← Акыда

Акыда · id 11353

كشف غياهب الظلام عن أوهام جلاء الأوهام

سليمان بن سحمان

Полный текст (368 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الخالق للأشياء وأنه هو رب كل شيء ومليكه ولا يعتقدون أن آلهتهم يدعونها من دون الله من الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا في خلق السماوات والأرض واستقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد وإنما دعوهم والتجأوا إليهم واستغاثوا بهم على سبيل التسبب والتوسل بهم فكفرهم الله بذلك وقاتلهم رسول الله – ﷺ على ذلك واستحل دماءهم وأموالهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀: "الخامس" أن يقال نحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من الأسباب والحكم والحكم، لكن من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سبباً في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؟ ومن الذي قال إنك إذا استغثت بميت أو غائب من البشر أو غير، كان ذلك سبباً في حصول الرزق والنصر والهدى وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله؟ ومن الذي شرع ذلك وأمر به؟ ومن الذي فعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان؟ فإن هذا المقام يحتاج إلى مقدمتين إحداهما أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها فإنه ليس كلما كان سبباً كونياً يجوز تعاطيه فإن المسافر قد يكون سفره سبباً لأخذ ماله وكلاهما محرم والدخول في دين النصارى قد يكون سبباً لمال يعطونه وهو محرم وشهادة الزور قد تكون سبباً لنيل المال يؤخذ من المشهود له وهو محرم وكثير من الفواحش والظلم قد يكون سبباً لنيل مطلب وهو محرم والسحر والكهانة سبب في بعض المطالب وهو محرم وكذلك الشرك كدعوة الكواكب والشياطين بل وعبادة البشر قد يكون سبباً لبعض المطالب وهو محرم فإن الله تعالى حرم من الأسباب ما كانت مفسدته راجحة على مصلحته كالخمر وإن كان يحصل به بعض الأغراض أحياناً وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقاً وأمر فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية. انتهى. فتبين أن الأسباب التي

стр. 212

يظن هؤلاء المشركون أنها أسباباً شركية لم يأمر الله بها ولا رسوله ولا شرعها الله ورسوله لا في القرآن ولا في السنة ولا عمل بها الصحابة –﵃ ولا من بعدهم من التابعين والأئمة والمهتدين، بل هي من الأوضاع الشركية التي ابتدعوها في الدين ويحسبون أنهم مهتدون. وأما قوله: واتخاذ الوسائط والتوسل بجاه أحبائه إلى آخره. فالجواب أن نقول: أن اتخاذ الوسائط بين الله وبين خلقه كفر بإجماع المسلمين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه: من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعاً نقله عنه صاحب "الفروع" وصاحب "الإنصاف" وصاحب "الإقناع" وغيرهم وهؤلاء الذين نقلوا كلام شيخ الإسلام من أئمة الحنابلة وساداتهم وهم ممن أخذ عن الأئمة الأربعة أصول دينهم وفروعه وبواسطتهم إلى النبي – ﷺ ، فإن كان حقاً وصواباً فقد ذكروا الإجماع على كفر من اتخذ الوسائط من دون الله وأنت من جملة من تتخذ الوسائط وإن كان باطلاً فقد عدت على تأصيلك بالهدم والرد والتزمت مذهب أهل التلفيق الذي ترمي به وتلزمه أهل التحقيق وأنت به أليق من ذلك الفرق وعلى نفسها تجني براقش، وأما التوسل بجاه أحبائه فقد تقدم الجواب عنه وأما صراحته في القرىن العظيم والسنة فمن الكذب على الله ورسوله بل تقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ففي أي آية وفي أي سنة ذكر الله ذلك ورسوله إن كنتم صادقين ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً بلفظ صريح أو نص صحيح ولو ذكرت

стр. 213

ذلك لفصلنا لك الجواب تفصيلاً. وقولك لكن إذا سبق الشقاء عميت الأبصار وضلت البصائر، فأقول: نعم، قد سبق عليك الشقاء وعميت عينك عن معرفة الحق والهدى وضلت وبصيرتك عن إدراك حقائق الأمور التي يحبها الله ويرضاها من الإيمان بالله بالله ورسوله وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه وأمرتك نفسك الأمارة بالسوء إلى اتخاذ الوسائط والشفعاء من دون الله واتبعت نفسك هواها ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ثم قال الملحد: وحيث إن هذه المسألة ذات فروع ويتعلق بها مسائل أخر فاقسمها إلى مباحث إن شاء الله تعالى وما توفيقي إلا بالله. البحث الأول: في حياة الرسول –﵊ أن هذه المسألة هي من أهم المسائل التي اختلف فيها علماؤنا ببعضهم وهم والمعتزلة وغيرهم وسببه وعدم وجود نص في القرآن العظيم يبين كيفية حياته –﵊ بعد وفاته يؤيد الأحاديث الدالة على حياته الجسدية بعد وفاته إلى آخر كلامه. والجواب أن نقول: قد أطنب هذا الملحد في هذا المبحث وذكر مخرقة وأقوالاً لا دليل عليها من كتاب ولا سنة ولا قول أحد من العلماء الراسخين الذين لهم قدم صدق في العالمين، وإنما ذكر اختلاف علمائه الذين لا معرفة لهم بمدارك الأحكام ولا دراية لهم بعلوم أهل الإسلام الذين لهم في هذه المباحث أعظم اهتمام وأحكموا البحث فيها غاية الأحكام وحيث ذكر في هذه المسألة ما تستك عند سماعه اسماع الموحدين وتنفر عنه طباع المؤمنين وتعرض فيها التأويل آيات الكتاب العظيم وسنة نبيه الكريم بما لم يذكره المحققون من أئمة التفسير وشراح الحديث الذين لهم في الدراية والرواية والرعاية ما ليس لغيرهم بأتم تبيان وحسن تعبير، وذكر في هذه المسألة أقوالاً وأبحاثاً ليست من أقوال

стр. 214

أهل الإسلام ولا أبحاثهم فلذلك ضربنا عن جوابه صفحاً وطوينا عليه كشحاً ومن أراد الاطلاع على حقيقة هذه المسألة وتنقيحها وتقرير الأدلة وتحرير أقوال العلماء بتوضيحها وذكر ما ورد في حياة الأنبياء والشهداء والأحاديث الواردة في ذلك فعلية بمطالعة كتاب "الروح" في الكلام على أرواح الأموات والأحياء لابن القيم –﵀ ونذكرها هنا كلامه في "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية"، والمقصود بذلك أن يعلم من أراد الحق تحقيق الكلام فيها بأوضح بيان بأدلته عن أهل العلم والإيمان، وأما هؤلاء الملاحدة الزنادقة فلا يزيدهم ذلك إلا عتواً ونفوراً وتكبراًَ عن قول الحق تعنتاً وفجوراً، وكان ذلك تسويلاً من الشيطان لهم وغروراً، قال ابن القيم –رحمه الله تعالى-: فصل في الكلام في حياة الأنبياء في قبورهم: ولأجل هذا رام ناصر قولهم ... ترقيعه يا كثرة الخلقان قال الرسول بقبره حي كا ... قد كان فوق الأرض والرجمان من فوق أطباق ذاك التراب ... واللبنات قد عرضت على الجدران لو كان حياً في الضريح حياته ... قبل الممات بغير ما فرقان ما كان تحت لأرض بل من فوقها ... والله هذي سنة الرحمن أتراه تحت الأرض حياً ثم لا ... يتفيهموا بشرائع الإيمان ويريح أمته من الآراء والخلف ... العظيم وسائر البهتان أم كان حياً عاجزاً عن نطقه ... وعن الجواب لسائل لهفان وعن الحراك فما الحياة اللاء قد ... أثبتموها أوضحوا ببيان هذا ولما جاءه أصحابه ... يشكون بأس الفاجر الفتان إذ كان ذلك دأبهم ونبيهم ... حي يشاهدون شهود عيان

стр. 215

هل جاءكم أثر بأن أصحابه ... سألوه فتيا وهو في الأكفان فأجابهم بجواب حي ناطق؟ ... فأتوا إذا بالحق والبرهان هلا أجابهمو جواباً شافياً ... إن كان حياً ناطقاً بلسان هذا ما شهدت ركائبه عن ... الحجرات للقاصي من البلدان مع شدة الحرص العظيم له على ... إرشادهم بطرائق التبيان أتراه يشهد رأيهم وخلافهم ... ويكون للتبيان ذا كتمان إن قلتمو صدق البيان صدقتموا ... قد كان بالتكرار ذا تبيان هذا وكم من أمور أشكل بعده ... أعني على العلماء كل زمان أو ما ترى الفاروق ود بأنه ... قد كان منه العهد ذا تبيان بالجد في ميراثه وكلالة ... وببعض أبواب الربا الفتان قد قصر الفاروق عند فريقكم ... إذا لم يسله وهو في الأكفان أتراهمو يأتون حول ضريحه ... لسؤال أمهم أعز حصان ونبيهم حتى يشاهدهم ... ويسمعهم ولا يأتي ببيان؟ أفكان يعجز أن يجيب بقوله ... إن كان حياً داخل البنيان يا قومنا استحيوا من العقلاء ... والمبعوث بالقرآن والرحمن والله لا قدر لرسول عرفتموا ... كلا ولا للنفس والإنسان من كان هذا القدر مبلغ علمه ... فليستتر بالصمت والكتمان ولقد أبان الله أن رسوله ... ميت كما قد جاء في القرآن أفجاء أن الله باعثه لنا ... في القبر قبل قيامة الأبدان أثلاث موات تكون لرسله ... ولغيرهم من خلقه موتان إذ عند نفخ الصور لا يبقى امرؤ ... في الأرض حياً قط بالبرهان

стр. 216

أفهل يموت الرسل أم يقوا إذا ... مات الورى هل لكم قولان؟ فتكلمو بالعلم لا بالدعوى ... وجيشوا بالدليل فنحن ذو الأذهان أو لم يقل من قبلكم للرافعي الأ ... صوات حول القبر بالنكران لا ترفعوا الأصوات حرمة عبده ... ميتاً كحرمته لدى الحيوان قد كان يمكنهم يقولوا أنه ... حي فغضوا الصوت بالإحسان لكنهم بالله أعلم منكموا ... ورسوله وحقائق الإيمان ولقد أتوا يوماً إلى العباس يستسقون ... من قحط وجدب زمان فصل فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور فإن احتججتم بالشهيد بأنه ... حي كما قد جاء في القرآن والرسل أكمل حالة منه بلا ... شك وهذا ظاهر التبيان فلذلك كانوا بالحياة أحق من ... شهدائنا بالعقل والإيمان وبأن عقد نسائه لم ينفسخ ... فنساؤه في عصمة وصيان ولأجل هذا لم يحل لغيره ... منهن واحدة مدى الأزمان أفليس في هذا دليل أنه ... حي لمن كانت له أذان؟ أو لم يرى المختار موسى قائماً ... في قبره لصلاة ذي القربان؟ أفميت يأتي الصلاة وإن ذا ... عين المحال وواضح البطلان أو لم يقل إني أرد على الذي ... يأتي بتسليم مع الإحسان أيرد ميت السلام على الذي ... يأتي به هذا من البهتان

стр. 217

هذا وقد جاء الحديث بأنهم ... أحياء في الأجداث ذا تبيان وبأن أعمال عليه ... تعرض دائماً في جمعة يومان يوم الخميس ويوم الاثنين الذي ... خص بالفضل العظيم الشأن فصل في الجواب عما احتجوا به في هذه المسألة فيقال أصل دليلكم في ذاك ... حجتنا عليكم وهي ذات بيان إن الشهيد حياته منصوصة ... لا بالقياس القائم الأركان هذا مع النهي أننا ... ندعوه مبتاً ذاك في القرآن ونساؤه حل لنا من بعده ... والمال مقسوم على السهمان هذا وإن الأرض تأكل لحمه ... وسباعها مع أمة الديدان لكنه مع ذاك حي فارح ... مستبشر بكرامة الرحمان فالرسل أولى بالحياة لديه مع ... موت الجسوم وهذه الأبدان وهي الطرية في التراب وأكلها ... فهو الحرام عليه بالبرهان ولبعض أتباع الرسول يكون ذا ... أيضاً وقد وجدوه رأي عيان فانظر إلى قلب الدليل عليهموا ... حرفاً بحرف ظاهر التبيان لكن رسول الله خص نساؤه ... بخصيصة عن سائر النسوان خيرن بن رسوله وسواه ... فاخترن الرسول لصحة الإيمان شكر الإله لهن ذاك وربنا ... سبحانه للعبد ذو شكران قصر الرسول على أولئك رحمة ... منه بهن شكر ذي الإحسان

стр. 218

وكذاك أيضاً قصرهن عليه ... معلوم بلا شك ولا حسبان زوجاته في هذه الدنيا وفي الأ ... خرى يقيناً واضح البرهان فلذا حرمن على سواه بعده ... إذ ذاك صون عن فراش ثان لكن أتين بعدة شرعية ... فيها الحدود وملزم الأوطان هذا ورؤيته الكليم مصلياً ... في قبره أثر عظيم الشأن في القلب منه حسيكة هل قاله ... فالحق ما قد قال ذو البرهان ولذاك أعرض في الصحيح محمد ... عنه على عمد بلا نسيان والدارقطني الإمام أعله ... برواية معلومة التبيان أنس يقول رأى الكليم مصلياً ... في قبره فاعجب لذا الفرقان بين السياق إلى السياق تفارقاً ... لاتطرحه فيما هما سيان لكن تقلد مسلم وسواه ... ممن صح هذا عنده ببيان فرواته الأثبات أعلام الهدى ... حفاظ هذا الدين في الازمان لكن هذا ليس مختصاً به ... والله ذو فضل وذو إحسان فروى ابن حبان الصدوق وغيره ... خبراً صحيحاً عنده ذا شان فيه صلاة العصر في قبر الذي ... قد مات وهو محقق الإيمان فتمثل الشمس الذي قد كان ير ... عاها لأجل صلاة ذي القربان عند الغروب يخاف فوت صلاته ... فيقول للملكين هل تدعاني حتى أصلي العصر قبل وفاتها ... قالا: ستفعل ذاك بعد الآن هذا مع الموت المحقق لا الذي ... حكيت لنا بثبوته القولان هذا وثابت البناني قد دعا ... الرحمان دعوة صادق الإيقان أن لا يزال مصلياً في قبره ... إن أعطي ذاك من إنسان

стр. 219

لكن رؤيته لموسى ليلة المعراج ... فوق جميع ذي الأكوان يرويه أصحاب الصحاح جميعهم ... والقطع موجبه بلا نكران ولذاك ظن معارضاً لصلاته ... في قبره إذ ليس يجتمعان وأجيب عنه بأنه أسري به ... ليراه ثم مشاهداً ببيان فرآه ثم وفي الضريح وليس ذا ... يتناقض إذ أمكن الوقتان هذا ورد نبينا لسلام من ... يأتي بتسليم مع الإحسان ما ذاك مختصاً به أيضاً كما ... قد قاله المبعوث بالقرآن من زار قبر أخ له فأتى ... بتسليم عليه وهو ذو إيمان رد الإله عليه حقاً روحه ... حتى يرد عليه رد ببيان وحديث ذكر حياتهم بقبورهم ... لما يصح وظاهر النكران فانظر إلى الإسناد تعرف حاله ... إن كنت ذا علم بهذا الشأن هذا ونحن نقول هم أحياء لا ... كن عندنا كحياة ذي الأبدان والترب تحتهم وفوق رؤوسهم ... وعن التماثل ثم عن أيمان مثل الذي قلتوه معاذنا ... بالله من إفك ومن بهتان بل عند ربهمو تعالى مثلما ... قد قال في الشهداء في القرآن لكن حياتهمو أجل وحالهم ... أعلى وأكمل عند ذي الإحسان هذا وأما عرض أعمال العبا ... د عليه فهو الحق ذو إمكان وأتى به أثر فإن صح الحديث ... به فحق ليس ذا نكران لكن هذا ليس مختصاً به ... أيضاً بآثار روين حسان فعلى أبي الإنسان يعرض سعيه ... وعلى أقاربه مع الإخوان إن كان سعياً صالحاً فرحوا به ... واستبشروا يا لذة الفرحان

стр. 220

أو كان سعياً سيئاً حزنوا وقا ... لوا رب راجعه إلى الإحسان ولذا استعاذ من الصحابة من روى ... هذا الحديث عقيبه بلسان يا رب إني عائذ من خزيه ... أخزى بها عند القريب الداني ذاك الشهيد المرتضى ابن رواحة ... المحبوب بالغفران والرضوان لكن هذا ذو اختصاص والذي ... للمصطفى ما يعمل الثقلان هذي نهايات لإقدام الورى ... في إذا المقام الضنك صعب الشان والحق فيه ليس تحمله عقو ... ل بني الزمان الغلظة الأذهان ولجهلهم بالروح مع أحكامها ... وصفاتها للألف بالأبدان فارض الذي رضي الإله لهم به ... أتريد تنقص حكمة الديان؟ وترد أوقات السلام عليه من ... أعلى الرفيق مقيمه بجنان وكذاك إن زرت القبور مسلماً ... ردت لهم أرواحهم للآن فهموا يردون السلام لا ... ركن لست تسمعه بذي الأذنان هذا وأجواف الطيور الخضر ... مسكنها لدى الجنات والرضوان من ليس يحمل عقله هذا فلا ... تظلمه واعذره على النكران للروح شأن غير ذي الأجسام لا ... تهمله شأن الروح أعجب شان وهو الذي حار الورى فيه فلم ... يعرفه غير الفرد في الأزمان فلذاك أمسكت العنان ولو أرى ... ذاك الرفيق جريت في الميدان هذا وقولي أنها مخلوقة ... وحدوثها المعلوم بالبرهان هذا وقولي أنها ليست كما ... قد قال أهل الإفك والبهتان

стр. 221

لا داخل فينا ولا هي خارج ... عنا كما قالوه في الديان والله الرحمان أثبتم ولا ... أرواحكم يا مدعي العرفان عطلتموا الأبدان من أرواحها ... والعرش عطلتم من الرحمن فصل قال الملحد: البحث الثاني في الزيارة، اعلم يا أخي شرح الله قلبي وقلبك بنور الإخلاص إن لنا معشر المؤمنين وجداً في حب نبينا –﵊ يكفينا عن الاستدلال والاستشهاد وعلى كل ما نحن في صدده، فمن شاء فليتبعنا فيتذوق بما ذقنا ولا ينازع لكن لما رأينا أناساً منا أغواهم الشيطان بواسطة زمرة من جنوده المتدلسين بالعلم والدين فاتبعوهم عن جهل فقمنا امتثالاً لأمر بنا واقتداءً بنبينا وأصحابه –عليه وعليهم الصلاة والسلام- رجاء أن ننال شيئاً من الفلاح بالذب عن الشريعة المطهرة والأئمة الأعلام، وأنبهك بشيء لا دليل عليه غير الذوق والوجدان وهو أن الداخل للحرمين الشريفين والواقف بعرفات إذا لم يكن متزوداً بأوفر نصيب من الإخلاص والاعتبار فلا يشعر بشيء ولا يدرك شيئاً ولا يجد له لذة في عمل ولا همة باغتنام أجر ولا رغبة بزيادة فضل أما من أنعم الله عليه بهذا الزاد فإنه يشعر ويدرك كليات وجزئيات أمور ويجد لذة وهمة لا يجد اللسان ألفاظاً يعبر بها عنها فلا تلمه إن رأيته في عرفات تارة يرقص وتارة يتمرغ في الرمل غير حاس بحرارته إلى آخر كلامه. والجواب أن نقول: وهذا أيضاً من جنس ما قبله من المخرقة التي يمخرق بها هؤلاء الأنجاس الأرجاس، ويموهون بها على أعين كثير من الناس،

стр. 222

ليوهموهم أنهم بذلك من أهل الذوق والفناء في العبادة من غير شك ولا التباس، وهم من أكثر خلق الله وأبعدهم عن سلوك طريقة أهل التعبد من الأفاضل الأكياس، بما غرهم به الشيطان من المكر والخداع والتلاعب بالدين، وسلوك على غير سبيل المؤمنين، فإنه قد كان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أنه لم يكن من هدي نبينا –عليه أفضل الصلاة وأتم السلام-، ولا كان هذا يوجد من أحد من أصحابه الأفاضل الكرام، ولا من التابعين لهم بإحسان ولا فعله أحد من الأفاضل الكرام، ولا من التابعين لهم بإحسان ولا فعله أحد من أفاضل الائمة الأعيان، فما هو إلا من تلاعب الشيطان وإغوائه لأوليائه من ذوي الكفر والفسوق والعصيان، فنعوذ بالله من ريب الذنوب وانتكاس القلوب ومن كان هذا سبيله فلا حاجة بنا إلى الجواب عنه لأنه مخرقة وزندقة لا طائل في إتعاب القلم بردها واشتغال الذهن بهدم أصولها وهدها، ولكن نشير بعض الإشارة إلى ما قد يعرض لبعض أهل التصوف من الشطحات والغيبة عن أنفسهم بمحبوبهم فيبقى قلب أحدهم متعلقاً بمحبوبه غائباً عن نفسه منطرحاً ببابه مشاهداً لمحبوبه الحق بخلاف ما قد يعرض لهؤلاء الزنادقة الملاحدة من الذهول والغيبة عن أنفسهم فإنهم لما كانوا غير مؤمنين بالله ورسوله كانوا مشركين بالله غير مخلصين له في عبادته بما يصرفون من خالص حق الله لغيره من الدعاء والمحبة والخوف والرجاء والتوكل والاستغاثة وسائر أنواع العبادة التي اختص الله بها دون غيره فلذلك تختلط بهم الشياطين وتستولي على قلوبهم فيظل أحدهم يرقص ويتمرغ كما تتمرغ الدابة وهذا ليس من العبادة في شيء بل هو من تلاعب الشيطان بعقولهم ولما كان يظن بعض الجهال أن حال هؤلاء كحال أولئك ويغتر به من لا تمييز له بأحوال القوم أشرنا بعض الإشارة إلى ما ذكره شمس

стр. 223

الدين ابن القيم –﵀ بعد أن ذكر من أحوال المحبين وأنه قد يغيب أحدهم بحبوبه عن نفسه أو يتمكن من جميع أجزائه قلبه قال في أثناء كلام له: ثم يلطف شأنها بغيرها ويقهر سلطانها حتى يغيب المحب بمحبوبه عن نفسه فلا يشعر إلا بمحبوبه ولا يشعر بنفسه ومن ها هنا نشأت الشطحات الصوفية التي مصدرها عن قوة الوارد وضعف التمييز فحكم صاحبها فيها الحال وجعل الحكم له وعزل علمه عن التمييز وحكم المحققون فيها حاكم العلم على سلطان الحال وعلموا أن كل حال لا يكون العلم كما عليه فإنه لا ينبغي أن يعبر به ولا يسكن إليه كما لا يساكن المغلوب المقهور لما يرد عليه بما يعجز عن دفعه وهذه حال أكمل القوم الذين جمعوا بين نور العلم وأحوال المعاملة فلم تطفئ عواصف أحوالهم نور أعمالهم ولم يقصر به علمهم عن الترقي إلى ما وراءه من مقامات الإيمان والإحسان فهؤلاء حكام على الطائفتين ومن عذلهم فمحجوب بعلم لا نفوذ له فيه أو مغرور بحال لا علم له بصحيحه من فاسده، والله المسؤول من فضله إنه قريب مجيب، فالكامل من يحكم العلم على الحال فيتصرف في حاله بعلمه ويجعل العلم بمنزلة النور الذي يميز به الصحيح من الفاسد من لا من لا يقدح في العلم بالحال ويجعل الحال معياراً عليه وميزاناً فما وافق حاله من العلم قبله وما خالفه رده ونفاه فهذا أصل الضلال في هذا الباب بل الواجب تحكيم العلم والرجوع إلى حكمه وبهذا أوصى العارفون من شيوخ الطريق كلهم وحرضوا على العلم أعظم تحريض لعلمهم بما في الحال المجرد عنه من الغوائل والمهالك والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. انتهى. فتأمل ما ذكره ابن القيم –﵀ وانظر إلى قوله: حتى يغيب المحب بمحبوبه عن نفسه فلا يشعر إلا بمحبوبه فكيف من يغيب بالرقص والتمرغ في الرمل عن محبوبه وانظر إلى قوله: فحكم صاحبها فيها الحال على العلم وجعل الحكم له له وعزل علمه عن التمييز وهذا بخلاف المحققين الكمل الذين يحكمون العلم على الحال.

стр. 224

فصل: إتخاذ القبور مساجد ثم ذكر الملحد كلاماً من جنس ما تقدم من المخرقة مما لا طائل تحته، ثم قال: تتبعت المظان من الكتب لأعرف أول قائل بهذه الضلالة وادع إليها فما وجدت لها أثراً عن أحد من علماء أهل السنة قبل الشيخ أحمد بن تيمية فتعقبت ما عرفت من مؤلفاته لأقف على نص صريح له فوجدته ذكر هذه المسألة في موضعين من كتابه "الجواب الصحيح" فالأول في صحيحة ١٢١من الجزء الأول والثاني في صفحة ٥٥ من الجزء الثاني، نقل في الأول حديث "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وحديث "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" وحديث "لا تجلسوا إلى القور ولا تصلوا إليها" ثم قال: إلى أمثال ذلك مما فيه تجريد التوحيد لله رب العالمين –ثم استطرد في تشبيه ما جاء في هذه الأحاديث بعبادة الشمس والقمر والأوثان والصور والسجود لها والاستشفاع لها وبأصحابها، إلى أن قال: وإن كان يذكر عن بعض الأنبياء تصوير صورة لمصلحة فإن هذا من الأمور التي تتنوع فيها الشرائع بخلاف السجود لها والاستشفاع بأصحابها فإن هذا لم يشرعه نبي من الأنبياء ولا أمر قط أحد من الأنبياء أن يدعى غير الله لا عند قبره ولا في مغيبه ولا يستشفع به في مغيبه بعد موته بخلاف الاستشفاع بالنبي – ﷺ في حايته ويوم القيامة وبالتوسل به بدعائه والإيمان به فهذا من شرع الأنبياء –﵈. انتهى. فانظر ما في هذا الكلام من التلاعب والتقلب

стр. 225

والقياس الفاسد والتهور الذي أدخله في زمرة محرفي كلام رسول الله عن مواضعه والأحاديث التي استدل بها وحرفها صريحة في النهي عن الجلوس على القبور كما يفعله أهل زماننا نساء ورجالاً والصلاة إليها كما يفعله الوثنيون ليس فيها نهي عن الزيارة ولا تشبيه من يزور قبر نبي أو غيره بعابد الشمس والقمر وغيرهما، وسيأتي حديث النهي عن الزيارة ثم إباحتها وأنه –﵊ كان يزور أهل البقيع ويستغفر لهم، نعوذ بالله من الغلو المؤدي إلى خرق إجماع الأمة من عهد الرسول إلى اليوم وتشبيه كافة المسلمين بعباد الشمس والقمر والأوثان. ولا يغرنك ما رأيته من استثناء الرسول ﵊ فانه حصر الاستثناء في حياته ويوم القيامة ومن هذا الحصر تفهم اعتقاده بتحريم زيارة القبر الشريف والتمويه بعدم إنكاره ما جاء في كلام الله وإنكار الأحاديث الواردة بحق الزيارة والتوسل والاستشفاع فهل بعد هذا الضلال ضلال والعياذ بالله. والجواب أن نقول: لولا قصر باعك وعدم اطلاعك لوجدت ما ذكره من الحق في الكتب المدونة مذكوراً وفي مظانه مسطراً مزبوراً ولكن لما انتكست قلوبكم وقصر عن معرفة الحق مطلوبكم عميت عن ذلك أبصار بصائركم وكشفت عن إدراك ذلك طباعكم، وإلا فقد ذكر ذلك شمس الدين ابن القيم –﵀ في كتابه "إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان" ذكر الزيارة البدعية الشركية والزيارة الدينية الشرعية في صفحة ١١٥ وذكر ذلك شيخ الإسلام في رده على ابن الأخنائي والإمام الحافظ محمد بن عبد الهادي في "الصارم المنكي في الرد على السبكي" فأما ما ذكره الملحد عن شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- في "الجواب الصحيح في الرد على عباد المسيح" في صفحة ١٢١ إحدى وعشرين ومائة فلم يكن من هذا الباب ولم يتعرض للزيارة في ذلك

стр. 226

الخطاب وإنما ذكر في ذلك ما ابتدعته الأمم قبلنا فجرها ذلك الابتدع والغلو إلى الوقوع في الشرك بالله وعبادة الأوثان وذلك أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الأنبياء والصالحين فذكر –﵀ أن الأمم قبلنا ممن كان يعبد الشمس والقمر والكواكب ويعبدون الانبياء والصالحين لما كان في زعمهم واعتقادهم أن تلك الأجرام الفلكية العلوية لها أرواح تدبر وتتصرف في الكائنات بطباعها وقواها وأن لها تأثير في ذلك تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور فبنوا لها الهياكل والبيوت وزخرفوها وصوروا فيها الصور وجعلو لها أستاراً وعكفوا عليها وجعلوا لها السدنة والخدام وذبحوا لها الذبائح وقربوا لها القرابين وعبدوها من دون الله وقد أخبر النبي – ﷺ أن هذه الأمة تأخذ مآخذ الأمم قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو كان فيهم من يأتي أمه علانية لكان في هذه الأمة من يفعل ذلك وثبت في الصحيحين أن رسول الله – ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن"، وفي "ومن الناس أولئك؟ " وقد وقع ما أخبر به النبي – ﷺ من أن هذه الأمة ستفعل كما فعلت الأمم قبلها فكان من غلاة هذه الأمة من زعم أن الأنبياء والأولياء والصالحين أحياء في قبورهم وأن لأرواحهم قرباً ومنزلة ومزية عند الله تعالى لا يزال تأتيهم الألطاف من الله تعالى وتفيض على أرواحهم الخيرات فإذا علق الزائر روحه بهم وأدناها منهم فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له وغير ذلك فلذلك بنوا على قبورهم القباب وزخرفوها وجعلوا لها الستور والحجاب والسدنة المجاورين عندها

стр. 227

وعكفوا عند قبورهم وذبحوا لهم الذبائح وقربوا لهم القرابين ودعوهم والتجأوا إليهم واستغاثوا بهم في المهمات والملمات لكشف الكربات وإغاثة اللهفات وطلبوا منهم قضاء الحاجات إلى غير ذلك من أنواع العبادات التي صرفها المشركون لغير فاطر الأرض والسماوات فهذا هو حقيقة ما ذكره شيخ الإسلام في "الجواب الصحيح في الرد على عباد المسيح" من المشابهة فإذا تحققت ذلك وعرفته فتذكر لك أنموذجاً من معتقد عباد القبور والصالحين وحقيقة ما هم عليه من الدين ليعلم الواقف عليه أي الفريقين أحق بالأمن، وإن كان الواقف ممن اختصه الله بالفضل والمن، لئلا يلتبس الأمر عليه بتسميتهم لكفرهم ومحالهم تشفعاً وتوسلاً ونذكر قبل ذلك ما ذكره شمس الدين ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" مما شابهت فيه زنادقة هذه الأمة من قبلها من عباد الكواكب والشمس والقمر وأنهم ساروا على آثارهم واقتفوا مناهجهم كما أخبر به الصادق المصدوق ﵊، قال -رحمه الله تعالى-:

стр. 228

فصل: نفي تمسك الخليل بعلم النجوم وأما ما ذكره عن إبراهيم خليل الرحمن أنه تمسك بعلم النجوم حين قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ فمن الكذب والافتراء على خليل الرحمن – ﷺ فإنه ليس في الآية أكثر من أنه نظر نظرة في النجو ثم قال لهم إني سقيم فمن ظن من هذا أن علم أحكام النجوم من علم الأنبياء وأنهم كانوا يراعونه ويعانونه فقد كذب على الأنبياء ونسبهم إلى ما لا يليق وهو من جنس من نسبهم إلى الكهانة والسحر وزعم أن تلقيهم الغيب من جنس تلقي غيرهم وإن كان فوقهم في ذلك لكمال نفوسهم وقوة استعدادها وقبولها لفيض العلويات عليها وهؤلاء لم يعرفوا الأنبياء

стр. 229

ولا آمنوا بهم وإنما هم عندهم بمنزلة أصحاب الرياضات الذين خصوا بقوة الإدراك وزكاء النفوس وزكاة الأخلاق ونصبوا أنفسهم لإصلاح الناس وضبط أمورهم لا ريب أن هؤلاء أبعد الخلق عن الأنبياء وأتباعهم ومعرفتهم ومعرفة مرسلهم وما أرسلهم به هؤلاء في شأن آخر بل هم ضدهم في علومهم وعمالهم وهديهم وإرادتهم وطرائقهم ومعادهم وفي شأنهم كله ولهذا تجد أتباع هؤلاء ضد أتباع الرسل في العلوم والأعمال والهدي والإرادات ومتى بعث الله رسولاً يعاني التنجيم والنيرجات والظلمات والأوفاق والتدخين والنجورات ومعرفة القرانات والحكم على الكواكب بالسعود والنحوس والحرارة والبرودة والذكورة والأنوثة وهل هذه إلا صنائع المشركين وعلومهم وهل بعثت الرسل إلا بالإنكار على هؤلاء ومحقهم ومحق علومهم وأعمالهم من الأرض وهل للرسل أعداء بالذات إلا هؤلاء ومن سلك سبيلهم وهذا معلوم بالاضطرار لكل من آمن بالرسل –صلوات الله وسلامه عليهم- وصدقهم فيما جاءوا به وعرف مسمى رسول الله وعرف مرسله وهل كان لإبراهيم الخليل ﵊ عدو مثل هؤلاء المنجمين الصائبين و "حران" كانت دار مملكتهم والخليل أعدى عدو لهم وهم المشركون حقاً والأصنام التي كانوا يعبدونها كانت صور وتماثيل للكواكب وكانوا يتخذون لها هياكل وهي بيوت العبادات لكل كوكب منها هيكل فيه أصنام تناسبه فكانت عبادتهم للاصنام وتعظيمهم لها تعظيماً منهم للكواكب التي وضعوا الأصنام عليها وعبادة لها وهذا أقوى السببين في الشرك الواقع في العالم وهو الشرك بالنجوم وتعظيماً واعتقاد أنها أحياء ناطقة ولها روحانيات تتنزل على عابديها ومخاطبيها فصوروا لها الصور الأرضية ثم جعلوا عبادتها وتعظيمها ذريعة إلى عبادة تلك الكواكب واستنزال روحانياتها وكانت الشياطين تتنزل

стр. 230

عليهم وتخاطبهم وتكلمهم وتريهم من العجائب ما يدعوهم إلى بذلك نفوسهم وأولادهم وأموالهم لتلك الأصنام والتقرب إليها وكان مبدأ هذا الشرك تعظيم الكواكب وظن السعود والنحوص وحصول الخير والشر في العالم منها وهذا هو شرك خواص المشركين وأرباب النظر منهم وهو شرك قوم إبراهيم –﵊ والسبب الثاني عبادة القبور والإشراك بالأموات وهو شرك قوم نوح –﵊ وهو أول شرك طرق العالم وفتنته أعم وأهل الابتلاء به أكثر وهم جمهور أهل الإشراك وكثيراً ما يجتمع السببان في حق المشرك يكون مقابرياً نجومياً قال تعالى عن قوم نوح ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ وقال البخاري في "صيحيحه" قال ابن عباس كان هؤلاء رجالاً صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا على مجالسهم التي كانوا يجلسون عليها أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت ولهذا لعن النبي – ﷺ الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ونهى عن الصلاة إلى القبور وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وقال: "لقد كان من قبلكم كانوا يتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" وأخبر أن هؤلاء شرار الخلق عند الله يوم القيامة وهؤلاء هم أعداء نوح كما أن المشركين بالنجوم هم أعداء إبراهيم، فنوح عاداه المشركون بالنجوم والطائفتان صوروا الأصنام على صور معبوديهم ثم عبدوها وإنما بعثت الرسل بمحق الشرك من الأرض ومحق أهله وقطع أسبابه وهدم بيوته ومحاربة أهله فكيف يظن بإمام الحنفاء وشيخ الأنبياء وخليل رب الأرض والسماء أنه

стр. 231

كان يتعاطى علم النجوم ويأخذ منه أحكام الحوادث سبحانك هذا بهتان عظيم وإنما كانت النظرة التي نظرها في علوم النجوم من معاريض الأفعال كما كان قوله ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ، وقوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله عن امرأته "سارة" هذه أختي من معاريض المقال ليتوصل بها إلى غرضه من كسر الأصنام كما توصل بتعريضه بقوله "هذه أختي" إلى خلاصها من يد الفاجر ولما غلظ فهم هذا عن كثير من الناس وكشفت طباعهم عن إدراكه ظنوا أن النظرة في النجوم ليستنبط منها علم الأحكام وعلم أن نجمه وطالعه يقضي عليه بالسقم وحاشا لله أن يظن ذلك بخليله – ﷺ أو بأحد من أتباعه وهذا من جنس معارض يوسف الصديق – ﷺ حين تفتيش أوعية أخيه عن الصاع فإن المفتش بدأ بأوعيتهم مع علمه أنه ليس فيها وأخر وعاء أخيه مع علمه أنه فيها تعريضاً بأنه لا يعرف فيها أي وعاء وهي ونفياً للتهمة عنه بأنه لو كان عالماً في أي أوعية هي لبادر إليها ولم يكلف نفسه تعب التفتيش لغيرها فلهذا نظر الخليل – ﷺ في النجوم نظر تورية وتعريض محض ينفي به عنه تهمة قومه ويتوصل به إلى كيد أصنامهم. انتهى. فهذا ما ذكره شمس الدين ابن القيم –رحمه الله تعالى- في مشابهة زنادقة هذه الأمة لمن قبلها من الأمم من عبادة الأجرام العلوية واعتقاد التأثيرات منها في العلوم السفلية، وأما ما ذكره في الزيارات من الاعتقادات التي ضاهوا بها اليهودية والنصرانية فنذكر شيئاً يسيراً منه قال ابن القيم –رحمه الله تعالى- في "إغاثة اللهفان" فمن مفاسد اتخاذها أعياداً للصلاة إليها والطواف بها وتقبيلها واستلامها وتعفير الخدود على ترباتها وعبادة أصحابها والاستغاثة بهم وسؤالهم النصر والرزق والعافية وقضاء الديون وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيداً وقد نزلوا عن الأكوار

стр. 232

والدواب إذا رأوها من مكان بعيد فوضعوا لها الجباه وقبلوا الأرض وكشفوا الرؤوس وارتفعت أصواتهم بالضجيج وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج ورأوا أنهم أربوا في الربح على الحجيج فاستغاثوا بمن لا يبدي ولا يعيد ونادوا ولكن من مكان بعيد حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الميت ورضواناً وقد ملأوا أكفهم خيبة وخسراناً لغير الله بل للشيطان ما يرق ههلك من العبرات ويرتفع من الأصوات ويطلب من الميت من الحاجات ويسأل من تفريج الكربات وأغناء ذوي الفاقات ومعافاة أولي العاهات والبليات ثم انبثوا بعد ذلك حول القبر طائفين تشبيهاً له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركاً وهدى للعالمين ثم أخذوا في التقبيل والاستلام أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد بيت الله الحرام ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود الذي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود ثم كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلاق واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق وقربوا لذلك الوثن القرابين وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير لله رب العالمين فلو رأيتهم يهنئ بعضهم بعضهم ويقول أجزل الله لنا ولكم أجراً وافراً وحظاً، فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثوب حجة القبر بحج المتخلف إلى البيت الحرام فيقول لا ولو بحجك كل عام؟ وهذا ولم نتجاوز فيما حكيناه عنهم ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم إذ هي فوق ما يخطر بالبال ويدور في الخيال وهذا مبدأ عبادة الأصنام في قوم نوح كما تقدم وكل من شم أدنى رائحة العلم والفقه يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى هذا المحذور وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه وما يؤول إليه وأحكم في نهيه عنه وتوعده عليه وأن الهدي والخير في اتباعه وطاعته والشر

стр. 233

والضلال في معصيته ومخالفته، ثم ذكر –﵀ كلاماً طويلاً، وأما ما ذكر الملحد من المخرقة وصريح الإفك والزندقة بقوله فانظر ما في هذا الكلام من التلاعب والتقلب والقياس الفاسد والتهور الذي أدخله في زمرة محرفي كلام رسول الله عن مواضعه، فنقول معاذ الله وحاشا لله أن يكون في كلامه تلاعب وتقلب وقياس فاسد أو تهور بل هو كلام إمام عالم بالله ورسوله ودينه وشرعه وإنما التهور والكلام الباطل والتلاعب بدين الله ورسوله والقياس الفاسد منكم بدأ وإليكم يعود لأنكم أهله ومقره ومحله ومستقره ويل لك من خانع ما أقل عنايتك ودرايتك وما كشف طبعك وما أشد غباوتك أي تلاعب في كلامه وجوابه وأي تهور وتقلب في خطابه وأي قياس فاسد أورده ليس بصحيح وأي كلام ذكره في كتابه غير صريح؟ ذلك في قوله – ﷺ : "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً، وقوله – ﷺ : "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك"، وقوله – ﷺ : "لا تجلسوا على القبور ولاتصلوا إليها" فأي تحريف في هذا وأي تلاعب؟ ﴿هَاتُوْا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتْبِعُونَ إِلَّا الْظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ ، أما ثبت في الصحيحن أن رسول الله – ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى ولو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " أما وقع مصداق ما أخبر به – ﷺ فبنوا تلك القباب على القبور وجعلوا لها السدنة وقربوا لها القرابين وأوقدوا فيها السرج وقد قال – ﷺ : "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" وفعل فيها وعندنا من الأمور الشركية التي

стр. 234

تقدم بيانها آنفاً ولم تعرف من ذلك إلا التصريح بالنهي عن الجلوس على القبور والصلاة إليها وهو من الوسائل والذرائع المفضية إلى محظورات الشرائع وبأبعد ما بينهما فإن هذه وسائل وتلك غايات. وأما زعمه أنه ليس فيها نهي عن الزيارة ولا تشبيه من يزور قبر نبي أو غيره بعابد الشمس والقمر وغيرهما. فأقول: بل هذا من سوء فهمك وقصور علمك أليست العلة المحذورة المشبه بها من عباد الكواكب والشمس والقمر وهي اعتقادهم أن أرواح تلك الأفلاك العلوية إذا تعلقت بها النفس الناطقة تفيض عليه الأنوار فلما اعتقدوا ذلك ورجوه منها واعتقدوا فيها بنوا لها الهياكل والبيوت وصوروا فيها تلك الصور وجعلوا لها السدنة والحجاب وقربوا له القرابين وكذلك اليهود والنصارى لما اعتقدوا ما اعتقدوه في أنبيائهم وغلوا فيهم وصرفوا لهم من حق الله ما صرفوه اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصوروا فيها تلك الصور وجعلوا لها السدنة والحجاب وقربوا الهم القرابين والنذور، فلما علم نبينا – ﷺ أن هذه الأمة تأخذ مآخذ الأمم قبلها نهى عن ذلك وهذه العلة المذكورة موجودة في هذه الأمة من عباد قبور الأنبياء والصالحين حتى بنوا عليها القباب وجعلوا عندها سدنة وقصدها المجاورون وأقدوا عندها السرج وعكفوا عندها واعتقدوا أن لأرواح الأنبياء والأولياء والصالحين تصرفات في الحياة وبعد الممات استغاثوا بهم في الشدائد والبليات واعتقدوا أن بهممهم تكشف المهمات فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات مستدلين أن ذلك منهم كرامات وقد نهى النبي – ﷺ أمته أن تفعل كما فعلت اليهود والنصارى وحذرهم من ذلك غاية التحذير فجاء ورثة الأنبياء والرسل الذين هم أعلام الهدى ومصابيح الدجى فنهوها ما نهى عنه نبيهم – ﷺ وجردوا

стр. 235

التوحيد لله رب العالين فزعم هؤلاء الزنادقة أن هذا تلاعب بالدين وأن ذلك تهور وقياس فاسد فبعداً للقوم الظالمين. فصل قال الملحد: وأما كلامه الثاني فإنه بعد ما نقل آيات نزلت في حق المشركين، قال: وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ فالمسيح –صلوات الله عليه ومن قبله من الرسل- إنما دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له وبالتوراة من ذلك ما يعظم وصفه لم يأمر أحد من الأنبياء بأن يعبد ملك ولا نبي ولا كوكب ولا وثن ولا تسأل الشفاعة إلا من الله لا ميت ولا غائب لا نبي ولا ملك، فلم يأمر أحد من الرسل بأن يدعوا الملائكة ويقولوا اشفعوا لنا إلى الله. انتهى فانظر ما في هذا الكلام من الخلط والضلال "أولاً" قياسه التوسل والاستشفاع والتوسل بهذا على عبادة النصارى والوثنيين للصور والأوثان. "ثانياً" جعل الاستشفاع والتوسل بهذا القياس من المكفرات. "ثالثاً" استثناء الأحياء والحاضرين وحصر الحريم بالأموات والغائبين وإدخال الملائكة مع الأموات والغائبين مع أن الملائكة ليسوا أمواتاً ولا غائبين والتوسل والاستشفاع بالحي أقرب لمظنة الشرك من الميت وجميع الفرق المشركة ما قالوا بألوهية حدثت لميت بعد موته بل كلهم قالوا بألوهية وكلهم ينكرون موت آلهتهم، وسيأتي في البحث الثالث إن شاء من كلام الله تعالى وكلام رسوله ما يثبت به ضلال هذا المضل ويدحض افتراءه على الله وأنبيائه، فلعمر الحق أن كلام هذا الرجل إن لم يكن عن فسق وزيغ فهو أجدر بالجنون واختلال العقل إلى آخر كلامه.

стр. 236

والجواب: أن يقال لهذا الملحد نظرنا في كلامه فوجدنا على أقوم منهج وطريق وقد سلك فيه مسلك أحق والتحقيق ووجدنا كلامك واعتراضك هو الخبط والهمط والتخليط الواضح المشتمل على أنواع من الإفراط والتفريط فقصر بك الجهل والغباوة المفرطة عن غدراك حقائق العلوم النافعة الدينية وانحسرت بك في مهامه الغي والضلال فلم تلحق بأهل الملة الحنيفية وتجارى بكل الغلو والإفراط حتى أوغلت في الشر والاختلاط فكان ما أنت بصدده هو الخلط والضلال لاهل الإيمان بالله ورسوله من ذوي الفضل والكمال. فأما قوله: "أولاً قياس التوسل والاستشفاع على عبادة النصارى والوثنيين للصور والأوثان" فأقول نعم ن قياس التوسل والاستشفاع على عبادة النصارى والوثنيين للصور والأوثان هو القياس الصحيح الموافق للنص الصريح قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَيَنْفَعُنَا وَيَقُولُونَ هُؤلَاءِ شُفَعَاؤنَا عِنْدَ اللهِ﴾ الآية وقد بينا فيما تقدم أن التوسل على عرف عباد القبور اليوم هو دعاء الأنبياء والأولياء والتشفع بهم في قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وبينا أن هذا هو محض حق الله وأن من صرفه لغير الله كان مشركاً كما ذكر ذلك أهل العلم وإذا كان المشركون الأولون إنما عبدوا من عبدوه من دون الله بصرف هذه العبادة لغير الله وسموه تشفعاً وتقرباً إلى الله فكفرهم الله بذلك ولم تنفعهم ذلك تشفعاً وتقرباً مع وجود الحقيقة فإن الحقائق لا تتغير بتغيير أسمائها، وقد ذكر أهل العلم أشياء من دين النصارى كقول بعضهم: يا والدة المسح اشفعي لنا إلى الإله أو يا عيسى أعطني كذا وافعل بي كذا فإذا كان هو حقيقة الشرك بالله الذي كفر الله به النصارى وكان من غلاة هذه الأمة من يقول كما تقول النصارى وكما يقوله المشركون الأولون كمن يقول

стр. 237

يا علي، أو يا حسين، أو يا عباس، أو يا عبد القادر، أو يا عيدروس، أو يا أحمد البدوي، أو فلان وفلان أعطني كذا وأجرني من كذا وأنا في حسبك أو نحو ذلك من الألفاظ الشركية التي تتضمن العدل بالله والتسوية به تعالى وتقدس فهذا لا تأتي شريعة ولا رسالة بإباحته فقط بل هو من شعب الشرك الظاهرة الموجبة للخلود في النار ومقت العزيز الغفار، فكان من قياس شيخ الإسلام ما فعله غلاه الأمة على ما فعلته النصارى والمشركون الأولون من أصح القياس المطابق له في اللفظ والمعنى فلا عيب عليه ولا لوم يتوجه إليه، وأما قوله: ثانياً جعل الاستشفاع والتوسل بهذا القياس من المكفرات فأقول: نعم وجوابه ما تقدم وتأويل الجاهلين والميل إلى شبه المبطلين هو الذي أوقع هؤلاء وأسلافهم الماضين من أهل الكتاب والأميين في الشرك بالله ورب العالمين فبعضهم يستدل على شركه بالمعجزات والكرامات وبعضهم برؤيا المنامات وبعضهم بالقياس على السوالف والعادات وبعضهم بقول من يحسن به الظن وكل هذه الأشياء ليست من الشرع في شيء وعند رهبان النصارى وعباد الصليب والكواكب من هذا الضرب شيء كثير وما أشبه الليلة بالبارحة فإنا لله وإنا له راجعون ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . وأما قوله: ثالثاً استثناء الأحياء والحاضرين وحصر التحريم بالأموات والغائبين والتوسل والاستشفاع بالحي أقرب لمظنة الشرك من الميت وجميع الفرق المشركة ما قالوا بألوهية حدثت لميت بعد موته بل كلهم قالوا بألوهية أحياء وكلهم ينكرون موت آلهتهم. فالجواب أن نقول: أما استثناؤه الأحياء والحاضرين وحصره التحريم بالأموات والغائبين فلقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ فإن الطلب

стр. 238

والاستشفاع من الحي الحاضر القادر على ما يقدر عليه من الأمور الظاهرة العادية التي أجرى الله على أيدي العباد أن ينفع بها بعضهم بعضا جائز لا نزاع فيه بين العلماء وأما الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله وليست في مقدور البشر فلا يجوز أن تطلب إلا من الله ومن طلبها من الأموات والغائبين والأحياء فقد أشركهم بالله فيما لا يقدر على فعله إلا الله وهذا هو الشرك بإجماع العلماء وأما حصره التحريم بالأموات والغائبين فإن الميت قد انقطع عمله بنص رسول الله ﷺ حيث قال "إذا مات بن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" الحديث. فجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت وأن أرواحهم ممسكة وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة أو نقصان فدل ذلك على أن ليس للميت تصرف في ذاته فضلا عن غيره فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره فالله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده وهؤلاء الملحدون يقولون إن الأرواح مطلقة متصرفة ﴿قُلْ أََأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ هذا ملخص ما ذكره الإمام صنع الله الحلبي الحنفي، وأما الملائكة فلا يقول عاقل أنهم حاضرون وإن كانوا أحياء فهم في حكم الغائبين إلا ما كان من الملائكة الموكلين ببني آدم جائز. وأما قوله: والتوسل والاستشفاع بالحي أقرب لمظنة الشرك من الميت فقد تقدم الجواب عنه قريباً، وأما وأما قوله: وجميع الفرق المشركة ما قالوا بألوهية حدثت لميت بعد موته بل كلهم قالوا بألوهية أحياء وكلهم ينكرون موت آلهتهم. فالجواب أن نقول: من جعل في مخلوق نوعاً من الإلهية مثل أن يقول يا سيد فلان انصرني أو أغثني أو ارزقني أو أنا في حسبك ونحو ذلك كان مشركاًَ سواء

стр. 239

كان ذلك المدعو حياً أو ميتاً فقد اتخذه إله وهؤلاء النصارى عليهم لعائن الله يعبدون عيسى بن مريم ويتخذونه إله مع الله وهو حي قد رفعه الله إليه والمشركون الأولون كانوا يعبدون وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً وهم أموات ولا يعتقدون أن الإلهية حدثت لهم بعد موتهم ولكن كانوا يعبدونهم ليشفعوا لهم عند الله وأن يقربوهم إليه زلفى وكذلك النماردة والفراعنة الأولى كان قومهم يعبدونهم وهم أحياء ويدعون فيهم الإلهية بل الربوبية والسبئية قد ادعوا الإلهية في علي بن أبي طالب فاستتابهم ثلاثاً فلما لم يتوبوا ولم يرجعوا خدّ لهم الأخاديد عند باب كندة فقذفهم فيها وقال: لما رأيت الأمر أمراً منكراً ... أججت ناري ودعوت قنبرا فالمشركون كانوا يعبدون آلهتهم أحياء وأمواتاً فلا أدري ما هذه المخرقة التي يمخرق بها هذا الضال المضل. فصل ثم قال الملحد: وسيأتي في البحث الثالث إن شاء الله تعالى من كلام الله تعالى وكلام رسوله ما يثبت به ضلال هذا المضل ويدحض افتراء على الله وأنبيائه فلعمر الحق إن كلام هذا الرجل إن لم يكن عن فسق وزيغ فهو أجدر بالجنون واختلال العقل إلى ما آخر ما هذي به. والجواب أن نقول: وسيأتي الكلام على كلامه إن شاء الله تعالى بما يدحض ضلاله ويبين سفاهته وجهالته، وأما تسمية شيخ الإسلام والضال المضل فأين هذا من قوله لما ذكر كلام شيخ الإسلام في "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" قال فانظر رحمك الله إذا كان حال الخلفاء الراشدين وأجلاء الصحابة –﵃ على ما سمعت وشهادة عن عشر شهادات من إمام جليل مقتدى به عند السادة

стр. 240

الحنابلة عموماً ولوهابيين وأتباعهم وخصوصاً لما كان موافقاً لهواه مع أن الذي ذكره شيخ الإسلام في حق الأئمة الأعلام هو الحق الذي ندين الله به وذكر في هذا البحث لما كان مخالفاً لما يهواه وقد كان هو الحق والصواب الموافق لنصوص السنة والكتاب أنه هو الضال المضل المفتري على الله والصواب الموافق لنصوص السنة والكتاب أنه هو الضال المضل المفتري على الله وعلى أنبيائه وأن كلامه إن لم يكن عن فسق وزيغ فهو أجدر بالجنون واختلال العقل فإن لم يكن هذا من التلفيق الذي شنع على من سلكه ورمى به أهل التحقيق فليس على وجه الأرض تلفيق وفعلى وجهه التباب والعفا ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ ثم ذكر كلاماً بعد هذا في ذكر من رد على شيخ الإسلام ومن رد على الوهابية ولا فائدة في الجواب ولا عن ما ذكره بعده من المخرقة إذ لو تتبعنا جميع زلاتهن وهفواته ورعونات جهله وضلالاته لخروج بنا عما قصده من الاختصار، ويسأله عن ذلك ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الْظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ الَّلعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الَّدارُ﴾ .

стр. 241

الاحاديث الموضوعة في زيارة قفبر النبي ﷺ ... فصل: الاحاديث الموضوعة في زيارة قبر النبي ﷺ ثم قال الملحد: قال الأستاذ الفاضل يوسف النبهاني في كتابه "الفضائل المحمدية" ما نصه: ألف العلماء في زيارة الرسول –﵊ كتباً مستقلة منهم الإمام السبكي وابن حجر فمن الأحاديث التي نقلاها وبسط السبكي الكلام عليها الأول قوله – ﷺ : "من زار قبري وجبت له شفاعتي" الثاني قوله "من جاءني زائرا لا يعلمه حاجة إلا زيارتي كان حقا علي أن أكون له شفيعا يوم القيامة " الثالث قوله "من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي " الرابع قوله " من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني" الخامس قوله "من زار قبري كنت له شهيدا، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم

стр. 242

القيامة" السادس قوله "من زارني متعمدا كان في جواري يوم القيامة" السابع قوله "ما من أحد من أمتي له سعة لم يزرني فليس له عذر" انتهى. والجواب أن نقول: قد ذكر الإمام الحافظ محمد بن عبد الهادي المقدسي في كتابه "الصارم المنكي" الجواب عن هذه الأحاديث فنذكر من ذلك نزراً يسيراً تقوم به الحجة فقال: هذا الحديث الذي ابتدأ المعترض بذكره حديث غير صحيح ولا ثابت بل هو حديث منكر عند أئمة هذا الشأن ضعيف الإسناد عندهم لا يقوم بمثله حجة ولا يعتمد على مثله عند الاحتجاج إلا الضعفاء في هذا العلم، وقد بين أئمة هذا العلم والراسخون فيه والمعتمد على كلامهم والمرجوع إلى أقوالهم ضعف هذا الخبر ونكارته كما سنذكر بعض ما بلغنا عنهم في ذلك إن شاء الله تعالى، وجميع الأحاديث التي ذكرها المعترض في هذا الباب، وزعم أنها بضعة عشر حديثاً ليس فيها حديث صحيح بل كلها ضعيفة واهية، وقد بلغ الضعف إلى أن حكم عليها الأئمة الحفاظ بالوضع كما أشار إليه شيخ الإسلام، ولو فرض أن هذا الحديث المذكور صحيح ثابت لم يكن فيه دليل على مقصود هذا المعترض ولا حجة على مراده كما سيأتي بيانه يصلح الاحتجاج بمثله ولم يصححه أحد من الحفاظ المشهورين ولا اعتمد عليه أحد من الأئمة المحققين، ثم ذكر –﵀ من روى هذا الحديث من العلماء الذين يذكرون في كتبهم الحديث الصحيح والحسن والضعيف بل والموضوع ويبينون في كتبهم صحته أو ضعفه أو نكارته وغير ذلك مثل الدارقطني وأبي جعفر العقيلي وأبي أحمد بن عدي، ومثله البيهقي وكل هؤلاء الأئمة الحفاظ ذكر أنهم قد بينوا ضعف هذا الحديث ونكارته وأنه لا يحتج به فبطل

стр. 243

الاستدلال به والاعتماد عليه ولا نطيل بذكر ما ذكر على هذا الحديث من كلام العلماء وبيان ما فيه لأجل الاختصار ومن أراد الوقوف على ذلك، وعلى ما يأتي من كلامه على هذه الأحاديث فليراجعه في محله وبالله التوفيق. ثم قال الملحد الحديث الثاني قوله: من جاءني زائراً لا يعلمه حاجة إلا زيارتي كان حقاً على أن أكون له شقياً يوم القيامة. والجواب أن نقول: قال الحافظ محمد بن عبد الهادي: قلت: هذا الحديث ليس فيه ذكر زيارة القبر ولا ذكر الزيارة بعد الموت مع أنه حديث ضعيف الإسناد منكر المتن لا يصلح الاحتجاج به ولا يجوز الاعتماد على مثله ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولا رواه الإمام أحمد في مسنده ولا أحد من الأئمة المعتمد على ما أطلقوه في روايتهم ولا صححه إمام يعتمد على تصحيحه، وقد تفرد به هذا الشيخ الذي لم يعرف بنقل العلم ولم يشتهر بحمله، ولم يعرف من حاله ما يوجب قبول خبره، وهو مسلمة بن سالم الجهني الذي لم يشتهر إلا برواية هذا الحديث المنكر، وحديث آخر موضوع ذكره الطبراني بالإسناد المتقدم ومتنه. "الحجامة في الرأس أمان من الجنون والجذام والبرص والنعاس والضرس"،قال: تفرد مثل هذا الشيخ المجهول الحال القليل الرواية بمثل هذين الحديثين المنكرين عن عبيد الله بن عمر أثبت آل عمر بن الخطاب في زمانه، وأحفظهم عن نافع عن سالم: عن أبيه عبد الله بن عمر من بين سائر أصحاب عبيد الله الثقات المشهورين والأثبات المتقنين علم أنه شيخ لا يحل الاحتجاج بخبره ولا يجوز الاعتماد على رواية ثم ذكر كلاماً طويلاً. ثم قال الملحد: الحديث الثالث قوله: "من حج فزار قبري بعد وفاتي

стр. 244

فكأنما زارني في حياتي". والجواب أن نقول: قال الحافظ: واعلم أن هذا الحديث، لا يجوز الاحتجاج به ولا يصلح الاعتماد على مثله، فإنه حديث منكر المتن ساقط الإسناد، لم يصححه أحد من الحفاظ، ولا احتج به أحد من الأئمة بل ضعفوه وطعنوا فيه، وذكر بعضهم أنه من الأحاديث الموضوعة والأخبار المكذوبة ولا ريب في كذب هذه الزيادة فيه، وأما الحديث بدونها فهو منكر جداً ورواية حفص بن سليمان أبو عمر الأسدي الكوفي البزار القاري الغازي، وهو صاحب عاصم بن أبي النجود في القراءة وابن امرأته، وكان مشهوراً بمعرفة القراءة ونقلها، وأما الحديث فإنه لم يكن من أهله، ولا ممن يعتمد عليه في نقله، ولهذا جرحه الأئمة وضعفوه وتركوه واتهمه بعضهم، قال عثمان بن سعيد الدارمي وغيره عن يحيى بن معين ليس بثقة، وذكر العقيلي عن يحيى أنه سئل عنه فقال: ليس بشيء، وقال عبد الله بن الإمام أحمد: سمعت أبي يقول: حفص بن سليمان القاري متروك الحديث، وقال البخاري: تركوه. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: قد فرغ منه من دهر. وقال مسلم بن الحجاج متروك، وقال علي بن المديني: ضعيف وتركته على عمد، وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وقال مرة متروك الحديث، ثم ذكر كلام الحفاظ فيه وأطال الكلام، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى. قال الملحد: الحديث الرابع: قوله: "من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني" قال الإمام الحافظ: واعلم أن هذا الحديث المذكور حديث منكر جداً لا أصل له بل هو من المكذوبات والموضوعات، وهو كذب موضوع على مالك مختلق عليه، ولم يحدث به قط، ولم يروه إلا من جمع الغرائب والمناكير والموضوعات

стр. 245

ولقد أصاب الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في ذكره في الموضوعات، والحمل في هذا الحديث على محمد بن محمد ابن النعمان لا على جده كما ذكره الدارقطني في الحواشي على كتاب "المجروحين لأبي حاتم بن حبان البستي، ثم ذكر كلاماً إلى أن قال: ولقد صدق الحافظ في هذا القول فإن النعمان ابن شبل إنما يعرف برواية هذا الحديث عن محمد بن الفضل بن عطية المشهور بالكذب ووضع الحديث عن جابر الجعفي عن محمد بن علي عن علي بن أبي طالب هكذا رواه الحافظ أبو عمرو بن خرزاد عن النعمان بن شبل كما تقدم ذكره هذا الحديث الموضوع لا يليق أن يكون إسناده إلا مثل هذا الإسناد الساقط ولم يروه عن النعمان بن شبل عن مالك عن نافع عن ابن عمر إلا ابن ابنه محمد بن محمد ابن النعما، وقد هتك محمد في رواية هذا الحديث شره وأبدى عن غورته وافتضح بروايته حيث جعله عن مالك عن نافع عن ابن عمر، ومن المعلوم عند من أدنى له علم ومعرفة بالحديث أن تفرد مثل محمد بن محمد بن النعمان بن شبل المتهم بالكذب والوضع عن جده النعمان بن شبل الذي لم يعرف بعدالة ولا ضبط ولم يوثقه إمام يعتمد عليه، بل اتهمه موسى بن هارون الحمال أحد الأئمة الحفاظ المرجوع إلى كلامهم في الجرح والتعديل الذي قال فيه عبد الغني بن سعيد المصري الحافظ: هو أحسن الناس كلاماً على حديث رسول الله – ﷺ في وقته عن مالك عن نافع عن ابن عمر بمثل هذا الخبر المنكر الموضوع من أبين الأدلة وأوضح البراهين على فضيحته وكشف عورته، وضعف ما تفرد به وكذبه ورده، وعدم قبوله، ونسخة مالك عن نافع عن ابن عمر محفوظة معروفة ومضبوطة، رواها عنه أصسحابه رواة الموطأ وغير رواة الموطأ، وليس هذا الحديث منها بل لم يروه مالك قط ولا طرق سمعه، ولو كان من

стр. 246

حديثه لبادر إلى روايته عند بعض أصحابه الثقات المشهورون بل لو تفرد بروايته عنه ثقة معروف من بين سائر أصحابه لأنكره الحفاظ عليه ولعدوه من الأحاديث المنكرة الشاذة فكيف وهو حديث لم يروه عنه ثقة قط ولم يخبر به عنه عدل. انتهى المقصود منه. ثم قال الملحد: الحديث الخامس قوله: "من زار قبري كنت له شهيداً ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم القيامة". والجواب أن يقال: ليس بصحيح لانقطاعه وجهالة إسناده واضطرابه ولأجل اختلاف الرواة في إسناده واضطرابهم فيه، قال وهو حديث واحد ساقط الإسناد لا يجوز الاحتجاج به ولا يصلح الاعتماد على مثله كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى، وقد خرجه البيهقي في شعب الإيمان وفي كتاب السنن الكبير، وقال في كتاب "السنن" بعد تخريجه هذا إسناد مجهول. قلت: وقد خالف أبا داود وغيره في إسناده لفظه وسوار بن ميمون شيخه يقبله بعض الرواة، ويقول ميمون بن سوار وهو شيخ مجهول لا يعرف بعدالة ولا ضبط ولم يشتهر بحمل العلم ونقله، وأما شيخ سوار في هذه لرواية أبي داود فإنه شيخ مبهم وهو أسوأ حالاً من المجهول، وبعض الرواة يقول فيه عن رجل من آل عمر كما في هذه الرواية، وبعضهم يقول عن رجل من ولد حاطب، وبعضهم يقول عن رجل من آل الخطاب، ثم ذكر الحافظ كلاماً طويلاً في سوار بن ميمون فاقتصرنا على ما سبق، والله أعلم. قال الملحد: الحديث السادس بعينه هو الحديث الخامس، وهو عند الحافظ الحديث السابع، وهو السابع فجعل المعترض له حديثين بل ثلاثة أحاديث وهو حديث واحد ضعيف مضطرب مجهول الإسناد من أوهى المراسيل وأضعفها

стр. 247

وهو من باب التمويل والتكثير بما لا يحتج به وما كفاه هذا حتى أخذ يقويه ويناقش من رده وتكلم فيه وقد علم أن ضعفه حصل بأمور متعددة وأشياء مختلفة وهي الاضطراب والاختلاف والجهالة والإرسال والانقطاع وبعض هذه الأمور تكفي في ضعف الحديث ورده وعدم الاحتجاج به عند أئمة هذا الشأن فكيف باجتماعها في خبر واحد إلى آخر ما ذكره الحافظ والحديث المذكور من رواية سوار بن ميمون. قال الملحد: الحديث السابع "قوله" "ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر". انتهى. والجواب أن نقول: قد ذكر الحافظ محمد بن عبد الهادي أن هذا هو الحديث الثاني عشر من كتاب السبكي قال الحافظ هكذا ذكر المعترض هذا الحديث وخرس بعد ذكره فلم ينطق بكلمة وهو حديث موضوع مكذوب مختلق مصنوع من النسخة الموضوعة المكذوبة المصلقة بسمعان المهدي –قبح الله واضعها! وإسناده إلى سمعان ظلمات بعضها فوق بعض، وأما سمعان فهو من الحيوانات التي لا تدري هل أو جد أم لم وهذا المعترض إن كان لا يدري هذا الحديث من أقبح الموضوع فهو من أجهل الناس وإن كان إنه موضوع ثم يذكره في معرض الاحتجاج يتكثر به ولا يبين حاله فهو داخل في قوله – ﷺ "من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" فهو إما جاهل مفرط في الجهل أو معاند صاحب هوى متبع لهواه نعوذ بالله من الخذلان. انتهى ما ذكره الحافظ مختصراً، ومن كان لله عناية علم أن هذه الأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله – ﷺ هي غاية ما يعتمدون عليه وهي مستندهم وقدر رأيت ما ذكره الحفاظ أئمة هذا الشأن فيها ولم

стр. 248

نذكر من ذلك إلا عشر معشار ما ذكره الحافظ طلباً للاختصار، وإذا بطل الأصل الذي يعتمدون عليه بطل الفرع الذي يتفرع عليه من الأقوال المخترعة والمذاهب المبتدعة ثم ذكر هذا الملحد بعد هذا كلاماً لبعض العلماء الذي لا يعتمد على أقوالهم ولا يعول عليها في فروع الدين فكيف بأصوله؟! فلا نطيل بردها.

стр. 249

دحض فرية القول باجماع المسلمين على جواز شد الرحال للقبور ... فصل: دحض فرية القول باجماع المسلمين عبى جواز شد الرحال القبور ثم قال الملحد: وجماع القول في هذه المسألة التي وقع إجماع المسلمين من أهل السنة والشيعة على فضلها ووجوبها هي من جملة الأمور التي خرق الوهابيون وإخوانهم الإجماع بحظرها وإنكارها ومرقوا بهذا الخرق من الإجماع وخلعوا ربقة الإسلام من عنقهم والعياذ بالله تعالى. والجواب أن نقول: دعوى إجماع المسلمين من أهل السنة بدع الشيعة فإنهم إخوانهم ولم تتصل هذه البدع والشرك بالله إليه وإلى حزبه منالمشركين إلا من جهتهم دعوى مجردة عن الدليل فإنه لم يجمع العلماء على جواز شد الرجال إلى قبره عليه الصلاة ولا إلى قبور الأنبياء والأولياء والصالحين ومشاهدهم بقصد السلام ولا ابتغاء الفضيلة بدعاء الله عندها من غير أن يدعوهم ويتشفعوا بهم ويطلبوا منهم قضاء الحاجات وإغاثة اللهفات فضلاً عن أن يجمعوا على شد الرحال إليها لقصد دعاء أربابها والشرك بهم والطواف بقبورهم وتقريب القرابين والنذور لها فإن هذا مجمع على المنع منه وعلى أنه بهذا القصد شرك بالله ومخالفة لما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة المهتدون فخرق إجماع من هذا دينه وهذه نحلته هو الحق الذي ندين الله به وعليه أئمة أهل السنة المحققون ودعوى هذا

стр. 250

الملحد إجماع المسلمين من أهل السنة والجماعة على استحباب شد الرحال بزيارة قبور الأنبياء والصالحين دعوى باطلة فإن العلماء لم يجمعوا على هذه الدعوى الخاطئة وإذا كان كذلك فنذكر من كلام أئمة الإسلام خصوصاً أئمة المالكية الذي ينسب هذا الملحد إليهم ويزعم أنه يعتمد على أقوالهم قال الشيخ تقي الدين في "الجواب الباهر" قال في "المدونة" ومن قال لله علي أن آتي المدينة أو بيت المقدس أو المشي إلى المدينة أو بيت المقدس فلا يأتيها أصلاً إلا أن ينوي الصلاة في مسجديهما أو يسميهما فيقول إلى مسجد الرسول إلى مسجد إيليا وإن لم ينو الصلاة فليأتهما راكباً ولا هدي وكأنه لما سماها قال لله علي أن أصلي فيهما ولو نذر الصلاة في غيرهما من مساجد الأمصار صلى في موضعه ولم يأته فقد تبين أنه نوى الصلاة في المسجدين وفى بنذره وكذلك إن سمى المسجد إنما يؤتى للصلاة وأما إذا نذر إتيان نفس البلد فليس عليه أن يأتيه وهذا متناول إتيانه لزيارة قبر النبي – ﷺ وقبور الشهداء وأهل البقيع وإتيان مسجد قباء كما يتناول النهي عن السفر إلى بيت المقدس لزيارة القبور والآثار التي هناك من آثار الإتيان وإتيان المسجد لغير الصلاة كالتمسح بالصخرة وتقبيلها أو إتيانه للوقوف عشية عرفة والطواف بالصخرة أو لغير ذلك مما يظنه بعض الناس عبادة وليس بعبادة، ومما هو عبادة للقريب ولا يسافر لأجله كزيارة قبور المسلمين والدعاء لهم والاستغفار فإن هذا مستحب لمن خرج إلى المقبرة من البلد ولمن اجتاز به ولا يشرع السفر لذلك فمالك وغيره نهواه عن السفر إلى المدينة أو إلى بيت المقدس لغير العبادة المشروعة في المسجدين سواء كان المسافر يسافر لأمر غير مشروع بحال أو لما هو مشروع للقريب ولا يشرع السفر لأجله وكذلك مذهب مالك أنه لا يسافر إلى المدينة لشيء من ذلك بل هذا السفر منهي عنه والسفر المنهي عنه
следующие страницы →