما بينهم في الأرض والدور، قال في النهاية: أي معالمها وحدودها "قلت " وذلك بأن يرفع ما جعل علامة على تمييز حقه من حق شريكه فيأخذ من حق شريكه بعضه فهذا ظلم عظيم، وفي الحديث: " من ظلم شبرا من الأرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة "٢ فما أجهل أكثر الخلق حتى وقعوا بجهلهم وظلمهم فيما يضرهم في دنياهم وأخراهم، وذلك لضعف الإيمان بالمعاد والحساب على الأعمال والجنة والنار نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. قوله: "عن طارق بن شهاب " البجلي الأحمسي أبو عبد الله، قال أبو داود: رأى النبي صلي الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئا. قال الحافظ: إذا ثبت أنه لقي النبي صلي الله عليه وسلم فهو صحابي، وإذا ثبت أنه لم يسمع منه فروايته عنه مرسل صحابي وهو مقبول على الراجح، وكانت وفاته على ما جزم به ابن حبان سنة ثلاث وثمانين، قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: قال الإمام

стр. 78

قال: " مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب، قال ليس عندي شيء أقرب، قالوا له: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب، فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله ، فضربوا عنقه فدخل الجنة " ١ رواه أحمد. .................................................................................................. أحمد - رحمه الله تعالى -: حدثنا أبو معاوية الأعمش عن سليمان بن ميسرة عن طارق بن شهاب يرفعه قال: " دخل الجنة رجل في ذباب" الحديث. قوله: "في ذباب " أي من أجله. قوله "قالوا وكيف ذلك يا رسول الله؟ " كأنهم - والله أعلم - تقالوا هذا العمل وتقريب الذباب للصنم، فبين لهم النبي صلي الله عليه وسلم أن من فعل هذا وما هو أعظم منه وجبت له النار. قوله: " مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب، فقال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا له: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا، فخلوا سبيله فدخل النار "؛ لأنه قصد غير الله بقلبه أو انقاد بعمله فوجبت له النار، ففيه معنى حديث مسلم الذي تقدم في باب الخوف من الشرك عن جابر مرفوعا: " من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار " ٢ فإذا كان هذا فيمن قرب للصنم ذبابا فكيف بمن يستسمن الإبل والبقر والغنم ليتقرب بنحرها وذبحها لمن كان يعبده من دون الله من ميت أو غائب أو طاغوت أو مشهد أو شجر أو حجر أو غير ذلك؟ وكان هؤلاء المشركون في أواخر هذه الأمة يعدون ذلك أفضل من الأضحية في وقتها الذي شرعت فيه، وربما اكتفى بعضهم بذلك عن أن يضحي لشدة رغبته وتعظيمه ورجائه لمن كان يعبده من دون الله، وقد عمت البلوى بهذا وما هو أعظم منه. قوله: " وقالوا للآخر: قرب قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله ، فضربوا عنقه فدخل الجنة "ففيه معرفة قدر الشرك في قلوب أهل الإيمان ونفرتهم عنه وصلابتهم في الإخلاص كما في حديث أنس الذي في البخاري وغيره الآتي إن شاء الله

стр. 79

فيه مسائل: الأولى: تفسير ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ ١. الثانية: تفسير ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٢. الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله. الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه أن تلعن والدي الرجل فيلعن والديك. الخامسة: لعن من آوى محدثا، وهو الرجل يحدث شيئا يجب فيه حق لله فيلتجئ إلى من يجيره من ذلك. السادسة: لعن من غير منار الأرض، وهي المراسيم التي تفرق بين حقك من الأرض وحق جارك، فتغيرها بتقديم أو بتأخير. السابعة: الفرق بين لعن المعين، ولعن أهل المعصية على سبيل العموم. الثامنة: هذه القصة العظيمة، وهي قصة الذباب. التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم. العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين، كيف صبر ذلك على القتل، ولم يوافقهم على طلبتهم، مع كونهم لم يطلبوا منه إلا العمل الظاهر. الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم، لأنه لو كان كافرا لم يقل: " دخل النار في ذباب ". تعالى: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان "وفيه " وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار " ٣، وفيه تفاوت الناس في الإيمان؛ لأن هذا الرجل الذي قرب الذباب لم يكن له عمل يستحق به دخول النار قبل ما فعله مع هذا الصنم كما هو ظاهر الحديث، والله أعلم.

стр. 80

الثانية عشرة: فيه شاهد للحديث الصحيح: " الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك "١. الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان.

стр. 81

١١ - باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله وقوله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ ١ الآية. .......................................................................................... قوله: "باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله ". أشار - رحمه الله تعالى - إلى ما كان الناس يفعلونه في نجد وغيرها قبل دعوتهم إلى التوحيد من ذبحهم للجن لطلب الشفاء منهم لمرضاهم، ويتخذون للذبح لهم مكانا مخصوصا في دورهم، فنفى الله سبحانه الشرك بهذه الدعوة الإسلامية، فلله الحمد على زوال الشرك والبدع والفساد بطلعة الداعي إلى توحيد رب العالمين. قوله: "وقول الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ الآية" أي مسجد الضرار المذكور في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ ٢ وهو مسجد قباء، فقد أسس على التقوى من أول يوم قدم فيه صلي الله عليه وسلم المدينة مهاجرا، وكان أهل مسجد الضرار قد بنوه قبل خروج النبي صلي الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك، فأتوه فسألوه أن يصلي فيه وذكروا له أنهم بنوه للضعفاء

стр. 82

عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: " نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة، فسأل النبي صلي الله عليه وسلم فقال: " هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا. قال: " فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قالوا: لا. فقال ......................................................................................... وأهل العلة في الليلة الشاتية فقال: "إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله"، فلما قفل ﵇ راجعا إلى المدينة ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعضه نزل الوحي بخبر المسجد، فبعث إليه وهدمه قبل قدومه إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه، وأنزل الله فيه هذه الآيات. ووجه مطابقة الآية للترجمة أن هذا المسجد لما أسس على معصية الله والكفر به صار محل غضب، فنهى الله نبيه صلي الله عليه وسلم أن يقوم فيه لوجود العلة المانعة، وخرج مخرج الخصوص والنهي عام، وما كان مثله من الأمكنة فإنه يعطى حكمه؛ لأن المعصية صيرته محلا خبيثا وأثرت فيه بالنهي عن العبادة فيه، ويقابل ذلك المساجد وهي أشرف بقاع الأرض، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ. رِجَالٌ﴾ ١ الآية. فما أحسن هذا القياس، ويأتي تقريره في الحديث في الباب إن شاء الله تعالى. قوله: "عن ثابت بن الضحاك " أي ابن خليفة الأشهلي صحابي مشهور روى عنه أبو قلابة وغيره مات سنة أربع وستين. قوله: "ببوانة " بضم الباء وقيل بفتحها. قال البغوي: موضع في أسفل مكة دون يلملم. قال أبو السعادات: هضبة من وراء ينبع. قوله: " فهل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " فيه المنع من الوفاء بالنذر إذا كان في المكان وثن ولو بعد زواله قاله المصنف - رحمه الله تعالى - وهو شاهد الترجمة. قوله: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قال شيخ الإسلام: "العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر ونحوه، والمراد به هنا الاجتماع المعتاد من اجتماع أهل الجاهلية، فالعيد يجمع أمورا: "منها " يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة. ومنها اجتماع فيه، ومنها أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات، وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقا، وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدا، في الزمان كقول النبي صلي الله عليه وسلم في يوم الجمعة: " إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيدا "٢، وللاجتماع والأعمال كقول

стр. 83

رسول الله صلي الله عليه وسلم: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما يملك ابن آدم "١ رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما- ............................................................................................... ابن عباس:﵁ شهدت العيد مع رسول الله صلي الله عليه وسلم٢ والمكان كقول النبي صلي الله عليه وسلم " لا تتخذوا قبري عيدا "٣، وقد يكون لفظ العيد اسما لمجموع اليوم والعمل فيه وهو الغالب كقول النبي صلي الله عليه وسلم " دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا "٤" انتهى. وقد أحدث هؤلاء المشركون أعيادا عند القبور التي تعبد من دون الله ويسمونها عيدا، كمولد البدوي بمصر وغيره، بل هي أعظم لما يوجد فيها من الشرك والمعاصي العظيمة، قال المصنف - رحمه الله تعالى -: وفيه استفصال المفتي والمنع من الوفاء بالنذر بمكان عيد الجاهلية ولو بعد زواله. "قلت" وفيه المنع من اتخاذ آثار المشركين محلا للعبادة؛ لكونها صارت محلا لما حرم الله من الشرك والمعاصي، والحديث وإن كان في النذر فيشمل كل ما كان عبادة لله،

стр. 84

فيه مسائل: الأولى: تفسير قوله: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ ١ الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة. الثالثة: رد المسلة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال. الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك. الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع. السادسة: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية ولو بعد زواله. السابعة: المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم ولو بعد زواله. الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة؛ لأنه نذر معصية. التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده. فلا تفعل في هذه الأماكن الخبيثة التي اتخذت محلا لما يسخط الله تعالى، فبهذا الحديث شاهد للترجمة، والمصنف - رحمه الله تعالى - لم يرد التخصيص بالذبح، وإنما ذكر الذبح كالمثال، وقد استشكل جعل محل اللات بالطائف مسجدا، والجواب- والله أعلم- أنه لو ترك هذا المحل في هذه البلدة لكان يخشى أن تفتتن به قلوب الجهال فيرجع إلى جعله وثنا كما كان يفعل فيه أولا، فجعله مسجدا والحالة هذه ينسى ما كان يفعل فيه، ويذهب به أثر الشرك بالكلية، فاختصر هذا المحل لهذه العلة وهي قوة المعارض والله أعلم. قوله: "فأوف بنذرك " وذلك لعدم المانع. قوله: " فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله "فالحديث دل على أن اتخاذ أماكن الشرك والمعاصي لا يجوز أن يعبد الله فيها، ونذر ذلك معصية لا يجوز الوفاء به. قوله: "ولا فيما لا يملك ابن آدم". قال في شرح المصابيح: يعني إذا أضاف النذر إلى معين لا يملكه، بأن قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق عبد فلان ونحو ذلك، فأما إذا التزم في الذمة بأن قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق رقبة، وهو في تلك الحال لا يملكها ولا قيمتها، فإذا شفى الله مريضه ثبت ذلك في ذمته. قوله: "رواه أبو داود وإسناده على شرطهما " أي البخاري ومسلم. وأبو داود اسمه سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد الأزدي السجستاني صاحب الإمام أحمد بن حنبل، ومصنف السنن والمراسيل وغيرها، ثقة إمام حافظ من كبار العلماء، مات سنة خمس وسبعين ومائتين - رحمه الله تعالى -.

стр. 85

العاشرة: لا نذر في معصية. الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك.

стр. 86

١٢- باب من الشرك النذر لغير الله وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ١ وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ٢ .................................................................................................. "باب من الشرك النذر لغير الله " "وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ الآية ". قال العماد ابن كثير - رحمه الله تعالى -: "أي يتعبدون لله تعالى فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة بأصل الشرع وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر". قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ قال ابن كثير: "يخبر الله تعالى بأنه عالم بجميع ما يعمله العاملون من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاتهم على ذلك أوفر الجزاء للعاملين به ابتغاء وجهه". قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: "وأما النذر لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك فهو شرك، وقال فيمن نذر للقبور ونحوها دهنا لتنور به ويقول: إنها تقبل النذر كما يقوله بعض المشركين، فهذا النذر معصية باتفاق المسلمين لا يجوز الوفاء به، وكذلك إذا نذر مالا للسدنة أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة؛ فإن فيهم شبها من السدنة التي كانت عند العزى ومناة يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله، والمجاورون هناك فيهم شبه من الذين قال فيهم الخليل ﵇: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ ٣، فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين في هذه البقاع نذر معصية وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها، انتهى. وذلك لأن الناذر لله وحده علق رغبته به وحده لعلمه بأنه تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، فتوحيد القصد هو توحيد العبادة، ولهذا ترتب عليه وجوب الوفاء فيما نذره طاعة لله، والعبادة إذا صرفت لغير الله صار ذلك شركا بالله؛ لالتفاته إلى غيره تعالى فيما يرغب فيه أو يرهب فقد جعله شريكا لله

стр. 87

في العبادة، فيكون قد أثبت ما نفته "لا إله إلا الله " من إلهية غير الله ولم يثبت ما أثبتته من الإخلاص، وكل هذه الأبواب التي ذكرها المصنف - رحمه الله تعالى - تدل على أن من أشرك مع الله غيره بالقصد والطلب فقد خالف ما نفته "لا إله إلا الله "، فعكس مدلولها فأثبت ما نفته ونفي ما أثبتته من التوحيد، وهذا معنى قول شيخنا: وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب. فكل شرك وقع أو قد يقع فهو ينافي كلمة الإخلاص وما تضمنته من التوحيد. قال الرافعي في شرح المنهاج: "وأما النذر للمشاهد التي على قبر ولي أو شيخ أو على اسم من حلها من الأولياء، أو تردد في تلك البقعة أو المشهد أو الزاوية، أو تعظيم من دفن بها أو نسبت إليه أو بنيت على اسمه، فهذا النذر باطل غير منعقد؛ فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات، ويرون أنها مما يدفع به البلاء، ويستجلب به النعماء، ويستشفى بالنذر لهما من الأدواء، حتى إنهم لينذرون لبعض الأحجار لما قيل لهم: إنه استند إليها عبد صالح، وينذرون لبعض القبور السرج والشمع والزيت ويقولون: القبر الفلاني أو المكان الفلاني يقبل النذر، يعنون بذلك أنه يحصل به الغرض المأمول من شفاء مريض أو قدوم غائب وسلامة مال وغير ذلك من أنواع نذر المجازاة، فهذا النذر على هذا الوجه باطل لا شك فيه بل نذر الزيت والشمع ونحوهما للقبور باطل مطلقا، ومن ذلك نذر الشموع الكثيرة العظيمة وغيرها لقبر إبراهيم الخليل ﵇، ولقبر غيره من الأنبياء والأولياء؛ فإن الناذر لا يقصد بذلك إلا الإيقاد على القبر تبركا وتعظيما ظانا أن ذلك قربة فهذا مما لا ريب في بطلانه، والإيقاد المذكور محرم سواء انتفع به منتفع أم لا". وقال الشيخ قاسم الحنفي في شرح درر البحار: "النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد كأن يكون لإنسان غائب أو مريض أو له حاجة فيأتي إلى بعض الصلحاء ويجعل على رأسه سترة، ويقول: يا سيدي فلان إن رد الله غائبي أو قضيت حاجتي فلك من الذهب كذا أو من الفضة كذا أو من الطعام كذا أو من الماء كذا أو من الشمع والزيت كذا، فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه: "منها " أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة والعبادة لا تكون لمخلوق. ومنها أن المنذور له ميت، والميت لا يملك شيئا، ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى واعتقاد ذلك كفر- إلى أن قال: إذا علمت هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ينتقل إلى ضرائح الأولياء تقربا إليهم فحرام بإجماع المسلمين"، نقله عنه ابن نجيم في البحر الرائق، ونقله المرشدي في تذكرته وغيرهما عنه، وزاد: "وقد ابتلي الناس بهذا لا سيما في مولد البدوي"، وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي ﵀ في الرد على من أجاز الذبح والنذر للأولياء: "فهذا الذبح والنذر إن كان

стр. 88

وفي " الصحيح " عن عائشة ﵂ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " ١. .................................................................................................. على اسم فلان فهو لغير الله تعالى فيكون باطلا، وفي التنزيل ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٢ ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣ والنذر لغير الله إشراك مع الله كالذبح لغيره. انتهى. قوله: "وفي الصحيح " أي صحيح البخاري. قوله: "عن عائشة " هي أم المؤمنين زوج النبي صلي الله عليه وسلم وابنة الصديق ﵁، وأعلم النساء بحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم، تزوجها النبي صلي الله عليه وسلم وهي بنت سبع ودخل بها وهي ابنة تسع، وأفضل أزواج النبي صلي الله عليه وسلم إلا خديجة ففيها خلاف، بل لا يقال خديجة أفضل ولا عائشة أفضل، والتحقيق أن لخديجة من الفضائل في بدء الوحي ما ليس لعائشة من سبقها إلى الإيمان بالنبي صلي الله عليه وسلم، وتأييده في تلك الحال التي بدئ بالوحي فيها كما في صحيح البخاري٤ وغيره ما زالت كذلك حتى توفيت ﵂ قبل الهجرة، ولعائشة من العلم بالأحاديث والأحكام ما ليس لخديجة لعلمها بأحوال النبي صلي الله عليه وسلم ونزول القرآن وبيان الحلال والحرام، وكان الصحابة ﵁، بعد وفاته صلي الله عليه وسلم يرجعون إليها فيما أشكل عليهم من أحوال النبي صلي الله عليه وسلم وحديثه، صلوات الله وسلامه عليه، ورضي عن أصحابه وأزواجه، توفيت سنة سبع وخمسين ﵂. قوله: " من نذر أن يطيع الله فليطعه "؛ لأنه نذره لله خالصا فوجب عليه الوفاء به فصار عبادة، وقد أجمع العلماء على أن من نذر طاعة لشرط يرجوه كإن شفى الله مريضي فعلي أن أتصدق بكذا ونحو ذلك، وجب عليه إن حصل له ما علق نذره على حصوله، إلا أن أبا حنيفة قال: لا يلزمه الوفاء إلا بما جنسه واجب بأصل الشرع كالصوم وأما ما ليس كذلك فلا يوجب عليه الوفاء به.

стр. 89

فيه مسائل: الأولى: وجوب الوفاء بالنذر الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله فصرفه إلى غيره شرك. الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.

стр. 90

١٣- باب من الشرك الاستعاذة بغير الله وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ١. .................................................................................................. قوله: " ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه "٢ زاد الطحاوي " وليكفر عن يمينه "، وقد أجمع العلماء أنه لا يجوز الوفاء بنذر المعصية، واختلفوا هل تجب فيه كفارة يمين؟ على قولين هما روايتان عن أحمد "أحدهما" تجب وهو المذهب، وروي عن ابن مسعود وابن عباس، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. قوله: "باب من الشرك الاستعاذة بغير الله "، الاستعاذة الالتجاء والاعتصام، فالعائذ قد هرب إلى ربه والتجأ إليه مما يخافه عموما وخصوصا، قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "وما يقوم بالقلب من الالتجاء والاعتصام به والانطراح بين يدي الرب والافتقار إليه والتذلل له أمر لا تحيط به العبارة"، انتهى. وقد أمر الله عباده في كتابه بالاستعاذة به في مواضع كقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣ وقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ٤ وفي المعوذتين وغير ذلك، فهو عبادة لا يجوز أن تصرف لغير الله كغيرها من أنواع العبادة. قوله: وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ٥ قال أبو جعفر بن جرير - رحمه الله تعالى - في تفسيره هذه الآية: عن ابن عباس ﵄ قال: كان رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم لذلك إثما، وقال بعضهم: فزاد الإنس الجن باستعاذتهم

стр. 91

وعن خولة بنت حكيم ﵂ قالت: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم .................................................................................................. بالجن باستعاذتهم بعزيزهم جرأة عليهم وازدادوا هم بذلك إثما، وقال مجاهد: فازداد الكفار طغيانا، وقال ابن زيد: وزادهم الجن خوفا، وقد أجمع العلماء على أنه لا تجوز الاستعاذة بغير الله. وقال ملا علي قاري الحنفي ﵀: "لا تجوز الاستعاذة بالجن فقد ذم الله الكافرين على ذلك وذكر الآية وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ ١ الآية. فاستمتاع الإنسي بالجني في قضاء حوائجه وامتثال أوامره وإخباره بشيء من المغيبات، واستمتاع الجني بالإنسي تعظيمه إياه واستعاذته به وخضوعه له" انتهى ملخصا، قال المصنف - رحمه الله تعالى -: "وفيه أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شر أو جلب نفع لا يدل على أنه ليس من الشرك". "خولة بنت حكيم " بن أمية السلمية يقال لها أم شريك، ويقال: إنها هي الواهبة، وكانت قبل تحت عثمان بن مظعون، قال ابن عبد البر: "وكانت صالحة فاضلة". قوله: " أعوذ بكلمات الله التامات "شرع الله لأهل الإسلام أن يستعيذوا به لا كما يفعل أهل الجاهلية من الاستعاذة بالجن، فشرع الله تعالى للمسلمين أن يستعيذوا بأسمائه وصفاته. قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: قيل معناه الكاملات التي لا يلحقها نقص ولا عيب كما يلحق كلام البشر، وقيل معناه الكافية الشافية، قيل: الكلمات هنا هي القرآن، فإن الله أخبر عنه أنه هدى وشفاء، وهذا الأمر على جهة الإرشاد إلى ما يدفع به الأذى، وعلى هذا فحق المستعيذ بالله تعالى وبأسمائه وصفاته أن يصدق الله في التجائه إليه ويتوكل في ذلك عليه ويحضر ذلك في قلبه، فمن فعل ذلك وصل إلى منتهى طلبه ومغفرة ذنبه، قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: وقد نص الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا يجوز الاستعاذة بمخلوق، وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله ليس بمخلوق، قالوا: لأنه ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه استعاذ بكلمات الله وأمر بذلك، ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والتعاويذ التي لا يعرف معناها خشية أن يكون فيها شرك، قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: ومن ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به وتقرب إليه بما يحب فقد عبده إن لم يسم ذلك عبادة، ويسميه

стр. 92

يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك "١ رواه مسلم. فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الجن. الثانية: كونه من الشرك. الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث؛ لأن العلماء استدلوا به على أن كلمات الله غير مخلوقة، قالوا: لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك. الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره. الخامسة: أن كون الشيء يحصل به مصلحة دنيوية من كف شر، أو جلب نفع لا يدل على أنه ليس من الشرك. .................................................................................................. استخداما وصدق، هو استخدام من الشيطان له فيصير من خدم الشيطان وعابديه، ولذلك يخدمه الشيطان، لكن خدمة الشيطان له ليست خدمة عبادة، فإن الشيطان لا يخضع له ولا يعبده كما يفعل هو به. قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ٢ قال ابن القيم: من شر كل ذي شر، في أي مخلوق قام به الشر من حيوان أو غيره إنسيا أو جنيا أو هامة أو دابة أو ريحا أو صاعقة، أي نوع كان من أنواع البلاء في الدنيا والآخرة، و"ما" هاهنا موصولة ليس إلا، وليس المراد بها العموم الإطلاقي بل المراد التقييدي الوصفي، والمعنى من شر كل مخلوق فيه شر لا من شر كل ما

стр. 93

١٤- باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره وقول الله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ .................................................................................................. خلقه الله، فإن الجنة والأنبياء والملائكة ليس فيهم شر، والشر يقال على شيئين: على الألم وعلى ما يفضي إليه١. قوله: "باب من الشرك أن يستغيث بغير الله تعالى أو يدعو غيره " قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: "الاستغاثة هي طلب الغوث وهو إزالة الشدة كالاستنصار طلب النصر، والاستعانة طلب العون".اهـ. "قلت " فبين الاستغاثة والدعاء عموم وخصوص مطلق يجتمعان في مادة وهو دعاء المستغيث، وينفرد الدعاء الذي هو مطلق الطلب أو السؤال من غير المستغيث، وقد نهى تعالى عن دعاء غيره الأخص والأعم في كتابه، كما يأتي بيانه، فكل ما قصد به غير الله مما لا يقدر عليه إلا الله كدعوة الأموات والغائبين فهو من الشرك الذي لا يغفره الله، والأدلة على ذلك من القرآن والسنة أكثر من أن تحصر. وقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢ ففي هذه الآية النهي عن أن يدعى أحد من دونه تعالى، وأخبر تعالى أن غيره لا يضر ولا ينفع. قوله: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣ والظلم في هذه الآية هو الشرك كما قال تعالى عن لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٤ وقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ

стр. 94

فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ. وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ ١ الآية ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٣ الآيتان، وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ٤. .................................................................................................. بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ﴾ هذا في حق المستغيث، أخبر الله تعالى أنه هو الذي يتفضل على من سأله ولا يقدر أحد أن يمنعه شيئا من فضل الله عليه فهو المعطي والمانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وفي هذا المعنى ما في حديث ابن عباس. وفيه: " واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك "٥ فمن تدبر هذه الآية وما في معناها علم أن ما وقع فيه الأكثر من دعوة غير الله هو الظلم العظيم، والشرك الذي لا يغفر، وأنهم قد أثبتوا ما نفته لا إله إلا الله من الشرك في الإلهية، ونفوا ما أثبتته من الإخلاص كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ٦ والدين هو طاعة الله فيما أمر به وشرعه ونهى عنه وحرمه، وأعظم ما أمر به التوحيد والإخلاص، وأن لا يقصد العبد بشيء من عمله سوى الله تعالى الذي خلقه لعبادته، وأرسل بذلك رسله، وأنزل به كتبه ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٧، وأعظم ما نهى عنه الشرك به في ربوبيته وإلهيته. قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٨. فهذه الآية تبين وتوضح ما تقرر في الآية قبلها، فأخبر تعالى أنه لا أضل ممن يدعو أحدا من دونه كائنا من كان، وأخبر أن المدعو لا يستجيب لما طلب منه من ميت أو غائب أو ممن لا يقدر على الاستجابة مطلقا من طاغوت ووثن، فليس لمن دعا غير الله إلا الخيبة والخسران، ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ٩ كما قال في آية يونس: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ ١٠ إلى قوله: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ ١١. ثم قال: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ١٢ فلا يحصل للمشرك يوم القيامة إلا نقيض قصده، فيتبرأ منه ومن عبادته، وينكر ذلك عليه أشد الإنكار، وقد صار المدعو

стр. 95

وروى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي صلي الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلي الله عليه وسلم من هذا المنافق. فقال النبي صلي الله عليه وسلم: " إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله " ١. .................................................................................................. للداعي عدوا، ثم أخبر تعالى أن ذلك الدعاء عبادة بقوله: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٢ فدلت أيضا على أن دعاء غير الله عبادة له، وأن الداعي له في غاية الضلال، وقد وقع من هذا الشرك في هذه الأمة ما طم وعم حتى أظهر الله من يبينه بعد أن كان مجهولا عند الخاصة والعامة إلا من شاء الله تعالى، وهو في الكتاب والسنة في غاية البيان. لكن القلوب انصرفت إلى ما زين لها الشيطان كما جرى للأمم مع الأنبياء والمرسلين لما دعوهم إلى توحيد الله، جرى لهم من شدة العداوة ما ذكره الله تعالى كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ٣ ويشبه هذه الآية في المعنى ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٤ أخبر الله تعالى أن ذلك الدعاء شرك بالله وأنه لا يغفره لمن لقيه به، فتدبر هذه الآيات وما في معناها كقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٥ ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ ٦ وهو في القرآن أكثر من أن يستقصى. قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ٧، وهذا مما أقر به مشركو العرب وغيرهم في جاهليتهم كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٨ أخبر تعالى أنهم يخلصون الدعاء له إذا وقعوا في شدة. قال أبو جعفر بن جرير - رحمه الله تعالى -: يقول تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ٩ يفعل هذه الأشياء بكم وينعم عليكم؟ وقوله: ﴿قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول تذكرا قليلا من عظمة الله وأياديه عندكم تذكرون وتعتبرون حجح الله عليكم يسيرا فلذلك أشركتم بالله غيره في عبادته.

стр. 96

فيه مسائل: الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص. الثانية: تفسير قوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ ١. الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر. الرابعة: أن أصلح الناس لو يفعله إرضاء لغيره صار من الظالمين. الخامسة: تفسير الآية التي بعدها. السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرا. السابعة: تفسير الآية الثالثة. الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تطلب إلا منه. التاسعة: تفسير الآية الرابعة. "وروى الطبراني " هو الإمام الحافظ سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة وغيرها، روى عن النسائي وإسحاق بن إبراهيم الديري وخلق كثير، مات سنة ستين وثلاثمائة روى هذا الحديث عن عبادة بن الصامت ﵁. قوله: "فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلي الله عليه وسلم من هذا المنافق " الحديث، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: إن النبي صلي الله عليه وسلم كان يقدر أن يغيثهم منه "قلت ": فلعله أراد أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يقدر أن يترك المنافقين يفعل بهم ما يستحقونه ولكنه لم يفعل مخافة أن يفتتن بعض المؤمنين من قبيلة المنافق، وفي السنة ما يدل على ذلك كما فعل مع ابن أبي وغيره. وقيل: إن النبي صلي الله عليه وسلم كان يقدر أن يغيثهم من ذلك المنافق فيكون نهيه صلي الله عليه وسلم عن الاستغاثة به حماية لجناب التوحيد، وسدا لذرائع الشرك كنظائره مما للمستغاث به قدرة عليه مما كان يستعمل لغة وشرعا مخافة أن يقع من أمته الاستغاثة بمن لا يضر ولا ينفع، ولا يسمع ولا يستجيب من الأموات والغائبين والطواغيت والشياطين والأصنام وغير ذلك، وقد وقع من هذا الشرك العظيم ما عمت به البلوى كما تقدم ذكره حتى إنهم أشركوهم مع الله في ربوبيته وتدبير أمر خلقه، كما أشركوهم معه في إلهيته وعبوديته، والوسائل لها حكم الغايات في النهي عنها والله أعلم.

стр. 97

العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله. الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه. الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له. الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو. الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة. الخامسة عشرة: أن هذه الأمور سبب كونه أضل الناس. السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة " من سورة الأحقاف". السابعة عشرة: الأمر العجيب وهو إقرار عبدة الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله، ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين له الدين. الثامنة عشرة: حماية المصطفى صلي الله عليه وسلم حمى التوحيد والتأدب مع الله .

стр. 98

١٥- باب "في التوحيد وغربة الدين " قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ. وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً﴾ ١ الآية. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ٢ الآية. .................................................................................................. قوله: باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ. وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ٣. وهذا مما احتج به تعالى على المشركين لما وقع منهم من اتخاذ الشفعاء والشركاء في العبادة؛ لأنهم مخلوقون فلا يصلح أن يكونوا هم شركاء لمن هم خلقه وعبيده، وأخبر أنهم مع ذلك لا يستطيعون لهم نصرا أي لمن سألهم النصرة "ولا أنفسهم ينصرون"، فإذا كان المدعو لا يقدر أن ينصر نفسه فلأن لا ينصر غيره من باب الأولى، فبطل تعلق المشرك بغير الله بهذين الدليلين العظيمين، وهو كونهم عبيدا لمن خلقهم لعبادته والعبد لا يكون معبودا، "الدليل الثاني " أنه لا قدرة لهم على نفع أنفسهم فكيف يرجى منهم أن ينفعوا غيرهم، فتدبر هذه الآية وأمثالها في القرآن العظيم، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ

стр. 99

وفي " الصحيح " عن أنس قال: " شج النبي صلي الله عليه وسلم يوم أحد وكسرت .................................................................................................. وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ ١إلى قوله- ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٢ ابتدأ تعالى هذه الآيات بقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ ٣ يخبر الخبير أن الملك له وحده والملوك وجميع الخلق تحت تصرفه وتدبيره، ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ٤ فإن من كانت هذه صفته فلا يجوز أن يرغب في طلب نفع أو دفع ضر إلى أحد سوى الله تعالى وتقدس، بل يجب إخلاص الدعاء له الذي هو من أعظم أنواع العبادة، وأخبر تعالى أن ما يدعوه أهل الشرك لا يملك شيئا وأنهم لا يسمعون دعاء من دعاهم، ولو فرض أنهم يسمعون فلا يستجيبون لداعيهم، وأنهم يوم القيامة يكفرون بشركهم أي ينكرونه ويتبرءون ممن فعله معهم، فهذا الذي أخبر به الخبير ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ ٥ وأخبر أن ذلك الدعاء شرك به وأنه لا يغفره لمن لقيه به، فأهل الشرك ما صدقوا الخبير ولا أطاعوه فيما حكم به وشرع، بل قالوا: إن الميت يسمع، ومع سماعه ينفع، فتركوا الإسلام والإيمان رأسا كما ترى عليه الأكثرين من جهلة هذه الأمة. قوله في الصحيح عن أنس قال: " شج النبي صلي الله عليه وسلم يوم أحد وكسرت رباعيته فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ "٦ فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٧ الآية وفيه عن ابن عمر ﵁ أنه " سمع رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد "فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٨ الآية. وفي رواية: " يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام "فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وأسلم هؤلاء وحسن إسلامهم. قوله: "في الصحيح " أي الصحيحين علقه البخاري عن حميد عن ثابت عن أنس، ووصله أحمد والترمذي والشافعي عن حميد عن أنس، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ٩، وقال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١٠. والآيات في هذا المعنى كثيرة، والمقصود أن الذي له الأمر كله والملك كله لا يستحق غيره شيئا من العبادة، ولهذا المعنى قال لنبيه صلي الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١١، فالذي ليس له من الأمر شيء هو وخيرة الله من خلقه ما زال يدعو الناس أن يخلصوا العبادة للذي له الأمر كله وهو الله تعالى، فهذا دينه صلي الله عليه وسلم الذي بعث به وأمر أن يبلغه أمته ويدعوهم إليه، كما تقدم في باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإياك أن تتبع سبيلا غير سبيل المؤمنين الذي شرعه الله ورسوله لهم وخصهم به.

стр. 100

رباعيته، فقال: " كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ "١ فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٢ ٣. و"فيه" عن ابن عمر ﵄ أنه " سمع رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: " اللهم العن فلانا وفلانا" بعدما يقول: " سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد " "٤ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ . وفي رواية: " يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٥ و"فيه" عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله صلي الله عليه وسلم حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ٦ قال: " يا معشر قريش- أو .................................................................................................. قوله: "وفيه عن أبي هريرة " أي في صحيح البخاري، واختلف في اسم أبي هريرة وصححه النووي أن اسمه عبد الرحمن بن صخر، وهو دوسي من حفاظ الصحابة، حفظ من الحديث ما لم يحفظه غيره، كما في صحيح البخاري عن وهب بن منبه عن أخيه: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: " ما من أحد من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب "٧ مات سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة. وهذا الحديث له طرق كثيرة في الصحيحين والمسند والسنن وغيرها. قوله "يا معشر قريش" أو كلمة نحوها "اشتروا أنفسكم "،

стр. 101

كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله صلي الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا " ١. .................................................................................................. أي بالإيمان بالله ورسوله واتباعه فيما جاءكم به، مما أنزل عليه من توحيد الله تعالى في العبادة، وترك ما كنتم تعبدونه من دونه من الأوثان والأصنام، فإنهم بعد ذلك الشرك صاروا عبيدا لمن لا يضر ولا ينفع، ولا يستجيب ولا يسمع إلا هو، وهم قد عرفوا أن ما كانوا يفعلونه من عبادة غير الله شرك بالله، فإنهم كانوا يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك". فسبحان الله كيف جاز في عقولهم أن المملوك يكون شريكا لمالكه، وقد قال تعالى:. ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ قوله: "لا أغني عنكم من الله شيئا" هذا هو معنى ما تقدم من أنه تعالى هو المتصرف في خلقه بما شاء مما اقتضته حكمته في خلقه وعلمه بهم، والعبد لا يعلم إلا ما علمه الله، ولا ينجو أحد من عذابه وعقابه إلا بإخلاص العبادة له وحده والبراءة من عبادة ما سواه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٢، والنبي صلي الله عليه وسلم في هذا الحديث أنذر الأقربين نذارة خاصة، وأخبر أنه لا يغني عنهم من الله شيئا، وبلغهم وأعذر إليهم، فأنذر قريشا ببطونها وقبائل العرب في مواسمها، وأنذر عمه وعمته وابنته وهم أقرب الناس إليه، وأخبر أنه لا يغني عنهم من الله شيئا، إذا لم يؤمنوا به ويقبلوا ما جاء به من التوحيد وترك الشرك به.

стр. 102

فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيتين. الثانية: قصة أحد. الثالثة: قنوت سيد المرسلين وخلفه سادات الأولياء يؤمنون في الصلاة. الرابعة: أن المدعو عليهم كفار. الخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار. منها: شجهم نبيهم وحرصهم على قتله، ومنها التمثيل بالقتلى مع أنهم بنو عمهم. السادسة: أنزل الله عليه في ذلك ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ١ السابعة: قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ٢ فتاب عليهم فآمنوا. الثامنة: القنوت في النوازل. التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم. العاشرة: لعنة المعين في القنوت. .................................................................................................. قوله: "سليني من مالي ما شئت " لأن هذا هو الذي يقدر عليه صلي الله عليه وسلم وما كان أمره إلى الله سبحانه فلا قدرة لأحد عليه كما في هذا الحديث. ولما مات أبو طالب وكان يحوط رسول الله صلي الله عليه وسلم ويحميه ولم ينكر ملة عبد المطلب من الشرك بالله. وقال صلي الله عليه وسلم: " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك "٣، فأنزل الله تعالى: ﴿ما كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ٤، فأخبر أن أبا طالب من أصحاب النار لما مات على غير شهادة أن لا إله إلا الله فلم ينفعه حمايته النبي صلي الله عليه وسلم من أن يكون من المشركين ولا الاعتراف بأن النبي صلي الله عليه وسلم على الحق بدون البراءة من الشرك؛ لأنه لم يبرأ من ملة أبيه، فكل تعلق على غير الله من طلب لشفاعة أو غيرها شرك بالله يكون عليه وبالا في الدنيا والآخرة، والشفاعة لا تكون إلا لأهل الإخلاص خاصة كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ٥ والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكذلك الأحاديث.، والله أعلم، وسيأتي في باب الشفاعة إن شاء الله تعالى.

стр. 103

الحادية عشرة: قصته صلي الله عليه وسلم لما أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ١. الثانية عشرة: جده صلي الله عليه وسلم في هذا الأمر، بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن. الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: " لا أغني عنك من الله شيئا حتى قال: " يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا " ٢ فإذا صرح صلي الله عليه وسلم وهو سيد المرسلين أنه لا يغني عن سيدة نساء العالمين، وأمن الإنسان أنه لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس الآن، تبين له التوحيد وغربة الدين.

стр. 104

١٦- باب "في بيان الحجة علي إبطال الشرك " قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١ .................................................................................................. قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي زال عنها الفزع قاله ابن عباس وغيره. ذكر تعالى هذه الآية في سياق قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ ٢. وقال ابن جرير: قال بعضهم: الذين فزع عن قلوبهم الملائكة قالوا: وإنما فزع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماع كلام الله بالوحي. قال ابن كثير: وهو الحق الذي لا مرية فيه لصحة الأحاديث فيه والآثار، وقال أبو حيان تظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ إنما هي في الملائكة إذا سمعت الوحي إلى جبريل، وأمر الله تعالى به سمعت كجر السلسلة الحديد على الصفوان فتفزع عند ذلك تعظيما وهيبة قال: وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآيات تتسق هذه الآية على الأولى، ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله: ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ لم تتصل هذه الآية بما قبلها. وهذه الآيات تقطع عروق الشرك بأمور أربعة: "الأول " أنهم لا يملكون مثقال ذرة مع الله، والذي لا يملك مثقال ذرة في السماوات والأرض لا ينفع ولا يضر، فهو تعالى هو الذي يملكهم ويدبرهم ويتصرف فيهم

стр. 105

وفي " الصحيح "١. عن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه .................................................................................................. وحده. "الثاني " قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ ٢ أي في السماوات والأرض أي وما لهم شرك مثقال ذرة من السماوات والأرض. "الثالث " قوله: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ٣، والظهير المعين فليس لله معين من خلقه، بل هو الذي يعينهم على ما ينفعهم لكمال غناه عنهم، وضرورتهم إلى ربهم فيما قل وكثر من أمور دنياهم وأخراهم. "الرابع " قوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٤ فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه. وأخبر تعالى أن من اتخذ شفيعا من دونه حرم شفاعة الشفعاء، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٥؛ لأن اتخاذ الشفعاء شرك لقوله تعالى في حقهم ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٦، والمشرك منفية عنه الشفاعة في حقه كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٧، وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ٨ وذلك أن متخذ الشفيع لا بد أن يرغب إليه ويدعوه ويرجوه ويخافه ويحبه لما يؤمله منه، وهذه من أنواع العبادة التي لا يصرف منها شيء لغير الله، وذلك هو الشرك الذي ينافي الإخلاص. قوله: "في الصحيح " أي صحيح البخاري، ففي هذا الحديث أن من عرف الله تعالى ذل له تعظيما ومهابة وخوفا لا سيما عند سماع كلامه تعالى؛ لأن قوله "إذا قضى الله الأمر" أي بكلامه ووحيه إلى جبريل، وقوله "في السماء" يدل على العلو ففيه إثبات كلام الله وعلوه على خلقه على ما يليق بجلاله وعظمته إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، وهذا الحديث ونحوه مما احتج به أهل السنة على الجهمية والأشاعرة والكلابية وغيرهم من أهل البدع ممن ألحد بالتعطيل في أسماء الله وصفاته. قوله: "خضعانا" مصدر خضع. قوله: "لقوله" صريح في أنهم سمعوا قوله، وأنه بصوت وأن ذلك ينفذ جميع الملائكة أي

стр. 106

سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١. فيسمعها مسترقو السمع- ومسترق السمع، هكذا بعضه فوق بعض، وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد أصابعه- فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مئة كذبة. فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا " وكذا": كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء ". وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة- أو .................................................................................................. يسمعونه كلهم، قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي زال عنها الفزع. قوله: "فيسمعها مسترق السمع" أي الكلمة التي سمعتها الملائكة وتحدثوا بها، قوله: "ومسترق السمع بعضه فوق بعض هكذا وصفه سفيان" راوي الحديث وهو ابن عيينة "بكفه ". قوله: "فيسمع الكلمة " يعني مسترق السمع "فيلقيها إلى من تحته " من الشياطين "ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن " الحديث قوله: "فيكذب معها " أي الساحر أو الكاهن مائة كذبة "فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء " لقبول الناس للباطل. قوله: "وعن النواس بن سمعان " وسمعان بكسر السين ابن خالد الكلابي، ويقال له الأنصاري، صحابي ويقال: إن أباه صحابي أيضا. وقوله: "إذا أراد الله تعالى " فالإرادة صفة من صفات الله ، وهي نوعان شرعية وقدرية كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ ٢ الآية ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ ٣، وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٤ ونحو هذه الآيات. قوله: "أن يوحي بالأمر " فيه بيان معنى ما تقدم في الحديث قبله من قوله "إذا قضى الله الأمر". قوله: "تكلم بالوحي " فيه التصريح بأنه يتكلم بالوحي، فيوحيه إلى جبريل ﵇، ففيه الرد على الأشاعرة في قولهم إن القرآن عبارة عن كلام الله. قوله: "أخذت

стр. 107

قال رعدة شديدة- خوفا من الله . فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل. فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله " ١. فيه مسائل: الأولى: تفسير الآية. .................................................................................................. السماوات منه رجفة- أو قال رعدة شديدة- خوفا من الله " في هذه معرفة عظمة الله، ويوجب للعبد شدة الخوف منه تعالى، وفيه إثبات العلو. قوله: "فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا " هيبة وتعظيما لربهم وخشية لما سمعوا من كلامه تعالى وتقدس. قوله: "فيكون أول من يرفع رأسه جبريل"؛ لأنه ملك الوحي ﵇. قوله: "فيكلمه الله من وحيه بما أراد " فيه التصريح بأنه تعالى يوحي إلى جبريل بما أراده من أمره كما تقدم في أول الحديث. قوله: "ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها " وهذا أيضا من أدلة علو الرب تعالى وتقدس. قوله: "ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٢ فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله " وهذا دليل بأنه تعالى قال ويقول. وأهل البدع من الجهمية ومن تلقى عنهم كالأشاعرة جحدوا ما أثبته الله تعالى في كتابه، وأثبته رسوله صلي الله عليه وسلم في سنته من علوه وكلامه وغير ذلك من صفات كماله التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله والمؤمنون من الصحابة والتابعين وتابعيهم من أهل السنة والجماعة على ما يليق بجلال الله وعظمته- تشبيهات اختلقوها ما أنزل الله بها من سلطان.

стр. 108

الثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك خصوصا من تعلق على الصالحين، وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب. الثالثة: تفسير قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١. الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك. الخامسة: أن جبريل هو الذي يجيبهم بعد ذلك بقوله: " قال كذا وكذا". السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل. السابعة: أنه يقوله لأهل السماوات كلهم؛ لأنهم يسألونه. الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم. التاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله. العاشرة: أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله. الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين. الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضا. الثالثة عشرة: إرسال الشهب. الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الأنس قبل أن يدركه. الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق في بعض الأحيان. السادسة عشرة: كونه يكذب معها مائة كذبة. السابعة عشرة: أنه لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء. الثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة؟! التاسعة عشرة: كونهم يلقي بعضهم إلى بعض تلك الكلمة ويحفظونها ويستدلون بها. العشرون: إثبات الصفات خلافا للأشعرية المعطلة. الحادية والعشرون: التصريح بأن تلك الرجفة والغشي خوفا من الله . الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجدا.

стр. 109

١٧- باب الشفاعة وقول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ١. .................................................................................................. قوله: "باب الشفاعة " الشفاعة نوعان: "النوع الأول " شفاعة منفية في القرآن، وهي الشفاعة للكافر والمشرك. قال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ ٢، وقال: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٣، وقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ٤، ونحو هذه الآيات كقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ ٥. يخبر تعالى أن من اتخذ هؤلاء شفعاء عند الله، أنه لا يعلم أنهم يشفعون له بذلك وما لا يعلمه لا وجود له، فنفى وقوع هذه الشفاعة، وأخبر أنها شرك بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٦. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٧ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٨. فأبطل شفاعة من اتخذ شفيعا يزعم أنه يقربه إلى الله وهو يبعده عنه وعن رحمته ومغفرته؛ لأنه جعل لله شريكا يرغب إليه ويرجوه ويتوكل عليه ويحبه، كما يحب الله تعالى أو أعظم. "النوع الثاني " الشفاعة التي أثبتها القرآن، وهي خالصة لأهل الإخلاص وقيدها تعالى بأمرين: "الأمر الأول " إذنه للشافع أن يشفع، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٩. وإذنه تعالى لا يصدر إلا إذا رحم عبده الموحد المذنب، فإذا رحمه تعالى أذن للشافع أن يشفع له. "الأمر الثاني " رضاه عمن أذن للشافع أن يشفع فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ١٠، فالإذن بالشفاعة له بعد الرضا كما في هذه الآية، وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد. قوله: "وأنذر " الإنذار هو الإعلام بأسباب المخالفة والتحذير منها. قوله: "به " أي القرآن ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ وهم أهل الإخلاص الذين لم يتخذوا لهم شفيعا، بل أخلصوا قصدهم وطلبهم وجميع أعمالهم لله وحده، ولم يلتفتوا إلى أحد

стр. 110

وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ١. .................................................................................................. سواه فيما يرجون نفعه ويخافون ضره. قال الفضيل بن عياض: " ليس كل خلقه عاتب إنما عاتب الذين يعقلون ". قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ٢، قال الزجاج: موضع ليس نصب على الحال كأنه قال متخلين من ولي وشفيع، والعامل فيه يخافون. قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به من عذاب يوم القيامة، وتركوا التعلق على الشفعاء وغيرهم؛ لأنه ينافي الإخلاص الذي لا يقبل الله من أحد عملا بدونه. قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ٣ دلت الآية أن الشفاعة له سبحانه، لأنها لا تقع إلا لأهل التوحيد بإذنه ، كما قال تعالى في الآية السابقة. وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ ٤ الآية، فلا شفاعة إلا لمن هي له سبحانه؛ ولا تقع إلا ممن أذن له فيها، فتدبر هذه الآيات العظيمة في اتخاذ الشفعاء٥. وقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٦ يبطل التعلق على غيره سبحانه؛ لأنه الذي انفرد بملك كل شيء فليس لأحد في ملكه مثقال ذرة دونه سبحانه وبحمده، والإسلام هو أن تسلم قلبك وجوارحك لله بالإخلاص، كما في المسند عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال لرسول الله صلي الله عليه وسلم: " فبالذي بعثك بالحق ما بعثك به؟ قال: "الإسلام" قال: وما
следующие страницы →